← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: " لا يلبسوا القمص, ولا العمائم, ولا السراويلات, ولا البرانس, ولا الخفاف, إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين, وليقطعهما أسفل من الكعبين, ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران ولا ورس ". وفي رواية: " ولا تنتقب المرأة المحرمة, ولا تلبس القفازين ". (باب ما يجتنبه المحرم) (من الصحاح): " عن ابن عمر ﵄: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبسوا القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا الخفاف, إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين, وليقطعهما أسفل من الكعبين, ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران ولا ورس ". سأل الرجل عما يجوز لبسه, فأجاب عنه بعد ما لا يجوز له لبسه, ليدل بالإلتزام من طريق المفهوم على ما يجوز, وإنما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب, لأنه أحضر وأخصر, فإن ما يحرم أقل وأضبط مما يحل, أو لأنه لو قال: يلبس كذا وكذا, فربما أوهم أن لبس شيء مما عدده من المناسك, وليس كذلك, فعدل إلى ما لا يوهم

стр. 702

ذلك, أو لأن السؤال كان من حقه أن يكون مما لا يلبس, لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة, وأما جواز ما يلبس فثابت بالأصل, مفهوم بالاستصحاب, فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيها على ذلك. و" البرانس " جمع: برنس, وهو قلنسوة طويلة, وفي عطفها على (العمامة) دليل على أن المحرم ينبغي ألا يغطي رأسه بمعتاد اللباس وغيره. و (الورس): نبت يشبه الزعفران تصفر به الثياب. وحاصل الحديث: أنه يحرم على الرجل المحرم لبس المخيط والمطيب وستر الرأس بالعمائم ونحوها, والدليل على اختصاص الحكم بالرجال: توجيه الخطاب نحوهم, وأن واو الضمير - وإن استعمل متناولا للقبيلين على التغليب - فإن الظاهر فيه اختصاصه بالمذكرين, وعطف قوله: ولا تنتقب المرأة المحرمة, ولا تلبس القفازين " عليه في بعض الروايات. و (القفاز) - بالضم والتشديد - لليد: كالجرموق للرجل: مخيط يحشى بقطن, ويكون له أزرار ترد على الساعد, تلبسه المرأة توقيا من البرد. ... ٥٦٤ - ١٩٤٩ - عن يعلى عن بن أمية قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 703

بالجعرانة إذ جاءه رحل أعرابي عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال: يا رسول الله, إني أحرمت بالعمرة وهذه علي, فقال: " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات, وأما الجبة فانزعها, ثم اصنع في عمرتك كما تصنع ف حجتك ". " عن يعلى بن أمية التميمي قال: كنا عند النبي ﷺ بالجعرانة, إذ جاءه أعرابي عليه جبة, وهو متضمخ بالخلوق, فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بالعمرة, وهذه علي؟ فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات, وأما الجبة فانزعها, ثك اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ". " الجعرانة " بسكون العين وفتح الراء وتخفيفها, وتحريك العين وتشديد الراء: من أطراف الحل بينها وبين مكة تسعة أميال. و"أعرابي " واحد: أعراب, والياء فيه للوحدة كالتاء في (تمرة). و (التضمخ): التلطخ بالطيب, و (الخلوق): طيب مخلوط يتخذ من الزعفران وغيره. وفي الحديث: دليل على أن من أحرم وعليه مخيط ينبغي أن ينزعه, وليس عليه شق ولا تمزيق, وقال النخعي: يشقه, وقال الشعبي: يشق عليه. وأن المحرم إذا لبس ناسيا أو جاهلا لم تلزمه الفدية, لأنه ﵇ لم يأمر بها.

стр. 704

وأن التطيب للإحرام بما يبقى أثره بعده محظور, لأنه أمره بغسل الطيب ثلاث مرات للمبالغة. وأجيب عنه: بأنه إنما أمره بالغسل, لأن التضمخ بالزعفران ونحوه مما له صبغ حرام على الرجال حالتي حرمه وحله, لما روى أنس: أنه ﵇ نهى أن يتزعفر الرجل, ولقوله ﵇: " طيب الرجال: ما خفي لونه, وظهر ريحه " لا لأن بقاء أثره يخل بالإحرام. ... ٥٦٥ - ١٩٥٠ - عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله: " لا ينكح المحرم, ولا ينكح, ولا يخطب ". " عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينكح المحرم, ولا ينكح, ولا يخطب ". جاءت الرواية في الكلمات الثلاث بالنهي والنفي, والأول أصح, والثاني محمول عليه, وهو دليل على أن المحرم ليس له أن يتزوج, ولا أن يزوج, وهو مذهب عمر وعثمان وعلي ﵃, وأكثر علماء التابعين, وبه قال مالك والشافعي, وأحمد وإسحاق. غير أن مالكا قال: إذا نكح يفسخ بطلقة, وذهب الباقون إلى أنه لا يصح أصلا.

стр. 705

وقال ابن عباس: يصح منه العقد ولا يحرم, لأنه ﵇ تزوج ميمونة وهو محرم, وبه قال الثوري وأصحاب الرأي, والأصح - وهو ما عليه أكثرون - أنه ﵇ تزوجها عام عمرة القضاء في طريق مكة, قبل أن يحرم, وظهر أمر تزويجها بعد أن أحرم, ولذلك وهم ابن عباس, ثم بنى بها وهو حلال في المراجعة بسرف, لما روي عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة, عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال, وبنى بها حلالا, وماتت بسرف, ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها. وعن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة حلالا, وبنى بها حلالا, وكنت أنا الرسول بينهما. ومن البين: أن خبر صاحب الواقعة والسفير فيه مرجح - عند التعارض - على خبر غيره. ... ٥٦٦ - ١٩٥٥ - وعن عثمان ﵁ حدث عن رسول الله ﷺ : في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر. " عن عثمان بن عفان: أنه حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه, وهو محرم: ضمدها بالصبر ". " ضمدها ": عصبها بالضماد, وهو العصابة, والضمد: العصب.

стр. 706

و"الصَّبِر" - بكسر الباء -: دواء معروف. ... ٥٦٧ - ١٩٥٧ - عن كعب بن عجرة:" أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم, وهو يوقد تحت القدر والقمل يتهافت على وجهه, فقال: " أتؤذيك هوامك؟ " قال: نعم, قال: " فاحلق رأسك, وأطعم فرقا بين ستة مساكين - والفرق ثلاثة أصوع - أو صم ثلاثة أيام, أو انسك نسيكه " " وفي حديث كعب بن عجرة: والقمل يتهافت على وجهه". أي: يتساقط, والتهافت: تساقط الشيء شيئا فشيئا, من: الهفت, وهو الانخفاض. ... ١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد من الصحاح: ٥٦٨ - ١٩٦١ - عن الصعب بن جثامة: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء- أو بودان - فرد عليه, فلما رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ".

стр. 707

(باب المحرم يجتنب من الصيد) (من الصحاح): " عن الصعب بن جثامة: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء - أو بودان - فرد عليه, فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك, إلا أنا حرم ". " الأبواء ": قرية من أعمال فرع, على عشرة فراسخ من المدينة, و" ودان ": قرية جامعة على ثمانية أميال من الأبواء بينها وبين جحفة. قوله: " إلا أنا حرم " علة للرد, أي: لم نرد عليك لشيء إلا لأنا حرم, وبهذا الحديث يتشبث من رأى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقا, سواء صيد له أو لغيره, كابن عباس وطاوس والثوري, وأوله من فرق بين ما صاده أو صيد له, وبين ما صاده حلال, لا له وهم أكثر علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة: بأنه ﵇ إنما رده عليه لما ظن أنه صيد من أجله, ويدل عليه ما رواه في " الحسان " عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: " لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". وحديث أبي قتادة التالي لهذا الحديث الذي نحن فيه لا يقال: إنه منسوخ بهذا لأن حديث أبي قتادة كان عام الحديبية, وحديث الصعب كان في حجة الوداع, لأن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر

стр. 708

الجمع, كيف والحديث المتأخر محتمل لا دلالة [فيه] على الحرمة العامة صريحا ولا ظاهرا, حتى يعارض الأول فينسخه؟! ... ٥٦٩ - ١٩٦٤ - وعن عائشة ﵂, عن النبي ﷺ :" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية, والغراب الأبقع, والفأرة, والكلب العقور, والحديا ". " وعن عائشة, عن النبي ﷺ قال: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية, والغراب الأبقع, والفأرة, والكلب العقور, والحديا ". (الفسوق) أصله: الخروج عن القصد, وإنما سميت هذه الحيوانات " فواسق " لخبثهن تشبيها بالفساق, وقيل: لخروجهن من الحرمة في الحل والحرم, وقيل: لحرمتهن, من قوله تعالى: ﴿ذلكم فسق﴾ [المائدة: ٣] أي: حرام. وإنما خصت بهذا الحكم, لأنها مؤذيات مفسدات, تكثر في المساكن والعمرانات, ومعسر دفعها, والتحرز عنها, فإن منها ما هي كالمنتهز للفرصة, إذا تمكن من إضرار بادر إليه, وإذا أحس بطلب أو دفع فر منه بطيران أو اختفاء في نفق, ومنها ما هو صائل متغلب لا ينزجر بالخسء والزجر, كـ" الكلب العقور": وهو كل ما يعدو على الإنسان ويصول عليه, ويعقره, أي: يجرحه, من: العقر, وهو الجرح,

стр. 709

وقاس عليه الشافعي كل سبع ضار أو صائل, وقيل: إنه يعم بلفظه كل سبع عقور, ويدل عليه أنه ﵇ دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " ففرسه الأسد في مسيره إلى الشام. و" الغراب الأبقع ": الذي فيه سواد وبياض, والموجب لتخصيصه أنه أكثر ضررا وأسرع فسادا. و" الحدايا ": الحدأة. ... من الحسان: ٥٧٠ - ١٩٦٦ - عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ قال: " الجراد من صيد البحر ". (من الحسان): " عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ : الجراد من صيد البحر ". إنما عده من صيد البحر, إما لأنه يشبه صيد البحر من حيث إنه يحل ميتته, ولا يفتقر إلى التذكية, أو لما قيل من أن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان. ***

стр. 710

١٣ - باب الإحصار وفوت الحج من الصحاح: ٥٧١ - ١٩٧٥ - وقالت عائشة ﵂: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير, فقال لها: " لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني إلا وجعة, فقال لها: " حجي, واشترطي, وقولي: اللهم محلي حيث حبستني ". (باب الإحصار وفوات الحج) (من الصحاح): " قالت عائشة: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير, فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة, فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني ". هذا " الزبير ": زبير بن عبد المطلب, أكبر أعمام رسول الله ﷺ , ولم يدرك الإسلام, وكانت ضباعة تحت المقداد بن الأسود. وقوله: " اشترطي " يدل على أن من أحرم وشرط أن يخرج لعذر كذا صح إحرامه, وجاز له الخروج عنه إذا طرأ, وهو أحد قولي الشافعي, وقول أحمد وإسحاق, وأن طران العذر لا ينسخ التحلل من غير شرط, وإلا لما أمرها بالشرط, لعدم الإفادة, والإحصار مستثنى

стр. 711

بالنص, وهو قول ابن عباس وابن عمر وابن الزبير, ومذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقوله: " محلي حيث حبستني " يدل على أن المحصر وسائر من يحل له أن يحل لعذر يحل حيث حبس من حل أو حرم. ... من الحسان: ٥٧٢ - ١٩٧٧ - عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كسر أو عرج أو مرض فقد حل, وعليه الحج من قابل " ضعيف. (من الحسان): " عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : من كسر أو عرج, أو مرض فقد حل, وعليه الحج من قابل ". تمسك به من جوز التحلل بعذر غير إحصار من عدو, كعطاء وعروة والنخعي وأبي حنيفة والثوري, ومن أوجب القضاء على المحصر, كمجاهد والشعبي والنخعي وعكرمة وأصحاب الرأي. وضعفه الشيخ في هذا الكتاب, ونسبه إلى بعض المحدثين في " شرح السنة ", وعلله بأنه معارض بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.

стр. 712

وحكى عن بعضهم: أنهم أولوه بما إذا كان قد شرط ذلك, وفيهما نظر, أما الأول: فلأن قول ابن عباس لا يعارض الحديث المرفوع, فكيف يوجب وهنه؟! اللهم إلا إذا ثبت رفعه, فيرجع بفضل الراوي وشهرته, وأما الثاني: فلأنه يقيد بلا دليل. ... ٥٧٣ - ١٩٧٨ - عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " الحج عرفة, من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج, أيام منى ثلاثة, ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣] ". " وعن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت النبي ﷺ [يقول]: الحج عرفة, من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة, ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]. " الحج عرفة " مبتدأ وخبر, على تقدير حذف المضاف من الطرفين, أي: ملاك الحج أو معظم أركانه: وقوف عرفة, لأن الحج يفوت بفواته, ولا يفوت بفوات غيره. وقوله: " من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ": معناه: من أدرك الوقوف بعرفة ليلة النحر قبل طلوع الفجر, فقد أدرك الحج, وبه قال عامة العلماء, وذهب بعض المالكية: إلى أن من فاته

стр. 713

الوقوف نهارا فاته الحج, وإن أدركه ليلا, وسمى ليلة النحر: (ليلة جمع) , لأنه يجمع فيها صلواتها. و (تعجل): جاء لازما ومتعديا, فإن عديته فمفعوله محذوف, والمعنى: فمن تعجل النفر في يومين, أي: في آخر اليومين الأولين من أيام التشريق فلا إثم عليه ولا حرج, ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه, أي: التقديم والتأخير سواء في الجواز وعدم الحرج, ليس في التعجيل ترك واجب, ولا في التوقف والتأخير ارتكاب بدعة وزيادة على المشروع, مع أن التأخير أفضل. ... ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله من الصحاح: ٥٧٤ - ١٩٧٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة:" لا هجرة, ولكن جهاد ونية, فإذا استنفرتم فانفروا ". وقال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي, ولم يحل لي إلا ساعة من نهار, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده, ولا يلتقط لقطته

стр. 714

إلا من عرَّفها, ولا يختلى خلاه " فقال العباس: يا رسول الله, إلا الإذخر, فإنه لقينهم ولبيوتهم, قال: " إلا الإذخر ". (باب حرم مكة) (من الصحاح): " عن ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: لا هجرة, ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا ". كانت الهجرة إلى المدينة بعدما هاجر رسول الله ﷺ إليها فرضا على كل مسلم مستطيع, ليكون في سعة من العبادة, متمكنا من الطاعة, بلا وازع ولا صارف, ولينصر رسوله في إعلاء كلمته وإظهار دينه, فلما فتح الله عليه مكة ونصر دينه على الأديان كلها انتهى وجوبها وانقطع حكمها, لزوال ما هو الموجب لها, فاعلم ذلك. وقال: " لا هجرة " أي: [لا] وجوب لها ولا حكم بعد الفتح, ولكن بقي " جهاد ونية " في إعلاء الدين وإظهار الحق, ينالون بهما ثوابا ورتبة تدنو من رتبة المهاجرة. وقوله: " إذا استنفرت فانفروا " حث على الجهاد وأمر بإجابة الداعي إليه, وإزاحة ورد لما يختلج في صدورهم من قياس الجهاد على الهجرة في سقوط الوجوب, لاشتراكهما في بعض المقاصد والأغراض.

стр. 715

وعنه ﵇ قال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي, ولم يحل لي إلا ساعة من نهار, فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة: لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده, ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها, ولا يختلى خلاه " فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر, فإنه لقينهم ولبيوتهم, قال: إلا الإذخر " وفي رواية: " لا تعضد شجرتها, ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ". " حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ": معناه: أن تحريمه أمر قديم, وشريعة سالفة مستمرة, ليس مما أحدثه أواختص بشرعه, ويحتمل أن يراد به التأقيت, أي: إنما خلق هذه الأرض حين خلقها محرمة. والتوفيق بينه وبين ما أورده في الباب التالي له: عن أبي سعيد الخدري, عن النبي ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة, فدعلها حرما, وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها, أن لا يهراق فيها دم, ولا يحمل فيها سلاح لقتال, ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف " أن يقال: إسناد التحريم إلى إبراهيم - صلوات الله عليه - من حيث إنه مبلغه

стр. 716

ومنهيه, فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى, والأنبياء يبلغونها, ثم إنها كما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل, لأنها تسمع منهم, وتبين على لسانهم, فلعله لما رفع البيت المعمور إلى السماء, وقت الطوفان, وانطمست العمارة التي بناها آدم ﵇ والكعبة الآن في محلها - على اختلاف الروايات - اندرست حرمتها , وصارت شريعة متروكة منسية إلى أن أحياها إبراهيم صلوات الله عليه, فرفع قواعد البيت, ودعا الناس إلى الحج, وحد الحرم وبين حرمته. قوله: " بحرمة الله " أي: تحريمه. وقوله: " لم يحل القتال فيه لأحد قبلي " لا يدل على أنه قاتل فيه وأخذ عنوة, فإن حل الشيء لا يستلزم وقوعه, فلا حجة للأوزاعي وأصحاب الرأي فيه. قوله: " لا يعضد ": لا يقطع, ذكر (الشوك): ليدل على منع قطع سائر الأشجار بطريق الأولى. ويعضده الرواية الأخرى: " ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها " أي: لا يلتقط لقطته إلا للتعريف والحفظ حتى يظهر مالكها, ولا يجوز التقاطها للتملك, فإنه مشروط بأن يكون الموجد معرضا للضياع, وما يوجد في الحرم فهو في أمان, وهو أظهر قولي الشافعي. وقيل: معناه: إلا من عرفها أولا سنة كما تعرف في سائر البقاع,

стр. 717

والمراد: هو المنع من تملكها أول ما وجدها من غير تعريف, وهو قول أكثر أهل العلم. وفيه نظر, إذ لم يكن على هذا لتخصيص الحرم به وجه, ولا فرق في المعنى بين الروايتين, لأن المنشد هو المعرف الطالب لصاحبها, من: الإنشاد, وهو رفع الصوت. " ولا يختلى خلاها " أي: لا يقطع نباتها, و (الخلا) مقصور: الرطب من النبات, كما أن الحشيش هو اليابس منه, والأكثرون على أنه لا فرق بين الرطب واليابس في حرمة القطع, واستثناؤه " الإذخر " عقيب استثناء العباس له, لعله وقع اتفاقا, فإنه كان يريد أن يستثنيه, فبادر العباس, أو مرتبا عليه, لأنه كان مأمورا بأن يستثني ما يرى مساس الحاجة إليه, أو ما يلتمس منه استثناؤه, و (قيونهم): جدرانهم, كانوا يضعونه على رؤوسها, واحدها: قين. ... ٥٧٥ - ١٩٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ". " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يخرب الكعبة ذو السويقيتين من الحبشة ". أي: يخربها رجل من الحبشة له ساقان دقيقتان,, (السويقة):

стр. 718

تصغير (الساق) , صغرها لدقتها وصغرها. وفي معناه: ... ٥٧٦ - ١٩٨٦ - وقال ابن عباس ﵄, عن النبي ﷺ : " كأني به أسود أفحج, يقلعها حجرا حجرا ". ما روي عن ابن عباس, عن النبي ﷺ قال: " كأني به أسود أفحج, يقلعها حجرا حجرا ". الجار متعلق بمحذوف هو في الأصل خبر (كأن) وتقديره: كأني أبصر به. و" أسود أفحج ": حالان من الضمير المجرور, و (الفحج): تباعد ما بين الفخذين والساقين, وهو من صفات الحبشان, وكذا (خموشة الساقين): وهي دقتها. ... من الحسان: ٥٧٧ - ١٩٨٩ - عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة, فقال: " والله إنك لخير أرض الله, وأحب أرض الله إلى الله, ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".

стр. 719

(من الحسان): في حديث عبد الله بن عدي قال: " رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة ". بسكون الزاي وتخفيف الواو, وروي بفتح الزاي وتشديد الواو, وهو موضع كان به سوق مكة, سميت بذلك, لأن فيه تلا صغيرا, و (الحزورة): التل, وجمعها: الحزاورة. ... ١٥ - باب حرم المدينة على ساكنها الصلاة والسلام من الصحاح: ٥٧٨ - ١٩٩٠ - عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور, فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل, ذمة المسلمين واحدة, يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل, ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل ". وفي رواية: " ومن ادعى إلى غير أبيه, أو تولى غير مواليه فعليه

стр. 720

لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل ". (باب حرم المدينة) (من الصحاح): عن علي ﵁:" المدينة حرام ما بين عير إلى ثور, فمن أحدث فيها حدثا, أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل ذمة المسلمين واحدة, يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله ... لا يقبل منه صرف ولا عدل ". " عير ": اسم جبل بالمدينة, وقد يقال له أيضا: عائر و" ثور": جبل بمكة فيه الغر الذي لبث فيه - صلوات الله عليه - حين هاجر, وذكر في القرآن, ولم يعرف بالمدينة موضع يقال له: ثور, فقيل: معناه: أن مقدار ما بين عير مكة - وهو عير عدوي - وثورها من المدينة حرام, وقيل: كأن أصله: المدينة حرام ما بين عير إلى أحد أو غيره من أقطار المدينة, فغلط الراوي, ولذلك ترك بعض الرواة بياضا موضع (ثور). وروى النسفي وابن السكن: " من عير إلى كذا ". أو سماه الرسول - صلوات الله عليه - ثورا: تشبيها بثور مكة, لوقوعها في مقابلة دبل سمي عيرا, وقيل: أراد بهما مأزمي المدينة, لقوله في حديث أبي سعيد: " وإني حرمت المدينة حراما ما بين

стр. 721

مأزميها " وهما شعبتان تكتنفانها, فشبههما بالجبلين اللذين بمكة, أو لا بتيها, لقوله في حديث أنس:" وإني حرمت ما بين لابتيها ", وهما حرتان بجنبها يكتنفانها, فشبههما بعير وثور, والحرة: الأرض الذي ألبستها حجارة سود, وجمعها: حرار, وجمع اللآبة: لوب ولاب ولابات. وقوله: " فمن أحدث حدثا " أي: بدعة, وهي في اصطلاح العلماء: ما خالف الكتاب والسنة مفصلا أو مجملا, و (المحدث): المبتدع. وروي: " أو آوى محدثا " بفتح الدال, ومعناه: من قرر فيه بدعة ومكنها بأن روجها, أو قدر على إماطتها فلم يفعل. و (الذمة): العهد سمي بها, لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها, " يسعى بها ": يتولاها ويذهب بها. والمعنى: أن ذمة المسلمين واحدة, سواء صدرت من واحد أو أكثر, شريف أو وضيع, فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه. " لا يقبل منه صرف ولا عدل " أي: شفاعة ولا فدية, وقيل: صرف مال ولا بدل, وقيل: فريضة ولا نافلة. قوله: " ومن والى قوما بغير إذن مواليه " قيل: أراد به ولاء الموالاة لا ولاء العتق, لعطفه على قوله: " من ادعى إلى غير أبيه ", وجمع بينهما

стр. 722

بالوعيد في الرواية الأخرى, فإن العتق من حيث إن له لحمة كلحمة النسب, فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالداعي الذي تبرأ عمن هو منه, وألحق نفسه بغيره, فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. وقوله:" بغير إذن مواليه ": ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه, وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع, وهو إبطال حق مواليه والإهانة بهم, وإيراد الكلام على ما هو الغالب. ... ٥٧٩ - ١٩٩١ - عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : " إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها, أو يقتل صيدها, وقال: " لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه, ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ". وفي حديث سعد: " أن يقطع عضاهها". (العضاه): من أشجار الشوك, واحده: عضاهة. ... ٥٨٠ - ١٩٩٢ - وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة.

стр. 723

" وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لا يثبت على لأوائها وجهدها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا - أو شهيدا - يوم القيامة ". " لا يثبت ": لا يصبر. و (اللأواء): شدة العيش, يريد به, ضيق المعيشة, وبـ (الجهد): ما يجدون فيها من شدة الحر وكربة الغربة ونحو ذلك. والظاهر: أن "أو" في قوله:" كنت له شفيعا أو شهيدا ": للتقسيم لا للشك من الراوي, لأنه روي كذلك عن جمع كثير من الصحابة بطرق مختلفة, فيبعد توافقهم جميعا في الشك فيه, والمعنى: كنت شهيدا للمتقين منهم, وشفيعا للعاصين. ... ٥٨١ - ١٩٩٥ - وري أن سعدا وجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه, فسلبه, فجاءه أهل العبد, فكلموه أن يرد ما أخذ من غلامهم, فقال: معاذ الله أن لأرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ . وروي: " أن سعدا وجد عبدا يقطع شجرا ويخبطه, فسلبه, فجاءه أهل العبد فكلموه أن يرد ما أخذ من غلامهم, فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ ". " يخبطه " أي: ينقض أوراقه, وأصل الخبط: الضرب, يقال: خبطت الشجر خبطا: إذا ضربته بعصا ونحوها حتى يسقط ورقه. والخبط - بفتح الباء - المخبوط كـ (السلب) بمعنى: المسلوب.

стр. 724

وقوله: " فسلبه " أي: أخذ ثيابه. فـ" كلموه أن يرد " أي: في أن يرد, أو: بأن يرد. وقوله: " نفلنيه " أي: أعطانيه نفلا, أي: غنيمة, وكان الشافعي يرى في القديم أن من اصطاد صيدا أو يقطع شجرا أخذ سلبه, لهذا الحديث, وهو مذهب أحمد والجمهور, على أنه لا شيء عليه, لأن تحريم المدينة تعظيم حرمتها, دون تحريم صيدها وشجرها. ... ٥٨٢ - ١٩٩٦ - وقالت عائشة ﵂: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال, فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته, فقال:" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد, وصححها لنا, وبارك لنا في صاعها ومدها, وانقل حماها, فاجعلها بالجحفة ". " وفي حديث عائشة: وعك أبو بكر وبلال ﵄ ". أي: أخذتهما الحمى وأصابتهما شدتها والرعدة فيها حتى صرعتهما. ... ٥٨٣ - ١٩٩٨ - وقال رسول الله ﷺ : " يفتح اليمن, فيأتي قوم يبسون, فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم, والمدينة خير لهم لو كانوا

стр. 725

يعلمون, ويفتح الشام, فيأتي قوم يبسون, فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم, والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون, ويفتح العراق, فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم, والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". " وعن سفيان بن أبي زهير الشنوئي قال: قال رسول الله ﷺ : تفتح اليمن, فيأتي قوم يبسون, فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم, والمدينة خير لهم كانوا يعلمون ". " يبسون ": يسوقون أموالهم, من: البس, وهو سوق بلين, والمعنى: أنه يفتح اليمن, فأعجب قوما بلادها ويلهنيه أهلها, فتحملهم على المهاجرة إليها بأنفسهم وأموالهم حتى يخرجوا منها, والحال أن " المدينة خير لهم ": لأنها حرم الرسول - صلوات الله عليه - وجواره, ومهبط الوحي, ومنزل البركات " لو كانوا يعلمون " ما فيها والإقامة بها من الفوائد الدينية. والعوائد الأخروية, التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب المهاجرة عنها, والإقامة في غيرها. ... ٥٨٤ - ١٩٩٩ - وقال ﷺ : " أمرت بقرية تأكل القرى, يقولون: يثرب, وهي المدينة, تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ". " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت بقرية تأكل

стр. 726

القرى, يقولون: يثرب, وهي المدينة, تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ". " أمرت بقرية " أي: بنزولها واستيطانها, " تأكل القرى " أي: تغلبها وتظهر عليها, بمعنى: أن أهلها يغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها, يقال: أكلنا بني فلان, أي: غلبناهم وظهرنا عليهم, فإن الغالب المستولي على الشيء كالمفني له إفناء الأكل إياه. و" يثرب " من أسماء المدينة, سميت باسم واحد من العمالقة نزل بها, وكانت تدعى به قبل الإسلام, فلما هاجر الرسول - صلوات الله عليه - كره ذلك, لما فيه من إيهام معنى التثريب أو غيره, فبدله بـ (طابة) و (المدينة) , ولذلك قال: " يقولون يثرب, وهي المدينة " أي: هم كانوا يقولون ذلك, والاسم الحقيق بأن تدعى به هي المدينة, فإنها تليق بأن تتخذ دار إقامة, وهي (فعيلة) من: مدن بالمكان: إذا أقام به. " تنفي الناس " أي: شرار الناس وهمجمهم, ويدل عليه التشبيه بـ (الكير) , فإنه ينفي خبث الحديد ورديئه, وقد صرح بهذا المعنى في الأحاديث التي بعدها. ... ٥٨٥ - ٢٠٠٤ - وقال: " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال, إلا مكة والمدينة, ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها, فينزل السبخة, فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات,

стр. 727

فيخرج إليه كل كافرومنافق " " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة, ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها, فينزل السبخة, فترتجف الأرض بأهلها ثلاث رجفات, فيخج إليه كل منافق ". (النقب): الطريق في الجبل. " فترتجف " أي: تتزلزل وتضطرب, فكأنها تنفض إليه الكافر والمنافق من أقطارها. ... ٥٨٦ - ٢٠٠٦ - وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته, وإن كان على دابة حركها, من حبها. " وفي حديث أنس: أوضع راحلته. أي: حركها وأسرعها. ... ٥٨٧ - ٢٠٠٨ - ويروى أنه قال: " أحد جبل يحبنا ونحبه ". " وعن أنس: أنه ﵇ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه "

стр. 728

(محبة الحي للجماد): إعجابه وسكون النفس إليه, والمؤانسة به, لما يرى فيه من نفع, و (محبة الجماد للحي): مجاز عن كونه نافعا, إياه سادا بينه وبين ما يؤذيه, ولو لم يجد من أحد سوى ما وجده يوم أحد لكفى في صدق المحبة من الجانبين. ... من الحسان: ٥٨٨ - ٢٠١١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها, فإني أشفع لمن يموت بها " صح. (من الحسان): عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله: " من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها, فإني أشفع لمن يموت بها ". أي: من استطاع أن يقيم بالمدينة, حتى يموت إذا جاءه الموت أدركه ثمة " فليمت بها ": أي: فليقم ثمة حتى يموت بها. ***

стр. 729

(١١) كتاب البيوع

стр. 730

(١١) كتاب البيوع ١ - باب الكسب وطلب الحلال من الصحاح: ٥٨٩ - ٢٠١٥ - وقال: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا, وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ , وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ , ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب, يا رب, ومطعمه حرام, ومشربه حرام, وملبسه حرام, وغذي حرام, فأنى يستجاب لذلك؟ ". (كتاب البيوع) (باب الكسب وطلب الحلال)

стр. 731

(من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ". (الطيب): ضد الخبيث, فإذا وصف به الله تعالى أريد به أنه منزه عن النقائص مقدس عن الآفات والعيوب, وإذا وصف به العبد مطلقا أريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال, والمتحلي بأضداد ذلك, وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالا من خيار المال. ومعنى الحديث: أنه تعالى منزه من العيوب, فلا يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى, وهو خيار أموالكم الحلال, كما قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. ... ٥٩٠ - ٢٠١٧ - وقال " الحلال بين, والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس, فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى, يوشك أن يرتع فيه, ألا وإن لكل ملك حمى, ألا وإن حمى الله محارمه, ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب ". " وعن نعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : الحلال بين

стр. 732

والحرام بين, وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس, فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى, يوشك أن يقع فيه, ألا وإن لكل ملك حمى, ألا وإن حمى الله محارمه, ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب ". إن الله تعالى بين الحلال والحرام, بأن مهد لكل منها أصلا يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعن له من الجزئيات, وتعرف أحوالها, لكن قد يتفق في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه, لوقوعه بين الأصلين, ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه, فينبغي ألا يجترئ المكلف على تعاطيه, بل يتوقف ريثما يتأمل فيه, فيظهر له أنه من أي القبيلين هو, فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان, بل رجع طرف الذهن عن إدراكه حسيرا تركه في حيز التعارض أسيرا, وأعرض عما يريبه إلى ما لا يريبه, استبراء لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم, وصيانة لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع, فإن من هجم عن الشبهات وتخطى خططها ولم يتوقف دونها وقع في الحرام, إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم, كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. " ألا ": مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي, لإعطاء معنى

стр. 733

التنبيه على تحقق ما بعدها. و (الحمى): هو المرعى الذي حماه الإمام ومنع من أن يرعى فيه, شبه المحارم من حيث إنها ممنوع التبسط فيها, والتخطي لحدودها, والواجب التجنب من جوانبها وأطرافها بحمى السلطان, فكما يحتاط الراعي ويتحرز عن مقاربة الحمى حذرا عن أن تتخطاه ماشيته, فيتعرض لسخط السلطان, ويستوجب تأديبه, ينبغي أن يتورع المكلف عن الشبهات, ويتحنب عن مفارقتها, كيلا يقع في المحارم, ويستحق به السخط العظيم والعذاب الأليم. ولما كان التورع والتهتك مما يتبع ميلان القلب إلى الصلاح والفجور نبه على ذلك بقوله: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله " ليقبل المكلف عليه فيصلحه, ويمنعه عن الانهماك في الشهوات والإسراع إلى تحصيل المشتبهات, حتى لا يبادر إلى الشبهات, ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرمات. ... ٦٩١ – ٢٠١٨ – وقال: " ثمن الكلب خبيث, ومهر البغي خبيث, وكسب الحجام خبيث ". " عن رافع بن خديج: أنه – ﵊ – قال: ثمن الكلب خبيث, ومهر البغي خبيث, وكسب الحجام خبيث ".

стр. 734

(الخبيث) في الأصل: ما يكره لرداءته وخسته, ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع واستردأه, كما يستعمل (الطيب) للحلال, قال تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء:٢] , أي: الحرام بالحلال, وللرديء من المال, قال تعالى: ﴿ولا تمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧] , أي: الرديء من المال. ولما كان مهر الزانية, وهو ما تأخذه عوضا للزنا, حراما كان الخبيث المسند إليه بمعنى الحرام. و" كسب الحجام " لما لم يكن حراما, لأنه – ﵇ – احتجم فأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه هو المعنى الثاني. وأما الأول: فمبني على صحة بيع الكلب, فمن صححه – كالحنفية – فسره بالدناءة, ومن لم يصححه – كأصحابنا – فسره بأنه حرام. ويؤيده: ... ٥٩٢ – ٢٠١٩ – وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب, ومهر البغي, وحلوان الكاهن. " ما روى أبو مسعود الأنصاري: أنه – ﵇ – نهى عن ثمن الكلب, ومهر البغي, وحلوان الكاهن ". " البغي ": الفاجرة, (فعيل) من: البغاء, وهو الزنا, وأصله

стр. 735

الفساد, يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد, و (مهرها): أجرتها على الزنا, شبهها بالصداق, فاستعار لها (المهر). و" حلوان الكاهن ": منحة تمنحه على كهانته, يقال: حلوت فلانا أحلوه حلوا وحلوانا, مأخوذ من: الحلاوة. ... ٥٩٣ – ٢٠٢٠ – وعن أبي جحيفة: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم, وثمن الكلب, وكسب البغي, ولعن آكل الربا, وموكله, والواشمة, والمستوشمة, والمصور. " وعن أبي جحيفة: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم, وثمن الكلب, وكسب البغي, ولعن آكل الربا وموكله, والواشمة والمستوشمة, والمصور ". علة النهي عن أخذ ثمن الدم والكلب نجاستها. و" كسب البغي ": ما تأخذه على البغاء. و" آكل الربا ": آخذه, و" موكله ": معطيه. و" الواشمة ": المرأة التي تنقش بدن غيرها بأن تنقر وتجعل في موضع النقر شيئا من النيلنج ونحوه, و" المستوشمة ": الملتمسة لئن يفعل بها ذلك. ***

стр. 736

٥٩٤ – ٢٠٢٢ – عن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " قاتل الله اليهود, حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ". " عن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم, فجملوها فباعوها " " قاتل الله اليهود " أي: عاداهم, وقيل: قتلهم, فأخرج في صورة المغالبة للمبالغة, أو عبر عنه بما هو مسبب عنه, فإنهم بما اخترعوا من الحيلة انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته, ومن قاتله قتله. " فجملوها " أي: أذابوها, والجميل: الشحم المذاب. ... من الحسان: ٥٩٥ – ٢٠٢٨ – عن الحسن بن علي ﵄ أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ يقول: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإن الصدق طمأنينة, وإن الكذب ريبة ". (من الحسان): " عن حسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإن الصدق طمأنينة, وإن الكذب ريبة " (الإرابة): الإيقاع في الريبة, وهي التهمة والشك, وأصلها: قلق

стр. 737

النفس, ومنها: (ريب الزمان) لـ (نوائبه) , فإنها تقلق النفوس. والمعنى: إن الصدق مما يطمئن له القلب ويسكن, والكذب مما يقلق له ويضطرب, فإذا ترددت في أمر فدعه إلى ما لا تسكن إليه نفسك وتستقر عنده, فإن التردد فيه أمارة كونه باطلا. وروي: " يريبك " بالفتح: من: راب, بمعنى: أراب. ... ٥٩٦ – ٢٠٢٩ – عن وابصة بن معبد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " يا وابصة! جئت تسأل عن البر والإثم؟ , قلت: نعم, قال: فجمع أصابعه فضرب بها صدره وقال: " استفت نفسك واستفت قلبك, ثلاثا, البر ما اطمأنت إليه نفسك واطمأن إليه قلبك, والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس ". " عن وابصة بن معبد: أن رسول الله ﷺ قال: يا وابصة! جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم, قال: فجمع أصابعه, فضرب بها صدره, وقال: استفت نفسك, استفت قلبك, ثلاثا, البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب, والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر, وإن أفتاك الناس ". هذا الحديث من دلائل النبوة ومعجزات الرسول صلوات الله عليه, فإنه أخبر عما في ضمير وابصة قبل أن يتكلم به

стр. 738

والمعنى: أن من أشكل عليه الشيء والتبس ولم يتبين أنه من أي القبيلين هو, فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد, وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين, فإن وجد ما تسكن إليه نفسه, ويطمئن به قلبه, وينشرح به صدره فليأخذ به وليختره, وإلا فليدعه وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة, هذا طريقه الورع والاحتياط. وحاصله راجع إلى حديث الحسن بن علي ﵄, ولعله إنما عطف اطمأن القلب على اطمئنان النفس, للتقرير والتأكيد. فإن النفس إذا ترددت في أمر وتحيرت فيه وزال عنها القرار استتبع ذلك العلاقة التي بينها وبين القلب, الذي هو المتعلق الأول لها, فتنقل العلاقة إليه في تلك الهيئة أثرا, فيحدث فيه خفقان واضطراب, ثم ربما يسري هذا الأثر إلى سائر القوى, فيحصل بها انحلال وانخزال, فإذا زال ذلك عن النفس وحدث لها قرار وطمأنينة انعكس الأمر, وتبدلت الحال على ما لها من الفروع والأعضاء. وقيل: المعنى بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر, والفكرة المستقيمة, وأصحاب الفراسات من ذوي النفوس المرتاضة والقلوب السليمة, فإن نفوسهم بالطبع تصبو إلى الخير وتنبو عن الشر, فإن الشيء ينجذب إلى ما يلائمه وينفر عما يخالفه, ويكون ملهمة للصواب في أكثر الأحوال. ***

стр. 739

٥٩٧ – ٢٠٣٤ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب, وكسب الزمارة. " وفي حديث أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب, وكسب الزمارة ". " الزمارة ": هي التي تزمر, وقيل: هي الزانية, واشتقاقها إما من: (زمرت فلانا بكذا): إذا أغربته, فإنها تغري الرجال بالفاحشة وتولعهم بالأقدام عليها, أو من: (زمر الظبي زمرانا): إذا نفر, فإن المسافحات يوصفن بالنزق, كما أن المحصنات يوصفهن بالرزانة, أو من: (زمر القربة): إذا ملأها, لأنها تملأ رحمها بنطف شتى, أو من: الزمرة, لأنها تعاشر زمرا من الناس ويتبعونها, أو من: زمر المزمار, كأنه كان من عادتهن, وقيل: هو المغنية, من: (زمر): إذا غنى, ويقال: غناء زمير, أي: حسن. ... ٥٩٨ – ٢٠٣٥ – وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن, وثمنهن حرام, وفي مثل هذا أنزلت: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾. ضعيف. " وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن, ولا تعلموهن, وثمنهن حرام ".

стр. 740

أراد بـ (القينات): المغنيات, و (القينة) في الأصل: الأمة, غنت أم لا, والذكر: قين, والنهي مقصور عن البيع والشراء لأجل التغني, وحرمة ثمنها دليل على فساد بيعها. والجمهور صححوا بيعها, والحديث - مع ما فيه من الضعف للطعن في راويه - مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام, كأخذ ثمن العنب من النباذ, لأنه أعانه وتوسل إلى حصول محرم, لا لأن البيع غير صحيح. ... ٢ - باب المساهلة في المعاملة من الصحاح: ٥٩٩ - ٢٠٣٧ - قال رسول الله ﷺ : " رحم الله رجلا سمحا إذا باع, وإذا اشترى, وإذا اتقتضى ". (باب المساهلة في المعاملة) " عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله رجلا سمحا إذا باع, وإذا اشترى وإذا اقتضى ". (السمح): السهل, رتب الدعاء عليه ليدل على أن السهولة والتسامح في المعاملة سبب لاستحقاق الدعاء, ولكونه أهلا للرحمة,
следующие страницы →