Полный текст (1 692 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
" فإنها صدقة ": الضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل, وأنثه لتأنيث الخبر.
" تصدق بها على نفسك " أي: تتصدق بهذه الصدقة على نفسك من أنها محافظة لها عما يرديها, ويعود وباله إليها.
...
من الحسان:
٧٩٥ - ٢٥٣١ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة, قال: " لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت في المسألة, اعتق النسمة, وفك الرقبة " قال: أوليسا واحدا؟ قال: " لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها, وفك الربقة أن تعين في ثمنها, والمنحة الوكوف, والفيء على ذي الرحم الظالم, فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع, واسق الظمآن, وأمر بالمعروف, وانه عن المنكر, فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير
(من الحسان):
" عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة, قال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة, أعتق النسمة, وفك الرقبة, قال: أوليسا واحدا؟ قال: لا, عتق النسمة: أن تفرد بعتقها, وفك الرقبة: أن تعين في
стр. 947
ثمنها, والمنحة الوكوف, والفيء على ذي الرحم الظالم, فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع, واسق الظمآن, وأمر بالمعروف, وانه عن المنكر, فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ".
اللام موطئة للقسم.
ومعنى الشرطية: أنك إن قصرت في العبارة فقد أطلت في الطلب, إذ سألت عن أمر ذي طول وعرض.
," النسمة ": النفس.
ووجه الفرق المذكور: أن العتق إزالة الرق, وذلك لا يكون إلا من المالك الذي يعتق, وأما الفك, وهو السعي في التخليص, فيكون من غيره, كمن أدى النجم عن المكاتب أو أعانه فيه.
و" المنحة ": العطية في الأصل, وغلب في لبون من ناقة أو شاة, يعطيها صاحبها بعض المحاويج, لينتفع بلبنها ما دامت تدر.
و" الوكوف ": الغزيرة الدر من: وكف البيت وكفا ووكيفا, توكافا, إذا قطر.
و" الفيء ": التعطف, والرجوع إليه بالبر.
والرواية المشهورة فيهما النصب, على تقدير: وامنح المنحة, وآثر الفيء على ذي الرحم, ليحسن العطف على الجملة السابقة, وإن صحت الرواية بالرفع فيهما, فعلى الابتداء, والتقدير: ومما يدخل
стр. 948
الجنة المنحة والفيء, وباقي الحديث ظاهر.
...
٢ - باب
إعتاق العبد المشترك وشراء القريب
والعتق في المرض
من الصحاح:
٧٩٦ - ٢٥٣٣ - عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " من أعتق شركا له من عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد, قوم العبد عليه قيمة عدل ' فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد, وإلا فقد عتق منه ما عتق ".
(باب إعتاق العبد المشرك المشترك وشراء القريب
والعتق في المرض)
(من الصحاح):
" عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: من أعتق شركا له في عبد, وكان له مال يبلغ ثمن العبد, قوم العبد عليه قيمة عدل, فأعطى شركاءه حصصهم, وعتق عليه العبد, وإلا فقد عتق منه ما أعتق ".
يريد بـ (الشرك): النصيب, وهو في الأصل اسم لما يكون فيه الشركة.
стр. 949
ويدل الحديث على أن من له بعض عبد فأعتقه, وكان موسرا بقيمة الباقي عتق عليه, ولزمه قيمته, وإن لم يكن موسرا, عتق منه ما أعتق, ورق الباقي, وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة ومالك والشافعي وأحمد, غير أن مالكا وقف عتق حصة الشريك على أداء القيمة, وبه قال الشافعي في القديم.
والباقون قالوا: يعتق بنفس العتق, ولا يتوقف على أداء القيمة, إذ لو لم يعتق قبله لما وجبت القيمة, فإنها لا تجب إلا بتقدير انتقال, أو فرض إتلاف.
وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد: يسري العتق في الحال بكل حال, فإن كان المعتق موسرا, غرمه الشريك, وإن كان معسرا استسعى العبد في قيمة نصيبه.
واحتجوا بما روى قتادة عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: " من أعتق شقصا في عبد, عتق كله إن كان له مال, وإلا استسعى غير مشقوق عليه ".
وأجيب عنه بأن المراد بالاستسعاء: استخدام العبد لسيده الذي لم يعتق بقدر حصته, لأنه ملكه, فيكون ذلك تقريرا لبقاء الرقبة في حصته, مع أن هماما رواه عن قتادة, وجعل السعاية من كلامه, لا من الحديث.
ويعضده: أن شعبة وهشاما رويا هذا الحديث عنه بغير هذه الزيادة وهما أثبت ممن رواها.
стр. 950
وقال:" غير مشقوق عليه " أي: غير مكلف بما يشقه ولا يطيقه.
وقال أبو حنيفة: يتخير الشريك إن كان المعتق موسرا بين أن يضمن المعتق بقيمة نصيبه, وبين أن يعتق, أو يستسعى العبد, وبين الأمرين الأخيرين, إن كان معسرا.
والحديث حجة عليهم.
فإن أيسر المعتق ببعض قيمة الباقي دون بعض, فمفهوم قوله: " وكان له مال يبلغ ثمن العبد ", ومنطوق قوله: " وإلا فقد عتق منه ما أعتق " = يدل على أنه لا يسري, وبه قال بعض أصحابنا, ولعل المقتضي للمنع تضرر الشريك بالتبعيض, مع بقاء المحذور الناشئ عن تجزئ المعتق.
...
٧٩٧ - ٢٥٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ".
" وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا جزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا, فيشتريه فيعتقه "
ذهب بعض أهل الظاهر: إلى أن الأب لا يعتق على ولده إذا تملكه, وإلا لم يصح ترتيب الإعتاق على الشراء, والجمهور على أنه يعتق بمجرد التملك, من غير أن ينشئ فيه عتقا, وأن قوله: " فيعتقه "
стр. 951
معناه: فيعتقه بالشراء, لا بإنشاء عتق, والترتيب باعتبار الحكم دون الإنشاء.
...
من الحسان:
٧٩٨ - ٢٥٣٨ - عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر "
(من الحسان):
" عن الحسن عن سمرة عن رسول الله ﷺ قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر ".
روي عن عمر وابن مسعود: أنهما قالا بموجبه, وإليه ذهب الحسن وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري وغيرهم من التابعين, وأخذ به الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق.
وقال أبو داود في " كتابه ": لم يحدث هذا الحديث مسندا إلا حماد بن سلمة, وقد شك فيه, ولهذا لم يقل به الشافعي, واقتصر على عتق الأصول والفروع.
...
٧٩٩ - ٢٥٤٠ - عن جابر ﵁ قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر, فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا ".
стр. 952
" وعن جابر قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وابي بكر, فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا "
لعل بيعها كان مباحا في بدء الإسلام, ثم نسخ بما روى ابن عباس أو نحوه, ولم يظهر النهي لجابر, ولا لمن باع بعده إلى أن أشهر [هـ] عمر في زمانه.
ولعل أبا بكر لم يعلم ببيع من باعها منهم في زمانه ولقصر مدته, واشتغاله بمعظمات الأمور, ومحابات أهل الردة.
...
٨٠٠ - ٢٥٤١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترط السيد "
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أعتق عبدا, وله مال, فمال العبد له, إلا أن يشترط السيد "
يريد بـ (مال العبد): ما في يده, وحصل بكسبه, وإضافته إلى العبد إضافة الاختصاص دون التملك.
والضمير في " مال العبد " لمن أعتق.
" إلا أن يشترط السيد " أي: للعبد, فيكون منحة منه وتصدقا.
***
стр. 953
٨٠١ - ٢٥٤٥ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه "
" وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء, فلتحتجب منه "
هذا أمر محمول على التورع والاحتياط, لأنه بصدد أن يعتق بالأداء, لا أنه يعتق بمجرد أن يكون واجدا للنجم, فإنه لا يعتق ما لم يؤد الجميع, لقوله ﵊: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم "
ولعله قصد به منع المكاتب عن تأخير الأداء بعد التمكن, ليستبيح به النظر إلى السيدة, وسد هذا الباب عليه.
...
٨٠٢ - ٢٥٤٧ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي قال: " إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه "
وقال: " يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر, وما بقي دية عبد " ضعيف.
" وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يؤدى المكاتب بحصة ما أدى دية حر, وما بقي دية عبد ".
стр. 954
" يودي ": تعطي ديته, وهو دليل على أن المكاتب يعتق بقدر ما يؤديه من النجم, وكذا الحديث الذي روي منه قبله, وبه قال النخعي وحده - ومع ما فيه من الطعن - تعارض بحديثي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
...
٣ - باب
الأيمان والنذور
من الصحاح:
٨٠٣ - ٢٥٥٠ - وقال: " لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم ".
(باب الأيمان والنذور)
(من الصحاح):
" عن عبد الرحمن بن سمرة, عن النبي ﷺ : أنه قال: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم ".
" الطواغي ": جمع طاغية, وهي فاعلة من (الطغيان) , والمراد به: الأصنام, سميت بذلك, لأنه سبب الطغيان, فهي كالفاعلة له.
وقيل: (الطاغية) مصدر كـ (العافية) , وسمي بها الصنم للمبالغة, ثم جمعت على (طواغ) , وكانت العرب في جاهليتهم يحلفون بها وبآبائهم, فنهوا عن ذلك, ليكونوا على تيقظ في محاوراتهم, حتى
стр. 955
لا يسبق به لسانهم جريا على ما تعودوه.
فإن قلت: كبف نهى أن يحلف بالآباء, وقد روي عنه في حديث طلحة إذ جاء رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسأل عن الإسلام: أنه قال: " أفلح الرجل وأبيه إن صدق "
قلت: زعم قوم أنه تصحيف (والله) وقع من بعض الناسخين, وحمل آخرون على أنه من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد, ولا يراد به القسم, كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص, دون القصد إلى النداء.
...
٨٠٤ - ٢٥٥٢ - وقال: " من حلف على ملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال, وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك, ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة, ومن لعن مؤمنا فهو كقتله, ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله, ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها, لم يزده الله إلا قلة ".
" عن ثابت بن ضحاك الخزرجي: أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على ملة غير الإسلام كاذبا, فهو كما قال, وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك, ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة, ومن لعن مؤمنا فهو كقتله, ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله ".
стр. 956
(الحلف بغير الإسلام) مثل أن يقول الرجل: إن فعل كذا, فهو يهودي, أو بريء من الإسلام.
وقوله: " فهو كما قال " ظاهره: أنه يختل بهذا الحلف إسلامه, ويصير كما قال, ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث ولما روى بريدة: أنه ﵊ قال: " من قال: إني بريء من الإسلام, فإن كان كاذبا فهو كما قال, وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما ".
ولعل المراد به التهديد, والمبالغة في الوعيد, لا الحكم بأنه صار يهوديا, أو بريئا عن الإسلام, فكأنه قال: فهو مستحق لمثل عذاب ما قال.
ونظيره قوله ﵊: " من ترك صلاة فقد كفر " أي: استوجب عقوبة من كفر.
وهذا النوع من الكلام هل يسمى في عرف الشرع يمينا؟ وهل تتعلق الكفارة بالحنث فيه؟
فذهب النخعي والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق إلى أنه يمين, تجب الكفارة بالحنث فيها.
وقال مالك والشافعي وأبو عبيد: أنه ليس بيمين, ولا كفارة فيه, لكن القائل به آثم, صدق فيه أو كذب, وهو قول أهل المدينة, ويدل عليه أنه ﵊ رتب عليه الإثم مطلقا, ولم يتعرض للكفارة.
стр. 957
وقوله: " ليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك " معناه: أنه لو نذر عتق عبد لا يملكه, أو التضحي بشاة غيره, أو نحو ذلك, لم يلزمه الوفاء به, وإن دخل ذلك في ملكه
وفي رواية: " ولا نذر فيما لا يملك " أي: لا صحة له, ولا عبرة.
وقوله: " من لعن مؤمنا فهو كقتله " أي: في التحريم أو العقاب, والضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل, أي: فلعنه كقتله.
وكذا الضمير في قوله: " ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله " ووجه الشبه هاهنا أظهر, لأنه النسبة إلى الكفر الموجب للقتل, فالقاذف بالكفر تسبب إليه, والمتسبب إلى الشيء كفاعله.
و (القذف) في الأصل: الرمي, ثم شاع عرفا في الرمي بالزنا, ثم استعير للرمي بكل ما يعاب به الإنسان, ويحيق به ضرر [هـ].
...
٨٠٥ - ٢٥٥٦ - وقال: " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله, آثم عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه ".
" وعن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله, آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه ".
стр. 958
لججت ألج - بكسر الماضي وفتح المضارع, وبالعكس - لجا ولجاجة, يريد به: أن الرجل إذا حلف على شيء وأصر عليه لجاجا مع أهله, كان ذلك أدخل في الوزر, وأفضى إلى الإثم, من أن يحنث في يمينه, ويكفر عنها, لأنه جعل الله تعالى بذلك عرضة للامتناع عن البر المواساة مع الأهل, والإصرار على اللجاج, وقد نهى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] الآية.
و" آثم ": اسم تفضيل, أصله: أن يطلق للاج الآثم, فأطلقه للجاج الموجب للإثم على سبيل الاتساع, والمراد به: أنه يوجب مزيد إثم مطلقا, لا بالإضافة إلى ما نسب إليه, فإنه أمر مندوب على ما شهد به الأحاديث المتقدمة عليه, لا إثم فيه.
وقيل: معناه: أنه كان يتحرج عن الحنث والتأثم فيه, ويرى ذلك فاللجاج آثم, أي: على زعمه وحسبانه.
...
٨٠٦ - ٢٥٥٧ - وقال: " يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ".
" وعنه أنه ﵊ قال: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك "
стр. 959
أي: واقع عليه, لا تؤثر فيه التورية, ونظيره قوله: " اليمين على نية المستحلف " هذا إذا كان المستحلف مستحقا للتحليف, أما إذا لم يكن مستحقا فالعبرة بقصد الحالف, لما روي: أن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر, فأخذه عدو له, فتحرج القوم أن يحلفوا, وحلفت أنه أخي, فخلوا سبيله, فأتيت النبي ﷺ , فأخبرته, فقال: " صدقت, المسلم أخو المسلم ".
...
من الحسان:
٨٠٧ - ٢٥٦٢ - عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف بالأمانة فليس منا "
(من الحسان):
" عن بريدة قال: قال النبي ﷺ : من حلف بالأمانة فليس منا "
أي: من ذوي أسوتنا, بل من المشتبهين بغيرنا, فإنه من ديدن أهل الكتاب, ولعله أراد به: الوعيد عليه, فإنه حلف بغير الله ولا تتعلق به الكفارة وفاقا.
واختلف فيما إذا قال: وأمانة الله, فذهب الأكثرون إلى أنه لا كفارة فيه, وقال أبوحنيفة: إنه اليمين, تجب الكفارة بالحنث فيه,
стр. 960
كما لو قال: بقدرة الله أو علمه, لأنها من صفاته, إذ جاء في أسمائه: الأمين.
...
٨٠٨ - ٢٥٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: " كانت يمين رسول الله ﷺ إذا حلف, لا, وأستغفر الله ".
" وعن أبي هريرة قال: كان يمين رسول الله ﷺ إذا حلف [يقول]: لا, وأستغفر الله ".
أي: أستغفر الله إن كان الأمر على خلاف ذلك, وهو وإن لم يكن يمينا, لكنه شابهه من حيث إنه أكد الكلام وقرره, وأعرب عن تحرجه بالكذب فيه, وتحرزه عنه, فلذلك سماه يمينا.
...
فصل
في النذور
من الصحاح:
٨٠٩ - ٢٥٦٧ - قال رسول الله ﷺ : " لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا, وإنما يستخرج به من البخيل ".
стр. 961
(باب في النذور)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنذروا, فإن النذر لايغني من القدر شيئا, وإنما يستخرج به من البخيل "
من عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار, فنهى عنه, فإن ذلك فعل البخلاء, إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه, وأتى به في الحال, والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج الشيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفيه أولا, فليتزمه في مقابلة ما سيحصل له, ويعلقه على جلب نفع أو دفع ضر.
وذلك (لا يغني عن القدر شيئا) أي: نذره لا يسوق إليه خيرا لم يقدر له, ولا يرد عنه شرا قضي عليه, ولكن النذر قد يوافق القدر, فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه.
ولهذا النهي كرهه بعض أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم, ومن لم ير ذلك, علل النهي بالحذر عن عدم الوفاء والتهاون فيه, فيكون ذلك تأكيدا لأمره, ومبالغة في وجوب الإتيان بمقتضاه, أو أوله بأن المعنى به: النهي عن النذر لهذا الغرض, لا النذر مطلقا.
...
٨١٠ – ٢٥٧١ – وعن ابن عباس ﵄: قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 962
يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: أبوإسرائيل, نذر أن يقوم ولا يقعد, ولا يستظل, ولا يتكلم, ويصوم, فقال النبي ﷺ : " مره فليتكلم وليستظل وليقعد, وليتم صومه "
" وعن ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم, فسأل عنه, فقالوا: أبو إسرائيل, نذر أن يقوم, ولا يقعد, ولا يستظل, ولا يتكلم, ويصوم, فقال ﵊: مروه فليتكلم, وليستظل, وليقعد, وليتم صومه ".
الظاهر من اللفظ أن المسؤول عنه هو اسمه, ولذلك أجيب بذكر اسمه, وأن ما بعده زيادة في الجواب, ويحتمل أن يكون المسؤول عنه حاله, فيكون الأمر بالعكس, ولعل السؤال لما كان محتملا لكل واحد من الأمرين أجابوا بهما جميعا.
و" أبو إسرائيل " هذا: رجل من بني عامر بن لؤي, من بطون قريش.
وأمره – ﵊ – بالوفاء في الصوم, والمخالفة فيما سواه = يدل على أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة, وما لا قربة فيه فنذره لغو لا عبرة به, وبه قال ابن عمر وغيره من الصحابة, وهو مذهب مالك والشافعي.
وقيل: إن كان المنذور مباحا يجب الإتيان به, لما روي: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف,
стр. 963
قال: " أوفي بنذرك ".
وإن كان محرما تجب كفارة اليمين, لما روت عائشة: أنه – ﵊ – قال:" لا نذر في معصية, وكفارته كفارة اليمين ", ولما روي عن عقبة: أنه – ﵊ – قال: " كفارة النذر كفارة اليمين "
والجواب عن الأول: أنها لما قصدت بذلك إظهار الفرح بمقدم رسول الله ﷺ , والمسرة بنصر الله للمؤمنين, وكانت فيه مساءة الكفار والمنافقين, التحق بالقربات, مع الغالب في أمثال هذا الأمر: أن يراد به الإذن دون الوجوب.
عن الثاني: أنه حديث غريب, لم يثبت عند الثقات.
وعن الثالث: أنه ليس من هذا الباب, إذ الرواية الصحيحة عنه: أنه – ﵊ – قال: " كفارة النذر إن لم يسم كفارة اليمين ".
وذلك مثل أن يقول: لله علي نذر, ولم يسم شيئا.
وقال أصحاب الرأي: لو نذر صوم العيد لزمه صوم يوم آخر, ولو نذر نحر ولده لزمه ذبح شاة, ولو نذر ذبح والده اتفقوا على أنه لا يلزمه ذلك, ولعل الفرق أن ذبح الولد كان قبل الإسلام ينذرونه ويعدونه قربة, بخلاف ذبح الوالد.
***
стр. 964
٨١١ - ٢٥٧٤ – وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله, فقال رسول الله ﷺ : " أمسك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر "
" وعن كعب بن مالك قال: قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله "
" إن من توبتي " أي: من تمامها, " أن أنخلع " أي: أتجرد " من مالي " وأخرجه " صدقة "
وروي: " أتخلع " من التخلع وهو التفكك.
...
من الحسان:
٨١٢ – ٢٥٧٧ – عن ثابت بن الضحاك: أنه قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة قال: " أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا, قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا, قال: " أوف بنذرك فإنه لا نذر في معصية الله, ولا فيما لا يملك ابن آدم "
(من الحسان)
" في حديث ثابت بن الضحاك الأنصاري: أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 965
فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة "
" بوانة " بضم الباء: اسم موضع في أسفل مكة دون يلملم, والرجل السائل قيل: هو كردم بن سفيان الثقفي.
وقوله ﵊: " أوف بنذرك " يدل على أن من نذر أن يضحي في مكان, أو يتصدق على أهل بلد: صح نذره, ولزمه ذلك.
...
٨١٣ – ٢٥٨١ – وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أن أخت عقبة ابن عامر نذرت أن تحج ماشية فسئل النبي ﷺ – وقيل إنها لا تطيق ذلك, فقال: " إن الله لغني عن مشي أختك, فلتركب ولتهد بدنة "
وفي رواية: " فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديا "
وفي رواية: قال النبي ﷺ : " إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا, فلتحج راكبة وتكفر يمينها "
" عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية, فسئل النبي ﷺ وقيل: إنها لا تطيق ذلك؟ فقال: إن الله تعالى لغني عن مشي أختك, فلتركب ولتهد بدنة "
لما كان المشي في الحج في عداد القربات وجب بالنذر,
стр. 966
والتحق بسائر أعماله التي لا يجوز تركها إلا لمن عجز, ويتعلق بتركه الفدية.
واختلف في الواجب, فقال علي كرم الله وجهه: يجب بدنة, لقوله ﵊: " ولتهد بدنة "
وقال بعضهم: يجب دم شاة كما في مجاوزة الميقات, وحملوا الأمر بالبدنة على الاستحباب دون الوجوب.
...
٨١٤ – ٢٥٨٣ – وعن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة, فقال له عمر ﵁: إن الكعبة غنية عن مالك, كفر عن يمينك وكلم أخاك, فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يمين عليك, ولا نذر في معصية الرب, ولا في قطيعة رحم, ولا فيما لا يملك "
" وفي حديث سعيد بن المسيب: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة "
أي: فكل مالي للكعبة, مصروف في مصالحها.
و (الرتاج): الباب المغلق, من الرتج وهو الغلق والاحتباس,
стр. 967
وتوجيه النذر واليمين إلى الباب, لأنه وجهه والسبيل إليه وإلى الارتفاق به, أو لأنهم كانوا يدخلون ما يجعلونه للكعبة, ويضعونه في داخلها, ويغلقون الباب عليها.
وهذا النوع من النذر تسميه الفقهاء: يمين لجاج, لأن المعلق قصد به المنع عن الفعل, كما أن الحالف يقصد بيمينه ذلك, واختلف فيما يتعلق به, فذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى أنه لو حصل الفعل المعلق به لزمه كفارة اليمين, وهو قول أحمد وإسحاق, وأصح أقوال الشافعي.
ويدل عليه هذا الحديث وغيره.
وقيل: يجب عليه الوفاء بما التزمه قياسا على سائر النذور, وهو قول مالك, والمشهور من قول أصحاب الرأي.
***
стр. 968
(١٤)
كتاب القصاص
стр. 969
(١٤)
كتاب القصاص
من الصحاح:
٨١٥ - ٢٥٨٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس, والثيب الزاني, والترك لدينه المفارق للجماعة ".
(كتاب القصاص)
(من الصحاح):
" عن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امري مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس, والثيب الزاني, والمارق لدينه التارك للجماعة "
" مسلم " صفة مقيدة لـ (امرئ) , و" يشهد " مع ما هو متعلق به صفة ثانية جاءت للتوضيح والبيان, ليعلم أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين, وأن الإتيان بهما كاف للعصمة.
стр. 970
" إلا بإحدى ثلاث " أي: خصال ثلاث: قتل النفس بغير حق, وزنى المحصن, والارتداد, وفصل ذلك بتعداد المتصفين به, المستوجبين القتل لأجله, فقال:
" النفس بالنفس " أي: يحل قتل النفس قصاصا بالنفس الذي قتله عدوانا, وهو مخصوص بولي الدم, لا يحل قتله لأحد سواه, حتى لو قتله غيره لزمه القصاص.
" والثيب الزاني " يريد به: الزاني المحصن, وهو المكلف الحر الذي أصاب في نكاح صحيح, ثم زنى, فإن للإمام رجمه, وليس لآحاد الناس ذلك, لكن لو قتله مسلم, ففي وجوب القصاص عليه خلاف.
والأظهر عندنا: أنه لا يجب, لأن إباحة دمه لمحافظة أنساب المسلمين, وكان له حقا فيه, أما لو قتله ذمي اقتص منه, لأنه لا تسلط له على المسلم بحال.
" والمارق لدينه ": يريد به التارك الخارج عنه, من المروق: وهو الخروج, ومنه: المرق, وهو الماء الذي يخرج من اللحم عند الطبخ, وهو مهدر في حق المسلمين, لا قصاص على من قتله, وفيما إذا قتله ذمي خلاف.
و" التارك للجماعة ": صفة مؤكدة لـ (المارق) أي: الذي ترك جماعة المسلمين, وخرج من زمرتهم, وانفرد عن جملتهم.
стр. 971
وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الإسلام بشيء سوى ماعدد كترك الصلاة.
...
٨١٦ - ٢٥٨٨ - عن المقداد بن الأسود: أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة, فقال: أسلمت لله, أأقتله بعد أن قالها؟ قال: " لا تقتله " فقال: يا رسول الله! إنه قطع إحدى يدي! فقال رسول الله: " لا تقتله, فإن قتلته فإنه بمنزلك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها ".
" وعن المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار, فاقتتلنا, فضرب إحدى يدي بالسيف, ثم لاذ مني بشجرة, فقال: أسلمت لله, أأقتله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله, فقال: يا نبي الله! إنه قطع إحدى يدي, فقال رسول الله ﷺ : لاتقتله, فإن قتلته فإنه بمنزلك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها "
(اللياذ): العياذ.
وقوله: " لا تقتله " يستلزم الحكم بإسلامه, ويستفاد منه صحة إسلام المكره, وأن الكافر إذا قال: أسلمت, أو: أنا مسلم, حكم بإسلامه.
стр. 972
ومن نهيه عن القتل, وللتعرض له ثانيا بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه: أن الحربي إذا جنى على مسلم, ثم أسلم, لو يؤاخذ بالقصاص, إذا لو وجب لرخص له في قطع إحدى يديه قصاصا.
وقوله: " فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ": لأنه صار مسلما معصوم الدم, كما كنت معصوما قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصا.
" وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ": لأنك صرت مباح الدم, كما كان هو مباح الدم قبل الإسلام, ولكن السبب مختلف, فإن إباحة دم القاتل بحق القصاص, وإباحة دم الكافر بحق الإسلام.
وقد تمسك به الخوارج على تكفير المسلم بارتكاب الكبائر, وحسبوا أن المعني به المماثلة في الكفر, وهو خطأ, لأنه تعالى عد القاتل عمدا من عداد المؤمنين, بل المراد ما ذكرناه.
...
٨١٧ - ٢٥٨٩ - وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى أناس من جهينة, فأتيت على رجل منهم فذهبت أطعنه فقال: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته, فجئت إلى النبي ﷺ فأخبرته فقال: " أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ " قلت: يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذا, قال: " فهلا شققت عن قلبه ".
" عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى ناس من جهينة,
стр. 973
فأتيت على رجل منهم, فذهبت أطعنه, فقال: لا إله إلا الله, فطعنته فقتلته, فجئت إلى النبي ﷺ , فأخبرته, فقال: أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذا, فقال: فهلا شققت عن قلبه ".
قيل: هذا المقتول هو مرداس بن نهيك الفزاري, وقيل: هو مرداس بن عمرو الفدكي, وعلى القولين لم يكن من جهينة, لكن لما وجدوه بأرضهم وكان مقيما فيما بينهم عد منهم, وإنما اجترأ أسامة على قتله لأنه رأى أنه يقول ما يقول تعوذا عن السيف, لا عن صميم قلبه, وظن أن إيمان الرجل في مثل هذه الحالة لا ينفعه, كما لا ينفع المحتضر.
ثم لما حكى الحال للرسول ﷺ أنكر صنيعه, وبين له أنه أخطأ في اجتهاده, بقوله: " فهلا شققت عن قلبه " أي: اطلعت على ما في قلبه, فعلمت أنه إنما يقوله تعوذا لا إخلاصا.
غاية ما في الباب: أن الأمرين محتمل, وأحدهما أظهر, لكن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من إهلاك مسلم, والرجل وإن لم يكن محكوما بإسلامه بما قال حتى يضم إليه الإقرار بالنبوة, لكنه لما أتى بما هو العمدة والمقصود بالذات, كان من حقه أن يمسك عنه, حتى يتعرف حاله.
***
стр. 974
٨١٨ - ٢٥٩١ - وقال رسول الله ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة, وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا "
" وعن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة, فإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا "
يريد بالمعاهد: من له مع المسلمين عهد شرعي, سواء كان بعقد جزية, أو هدنة من سلطان, أو أمان من مسلم.
وقوله: " لم يرح " فيه روايات ثلاث: يرح - بفتح الراء - من راح يراح, وبكسره من راح يريح, وبكسره وضم الياء من أراح يريح.
والمعنى واحد, وهو أنه لم يشم رائحة الجنة, ولم يجد ريحها, ولم يرد به أنه لا يجد أصلا, بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر, وتوفيقا بينه وبين ما تعاضدت من الدلائل النقلية والعقلية على أن صاحب الكبيرة إذا كان موحدا محكوما بإسلامه لا يخلد في النار, ولا يحرم من الجنة.
وقوله:" أربعين خريفا " أي: عاما, وقد سبق تفسيره.
...
٨١٩ - ٢٥٩٢ - وقال رسول الله ﷺ : " من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا, ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا
стр. 975
مخلدا فيها أبدا, ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ".
" وعنه: أنه ﵊ قال: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا, ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا, ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا "
(التردي) في الأصل: التعرض للهلاك, من الردى, وشاع في التدهور لإفضائه إلى الهلكة, والمراد به هاهنا: أن يتهور الإنسان فيرمي نفسه من جبل.
و (التحسي) والحسو واحد, غير أن فيه تكلفا.
و" يجأ" على وزن: يجع, من الوجاء, وهو الإجافة بالسكين ونحوه, والضمير في " بها " للحديدة.
وفي تعذيب الفساق بما هو من جنس أفعالهم حكم لا تخفى على المتفكرين من أولي الألباب.
والظاهر: أن المراد من هؤلاء: الذين فعلوا ذلك مستحلين له, وإن أريد منه العموم, فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام لا انقطاع له, واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد, لاستعمالهما في المعنيين, فيقال: وقف وقفا مخلدا مؤبدا, أو:
стр. 976
أدخل فلان حبس الأبد, والإشتراك والمجاز خلاف الأصل, فيجب جعلهما للقدر المشرك بينهما, وللتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل.
فإن قلت: فما تصنع بالحديث الذي يتلوه مروبا عن جندب بن عبد الله البجلي, فإن قوله ﵊: " قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه, فحرمت عليه الجنة " صريح في أن قاتل نفسه محروم عن الجنة, ممنوع عنها؟
قلت: هو حكاية حال, فلا عموم فيها, إذ يحتمل أن الرجل كان كافرا, أو ارتد من شدة الجراحة, أو قتل نفسه مستبيحا, مع أن قوله: " فحرمت عليه الجنة " ليس فيه ما يدل ظنا على الدوام والإقناط الكلي, فضلا عن القطع.
...
٨٢٠ ٢٥٩٤ - عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع, فأخذ سكينا فخز بها يده فما رقأ الدم حتى مات, قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة ".
وفي هذا الحديث: " فما رقأ الدم حتى مات " أي: ما انقطع, يقال: رقأ الدم والدمع رقأ: إذا انقطعا, ومنه قولهم: لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم, أي: إنها تدفع في الدية, فيرقأ به دم من يراد منه القود.
***
стр. 977
٨٢١ - ٢٥٩٥ - عن جابر ﵁: أن الطفيل بن عمرو الدوسي لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة, هاجر إليه وهاجر معه رجل من قومه فمرض فجزع, فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات, فرآه الطفيل بن عمرو ﵁ في منامه وهيئته حسنة, ورآه مغطيا يديه, فقال له: ما صنع بك وبك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت, فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : " اللهم وليديه فاغفر "
في حديث جابر:" أن الطفيل بن عمرو الدوسي, وهاجر معه رجل من قومه, فمرض فجزع, فأخذ مشاقص له, فقطع بها براجمه, فشخبت يداه حتى مات "
(المشاقص): جمع مشقص, وهو من النصال: ما طال وعرض, والبراجم: مفاصل الأصابع التي هي بين الرواجب - وهي المفاصل التي تلي الأنامل - وبين الأشاجع التي تلي الكف.
" فشخبت يده " أي: سالت دما, وأصل الشخب: امتداد اللبن في الحلب, والشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة.
...
٨٢٢ - ٢٥٩٦ - عن أبي شريح الكعبي, عن رسول الله ﷺ :
стр. 978
أنه قال: " ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله, من قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا, وإن أحبوا أخذوا العقل "
" عن أبي شريح الكعبي عن النبي ﷺ قال: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل, وأنا والله عاقله, من قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين, إن أحبوا أخذوا العقل "
هذا من تتمة خطبة خطبها رسول الله ﷺ يوم الفتح, ومقدمتها مذكورة في (صحاح باب حرم مكة) من (كتاب الحج) وكانت خزاعة قتلت عام الفتح في تلك الأيام بمكة رجلا من بني ليث من هذيل, يقال له: ابن الأكوع بقتيل لهم في الجاهلية, وأدى رسول الله عنهم ديته.
قوله: " أنا والله عاقله " أي: مؤدي ديته, من العقل وهو الدية, سميت به لأن إبلها تعقل بفناء ولي الدم, أو لأنها تعقل دم القاتل عن السفك.
وقوله: " فأهله بين خيرتين " يدل على أن ولي الدم مخير بينهما, فلو عفا عن القصاص على الدية أخذ بها القاتل وهو المروي عن ابن عباس, وقول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وقتادة, وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 979
وقيل: لا تثبت الدية إلا برضا القاتل, وهو قول الحسن والنخعي, وإليه ذهب مالك وأصحاب الرأي.
...
٨٢٣ - ٢٥٩٧ - عن أنس ﵁: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها, فجيء باليهودي فاعترف, فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة ".
" عن أنس: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين, فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومت برأسها, فجيء باليهودي, فاعترف فأمر به رسول الله ﷺ فرض رأسه بالحجارة ".
هذا الحديث يدل على أحكام:
منها: أن القتل بالمثقل يوجب القصاص, وهو قول أكثر أهل العلم, وبه قال مالك والشافعي, وخالفهم فيه أصحاب الرأي.
زمنه: أن الرجل يقتل بالمرأة, وهو قول عامة أهل العلم من الصحابة, ومن بعدهم, وقد حكي خلافه عن الحسن وعطاء.
ومنها: أن ولي الدم يستحق أن يقتص من القاتل بمثل فعله, وإليه ذهب الشعبي وعمر بن عبد العزيز, وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 980
وقيل: ليس له أن يقتص منه إلا بالسيف, وهو قول عطاء والثوري وأصحاب الرأي
...
٨٢٤ - ٢٥٩٨ - عن أنس ﵁: أنه قال: كسرت الربيع, وهي عمة أنس بن مالك, ثنية جارية من الأنصار فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص, فقال أنس بن المضر, عم أنس بن مالك ﵁: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله, فقال رسول الله ﷺ : " يا أنس كتاب الله القصاص, فرضي القوم وقبلوا الأرش, فقال رسول الله ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ".
" وعنه قال: كسرت الربيع وهي عمة أنس بن مالك - ثنية جارية من الأنصار, فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص, فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله, لا تكسر ثنيتها يا رسول الله, فقال النبي ﷺ : يا أنس! كتاب الله القصاص, فرضي القوم, وقبلوا الأرش, فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبره "
(الثنية) واحدة الثنايا, والحديث يدل على ثبوت القصاص في الأسنان.
وقول أنس: " لا والله لا تكسر ثنيتها " لم يرد به الرد على الرسول والإنكار لحكمه, وإنما قاله توقعا ورجاء من فضله تعالى أن يرضي خصمها, ويلقي في قلبه أن يعفو عنها, ابتغاء مرضاته, ولذلك قال
стр. 981
النبي ﷺ حين رضي القوم بالأرش ما قال.
قوله: " كتاب الله القصاص " أي: حكمه, أو: حكم الكتاب على حذف المضاف, ويكون إشارة إلى نحو قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل:١٢٦] , وقوله: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥].
أو إلى قوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥] إن قلنا بأنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم يرد له نسخ في شرعنا.
...
٨٢٥ - ٢٥٩٩ - وعن أبي جحيفة قال: سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن, إلا فهما يعطى رجل في كتابه, وما في الصحيفة! قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل, وفكاك الأسير, وأن لا يقتل مسلم بكافر "
" عن ابي جحيفة قال: سألت عليا ﵁: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة, وبرأ النسمة, ما عندنا إلا ما في القرآن, إلا فهما يعطى رجل في كتابه, وما في الصحيفة, قلت: وما في الصحيفة, قال: العقل, وفكاك الأسير, وأن لا يقتل مسلم بكافر "
إنما سأله ذلك, لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه - عليه الصلاة
стр. 982
والسلام - خص أهل بيته - لاسيما عليا - بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره, أو لأنه كان يرى منه علما وتحقيقا لا يجده عند غيره, فحلف أنه ليس عنده شيء من ذلك سوى القرآن, وأنه ﵊ لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوما, وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم, واستعداد الاستنباط, فمن رزق فهما وإدراكا ووفق للتأمل في آياته, والتدبر في معانيه, فتح عليه أبواب العلوم, واستثنى ما في الصحيفة احتياطا, لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره, فيكون منفردا بالعلم به.
والظاهر: أن " ما في الصحيفة " عطف على " ما في القرآن " و" إلا فهما " استثناء منقطع, وقع استدراكا عن مقتضى الحصر المفهوم من قوله: " ما عندنا إلا ما في القرآن" فإنه إذا لم يكن عنده إلا ما في القرآن, والقرآن كما هو عنده فهو عند غيره, فيكون ما عنده من العلوم يكون عند غيره, لكن التفاوت واقع غير منكر ولا مدافع, فبين أنه جاء من قبل الفهم, والقدرة على الاستنباط واستخراج المعاني وإدراك اللطائف والرموز.
قيل: الصحيفة صحيفة كانت في علاقة سيفه, وكان فيها من الأحكام غير ما ذكر في الحديث, ولعله لم يذكر جملة ما فيها إذ التفصيل لم يكن مقصودا, أو ذكر ولم يحفظه الراوي.
و" فلق الحبة ": شقها بإخراج النبات عنها.
و" برأ النسمة ": خلقها, وهي تقع على كل ذي روح.
стр. 983
و" العقل ": الدية, يريد به أن فيها ذكر ما يجب كدية النفس والأعضاء من الإبل, وذكر أسنانها وعددها وسائر أحكامها.
و" فكاك الأسير " أي: فيها حكمه والترغيب فيه, وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به.
و" لا يقتل مسلم بكافر " عام يدل على أن المؤمن لا يقتل بكافر قصاصا, سواء الحربي والذمي, وهو قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ﵃, وبه قال عطاء وعكرمة والحسن وعمر بن عبد العزيز, وإليه ذهب الثوري وابن شبرمة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقيل: يقتل بالذمي, والحديث مخصوص بغيره, وهو قول الشعبي والنخعي, وإليه ذهب أصحاب الرأي, لما روى عبد الرحمن ابن البيلماني: أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة, فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: " أنا أحق من أوفى بذمته " ثم أمر به فقتل.
وأجيب عنه بأنه منقطع لا احتجاج به, ثم إنه خطأ, إذ قيل: إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري, وقد عاش بعد الرسول سنين, ومتروك بالإجماع, لأنه روي أن الكافر كان رسولا, فيكون مستأمنا, والمستأمن لا يقتل به المسلم وفاقا, وإن صح فهو منسوخ, لأنه روي أنه كان قبل الفتح, وقد قال ﷺ يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت:" ولا يقتل مؤمن بكافر, ولا ذو عهد في عهده "
стр. 984
من الحسان:
٨٢٦ - ٢٦٠٢ - وعن ابن عباس ﵄, عن النبي ﷺ : أنه قال: " يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب قتلني حتى يدنيه من العرش ".
(من الحسان):
" وفي حديث ابن عباس: وأوداجه تشخب دما "
أي: ودجاه تسيل دماؤها, عرقان على صفحتي العنق, عبر عن المثنى بصيغة الجمع للأمن عن الإلباس, كقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم:٤].
...
٨٢٧ - ٢٦٠٤ - عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما, فإذا أصاب دما حراما بلح ".
" عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما [فإذا أصاب دما حراما] بلح ".
(المعنق) بكسر الميم وفتح النون: المسرع في المشي, من العنق: وهو الإسراع والخطؤ الفسيح, وجمعه: معانيق, والتبلح: الإعياء.
стр. 985
والمعنى: أن المؤمن لا يزال موفقا للخيرات, مسارعا إليها, ما لم يصب دما حراما, فإذا أصاب ذلك أعيى وانقطع عنه ذلك, لشؤم ما ارتكب من الإثم.
...
٨٢٨ - ٢٦٠٧ - عن أبي رمثة ﵁ قال: دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ , فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ , فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب, فقال: " أنت رفيق, والله الطبيب " فقال رسول الله ﷺ : " من هذا معك؟ قال: ابني فاشهد به, فقال: " أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"
" عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ , فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ , فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب, فقال: أنت رفيق, والله الطبيب, فقال رسول الله ﷺ : من هذا معك؟ قال: ابني فاشهد به, فقال: لا يجني عليك ولا تجني عليه "
" أبو رمثة ": تميمي اسمه حبيب بن يثربي, وقيل: حبيب بن حيان, وقيل: رفاعة بن يثربي, وقيل: حيان بن وهب.
وأراد بـ (الذي بظهر رسول الله ﷺ " خاتم النبوة, وكان ناتئا, وظن أبوه أنه سلعة تولدت من فضلات البدن, فلذلك قال: " دعني
следующие страницы →