← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي الاصطلاح: استعمال الماء على أعضاء مخصوصة (الوجه واليدين والرأس والرجلين) يرفع به ما يمنع الصلاة ونحوها. وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع: (أ) فأما الكتاب، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١). (ب) وأما السنة، فمن ذلك: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقبَلُ صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). ٢ - وعن ابن عمر قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلول» (٣). ٣ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما أُمرتُ بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (٤). ٤ - وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٥). (جـ) وأما الإجماع، فقد اتفق علماء الأمة على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد السبيل إليها (٦). من فضائل الوُضوء: (أ) أنه يعتبر نصف الإيمان: كما في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان ....» (٧).

стр. 107

(ب) أنه يكفِّر صغائر الذنوب: ١ - فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضَّأَ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إلهيا مع قطر الماء - أو مع آخر قطر الماء-، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» (١). ٢ - وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من توضأ هكذا غفر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» (٢). ويتأكد هذا الفضل والثواب لمن صلى عقب هذا الوضوء فريضة أو نافلة: ٣ - ففي حديث عثمان -في صفة وضوء النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فصلى ركعتين لا يحث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). (جـ) أنه يرفع درجات العبد: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدراجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٤). (د) أنه سبيل إلى الجنة: ١ - فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، إني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة». قال: «ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (٥).

стр. 108

٢ - وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين، يُقبِل عليهما بقلبه ووجهه، وجبت له الجنة» (١). (هـ) أنه علامة تميِّز هذه الأمة عند ورود الحوض: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا -إن شاء الله- بكم عن قريب لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت من أمتك يا رسول الله؟ قال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ محجَّلة بين ظَهْري خيل دُهْم بهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غُرًّا مُحجَّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليَادَنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال أناديهم ألا هَلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا» (٢). والغرة: اللمعة البيضاء تكون في جبهة الفرس، والمراد هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ ، والتحجيل: بياض يكون في ثلاثة قوائم من قوائم الفرس، والمراد به أيضًا: النور (٣). (و) أنه نور للعبد يوم القيامة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمنين حيث يبلغ الوضوء» (٤) والحلية هي: النور يوم القيامة. (ز) أنه حلٌّ لعقدة الشيطان: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّتْ عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (٥).

стр. 109

صفة الوضوء الكامل (إجمالاً): عن حُمران مولى عثمان أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرارٍ، فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق [واستنثر] ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١). ومن هذا الحديث وغيره -مما سيأتي تفصيله- يمكن أن نلخص صفة الوضوء فيما يأتي: ١ - ينوي الوضوء لرفع الحدث. ٢ - يذكر اسم الله تعالى. ٣ - يغسل كفيه ثلاث مرات. ٤ - يأخذ الماء بيمينه فيجعله في فمه وأنفه -من غرفة واحدة- فيتمضمض ويستنشق. ٥ - ثم يستنثر بشماله، يفعل هذا ثلاث مرات. ٦ - يغسل وجهه كله ثلاث مرات مع تخليل لحيته. ٧ - بغسل يديه - اليمنى ثم اليسرى- إلى ما فوق المرفقين مع تخليل أصابع اليدين. ٨ - يمسح رأسه كله مدبرًا ومقبلاً مرة واحدة. ٩ - يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. ١٠ - يغسل قدميه مع الكعبين -اليمنى ثم اليسرى- مع تخليل أصابع القدمين. النية شرط (٢) لصحة الوضوء: يشترط لصحة الوضوء: النية، وهي عزم القلب على فعل الوضوء امتثالاً

стр. 110

لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما هو الشأن في سائر العبادات المحضة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١). وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ...» (٢) وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود (٣). بينما ذهب أبو حنيفة إلى أن الوضوء لا يشترط له النية (٤) بناء على أنه عبادة معقولة وليست مقصودة لذاتها فأشبهت طهارة الخبث، وقول الجمهور هو الصواب، «لأن النص قد دلَّ على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب لغير مَنْوى إجماعًا، ولأنه عبادة لا تعلم إلا بالشرع فكانت النية شرطًا فيها» (٥). النية محلها القلب: قال شيخ الإسلام (٦) ﵀: محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين في جميع العبادات: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والعتق والجهاد وغير ذلك ... اهـ. فلا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وتعزيره بعد تعريفه لا سيما إذا آذى به وكرره، والجاهر بالنية مسيء، ولو اعتقده دينًا وتعبد الله بالنطق بها فقد ابتدع، فإن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنية مطلقًا، ولم يحفظ عنهم ذلك، ولو كان مشروعًا لبينه الله على لسان رسوله ﷺ ثم إنه ليس هناك حاجة إلى التلفظ بالنية لأن الله يعلم بها (٧). فوائد: ١ - قال شيخ الإسلام: «.. ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى لا بما لفظ، ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجز ذلك باتفاق أئمة المسلمين، فإن النية هي جنس القصد والعزم ...» اهـ.

стр. 111

٢ - إذا اجتمعت أحداث توجب الوضوء (كما لو بال ثم تغوط ثم نام ...) فإن نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع -على الصحيح- لأن الحدث وصف واحد وإن تعددت أسبابه (١). ٣ - الأَوْلى أن ينوي المتوضئ رفع الحدث مطلقًا خروجًا من خلاف العلماء في إجزاء بعض صور النية عن سائرها، وهذه الصور هي: أن ينوي رفع الحدث، أو أن ينوي الطهارة لما تجب له، أو أن ينوي الطهارة لما تسن له، أو أن ينوي تجديد الوضوء المسنون (٢). أركان الوضوء أركان الوضوء هي ما يتركب منه حقيقته، بحيث إذا تخلف ركن منها، بطل الوضوء، ولا يعتد به شرعًا، وهي: ١ - غسل الوجه كله: والوجه: ما تحصل به المواجهة، وحدُّه: من منحنى الجبهة من الرأس (أو من منابت الشرع المعتاد) إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. وغسل الوجه ركن من أركان الوضوء لا يصح بدونه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣). وقد أثبت كل من روى صفة وضوء النبي ﷺ غسل الوجه، وأجمع على هذا أهل العلم. وتجب المضمضة والاستنشاق: المضمضة هي: غسل الفم وتحريك الماء فيه. والاستنشاق هو: إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه. والاستنثار هو: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وهما واجبان -في الوضوء- في أصح أقوال العلماء، وذلك لما يأتي: ١ - أن الله تعالى قد أمر بغسل الوجه -كما تقدم- والفم والأنف منه، ولا موجب لتخصيصه بظاهره دون باطنه فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجهًا، فإن

стр. 112

قلت: قد أُطلق على خرم الفم والأنف اسمٌ خاص فليسا في لغة العرب وجهًا؟! قلنا: وكذلك أطلق على الخدين والجبهة وظاهر الأنف والحاجبين وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة، فلا تسمى وجهًا! وهذا في غاية السقوط لاستلزامه عدم وجوب غسل الوجه (١). ٢ - أن الله تعالى أمر بغسل الوجه مطلقًا وفسَّره النبي ﷺ بفعله وتعليمه، فمضمض واستنشق في كل وضوء توضأه، ولم ينقل عنه أنه أخل به أبدًا مع اقتصاره على أقل ما يجزئ، وفعله ﷺ إذا خرج امتثالاً لأمر كان حكمه حكم ذلك الأمر في اقتضاء الوجوب (٢). ٣ - أنه ثبت الأمر بالاستنشاق والاستنثار من قوله ﷺ : (أ) «من توضأ فليستنثر» وفي رواية: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليستنثر» (٣). (ب) «إذا توضأ أحدكم فليستنشق ...» (٤). (جـ) «... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٥). قال شيخ الإسلام (٦): «.. وتخصيص النبي ﷺ الاستنشاق بالأمر، لا لأنه أولى بالتطهير من الفم، كيف والفم أشرف لأنه محل الذكر والقراءة، وتغيُّره بالخلوف أكثر؟ لكن يشبه -والله أعلم- أن الفم لما شرع له التطهير بالسواك وأوكد أمره، وكان غسله بعد الطعام مشروعًا، وقبل الطعام على قول، علم اعتناء الشارع بتطهيره بخلاف الأنف فإنه ذُكر لبيان حُكْمه خشية أن يُهمل» اهـ. ٤ - أنه قد جاء الأمر بالمضمضة كذلك في أحاديث، أحسنها حالاً: حديث لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأت فمضمض» (٧).

стр. 113

قلت: ولو قال قائل بأن أدلة إيجاب المضمضة والاستنشاق مصروفة إلى الندب بحديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته أنه ﷺ قال للمسيء: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين ...» الحديث (١). فلم يذكر المضمضة أو الاستنشاق فيما أمر الله به، فوافق الآية الكريمة، وذكر الوجه فيهما ليس مجملاً حتى يقال إنه مبين بالسنة. فهذا أيضًا قول قوي ومتجه والله أعلم. فائدة: اعلم أن العلماء اختلفوا في حكم المضمضة والاستنشاق في الطهارتين (الوضوء والغسل) على أربعة أقوال (٢). الأول: أنهما واجبان في الغسل دون الوضوء، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي. الثاني: أنهما سنة في الغسل والوضوء، وبه قال مالك والشافعي والليث والأوزاعي وجماعة. الثالث: أنهما واجبان في كل من الغسل والوضوء، وبه قال عطاء وابن جريج وابن المبارك وإسحاق ورواية عن أحمد، وهو مشهور مذهب الحنابلة. الرابع: أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة سنة فيهما، وبه قال: أحمد -في رواية- وأبو عبيد وأبو ثور وطائفة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر. غسل اللحية وسائر شعر الوجه (٣): إذا كانت الشعور النابتة على الوجه (اللحية والشارب والعنفقة (٤) والحاجبان وأهداب العينين) كثيفة لا تصف البشرة أجزأه غسل ظاهرها، وإن كانت تصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان بعضها خفيفًا والبعض الآخر كثيفًا وجب غسل بشرة الخفيف معه وظاهر الكثيف. وأما ما استرسل من اللحية: فعند أبي حنيفة ورواية عن أحمد أنه لا يجب

стр. 114

غسل المسترسل منها، وإنما يكفيه غسل ما كان على حد الوجه، لأن المراد بالوجه البشرة فقط. وعند الشافعي وظاهر مذهب أحمد أنه يجب غسل المسترسل مهما كان، لأنه نابت في محل الفرض فيدخل في مسمَّاه ظاهرًا، وهو الأظهر والله أعلم. ٢ - غسل اليدين إلى المرفقين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١). وقد أجمع العلماء على وجوب غسل اليدين في الوضوء. واعلم أن «إلى» في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. بمعنى «مع» كقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢). وكقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٣). أي: مع قوتكم، وقال المبِّرد: إذا كان الحد من الجنس المحدود دخل فيه. وعلى هذا فيجب إدخال المرفقين في الغَسل، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لبعض المالكية (٤). ويؤيده فعل النبي ﷺ ، فعن أبي هريرة: «أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (٥). ثم إن القاعدة: «أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» ولا يتم معرفة غسل اليد كاملة إلا إذا أدار الماء على المرفقين (٦). ٣ - مسح الرأس: قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (٧) وقد أجمع العلماء على أن مسح الرأس فرض، واختلفوا في القدر المجزئ منه على ثلاثة أقوال:

стр. 115

الأول: وجوب مسح الرأس كاملاً في حق الرجل والمرأة سواء: وهو مذهب مالك وظاهر مذهب أحمد وجماهير أصحابه وأبي عبيد وابن المنذر واختاره ابن تيمية (١) واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾. والباء للإلصاق، فيكون التقدير: (وَامْسَحُوا رُؤُوسِكُمْ) كما أنه يمسح الوجه للتيمم، لأنهما في التنزيل بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٢) أي جميعها. ٢ - أن هذا الأمر فسَّرته السنة الواردة عن النبي ﷺ أنه لما توضأ مسح رأسه كله، ومن ذلك: حديث عبد الله بن زيد قال: «أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر (٣)، فتوضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين إلى المرفقين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه» (٤) وفي لفظ «ومسح رأسه كله». ٣ - حديث المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ توضأ فمسح على خفيه، ومقدم رأسه وعلى عمامته» (٥) فلو أجزأ مسح مقدم الرأس لما مسح على العمامة فدلَّ على وجوب الاستيعاب. الثاني: يجزئ مسح بعض الرأس: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (٦)، واختلفوا في القدر المجزئ فقيل ثلاث شعرات وقيل ربع الرأس وقيل النصف!! وحجتهم: ١ - أن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ للتبعيض وليست للإلصاق. ٢ - ما ورد عن النبي ﷺ في مسحه على الناصية (مقدم الرأس). الثالث: وجوب مسح الرأس كله للرجل دون المرأة: وهو رواية عن أحمد أنه قال: أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل، كانت عائشة ﵂ تمسح مقدم

стр. 116

رأسها قال ابن قدامة: «وأحمد من أهل الحديث، ولا يستدل بحادثة عين إلا إذا ثبتت عنده إن شاء الله» (١). قلت (أبو مالك): الذي يترجح مما تقدم أنه يجب مسح الرأس كله في الوضوء لقوة أدلته وأما من قال بأن الباء في الآية للتبعيض، فقد أنكره سيبويه في خمسة عشر موضعًا من كتابه، وقال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. اهـ (٢). ثم إنه لم يصح عن النبي ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة (٣). وأما المرأة فلا أعلم دليلاً على التفريق بينها وبين الرجل في ذلك، لكن يجوز لها أن تمسح على خمارها، ولو مسحت مقدم رأسها مع الخمار فهو أولى خروجًا من الخلاف. والله أعلم. فائدة: إذا كان الرأس ملبدًا بحناء ونحوها جاز المسح عليه: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه -كما سيأتي في الحج- فلا يُتكلف نقضه لأجل الوضوء، فإن ما وضع على الرأس من ذلك تابع له، والله أعلم. ٤ - مسح الأذنين: يجب مسح الأذنين مع الرأس، لأنهما منه، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «الأذنان من الرأس» (٤) والحديث ضعيف مرفوعًا على الراجح، لكنه ثابت عن جمع من السلف منهم ابن عمر (٥). ويشهد لذلك الأحاديث التي فيها «أن النبي ﷺ مسح رأسه وأذنيه مرة

стр. 117

واحدة» (١). وهي كثيرة عن عليٍّ وابن عباس والربيِّع وعثمان، قال الصنعاني: «كلهم متفقون على أن مسحهما مع الرأس مرة واحدة، أي: بماء واحد، كما هو ظاهر لفظة «مرة» إذ لو كان يؤخذ للأذنين ماء جديد ما صدق أنه «مسح على رأسه وأذنيه مرة واحدة» وإن احتمل أن المراد أنه لم يكرر مسحهما وأنه أخذ لهما ماء جديدًا فهو احتمال بعيد» اهـ (٢). قلت: وإن أخذ لأذنيه ماءً جديدًا فلا بأس كذلك، لثبوته عن ابن عمر (٣). تنبيه: لا يشرع مسح الرقبة في الوضوء، لأنه لم يصح فيه شيء عن رسول الله ﷺ (٤). ٦ - غسل الرجلين مع الكعبين (٥): وغسل الرجلين واجب عند جماهير أهل السنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (٦). بنصب «أرجلكم» عطفًا على المغسولات. وكل من روى صفة وضوئه ﷺ أثبت غسل الرجلين إلى الكعبين، ومن ذلك حديث عثمان الذي فيه: «... ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ..» (٧). والكعبان داخلان في الغسل، لأن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه -كما تقدم- ويدل على هذا حديث ابن عمر ﵄ قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة فأدركنا وقد أرهَقْنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثًا (٨).

стр. 118

وأما ما ورد من مسحه ﷺ في وضوئه فمحمول على مسح الخفين وهو رخصة كما سيأتي، وقد خالف في هذه المسألة الرافضة وأكثر الشيعة فقالوا بوجوب مسح القدمين دون غسلهما، والصحيح المعمول به الأول، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» (١). تخليل أصابع اليدين والرجلين: الأصابع وما بينهما جزء من محل الفرض فيجب غسلها فإذا لم يتم غسلها إلا بتخليلها وجب تخليلها وإلا فهو مستحب كما سيأتي. ٧ - الترتيب: وهو تطهير أعضاء الوضوء عضوًا عضوًا بالترتيب الذي أمر الله به في الآية الكريمة فيغسل الوجه ثم اليدين ثم يمسح الرأس ثم يغسل القدمين، والترتيب واجب في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وأبي ثور وأبي عبيد والظاهرية (٢). واستدلوا على الوجوب بما يلي: ١ - أن الله تعالى قد ذكر في الآية فرائض الوضوء مرتبة مع فصل الرجلين عن اليدين - وصرفهما الغسل- بالرأس الذي فرضه المسح، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة وهي هنا إيجاب الترتيب (٣). ٢ - أن كل من حكى وضوء رسول الله ﷺ حكاه مرتبًا (٤)، وفِعله مفسر لكتاب الله تعالى. ٣ - لما روى أن النبي ﷺ توضأ مرتبًا ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٥). لكنه حديث ضعيف. وقد ذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي (٦) إلى أن الترتيب مستحب وليس بواجب، وحجتهم:

стр. 119

١ - أن العطف في الآية لا يقتضي الترتيب، وفيما تقدم رد على هذا. ٢ - ما رُوي عن عليٍّ وابن مسعود أنهما قالا: «ما أبالي بأي أعضائي بدأت» (١). ويجاب عن هذا بما قاله الإمام أحمد، كما في «مسائل ابنه عبد الله» (٢٧ - ٢٨): «إنما يعني: اليسرى قبل اليمنى، ولا بأس أن يبدأ بيساره قبل يمينه، لأن مخرجها من الكتاب واحد، قال تعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢). فلا بأس أن يبدأ باليسار قبل اليمين» اهـ. قلت: وإن كان الأولى البدء باليمين ابتاعًا للسنة والله أعلم. ٨ - الموالاة: وهي المتابعة بين أعضاء الوضوء في الغسل بحيث لا يجف العضو قبل غسل ما يليه في الزمان المعتد. وقد ذهب الشافعي في قوله القديم، وأحمد في المشهور، إلى وجوب الموالاة، وكذلك مالك إلا أنه فرق بين من تعمد التفريق وبين المعذور وهو الذي اختاره شيخ الإسلام (٣). ويدل على الوجوب حديث عمر بن الخطاب أن رجلاً توضأ فترك موضع ظُفُر على قدميه، فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع ثم صلى (٤). وفي رواية عن بعض أصحاب النبي ﷺ : «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» (٥).

стр. 120

وذهب أبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى أن الموالاة ليست واجبة وهو رواية عن أحمد وهو مذهب ابن حزم (١)، قالوا: ١ - لأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء، فمن أتى بغسلها فقد أتى بالذي عليه، فرَّقها أو أتى بها نسقًا متتابعًا. ٢ - ولما رواه نافع «أن ابن عمر توضأ في السوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم دُعيِ إلى جنازة فدخل المسجد ثم مسح على خفيه وصلى» (٢). ٣ - ضعَّفوا الحديث الذي فيه الأمر بإعادة الوضوء والصلاة. ٤ - أوَّلوا قوله ﷺ : «ارجع فأحسن وضوءك» بأن المراد الإتمام بغسل ما لم يصبه الماء من القدم. قلت: الفاصل في النزاع -مما تقدم- حديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ الذي فيه الأمر بإعادة الوضوء والصلاة، فمن صححه قال بالوجوب، وإلا فباقي الأدلة محتملة، والذي يظهر لي وجوب الموالاة لهذا الحديث، ولأن الوضوء عبادة واحدة فلا تفرُّق، وأما أثر ابن عمر فظاهر أنه في حال عذر واضطرار فلا يقاس عليها حال الاختيار، والله أعلم. لكن إذا حصل تفريق يسير بين غسل الأعضاء فلا يضر، والله أعلم. سنن الوضوء: ١ - السواك: وقد تقدم استحبابه في «سنن الفطرة». ٢ - التسمية في أوله: التسمية في ذاتها أمر حسن مشروع في الجملة، وقد ورد في التسمية عند الوضوء أحاديث ضعيفة -وإن صححها بعض العلماء- ومن ذلك حديث «ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٣). وثمة أحاديث أخرى ضعيفة جدًّا لا تصلح للاحتجاج، ولذا قال الإمام أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد. اهـ.

стр. 121

قلت: ويؤيد عدم إيجاب التسمية أن من حكوا صفة وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التسمية، وهذا مذهب الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وهو رواية عن أحمد (١). ٣ - غسل الكفين في أوله: لما في حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ : «... فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلها ...» (٢). ٤ - المضمضة والاستنشاق من كفٍّ واحدة ثلاثًا: لما في حديث عبد الله بن زيد في تعليمه وضوء النبي ﷺ : «أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثًا» (٣). ٥ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم: لحديث لقيط بن صبرة مرفوعًا: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٤). ٦ - تقديم اليمنى على اليسرى: ففي حديث ابن عباس في صفة وضوء النبي ﷺ : «... ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ على رجله اليمنى، حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى ...» (٥). وعن عائشة أن النبي ﷺ : «كان يحب التيامن في تنعله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله» (٦). ٧ - غسل الأعضاء ثلاثًا: قد صح عن النبي ﷺ أنه «توضأ مرة مرة» (٧). وأنه «توضأ مرتين مرتين» (٨) وأكمل الوضوء وأتمُّه أن تغسل الأعضاء ثلاثًا، كما فعل النبي ﷺ كما في حديثي عثمان وعبد الله بن زيد، وقد تقدما.

стр. 122

تنبيهان: (أ) مسح الرأس يكون مرة واحدة: فلا يتناوله التثنية والتثليث التي وردت مجملة في أحاديث صفة وضوئه ﷺ ، وأما الروايات التي فيها تثليث مسح الرأس فلا يصح منها شيء، وأما الروايات التي فيها أنه مسح مرتين فهي تأويل لقوله «فأقبل بهما وأدبر» -كما قال ابن عبد البر (١) - ولا يقال في رد اليدين على الرأس في مسحه أنه تكرار لأن التكرار إنما يكون باستئناف أخذ الماء، ثم إن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون الممسوح (٢)، ومن أقوى ما يدل على عدم تكرار مسح الرأس حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي فسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (٣). قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٩٨): «فإن رواية سعيد بن منصور فيها التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدلَّ على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحب، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جميعًا بين الأدلة» اهـ. قلت: وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد -في الصحيح عنه- خلافًا للشافعي ﵏ (٤). (ب) يكره الزيادة على الثلاث لمن أسبغ: الثلاث في أعضاء الوضوء أكمل الوضوء وأتمُّه، ويكره الزيادة عليها، لحديث: «فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» ومحل هذا ما لم تكن هذه الزيادة لتمام نقصان، وأما إن أسبغ وضوءه بالثلاث أو بما دونها فيكره الزيادة على الثلاث وهذا مما لا خلاف فيه (٥).

стр. 123

٨ - تخليل اللحية الكثيفة: تقدم أن اللحية إذا كانت كثيفة لا تصف البشرة فإنه يجزئ غسل ظاهرها، ونزيد هنا أنه يستحب تخليلها بالماء، لحديث أنس: أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي » (١)، وهذا الأمر مصروف إلى الاستحباب بحديث رفاعة بن رافع -المتقدم- في قصة المسيء صلاته. ٩ - دلك الأعضاء: لحديث عبد الله بن زيد قال: «رأيت النبي ﷺ يتوضأ فجعل يَدْلُك ذراعيه» (٢). ١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين: لقوله ﷺ : «أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٣). وإذا كانت الأصابع وما بينها لا تغسل إلا بالتخليل فهو حينئذٍ واجب كما قدمنا. ١١ - الزيادة في الغسل على محل الفرض: يستحب إسباغ الوضوء وزيادة غسل الوجه إلى مقدم الرأس (ويسمى إطالة الغرة) وغسل ما فوق المرفقين والكعبين (ويسمى إطالة التحجيل) ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحجَّلين من آثار الوضوء» قال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٤). وعن أبي هريرة «أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (٥). وعنه قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (٦).

стр. 124

١٢ - الاقتصاد في استعمال الماء: لحديث أنس قال: «كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمُدِّ» (١) والصاع: أربعة أمداد، والمُدُّ: قرابة نصف اللتر المعروف. ١٣ - الدعاء بعد الوضوء: عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ ثم يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (٢). وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رقٍّ ثم طبع بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة» (٣). ١٤ - صلاة ركعتين بعد الوضوء: لحديث عثمان قال: رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح: «يا بلال، أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دُفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة؟» قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طُهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي (٥). يجوز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء: لعدم ورود المانع من ذلك، والأصل الإباحة، فإن قيل: قد ثبت أن ميمونة ﵂ أتت النبي ﷺ -بعد اغتساله- بمنديل فلم ينفض بها وانطلق وهو ينفض يديه» (٦).

стр. 125

فنقول: هذه واقعة عين تحتمل عدة أمور: فإنه إما أن يكون رد المنديل لسبب فيه كعدم نظافته أو أنه يخشى أن يبله بالماء أو غير ذلك، ثم إن إتيانها ﵂ بالمنديل فيه إشعار أن التنشيف كان من عادته (١)، ويتأيد الجواز بما ورد أنه ﷺ : «توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها» (٢). قال الترمذي (٥٤): «وقد رخَّص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كرهه إنما كرهه من قِبَل أنه قيل: إن الوضوء يوزن» اهـ. لا يصح الوضوء مع وضع «المانيكير» على الأظفار (٣): لأنه يمنع نفاذ الماء إلى محل الفرض، أما اللون وحده كالخضاب بالحناء ونحوه فلا يؤثر، وإن كان الأفضل إزالته -كذلك- قبل الوضوء والصلاة، لقول ابن عباس: «نساؤنا يختضبن أحسن خضاب: يختضبن بعد العشاء، وينزعن قبل الفجر» (٤). وعن إبراهيم النخعي -في المرأة تخضب يديها على غير وضوء ثم تحضُرها الصلاة - قال: «تنزع ما على يديها إذا أرادت أن تصلي» (٥). نواقض الوضوء وهي ما يبطل بها الوضوء، وهي: ١ - خروج البول أو الغائط أو الريح من السبيلين: فأما البول والغائط فلقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ (٦) والغائط كناية عن قضاء الحاجة من بول أو غائط، وقد أجمع العلماء على انتقاض الوضوء بخروجهما من السبيلين «القُبُل والدُّبُر» (٧). وأما خروجهما من غير القبل والدبر -كالخروج من جرح في المثانة أو البطن-

стр. 126

فتنازع فيه العلماء، فمن اعتبر الخارج وحده - كأبي حنيفة والثوري وأحمد وابن حزم - قالوا: ينقض الوضوء بكل نجاسة تسيل من الجسد من أي موضع خرجت. ومن اعتبر المخرجين -كالشافعي- قال: ينقض إذا خرج منهما ولو لم يكن نجسًا كالحصاة ونحوها (١). وأما الريح فإن خرجت من الدبر -بصوت أو بدونه- فناقضة للوضوء كذلك إجماعًا ولقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» فقال رجل من حضرموت: ما الحديث يا أبا هريرة؟ قال: فُساء أو ضراط (٢). وإن خرجت الريح من القُبُل، فقال الجمهور (٣): تنقض، وقال أبو حنيفة ووافقه ابن حزم: لا تنقض الوضوء، لأن «الفساء والضراط» اسمان لا يقعان على الريح إلا إن خرجت من الدبر (٤). قلت: إن وجد الريح التي تُعرف فهي ناقضة سواء خرجت من القبل أو الدبر، وإلا فمن الدبر وحده. تنبيه: قد تحس المرأة بشيء يشبه الريح ينبعث من الفرج، فهذا اختلاج -أي: انجذاب وتحرك- وليس بريح خارجة، فلا تنقض وضوءها إذ هي بمنزلة الجشاء ونحوه، لكن إن كانت المرأة مفضاه -وهي التي اختلط مسلك بولها وغائطها- فإنها تتوضأ احتياطًا لاحتمال أن يكون خروج الريح من الدبر. والله أعلم. ٢ - خروج المني والودي والمذي: خروج المني ناقض إجماعًا ويوجب الغُسل -كما سيأتي- وكل ما يوجب الغسل يبطل الوضوء إجماعًا (٥)، والمذي ناقض لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلاً مذَّاءً، فأمرت رجلاً أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال: «توضأ واغسل ذكرك» (٦) ونحوه الودي، فالواجب فيهما أن يغسل فرجه ويتوضأ،

стр. 127

وقال ابن عباس: «المني والودي والمذي: أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك -أو مذاكيرك- وتوضأ وضوءك للصلاة» (١). فائدة: من كان مُبتلىً بسلس بول أو سلس مذي أو كان يتكرر عنده خروج شيء مما تقدم حتى يشق عليه -لعلة في جسده- فإنه يغسل ما أصاب ثوبه وبدنه ويتوضأ لكل صلاة -كالمستحاضة كما سيأتي- ثم لا يضره ما خرج من صلاته أو فيما بين وضوئه وصلاته. ٣ - النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك: اختلفت الآثار الواردة في الوضوء من النوم وتعارضت ظواهرها، فهناك أحاديث يدل ظاهرها على أنه ليس في النوم وضوء أصلاً، وأخرى يوجب ظاهرها أن النوم حدث، فذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الجمع ومذهب الترجيح، فمن ذهب مذهب الترجيح إما أسقط الوضوء من النوم مطلقًا وقال: ليس بحدث، وإما أوجبه مطلقًا وقال: النوم حدث. ومن ذهب مذهب الجمع قال: النوم ليس حدثًا وإنما هو مظنة للحدث، وهؤلاء اختلفوا في صفة النوم الذي يجب منه الوضوء، فهذه ثلاثة مسالك للعلماء، تفرع منها ثمانية أقوال (٢) وهي: الأول: النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا: وهو محكي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن جبير ومكحول وعبيدة السلماني والأوزاعي وغيرهم، وحجتهم: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «أقيمت الصلاة، والنبي ﷺ يناجي رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم» (٣). ٢ - وعن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلُّون ولا يتوضَّأون» قال: قلت: سمعته من إنس؟ قال: إي والله (٤). وفي لفظ «ينتظرون الصلاة فينعسون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة».

стр. 128

٣ - حديث ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة «فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني قال: فصلى إحدى عشرة ركعة» (١). ٤ - حديث ابن عباس في مبيته عند ميمونة وفيه: «.. ثم نام ﷺ حتى سمعت غطيطه ثم خرج إلى الصلاة» (٢) وفي لفظ «ثم قام فصلى ولم يتوضأ». الثاني: النوم ينقض الوضوء مطلقًا: لا فرق بين قليله وكثيره، وهو مذهب أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وابن المسيب والزهري والمزني وابن المنذر وابن حزم، وهو اختيار الألباني: ١ - لحديث صفوان بن عسال قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة» (٣) قالوا: فعمَّ ﷺ كلَّ نوم ولم يخص قليله من كثيره، ولا حالاً من حال، وسوَّى بينه وبين الغائط والبول. ٢ - ولما رُوى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ : «العينان وكاء السَّه (٤)، فمن نام فليتوضأ» (٥) وهو ضعيف. ٣ - حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» (٦). وقد استدل به البخاري في «صحيحه» على إيجاب الوضوء من النوم، والذي يظهر لي أن في الاستدلال به على ذلك نظرًا، فإن جعل العلة من الانصراف من الصلاة لأجل النوم هي خشية أن يدعو على نفسه أو

стр. 129

يتكلم بما لا يعلم وأن لا يحضر قلبه فينتفي الخشوع، وهذا لا تعلق له بالوضوء من النوم، بل ربما استدل به القائلون بعدم النقض بالنوم، فلينظر. ٤ - قالوا: أهل العلم مجمعون على إيجاب الوضوء على من زال عقله بجنون أو أغمى عليه على أي حال كان ذلك منه، فكذلك النائم. الثالث: كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض: وهذا قول مالك ورواية عن أحمد وبه قال الزهري وربيعة والأوزاعي (!!)، وقد حملوا حديث أنس في نوم الصحابة على النوم القليل، واستدلوا بحديث أبي هريرة: «من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء» (١). والصحيح أنه موقوف عليه، وحديث ابن عباس: «وجب النوم على كل نائم إلا من خفق رأسه خفقة أو خفقتين» (٢). الرابع: لا ينقض النوم إلا إذا نام مضطجعًا أو متكئًا: وأما من نام على هيئة من هيئات الصلاة كالراكع والساجد والقائم والقاعد فلا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو لم يكن. وهو قول حماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وداود وقول للشافعي، وحجتهم: ١ - ما رُوى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه» (٣) وهو ضعيف لا يصح. ٢ - حديث أنس عن النبي ﷺ : «إذا نام العبد في سجوده باهى الله تعالى به الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي» (٤) وقاسوا سائر هيئات المصلي على السجود، قلت: وهو ضعيف الإسناد، قال البيهقي: ثم ليس فيه أنه لا يخرج من صلاته، والقصد منه -إن صح- الثناء على العبد المواظب على الصلاة حتى يغلبه النوم ... اهـ.

стр. 130

الخامس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد: وعزاه النووي إلى أحمد، ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للانتقاض. السادس: لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروي عن أحمد كذلك. السابع: لا ينقض النوم في الصلاة بحال وينقض خارجها: وهو مروي عن أبي حنيفة للحديث الذي تقدم في القول الرابع. الثامن: لا ينقض إذا نام جالسًا ممكِّنًا مقعدته من الأرض سواء في الصلاة أو خارجها، قل أو كثر: وهو مذهب الشافعي، لأن النوم عنده ليس حدثًا في نفسه وإنما هو مظنة الحدث، قال الشافعي: «لأن النائم جالسًا يكل للأرض فلا يكاد يخرج منه شيء إلا انتبه له» اهـ. فاختاره الشوكاني، قلت: والقائلون بهذا القول حملوا حديث أنس في نوم الصحابة على أنهم كانوا جلوسًا، وقد ردَّه الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥١) بقوله: «لكن في مسند البزار بإسناد صحيح في هذا الحديث: فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة» (١) اهـ. الراجح: أن النوم المستغرق الذي ليس معه إدراك، بحيث لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء من يديه، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فغنه ناقض للوضوء، لأنه مظنة للحدث، سواء كان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو راكعًا أو ساجدًا، لا فرق بين شيء من هذا، فإن كان أصحاب القول الأول يعنون بالنوم هذا النوع فنحن معهم، وإلا فالنوم اليسير وهو النعاس الذي يشعر الإنسان بما تقدم، لا ينقض على أي حال كان، لحديث نوم الصحابة حتى تخفق رءوسهم وحديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ ، وبهذا تجتمع الأدلة كلها الواردة في الباب، ولله الحمد والمنة. فائدة: لما كان النوم مظنة الحدث الموجب للوضوء، وكُلَ انتقاضه إلى المتوضئ بحسب حالته في النوم، وما يغلب على ظنِّه، فإذا شَك: هل نومه مما ينقض أو ليس ينقض؟ فالأظهر أن لا يحكم بنقض الوضوء، لأن الطهارة ثابتة بيقين، فلا تزول بالشك وهذا اختيار شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٢٣٠).

стр. 131

٢٤ - زوال العقل، بالسُّكْر أو الإغماء أو الجنون: وهذا ناقض إجماعًا (١)، والذهول عند هذه الأمور أبلغ من النوم. ٥ - مَسُّ الفَرْج بلا حائل سواء بشهوة أو بدونها: لأهل العلم في الوضوء من مس الذكر أربعة أقوال، قولان بالترجيح وقولان بالجمع: الأول: مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا: وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايات عن مالك، وهو مروي عن طائفة من الصحابة (٢)، واستدلوا بما يلي: (أ) حديث طلق بن عليٍّ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ، فقال رسول الله ﷺ : «هل هو إلا بضعة منك» (٣) وفي لفظ أن الرجل السائل قال: «بينا أنا في الصلاة إذْ ذهبتُ أحكُّ فخذي، فأصابت يدي ذكري» فقال ﷺ : «إنما هو منك» (٤). (ب) قالوا: لا خلاف في أن الذكر إذا مسَّ الفخذ لا يوجب وضوءًا، ولا فرق بين اليد والفخذ، وتكلموا في حديث بسرة (٥) -الآتي- الذي فيه الأمر بالوضوء من مسِّ الذكر. الثاني: مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا: وهو مذهب مالك -في المشهور عنه- والشافعي وأحمد وابن حزم وهو مروي عن أكثر الصحابة ﵃ (٦) وحجتهم: (أ) حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (٧).

стр. 132

(ب) حديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: «من مسَّ فرجه فليتوضأ» (١). وقد ورد نحوهما من حديث أبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو. قالوا: وحديث بسرة يرجَّح على حديث طلق، وذلك لأمور منها: ١ - أن حديث طلق معلول وقد أعلَّه أبو زرعة وأبو حاتم، وبالغ النووي في المجموع (٢/ ٤٢) فحكى اتفاق الحفاظ على تضعيفه! ٢ - أنه لو صح لكان حديث أبي هريرة -الذي في معنى حديث بسرة- مقدمًا عليه لأن طلقًا قدم المدينة وهم يبنون المسجد، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين فيكون ناسخًا لحديث طلق (٢). ٣ - أن حديث طلق مُبقٍ على الأصل، وحديث بسرة ناقل، والناقل مقدم لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوًا عليه. ٤ - أن رواة النقض بالمس أكثر وأحاديث أشهر. ٥ - أنه قول أكثر الصحابة. ٦ - أن حديث طلق محمول على أنه حكَّ فخذه فأصاب ذكره وراء الثوب كما تدل عليه رواية أنه كان في الصلاة. الثالث: ينقض إذا كان مس الذكر بشهوة ولا ينقض إذا مسَّ بدونها: وهو رواية عن مالك، واختاره العلامة الألباني (٣)، والقائلون بهذا حملوا حديث بسرة على ما إذا كان لشهوة وحديث طلق على ما إذا كان لغير شهوة، قالوا: دل عليه قوله: «إنما هو بضعة منك» فإذا مس ذكره بغير شهوة صار كأنما مس سائر أعضائه. الرابع: الوضوء من مسِّ الذكر مستحب مطلقًا وليس بواجب: وهو مذهب

стр. 133

أحمد في إحدى الروايتين وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكأنه الذي مال إليه العلامة ابن عثيمين -رحمهما الله تعالى- إلا أنه استحبه إذا مس بغير شهوة، وقوى إيجابه إذا كان لشهوة احتياطًا (١)، فحملوا حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلق على أن السؤال فيه كان عن الوجوب. ويُستدل للقولين الأخيرين القائمين على مسلك الجمع بما يلي: ١ - أن دعوى النسخ بتقدم إسلام طلق وتأخر إسلام بسرة فيها نظر، لأن هذا ليس دليلاً على النسخ عند المحققين من أئمة الأصول، لأنه ربما يكون المتقدم حدث به عن غيره. ٢ - أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول وهي كون الذكر بضعة منه وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فلا يزول الحكم، فلا يمكن النسخ. ٣ - ثم إنه لا يصار إلى النسخ إلا بعد تعذُّر الجمع لا سيما ولا يصح النسخ كما تقدم. قلت: «أبو مالك»: القول الأخير من القوة بمكان، لكن إذا صح حديث طلق ابن علي، وهذا غير مسلَّم بل القول بضعفه متجه، فيتألَّق القول بأن مسَّ الذكر ناقض للوضوء مطلقًا سواء مسَّه بشهوة أو بدونها، لأن الشهوة لا حد لها ولا دليل على اعتبارها، والله أعلم. فوائد تتعلق بما سبق: ١ - المرأة إذا مست فرجها تتوضأ: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «من مسَّ ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (٢) ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: «إذا مست المرأة فرجها توضأت» (٣) والأصل أن النساء شقائق الرجال في الأحكام، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة ومالك!! ٢ - مسُّ فَرْج الغير: إذا مسَّ الرجل فرج امرأته أو مست ذكره فلا دليل على انتقاض وضوء أحدهما إلا إذا أمذى أو أمنى فينتقض لذلك لا لمجرد المسِّ، وقال

стр. 134

مالك والشافعي يجب الوضوء (١)، وهذا مبنى على مذهبهما في نقض الوضوء بلمس المرأة، وسيأتي أن الراجح خلافه. وكذلك مسُّ المرأة أو الرجل لذكر الصبي ونحوه لا ينقض الوضوء وقد وافق في هذا مالك وهو قول الزهري والأوزاعي (٢). ٣ - مسُّ الفجر يستوي فيه الخطأ والعمد (٣): وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأحمد. وذهب طائفة إلى أن الناقض إنما هو تعمد المسِّ وقصده منهم مكحول وجابر ابن زيد وسعيد بن جبير وهو مذهب ابن حزم واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). والأظهر الأول، قال ابن المنذر: واللازم لمن جعل مس الذكر بمعنى الحدث الذي يوجب الوضوء أن يجعل خطأه وعمده سواء كسائر الأحداث. اهـ. قلت: الخطأ والنسيان -فيما يتعلق بالشروط والأركان- يرفعان الإثم لا الحكم والله أعلم. ٤ - المسُّ من فوق الثوب لا ينقض: لأنه لا يسمى مسًّا كما هو واضح ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ» (٥). ٥ - مسُّ الدُّبُر لا ينقض (٦): لأن الدبر لا يسمى فرجًا، ولا يصح أن يقاس على الذكر لعدم العلة الجامعة بين مس الدبر والذكر، فإن قيل: كلاهما مخرج للنجاسة، فيقال: ليس هذا علة انتقاض الوضوء من مسهِّ، ثم إن مس النجاسة لا ينقض الوضوء، فكيف بمس مخرجها؟!! وهذا قول مالك والثوري وأصحاب الرأي خلافًا للشافعي. ٦ - من النواقض أكل لحم الإبل: يجب على من أكل لحوم الإبل نيئة أو مطبوخة أو مشوية أن يتوضأ، لحديث

стр. 135

جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، توضأ من لحوم الإبل» (١). وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «توضأوا من لحوم الإبل، ولا توضأوا من لحوم الغنم» (٢). وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن المنذر وابن حزم وهو أحد قولي الشافعي واختاره شيخ الإسلام وهو مروي عن ابن عمر وجابر بن سمرة، بينما ذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وطائفة من السلف إلى أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل وإنما يستحب (٣)، لحديث جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (٤) قالوا: فقوله: «مما مست النار» تشمل لحوم الإبل كذلك وقد ثبت نسخه. ويجاب عن هذا بأمرين (٥): الأول: أن حديث جابر عام، وما ورد في نقض الوضوء بلحم الإبل خاص، والعام يحمل على الخاص، فيخرج منه ما قام الدليل على تخصيصه، ولا يقال بالنسخ لإمكان الجمع. الثاني: أن الأمر الوارد بالوضوء من لحوم الإبل إنما هو حكم فيها خاصة سواء مستها النار أو لم تمسها، فليس مس النار إياها -إن طبخت- بموجب للوضوء فحكمها خارج عن الأخبار الواردة بالوضوء مما مست النار وبنسخ الوضوء منه. وقال بعضهم: المراد بالوضوء في الحديث: (غسل اليد)!! وهذا باطل (٦)، فإن الوضوء لم يرد في كلام النبي ﷺ إلا وضوء الصلاة، ثم إنه في رواية مسلم لحديث جابر بن سمرة قرن الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالصلاة في مباركها مفرقًا بين ذلك وبين الصلاة في مرابض الغنم، وهذا مما يفهم منه وضوء الصلاة قطعًا.

стр. 136

فالراجح: أنه يجب الوضوء من أكل لحم الإبل على كل حال، ولذا قال النووي في «شرح مسلم» (١/ ٣٢٨ - قلعجي): وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه .. اهـ. تنبيهان: الأول: عزا النووي في «شرح مسلم» (١/ ٣٢٨) القول بعدم الوضوء من لحوم الإبل إلى الخلفاء الراشدين الأربعة (!!) وهذه دعوى لا دليل عليها ولا يعرف السند إليهم بذلك، وقد نبه على خطأ هذه الدعوى ابن تيمية ﵀ فقال: «وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضأون من لحوم الإبل، فقد غلط عليهم، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضأون مما مست النار ......» اهـ (١). الثاني: قصة مشهورة لا أصل لها (٢). اشتهرت بين العوام قصة يرددونها إذا سمعوا بعض طلاب العلم يذكر وجوب الوضوء من لحم الإبل وهي: أن النبي ﷺ كان في نفر من أصحابه فوجد ريحًا من أحدهم، فاستحيا أن يقوم من بين الناس، وكان قد أكل لحم جزور فقال رسول الله ﷺ : «من أكل لحم جزور فليتوضأ» فقام جماعة كانوا أكلوا من لحمه، فتوضأوا!! وهذه القصة ضعيفة من جهة السند ومنكرة من جهة المتن. أمور لا تنقض الوضوء: هذه أمور اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بها، والتحقيق أنها لا تنقضه، فمن ذلك: [١] لمس الرجل المرأة بدون حائل: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: الأول: أن لمس الرجل المرأة ناقض للوضوء مطلقًا، وهو مذهب الشافعي ووافقه ابن حزم، وهو قول ابن مسعود وابن عمر (٣). الثاني: أنه لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن

стр. 137

الشيباني، وهو قول ابن عباس وطاوس والحسن وعطاء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وهو الراجح. الثالث: أن المس ينقض إذا كان بشهوة، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه (٢). قلت: عمدة ما استدل به القائلون بنقض الوضوء من مس المرأة، قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٣) وصح عن ابن مسعود وابن عمر «أن المس ما دون الجماع» (٤). لكن خالفهما حبر الأمة ابن عباس فقال: «المسُّ واللمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء» (٥) ولا شك أن تفسيره مقدم على غيره، ثم إن في الآية نفسها دليلاً عليه، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ (٦). هذه طهارة بالماء عن الحدث الأصغر، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذه طهارة بالماء عن الحدث الأكبر، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا بدل عن الطهارتين، فكان قوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ بيان سبب الصغرى، وقوله ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بيان سبب الكبرى (٧). ولْيُعلم أن تأويل الشافعي نفسه لمعنى المسِّ في الآية الكريمة لم يكن من منه على سبيل الجزم والقطع، بل الظاهر عن عبارته أنه ذكره على شيء من الحذر (٨) فقال في «الأم» (١/ ١٢) بعد ذكر الآية: «فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة وإنما ذكرها

стр. 138

موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون باليد، والقبلة غير الجنابة» اهـ. ويؤيد هذا أن ابن عبد البر نقل عن الشافعي أنه قال: «إن ثبت حديث معبد بن نباتة (١) في القبلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوء» اهـ ونقل الحافظ في «التلخيص» (ص: ٤٤) نحوه!! قلت: ومما يؤيد أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ما يلي: ١ - حديث عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ....» (٢). ٢ - وعنها قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ، فإذا قام بسطتهما» قالت: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح» (٣) وفي لفظ: «حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجله» (٤). ٣ - قد كان المسلمون دائمًا يمسون نساءهم، وما نقل أحد عنه أنه كان يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك، ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ من ذلك، ولا نقل عنه أنه توضأ من ذلك، بل قد نُقل عنه في «السنن»: «أنه كان يقبل بعض نسائه، ولا يتوضأ» (٥) وقد اختلف في صحة هذا الحديث، لكن لا خلاف أنه لم ينقل عنه الوضوء من المسِّ» (٦) اهـ. وأما القول بالنقض بشهوة وعدمه بدونها فلا برهان عليه، لكن قد يقال: إن توضأ من المسِّ بشهوة -دون الجماع- فهو حسن لإطفاء الشهوة كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه، وأما وجوبه فلا، والله أعلم.

стр. 139

[٢] خروج الدم من غير المخرج المعتاد، سواء كان بجرح أو حجامة، قليلاً أو كثيرًا: فهذا غير ناقض في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: ينقض، وهو مذهب الحنابلة إذا كان الدم كثيرًا (١)، والأول أرجح لأمور: ١ - أن الأحاديث التي توجب الوضوء منه لا يصح منها شيء. ٢ - أن الأصل البراءة، والمتوضئ وضوءًا صحيحًا لا ينتقض إلا بنص أو إجماع. ٣ - حديث جابر بن عبد الله في قصة غزوة ذات الرقاع وفيه: «... اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فرماه [رجل] بسهم فوضعه فيه فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد قدروا به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوَّل ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها» (٢). «ومعلوم أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه الاستمرار في الصلاة بعد خروج الدم، ولو كان الدم ناقضًا لبيَّن ذلك له ولمن معه في تلك الغزوة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز» (٣). ٤ - وقد ثبت «أن عمر بن الخطاب -لما طعن- صلى وجرحه يثعب دمًا». ٥ - وقد تواترت الأخبار -في أن المجاهدين في سبيل الله كانوا يذوقون آلام الجراحات ولا يستطيع أحد أن ينكر سيلان الدماء من جراحاتهم وتلويث ثيابهم، ومع هذا يصلون على حالهم ولم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه أمرهم بالخروج من الصلاة أو منعهم منها، ولذا قال الحسن البصري: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (٤).

стр. 140

[٣] القيء ونحوه: ومذاهب العلماء في هذه المسألة كمذاهبهم في خروج الدم تمامًا، والصواب أنه لا ينقض الوضوء، لعدم صحة شيء من الأدلة في إيجابه، ولأن الأصل البراءة. وأما حديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء «أن النبي ﷺ قاء، فأفطر فتوضأ» (١). فلا ريب في أنه لا يفيد وجوب الوضوء من القيء لأنه مجرد فعل، فغايته أن يدل على الاستحباب. والله أعلم. [٤] القهقهة في الصلاة أو خارجها: أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة ولا يوجب وضوءًا، وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة يبطل الصلاة، واختلفوا في نقض الوضوء من الضحك في الصلاة، فذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي والثوري والحسن والنخعي إلى أنه ينقض الوضوء، واحتجوا بحديث منقطع لا يثبت وهو حديث أبي العالية «أن رجلاً ضرير البصر جاء والنبي ﷺ يصلي بالناس، فتردَّى في حفرة في المسجد فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة» (٢). وإنما الثابت حديث جابر موقوفًا: أنه سئل عن الرجل يضحك في الصلاة؟ فقال: «يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء» (٣). وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٤). [٥] تغسيلُ الميت وحَمْلُه: من غسَّل ميتًا أو حمله فلا ينتقض وضوؤه -على الراجح- لكن استحب بعض أهل العلم لمن غسَّل ميتًا أن يغتسل ولمن حمله أن يتوضأ لحديث أبي هريرة

стр. 141

أن رسول الله ﷺ قال: «من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (١) إن صحَّ الحديث. [٦] شكُّ المتوضئ في الحَدَث: من توضأ وضوءًا صحيحًا ثم شك هل أحدث أم لا، فهو باقٍ على أصل ما أيقن به من الطهارة حتى يوقن بالحدث وإن شك في الحدث وهو في الصلاة، لم ينصرف حتى يستيقن الحدث، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يُخيَّل إليه الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢). قال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٣٥٣): «معناه: حتى يتيقَّن الحدث، لأن سماع الصوت أو وجود الريح شرط» اهـ. وجوب الوضوء لأجل الصلاة لا غير: يجب الوضوء لمن أراد الصلاة -وهو مُحدث- سواء كانت فرضًا أو نفلاً أو جنازة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ...﴾ (٣) الآية، وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٤). ولا يجب الوضوء لغير الصلاة، ولا يحرم على المحدث شيء غير الصلاة، وإنما يستحب عند أمور تأتي. وأما الطواف بالكعبة: فلم نقف على دليل صحيح صريح يُلزم الطائفين بالوضوء، وقد كانت أعداد من المسلمين لا يحصيهم إلا الله يطوفون على عهد رسول الله ﷺ ولم يرد لنا أنه ﷺ أمر أحدًا منهم بالوضوء لطوافه مع احتمال انتقاض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ودخول كثير منهم الطواف بلا وضوء، وخاصة في تلك الأيام

стр. 142

التي يشتد فيها الزحام كطواف القدوم والإفاضة، فلما لم يرد دليل على إيجاب الوضوء للطواف، وليس هناك إجماع من أهل العلم على الوجوب مع الاحتياج إلى ذلك، دلَّ على عدم الوجوب» اهـ (١). وقد استدل العلماء على إيجاب الوضوء للطواف بحديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ...» (٢) قالوا: إذا كان الطواف صلاة فيجب له الوضوء كالصلاة، لكن هذا مردود بأمرين: الأول: أن الحديث لا يصح مرفوعًا، والصواب أنه موقوف من كلام ابن عباس كما رجَّحه الترمذي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم. الثاني: على فرض صحته، فلا يلزم منه أن الطواف يشبه الصلاة في كل شيء حتى يشترط له ما يشترط للصلاة (٣)، ثم إن الصلاة الشرعية التي يشترط لها الطهارة ونحوها ما كان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. ولذا قال شيخ الإسلام: «وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ريب، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى [أي: الوضوء] فإن الأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها فيه، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه ...» اهـ (٤) وإلى هذا ذهب أبو محمد بن حزم (٥). وأما مس المصحف: فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء إلى أنه لا يجوز للمُحدِث أن يمسَّ المصحف (٦)، وغاية ما استدلوا به أمران: ١ - قوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧).

стр. 143

٢ - حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا وفيه: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (١). قلت: ويُجاب عما استدلوا به بما يلي: ١ - أما الآية الكريمة فلا يتم الاستدلال بها إلا بعد جعل الضمير في (يمسهُّ) راجعًا إلى القرآن، والظاهر الذي عليه أكثر المفسِّرين أنه عائد على الكتاب المكنون الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، والمطهرون: هم الملائكة، ويُشعر بهذا سياق الآيات الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢). ويتأيد هذا بقوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣). ٢ - وأما الحديث فضعيف لا يصلح للاحتجاج، لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد. وعلى فرض صحته، وأن الضمير في الآية عائد على القرآن، فنقول: «الطاهر» من المشتركات اللفظية، فيطلق على المؤمن، وعلى الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، فرجعت المسألة إلى المقرر في الأصول: فمن أجاز حمل المشترك اللفظي على جميع معانيه، حمله عليها هنا، لن لما كان إطلاق اسم النجس على المؤمن المُحدِث أو الجنب لا يصح لا حقيقة ولا مجازًا ولا لغة لقوله ﷺ : «المؤمن لا ينجس» (٤) وثبت أن المؤمن طاهر دائمًا، امتنع أن يتناوله الآية والحديث، فيتعين حمل اللفظ على من ليس بمشترك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٥). ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.

стр. 144

ومن قال: المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يُبيَّن، قال: لا حجة في الآية أو الحديث حتى ولو صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر (١). فعلم أنه لا دليل على إيجاب الوضوء لمسِّ المصحف، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وابن حزم وبه قال ابن عباس وجماعة من السلف واختاره ابن المنذر (٢)، والله أعلم. فائدة: قراءة القرآن -من غير مسٍّ- للمحدث: سواء الحدث الأصغر أو الأكبر فلا بأس بها -في أظهر أقوال العلماء- والأمر فيها أيسر من الأمر في مسِّ المصحف لأمور: ١ - لا يصح شيء مرفوع عن النبي ﷺ في المنع من القراءة، وكل ما ورد ضعيف لا تقوم به حجة، كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن»، وحديث ابن رواحة: «نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحد منا القرآن وهو جنب»، وحديث عبد الله بن مالك: «إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل» فكلها لا تصح (٣). ٢ - ثبت عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه» (٤). ٣ - أنه ﷺ أمر الحُيَّض بالخروج يوم العيد «فيكُنَّ خلف الناس فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم ...» (٥) ففيه أن الحائض تكبر وتذكر الله تعالى. ٤ - وقال ﷺ لعائشة وهي حائض: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٦) ومعلوم أن الحاج يذكر الله ويقرأ القرآن.

стр. 145

فعلم أنه لا يُمنع المحدث من قراءة القرآن، قال شيخ الإسلام: وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. اهـ (١). ما يستحب له الوضوء: ١ - عند ذكر الله : ويدخل فيه مطلق الذكر وقراءة القرآن والطواف بالكعبة وغيرها. ويستحب الوضوء لذلك، لحديث المهاجر بن قنفذ: «أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة» (٢). وإن كان هذا ليس بلازم لحديث عائشة عند مسلم (٤/ ٦٨): «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه». ٢ - عند النوم: فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ...» الحديث (٣). ٣ - للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم أو معاودة الجماع: فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» (٤). وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٥).
следующие страницы →