← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(ب) «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» (١). ١٣ - غسل اليد لإزالة أثر الطعام: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بات أحدكم وفي يده غَمر (٢)، فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلا نفسه» (٣). الصَّيْد وأحكامه تعريفه (٤): الصَّيْد: مصدر صاد يصيد صيدًا، وله إطلاقان في اللغة، فقد يراد به: الاصطياد ووضع اليد على الحيوان المصيد وقبضه وإمساكه، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥). وقد يراد به الحيوان المصيد نفسه، كما قال تعالى ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦) وعلى الإطلاق الأول يكون تعريف الصيد اصطلاحًا: «اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقتدر عليه». وعلى الإطلاق الثاني يُعرَّف الصيد اصطلاحًا على أنه: «حيوان مقتنَص حلال متوحِّش طبعًا غير مملوك، ولا مقدور عليه». حكم الصيد: أجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، ودلَّ على ذلك الكتاب والسنة: (أ) فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٧).

стр. 1017

٢ - وقوله سبحانه ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). ٣ - وقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢). (ب) ومن السنة: حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أُرسل الكلاب المعلَّمة فيمسكن عليَّ وأذكر اسم الله عليه، فقال: «إذا أرسلت كلبك المُعلَّم وذكرت اسم الله عليه فَكُلْ» قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» قلت له: فإني أرمى بالمعراض (٣) الصيد فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكلْه، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» (٤). متى يكون الصيد محظورًا؟ الأصل في الصيد أنه حلال، لكنه يُحظر في الحالات الآتية: ١ - إذا قُصد به اللهو والعبث: لا التذكية والانتفاع بلحم الحيوان، فحينئذ يكون حرامًا، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئًا فيه روح غرضًا» (٥). وعن سعيد بن جبير قال: مرَّ ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، فقال ابن عمر: «من فعل هذا؟! إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا» (٦). ٢ - إذا كان الصائد مُحرمًا بحج أو عمرة فيحرم عليه صيد البر: لقوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٧) وقد تقدم هذا في «كتاب الحج».

стр. 1018

٣ - يحرم صيد الحرمين -مكة والمدينة- ولو الغير لمُحرم: وقد تقدم في «الحج». ٤ - يحرم صيد المملوك للغير: لما فيه من الظلم والعدوان عليهم. وسائل الصيد: إباحة الصيد تعني تمكين الصائد من اقتناص الحيوان، ووضع يده عليه حيًّا إن أمكن، أو مقتولاً بفعل آلة الصيد، حيث يعتبر القتل بآلة الصيد بمنزلة تذكية الحيوان أو ذبحه بصورة مشروعة، ولكل وسيلة أو أداة للصيد شروط معينة حتى يعتبر قتل الحيوان بها بمنزلة التذكية الشرعية. ١ - الصيد باستخدام الجوارح: المقصود بالجوارح: السباع ذوات الأنياب، كالكلب والفهد، وجوارح الطير ذوات المخالب كالصقر والبازي، قال الله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). ما يشترط في الصيد بالجوارح (٢)، ليحلَّ صيدها: ١ - أن يكون مُعَلَّمًا: قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). ويعتبر في تعليم الجارحة ثلاثة شروط هي: (أ) إذا أرسله الصائد استرسل. (ب) إذا زجره انزجر. (جـ) إذا أمسك الجارح صيدًا لم يأكل منه، ويتكرر هذا منه حتى يصير معلَّمًا في حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث مرات، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. فإن أكل الجارح من الصيد لم يحلَّ، لقول النبي ﷺ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلت، إلا أن يأكل الكلب، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» (٤).

стр. 1019

تنبيه: إذا صاد الكلب غير المعلَّم فأدركه الصائد حيًّا فذبحه ذبحًا شرعيًّا حلَّ أكله كذلك، لقول النبي ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: «... وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكُلْ» (١). ٢ - أن يسمى الصائد عند إرساله: لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) وقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). وفي حديث عدي بن حاتم قال النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ...» (٤). وفي حديث أبي ثعلبة قال ﷺ : «.. وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل ...» (٥). ٣ - أن لا يشارك كلبه كلب آخر: فعن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، أرسل كلبي وأسمِّي، فأجد معه على الصيد كلبًا آخر لم أُسمِّ عليه، ولا أدري أيهما أخذ، قال: «لا تأكل، إنما سَمَّيت على كلبك ولم تُسمِّ على الآخر» (٦). ٤ - أن يجرح الكلب الصَّيْدَ: فإن خنقه أو قتله بصدمته لم يحلَّ، لقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فَكُلْ» (٧). فائدتان: ١ - يجوز اقتناء الكلب للصيد والماشية والحراسة فقط: فعن عبد الله بن مغفل قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب» رخَّص في كلب الصيد وكلب الغنم» (٨).

стр. 1020

وأما اقتناء الكلاب لغير ذلك فلا يجوز، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم» (١) ونحوه من حديث ابن عمر. ٢ - هل يجوز الصيد بالكلب الأسود البهيم؟ (٢) الكلب الأسود البهيم الذي ليس فيه بياض، قد أمر النبي ﷺ بقتله، فعن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٣) ولذا لم يُجِزْ الإمام أحمد وابن حزم وسائر أهل الظاهر صيد الكلب الأسود، لأن ما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبح صيده، ولأن النبي ﷺ سمَّاه شيطانًا، ولأن إباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص. وقد كره ذلك طائفة من السلف منهم: الحسن والنخعي وقتادة وإسحاق. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى إباحة صيد الكلب الأسود البهيم، لعموم الأدلة المتقدمة في إباحة الصيد بالكلاب المعلَّمة من غير أن تخصَّ كلبًا دون آخر. قلت: الأظهر أنه لا يجوز والله أعلم. ٢ - الصيد بآلة الصيد كالقوس والسهم ونحوهما (٤): لا خلاف بين العلماء في إباحة أكل ما صيد بالقوس أو السهم إذا ذكر عليه اسم الله، ففي حديث عدي بن حاتمٍ، قال النبي ﷺ : «... وما رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ما شئت ..» (٥). وفي حديث أبي ثعلبة قال ﷺ : «.. فما أصبتَ بقوسك فاذكر اسم الله، ثم كُلْ ..» (٦).

стр. 1021

الصيد بالمِعْراض: المعراض: عود محدَّد وربما كان في رأسه حديدة، يحذف به الصيد، فإن أصاب الصيد بحدِّه فخزق (أي: جرح) وقتل فيباح الصيد، وإن أصاب المعراض بعرضه -لا بحدِّه- فقتل بثقله فيكون موقوذًا فلا يباح أكله، وبهذا قال الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم، لحديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض، فقال: «إذا أصاب بحدِّه فَكُلْ، وإذا أصاب بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ ...» (١). وسائر آلات الصيد كالمعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد، كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله، وكالرمح والحربة والسيف، يضرب به صفحًا -لا بحدِّه- فكل ذلك حرام؛ وكذلك إذا أصاب بحدِّه فلم يجرح وقتل بثقله لم يبح لقول النبي ﷺ : «إذا رميت بالمعراض فخزق فكُلْه ..» (٢) فجعل نفوذه في الصيد وجرحه شرطًا، ولأنه إذا لم يجرحه فإنما يقتله بثقله فأشبه ما إذا أصاب بعرضه (٣). ٣ - الصيد بالندقية: بنادق الصيد الحديثة يستعمل فيها الرصاص، ومنه المدوَّر، ومنه المدبَّب، وكلاهما ينفذ في جسم الحيوان ويجرحه، فيباح الصيد بها. ومما تجدر الإشارة إليه أن جمهور العلماء يشترطون في الآلة أن تكون محددة (!!) فقد يشكل هذا على إباحة الصيد بالبندقية ذات الرصاص المدوَّر، إلا أن الذي يظهر أن مرادهم بالمحدَّد هو ما ينفذ في جسم الحيوان ويجرحه، فهذا هو المناط كما يظهر من الأدلة في المسألة، فيزول الإشكال، والله أعلم. هل يجوز الصيد بالحجر والحصى ونحوه؟ (٤) الحجر الذي لا حدَّ له بحيث لو رمى به الصيد لم يخزقه ولم يجرح، إذا قتل الحيوان لم يُبح أكله لأنه موقوذ، وبهذا قال عامة الفقهاء، وقد تقدمت الأدلة على اشتراط تفوذ الآلة في جسم الصيد وجرحه حتى يحلَّ.

стр. 1022

وعن عبد الله بن مغفل ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السنَّ وتفقأ العين» (١). إذا وجد الصيد بعد أيام: إذا رمى الصائدُ الحيوان ووقعت فيه الرمية وغاب، ثم وجده الصائد ولو بعد أيام -في غير ماء- كان حلالاً إذا لم ينتن أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه: فعن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكُلْ، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن فقتلن فلا تأكل، فإنك لا تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكُلْ، وإن وقع في الماء فلا تأكل» (٢). التذكية الشرعية تعريفها (٣): التذكية في اللغة: مصدر ذكيت الحيوان، والاسم هو الذكاة، وهي الذبح والنحر. وفي الاصطلاح: هي السبب الموصل لحل أكل الحيوان البري اختيارًا. وعرفها الحنفية بأنها: «السبيل الشرعية لبقاء طهارة الحيوان وحل أكله إن كان مأكولاً وحل الانتفاع بجلده وشعره إن كان غير مأكول». وعرفها الحنابلة بأنها: «ذبح أو نحر حيوان مقدور عليه مباح أكله، يعيش في البر، لا جراد ولا نحوه - بقطع حلقوم ومريء، أو عقر حيوان ممتنع إذا تعذر قطع الحلقوم والمريء». وهي نوعان (الذبح والنحر). تعريف الذبح: أطلق الذبح في اللغة على الشَّقِ وهو المعنى الأصلي ثم استعمل في قطع الحلقوم من باطن عند النَّصيِل، و «النَّصِيل» بفتح النون وكسر الصاد مفصل ما بين العنق والرأس تحت اللحيين. وأطلق في الاصطلاح على معانٍ كثيرة، ومنها: (ما يتوصل به إلى حل الحيوان سواء أكان قطعًا في الحلق أم في اللبة من حيوان مقدور عليه أم إزهاقًا

стр. 1023

لروح الحيوان غير المقدور عليه بإصابته في أي موضع كان من جسده بمحدد أو بجارحة معلمة) والذبح يكون فيما عدا الإبل من الحيوانات. تعريف النحر: يطلق النحر في اللغة على أعلى الصدر وموضع القلادة منه والصدر كله ويطلق على الطعن في لبة الحيوان لأنها مسامتة لأعلى صدره. وفي الاصطلاح: هو الطعن في اللبة، ويكون النحر في الإبل خاصة. فائدة (١): تخصيص الإبل بالنحر وما عداها بالذبح مستحب عند الجمهور -خلافًا للمالكية- لا واجب، ووجه استحبابه أن الله تعالى ذكر في الإبل النحر، قال تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) وذكر في البقر والغنم الذبح، فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٣) وقال ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). ولأن الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل على الحيوان، وما فيه نوع راحة له فهو أفضل، والأسهل في الإبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواها، والبقر والغنم ونحوها جميع عنقها لا يختلف. حكم التذكية وحكمة اشتراطها (٥): التذكية شرط لإباحة أكل الحيوان مأكول اللحم والانتفاع به من سائر الوجوه، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٦). وعن رافع بن خديج قال: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدى، فقال ﷺ : «أعجل -أو: أرني- ما أنهر الدم وذُكر اسم الله فكُلْ، ليس السن والظفر، وسأحدثك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة» (٧).

стр. 1024

وفيه أن إراقة الدم، وذكر اسم الله على الذبيحة شرط لإباحة أكل لحمها. وأما الحكمة في اشتراط التذكية: فهي أن الحُرْمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح، ولا يزول إلا بالذبح أو النحر، وأن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات خاصة، قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١)، وقال سبحانه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (٢) ولا يطيب إلا بخروج الدم وذلك بالذبح أو النحر، ولهذا حرمت الميتة لأن المحرم -وهو الدم المسفوح- فيها قائم. ومن الحكم كذلك: التنفير عن الشرك وأعمال المشركين، وتمييز مأكول الآدمي عن مأكول السباع، وأن يتذكر الإنسان إكرام الله له بإباحة إزهاق روح الحيوان لأكله والانتفاع به بعد موته. شروط الذبح: يشترط ليحل أكل الحيوان المذكَّى شروط، بعضها يتعلق بالمذبوح، وبعضها بالذابح، وبعضها بآلة الذبح. (أ) شروط الحيوان المذبوح (٣): ١ - أن يكون حيًّا وقت الذبح: فلا يُذبح الحيوان الميت. ٢ - أن يكون زهوق روحه بمحض الذبح. ٣ - أن لا يكون من صيد الحرم لما تقدم في «كتاب الحج» من تحريم صيد الحرم، وقد قال ﷺ في مكة: «فلا ينفَّر صيدها» (٤). (ب) شروط الذابح: ١ - أن يكون عاقلاً (٥): سواءً كان رجلاً أو امرأة، بالغًا أو غير بالغ إذا كان مميزًا، فلا تصح تذكية المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل، ولا السكران، لأن غير العاقل لا يصح منه القصد إلى الذبح والتسمية، وبهذا قال الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعية، والأظهر عندهم أنه يصح تذكيتهم جميعًا (!!).

стр. 1025

وقال ابن حزم: لا تصح تذكية غير البالغ كالمجنون والسكران لأنهم غير مخاطبين بخطاب الشرع في قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) إذ هم غير مكلفين. ٢ - أن يكون مسلمًا أو كتابيًا (يهوديًّا أو نصرانيًّا): فلا تحل ذبيحة الوثني والمجوسي، وهذا متفق عليه، لأن غير المسلم والكتابي لا يخلص ذكر اسم الله، وذلك أن المشرك يُهل لغير الله أو يذبح على النصب، وقد قال تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٢) والمجوسي لا يذكر اسم الله على الذبيحة (٣). وأما أهل الكتاب فإنما حلت ذبيحتهم لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٤) قال ابن عباس «طعامهم: ذبائحهم» (٥). ويؤيد هذا، أنه لو لم يكن المراد بطعامهم: ذبحائهم، لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى، لأن غير الذبائح من أطعمة سائر الكفرة حلال، ولو فرض أن الطعام غير مختص بالذبائح فهو اسم لما يُطعم، فيدخل فيه الذبائح، وتكون حلالاً (٦). تنبيه: إنما تحلُّ ذبيحة الكتابي إذا لم يُعلم أنه ذكر عليها غير اسم الله تعالى، فإن ذكر عليه اسم غير الله كأن قال: باسم المسيح أو العذراء أو الصنم، لم يؤكل، لقوله تعالى في بيان المحرَّمات: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٧). ٣ - أن لا يكون مُحرمًا إذا ذبح صيد البر: فإن المحرم يحرم عليه التعرض للصيد البري سواء كان التعرض بالاصطياد أو الذبح أو القتل، ويحرم عليه كذلك أن يَدُلَّ الحلال على صيد البر أو يشير إليه، كما تقدم في «الحج»، فما ذبحه المحرم من صيد البر فهو ميتة وكذلك ما ذبحه الحلال بدلالة المحرم أو إشارته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٨) وقال سبحانه ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٩).

стр. 1026

تنبيه: المحرَّم على المُحرم ذبحُه إنما هو الصيد، فأما المستأنس كالدجاج والغنم والإبل، فللمحرم أن يذَكيها، لأن التحريم مخصوص بالصيد، أي: بما شأنه أن يصاد وهو الوحش فبقي غيره على عموم الإباحة، وهذا متفق عليه بين المذاهب (١). ٤ - أن يسمى على الذبيحة إذا ذَكَر (٢): فإن تعمَّد تركها -وهو قادر على النطق بها- لم تؤكل ذبيحته عند الجمهور ومن نسيها أو كان أخرس أُكلت ذبيحته، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٣). ولحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فكُلْ ...» (٤). ولذا اشترط الجمهور التسمية على الذبيحة -عند التذكر والقدوة- وقال الشافعي -وهو رواية عن أحمد- أنها مستحبة وليست واجبة، لحديث عائشة: أن قومًا قالوا للنبي ﷺ : إن قومنا يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا عليه أنتم وكلوا» قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر (٥). فلو كانت التسمية شرطًا لما حلت الذبيحة مع الشك في وجودها، لأن الشك في الشرط شك فيما شرطت له. واستدلوا كذلك بأن الله أباح لنا ذبائح أهل الكتاب وهم لا يذكرونها، وأجابوا عن قوله تعالى ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٦) بأن المراد: ما ذكر عليه اسم غير الله، يعني: ما ذبح للأصنام بدليل قوله تعالى ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٧) وسياق الآية دالٌّ عليه، فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٨).

стр. 1027

٥ - أن لا يهلَّ بالذبح لغير الله: والمقصود به: تعظيم غير الله سواء كان برفع صوت أم لا، فهذا لا تحلُّ ذبيحته بالاتفاق، لقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). والذبح لغير الله حرام لحديث أبي الطفيل قال: سئل عليٌّ ﵁: أخصَّكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى مُحْدثًا» (٢). شروط آلة الذبح: يُشترط في آلة الذبح شرطان: ١ - أن تكون قاطعة: سواء كانت حديدًا أم لا، وسواء كانت حادة أم كليلة ما دامت قاطعة، لأن المقصود بالذبح: قطع الودجين والمريء والحلقوم، وجريان الدم. ٢ - أن لا تكون عظمًا أو ظفرًا: لحديث رافع بن خديج، قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدْى، قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فَكُلْ، ليس السنَّ والظُّفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» (٣). الذبح بالآلات الكهربائية: تقدم أنه يشترط في آلة الذبح أن تكون قاطعة وأن لا تكون عظمًا أو ظفرًا، ولا شك أن الآلات الكهربائية حادة وسريعة في إتمام عملية الذبح، فشروط الآلة محققة فيها، فهي إذن صالحة للتذكية. وهنا شبهة: أنه ربما كانت هذه الآلات -لحدتها وسرعتها- تقطع رأس الحيوان!! فنقول: هذا جائز، نصَّ عليه أحمد ﵀ وبه قال أبو حنيفة والثوري (٤)، لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه، مع الذبح، فأبيح، وهذه الآلات حادة جدًّا فتأتي على قطع الرأس كله مرة واحدة فلا يتصور موت الحيوان وإزهاق روحه قبل قطع الأوداج حتى يقال: التذكية لا تجوز!! (٥).

стр. 1028

آدابُ الذَّبح: يُستحب في الذبح أمور، منها (١): ١ - إحسان الذبح: وذلك يتحقق بإحداد السكين -ونحوها- وسرعة القطع، لما في ذلك من إراحة الذبيحة وعدم تعذيبها: فعن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليُرحْ ذبيحته» (٢). ويستحب أن يحدَّ الشفرة قبل إضجاع الشاة ونحوها، وقد كره الجمهور أن يُحدَّ الذابح شفرته بين يدي الذبيحة وهي مهيأة للذبح، لما جاء عن ابن عباس أن رجلاً أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟!» (٣). ٢ - إضجاع الذبيحة: لأنه أرفق بها، وعليه أجمع المسلمون، لحديث عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به، فقال لها: «يا عائشة، هلمي المدية» ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به» (٤). «ويكون هذا الإضجاع على جانبها الأيسر، لأنه أيسر للذابح في أخذ السكين باليمنى، وإمساك رأسها باليسرى» (٥). ٣ - وضع قدمه على صفحة عنقها: فعن أنس قال: «ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، يُسمِّي ويكبر، فذبحهما بيده» (٦). قال النووي: «وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن، لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه» اهـ.

стр. 1029

٤ - توجيه الذبيحة إلى القبلة: ويكون التوجيه بمذبحها لا بوجهها، فعن جابر ابن عبد الله قال: «ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجئين، فلما وجههما قال: «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر «ثم ذبح» (١). وعن نافع أن ابن عمر «.. كان هو ينحر هديه بيده يصفهن قيامًا (٢) ويوجههن إلى القبلة، ثم يأكل ويُطعم» (٣). تنبيه: ليس هذا التوجيه بشرط في الذبح، إذ لو كان كذلك لما أغفل الله تعالى بيانه وإنما هو مستحب. ٥، ٦ - التسمية والتكبير: وقد تقدم في حديث عائشة أن النبي ﷺ لما أضجع الكبش «قال: بسم الله ...» (٤). وفي حديث أنس: «.. فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، يُسمِّي ويكبِّر، فذبحهما بيده» (٥). وفي حديث جابر المتقدم قريبًا أن النبي ﷺ قال: «بسم الله، والله أكبر» ثم ذبح (٦). وقد مرَّ في شروط الذبح جملة من الأدلة على اشتراط التسمية. آداب النَّحْر: يستحب في النحر كل ما يستحب في الذبح، إلا أن الإبل تُنحر قائمة على ثلاث، ومعقولة (مقيَّدة) اليد اليسرى (٧):

стр. 1030

١ - قال الله تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ...﴾ (١) ومعنى صواف: قيامًا، كما قال ابن عباس. ٢ - وفي حديث أنس بن مالك -في حجة النبي ﷺ : «.. ونحر النبي ﷺ بيده سبع بُدْنٍ قيامًا، وضحى بالمدينة كبشين أملحين أقرنين» (٢). ٣ - وعن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيَّدة، سنة محمد ﷺ » (٣). إذا لم يتمكن من الحيوان ليذبحه (٤): إذا لم يتمكن من الحيوان، وتعذَّر ذبحه، لهربه ونحو ذلك، فيجوز طعنه ورميه بالسهم ونحوه في أي موضع من جسده بحيث يجرحه ويقتله، ويحلُّ أكله بذلك، وبهذا قال جمهور العلماء -خلافًا لمالك والليث!! - لحديث رافع بن خديج قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فَنَدَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا» (٥). وفي لفظ: «فإذا غلبكم شيء فاصنعوا به هكذا». ذكاة الجنين ذكاة أُمَّه (٦): إذا ذبحت الذبيحة ثم خرج من بطنها جنين ميِّتًا، فأصح قولي العلماء: أن الجنين يحل أكله لأنه مذكى بذكاة أمِّه، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، ويؤيد هذا القول حديث أبي سعيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين؟ فقال: «كلوه إن شئتم» وفي رواية: قلت يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته، ذكاةُ أُمِّه» (٧).

стр. 1031

أما إذا خرج الجنين حيًّا حياة مستقرة، لم يحلَّ أكله إلا بذبحه، والله أعلم. ما قُطع من البهيمة وهي حية (١): عن أبي واقد الليثي أن النبي ﷺ قال: «ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (٢). قال ابن حزم، ﵀: «وما قطع من البهيمة وهي حية، أو قبل تمام تذكيتها عنها، فهو ميتة لا يحل أكله، فغن تمت الذكاة بعد قطع ذلك الشيء أُكلت البهيمة، ولم تؤكل تلك القطعة، وهذا ما لا خلاف فيه، لأنها زايلت البهيمة وهي حرام أكلها فلا تقع عليها ذكاة كانت بعد مفارقتها لما قطعت منه» اهـ (٣). الأضحية (٤) تعريفها: الأُضحية -بضم الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة، وفتح الضاد- هي ما يُذكى تقربًا إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة، وكأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وبها سمى اليوم يوم الأضحى (٥). مشروعيتها: الأصل في مشروعية الأضحية: الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب: فقول الله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦) قال بعض أهل العلم المراد به: الأضحية بعد صلاة العيد. وأما السنة، فعن أنس قال: «ضحَّى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحها» (٧).

стр. 1032

وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (١). حكم الأضحية: اختلف أهل العلم في حكم الأضحية، على قولين (٢): الأول: أنها واجبة على الموسر: وهو قول ربيعة والأوزاعي وأبي حنيفة والليث وبعض المالكية، واستدلوا بأدلة منها: ١ - قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) وأجيب بأن للعلماء في تأويل الآية خمسة أقوال أظهرها أن المراد: صلِّ لله، وانحر لله. ٢ - حديث جندب بن سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «... من ذبح قبل أن يصلي فليُعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح» (٤). وأجيب بأن المقصود بيان شرط الأضحية المشروعة، فهو كما قال لمن صلى راتبة الضحى مثلًا قبل طلوع الشمس: إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك، كذا في الفتح (١٠/ ٦، ١٩). ٣ - حديث البراء أن أبا بردة قال: يا رسول الله ذبحتُ قبل أن أصلي، وعندي جذعة خير من مُسنة، فقال ﷺ : «اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك» (٥). وأجاب الخطابي عن الاستدلال به على الوجوب فقال: وهذا لا يدل على ما قاله لأن أحكام الأصول مراعاة في أبدالها فرضًا كانت أو نفلاً، إنما هو على الندب كما كان الأصل على الندب، ومعناه أنها تجزئ عنك إن أردت الأضحية ونويت الأجر فيها. اهـ (المعالم ٢/ ١٩٩). ٤ - حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها و ...» (٦) الحديث وسيأتي.

стр. 1033

قالوا: فقوله: «لا يجزين ..» دليل على وجوبها!! لأن التطوع لا يقال فيه: لا تجزئ، قالوا: والسلامة من العيوب إنما تُراعى في الرقاب الواجبة، وأما التطوع فجائر أن يتقرب إلى الله فيه بالأعور وغيره. وأجيب: بأن الضحايا قربان سنة رسول الله ﷺ يتقرب به إلى الله حسبما ورد به الشرع، وهو حكم ورد به التوقيت، فلا يتعدى به سنته ﷺ لأنه محال أن يتقرب إليه بما قد نهى عنه على لسان رسول الله ﷺ (١). ٥ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من كان له سعة ولم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مُصلاَّنا» (٢) والصواب وقفه كما رجَّحه الأئمة (٣). القول الثاني: أن الأضحية سنة وليست واجبة: وهو مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور والمزني وابن المنذر وداود وابن حزم وغيرهم، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يُضحى فلا يمسَّ من شعره وبشره شيئًا» (٤). قالوا: فقوله (وأراد أن يضحي) دليل على أن الأضحية ليست بواجبة. ٢ - صحَّ عن الصحابة أن الأضحية ليست بواجبة، ولم يصح عن أحد منهم أنها واجبة، قال الماوردي: «ورُوى عن الصحابة ﵃ ما ينعقد به الإجماع على سقوط الوجوب» (٥) اهـ. قلت: من ذلك: (أ) عن أبي سريحة قال: «رأيت أبا بكر وعمر، وما يضحيان» (٦). (ب) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: «إني لأدع الأضحى، وإني لموسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليَّ» (٧).

стр. 1034

قلت: الذي يظهر أن أدلة الموجبين ليست قوية في الدلالة على الوجوب، وعليه فالقول قول الصحابة ﵃ وجمهور أهل العلم. ما يُضَحَّى به ١ - لا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والضأن، والمعز لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (١)، وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأضحية لا تصح إلا بها، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يُضحى ببقر الوحش وبالضب، وبه قال داود في بقر الوحش، وأجازه ابن حزم بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو طائر (!!) واحتج بقول بلال ﵃: «ما كنت أبالي لو ضحيت بديك ..» (٢). قلت: ومذهب الجماهير هو المتعيِّن للآية الكريمة، ولأنه لم يؤثر عن النبي ﷺ أنه ضحى بغير الإبل والبقر والغنم. (أ، ب) أما الإبل والبقر: فقد ثبت أن النبي ﷺ وأصحابه ضحَّوا بها، والجمهور على أنه يجوز أن يشترك سبعة في بقرة أو بدنة، وأنها تجزئ عنهم، لما يأتي: ١ - حديث جابر بن عبد الله قال: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (٣). ٢ - وعنه قال: «كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة، فنذبح، البقرة عن سبعة نشترك فيها» (٤). فوائد: ١ - ذهب إسحاق وابن خزيمة وغيرهم إلى أن البدنة تجزئ عن عشرة، لحديث ابن عباس قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة» (٥).

стр. 1035

وقال الشوكاني تجزئ البدنة عن عشرة في الأضحية، وعن سبعة في الهدي، جمعًا بين الأدلة، والجمهور اقتصروا على السبعة قياسًا على الهدي، وقال شيخنا: «وإن صحَّ حديث ابن عباس فالقول عليه إذ هو صريح في بابه، ولكن في نفسي منه شيء، وذلك لتفرد حسين بن واقد به، وهو وإن كان ثقة -على الإجمال- لكن قال فيه أحمد: في أحاديث زيادة لا أدري أيش هي» اهـ (١). قلت: قد يتأيد حديث ابن عباس، بحديث رافع بن خديج قال: «كان النبي ﷺ يجعل في قسم الغنائم: عشرًا من الشاء ببعير ..» (٢). ٢ - اشترط الإمام مالك ﵀ خلافًا للجمهور- فيمن يشترك في البدنة أو البقرة أن يكونوا من بيت واحد!! وفيه نظر لأن في حديث جابر المتقدم: «نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» وقد كانوا أشتاتًا من قبائل شتى، ولو اتفقت قبائلهم لم تتفق بيوتهم، ولو اتفقت لتعذر أن يستكمل عدد كل بيت سبعة حتى لا يزيدوا عليهم ولا ينقصوا عنهم (٣). ٣ - أجاز الجمهور -خلافًا لأبي حنيفة- أن يشترك بعض السبعة بنية القُربة وبعضهم بنيَّة إرادة اللحم، لأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانو متقربين جاز أن يشتركوا فيه وإن كان بعضهم غير متقرب كالسبعة من الغنم، ولأن سهم كل واحد معتبر بنيته لا بنية غيره، لأنهم لو اختلفت قربهم فجعل بعضهم سهمه عن قران وبعضهم عن تمتع وبعضهم عن حلق وبعضهم عن لباس جاز، كذلك إذا جعل بعضهم سهمه لحمًا، لأن نية غير المتقرب لا تؤثر في نية المتقرب (٤). ٤ - السِّنُّ المجزئة في الإبل والبقر: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (٥). والمُسنة: هي الثني من كل شيء، من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، والثنية

стр. 1036

من البقر ما لها سنتان ودخلت في الثالثة، والثنية من الإبل ما لها خمس سنين ودخلت في السادسة، فلا يجزئ ما دون ذلك فيهما» (١). (جـ) وأما الضأن: فعن أنس أن النبي ﷺ : «ضحى بكبشين أملحين ...» (٢) وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فعن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى به ليضحي به، فقال لها: «يا عائشة هلمِّي المُدْية» ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحَّى به» (٣). وعن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: «كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى» (٤). عن عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي ﷺ ، وذهبت به أمه زينبُ بنت حميد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال النبي ﷺ : «هو صغير» فمسح رأسه ودعا له، وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله (٥). وقد ذهب إلى أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا: مالك والشافعي وأحمد، وكرهه أبو حنيفة والثوري (!!). السنُّ المجزئة في الضأن: تقدم قول النبي ﷺ : «لا تذبحوا إلا مُسنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (٦). فدل على أنه لا يجزئ في الأضحية ما دون المسنة -والمسنة هي الثنية، والثنية من الضأن: ما له سنة ودخل في الثانية- لكن إذا تعسَّر الثني من الضأن أجزأ الجذع -وهو ما له ستة أشهر- وعلى هذا جماهير أهل العلم لكنهم أجازوا الجذع

стр. 1037

من الضأن مطلقًا ولو لم يعجز عن المسنة!! وحملوا هذا الحديث على الاستحباب، واستدلوا بجملة أحاديث تفيد جواز الأضحية بجذع الضأن مطلقًا، وأسانيدها ضعيفة، والأظهر أنه لا يجزئ الجذع من الضأن إلا عند العجز عن المسنة لظاهر الحديث وضعف المخالف، والله أعلم (١). (د) وأما المعز: فيجزئ منه الثنى فما فوقه، للحديث المتقدم، وأما الجذع من المعز فلا يجزئ في الأضحية بإجماع أهل العلم (٢). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : «شاتك شاة لحم» فقال: يا رسول الله، إن عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: «اذبحها ولا تصلح لغيرك» ... الحديث (٣). وعن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا يُقسِّمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود (٤) فذكره للنبي ﷺ فقال: «ضَحِّ به أنت» (٥) وهذا حمله العلماء على الخصوصية لعقبة بن عامر لقوله «ضحِّ به أنت»، ويؤيده أن في الحديث زيادة عند البيهقي، «.. ولا رخصة فيها لأحد بعدك» (٦). ٢ - العيوب التي تُردُّ بها الأضحية: تنقسم العيوب التي تكون في الأضاحي إلى ثلاثة أقسام: الأول: عيوب تردُّ بها الأضحية، ولا تجزئ معها: وهي أربعة، نصت السنة على عدم إجزائها: ١ - العوراء البيِّن عورها: فإن غطَّى البياض أكثر ناظرها، بحيث بقي أقله لم تجزئ. ولا تجزئ العمياء من باب أولى. ٢ - المريضة البيِّن مرضها: فإن كان مرضها خفيفًا أجزأت.

стр. 1038

٣ - العرجاء البيِّن عرجها: ومقطوعة ومكسورة الأرجل من باب أولى. ٤ - الهزيلة التي لا تنقى: أي التي لا مخ لها لضعفها وهزالها. فعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى» (١). وهذه العيوب تُردُّ بها الأضحية ولا تجزئ باتفاق أهل العلم (٢). الثاني: عيوب تُكره في الأضحية، لكنها تجزئ: ١ - مقطوعة الأذن أو جزء منه: والجمهور على أنها لا تجزئ، وفيه نظر لأن النبي ﷺ قد حصر عدم الإجزاء في العيوب الأربعة المتقدمة، وإنما قال عليٌّ ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن» (٣). فدلَّ على أنه يُجتنب ما فيه ثقب أو شق أو قطع، وليس فيه عدم الإجزاء. واختلفوا في السَّكَّاء، وهي التي خلقت بلا أذنين، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة لم تجز، وإن كانت صغيرة الأذنين جازت (٤). ٢ - مكسورة القرن أو أكثره: وجمهور العلماء على جواز الأضحية بمكسورة القرن إن كان لا يدمي، فإن كان يدمي، فقد كرهه مالك، وكأنه جعله مرضًا بيِّنًا (٥). قلت: قد ورد في بعض روايات حديث عليٍّ المتقدم النهي عن مكسورة القرن، وهي ضعيفة. الثالث: عيوب لا أثر لها: لم يصح النهي عنها، لكنها تنافي كمال السلامة، فتجزئ في التضحية ولا تحرم، وإن كان من أهل العلم من لم يجزها، كالهتماء (التي لا أسنان لها) والبتراء (مقطوعة الذنب أو الألية) والجدعاء (مقطوعة الأنف) والخصي وغير ذلك.

стр. 1039

٣ - ما يستحب في الأضحية (صفات الكمال في الأضحية) (١): (أ) يستحب للتضحية الأسمن والأكمل: حتى إن التضحية بشاة سمينة أفضل من شاتين دونها، لأن المقصود اللحم، والسمين أكثر وأطيب، وكثرة اللحم أفضل من كثرة الشحم، ومما قد يدل على استحباب الأسمن: ١ - قوله تعالى ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) فقد استدل به الشافعي ﵀ على استحباب تعظيم الهدى واستسمانه (٣). ٢ - وعن أبي أمامة بن سهل قال: «كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون» (٤). (ب) الأفضل في الأنعام: ذهب الجمهور -خلافًا لمالك- إلى أن أفضل الضحايا: الإبل ثم البقر ثم الغنم، واستدلوا بجملة أدلة منها: ١ - قوله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن ...» (٥). ٢ - وحديث أبي ذر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها ...» (٦). وقال المالكية: أفضلها الضأن ثم البقر ثم الإبل نظرًا لطيب اللحم، ولأن النبي ﷺ : «ضحَّى بكبشين أملحين ...» (٧)، واستدلوا بقوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٨) قال: أي بكبش عظيم.

стр. 1040

قلت: والأول أظهر لكن قد يقال: إن التضحية بشاة أفضل من المشاركة في بدنة والله أعلم. (جـ) أفضلها البيضاء ثم العفراء ثم السوداء، لأن النبي ﷺ «ضحَّى بكبشين أملحين» والأملح: الأبيض الخالص البياض. قال شيخ الإسلام (٢٦/ ٣٠٨): «والعفراء أفضل من السوداء، وإذا كان السواد حول عينيها وفمها وفي رجليها أشبهت أضحية النبي ﷺ » اهـ. قلت: يشير إلى حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد فأتى به ليضحى به ...» الحديث (١). قال النووي: معناه أن قوائمه وبطنه وحول عينيه أسود، والله أعلم. اهـ. (د) التضحية بالذكر أفضل من الأنثى، لعموم قوله ﷺ في أفضل الرقاب: «أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها ..» وقد تقدم. تقليم الأظفار والأخذ من الشعر لمن أراد أن يضحي: عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يُضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا» (٢). وقد اختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة وهو يريد أن يضحي (٣)، فقال ابن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي: يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يُضحي، لظاهر هذا الحديث. وذهب مالك والشافعي وأصحابه إلى أن هذا مكروه -كراهة تنزيه- وليس مُحرَّمًا، لحديث عائشة ﵂: «كنتُ أفتل قلائد بُدن النبي ﷺ ثم يقلده ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء أحلَّه الله حتى ينحر هديه» (٤). قالوا: وأجمعوا على أنه لا يحرم عليه اللباس والطيب كما يحرمان على المُحرِم، فدلَّ على الاستحباب والندب، دون الحتم والإيجاب.

стр. 1041

وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك لا يُكره!! قلت: هو دائر بين التحريم والكراهة، ووجه الأول: أن قص الشعر وما يُفعل نادرًا غير مراد في خبر عائشة وإنما أرادت ما يباشرها به وما يفعله دائمًا من اللباس والطيب ونحوه. فائدتان (١): ١ - المراد بالنهي عن أخذ الظفر يشمل إزالته بالقلم والكسر ونحوه، والمنع من أخذ الشعر يشمل الحق والتقصير والنتف ونحوه، وسواء في ذلك شعر الإبط والشارب والعانة والرأس غير ذلك من شعور البدن. ٢ - الحكمة في النهي: أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبُّه بالمُحرِم، وفيه نظر، لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المُحرِم. وقت الأُضحية: أجمع أهل العلم على أن الأضحية لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر من يوم النحر، واختلفوا فيما بعد ذلك (٢). ١ - فقال الشافعي وداود وابن المنذر وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواءً صلى الإمام أم لا، وسواء صلَّى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو القرى أو البوادي. ٢ - وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه. ٣ - وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه. ٤ - وقال أحمد: لا يجوز قبل الصلاة، ويجوز بعدها، قبل ذبح الإمام.

стр. 1042

قلت: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من ذبح قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نُسكُه، وأصاب سنة المسلمين» (١). وعن البراء بن عازب قال: سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: «إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل هذا فقد أصاب سنَّتنا، ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله، ليس من النسك في شيء» فقال أبو بريدة: يا رسول الله، ذبحتُ قبل أن أصلين وعندي جذعة خير من مسنة، فقال: «اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك» (٢). والحديثان يدُلاَّن على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة -لمن تقام فيهم صلاة العيد- ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، فإن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطًا على الناس مشروعية النحر، ولو أن الإمام نحو قبل أن يصلي لم يجزئه نحره، فدلَّ عن أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء (٣). وأما حديث جابر قال: «صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ » (٤) فقد تأوَّله الجمهور على أن المراد: زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت، وبهذا جاء في باقي الأحاديث التقييد بالصلاة، وأن من ضحى بعدها أجزأه ومن لا فلا. آخر وقت الأضحية: اختلف العلماء في آخر وقت للأضحية على نحو الاختلاف الذي تقدم في «كتاب الحج» في أيام النحر، والذي يظهر أن التضحية تمتد إلى آخر أيام التشريق (الثالث عشر من ذي الحجة) وإن كان الأحوط أن تفعل في يوم النحر، للإجماع على إجزائها فيه، والله أعلم. مكان الذبح والنحر: يُشرع -بعد صلاة العيد- أن يذبح المضحي أو ينحر في أي مكان شاء، في منزله أو غيره، كما يُشرع أن يذبح في المصلى، كما في حديث جندب بن سفيان

стр. 1043

قال: شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ ، فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته سلَّم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذُبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: «من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح بسم الله» (١). فظاهره أنهم ذبحوا في المصلى. ويستحب للإمام أن يذبح بالمصلى ليعلموا أن الضحية قد حلَّت، وليتعلموا منه صفة الذبح، فعن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى» (٢). ما ينتفع به من الأضحية: ١ - الأكل منها. ٢ - التصدق على الفقراء. ٣ - الإدِّخار من لحمها. قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣). وعن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء» فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا، وأطعموا، وادَّخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردتُ أن تعينوا فيها» (٤). والأمر بالأكل والإطعام والادخار هنا للندب لا للوجوب -عند الجمهور- فيستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويدَّخر ويُطعم، وذهب أكثرهم إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويأكل الثلث هو وأهله، وقد ورد في هذا آثار ضعيفة، وعلى كلٍّ فله أن يقسِّمها كما شاء، ولو تصدَّق بها كلها جاز، فعن عليٍّ «أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بُدنْه، وأن يقسم بُدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطى في جزارتها شيئًا» (٥).

стр. 1044

ما لا ينتفع من الأضحية (١): ١ - لا يجوز بيع بشيء منها: لا جلد ولا صوف ولا شعر ولا لحم ولا عظم ولا غير ذلك، وقد ورد من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «.. ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي، فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها ...» (٢) لكنه ضعيف. لكن الأموال المستحقة في القُرَب لا يجوز للمتقرب بيعها كالزكوات والكفارات، ويدلُّ على هذا أيضًا أنه لا يجوز أن يعطى الجزار أجرته من لحم الأضحية، كما سيأتي. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه!! والأظهر عدمه، والله أعلم. ٢ - لا يعطى الجزار أجرته من الأضحية: لأنه يصير معاوضًا به، وإنما يعطيه أجرته من ماله، وله أن يتصدق عليه من الأضحية -لا من أجرته- فعن عليٍّ: «أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بُدْنِه، وأن يقسم بُدْنَهُ كلها: لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطى في جزارتها شيئًا» (٣) وفي لفظ أنه قال: «نحن نعطيه من عندنا» (٤). وبهذا قال الجماهير من أهل العلم، ولمُ يرخِّص في إعطاء الجزار منها أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير في إعطائه الجلد. فوائد (٥): ١ - الأضحية أفضل من التصدق بثمنها: وعلى هذا جماهير أهل العلم، لأن الأضحية سنة مؤكدة واختلف في وجوبها -كما تقدم- بخلاف صدقة التطوع، ولأن التضحية شعار ظاهر (٦).

стр. 1045

٢ - إذا ضلَّت الأضحية قبل أن يضحي بها فلا يلزمه شيء: فعن تميم بن حويص قال: اشتريت شاة بمنى أضحية، فضلَّت، فسألت ابن عباس ﵄ عن ذلك، فقال: «لا يضرُّك» (١). وعن ابن عمر قال: «من أهدى بدنة، ثم ضلَّت أو ماتت، فإن كانت نذرًا أبدلها، وإن كان تطوُّعًا فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها» (٢). قلت: ويلحق بهذا لو مرضت أو ماتت قبل التضحية، والله أعلم. ٣ - هل تنقل الأضاحي إلى بلد آخر؟ الأصل أن محلَّ التضحية بلد المُضَحِّي، لأن أطماع الفقراء فيه تمتد إليها، ومع هذا فلا مانع من نقلها إلى غيره إذا دعت المصلحة إلى ذلك، ففي حديث جابر بن عبد الله -في لحوم الهدي-. قال: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاثة بمنى، فرخَّص لنا النبي ﷺ فقال: «كلوا، وتزوَّدوا» فأكلنا وتزوَّدنا (٣). العقيقة تعريف العقيقة (٤): أصل العقِّ: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة لأنه يُشقُّ حلقُها. ويقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه سواء من الناس أو البهائم. والعقيقة اصطلاحًا: ما يُذكَّى عن المولود شكرًا لله تعالى بنيةٍ وشرائط مخصوصة. مشروعيتها وحكمها الشرعي: العقيقة مشروعية في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة، وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار، للأدلة الآتية: ١ - حديث سليمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» (٥).

стр. 1046

٢ - وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» (١). ٣ - حديث سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويُسمَّى» (٢). ٤ - وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (٣). ٥ - وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» (٤). وقد ذهب الحسن وداود إلى أن العقيقة واجبة، للأوامر المتقدمة، وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة لقوله ﷺ في الحديث الآتي: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك ...» فجعلوه صارفًا للأوامر السابقة. بينما كرهها أبو حنيفة وأصحاب الرأي!! واستدلوا بنحو ما جاء أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: «لا يحب الله العقوق» كأنه كره الاسم -وقال:- «من ولد له ولد فاحب أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (٥). وهو ضعيف، وعلى فرض صحته، فقد قال الحافظ في «الفتح»: «ولا حجة فيه لنفي مشروعيتها، بل آخر الحديث يثبتها، إنما غايته أن يؤخذ أن الأولى أن تسمى نسيكة أو ذبيحة وأن لا تسمى عقيقة ...» اهـ. قلت: قد سمَّاها النبي ﷺ في عدة أحاديث. واستدلوا -كذلك- بما يُروى عن أبي رافع أن الحسن بن علي لما عقيقة ولد أرادت أمُّه فاطمة أن تعقَّ عنه بكبشين، فقال النبي ﷺ : «لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه ثم تصدَّقي بوزنه من الورق في سبيل الله» ثم ولد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك (٦).

стр. 1047

وهو حديث ضعيف كذلك، فلم يبق لمن كرهها حجة، وقد استفاضت الأخبار عن النبي ﷺ بالحث على العقيقة والتحريض على فعلها، وفعلها ﷺ عن الحسن والحسين. من الذي يُطالَبُ بالعقيقة؟ (١) تُطلب العقيقة من الأب -أو من تلزمه نفقة المولود- فيؤديها من مال نفسه لا من مال المولود، ولا يفعلها غيره إلا بإذنه. ولا يؤثر في هذا أن النبي ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين، لاحتمال أن نفقتهما كانت عليه لا على والديهما، ولأنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد رُوى مرفوعًا «كل بني أم ينتمون إلى عصبة، إلا ولد فاطمة ﵄، فأنا وليُّهم، وأنا عصبتهم» وفي لفظ: «وأنا أبوهم» (٢) وهو ضعيف. وقد اشترط الشافعية فيمن يطالب بها أن يكون موسرًا، وذلك بأن يقدر عليها وتكون فاضلة عن مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته. وصرَّح الحنابلة بأنها تُسنُّ في حق الأب وإن كان معسرًا، ويقترض إن كان يستطيع الوفاء، قال الإمام أحمد: «إذا لم يكن مالكًا ما يعق فاستقرض، أرجو أن يُخلف الله عليه، لأنه أحيا سنة رسول الله ﷺ » اهـ. ما يجزئ في العقيقة: تقدم قول النبي ﷺ : «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» (٣) وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وعائشة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٤). وقال بعض أهل العلم: تجزئ شاة عن الغلام، وشاة عن الجارية، وبه قال ابن عمر. ويستدل له بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» (٥).

стр. 1048

وهل تجزئ بغير الغنم؟ عن ابن أبي مليكة، قال: نفس لعبد الرحمن بن أبي بكر غلام، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين، عُقِّي عنه جزورًا، فقالت: «معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله ﷺ : «شاتان مكافئتان» (١). وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الإطلاق في قوله ﷺ : «أهريقوا عنه دمًا» مُقيَّد بنحو قوله ﷺ : «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة» فقالوا: لا يجزئ غير الغنم، ولا يقوم مقامها الإبل والبقر. ينبغي أن تكون خالية من العيوب: التي لا يصح بها القربان من الأضاحي وغيرها، وقال ابن حزم في «المحلى»: «ويجزئ فيها المعيب سواء كان مما يجوز في الأضاحي أو كان مما لا يجوز فيها والسالم أفضل» اهـ. قلت: يكفي قوله تعالى ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٢) وقوله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٣). من أحكام العقيقة (٤): ١ - وقتها: السُّنة أن يُعقَّ عن المولود يوم السابع، لحديث سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «الغلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى» (٥) فإن فات يوم السابع، ففي أربع عشرة فإن فات ففي إحدى وعشرين، وبهذا قال الحنابلة -وهو قول ضعيف عند المالكية- وبه قال إسحاق، وهو مروي عن عائشة ﵂. وإن ذبح قبل ذلك أو بعد أجزأه، لأن المقصود يحصل به. وقد نصَّ الشافعية على أن العقيقة لا تفوت بتأخيرها، لكن يستحب ألا تؤخر عن سنِّ البلوغ، فإن أُخرت حتى يبلغ سقط حكمها في حق غير المولود، وهو مخيَّر في العقيقة عن نفسه (٦). ٢ - العقيقة أفضل من التصدق بثمنها: لأن نفس الذبح وإراقة الدماء مقصود،

стр. 1049

فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) ثم إن الذبح هدي النبي ﷺ ، وسنته لا ينبغي أن نحيد عنها. ٣ - لا يصح الاشتراك في العقيقة: فلا يجزئ الرأس إلا عن رأس، لقوله ﷺ : «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا ...» (٢) وقوله ﷺ : «كل غلام رهينة بعقيقته ...» (٣) فجعل مع كل غلام عقيقة مستقلة به، ولم يشرع الاشتراك فيها كما شرع في الهدايا والأضاحي. ٤ - لم يصحَّ في المنع من كسر عظام العقيقة، ولا في كراهة ذلك شيء عن النبي ﷺ ، ولم يصحَّ كذلك الأمر بإرسال الرِّجل إلى القابلة. ٥ - لا يُمسُّ المولود بشيء من دم العقيقة: فهذه عادة جاهلية نهى عنها النبي ﷺ (٤) واستبدل بها حلق رأسه والتصدق بوزن شعره فضة: فعن بريدة ﵁ قال: «كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران» (٥) وعن عائشة - في حديث العقيقة- قالت: «وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونه على رأس الصبي، فأمر رسول الله ﷺ أن يجعل مكان الدم خلوقًا» (٦). ٦ - يستحب طبخها دون إخراج لحمها نيئًا: حتى يكفي المساكين والجيران مؤنة الطبخ وهو زيادة في الإحسان وفي شكر هذه النعمة، ودليل على مكارم الأخلاق والجود. الأشربة التعريف: الأشربة جمع شراب، والشراب: اسم لما يُشرب من أي نوع كان، ماء أو غيره، وعلى أي حال كان، وكل شيء لا مضغ فيه فإنه يقال فيه: يُشرب (٧).

стр. 1050

الأصل في الأشربة الحِلُّ، إلا ما ورد النص بتحريمه: لعموم الأدلة المتقدمة -في الأطعمة- التي تثبت أصالة الحِلِّ، ولحديث أنس ابن مالك ﵁ قال: «لقد سقيتُ رسول الله ﷺ بهذا القدح الشراب كلَّه: الماء، والنبيذ، والعسل واللبن» (١). الخمر بأنواعها حرام: وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (٢). وقد أُكد تحريم الخمر -في الآيتين- بوجوه من التأكيد منها: (أ) تصدير الجملة بـ «إنما». (ب) أنه قرنها بعبادة الأصنام. (جـ) أنه جعلها رجسًا. (د) أنه جعلها من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت. (هـ) أنه أمر باجتنابها. (و) أنه جعل الاجتناب من الفلاح، فيكون الارتكاب خيبة وممحقة. (ز) أنه ذكر ما ينتج منها من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر، وما تودي إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. (ح) وقوله تعالى ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ من أبلغ ما يُنهى به، كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟! (٣). ٢ - وقال النبي ﷺ : «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه» (٤). كلُّ مسكر خمر: ذهب جماهير العلماء، منهم: أهل المدينة وسائر الحجازيين، وأهل الحديث،

стр. 1051

والحنابلة، وبعض الشافعية إلى أن كل ما أسكر فهو خمر حقيقة، سواء اتخذ من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو غيرها (١). ١ - لقول النبي ﷺ : «كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» (٢) وفي لفظ عند مسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». ٢ - وعن عمر قال: «أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل» (٣). ٣ - ولأن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة -وهم أهل اللسان- أن كل شيء يسمى خمرًا يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، بل إن الخمر إنما حرمت بالمدينة، وما بها عنب (!!) وما كان شرابهم إلا البسر والتمر. على أن الخمر إنما سميت خمرًا لأنها تخمر العقل وتغيِّبه وتستره فعمت كلَّ مسكر. وذهب أكثر الشافعية، وصاحبا أبي حنيفة وبعض المالكية إلى أن الخمر هي المسكر من عصير العنب إذا اشتد، سواء أقذف بالزبد أم لا. فائدتان: ١ - إذا أسكر الكثير، فالقليل حرام: وعلى هذا جماهير أهل العلم، لقوله ﷺ : «كل ما أسكر حرام، وما أسكر الفرق، فملء الكف منه حرام» (٤). تنبيه: جمهور الشافعية الذين ذهبوا إلى أن الخمر من عصير العنب لا يخالفون الجمهور في أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، والاختلاف في الإطلاق بين الجمهور وأكثر الشافعية، لم يغيِّر الأحكام من جوب الحد عند شرب قليله، والنجاسة، وغير ذلك مما يتعلق بالخمر، ما عدا مسألة تكفير مستحلِّ الخمر، فلا يكفر منكر حكمه للاختلاف فيه.

стр. 1052

وأما الحنفية، فالأنبذة من غير العنب عندهم لا يُحدُّ شاربها إلا إذا سكر منها!! والحديث حجة عليهم. ٢ - كلُّ ما غيَّب العقل فهو خمر: لقول عمر بن الخطاب ﵁: «.. والخمر ما خامر العقل» (١). ويدخل في هذا الحشيشة والأفيون والهيروين والبانجو ونحوها من المخدرات وهي حرام بإجماع الفقهاء لحديث أم سلمة: «أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومُفتِّر» (٢). قال شيخ الإسلام: «هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي مسكرة يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمرة توجب الحركة والخصومة، وهذه الحشيشة توجب الفتور والذلة». ثم قال ﵀: «.. ومن استحلها وزعم أنها حلال فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًّا، فإن كل ما يصيب العقل فهو حرام بإجماع المسلمين» اهـ (٣). شرب الخمر للمضطر (٤): ما سبق من تحريم الخمر إنما هو في الأحوال العادية، أما عند الاضطرار فيرخَّص شرعًا تناول الخمر، لكن بمعياره الشرعي الذي تُباح به المحرمات، كضرورة العطش الذي يخشى معه الهلاك أو الغصص أو الإكراه، فيتناول المضطر بقدر ما تندفع به الضرورة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥). فأسقط الله تعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة، فعمَّ ولم يخصَّ فلا يجوز تخصيص ذلك. وقد منع المالكية -وهو الأصحُّ عن الشافعية- شربها لدفع العطش، قالوا:

стр. 1053

لأنها لا تزيل العطش، بل تزيده حرارة لحرارتها ويبوستها، وأجيب: بأنه قد صحَّ أن كثيرًا من المدمنين عليها من الكفار والخلاع لا يشربون الماء أصلاً مع شربهم الخمر، وعلى كلٍّ فالآية عامة كما تقدم ولا يجوز تخصيص الخمر بالمنع عند خوف الهلاك، لكن هذا موقوف على دفع العطش بها، وإلا لم يجز كما قرره شيخ الإسلام (١). لا يجوز تملُّك الخمر ولا تمليكها: يحرم على المسلم تملُّك أو تمليك الخمر بأي سبب من أسباب الملك الاختيارية أو الإرادية، كالبيع والشراء والهبة ونحو ذلك، لقوله ﷺ : «إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها» (٢). وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٣). ضمان إتلاف الخمر (٤): اتفق الفقهاء على أن الخمر إن كانت لمسلم فلا يضمن متلفها، واختلفوا في ضمان من أتلف خمرًا لذمي، فقال الحنفية والمالكية: يضمنها!!، وقال الشافعية والحنابلة: لا يضمنها لانتفاء تقوُّمها كسائر النجاسات. الخمر تصير خلاًّ: ١ - إذا تخللت الخمر بنفسها: بغير قصد التخليل، فإن هذا الخلَّ يحلُّ بلا خلاف بين الفقهاء (٥)، لقوله ﷺ : «نِعْم الإدام الخل» (٦). ويُعرف التخلل بالتغيُّر من المرارة إلى الحموضة.

стр. 1054

٢ - إذا خُللَّت الخمر بوضع شيء فيها: كالخل والبصل والملح، أو إيقاد نار عندها، فاختلف أهل العلم في حكمها على قولين (١): الأول: لا يجوز تخليلها، ولا يحل هذا الخل: وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ورواية عن مالك، وحجتهم: ١ - أن التخليل يعتبر اقترابًا من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ٢ - حديث أنس قال: سئل النبي ﷺ عن الخمر تُتَّخذ خلاًّ، فقال: «لا» (٣). وفي لفظ: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها» قال: أفلا نجعلها خلاًّ؟ قال: «لا» (٤). وهذا النهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز إراقتها، ولكان أرشدهم إليه خصوصًا وأنها لأيتام يحرم التفريط في أموالهم. فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرَّم بيعها» ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما» (٥). ٣ - عن ابن عباس قال: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت أن الله حرمها؟» فقال: لا. فساره رجل إلى جنبه، فقال: «بمَ ساررتَه؟». ٤ - عن عمر ﵁ أنه صعد المنبر فقال: «لا تأكل خلاًّ من خمرٍ أُفسدت، حتى يبدأ الله تعالى إفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على امرئ أصاب خلاًّ من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها» (٦). وهذا قول يشتهر بين الناس، لأنه إعلان للحكم بين الناس على المنبر، فلم ينكر أحد. الثاني: يجوز تخليلها، ويحلُّ الخلُّ: وهو مذهب الحنفية والراجح عند المالكية وهو قول أبي محمد بن حزم، وحجتهم:

стр. 1055

١ - أنه إصلاح، والإصلاح مباح قياسًا على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره. ٢ - ما يُروى مرفوعًا -في جلد الشاة الميتة-: «إن دباغها يحله كما يحل خل الخمر» (١) وهو ضعيف. ٣ - ما يُروى مرفوعًا: «خير خلِّكم، خلُّ خمركم» (٢)!! وهو ضعيف. ٤ - لعموم قوله ﷺ : «نعم الإدام الخل» (٣) فلم يفرق بين التخلل بنفسه والتخليل. ٥ - لأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح، لأنه يشبه إراقة الخمر. الراجح: الذي يظهر أن أدلَّة الأوَّلين أقوى فيحرُم تخليل الخمر، لكن إذا أهدى إلى إنسان خلٌّ مصنوع فلا حرج في أكله لزوال الوصف المفسد، ومع هذا فلا يجوز له شراؤه لأن فيه إعانة على الإثم، وقد قال سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤). وأما ما تخلل بنفسه فلا حرج في شرائه أو أكله كما تقدم والله أعلم. لا يجوز التَّداوي بالخمر (٥): ذهب جمهور العلماء إلى تحريم التداوي بالخمر (أي المسكرات) بل: يُحدُّ من شربها لدواء عندهم، ويؤيد التحريم ما يأتي: ١ - حديث طارق بن سويد الجعفي أنه سأل رسول الله ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال ﷺ : «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (٦). قال شيخ الإسلام (٧): «فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر، ردًّا على من أباحه، وسائر المحرمات مثلها قياسًا، خلافًا لمن فرَّق بينهما» اهـ.
следующие страницы →