← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

١ - قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليُطعْهُ، ومن نذر أن يعصيه فلا يَعْصِه» (٢). ٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم» -قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثًا بعد قرنه - «ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويظهر فيهم السِّمن» (٣) وهو ظاهر في إثم من لا يوفون بنذرهم. ٤ - وقال سبحانه -في الثناء على الموفين بالنذر-: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٤). ٥ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٥). ولأجل هذه النصوص ذهب أكثر المالكية وبعض الشافعية -كالنووي والغزالي- إلى استحباب النذر. إشكالٌ وحَلُّهُ (٦): القول بكراهة النذر والقول باستحبابه كلاهما مُشكل بأدلة الآخر، وقول الجمهور -بكراهة النذر- فيه إشكال كذلك على القواعد، فإن القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة!! لكن النصوص الأولى تدل على خلافه!! فكيف توجَّه هذه النصوص؟ وأحسن طريق لإزالة هذا الإشكال أن يقال: إن نذر القُربة على نوعين:

стр. 982

١ - مُعلَّق على حصول نفع: كقوله (إن شفى الله مريضي فعليَّ لله نذر كذا) ونحوه. ٢ - نذر مطلق، غير معلَّق على نفع للناذر: كأن يتقرب إلى الله تَقرُّبًا خالصًا بنذر، فيقول ابتداءً: (لله عليَّ أن أتصدق بكذا) ونحوه. ويقال: إن النهي في الأحاديث متوجِّه إلى النوع الأول، لأن النذر فيه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر، وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أم القدر فيه غالب على النذر. ويوضِّحه أنه لو لم يُشفَ مريضهُ، لم يتصدَّق بما علَّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا، وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله: «وإنما يُستخرج به من البخيل». وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله: «فإنه لا يردُّ شيئًا»، قلت: وهذا التفصيل متجه وقوي، وهو جمعٌ فيُقدَّم على الترجيح، والله أعلم. أقسام النذر، وأحكامها: ينقسم النذر الذي يفعله المسلمون -من جهة الأمر المنذور- إلى قسمين: الأول: أن يكون فيه طاعة لله (نذر الطاعة): فيلزم الإنسان نفسه إما بفعل أمر ندب الشرع إلى فعله، كصلاة (النافلة) والصيام والحج والصدقة والاعتكاف وسائر الطاعات، أو يُلزم نفسه بفعل واجب إذا تعلَّق النذر بوصف، كأن ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، ونحوه. وأما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك من الفرائض، فلا أثر لنذره، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر. وقد تقدم قريبًا أن نذر الطاعة له صورتان: نذر ابتداء غير معلَّق على منفعة للناذر، (نذر مطلق)، وهذا يشرع للإنسان الإقدام عليه. ونذر معلَّق على منفعة للناذر، ويكون خارجًا مخرج طلب العوض وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وهذا منهي عن الإقدام على فعله.

стр. 983

حكم الوفاء بنذر الطاعة: ونذر الطاعة بنوعيه: المطلق والمعلَّق، يجب على الناذر الوفاء به، بالكتاب والسنة والإجماع (١)، وقد تقدم بعض الأدلة على ذلك، ومنها: ١ - قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٢) وهذا أمر بالوفاء بالنذر، وهو يقتضي الوجوب. ٢ - وذم الله سبحانه الذين ينذرون ولا يوفون، فقال : ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣). ٣ - وقال ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ...» (٤). ٤ - وعن عمر أنه قال للنبي ﷺ : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال ﷺ : «أوفِ بنذرك» (٥). ٥ - وتقدم حديث عمران بن حصين -في ذم أقوام يأتون بعد القرون المفضلَّة- وفيه: «... ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ...» (٦). إذا نذر ما لا يطيقه، أو عجز عن الوفاء: من نذر قُربةً لزمه الوفاء بنذره -كما تقدم- إن قدر عليه، فإن عجز عن الوفاء أو كان المنذرَ مما لا يطيقه، فلا يجب عليه الوفاء به: ١ - فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُهادى بين اثنين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت، فقال: «إن الله لغنيٌ عن تعذيب هذا نفسه» ثم أمره فركب (٧). ٢ - وعن عقبة بن عامر ﵁: أن أُخته نذرت أن تمشي إلى البيت الحرام حافية

стр. 984

غير مختمرة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : «مُرْ أُختَك فلتركبْ، ولتختمر، ولتصُمْ ثلاثة أيام» (١). وفي رواية من حديث ابن عباس -في هذه القصة-: «فمرها فلتركب ولتُكفِّر» (٢). وفي رواية: «فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديًا» (٣). وفي أخرى: «فلتركب، ولتُهد بَدَنة» (٤). وفي رواية: لم يذكر هديًا ولا كفارة (٥). ٣ - وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» (٦). فلهذه الأحاديث وغيرها اختلف أهل العلم فيما يلزم من نذر ما لا يطيق إن عجز عن الوفاء، كمن نذر أن يحجَّ ماشيًا -وعجز عنه- على أقوال (٧): الأول: لا شيء عليه: لظاهر قوله ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٨) وقوله

стр. 985

سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقوله ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٣) وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد والأوزاعي. الثاني: عليه كفارة يمين: لحديث عقبة بن عامر المتقدم، ولقول النبي لعقبة -في شأن أخته: «فمرها فلتركب، ولتكفِّر» وهو مذهب أحمد والثوري وهو اختيار شيخ الإسلام. الثالث: عليه صيام ثلاثة أيام: وهو رواية عن أحمد. الرابع: عليه بدنة وهو قول للشافعية. الخامس: عليه هدي وهو الأصح عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد وهو قول الحنفية والليث وقد استند القائلون بالأقوال الثلاثة الأخيرة كلٌّ إلى رواية من روايات قصة أخت عقبة بن عامر المتقدمة. والسادس: أنه لا يجزيه الركوب بل يحج من قابل فيمشي ما ركب ويركب ما مشى وعليه بدنة وهو قول مالك. الراجح: الذي يظهر لي بعد دراسة أسانيد هذا الحديث، أن أقوى الروايات -من جهة السند- رواية التكفير بالهدي (أو البدنة) ثم تليها رواية (صيام ثلاثة أيام) ثم بدا لي أن الأرجح من جهة الدراية أنه يلزم كفارة يمين، وذلك لأمور: ١ - أن رواية البدنة أو الهدي -التي هي الأقوى سندًا- قد تُعلُّ بما ذكره الحافظ في «الفتح» (١١/ ٥٨٩) من أن الترمذي نقل عن البخاري أنه قال: لا يصح ذكر الهدي في حديث عقبة بن عامر. اهـ. وكذا نقله البيهقي (١٠/ ٨٠). ٢ - أن رواية الصيام لا تعارض رواية (ولتكفِّر)، (ولتكفِّر عن يمينها) إذا صيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين كما تقدم. ٣ - أن هذا هو الموافق لحديث عقبة بن عامر نفسه -وهو المستفتى لأخته- في الصحيح، أن النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (٤) فلعله اختصره من فتوى النبي ﷺ في حال أخته.

стр. 986

٤ - أن المشي مما لا يوجبه الإحرام، فلم يجب الذم بتركه. والحاصل: أن من نذر طاعة ثم عجز عن الوفاء، فلا يلزمه الوفاء، وعليه كفارة يمين. ٥ - أن القول بأنه يلزمه كفارة يمين هو المتعيِّن إذا كان النذر في غير الحج للحديث السابق ولا يتصوَّر أن يقال في كل من نذر ثم عجز أنه يهدي بدنة!! والله تعالى أعلم. والحاصل: أن من نذر طاعة ثم عجز عن الوفاء، فلا يلزمه الوفاء وعليه كفارة يمين. لا نَذْرَ لشخص في التقرب بما لا يملك: ففي حديث عمران بن حصين ﵁ في قصة المرأة الأنصارية التي أُسرت: «ونذرت لله إن نجَّاها الله لتنحرنَّها [أي: العَضْباء] فلما قدمت المدينة، رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، قالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: «سبحان الله، بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنَّها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد» (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ...» (٢) الحديث، وهل يلزمه كفارة؟ قولان، الأظهر: لا يلزمه، والله أعلم. من نذر التصدُّق بجميع ماله: من نذر جميع ماله لله ليصرف في سبيل الله، فللعلماء في الوفاء بهذا النذر عشرة مذاهب، أكثرها لا يعتضد بالدليل، والذي يعتضد بدليل -منها- ثلاثة أقوال (٣): الأول: يلزمه التصدق بالمال كلِّه: وهو مروي عن الشافعي والنخعي، وأبي حنيفة [إذا كان مالاً زكويًّا] وحجة هذا القول الأدلة المتقدمة على إيجاب الوفاء بنذر الطاعة كقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله، فليطعه» (٤).

стр. 987

بضميمة ما ثبت أن أبا بكر ﵁ تصدق بكل ماله، وقبله النبي ﷺ منه (١). الثاني: يجزئ عنه التصدُّق بثلث ماله: وهو مذهب مالك وأحمد -في الرواية المشهورة- والليث والزهري، وحجتهم: حديث كعب بن مالك ﵁ -في قصة توبة الله على الثلاثة الذي خلفوا- قال في آخره: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : «أَمْسِك عليك بعض مالك فهو خير لك» (٢). وفي رواية: إن من توبتي أن أخرج من مالي كله لله ورسوله صدقة، قال: «لا» قلت: فنصفه؟ قال: «لا» قلت: فثلثه؟ قال: «نعم»، قلت: «فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر» (٣). قالوا: وظاهر الحديث أن كعبًا جاء مريدًا التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة، لم يكن مستشيرًا، فأمره ﷺ بإمساك بعض ماله وصرَّح بأن ذلك خير. واعترض على هذا الاستدلال (٤): بأن اللفظ الذي أتى به كعب بن مالك ليس بتنجيز صدقة، حتى يقع في محل الخلاف، وإنما هو لفظ عن نية قصد فعل متعلقها، ولم يقع بعد، فأشار ﷺ بأن لا يفعل ذلك، وأن يمسك بعض ماله، وذلك قبل إيقاع ما عزم عليه، هذا هو ظاهر اللفظ أو هو محتمل له، وكيفما كان فتضعف الدلالة منه على مسألة الخلاف. اهـ. وأجيب (٥): بأن ظاهر أنه جازم غير مستشير، لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف التوكيد، الذي هو «إن» المكسورة في قوله (إن من توبتي ...) واللفظ الذي هذه صفته لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة. قالوا: ويؤيد هذا أن أبا لبابة لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : «لا، يجزئ عنك الثلث» (٦).

стр. 988

الثالث: لا يلزمه شيء، وهو رواية عن أبي حنيفة (في غير المال الزكوي) وهو مذهب أبي محمد بن حزم (إذا خرج مخرج اليمين) مستندًا إلى أن التصدق بكل المال ليس مشروعًا، واستدل بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) قال: فلام الله ولم يحب من تصدق بكل ما يملك. اهـ. ٣ - حديث جابر بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله، أصبتُ هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض النبي ﷺ عنه مرارًا، وهو يردد كلامه هذا، ثم أخذها ﵇ فحذفه بها، فلو أنها أصابته لأوجعته أو لعقرته، وقال ﵇: «يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد فيتكفف الناس!! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» (٣). قال: وإن احتجوا بقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٤). فليس فيه أنهم لم يُبقوا لأنفسهم معاشًا إنما فيه أنهم كانوا مقلين ويؤثرون من بعض قوتهم. اهـ. الراجح: الذي يظهر لي أن إطلاق القول الأخير ضعيف، والتصدق بكل المال مشروع، فقد ثبت أن أبا بكر ﵁ أتى بكل ماله فدفعه إلى رسول الله ﷺ فقبله منه، وأثنى عليه خيرًا، وكذلك تصدق عمر بنصف ماله -وهو فوق الثلث!! - فقبله منه ﷺ (٥) فالظاهر أن من نذر كلَّ ماله -وكان لا يتضرر ولا رعيته بذلك- يلزمه التصدق بالمال كله. فإن كان في هذا ضرر عليه أو على رعيته، فحينئذ يلزمه التصدُّق بما لا يُضر

стр. 989

به سواء كان الثلث أو أقل أو أكثر، لقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١) وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٢) وعلى هذه الحالة تحمل النصوص التي استدل بها أصحاب المذهبين الأخيرين، وهذا قول سحنون من المالكية، والله أعلم. من نذر الصلاة في بيت المقدس أجزأه الصلاة في المسجد الحرام: فعن جابر بن عبد الله: أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرتُ إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال ﷺ : «صلِّ هاهنا» ثم أعاد عليه، فقال: «صلِّ هاهنا» ثم أعاد عليك، فقال: «شأنك إذًا» (٣). تنبيه: لو نذر شد الرحال إلى غير المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى، فلا يجوز الوفاء به لأنه نذر معصية وتلزمه كفارة يمين كما تقدم، فقد قال ﷺ : «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس» (٤). نذر اللِّجاج (نذر الغضب): والمراد به: النذر الذي يراد به الامتناع من أمر أو الحث على فعله، لا التقرب إلى الله، كأن يقول: (إن فعلتُ كذا، فلله عليَّ الحج أو صدقة أو صوم) ونحو ذلك. وهذا يخرج مخرج اليمين، لأن الناذر هنا لم يرد القُربة، والاعتبار في الكلام بمعناه لا بلفظه، وهذا مقصوده الحضُّ على فعل أو المنع منه، وعلى هذا فإنه لا يلزمه الوفاء به، وعليه كفارة يمين إذا حنث، وهذا مذهب أحمد -في المشهور- والشافعي -في قول- وهو الذي رجع إليه أبو حنيفة، وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قول عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة (٥).

стр. 990

وقد رُوى عن عمران بن حصين مرفوعًا: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» (١) لكنه ضعيف لا يصح. وسُئل ابن عباس: ما تقول في امرأة جعلت بردها عليها هديًا إن لبسته؟ فقال ابن عباس: «في غضب أم في رضا؟» قالوا: في غضب، قال: «إن الله -تعالى- لا يُتقرب إليه بالغضب، لتكفِّر عن يمينها» (٢). وذهب مالك، وأبو حنيفة -في قوله القديم- إلى أنه يلزمه الوفاء بالنذر. إذا نذر قُربةً وهو كافر ثم أسلم: فاختلف أهل العلم في وجوب الوفاء بنذره بعد إسلامه على قولين (٣): الأول: يجب عليه الوفاء بالنذر إذا أسلم: وهو مذهب الشافعي وداود الظاهري وابن حزم، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عمر: أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ إني نذرتُ أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «فأوف بنذرك» (٤). ٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: «أوفي بنذرك» قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا -مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية- قال: «لصنم؟» قالت: لا، قال: «لوثن؟» قالت: لا، قال: «أوفي بنذرك» (٥). الثاني: لا ينعقد نذر الكافر، لا يلزمه الوفاء إذا أسلم: وهو مذهب الجمهور، واحتجوا: ١ - بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٦). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً﴾ (٧).

стр. 991

وأجاب عن هذا ابن حزم بأنه لا حجة فيه، لأن هذا كله إنما نزل فيمن مات كافرًا بنص كل آية منهما، وقال تعالى ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ...﴾ (١) ثم إنهم مع هذا يجيزون بيع الكافر ونكاحه وهبته وصدقته وعتقه!!. وفي حديث أبي هريرة -في قصة إسلام ثمامة بن أثال ﵁ -أنه قال للنبي ﷺ : ... وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر» (٢). فهذا كافر خرج يريد العمرة فأسلم فأمره ﵇ بإتمام نيَّته. قلت: فالراجح أنه يلزمه إذا أسلم أن يفي بنذر الطاعة الذي نذره في كفره، والله أعلم. قضاء نذر الطاعة عن الميت: إذا نذر الإنسان طاعة مما يلزمه الوفاء به، ثم مات قبل أن يوفى، فإن وليَّه يقضي عنه نذره، فإن كان النذر مالاً، فإنه يؤدَّى عن الميت من رأس ماله قبل ديون الناس، لقوله تعالى ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) فعمَّ الله تعالى الدين ولم يخص وقال ﷺ : «دين الله أحق أن يقضى» (٤). وإن كان النذر عبادة كالحج والصيام (٥) والاعتكاف ونحو ذلك، فإن وليَّه يؤديه عنه: ١ - فعن ابن عباس «أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أُمِّه، فتُوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنةً بعدُ» (٦) وفي لفظ أنه قال: «اقضه عنها». ٢ - وعن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أُمِّي ماتت وعليها صوم من نذر أفأصوم عنها؟ فقال لها النبي ﷺ : «أرأيت لو كان على

стр. 992

أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» (١). ٣ - وعن عائشة ﵁: «أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات» (٢). وهل يقضي الصلاة المنذورة عن الميت؟ ذهب جماهير العلم إلى أنه لا يصلي أحد عن أحد، بل حكى ابن بطال الإجماع على ذلك!! لكنه منقوض بأن ابن عمر أمر امرأة جعلتْ أُّمها على نفسها صلاة بقباء فقال: «صلي عنها» (٣) وقد أوجب داود وابن حزم (٤) قضاء الصلاة المنذورة عن الميت. القسم الثاني (من أقسام النذور): أن لا يكون فيه طاعة لله تعالى، وهذا على نوعين: ١ - ليس فيه معصية في ذاته (المباح): إذا نذر ما ليس بمعصية، لكنه ليس من جنس الطاعة، كالمباح، فلا يجب الوفاء به، والجمهور على أن هذا ليس بنذر، لحديث ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مره فليتكلَّم، وليستظلَّ، وليقعد، وليتمَّ صومه» (٥) وفيه التصريح بأن ما كان من نذره من جنس الطاعة كالصوم أمره ﷺ بإتمامه وفاءً بنذره، وما كان من نذره مباحًا لا طاعة كترك الكلام، وترك القعود، وترك الاستظلال، أمره بعدم الوفاء. وذهب أحمد إلى أن النذر بالمباح ينعقد، لكن يخيَّر في الوفاء وعدمه، وحينئذٍ يلزمه كفارة. واختار المحقِّق صديق خان أن النذر بالمباح يصدق عليه مسمَّى النذر، فيدخل تحت العمومات المتضمنة للأمر بالوفاء به، قال:

стр. 993

«ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرتُ إذا انصرفت من غزوتك سالمًا أن أضرب على رأسك بالدُّف، فقال لها: «أوفي بنذرك» (١). وضرب الدف إذا لم يكن مباحًا فهو إما مكروه أو أشد من المكروه، ولا يكون قربة أبدًا، فإن كان مباحًا فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح، وإن كان مكروهًا فالإذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالأَوْلى، وكذلك إيجاب الكفارة على من نذر نذرًا لم يسمِّه (٢) يدلُّ على وجوب الكفارة بالأَوْلى في المباح، فالحاصل أن النذر بالمباح لا يخرج عن أحد القسمين: إما وجوب الوفاء به، أو وجوب الكفارة مع عدم الوفاء ...» اهـ (٣). وقال البيهقي ﵀ (١٠/ ٧٧): «يشبه أن يكون ﷺ إنما أذن لها في الضرب لأنه أمر مباح، وفيه إظهار الفرح بظهور رسول الله ﷺ ورجوعه سالمًا، لا أنه يجب النذر، والله أعلم» اهـ. قلت: لكن يشكل على ما ذكره البيهقي ﵀ أن النبي ﷺ قال لها: «إن نذرت فافعلي، وإلا فلا» (٤) فدل على أنه إنما أمرها بذلك إيفاء لنذرها، لكن يبقى أن ضَرب المرأة بالدفِّ عند رسول الله ﷺ وبمحضر الرجال من الصحابة غير مشروع، فالظاهر أن هذا الحديث واقعة عين فلا عموم لها، ولا ينبغي الاستدلال به والأصل أن النذر إنما يكون بما فيه قربة، وهو عبادة فلا يكون إلا بما شرعه الله تعالى، فالذي يظهر أن المباح يُنظر فيه: فإذا كان وسيلة لواجب أو مستحب (طاعة) فينعقد النذر به، لأن للوسائل حكم المقاصد، وإن لم يكن كذلك فالصواب أنه لا ينعقد به النذر كما قال الجمهور، والله أعلم. ٢ - أن يكون المنذور معصية في ذاته (نذر المعصية): إذا نذر الإنسان معصية كشرب خمر أو قتل نفس مُحرمَّة أو ذبح على قبر أو شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أو مخالفة للتسوية بين الأولاد، أو تفضيل

стр. 994

بعضهم أو حرمانهم من ميراثه، ونحو ذلك من سائر المعاصي، فهذا لا يجب -بل يحرم- عليه الوفاء به. ١ - فعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (١). ٢ - وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا وفاء لنذرٍ في ما لا يملك العبد، أو: ابن آدم» (٢). ٣ - وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ : «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قال: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قال: لا، قال رسول الله ﷺ : «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٣). وفيه دلالة ظاهرة على أن النحر بوضع كان فيه وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية، معصية لله تعالى، وأنه لذلك لا يجوز الوفاء به. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة: وهل تلزم الكفارة في نذر المعصية؟ للعلماء في هذا قولان (٤): الأول: ليس على الناذر للمعصية كفارة: وهو مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وحجتهم: ١ - قوله ﷺ : «لا نذر في معصية ....» (٥) فلا ينعقد النذر بمعصية. ٢ - أن النبي ﷺ قال: «... ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٦) ولم يأمر بكفارة. ٣ - الأحاديث المتقدمة: في المرأة التي نذرت أن تنحر العضباء، والرجل الذي نذر ألا يستظل أو يتكلم، ونحوها وفيها أن النبي ﷺ أمرهم بعدم الوفاء، وليس فيها أنه ألزمهم بكفارة.

стр. 995

الثاني: تجب عليه الكفارة: وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والرواية الأخرى عن أحمد، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃، وحجة هذا القول: ١ - حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «النذر نذران، فما كان لله كفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين» (١). ٢ - حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» (٢). الراجح: لا شك أن دلالة هذين الحديثين -إذا صحَّا وهو الأقرب- أقوى من دلالة الأحاديث التي استدل بها الفريق الأول، فإن الكفارة فيها مسكوت عنها، فيقدَّم المثبت لها، والله أعلم. إذا نَذَرَ نَذْرًا لم يُسَمِّه: إذا نذر الإنسان نذرًا مطلقًا لم يعيِّنه أو يسمِّه، كأن يقول (لله عليَّ نذر)، فعليه كفارة يمين، لقول ابن عباس ﵄: «من نذر نذرًا لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين» (٣). وقد رُوى نحوه مرفوعًا من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «كفارة النذر [إذا لم يُسمَّ] كفارة يمين» (٤) لكنه ضعيف، وقد صحَّ بدون موضع الشاهد كما تقدم. النذر لغير الله شرك: النذر عبادة، فلا يجوز صرفه لغير الله تعالى، من صرفه لغيره من ملك مقرَّب أو نبي مرسل، أو وليٍّ من الأولياء -حيًّا أو ميتًا- أو لشمس أو قمر ونحو

стр. 996

ذلك، مما يفعله عبَّاد الأوثان والقبور وأشباههم، لمن يعتقدون فيهم ضرًا أو نفعًا، أو قضاء حاجة أو تفريج كُربة -فقد ارتكب أعظم الذنوب، وهو الشرك بالله تعالى، وهو نظير ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١). قال شيخ الإسلام: «وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا شرك لا يوفى به» (٢). وقال ﵀: «وأما نذره (أي العبد) لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور، ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات» اهـ. وقال الأمير الصنعاني -رحمه الله تعالى-: «وأما النذر المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام (٣) في تحريمها، لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير، ويدفع الشر، ويُعافى الأليم ويشفى السقيم وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ويحرم قبضه لأنه تقرير على الشرك ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام، لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات وينحر في بابه النحائر من الأنعام وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقرأ شعبنا الكلام في هذا في رسالة تطهير الاعتقاد من درن الإلحاد» اهـ (٤).

стр. 997

٨ - كتاب الأطعمة والأشربة وما يتعلق بهما

стр. 998

الأَطْعِمَة تعريف الأطعمة (١): الأطعمة: جمع طعام، وهو في اللغة: كل ما يؤكل مطلقًا، وكذا كل ما يتخذ من القوت كالحنطة والشعير والتمر، ويدخل في هذا التعريف كل ما تخرجه الأرض من زروع وثمار، وكل الحيوانات التي تؤكل سواء البرية والبحرية. ويُقال: طعم الشيء يطعمه طُعْمًا، إذا أكله أو ذاقه، وقد يطلق الفقهاء لفظ «الأطعمة» على: «كل ما يؤكل وما يُشرب، سوى الماء والمسكرات». وموضوع الأطعمة عنوان يدل على ما يباح وما يكره وما يحرم منها. الأصل في الأطعمة الحلُّ: حتى يدل دليل على تحريمها: ١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٢). ٢ - وقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ (٣). ٣ - وقال سبحانه ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤). ولا يحرم من الأطعمة إلا ما حرَّمه الله في كتابه أو على لسان نبيِّه ﷺ : ٤ - قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥). قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٦). ٦ - وقال : ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٧).

стр. 999

٧ - وقال النبي ﷺ : «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرِّم من أجل مسألته» (١). ٨ - وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٢). ٩ - وعن أبي الدرداء مرفوعًا: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًّا» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٣) (٤). هل يعتبر استخباث العرب لما لم يرد فيه نص؟ (٥) إذا لم يكن في الكتاب أو السنة نصٌّ يدلُّ على حلِّ أو حُرْمة حيوان ما، فقال بعض العلماء: نرجع إلى العرب، فإن استطابت هذا الحيوان فهو حلال، وإن استخبثته فهو حرام، لقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (٦) قال ابن قدامة ﵀ في معنى الآية: «يعني: ما استطابته العرب فهو حلال، وما استخبثته فهو حرام ... والذي تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنهم هم الذين نزل عليهم القرآن الكريم وخوطبوا به وبالسنة النبوية، فيرجع في مطلق ألفاظها إلى عرفهم دون غيرهم» اهـ. أسباب تحريم الأطعمة والأشربة (٧): يظهر بالاستقراء وتتبُّع تعليلات الفقهاء فيما يحكمون بحرمة أكله أنه يحرم أكل الشيء مهما كان نوعه لأحد أسباب خمسة:

стр. 1000

١ - الضرر اللاحق بالبدن أو العقل، قال تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (١). ٢ - الإسكار أو التخدير أو الترقيد: فيحرم تناول ما يغيب العقل من المسكرات كالخمر وكل أنواع المواد المخدرة كالحشيش والأفيون ونحوها. ٣ - النجاسة: فيحرم كل نجس ومتنجِّس بما لا يعفى عنه. ٤ - الاستقذار عند ذوي الطباع السليمة: كالروث والبول والقمل والبرغوث. ٥ - عدم الإذن شرعًا لحق الغير: فيحرم أكل الطعام غير المملوك لمن يريد أكله ولم يأذن له مالكه ولا الشارع، كالمغصوب والمسروق والمأخوذ بالقمار أو البغاء ونحو ذلك. الأطعمة المحرَّمة شرعًا: (أ) المحرمات في كتاب الله: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٢). فانتظمت هذه الآية بعض المحرمات، وهي: ١ - الأطعمة بأنواعها: وهي كل حيوان مات حتف أنفه، بدون قتل أو ذبح شرعي: (أ) المنخنقة: الحيوان الذي يُخنق فيموت. (ب) الموقوذة: الحيوان الذي يُضرب بعصًا أو نحوها فيموت. (جـ) المتردية: الحيوان الذي تردَّى (سقط) من مكان عالٍ فمات. (د) النطيحة: الحيوان الذي نطحه آخر فمات نتيجة ذلك. (هـ) ما أكل السبع: الحيوان الذي مات نتيجة جرح حيوان مفترس له وأكله منه. فإذا أُدرك أحد هذه الأشياء حيًّا فذُبح صار حلالاً، لقوله تعالى: ﴿... إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣).

стр. 1001

ويلحق بالميتة: ما قطع من البهيمة وهي حية: لقول النبي ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميتة» (١) وعليه لا يجوز أكل ما قطع من أعضاء البهيمة وهي حية. ما يستثنى من الميتة: تقدم أنه يحرم أكل الميتة بجميع أنواعها، إلا أنه دلَّت السنة على استثناء نوعين من الميتة يحلُّ أكلهما، وهما: السمك والجراد، لقول ابن عمر ﵄: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» (٢) وله حكم الرفع. فائدتان: ١ - حكم أكل ما طفا على سطح الماء من الأسماك وغيرها من حيوان البحر: لأهل العلم في هذا قولان (٣): الأول: أنه يحلُّ أكله: وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية، وعطاء ومكحول والنخعي وأبي ثور، وهو مروي عن أبي بكر وأبي أيوب ﵄، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ (٤). ٢ - وقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٥) قال ابن عباس وغيره: «صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذف». فدلَّت هاتان الآيتان بعمومهما على حلِّ جميع صيد البحر، ولم يخصَّ الله تعالى شيئًا من شيء ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٦).

стр. 1002

٣ - ولعموم قوله ﷺ -لما سئل عن ماء البحر-: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (١) فشمل ذلك ميتة البحر على اختلاف أنواعها. ٤ - ويقول ابن عمر فيما استثنى من الميتة: «أُحلت لنا ميتتان ... الحوت والجراد» (٢). ٥ - ويؤيده حديث جابر وفيه: «أن البحر قذف إلى الساحل بدابة ضخمة تُدعى العنبر، فأكلوا منها، ولما قدموا إلى المدينة سألوا رسول الله ﷺ عنها، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيئًا فتطعمونا؟» قال جابر: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله» (٣). الثاني: لا يحل أكل السمك الطافي: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واستدلوا بما يلي: ١ - ما يُروى عن جابر مرفوعًا: «ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه» (٤) وأجيب: بأنه ضعيف باتفاق الحفاظ فلا يجوز الاحتجاج به ولو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما تقدم من الأدلة؟!. ٢ - بعض الآثار عن جابر، وعليٍّ، وابن عباس ﵃، في النهي عن أكل الطافي، وكلها ضعيفة (٥). الراجح: لا شك أن أدلة الجمهور أقوى، لكن .. لو ثبت طبيًّا أن السمك الطافي يكون فاسدًا مُضِرًّا بالبدن -لا سيما إن مضى على موته زمن- فحينئذ يكون التحرُّز عنه أليق بقواعد الشريعة التي حرَّمت الخبائث، والله أعلم. ٢ - واختلف العلماء في أكل الجراد (٦): فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف -خلافًا لمالك- إلى أنه حلال سواء مات باصطياده أو مات حتف أنفه، لما يلي: ١ - ما تقدم من قول ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ... الحوت والجراد».

стр. 1003

٢ - حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، نأكل الجراد» (١). واشترط مالك ﵀ لأكله أن يموت بسبب، بأن يقطع منه شيء أو يُسلق أو يُلقى حيًّا أو يشوى، وأما إذا مات حتف أنفه لم يؤكل!! والأول أرجح، والله أعلم. ٢ - الدم المسفوح: فلا يحلُّ أكل الدم الذي يُهراق، لقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ ...﴾ (٢) وأما الدم اليسير كالذي يكون في عروق الذبيحة مما لا يمكن الاحتراز منه، فمعفو عنه، فعن عائشة ﵂ أنها «كانت لا ترى السباع بأسًا (!!) والحمرة والدم يكونان على القدر» (٣). ما يستثنى من الدم المحرَّم: قال النبي ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان .... وأما الدمان: فالكبد والطحال» (٤). ٣ - لحم الخنزير: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٥)، وقال : ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ...﴾ (٦). ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم الخنزير: لحمه وشحمه وجميع أجزائه (٧)، لكن خصَّ اللحم بالذِّكر لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه كالتابع له، ولإظهار حرمة ما استطابوه وفضلوه على سائر اللحوم، واستعظموا وقوع تحريمه (٨).

стр. 1004

والضمير في قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١) في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه، وهو الخنزير نفسه، فصحَّ بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس، فهو كله رجس، والرجس حرام يجب اجتنابه، فالخنزير كله حرام، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره. فائدة: قال صاحب «تفسير المنار» (٢/ ٩٨) في معرض بيانه لحكمة الشريعة في تحريم الخنزير: «حرم الله لحم الخنزير فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم، كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة القتالة، ويقال: إن له تأثيرًا سيِّئًا في العفة والغيرة» اهـ. ٤ - ما ذُكر عليه غير اسم الله: لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ...﴾ (٢) وقوله : ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولذلك لا يجوز الأكل من ذبيحة المشرك أو المجوسي أو المرتد، وأما ذبيحة النصراني واليهودي فإنه يجوز الأكل منها ما لم يُعلم أنه ذكر عليها غير اسم الله. لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٣) قال ابن عباس: «طعامهم: ذبحائهم» (٤). فائدتان: (أ) اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية: إذا كانت المستوردة من البلاد غير الإسلامية لحوم حيوانات البحر كالسمك والحوت، فإنه يحلُّ أكلها، لأنه يباح أكلها بلا تذكية (ذبح شرعي) وسواء كان اصطادها مسلم أو غير مسلم.

стр. 1005

وأما إذا كانت هذه اللحوم من حيوانات البر المباح أكلها كالإبل والبقر والغنم والطيور، فإن كانت مستوردة من بلاد أهلها مجوس أو وثنيون أو ملاحدة كالشيوعيين، فهذه اللحوم لا يحلُّ أكلها. وإن كانت مستوردة من بلاد أهلها نصارى أو يهود (أهل كتاب) فإنه يحلُّ أكلها بشرطين: ١ - أن لا يُعلم أنهم ذكروا عليها غير اسم الله كالصليب أو المسيح وغير ذلك. ٢ - أن تُذكَّى (تذبح) ذكاة شرعية على النحو الذي سيأتي بيانه. وقد كان يكفينا -فيما مضى- أن تدَّعي هذه الدول المصدِّرة أنها تذبح على الطريقة الإسلامية، إلا أنه قد ثبت من طرق متعددة أن هذه الدول لا تقوم بعملية الذبح الشرعي، وأن ما تقوم به من ختم على هذه اللحوم بأنها «مذبوحة على الطريقة الإسلامية» ليس إلا مجرد خداع لابتزاز الأموال، وقد وصلت بعض الصفقات من الدجاج المستورد إلى بعض البلاد العربية، وقد وجد أن رقبة الدجاجة سليمة وكاملة ليس فيها أثر الذبح؟! رغم كتابة العبارة التقليدية عليها: أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية!! بل وبلغ الاستخفاف بعقول المسلمين أن وُجد مكتوبًا على صناديق السمك المستورد: إنه ذبح حسب الشريعة الإسلامية!!» (١). (ب) الجُبن المستورد من البلاد غير الإسلامية (٢): إذا كان الجبن يُستورد من بلاد أهل الكتاب ويصنعون هذا الجبن من أنفحة الحيوانات المباح لنا أكلها، فهذا الجبن حلال لنا. وأما إذا كان يستورد من بلاد مجوس أو شيوعيين أو وثنيين، وكانوا يصنعون الجبن من أنفحة ذبائحهم، فإن ذبائح هؤلاء بالنسبة للمسلمين كالميتة، لكن هل يحلُّ أكل هذا الجبن المصنوع من أنفحة هذه الميتة؟ قال شيخ الإسلام ﵀: في جبن المجوس المصنوع بأنفحة ذبائحهم، قولان للعلماء ... ثم قال: «والأظهر أن جبنهم حلال، وأن أنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا من جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم» اهـ (٣).

стр. 1006

٥ - ما ذُبح لغير الله: كصنم أو وثن أو قبر أو ميت كالسيد كالبدوي أو غير ذلك من الطواغيت لقوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (١). (ب) المحرمات بالسُّنَّة النبوية: ١ - لحم الحُمُر الأهلية: ذهب جماهير أهل العلم (٢) إلى تحريم أكل لحم الحُمُر الأهلية لما ثبت بأسانيد كالشمس أن النبي ﷺ حرَّم الحمر الأهلية، ومن ذلك: ١ - حديث أنس «أن رسول الله ﷺ أمر مناديًا فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم» (٣). ٢ - حديث جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» (٤). وفي الباب عن عليٍّ وابن عمر والبراء بن عازب وابن أبي أوفى وأبي ثعلبة الخشني وغيرهم ﵃. وقد ذهب بعض المالكية -وهو القول الراجح عندهم- إلى أنه يؤكل مع الكراهة أي التنزيهية (!!). وروى عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يقولان بظاهر قوله تعالى ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً ...﴾ (٥). والذي صحَّ عن ابن عباس أنه توقف فيها فقال: «لا أدري أنهى عنها رسول الله ﷺ من أجل أنها كانت حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرَّم يوم خيبر لحم الحمر الأهلية» (٦). وعلى كل حال، قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها» اهـ. قلت: وقد ثبت تحريمها ثبوتًا يكاد يكون متواترًا، فهو حجة على كلِّ أحد، والله أعلم.

стр. 1007

فائدتان: (أ) لحم الحُمُر الوحشية حلال: وعلى هذا إجماع أهل العلم، وقد ثبت أكلها عن النبي ﷺ وأصحابه: ففي حديث أبي قتادة أنه كان مع قوم محرمين -وهو حلال- فَسَنَحَ لهم حُمُر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا فأكلوا منها وقالوا: نأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملوا ما بقي من لحمها، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا ما بقي من لحمها» (١). وفي رواية: أن النبي ﷺ قال لهم: «هل معكم منه شيء؟» قالوا: معنا رجله، قال: فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها». (ب) يجوز أكل لحم الخيل (٢): ذهب جمهور العلماء: الشافعية والحنابلة، وهو قول للمالكية، وجمهور الصحابة والتابعين إلى إباحة أكل الخيل سواء كانت عرابًا أو براذين (أي: خيولاً عربية أو غير عربية) وحجتهم: ١ - حديث جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» (٣). ٢ - حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه ونحن بالمدينة» (٤). وذهب الحنفية وهو قول ثانٍ لمالكية، وهو قول ابن عباس، إلى كراهة أو تحريم أكل الخيل واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٥) قالوا: فالاقتصار على الركوب والزينة يدل على أنها ليست مأكولة، إذ لو كانت مأكولة لقال: ومنها تأكلون. وأجيب بأن الآية مكية بالاتفاق، والإذن في الأكل كان بعد الهجرة، ثم إن الآية ليست نصًّا في منع الأكل لا سيما وأن الأحاديث صريحة في الحِلِّ.

стр. 1008

٢ - ما يُروى عن خالد بن الوليد ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» (١) وهو ضعيف لا يحتج به. فالصحيح قول الجمهور من إباحة أكل الخيل، والله أعلم. ٢ - كل ذي ناب من السباع: فكل حيوان له ناب يفترس به، سواء كان وحشيًّا كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحو ذلك أو كان أهليًّا كالكلب والسِّنَّوْر الأهلي (القِط)، فلا يحلُّ شيء منها عند الجمهور لما يلي: ١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كلُّ ذي ناب من السباع، فأكله حرام» (٢). ٢ - حديث ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» (٣). ٣ - وعن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب، السِّنَّور؟ قال: «زجر النبي ﷺ عن ذلك» (٤). وقد ثبت عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا حرَّم على قوم أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» (٥). فائدة: الأرنب حلال: يحل أكل الأرنب عند الجمهور، لحديث أنس أنه قال: «أنفجنا (٦) أرنبًا فسعى القوم فلغبوا فأخذتها وجئت بها أبا طلحة، فذبحها وبعث بوركها -أو قال: بفخذها- إلى النبي ﷺ فقبله» (٧).

стр. 1009

ولأنها من الحيوان المستطاب، وليست ذات ناب تفترس به، ولم يرد نصٌّ بتحريمها (١). ٣ - كل ذي مخلب من الطير (الطيور الجارحة) كالبازي والباشق والصقر ونحوها، لحديث ابن عباس المتقدم أن النبي ﷺ : «نهى عن كل ذي مخلب من الطير» (٢) والمراد: مخلب يصيد به، إذ من المعلوم أنه لا يسمى ذا مخلب عند العرب إلا الصائد بمخلبه وحده، وأما الديك والعصافير والحمام وسائر ما لا يصيد بمخلبه فلا تسمى ذوات مخالب في اللغة، لأن مخالبها للاستمساك والحفر بها وليست للصيد والافتراس. وقد قال الجمهور -خلافًا للمالكية!! - بتحريم كل ذي مخلب من الطير (٣). ٤ - الجلاَّلة: وهي الحيوانات التي تتغذى بالنجاسات -أو أكثر علفها النجاسة- من الإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها، وهذه الحيوانات لا يحلُّ لحمها ولا لبنها، وبهذا قال أحمد -في إحدى الروايتين- وابن حزم (٤)، لحديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» (٥). وذهب الشافعي إلى أنها مكروهة غير محرمة، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. متى يحلُّ أكل الجلاَّلة؟ الجلالة إذا حُبست ثلاثة أيام وعُلفت بما هو طاهر، فإنه يحلُّ ذبحها وأكلها ويشرب لبنها، فعن ابن عمر أنه: «كان يحبس الدجاجة الجلال ثلاثًا» (٦). وقد رُوى عن الإمام أحمد ﵀ أنها تحبس ثلاثًا، سواء كانت طائرًا أو بهيمة، وفي رواية عنه: تحبس الدجاجة ثلاثًا، ويحبس البعير والبقرة ونحوهما أربعين يومًا.

стр. 1010

وعلى كلِّ حال فإن الجلالة تحلُّ بحبسها -على الطعام الطيب- بالاتفاق، واختلفوا في مدة حبسها. ٦ - ١٠ - ما أمر الشارع بقتله لا يحل أكله: الفأرة والعقرب والغراب والحديا (١) والكلب العقور والوزغ (٢) والحية. ١ - فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «خمس فواسق، يُقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحُديا، والغراب، والكلب العقور» (٣). ٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ بقتل الوزغ، وسماه فُويسقًا» (٤). ٣ - وعن عبد الله بن مسعود: كنا مع النبي ﷺ في غار، وقد أُنزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ (٥) فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: «اقتلوها» فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول الله ﷺ : «وقاها الله شركم كما وقاكم شرَّها» (٦). ولأن هذه الأشياء تعد من الخبائث لنفور الطبائع السليمة منها. ١١ - ١٥ - ما نهى الشارع عن قتله لا يحل أكله: النملة والنحلة والهدهد والصرد (٧) والضفدع: ١ - عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحل، والهدهد، والصرد» (٨). ٢ - عن عبد الرحمن بن عثمان قال: «ذكر طيبٌ عند رسول الله ﷺ دواءً، وذكر الضفدع يُجعل، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع» (٩).

стр. 1011

ووجه استفادة تحريم الأكل لِما نُهى عن قتله: أن النهي عن قتله يعني النهي عن تذكيته، فلا تحلُّه التذكية للنهي عنها، ولو كان أكله حلالاً لما نهى عن قتله. واعترض الشوكاني على كون الأمر بقتل الشيء أو النهي عن قتله، من أسباب تحريم أكله، وقال: «ولم يأت الشارع بما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله أو نُهى عن قتله حتى يكون الأمر والنهي دليلين على ذلك، ولا ملازمة عقلية ولا عُرفية، فلا وجه لجعل ذلك أصلاً من أصول التحريم، بل إن كان المأمور بقتله أو المنهي عن قتله مما يدخل في الخبائث، كان تحريمه بالآية الكريمة، وإن لم يكن من ذلك، كان حلالاً عملاً بما أسلفنا من أصالة الحلِّ، وقيام الأدلة الكلية على ذلك» اهـ (١). إباحة المحرَّمات عند الاضطرار: أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطر، وقد ذكر الله الاضطرار إلى المحرمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم: ١ - قال الله -بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها- ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢). ٢ - وقال تعالى -بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣). ٣ - وقال سبحانه -بعد ذكرها- ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤). ٤ - وقال سبحانه ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥). ٥ - وقال ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٦).

стр. 1012

حد الاضطرار المُبيح للمحرَّم: معنى الضرورة في الآيات الكريمة، وحدُّ الاضطرار المبيح لأكل الميتة وسائر المحرمات هو خوف الهلاك على الأصح (١). المقصود بالإباحة للمحرَّم: اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة ونحوها على قولين (٢). الأول: جواز التناول وعدمه: وهو قول بعض المالكية والشافعية والحنابلة، لظاهر قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. الثاني: وجوب تناولها لمن أشرف على الهلاك: وهو مذهب الجمهور: الحنفية، والراجح عند المالكية الشافعية والحنابلة، لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٣)، وقوله ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). قالوا: ولا شك أن الذي يترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت، يُعتبر قاتلاً لنفسه، وملقيًا بنفسه إلى التهلكة، لأن الكف عن التناول فعل منسوب للإنسان. وأما قوله تعالى ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فلا يتنافى مع القول بالوجوب، لأن نفي الإثم في الأكل عام يشمل حالتي الجواز والوجوب، فإذا وجدت قرينة على تخصيصه بالوجوب عمل بها، والقرينة هنا: الآيتان المتقدمتان. شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطر: اشترط الفقهاء لإباحة أكل الميتة ونحوها من المحرمات للمضطر شروطًا، اتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها، فمما اتفقوا عليه: ١ - أن لا يجد طعامًا حلالاً ولو لقمة، فإن وجدها وجب تقديمها، فغن لم تغنه حلَّ له المحرَّم. ٢ - أن لا يكون قد أشرف على الموت بحيث لا ينفعه تناول الطعام، فإن انتهى إلى هذه الحالة لم يحلَّ له المحرَّم.

стр. 1013

٣ - أن لا يجد مال مسلم أو ذمي من الأطعمة الحلال، وفي هذا الشرط عندهم تفصيل. تنبيهان: ١ - لا يجوز أن يتجاوز ما يسد به الرمق ويندفع به الضرر، وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. ٢ - ما حرِّم لكونه يقتل الإنسان (كالسموم) لا يحلُّ للاضطرار: لأن تناوله استعجال للموت وقتل للنفس، وهو من أكبر الكبائر، وهذا متفق عليه. من آداب الأكل هذه جملة من الآداب الشرعية في الطعام، ينبغي الأخذ بها، لما فيها من إحياء لسنة النبي ﷺ ، وما فيها من طرد وإبعاد وحرمان للشيطان، الذي يحرص على مشاركة المسلم في مأكله ومشربه وملبسه ومبيته، حتى يتمكن من إغوائه والسيطرة على قلبه وعقله وجوارحه، ولما فيها من تحقيق المصالح الدينية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هذه الآداب: ١ - التسمية على الطعام: فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي فليقل: بسم الله أوله وآخره» (١). وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يُذكر اسم الله عليه ...» (٢) وقال ﵊ لعمرو بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك ...» (٣). فإن نسى التسمية في أول الطعام: قال النبي ﷺ : «من نسى أن يذكر الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: بسم الله أوله وآخره، فإنه يستقبل طعامًا جديدًا، أو يمتنع الخبيث (٤) مما كان يصيب منه» (٥).

стр. 1014

٢، ٣ - الأكل باليمين، وعدم الأكل مما أمام الغير -إذا كان في إناء واحد-: فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (١). وعن عمرو بن أبي سلمة، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد (٢). ٤ - الأكل من حافة الطعام لا من وسطه: فعن ابن عباس ﵄ قال: «البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه» (٣). ٥ - عدم الأكل وهو متكئ: لحديث أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أنا فلا آكل مُتَّكئًا» (٤). ٦ - أن لا يعيب الطعام إن كرهه: فعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه» (٥). ٧ - الاجتماع على الطعام وعدم الأكل منفردًا: لأن كثرة الأيدي على الطعام تزيد بركته، كما قال النبي ﷺ : «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ...» (٦). وقد ورد أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، فقال: «فلعلكم تفترقون؟» قالوا: نعم، قال: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارك لكم فيه» (٧) وفيه ضعف.

стр. 1015

٨ - أكل اللقمة -إذا سقطت- بعد مسح الأذى عنها: فعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان» (١). ٩ - لعق الأصابع والقصعة قبل غسل اليد أو مسحها: فعن جابر أن النبي ﷺ : أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنكم لا تدرون في أيِّه البركة» (٢). ١٠، ١١ - حمد الله، والدعاء بعد الفراغ من الطعام: فعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها» (٣). وقد ثبتت عن رسول الله ﷺ عدة صيغ للحمد والدعاء بعد الفراغ من الطعام، ومن ذلك: (أ) «الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مكفيٍّ ولا مكفور» (٤). (ب) «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي، ولا مُودَّعٍ، ولا مُستَغنىً عنه ربَّنا» (٥). (جـ) «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعل له مخرجًا» (٦). (د) «اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقْنَيْتَ وهديتَ وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت» (٧). ١٢ - الدعاء لمن قدَّم الطعام: ومما ثبت في ذلك: (أ) أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة» (٨).

стр. 1016

(ب) «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» (١). ١٣ - غسل اليد لإزالة أثر الطعام: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بات أحدكم وفي يده غَمر (٢)، فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلا نفسه» (٣). الصَّيْد وأحكامه تعريفه (٤): الصَّيْد: مصدر صاد يصيد صيدًا، وله إطلاقان في اللغة، فقد يراد به: الاصطياد ووضع اليد على الحيوان المصيد وقبضه وإمساكه، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥). وقد يراد به الحيوان المصيد نفسه، كما قال تعالى ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦) وعلى الإطلاق الأول يكون تعريف الصيد اصطلاحًا: «اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقتدر عليه». وعلى الإطلاق الثاني يُعرَّف الصيد اصطلاحًا على أنه: «حيوان مقتنَص حلال متوحِّش طبعًا غير مملوك، ولا مقدور عليه». حكم الصيد: أجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، ودلَّ على ذلك الكتاب والسنة: (أ) فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٧).

стр. 1017

٢ - وقوله سبحانه ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). ٣ - وقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢). (ب) ومن السنة: حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أُرسل الكلاب المعلَّمة فيمسكن عليَّ وأذكر اسم الله عليه، فقال: «إذا أرسلت كلبك المُعلَّم وذكرت اسم الله عليه فَكُلْ» قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» قلت له: فإني أرمى بالمعراض (٣) الصيد فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكلْه، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» (٤). متى يكون الصيد محظورًا؟ الأصل في الصيد أنه حلال، لكنه يُحظر في الحالات الآتية: ١ - إذا قُصد به اللهو والعبث: لا التذكية والانتفاع بلحم الحيوان، فحينئذ يكون حرامًا، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئًا فيه روح غرضًا» (٥). وعن سعيد بن جبير قال: مرَّ ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، فقال ابن عمر: «من فعل هذا؟! إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا» (٦). ٢ - إذا كان الصائد مُحرمًا بحج أو عمرة فيحرم عليه صيد البر: لقوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٧) وقد تقدم هذا في «كتاب الحج».

стр. 1018

٣ - يحرم صيد الحرمين -مكة والمدينة- ولو الغير لمُحرم: وقد تقدم في «الحج». ٤ - يحرم صيد المملوك للغير: لما فيه من الظلم والعدوان عليهم. وسائل الصيد: إباحة الصيد تعني تمكين الصائد من اقتناص الحيوان، ووضع يده عليه حيًّا إن أمكن، أو مقتولاً بفعل آلة الصيد، حيث يعتبر القتل بآلة الصيد بمنزلة تذكية الحيوان أو ذبحه بصورة مشروعة، ولكل وسيلة أو أداة للصيد شروط معينة حتى يعتبر قتل الحيوان بها بمنزلة التذكية الشرعية. ١ - الصيد باستخدام الجوارح: المقصود بالجوارح: السباع ذوات الأنياب، كالكلب والفهد، وجوارح الطير ذوات المخالب كالصقر والبازي، قال الله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). ما يشترط في الصيد بالجوارح (٢)، ليحلَّ صيدها: ١ - أن يكون مُعَلَّمًا: قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). ويعتبر في تعليم الجارحة ثلاثة شروط هي: (أ) إذا أرسله الصائد استرسل. (ب) إذا زجره انزجر. (جـ) إذا أمسك الجارح صيدًا لم يأكل منه، ويتكرر هذا منه حتى يصير معلَّمًا في حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث مرات، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. فإن أكل الجارح من الصيد لم يحلَّ، لقول النبي ﷺ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلت، إلا أن يأكل الكلب، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» (٤).

стр. 1019

تنبيه: إذا صاد الكلب غير المعلَّم فأدركه الصائد حيًّا فذبحه ذبحًا شرعيًّا حلَّ أكله كذلك، لقول النبي ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: «... وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكُلْ» (١). ٢ - أن يسمى الصائد عند إرساله: لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) وقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). وفي حديث عدي بن حاتم قال النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ...» (٤). وفي حديث أبي ثعلبة قال ﷺ : «.. وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل ...» (٥). ٣ - أن لا يشارك كلبه كلب آخر: فعن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، أرسل كلبي وأسمِّي، فأجد معه على الصيد كلبًا آخر لم أُسمِّ عليه، ولا أدري أيهما أخذ، قال: «لا تأكل، إنما سَمَّيت على كلبك ولم تُسمِّ على الآخر» (٦). ٤ - أن يجرح الكلب الصَّيْدَ: فإن خنقه أو قتله بصدمته لم يحلَّ، لقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فَكُلْ» (٧). فائدتان: ١ - يجوز اقتناء الكلب للصيد والماشية والحراسة فقط: فعن عبد الله بن مغفل قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب» رخَّص في كلب الصيد وكلب الغنم» (٨).

стр. 1020

وأما اقتناء الكلاب لغير ذلك فلا يجوز، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم» (١) ونحوه من حديث ابن عمر. ٢ - هل يجوز الصيد بالكلب الأسود البهيم؟ (٢) الكلب الأسود البهيم الذي ليس فيه بياض، قد أمر النبي ﷺ بقتله، فعن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٣) ولذا لم يُجِزْ الإمام أحمد وابن حزم وسائر أهل الظاهر صيد الكلب الأسود، لأن ما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبح صيده، ولأن النبي ﷺ سمَّاه شيطانًا، ولأن إباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص. وقد كره ذلك طائفة من السلف منهم: الحسن والنخعي وقتادة وإسحاق. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى إباحة صيد الكلب الأسود البهيم، لعموم الأدلة المتقدمة في إباحة الصيد بالكلاب المعلَّمة من غير أن تخصَّ كلبًا دون آخر. قلت: الأظهر أنه لا يجوز والله أعلم. ٢ - الصيد بآلة الصيد كالقوس والسهم ونحوهما (٤): لا خلاف بين العلماء في إباحة أكل ما صيد بالقوس أو السهم إذا ذكر عليه اسم الله، ففي حديث عدي بن حاتمٍ، قال النبي ﷺ : «... وما رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ما شئت ..» (٥). وفي حديث أبي ثعلبة قال ﷺ : «.. فما أصبتَ بقوسك فاذكر اسم الله، ثم كُلْ ..» (٦).
следующие страницы →