← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

والحنابلة، وبعض الشافعية إلى أن كل ما أسكر فهو خمر حقيقة، سواء اتخذ من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو غيرها (١). ١ - لقول النبي ﷺ : «كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» (٢) وفي لفظ عند مسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». ٢ - وعن عمر قال: «أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل» (٣). ٣ - ولأن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة -وهم أهل اللسان- أن كل شيء يسمى خمرًا يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، بل إن الخمر إنما حرمت بالمدينة، وما بها عنب (!!) وما كان شرابهم إلا البسر والتمر. على أن الخمر إنما سميت خمرًا لأنها تخمر العقل وتغيِّبه وتستره فعمت كلَّ مسكر. وذهب أكثر الشافعية، وصاحبا أبي حنيفة وبعض المالكية إلى أن الخمر هي المسكر من عصير العنب إذا اشتد، سواء أقذف بالزبد أم لا. فائدتان: ١ - إذا أسكر الكثير، فالقليل حرام: وعلى هذا جماهير أهل العلم، لقوله ﷺ : «كل ما أسكر حرام، وما أسكر الفرق، فملء الكف منه حرام» (٤). تنبيه: جمهور الشافعية الذين ذهبوا إلى أن الخمر من عصير العنب لا يخالفون الجمهور في أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، والاختلاف في الإطلاق بين الجمهور وأكثر الشافعية، لم يغيِّر الأحكام من جوب الحد عند شرب قليله، والنجاسة، وغير ذلك مما يتعلق بالخمر، ما عدا مسألة تكفير مستحلِّ الخمر، فلا يكفر منكر حكمه للاختلاف فيه.

стр. 1052

وأما الحنفية، فالأنبذة من غير العنب عندهم لا يُحدُّ شاربها إلا إذا سكر منها!! والحديث حجة عليهم. ٢ - كلُّ ما غيَّب العقل فهو خمر: لقول عمر بن الخطاب ﵁: «.. والخمر ما خامر العقل» (١). ويدخل في هذا الحشيشة والأفيون والهيروين والبانجو ونحوها من المخدرات وهي حرام بإجماع الفقهاء لحديث أم سلمة: «أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومُفتِّر» (٢). قال شيخ الإسلام: «هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي مسكرة يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمرة توجب الحركة والخصومة، وهذه الحشيشة توجب الفتور والذلة». ثم قال ﵀: «.. ومن استحلها وزعم أنها حلال فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًّا، فإن كل ما يصيب العقل فهو حرام بإجماع المسلمين» اهـ (٣). شرب الخمر للمضطر (٤): ما سبق من تحريم الخمر إنما هو في الأحوال العادية، أما عند الاضطرار فيرخَّص شرعًا تناول الخمر، لكن بمعياره الشرعي الذي تُباح به المحرمات، كضرورة العطش الذي يخشى معه الهلاك أو الغصص أو الإكراه، فيتناول المضطر بقدر ما تندفع به الضرورة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥). فأسقط الله تعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة، فعمَّ ولم يخصَّ فلا يجوز تخصيص ذلك. وقد منع المالكية -وهو الأصحُّ عن الشافعية- شربها لدفع العطش، قالوا:

стр. 1053

لأنها لا تزيل العطش، بل تزيده حرارة لحرارتها ويبوستها، وأجيب: بأنه قد صحَّ أن كثيرًا من المدمنين عليها من الكفار والخلاع لا يشربون الماء أصلاً مع شربهم الخمر، وعلى كلٍّ فالآية عامة كما تقدم ولا يجوز تخصيص الخمر بالمنع عند خوف الهلاك، لكن هذا موقوف على دفع العطش بها، وإلا لم يجز كما قرره شيخ الإسلام (١). لا يجوز تملُّك الخمر ولا تمليكها: يحرم على المسلم تملُّك أو تمليك الخمر بأي سبب من أسباب الملك الاختيارية أو الإرادية، كالبيع والشراء والهبة ونحو ذلك، لقوله ﷺ : «إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها» (٢). وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٣). ضمان إتلاف الخمر (٤): اتفق الفقهاء على أن الخمر إن كانت لمسلم فلا يضمن متلفها، واختلفوا في ضمان من أتلف خمرًا لذمي، فقال الحنفية والمالكية: يضمنها!!، وقال الشافعية والحنابلة: لا يضمنها لانتفاء تقوُّمها كسائر النجاسات. الخمر تصير خلاًّ: ١ - إذا تخللت الخمر بنفسها: بغير قصد التخليل، فإن هذا الخلَّ يحلُّ بلا خلاف بين الفقهاء (٥)، لقوله ﷺ : «نِعْم الإدام الخل» (٦). ويُعرف التخلل بالتغيُّر من المرارة إلى الحموضة.

стр. 1054

٢ - إذا خُللَّت الخمر بوضع شيء فيها: كالخل والبصل والملح، أو إيقاد نار عندها، فاختلف أهل العلم في حكمها على قولين (١): الأول: لا يجوز تخليلها، ولا يحل هذا الخل: وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ورواية عن مالك، وحجتهم: ١ - أن التخليل يعتبر اقترابًا من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ٢ - حديث أنس قال: سئل النبي ﷺ عن الخمر تُتَّخذ خلاًّ، فقال: «لا» (٣). وفي لفظ: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها» قال: أفلا نجعلها خلاًّ؟ قال: «لا» (٤). وهذا النهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز إراقتها، ولكان أرشدهم إليه خصوصًا وأنها لأيتام يحرم التفريط في أموالهم. فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرَّم بيعها» ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما» (٥). ٣ - عن ابن عباس قال: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت أن الله حرمها؟» فقال: لا. فساره رجل إلى جنبه، فقال: «بمَ ساررتَه؟». ٤ - عن عمر ﵁ أنه صعد المنبر فقال: «لا تأكل خلاًّ من خمرٍ أُفسدت، حتى يبدأ الله تعالى إفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على امرئ أصاب خلاًّ من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها» (٦). وهذا قول يشتهر بين الناس، لأنه إعلان للحكم بين الناس على المنبر، فلم ينكر أحد. الثاني: يجوز تخليلها، ويحلُّ الخلُّ: وهو مذهب الحنفية والراجح عند المالكية وهو قول أبي محمد بن حزم، وحجتهم:

стр. 1055

١ - أنه إصلاح، والإصلاح مباح قياسًا على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره. ٢ - ما يُروى مرفوعًا -في جلد الشاة الميتة-: «إن دباغها يحله كما يحل خل الخمر» (١) وهو ضعيف. ٣ - ما يُروى مرفوعًا: «خير خلِّكم، خلُّ خمركم» (٢)!! وهو ضعيف. ٤ - لعموم قوله ﷺ : «نعم الإدام الخل» (٣) فلم يفرق بين التخلل بنفسه والتخليل. ٥ - لأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح، لأنه يشبه إراقة الخمر. الراجح: الذي يظهر أن أدلَّة الأوَّلين أقوى فيحرُم تخليل الخمر، لكن إذا أهدى إلى إنسان خلٌّ مصنوع فلا حرج في أكله لزوال الوصف المفسد، ومع هذا فلا يجوز له شراؤه لأن فيه إعانة على الإثم، وقد قال سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤). وأما ما تخلل بنفسه فلا حرج في شرائه أو أكله كما تقدم والله أعلم. لا يجوز التَّداوي بالخمر (٥): ذهب جمهور العلماء إلى تحريم التداوي بالخمر (أي المسكرات) بل: يُحدُّ من شربها لدواء عندهم، ويؤيد التحريم ما يأتي: ١ - حديث طارق بن سويد الجعفي أنه سأل رسول الله ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال ﷺ : «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (٦). قال شيخ الإسلام (٧): «فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر، ردًّا على من أباحه، وسائر المحرمات مثلها قياسًا، خلافًا لمن فرَّق بينهما» اهـ.

стр. 1056

قلت: فكيف يعقل لطبيب مسلم علام بشرعه أن يصف دواءً، وصفه نبيه ﷺ بأنه داء؟! ٢ - وعن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث» (١). ٣ - وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداووا، ولا تداووا بحرام» (٢). فهذه الأدلة تدل على تحريم التداوي بالأدوية المحرمة عامة، وبالخمر خاصة. فإن قيل: لماذا لم تُعمل قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات» نقول: لأمرين: ١ - أن التداوي لا يدخل في باب الضرورات على الراجح: فليس التداوي بواجب عند جماهير الأئمة، حتى قال شيخ الإسلام (٣): «ولست أعلم سالفًا أوجب التداوي» اهـ. ومما يدل على هذا حديث ابن عباس، في المرأة السوداء التي أتت النبي ﷺ فقالت: إني أُصرع، فادعُ الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ الله أن يعافيك ...» الحديث (٤) ولو كان دفع المرض واجبًا لم يكن للتخيير موضع. «ولا يخالف هذا الأمر بالتداوي، فالجمع ممكن بأن التفويض (ترك التداوي) أفضل مع الاقتدار على الصبر، وأما مع عدم الصبر على المرض وصدور الحرج، فالتداوي أفضل لأن أفضلية التفويض قد ذهبت بعدم الصبر» اهـ (٥). ٢ - أن النبي ﷺ قد نصَّ على تحريم التداوي بالمحرم، كما تقدم، والله أعلم. تنبيه: البنج ونحوه مما يُغيِّب العقل -إذا لم يوجد ما يقوم مقامه- يجوز استعماله عند الضرورة الملجئة في العمليات الجراحية (٦). حكم الخليطين من الأشربة (٧): لا يجوز خلط شيئين مما يقبل الانتباذ (النقع) في الماء، كالبُسر والرطب،

стр. 1057

والتمر والزبيب، ولو لم يشتدَّا، لحديث أبي قتادة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدة» (١). وعن جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ نهى أن يخلط الزبيب والتمر، والبسر والتمر» (٢). ووجه النهي عن انتباذ الخليطين أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط قبل أن يتغير، فيظن الشارب أنه ليس بمسكر، ويكون مسكرًا، فنهى عنه سدًّا للذريعة. وقد ذهب إلى تحريم الخليطين -وإن لم يكن مسكرًا- مالك، وهو ظاهر كلام أحمد والشافعي، وبه قال إسحاق وابن حزم (لكنه خصَّه بالأنواع المذكورة دون غيرها). وذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة إلى أنه يكره ما لم يصل إلى حدِّ الإسكار فيحرُم حينئذ، وأوَّل الحنابلة قول أحمد ﵀: «الخليطان حرام» بأن مراده: إذا اشتد وأسكر. وأما أبو حنيفة ﵀ فقال: لا بأس بالخليطين ما لم يصل إلى حدِّ الإسكار!! لأن كلاًّ منهما يحل منفردًا فلا يُكره مجتمعًا (!!) واستُدلَّ له بما يُروى عن عائشة قالت: «كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحها، ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة، فيشربه عشية، وننبذه عشية فيشربه غدوة» (٣) وهو ضعيف لا يحتج به. قلت: النهي يقتضي التحريم ما لم يصرفه صارف، ثم إن من المعلوم أنه إذا وُجد الإسكار حَرُم الشراب سواء كان من خليطين أو من نوع واحد مستقلٍّ!! النبيذ من صنف واحد (٤): النبيذ هو: ما يلقى من التمر أو الزبيب أو نحوهما في الماء حتى يحلو ويكسبه طعمه، ثم يشرب. وهو مباح إذا كانت مدة الانتباذ قريبة أو يسيرة بحيث لم يشتد ولم يصر مسكرًا، وحدَّ الحنابلة هذه المدة بيوم وليلة (!!) وأما المالكية والشافعية فلم يعتبروا

стр. 1058

المدة وإنما اعتبروا الإسكار، قلت: وهو الأقرب، فعن جارية حبشية قالت: «كنت أنبذ للنبي ﷺ في سقاء من الليل وأوكيه وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه» (١). وعن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصُبَّ» (٢). أي: إن كان بدا في طعمه بعض التغيير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه. شرب الدُّخان (التدخين): عندما ظهر (التبغ) واستعمله بعض الناس، وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة، اختلف الفقهاء في حكمه، فمنهم من قال بحرمته، ومنهم من كرهه ومنهم من أباحه!! وخلاصة القول فيه أن التدخين حرام، لأن كل علل التحريم متوفرة فيه وهي: ١ - كونه يحدث تفتيرًا وخَدَرًا في الجسم، وقد «نهى النبي ﷺ عن كل مسكر ومُفتِّر» (٣). ٢ - كونها من الخبائث لاسيما وأن هذه العُشبة (التنباك) تُبَل بالخمر ولابد (!!) ولا يتصور عاقل أن «الدخان» من الطيبات، وقد قال تعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (٤). ٣ - أن هذا الدخان قد ثبت ضرره على بدن الإنسان لما فيه من المواد السامة المهلكة كالنيكوتين والقطران وغيرهما مما يتسبب في سرطان الرئة والحنجرة وقد قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٥). وقال سحبانه ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٦) ولا فرق في حرمة المُضرِّ بين كل ضرره دفعيًّا -أي: يحصل دفعة واحدة- أو تدريجيًّا.

стр. 1059

٤ - أن فيه إسرافًا وإضاعة للمال، وقد «كره النبي ﷺ إضاعة المال» (١) ولا فرق في إضاعة المال بين إلقائه في البحر أو إحراقه في النار. فائدة: التدخين يُعجِّل في سن اليأس للمرأة (٢): فقد نشرت مجلة «لافست» الطبية مقالاً عن الدخان جاء فيه: «لقد توصلت دراسة أمريكية حديثة إلى نفس النتيجة التي توصل إليها العلماء في بريطانيا، وهي أن المدخنات من النساء عرضة لبلوغ سن اليأس في وقت مبكر، والتجارب الأمريكية على (٣٥٠٠) امرأة في منتصف العمر أكدت هذه النتيجة» اهـ. آداب الشرب: ١ - التسمية قبل الشرب. ٢ - الشرب باليمين: وقد تقدم الدليل عليهما في آداب الطعام. ٣ - أن يشرب جالسًا، ويجوز قائمًا: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشربنَّ أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقيء» (٣). والنهي محمول على كراهة التنزيه، فقد ثبت عن ابن عباس «أن النبي ﷺ شرب من زمزم من دلو منها وهو قائم» (٤). ٤ - أن يشرب على ثلاث مرات، يتنفس بينها خارج الإناء: فقد كان النبي ﷺ إذا شرب تنفَّس بنفسين أو ثلاثة يفصل فاه عن الإناء ويقول: «إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ» (٥). ٥ - أن لا يتنفس أو ينفخ في الإناء: فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في الإناء» (٦).

стр. 1060

وعن ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه» (١). ٦ - أن لا يشرب من فم القربة أو الزجاجة ونحوها: فعن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من فيِّ السِّقاء» (٢). لأن الماء يتدفق وينصبُّ في حلقه دفعة واحدة، وهو يورث الكباد، ويضر بالمعدة، ولا يتميَّز في دفق الماء وانصبابه القذاة ونحوها (٣). ٧ - البدء بالأيمن فالأيمن عند سقاية القوم: عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن» (٤). وعن سهل بن سعد، قال: «أُتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه» (٥). ٨ - أن يكون ساقي القوم آخرهم شربًا: لحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «إن الساقي آخرهم شربًا» (٦). ٩ - حمد الله بعد الفراغ من الشرب: لقوله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يشرب الشربة فيحمده عليها» (٧). الآنية وما يتعلَّق بها ١ - الأصل في الآنية أنه يحل استعمالها إلا ما ورد النص بتحريمه: لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٨).

стр. 1061

٢ - لا يجوز الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو الفضة: لقول النبي ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١). وقال ﷺ : «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر (٢) في بطنه نار جهنم» (٣). ٣ - آنية الكفار إذا لم يوجد غيرها، تُغسل ويؤكل فيها: لقول النبي ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: «... أما ما ذكرت من أنك بأرض قوم أهل كتاب تأكل في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ...» (٤). ٤ - يستحب تغطية الآنية وإيكاء القِرَب ونحوها والتسمية عليها قبل النوم: لقول النبي ﷺ : «إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم، واذكر اسم الله، وخمِّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت» (٥).

стр. 1062

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة تأليف أبي مالك كمال بن السيد سالم الجزء الثالث الطبعة الثانية عشر

стр. 1063

٩ - كتاب اللباس والزينة وأحكام النظر

стр. 1064

أولًا: اللباس والزينة للرجال * وجوب ستر العورة: العورة لغة: كل خلل يتخوف منه من ثغر أو حرب، والعورة كل مكمن للستر، وعورة الرجل والمرأة: سوأتهما (١). والعورة اصطلاحًا: "كل ما حرَّم الله تعالى كشفه أمام من لا يحل النظر إليه" (٢). وقد أوجب الشرع حفظ العورات وسترها عمن لا يحل له النظر إليها: ١ - قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (٣). وقد كان العرب في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، حتى بعث الله محمدًا ﷺ ونزلت هذه الآية، وأذن مؤذن رسول الله ﷺ : "أن لا يطوف بالبيت عريان" (٤). قال القرطبي ﵀: والخطاب في الآية لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانًا، فإنه عام في كل مسجد للصلاة، لأن العبرة للعموم لا للسبب. اهـ (٥). ٢ - ونهى الله تعالى الناس عن كشف عورتهم وسماه فتنة، قال تعالى: ﴿يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ...﴾ (٦). ٣ - ولأهمية ستر العورة ومكانتها في الإسلام فقد لازم الشارع بينها وبين التقوى، فقال سبحانه: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير﴾ (٧). ٤ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يارسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك" قلت:

стр. 1065

يارسول الله، فالرجل يكون مع الرجل؟ قال: "إن استطعت أن لايراها أحد فافعل" قلت: الرجل يكون خاليا؟ قال: فالله أحق أن يُستحيا منه من الناس" (١). ٥ - عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضى الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد" (٢). ٦ - بالإضافة إلى الأدلة الكثيرة المتضافرة في وجوب غض البصر وتحريم النظر إلى العورات، ووجوب الاستئذان ونحو ذلك مما سيأتي في موضعه، إن شاء الله. * حدود عورة الرجل: لا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس -إلا ما استثناه الدليل- ولكن ما هو حد العورة بالنسبة للرجل؟ للعلماء في هذا أقوال، يمكن تلخيصها في قولين: الأول: عورة الرجل ما بين السرة والركبة (٣): وهو مذهب الجمهور من المذاهب الأربعة وغيرهم، على اختلاف بينهم في دخول السرة والركبة في العورة، واستدلوا بما يلي: ١ - ما علَّقه البخاري -بصيغة التمريض- عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ قال: "الفخذ عورة" (٤). وفي أسانيدها جميعًا ضعف، لكن يقوي بعضها بعضًا، قال العلامة الألباني ﵀: "لأنه ليس فيها متهم، بل عللها تدور بين الاضطراب والجهالة، والضعف المحتمل، فمثلها مما يطمئن القلب لصحة الحديث المروي بها .... " اهـ.

стр. 1066

٢ - ما رُوي عن علي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" (١) وهو ضعيف جدًا. ٣ - ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة" (٢). ٤ - وعن المسور بن مخرمة ﵁ قال: "أقبلت بحجر ثقيل أحمله، وعليَّ إزار خفيف، فانحلَّ إزاري ومعي الحجر لم أستطع وضعه حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فَخُذْهُ، ولا تمشوا عراة" (٣). الثاني: العورة هي القُبُل والدُّبر فقط: وهو رواية أخرى عن أحمد، ورواية في مذهب مالك، وبه قال الظاهرية (٤)، واستدلوا على أن الفخذ ليس بعورة بما يلي: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغَلَس، فركب رسول الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبى طلحة، فأجرى رسول الله ﷺ فى زقاق خيبر، وإن ركبتى لتمس فخذ النبى ﷺ ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إنى أنظر إلى فخذ النبى ﷺ " (٥). قال ابن حزم (٦): "فصحَّ أن الفخذ ليست عورة، ولو كانت عورة لما كشفها الله عزوجل عن رسول الله ﷺ المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصبا وقبل النبوة". وأجيب: بأن هذا محمول على أن الإزار انحسر بنفسه، لا بفعله ﷺ ، ولا أنه تعمده، ويدل عليه رواية "الصحيحين": "فانحسر الإزار". ٢ - حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم

стр. 1067

استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوَّى ثيابه، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟! " (١). وأجيب: بأنها واقعة عين وحكاية حال لا تنتهض على معارضة الأحاديث المتقدمة العامة لجميع الرجال!! وكذلك فقد وقع تردد في رواية "مسلم" بين الفخذ والساق، ففي بعض ألفاظه: "كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه"!! والساق ليس بعورة إجماعًا. ٣ - حديث جابر قال: "احتجم النبي ﷺ على وركه من وثء (٢) كان به" (٣). وأجيب: بأن كشف النبي ﷺ وركه للحجام لا يدل على أنه ليس بعورة، لأنه كشف اقتضته ضرورة المعالجة، وهو جائز اتفاقًا. * الراجح: قلت: الذي يظهر أن أدلة الجمهور -القولية- يُعضِّد بعضها بعضًا وترتقي إلى درجة الحجية، وهي مقدَّمة على أدلة الفريق الآخر لأن أدلتهم وقائع أعيان لا عموم لها، وهذا موطن يُقدَّم فيه القول على الفعل بلا تردد، فإن قيل: لم سلكتم مسلك الترجيح ولم تجمعوا، مع أن إعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها؟ قيل: لأن الفخذ إما أن تكون عورة أو لا تكون، ولا وَسَط، فتحتَّم الترجيح، وبهذا يُعلم أن ما جمع به ابن القيم في "تهذيب السنن" واستحسنه الألباني -رحمهما الله- في "الإرواء" (١/ ٣٠١) بين الأحاديث بأن: "العورة عورتان، مخففة ومغلظة، فالمغلَّظة السوأتان، والمحففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة" فهذا غير متجه والله. * ما يباح ويستحب من اللباس للرجال: * أحسن الثياب: البيض: ١ - عن سمرة عن النبي ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" (٤).

стр. 1068

وفي رواية: "عليكم بالبياض من الثياب، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم". قال الشوكاني ﵀: "أما كونه أطيب فظاهر، وأما كونه أطهر فلأن أدنى شيء يقع عليه يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقيًّا، والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب، لما ثبت عنه ﷺ من لبس غيره، وإلباس جماعة من الصحابة ثيابًا غير بيض، وتقريره ﷺ لجماعة منهم على غير لبس البياض" اهـ (١). ٢ - وعن سعد قال: "رأيت بشمال النبى ﷺ ويمينه رجلين عليهما ثياب بيض يوم أُحد، ما رأيتهما قبل ولا بعد" (٢). ٣ - وفي حديث أبي ذر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ... " (٣) الحديث. * ولا بأس بغير البيض: ١ - فعن البراء قال: "كان النبى ﷺ مربوعًا، وقد رأيته فى حُلَّة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منها" (٤). ٢ - وعن عائشة قالت: "خرج رسول الله وعليه مِرْطٌ مرحَّل من شعر أسود" (٥). ٣ - وعن قتادة قال: قلنا لأنس: أي اللباس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: "الحِبَرَة" (٦). والحبرة: بردٌ من برود اليمن من كتان أو قطن محبَّرة أي: مزينة ومخطَّطة. ٤ - وعن أبي رمثة قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب وعليه بُردان أخضران" (٧).

стр. 1069

٥ - والأخضر أكثر لباس أهل الجنة، وقد قال تعالى: ﴿عاليهم ثياب سندس خضر﴾ (١). * أفضل الثياب القميص (٢): فعن أم سلمة ﵂ قالت: "كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القُمُص" (٣). وذلك لأنه أستر للأعضاء من الإزار والرِّداء اللذين يحتاجان كثيرًا إلى الربط والإمساك وغير ذلك بخلاف القميص. * جواز لبس السراويل (البنطلون): لبس السراويل جائز باتفاق العلماء، والأصل في جوازها، حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" (٤). وينبغي أن تكون هذه السراويل (البنطلون) فضفاضة لا تحدد العورة، وإلا لزم أن يُجعل فوقها قميص طويل يستر العورة، وقد جاء عن أبي أمامة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ : "تسرولوا واتَّزروا، وخالفوا أهل الكتاب" (٥). * تنبيه: قد ذهب بعض الفضلاء من أهل العلم في عصرنا إلى كراهة لبس البنطلون والصلاة فيه -كراهة تحريمية- قالوا: لما فيه من التشبه بالكفار!! وقد قال النبي ﷺ لمن جاء وعليه ثوب معصفر: "هذه ثياب الكفار فلا تلبسها" (٦). قلت: لم يعد لبس البنطلون مما يميز الكفار ولا هو شعارهم حتى يحرم لعلة التشبه، وإنما الذي يُشترط فيه هو ما تقدم الإشارة إليه من كونه واسعًا فضفاضًا لا يحدد العورة، وتركه ولبس القميص أولى لما تقدم والله أعلم.

стр. 1070

* استحباب لبس العِمامة: عن جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء" (١) ويستحب أن يُرسل (يُرخِى) العمامة بين الكتفين: من حديث عمرو بن حريث قال: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه" (٢). وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتمَّ سدل عمامته بين كتفيه" (٣). قال النووي: "يجوز لبس العمامة بارسال طرفها وبغير إرساله، ولا كراهة في واحد منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شئ، وإرسالها إرسالًا فاحشًا كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويُكره لغيره" اهـ (٤). * ما نُهي الرجال عن لبسه: * تحريم الثياب الخاصة بالنساء: ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تشبُّه الرجل بالمرأة في اللباس الذي يختص بهن وعكسه، وقد ثبتت النصوص بتحريم مطلق تشبه كلا الجنسين بالآخر فيما يختص به، وهذا يشمل التشبه في اللباس والزينة والكلام والمشي ونحو ذلك، وهذه النصوص: ١ - حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (٥). ٢ - وعن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ لعن الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل" (٦).

стр. 1071

واللعن لا يكون إلا على فعل محرم، وبهذا قال الجمهور. وقال الشافعي: لا يحرم، وإنما يكره!! والأحاديث تردُّ ذلك، ولذا قال النووي ﵀ منصفًا: "والصواب أن تشبه النساء بالرجال وعكسه حرام للحديث الصحيح" (١) اهـ. * تحريم إسبال الثوب وجرِّه خيلاء: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء" (٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا" (٣) أي تكبرًا. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي في حُلَّة تعجبه نفسه مرجِّل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" (٤). وقد دلَّت هذه النصوص وغيرها على تحريم جرِّ الثوب تكبرًا وخيلاء، وأنه من الكبائر. * حكم الإسبال لغير الخيلاء: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أسفل الكعبين من الإزار في النار" (٥). قال الخطابي: "يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة .. " اهـ (٦). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن أحد شِقَّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال: "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" (٧).

стр. 1072

وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم إسبال الثوب تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، قالوا: لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة، فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء!! وهكذا نصَّ الشافعي على الفرق (١). وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: أنا لا أجرُّه خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله لفظًا أن يخالفه، ويقول: تلك العلة ليست فيَّ، فإنها دعوى غير مسلَّمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره (٢). قلت: وهذا الأخير أظهر، ويؤيده حديث جابر بن سليم الطويل، وفيه قوله ﷺ : "وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة" (٣). فجعل مجرد الإسبال من المخيلة المحرمة، فالحاصل أن إسبال الثوب تحت الكعبين حرام ويستحق فاعله أن يُعذَّب، ما تحت الكعبين في النار -كما في حديث أبي هريرة- لكن هذا لا يكون من الكبائر التي تحرمه من نظر الله تعالى إليه يوم القيامة إلا إذا قصد التكبر والخيلاء، لأن العقوبتين -عقوبة قاصد الخيلاء وغيره- قد اختلفتا فلم يجز حمل المطلق على المقيد. وأما حديث أبي بكر، فالظاهر أنه لم يكن مسبلًا وإنما كان يسترخي فيحتاج إلى رفعه، فلا يعكِّر الحديث على ما تقدم، والله أعلم. * هل يدخل في حكم الإسبال تطويل أكمام القميص (٤)؟ الذي يظهر أن من أطال أكمام القميص حتى خرج عن العادة دخل في حكم الإسبال، وقد نقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة.

стр. 1073

قلت: يؤيد هذا حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرَّ شيئًا منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" (١). وقد ذكر ابن القيم أن النبي ﷺ لم يكن من هديه لبس الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه ألبتة، وأنها مخالفة لسُنَّته، وفي جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء، وفيها إضاعة للمال، فقد يفصل من هذا الكم ثوب آخر. * لبس الحرير الخالص: * ذهب الجماهير من أهل العلم -بل نقل بعضهم الإجماع (٢) - إلى أنه يحرم لبس الحرير الخالص على الرجال -إلا لضرورة كما سيأتي- للنصوص المصرِّحة بالتحريم، ومنها: ١ - حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٣) والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة، فقد قال تعالى في أهل الجنة ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ (٤). ٢ - وعن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة" (٥). ٣ - وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ : "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" (٦) أي: من لا نصيب له. ٤ - وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحلَّ لإناثهم" (٧).

стр. 1074

٥ - وقد نقل عن قوم إباحة الحرير للرجال، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عقبة بن عامر قال: أُهدي إلى رسول الله ﷺ فَرُوج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، ثم قال: "لا ينبغي هذا للمتقين" (١) وأجيب: بأن هذا محمول على أنه ﷺ لبسه قبل تحريمه، إذ لا يجوز أن يُظَنَّ به أنه لبسه بعد التحريم في صلاة ولا غيرها. ٢ - حديث المسور بن مخرمة: "أنها قُدمت للنبي ﷺ أقبية، فذهب هو وأبوه إلى النبي ﷺ لشيء منها، فخرج النبي ﷺ وعليه قباء من ديباج مزرَّر، فقال: "يا مخرمة خبأنا لك هذا" وجعل يريه محاسنه، وقال: "أرضيَ مخرمة؟ " (٢). وأجيب: بأن هذا فعل لا ظاهر له، والأقوال صريحة في التحريم، على أنه لا نزاع أن النبي ﷺ كان يلبس الحرير ثم كان التحريم آخر الأمرين (٣). * القدر المباح من الحرير في الثوب: يُباح لبس الرجل للثوب إذا كان به عَلَم بمقدار أربع أصابع فما دون من الحرير، عند جمهور العلماء، لحديث أبي عثمان قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان: "أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصفَّ لنا النبي ﷺ إصبعيه" (٤). وفي لفظ لمسلم: "نهى عن لُبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" (٥). فإن زاد علم الحرير في الثوب على أربعة أصابع حَرُم. * إباحة لبس الحرير عند الضرورة (٦): ذهب الجمهور -خلافًا للمالكية ورواية عن أحمد- إلى جواز لبس الحرير عند الضرورة كحالة المرض أو الحكة ونحو ذلك، لحديث أنس قال: "رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكَّة بهما" (٧).

стр. 1075

وذهب المالكية -وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة- إلى أنه لا يجوز للحكَّة ونحوها على الأصل، وأن الرخصة كانت خاصَّة بالصحابيين ﵄ (!!). والصحيح قول الجمهور، لأن الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى، تعدَّت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه، والله أعلم. * لا يجوز افتراش الحرير: فعن حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" (١) وبه قال الجمهور -خلافًا لأبي حنيفة- لأن سبب تحريم اللبس موجود في الجلوس، ولأنه إذا حرم اللبس مع الحاجة فغيره أولى، هذا حكم الذكور، وأما الإناث فجائز لهن كاللبس. * تحريم ثوب الشهرة: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله مذلَّة يوم القيامة [ثم ألهب فيه نارًا] " (٢). قال ابن الأثير: الشهرة ظهور الشيء، والمراد أنه ثوب يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر. اهـ. * هل يكره للرجل لبس الأحمر؟ اختلف أهل العلم في حكم لبس الرجل للثوب الأحمر على الأقوال -حصرها الحافظ في سبعة أقوال- ويمكن تلخيصها في قولين (٣): الأول: يُكره لبس الثوب الأحمر: وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وحجتهم ما يلي: ١ - حديث البراء بن عازب قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه بسبع ونهانا عن سبع -فذكر منها-: المياثر الحمر" (٤) وفي رواية من حديث عمران بن حصين: "نهى عن ميثرة الأرجوان" (٥).

стр. 1076

والمياثر: وسائد صغيرة حمراء يجعلها الراكب -من الأعاجم- تحته. وأجيب: بأن الدليل أخصُّ من الدعوى، وغاية ما فيه تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها مع ثبوت لبس النبي ﷺ للأحمر مرات كما سيأتي؟! على أنه يحتمل أن يكون النهي عنها إنما لأنها كانت تتخذها العجم من ديباج وحرير. ٢ - ما يُروى عن عبد الله بن عمرو قال: "مرَّ على النبي ﷺ رجل عليه ثوبان أحمران" فسلَّم عليه، فلم يرد النبي ﷺ " (١) وهو ضعيف. ٣ - وعن امرأة من بني أسد قالت: "كنت يومًا عند زينب امرأة رسول الله ﷺ ونحن نصبغ ثيابها بمغرة -والمغرة صباغ أحمر- قالت: فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله ﷺ ، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب علمت أنه ﷺ قد كره ما فعلت وأخذت فغسلت ثيابها ودارت كل حمرة، ثم إن رسول الله ﷺ رجع فاطلع فلما لم ير شيئًا دخل" (٢) وهو ضعيف. ٤ - ما رُوي عن رافع بن يزيد الثقفي مرفوعًا: "إن الشيطان يحب الحمرة، وإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة" (٣) وهو ضعيف كذلك. الثاني: يجوز لبس الأحمر، وهو مذهب المالكية والشافعية، وحجتهم: ١ - حديث البراء بن عازب قال: "كان النبي ﷺ مربوعًا، وقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا أحسن منها" (٤). ٢ - وعن جابر بن سمرة قال: "رأيت النبي ﷺ في ليلة إضحيان (٥) فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر وعليه حلة حمراء، فإذا هو عندي أحسن من القمر" (٦). وقد أجاب الأوَّلون: بأن الحلة الحمراء التي لبسها النبي ﷺ لم تكن حمراء بحتًا وإنما خالطه غير الأحمر.

стр. 1077

* الراجح: الذي يظهر لي أن أدلة الأولين القائلين بالكراهة ليست قوية، والظاهر أنه لا بأس بلبس الأحمر، لكن لو ترك الأحمر الخالص القاني الذي لم يخالطه غيره لكان أولى وأحوط خروجًا من الخلاف، والله أعلم. * الثوب المعصفر: عن عبد الله بن عمرو قال: رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من لباس الكفار، فلا تلبسها" (١). وفي رواية قال: "أَأُمُّك أمرتك بهذا؟! " قلت: أغسلها، قال: "بل أحرقها" وقوله: (أأمك أمرتك بهذا؟) معناه: أن هذا من لباس النساء وزيِّهن، وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما، فقيل: هو عقوبلا وتغليظ لزجره، وزجر غيره عن مثل هذا الفعل (٢). وعن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن لُبْس القَشِّىِّ، والمعصفر، عن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع" (٣). وقد اختلف أهل العلم في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بالعصفر -صبغ أصفر- فأباحها جمهور العلماء، منهم الشافعي وأبو حنيفة ومالك!! وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه لما ثبت عن ابن عمر قال: "رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة" (٤) وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي. وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج والعمرة ليكون موافقًا لحديث ابن عمر فيما يحرم على المحرم لبسه!! (٥) قلت: الأظهر أنه لا يجوز لُبس الثوب المصبوغ بالعصفر للأحاديث الثابتة، لاسيما ما كان منها فاقعًا يشبه لباس النساء، ولذا قال البيهقي ﵀: "لو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها، إن شاء الله ... " اهـ.

стр. 1078

وأما حديث ابن عمر فليس فيه ذكر المصبوغ فيحتمل أن يكون النبي ﷺ صبغ الشعر أو الثوب، على أنه قد يُحمل الصفرة في حديث ابن عمر على ما لم تكن فاقعة تشابه ثياب النساء، والله أعلم. * الثوب الذي فيه صليب: عن عائشة: "أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه" (١). * الثوب المصنوع من جلود السباع: كالأسد والنمر والفهد ونحوها، سواء كان في الملابس أو في الأحذية، لقول النبي ﷺ : "لا تركبوا الخز ولا النمار" (٢) وإنما نهى عن استعمالها لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه زي الأعاجم (٣). * من آداب اللباس: ١ - الاهتمام بحسن الثياب لمن وَجَدَه: فعن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: "ألك مال؟ " قال: نعم، قال: "من أي المال؟ " قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: "فإذا آتاك مالًا فَلْيَرَ أثر نعمته عليك وكرامته" (٤). وقال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ...﴾ (٥). ليس هذا من الكبر، فعن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَر الحق، وغمط الناس" (٦). ٢ - عدم الإسراف في اللباس: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (٧).

стр. 1079

وقال النبي ﷺ : "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا، ما لم يخالطه إسراف ولا مَخِيلَة" (١). ٣ - الدعاء عند لُبس الثوب الجديد: عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه: عمامة أو قميصًا أو رداءً، ثم يقول: "اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرِّه وشر ما صنع له" (٢). ٤ - الابتداء باليمين في اللبس: فعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره، وفي شأنه كله" (٣). ٥ - عدم المشي في نعل واحدة: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا، أو ليحفهما جميعًا" (٤). والكراهة في هذا -والله أعلم- لأجل الشهرة، فإن هذا مما يلفت الأنظار، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيَّر صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب (٥). ٦ - عدم الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، لمن ليس عليه سراويل: فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا يستلقين أحدكم، ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى" (٦).

стр. 1080

ومحل النهي أن لا يكون تحت ثوبه سراويل تستر عورته، فعن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يحتبي الرجل في صوب واحد، ليس على فرجه منه شيء" (١). والاحتباء: أن ينصب الرجل ساقيه ويدير عليهما ثوبه أو يعقد يديه على ركبتيه معتمدًا على ذلك. أما إذا كان يلبس ما يستر عورته، فلا حرج، فعن عبد الله بن زيد أنه: "رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى" (٢). * من أحكام الزينة للرجال: ١ - زينة الشعر: * استحباب إكرام الشَّعر: يستحب لمن كان له شعر أن يحافظ على نظافته وحسن مظهره، فيكرمه ويرجِّله (يسرِّحه) ويدهنه ونحو ذلك. فعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه" (٣). ولا ينبغي أن يترك شعره حتى يفحش ويثور، بل عليه أن يدهنه ويسكنه في بالماء ونحوه ويسرِّحه، فقد رأى النبي ﷺ رجلًا أشعث فقال: "أما كان يجد ما يسكم به شعره؟ " (٤). ويستحب أن يبدأ -في تسريحه- بالشق الأيمن من الرأس لما تقدم عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في طهوره وتنعله وترجله" (٥). فإن كان يعتني بشعره، فيستحب أن يطيله ويسدله إلى منكبيه، فعن أنس: "أن النبي ﷺ كان يضرب شعر رأس منكبيه" (٦). وعن عائشة قالت: "كان لرسول الله ﷺ شعر دون الجُمَّة، وفوق الوفرة" (٧).

стр. 1081

والجُمَّة: ما تدلَّي إلى المنكبين، والوفر: ما بلغ شحمة الأذنين. ولا ينبغي إطالة الشعر فوق هذا القدر، لأمرين: الأول: لدخوله في التشبُّه بالنساء. الثاني: لما رُوي عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله عليه وسلم: "نعم الرجل خزيم الأسدي، لولا طول جُمَّته وإسبال إزاره" فبلغ خزيمًا، فعجَّل، فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه (١). * تنبيه: وأما ما ثبت أن النبي ﷺ : "نهى عن الترجُّل إلا غبًّا" (٢) فالمراد به: ترك المبالغة في الترفه، والله أعلم. * النهي عن نتف الشيب: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة" (٣). وعن أنس قال: "كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته" (٤). * صبغ الشعر: ويُشرع تغيير الشيب بصبغ -غير الأسود- فعن جابر قال: أُتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال النبي ﷺ : "غيِّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" (٥). وقد أمر النبي ﷺ بمخالفة اليهود والنصارى فقال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (٦) ويكون هذا بالحناء والكتم ونحوهما، قال ﷺ : "إن أحسن ما غُيِّر به الشيب: الحناء والكتم" (٧).

стр. 1082

وأما الصبغ بالأسود فلا يجوز، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" (١) ولما تقدم من قوله ﷺ : "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" (٢). * فائدة: إنما نهى عن النتف دون الخضب; لأن فيه تغيير الخلقة عن أصلها، بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه. وقيل: شرع ستر الشيب بالخضاب لمصلحة أخرى دينية وهي إرغام الأعداء وإظهار الجلادة لهم (٣). * تحريم حلق اللحية: حلق اللحية -للرجل- حرام بإجماع من يُعتد بخلافه من أهل العلم، لأن في خلقها تغييرًا لخلق الله، وطاعة للشيطان، ومخالفة لأمره ﷺ بإعفائها وإرخائها، ومشابهة للكفار، ومشابهة للنساء، وقد تقدمت الأدلة على ذلك في أول "كتاب الطهارة". * قص الشارب وحَفُّهُ: قص الشارب من سنن الفطرة المأمور بها، وهو من تمام زينة الرجال، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الآباط" (٤). وقال ﷺ : " ... أحفوا الشوارب" (٥) وفي رواية: "جُزُّوا الشوارب ... " (٦). بل قال ﷺ : "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (٧). والمراد هنا: قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، واستئصال

стр. 1083

ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها بحيث لا يؤذي الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ، وقيل: المراد: استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، وكلا القولين تحتمله الأدلة ويحصل به مخالفة المجوس والأمن من التشويش على الآكل، واجتماع الوسخ والله أعلم. وينبغي ألا يترك الشارب أكثر من أربعين يومًا، لحديث أنس قال: "وُقِّت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة" (١). * النهي عن القزع: عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن القزع" (٢). والقزع: حلق بعض الرأس وترك بعضها، وقد افتتن بهذا كثير من الشباب تقليدًا لليهود والنصارى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٢ - زينة الخاتم ونحوه: * تحريم خاتم الذهب على الرجال: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب، فكان يجعل فصَّه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: "إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصَّه من داخل" فرمى به، ثم قال: "والله لا ألبسه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم (٣). ٢ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن خاتم الذهب" (٤). ٣ - وعنه أن النبي ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، فقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟! " فقالوا للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك فانتفع به، قال: لا، والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ (٥). ٤ - وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا" (٦).

стр. 1084

٥ - وقد تقدم حديث عليٍّ أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحلَّ لإناثهم" (١). فعُلم من هذه النصوص وغيرها تحريم التختم بالذهب على الرجال، فهلَّا استجاب الكثيرون من المسلمين لهذا، وألقوا "دبلة" الذهب التي ابتُلوا بها تقليدًا للكفار، وتقديسًا -زعموا- للحياة الزوجية!! * لا بأس بخاتم الفضة: يشرع لبس خاتم الفضة للرجال، فعن أنس قال: "اتخذ النبي ﷺ خاتمًا من فضة نقشه: محمد رسول الله، فكأني بوبيص -أو بيصيص- الخاتم في إصبع النبي ﷺ أو في كفه" (٢). * تنبيه: يُكره للرجل لبس الخاتم في الإصبع الوسطى أو السبابة: فعن أبي بردة قال: قال علي ﵁: "نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في إصبعي هذه وهذه" قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها (٣). وفي لفظ: " .. وأشار إلى السبابة والوسطى". قال النووي ﵀: "وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في الأصابع كلها، قالوا: والحكمة في كونه في الخنصر أنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد لكونه طرفا، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث، وهي كراهة تنزيه ... " اهـ (٤). * هل يباح شيء من الذهب للضرورة؟ عن عبد الرحمن بن طرفة عن جده عرفجة بن أسعد: "أنه أصيب أنفُهُ يوم الكُلَاب في الجاهلية، فاتَّخذ أنفًا من وَرِق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذَهَبٍ" (٥).

стр. 1085

قال الخطابي: "فيه استباحة استعمال اليسير من الذهب للرجال عند الضرورة كربط الأسنان به وما جرى مجراه مما لا يجري غير فيه مجراه" اهـ (١). وبهذا قال أكثر العلماء، قلت: أما ما كان لغير ضرورة فهو باق -في حق الرجل- على أصل التحريم، فلا يجوز تركيب الأزرار الذهبية في الثياب!! ولا لبس الساعات الذهبية، إذ لا ضرورة تلجئ إلى ذلك، على ما في ذلك من السرف والخيلاء، والله أعلم. هذا في حق الرجال، وأما النساء فالذهب مباح لهن ابتداء ولو لغير ضرورة كما تقدم. ٣ - زينة الكحل للرجال: اكتحال الرجل إذا كان لتقوية البصر، وجلاء الغشاوة عن العين، وتنظيفها وتطهيرها، أو لأجل التطيب، لا بأس به، لا سيما إذا كان بالإثمد الأصلي، لقول النبي ﷺ : " ... وإن خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر" (٢). وأما التكحل لأجل التزين والتجمل فلم يثبت فيه حديث -فيما أعلم- وقد روي "أن النبي ﷺ كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات، واليسرى مرتين" ولا يثبت. فالذي يظهر أنه ليس من السنة كما يعتقده كثير من الناس. قال العلامة ابن عثيمين ﵀: "وأما الرجال: فمحل نظر، وأنا متوقف فيه، وقد يفرق فيه بين الشباب الذي يخشى من اكتحاله فتنه، فيمنع، وبين الكبير الذي لا يخشى ذلك من اكتحاله فلا يمنع" (٣) اهـ. قلت: وأما المرأة فهو مطلوب لها في تجملها لزوجها كما سيأتي. ٤ - الخضاب للرجال: * النهي عن التزعفر: الزعفران: نبات أصفر يصبغ به الثياب ويتخذ طيبًا للنساء يُطلى به الجسم، ولا يجوز للرجل استعماله، فعن أنس قال: "نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل" (٤).

стр. 1086

وعن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ" (١). والخلوق: طيب يتخذ من الزعفران وغيره. * وهل يخضب الرجل يديه ورجليه بالحناء ونحوهما؟ عن أبي هريرة قال: أُتي النبي ﷺ بمخنَّث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي ﷺ : "ما بال هذا؟ " فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنُفي إلى البقيع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: "إني نهيت عن قتل المصلين. (٢) " قال الحافظ: "وأما خضب اليدين والرجلين، فلا يجوز للرجال إلا في التداوي ... " (٣) اهـ. قلت: وأحاديث النهي عن التضمخ بالزعفران تؤيد ذلك، وأما حديث أنس: "أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، فسأله النبي ﷺ ، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار ... " الحديث (٤)، فلا يسلم الاستدلال به على جواز الخضاب للرجل، فقد قال النووي ﵀: "إن الصفرة تعلقت به من جهة زوجته" اهـ (٥). وعلى هذا، فإن ما يفعله كثير من الرجال في "ليلة الحنة" قبل العُرس من خضاب اليدين والرجلين لا يجوز، والله أعلم. ٥ - زينة الطِّيب: الطيب من الزينة المستحبة، قال ﷺ : "إن خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه" (٦). وعن عائشة قالت: "كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته" (٧).

стр. 1087

قال ابن بطال: "يؤخذ منه أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه بخلاف طيب النساء، لأنهن يطيبن وجوههن ويتزين بذلك بخلاف الرجال، فإن تطيب الرجل في وجهه لا يشرع لمنعه من التشبه بالنساء" اهـ (١). وأطيب الطيب المسك كما قال النبي ﷺ (٢). * الطيب لا يُرَدُّ: عن أنس: أنه كان لا يردُّ الطيب وزعم: "أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب" (٣). وقال ﷺ : "من عُرض عليه ريحان فلا يردَّه، فإنه خفيف المحمل طيب الريح" (٤) وسيأتي طرف مما يتعلق بالطيب عند "طيب النساء". ثانيًا: اللباس والزينة للنساء (٥) لباس المرأة المسلمة ١ - لباس المرأة أمام الأجانب (٦): (أ) النهي عن التبرج والوعيد عليه: التبرج: أن تبدي المرأة زينتها ومحاسنها وما يجب أن تستره مما تستدعى به شهوة الرجال. قال تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ (٧). وجاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولاتزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى" (٨).

стр. 1088

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات (١) مميلات مائلات (٢)، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة (٣) لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٤). (ب) شروط لباس المرأة المسلمة، وهي ثمانية (٥): الشرط الأول: أن يستر جميع البدن، إلا أنه اختلف في الوجه والكفين: قال الله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ (٧). واعلم أن العلماء قد اتفقوا على أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها، وإنما حصل الاختلاف -المعتبر- في الوجه والكفين. * فذهب طائفة من العلماء إلى أنه يجب عليها ستر وجهها وكفيها: واستدلوا لذلك بجملة أدلة منها (٨): ١ - قول الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ (٩). وقد نزلت الآية لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش ودعا القوم فطمعوا ثم

стр. 1089

خرجوا وبقي منهم رهط أطالوا المكث عند رسول الله ﷺ فحرج النبي ﷺ وزينب معه ثم دخل مرارًا كي يخرجوا، فنزلت الآية فضرب بينهم وبينه سترًا (١). فقال الموجبون لستر الوجه: إن هذا الخطاب يدخل فيه النساء جميعًا لاشتراك الجميع في العلة وهي طهارة القلوب. ٢ - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ (٢) وفسروا الإدناء في الآية بستر جميع الوجه وإظهار عين واحدة تبصر بها. ٣ - حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" (٣). ومعنى استشرفها الشيطان: زينها في نظر الرجال. ٤ - حديث الإفك وفيه: " ... وكان صفوان بن المعطل السلمي، من وراء الجيش، فأدلج عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ... " (٤). ٥ - حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام" (٥). * بينما ذهب طائفة أخرى من العلماء إلى أنه يجوز كشف الوجه والكفين، وأن سترهما مستحب وليس بواجب، واستدلوا لذلك بجملة أدلة ومن ذلك (٦): ١ - قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ (٧) فقالوا: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي: الوجه والكفين (٨)

стр. 1090

٢ - حديث عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه (١). وهذا أصرح أدلة هذا القول، لكن إسناده ضعيف جدًّا. -واستدلوا كذلك بجملة أدلة تفيد أن النساء المسلمات كن يُظهرن الوجه أو الكفين بحضرة النبي ﷺ ولم ينههن، ومن ذلك: ٣ - حديث جابر بن عبد الله في وعظ النبي ﷺ للنساء يوم العيد، وفيه: " ... فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدَّين، فقالت: لم يا رسول الله؟ ... " الحديث (٢). قالوا: فقول جابر (امرأة سفعاء الخدين) دليل على أنها كانت كاشفة لخدَّيها. ٤ - حديث ابن عباس في قصة إرداف النبي ﷺ للفضل بن عباس في حجة الوداع واستفتاء المرأة للنبي ﷺ وفيه: " ... فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، فأخذ النبي ﷺ بذقن الفضل، فحوَّل وجهه إلى الشق الآخر" (٣). وفي رواية أخرى من حديث علي بن أبي طالب أن ذلك كان عند المنحر بعدما رمى رسول الله ﷺ الجمرة (٤)، أي أن سؤال المرأة كان بعد التحلل من الإحرام (التحلل الأصغر). قال ابن حزم: "ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء" اهـ. ٥ - حديث عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة
следующие страницы →