← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أن رسول الله ﷺ قال: «من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (١) إن صحَّ الحديث. [٦] شكُّ المتوضئ في الحَدَث: من توضأ وضوءًا صحيحًا ثم شك هل أحدث أم لا، فهو باقٍ على أصل ما أيقن به من الطهارة حتى يوقن بالحدث وإن شك في الحدث وهو في الصلاة، لم ينصرف حتى يستيقن الحدث، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يُخيَّل إليه الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢). قال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٣٥٣): «معناه: حتى يتيقَّن الحدث، لأن سماع الصوت أو وجود الريح شرط» اهـ. وجوب الوضوء لأجل الصلاة لا غير: يجب الوضوء لمن أراد الصلاة -وهو مُحدث- سواء كانت فرضًا أو نفلاً أو جنازة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ...﴾ (٣) الآية، وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٤). ولا يجب الوضوء لغير الصلاة، ولا يحرم على المحدث شيء غير الصلاة، وإنما يستحب عند أمور تأتي. وأما الطواف بالكعبة: فلم نقف على دليل صحيح صريح يُلزم الطائفين بالوضوء، وقد كانت أعداد من المسلمين لا يحصيهم إلا الله يطوفون على عهد رسول الله ﷺ ولم يرد لنا أنه ﷺ أمر أحدًا منهم بالوضوء لطوافه مع احتمال انتقاض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ودخول كثير منهم الطواف بلا وضوء، وخاصة في تلك الأيام

стр. 142

التي يشتد فيها الزحام كطواف القدوم والإفاضة، فلما لم يرد دليل على إيجاب الوضوء للطواف، وليس هناك إجماع من أهل العلم على الوجوب مع الاحتياج إلى ذلك، دلَّ على عدم الوجوب» اهـ (١). وقد استدل العلماء على إيجاب الوضوء للطواف بحديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ...» (٢) قالوا: إذا كان الطواف صلاة فيجب له الوضوء كالصلاة، لكن هذا مردود بأمرين: الأول: أن الحديث لا يصح مرفوعًا، والصواب أنه موقوف من كلام ابن عباس كما رجَّحه الترمذي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر وغيرهم. الثاني: على فرض صحته، فلا يلزم منه أن الطواف يشبه الصلاة في كل شيء حتى يشترط له ما يشترط للصلاة (٣)، ثم إن الصلاة الشرعية التي يشترط لها الطهارة ونحوها ما كان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. ولذا قال شيخ الإسلام: «وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ريب، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى [أي: الوضوء] فإن الأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها فيه، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه ...» اهـ (٤) وإلى هذا ذهب أبو محمد بن حزم (٥). وأما مس المصحف: فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء إلى أنه لا يجوز للمُحدِث أن يمسَّ المصحف (٦)، وغاية ما استدلوا به أمران: ١ - قوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧).

стр. 143

٢ - حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا وفيه: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (١). قلت: ويُجاب عما استدلوا به بما يلي: ١ - أما الآية الكريمة فلا يتم الاستدلال بها إلا بعد جعل الضمير في (يمسهُّ) راجعًا إلى القرآن، والظاهر الذي عليه أكثر المفسِّرين أنه عائد على الكتاب المكنون الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، والمطهرون: هم الملائكة، ويُشعر بهذا سياق الآيات الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢). ويتأيد هذا بقوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣). ٢ - وأما الحديث فضعيف لا يصلح للاحتجاج، لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد. وعلى فرض صحته، وأن الضمير في الآية عائد على القرآن، فنقول: «الطاهر» من المشتركات اللفظية، فيطلق على المؤمن، وعلى الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، فرجعت المسألة إلى المقرر في الأصول: فمن أجاز حمل المشترك اللفظي على جميع معانيه، حمله عليها هنا، لن لما كان إطلاق اسم النجس على المؤمن المُحدِث أو الجنب لا يصح لا حقيقة ولا مجازًا ولا لغة لقوله ﷺ : «المؤمن لا ينجس» (٤) وثبت أن المؤمن طاهر دائمًا، امتنع أن يتناوله الآية والحديث، فيتعين حمل اللفظ على من ليس بمشترك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٥). ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.

стр. 144

ومن قال: المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يُبيَّن، قال: لا حجة في الآية أو الحديث حتى ولو صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر (١). فعلم أنه لا دليل على إيجاب الوضوء لمسِّ المصحف، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وابن حزم وبه قال ابن عباس وجماعة من السلف واختاره ابن المنذر (٢)، والله أعلم. فائدة: قراءة القرآن -من غير مسٍّ- للمحدث: سواء الحدث الأصغر أو الأكبر فلا بأس بها -في أظهر أقوال العلماء- والأمر فيها أيسر من الأمر في مسِّ المصحف لأمور: ١ - لا يصح شيء مرفوع عن النبي ﷺ في المنع من القراءة، وكل ما ورد ضعيف لا تقوم به حجة، كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن»، وحديث ابن رواحة: «نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحد منا القرآن وهو جنب»، وحديث عبد الله بن مالك: «إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل» فكلها لا تصح (٣). ٢ - ثبت عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه» (٤). ٣ - أنه ﷺ أمر الحُيَّض بالخروج يوم العيد «فيكُنَّ خلف الناس فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم ...» (٥) ففيه أن الحائض تكبر وتذكر الله تعالى. ٤ - وقال ﷺ لعائشة وهي حائض: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٦) ومعلوم أن الحاج يذكر الله ويقرأ القرآن.

стр. 145

فعلم أنه لا يُمنع المحدث من قراءة القرآن، قال شيخ الإسلام: وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. اهـ (١). ما يستحب له الوضوء: ١ - عند ذكر الله : ويدخل فيه مطلق الذكر وقراءة القرآن والطواف بالكعبة وغيرها. ويستحب الوضوء لذلك، لحديث المهاجر بن قنفذ: «أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة» (٢). وإن كان هذا ليس بلازم لحديث عائشة عند مسلم (٤/ ٦٨): «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه». ٢ - عند النوم: فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ...» الحديث (٣). ٣ - للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم أو معاودة الجماع: فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» (٤). وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٥).

стр. 146

٤ - الوضوء قبل الاغتسال: فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة» (١). ٥ - الوضوء بعد الأكل مما مسته النار (المطبوخ على النار): لقول النبي ﷺ : «توضأوا مما مست النار» (٢) والأمر هنا للاستحباب لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: «رأيت النبي ﷺ يحتز من كتف شاة، فأكل منها، فدعى إلى الصلاة، فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ» (٣). ٦ - تجديد الوضوء لكل صلاة: لحديث بريدة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد ....» الحديث (٤). ٧ - الوضوء كلما حدث ناقض: لما تقدم من حديث بلال أن النبي ﷺ سمع خشخشته [صوت نعليه] أمامه في الجنة، فقال: «بم سبقتني إليها؟» قال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، فقال ﷺ : «لهذا» (٥). ٨ - الوضوء من القيء: لحديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ»، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه (٦).

стр. 147

المسح على الحوائل أولاً: المسح على الخفين: تعريف: الخُف: نعل من أدم (جلد) يغطي الكعبين (١) (والكعبان: العظمتان الناتئتان في القدم). والمسح لغة: مصدر مسح، وهو إمرار اليد على الشيء بسطًا (٢)، والمسح على الخفين: إصابة البلية لخف مخصوص في محل مخصوص وزمن مخصوص (٣) بدل غسل الرجلين في الوضوء. مشروعية المسح على الخفين: أجمع أهل العلم على أن من أكمل طهارته ثم لبس خفيه، وأحدث، أن له أن يمسح عليهما (٤)، قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وذلك أن كل من روى عنه من أصحاب النبي ﷺ كره المسح على الخفين، فقد روى عنه غير ذلك (٥) وقد ثبتت مشروعيته بالسنة الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﷺ ، وأحسن ما يدل على مشروعيته حديث همام قال: «بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه» قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (٦). حُكم المسح على الخفين: المسح على الخفين جائز والغَسل أفضل منه عند الجمهور، وعند الحنابلة: الأفضل المسح على الخفين أخذًا بالرخصة (٧). والصواب: أن الأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه، فللابس الخف أن

стр. 148

يمسح عليه، ولا ينزع خفيه اقتداءً بالنبي ﷺ وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان الغَسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه (١) ولا يتحرى نزعه -في المدة- ليغسل رجليه، والله أعلم. مدة المسح على الخفين: حدد الشرع مدة المسح على الخفين بثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وعلى هذا جماهير العلماء: الأحناف والحنابلة وظاهر مذهب الشافعي في الجديد والظاهرية (٢). ويدل على ذلك ما يلي: ١ - حديث عليٍّ ﵁ «أن النبي ﷺ جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (٣). ٢ - حديث عوف بن مالك الأشجعي: «أن النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (٤). ٣ - حديث صفوان بن عسال قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم» (٥). وخالف في هذا مالك -وهو القول القديم للشافعي- فرأى عدم التوقيت وأن له أن يمسح على خفيه ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة!! وبه قال الليث (٦)، واستدلوا بأحاديث ضعيفة منها: ١ - ما يُروى عن أُبيِّ بن عمارة قال: قلت: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قلت: يومًا؟ قال: «يومًا»، قلت: ويومين؟ قال: «ويومين» قلت: وثلاثة؟ قال: «وما شئت» (٧).

стр. 149

٢ - ما يُروى عن خزيمة بن ثابت قال: «جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثًا، ولو استزدناه لزادنا» (١) يعني المسح على الخفين للمسافر، وهذا لو صح لم تقم به حجة لأنه ظن الصحابي ولم نتعبد به. ٣ - ما يُروى عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصلِّ فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة» (٢). وهذه كلها أحاديث ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها. ٤ - أثر عقبة بن عامر أنه قال: خرجت من الشام إلى المدينة، فخرجت يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: وهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت (٣). وهو ضعيف كذلك، قال البيهقي: قد روينا عن عمر التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين بلغه عن النبي ﷺ ، وإما أن يكون قوله الموافق للسنة الصحيحة المشهورة أولى. اهـ. ولذا قال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٩٣): ولا يصح خلاف التوقيت عن أحد من الصحابة إلا ابن عمر فقط. اهـ. بداية مدة المسح: تقرر أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، فمتى يبدأ حساب هذه المدة؟ لأهل العلم في هذا أقوال: الأول: يبدأ من أول حدث بعد اللبس، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وظاهر مذهب الحنابلة (٤)، قالوا: لأن ما بعد الحدث زمن يستباح فيه المسح، فكان من وقته كبعد المسح. الثاني: يبدأ من وقت اللبس، وهو قول الحسن البصري (٥). الثالث: أنه يمسح خمس صلوات (أو خمس عشرة للمسافر) لا يمسح أكثر من ذلك، وهو مذهب الشعبي وإسحاق وأبي ثور وغيرهم (٦).

стр. 150

الرابع: يبدأ من حين يجوز له المسح بعد الحدث سواء مسح أو لم يمسح ولم يتوضأ، بحيث لو مسح بعد ما مضى بعض المدة كان له أن يمسح باقيها فقط، وهو مذهب ابن حزم وقد ناقش أكثر المذاهب، فليراجع (١). الخامس: يبدأ من حين أول مسح بعد الحدث (٢): وهو قول أحمد بن حنبل والأوزاعي، واختاره النووي وابن المنذر وابن عثيمين، وهو أرجح الأقوال، لظاهر قول النبي ﷺ : «يمسح المسافر» ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، ولا يجوز العدول عن هذا الظاهر بغير برها. والله أعلم. وعلى هذا، لو أن رجلاً توضأ عند صلاة الظهر، ولبس خفيه الساعة الثانية عشرة مثلًا وبقي على طهارة حتى الساعة الثالثة عصرًا، ثم أحدث ولم يتوضأ إلا الساعة الرابعة -بعد العصر- ومسح على خفيه، فله أن يمسح عليهما حتى الساعة الرابعة عصرًا من اليوم التالي -إن كان مقيمًا- ومن اليوم الرابع إذا كان مسافرًا. إذا مسح المقيم ثم سافر: من مسح على خفيه -وهو مقيم- أقل من يوم وليلة، ثم سافر، فللعلماء فيه قولان: الأول: له أن يمسح حتى يتم ثلاثة أيام بلياليهن (بما في ذلك ما مسحه وهو مقيم): وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد وبه قال ابن حزم (٣). الثاني: له أن يمسح حتى يتم يومًا وليلة ثم يلزمه غسل رجليه إذا توضأ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق (٤). والأرجح أنه له المسح حتى تمام ثلاث الأيام ولياليهن، لأن هذا الرجل إذا انتهى يوم وليلة وهو مسافر فله أن يتم المدة لظاهر حديث «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» والله أعلم.

стр. 151

إذا مسح -وهو مسافر- ثم أقام: من مسح على خفيه وهو مسافر يومًا وليلة أو أكثر ثم قدم الحضر، فلابد أن يخلع خفيه، ويغسل رجليه إذا توضأ، ثم يكون له ما للمقيم. وإن كان مسح -وهو مسافر- أقل من يوم وليلة، جاز له إذا قدم الحضر أن يكمل ما تبقى من اليوم والليلة ثم عليه أن يخلعه. وقد نقل ابن المنذر إجماع كل من يقول بالتحديد في المسح من أهل العلم على هذا (١). شرط المسح على الخفين: يشترط لجواز المسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة، فعن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير، فأفرغت عليه من الإداوة، فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما (٢). والحديث قد جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلَّق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط، وقد حمل الجمهور الطهارة على الشرعية في الوضوء (٣). فائدة: من توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، فقال مالك والشافعي وأحمد (٤): لا يجوز له إن أحدث أن يمسح عليهما، لأنه لبس الخف قبل تمام الطهارة، فإن نزع الأول ثم لبسه جاز له المسح عندهم وقال أبو حنيفة وأحمد -في إحدى الروايتين- وابن حزم واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام (٥) أنه يجوز له المسح عليهما لصدق أنه أدخل كلاًّ من رجليه وهي طاهرة.

стр. 152

قلت: القول بالجواز لا غبار عليه، إلا أن يدلَّ دليل على أن الطهارة لا تتبعَّض فيتَّجه المنع، وعلى كلٍّ الأحوط إدخالهما في الخفين بعد تمام الوضوء، والله أعلم. هل يمسح على الخف المُخرَّق؟ اشترط أكثر الفقهاء لجواز المسح على الخف أن يكون ساترًا للمحل المفروض غسله في الوضوء، فمنعوا المسح على الخف المخرق لأنه يرى منه مواضع الوضوء التي فرضها الغسل، ولا يجتمع غسل ومسح، فغلب حكم الغسل، وهذا مذهب الشافعي وأحمد (١). وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز المسح على الخف المخرق ما دام المشي فيه ممكنًا واسمه باقيًا، وهو قول الثوري وإسحاق وأبي ثور وابن حزم واختاره ابن المنذر وابن تيمية (٢) وهو الصواب لأن الإذن بالمسح على الخفين عام يدخل فيه كل ما وقع عليه اسم الخف على ظاهر الأخبار ولا يستثنى خف دون خف إلا بدليل، ولو كان الخرق يمنع من المسح لبينه ﷺ لا سيما مع كثرة فقراء الصحابة في عهده، والغالب أن لا تخلو خفافهم من الخروق. محل المسح وصفته: المشروع في المسح على الخفين أن يمسح ظاهرهما لا باطنهما مرة واحدة لحديث علي بن أبي طالب قال: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» (٣). وهذا مذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وأبي حنيفة وأصحابه (٤) وهو الصواب. وقال مالك والشافعي (٥): يمسح ظاهرهما وباطنهما، وإن اقتصر على أعلاه

стр. 153

أجزأ، واستُدل له بحديث المغيرة بن شعبة: «أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح أسفل الخف وأعلاه» (١) وهو ضعيف بل الثابت عن المغيرة قوله: «رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر الخفين» (٢) فلا يكون المسح إلا على أعلى الخف فقط. فإن اقتصر على باطن الخف دون أعلاه لم يجزئه المسح، والله أعلم. ما يبطل به المسح على الخفين: تقدم في حديث صفوان بن عسَّال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم» فعلم أن المسح على الخفين لا يصح إذا حدث أحد الأمور الآتية: ١ - الجنابة: وغيرها مما يوجب الغُسل، كالطهر من الحيض والنفاس. ٢ - انقضاء مدة المسح. ٣ - نزع الخف والإحداث قبل لبسه: فإذا نزع خفَّه -ولو قبل انقضاء المدة- ثم أحدث، فلا يجوز أن يلبسه ويمسح عليه، لأنه حينئذ لم يدخل رجله على طهارة. فإن حدث شيء من هذه الأمور الثلاثة لم يحل له أن يمسح على خفيه، وإنما يجب عليه إذا أحدث أن يتوضأ ويغسل رجليه ولابد، ثم يكون له أن يلبس خفيه ويمسح كما تقدم. تنبيه: بطلان المسح لا يعني انتقاض الوضوء: من كان يمسح على خفيه، ثم خلعهما، ولم يُحدث، فللعلماء في حكمه أربعة أقوال: الأول: عليه أن يعيد الوضوء، وهو مذهب النخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٣) والشافعي في القديم قالوا: لأن المسح أقيم مقام الغسل فإذا أزال الممسوح بطلب الطهارة في القدمين فتبطل جميعها لأنها لا تتجزأ. الثاني: عليه أن يغسل قدميه فقط، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور والقول الجديد للشافعي (٤).

стр. 154

الثالث: عليه أن يغسل قدميه فور خلعه، فإن تأخر أعاد الوضوء: وهو مذهب مالك والليث (١). الرابع: ليس عليه وضوء ولا غسل لقدميه، وهو رواية عن النخعي وبه قال الحسن البصري وعطاء وابن حزم واختاره النووي وابن المنذر وابن تيمية (٢)، وهو الصواب: لأنه -والخف عليه- طاهر كامل الطهارة بالسنة الثابتة، ولا يجوز نقض ذلك إذا خلع خفه إلا بحجة من سنة أو إجماع، وليس عند القائلين بإعادة الوضوء أو غسل الرجلين حجة، ويقوي هذا القول ما ثبت عن أبي ظبيان «أنه رأى عليًّا ﵁ بال قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى» (٣). ثم يقاس على من مسح الشعر ثم حلقه فإنهم لا يقولون بإعادة مسح الرأس أو إعادة الوضوء!! وهذا هو الحق في المسألة، فإذا خلع خفيه ولم يُحدث فإن له أن يصلي ما شاء حتى ينتقض وضوؤه والله أعلم. ثانيًا: المسح على الجوربين والنعلين [١] المسح على الجوربين: الجورب: هو ما يلبسه الإنسان في قدميه سواء كان مصنوعًا من الصوف أو القطن أو الكتاب أو نحو ذلك، وهو ما يُعرف «بالشراب». وللعلماء في حكم المسح على الجوربين ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يجوز المسح عليهما إلا أن يكون عليهما نعل جلد: وهو مذهب أبي حنيفة (ثم رجع عنه) ومالك والشافعي (٤)، قالوا: لأن الجورب لا يسمى خفًّا فلا يأخذ حكمه، ولا يثبت في المسح على الجوربين حديث (!!). الثاني: يجوز المسح عليهما بشرط أن يكونا صفيقين ساترين محل الفرض: وهو مذهب الحسن وابن المسيب وأحمد، وفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة (٥).

стр. 155

الثالث: يجوز المسح على الجوربين مطلقًا ولو كانا رقيقين: وهو ظاهر مذهب ابن حزم وابن تيمية، واختاره ابن عثيمين والعلامة الشنقيطي (١)، وهو الراجح. واستدل أصحاب القولين الأخيرين على جواز المسح على الجوربين بما يلي: ١ - حديث المغيرة بن شعبة: «أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» (٢). ٢ - عن الأزرق بن قيس قال: «رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ قال: إنهما خفان، ولكن من صوف» (٣). فصرَّح أنس ﵁ بأن الخف أعم من أن يكون من جلد، وهو صحابي من أهل اللغة. ٣ - أنه قد قال بالمسح على الجوربين من الصحابة أحد عشر صحابيًا منهم عمر وابنه عبد الله وعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم، وليس لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعًا، ثم منع الجمهور المسح على الجوربين الرقيقين لأنهما غير ساترين لمحل الفرض، وقد تقدم أن هذا ليس بشرط -على التحقيق- قياسًا على الخف المخرق، ولأن غالب ما يلبس اليوم من الجوارب الرقيقة نسبيًّا، فاشتراط هذه الشروط يناقض مقصود الشارع من التوسعة بالتضييق والجرح، والله أعلم. فائدة: يدخل في معنى الجورب: اللفائف التي تُلف على القدمين لعذر، فهذه يشق حلُّها، فله أن يمسح عليها كما اختاره شيخ الإسلام. وأحكام المسح على الجوربين هي نفس أحكام المسح على الخفين. إذا لبس جوربًا فوق جورب: هذا له حالات: ١ - إذا توضأ ثم لبس جوربين، فإن له -إذا أحدث- أن يمسح على الأعلى منهما، وهذا مذهب الحنفية والراجح عند المالكية والحنابلة والقول القديم للشافعي وخالفهم في الجديد (٤).

стр. 156

٢ - إذا توضأ ولبس جوربين، ثم مسح عليهما، ونزع الأعلى بعد المسح، جاز له إتمام المدة بالمسح على الأسفل، لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين. ٣ - إذا توضأ ولبس جوربًا، ولم يُحدث حتى لبس عليه آخر، مسح على أيهما شاء (١). ٤ - إذا توضأ ولبس جوربًا واحدًا ومسح عليه ثم لبس عليه آخر -فإن كان على طهارة- صح أن يمسح على الأعلى، لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين (٢)، وإن كان أحدث ثم لبس الآخر لم يجز له المسح على الأعلى بل يجوز على الأسفل. [٢] المسح على النعلين: وقد تقدم حديث المغيرة بن شعبة «أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» (٣) وهو -على القول بصحته- يحتمل أمرين: ١ - أن يكون لَبِس النعلين فوق الجوربين، ومسح عليهما، فيكون حكمهما معًا كما تقدم في لبس جورب فوق جورب أو خف فوق خف. ٢ - أن يكون المغيرة رأى النبي ﷺ يمسح مرة على الجوربين وأخرى على النعلين، فيكون دليلاً على جواز المسح على النعلين ولو بدون جوربين، وهذا وإن كان بعيدًا بعض الشيء إلا أنه يستدل على جواز ذلك بما تقدم في حديث أبي ظبيان «أن علي بن أبي طالب توضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد، فخلع نعليه، ثم صلى ...» (٤) وليس فيه ذكر الجوربين. وربما يتأيد جواز المسح على النعلين -كذلك- بأن لا يشترط أن يكون الممسوح عليه ساترًا لمحل الفرض على التحقيق، والله أعلم.

стр. 157

ثالثًا: المسح على غطاء الرأس: ١ - المسح على العمامة في الوضوء: يجوز المسح على العمامة -بدل مسح الرأس- في الوضوء مطلقًا وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور والأوزاعي وابن حزم وابن تيمية، وهو قول أبي بكر وعمر وأنس وغيرهم من الصحابة (١)، فقد ثبت عن النبي ﷺ ذلك: فعن عمرو بن أمية الضمري قال: «رأيت رسول الله ﷺ مسح على الخفين والعمامة». ومثله عن المغيرة بن شعبة (٢)، وعن بلال قال: «رأيت رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار» (٣) والخمار: غطاء الرأس، والمراد: العمامة. بينما ذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي (٤) إلى أنه لا يمسح على العمامة وحدها، بل يمسح عليها مع الناصية، فتكون الناصية هي الفرض والعمامة فضلاً، بناء على تجويزهم مسح بعض الرأس!! لكن قال الشافعي: إن صح حديث المسح على العمامة فبه أقول، وقد صح بلا ريب فهو قوله. واحتج المانعون من المسح على العمامة بحديث جابر بن عبد الله قال: «رأيت النبي ﷺ حسر العمامة عن رأسه ومسح على ناصيته» (٥) ولم أجده مسندًا!! وبحديث المغيرة: «أن النبي ﷺ مسح على عمامته وعلى الناصية والخفين» (٦). قلت: والراجح أنه يجوز مطلقًا المسح على العمامة لثبوت الأخبار به عن النبي ﷺ ولعمل الخليفتين من بعده به، ولأنه ليس عند المانعين حجة معتبرة (٧)، وإن كان الأولى أن يمسح جزءًا من الناصية مع العمامة خروجًا من الخلاف، والله أعلم.

стр. 158

٢ - مسح المرأة على الخمار: قال شيخ الإسلام: «إن خافت المرأة من البرد ونحوه، مسحت على خمارها، فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك، ففيه نزاع بين العلماء» اهـ (١). قلت: فذهب الحنفية ومالك والشافعي والحنابلة -في رواية (٢) - إلى أنه لا يجوز، لما يُروى عن عائشة أنها أدخلت يدها تحت الخمار، ومسحت برأسها، وقالت: «بهذا أمرني رسول الله ﷺ » (٣). قالوا: ولأنه ملبوس لرأس المرأة ولا مشقة في نزعه فلم يجز المسح عليه. وذهب الحسن البصري إلى جواز المسح على الخمار، وهو قول عند الحنابلة -لكنهم اشترطوا أن تكون خُمر النساء مدارة تحت الحلوق!! - قياسًا على العمامة إذ الخمار ملبوس للرأس معتاد. قلت: لو صح حديث عائشة لكان حاسمًا في المنع، وإلا فالقياس على العمامة متجه، والأحوط أن تمسح مع الخمار مقدَّم رأسها والله أعلم. ٣ - المسح على القلنسوة (الطاقية) في الوضوء: ذهب جمهور العلماء إلى أ، هـ لا يجوز المسح -في الوضوء- على القلنسوة بدلاً من الرأس، لأن الفرض مسح الرأس، وعُدل عنه في العمامة لمشقة نزعها عند الجمهور أو للنص عند أحمد. وذهب ابن حزم وابن تيمية (٤) والمحققون من أهل العلم إلى جواز المسح على القلنسوة، لأنه لما مسح رسول الله ﷺ على العمامة أو الخمار، علمنا أن مباشرة الرأس بالماء ليس فرضًا، فأي شيء لبس على الرأس جاز المسح عليه، وإن لم يكن ساترًا لمحل الفرض، ولو لم يشق نزعه، وهو الصواب والله أعلم. فائدة لا يشترط لبس أغطية الرأس على طهارة لجواز المسح عليها: فلا تقاس على الخفين، لعدم العلة الجامعة بينهما، وإنما نص رسول الله ﷺ في لبس

стр. 159

الخفين على الطهارة، ولم ينص على ذلك في العمامة والخمار، ولو وجب لبيَّنه ﷺ (١). قلت: هذا، على أن الخفين بدل عما فرضه الغَسل، وأما الرأس ففرضه المسح، وما كان على الرأس فآخذ حكمه، فافترقا، والله أعلم. ولا توقيت ولا تحديد لمدة المسح على أغطية الرأس: لعدم صحة القياس على مسح الخفين، وقد مسح رسول الله ﷺ على العمامة والخمار ولم يوقت في ذلك وقتًا وهذا مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ (٢). رابعًا: المسح على الجَبيرَة الجبيرة: عيدان تجبر بها العظام المكسورة لتتماسك، وقد استعيض عنها في هذه الأيام بالجبس. ومن كان على أحد أعضاء الوضوء -كالذراعين أو الرجلين- جبيرة، فإنه يجوز له أن يمسح عليها عند جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٣)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث جابر في الذي أصابته الشجة، وقول النبي ﷺ : «إنما يكفيه أن يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها» (٤) وهو ضعيف. ٢ - قول ابن عمر: «من كان له جرح معصوب عليه، توضأ ومسح على العصائب، ويغسل ما حول العصائب» (٥) ولا يُعلم لابن عمر مخالف من الصحابة. ٣ - القياس على المسح على الخفين، فإن المسح عليهما لغير ضرورة جائز، فكيف بالجبيرة وهي ضرورة فهي أولى. وذهب ابن حزم إلى أن من كانت عليه جبيرة فليس عليه أن يمسح عليها، وأنه يسقط حكم ذلك المكان (٦).

стр. 160

قلت: هذا لأنه يضعِّف أحاديث المسح على العصائب، ولا يرى القياس حجة!! وهذه الأحاديث لا تصح كما قال، وأما القياس فلا شك أنه حجة إذا تحققت أركانه وشروطه، لكن قد يقال إن القياس هنا فاسد لاختلاف حكم الفرع عن الأصل، فهو قياس واجب (المسح على الجبيرة عند الجمهور) على مباح (المسح على الخفين فيتألق حينئذٍ مذهب ابن حزم والله أعلم. فوائد: ١ - المسح على الجبيرة -يجزئ في الوضوء والغُسل على سواء: لأن الجبيرة ضرورة فلا يفرق فيها بين الحدث الأصغر والأكبر، بخلاف المسح على الخفين فإنه رخصة. ٢ - لا يشترط وضع الجبيرة على طهارة ولا التوقيت: لا يشترط أن توضع الجبيرة على طهارة لأن هذا ينافي مقصد الشرع في إباحة المسح من رفع الحرج والمشقة، ولأن حال الجبيرة اضطرار يأتي مفاجأة بخلاف الخفين، ثم لعدم النص أو الإجماع. وكذلك لا توقيت للمسح عل الجبيرة بل متى نزعت أو برئ العضو لم يجز المسح. ٣ - اللفائف الطبية على أعضاء الوضوء لها حكم الجبيرة: كما حققه شيخ الإسلام (١). الغُسْل تعريفه: المراد بالغُسل: فعل الاغتسال، وهو لغة: سيلان الماء على الشيء، والغُسل شرعًا: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (٢). مُوجبِات الغُسل: وهي الأمور التي توجب الغُسل على الصفة الشرعية التي تأتي فيما بعد: [١] خروج المَنيِّ -على وجه الصحة- في اليقظة أو النوم: لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ (٤).

стр. 161

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إنما الماء من الماء» (١) والمراد: أن الاغتسال (بالماء) يكون إذا أنزل (الماء) وهو المني. وقال النبي ﷺ لعليٍّ: «إذا فَضَخْتَ الماء فاغتسل» (٢) وفي لفظ: «إذا حذفت» ولا يكون بهذه الصفة إلا إذا خرج بشهوة كما قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (٣). وعن أم سلمة ﵂ قالت: «جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غُسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم، إذا رأت الماء» (٤) وهو دالٌّ على أنه لا يشترط للغسل من الاحتلام أن يخرج بشهوة ودفق، بل إذا رأى المني في ثوبه وجب الغسل وإلا فلا غسل عليه وإن ذكر أنه احتلم، لحديث عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؟ فقال: «يغتسل» وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: «لا غُسل عليه» (٥). تنبيهان: ١ - المرأة في كل ما تقدم كالرجل سواء بسواء. ٢ - من سال منه المني بلا شهوة: لمرض أو برد أو نحوه، فلا غسل عليه في أصح قولي العلماء وهو مذهب الجمهور، خلافًا للشافعي وابن حزم. وقد أجمع العلماء (٦) على إيجاب الغسل بخروج المني بشهوة -في اليقظة- وبالاحتلام مع خروج المني، إلا ما يُروى عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى على المرأة الغسل من الاحتلام، قال الشوكاني: ما أظنها تصح الرواية عنه، ولو صحت لكان قوله مخالفًا لإجماع من قبله من المسلمين، ومن بعده. اهـ. [٢] التقاء الختانين ولو من غير إنزال: فإذا غابت حشفة ذكر الرجل في فرج المرأة فقد وجب عليهما الغسل أنزلا أو لم ينزلا، لحديث أبي هريرة عن النبي

стр. 162

صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جلس بين شُعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل [وإن لم ينزل]» (١). وعن عائشة ﵂: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يَكْسَل: هل عليهما غسل؟ -وعائشة جالسة- فقال رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (٢). قال النووي: «وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة، ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه» اهـ. قلت: أما خلاف الصحابة في هذه المسألة فمنه حديث زيد بن خالد «أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عند ذلك عليَّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب ﵃ فأمروه بذلك» (٣). وذهب داود الظاهري إلى عدم وجوب الغسل إن لم ينزل لحديث: «إنما الماء من الماء» (٤). وحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال لرجل: «إذا أُعجلت -أو: قحطت- فعليك الوضوء» (٥). فأما هؤلاء الصحابة فقد ثبت عنهم الرجوع عن القول بعدم إيجاب الغسل (٦). وأما قول داود فقد خالف فيه الجماهير من أصحاب النبي ﷺ والفقهاء من التابعين ومن بعدهم فرأوا أن حديث «الماء من الماء» وما في معناه كان في أول الإسلام ثم نسخ، قال الترمذي (١/ ١٨٥): «وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم أبي بن كعب (٧) ورافع بن خديج والعمل على هذا عند أكثر

стр. 163

أهل العلم، وعلى أنه إذا جامع امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزل» اهـ. فوائد (١): ١ - إذا مس ذكره الرجل فرج المرأة دون إيلاج فيه، فليس عليهما غسل بالاتفاق (٢) وعن إبراهيم النخعي أنه سئل عن الرجل يجامع امرأته في غير الفرج فينزل الماء؟ قال: «يغتسل هو ولا تغتسل هي، ولكن تغسل ما أصاب منها» (٣). ٢ - إذا باشر الرجل زوجته، وأدخل ما دون الحشفة، فنزل منيُّه في فرجها، ولم تُمنِ هي، لم يلزمها الغسل. قال النووي: «إذا استدخلت المرأة المني في فرجها أو دُبرها، ثم خرج منها لم يلزمها الغُسل، هذا هو الصواب الذي قطع به الجمهور» اهـ (٤). ٣ - إذا جامع الرجل زوجته ثم اغتسلت، وبعد ذلك خرج من فرجها ماء الرجل، فلا يلزمها الغسل، أما هل يلزمها الوضوء؟ يلزمها الوضوء على قول الجمهور (٥) لأنه خارج من أحد السبيلين -وإن كان طاهرًا- وقال ابن حزم (٦): الوضوء إنما يجب عليها من حدثها لا من حدث غيرها، وخروج ماء الرجل من فرجها ليس إنزالاً منها ولا حدثًا منها فلا غسل عليها ولا وضوء. اهـ. قلت: أما قاعدة الوضوء من كل خارج من السبيلين فهي غير مسلَّمة كما تقدم، على أن مجرى المني من المرأة غير مجرى البول، فيظهر مذهب ابن حزم، إلا أنه يُحترز من أن يخالط هذا المني مذي المرأة، فالأحوط أن تتوضأ والله أعلم. ٤ - إذا جامع زوجته الصغيرة -التي لم تحض- أو كان الواطئ للمرأة صغيرًا

стр. 164

لم يبلغ فإنه يلزمها أيضًا الغسل، كما قال الإمام أحمد: «تُرى عائشة حين كان يطؤها النبي ﷺ لم تكن تغتسل؟!!» اهـ (١). ٥ - إذا دعا الرجل زوجته إلى الجماع، فليس لها أن تمنعه من هذا بحجة عدم وجود الماء للاغتسال، قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٤٥٤): «وليس للمرأة أن تمنع زوجها الجماع، بل يجامعها، فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت وصلت» اهـ. [٣]، [٤] الحيض والنفاس: وهما سببان موجبان للغُسل، لكن لما كان الاغتسال من السبب لا يتم إلا بعد انقطاعه والفراغ منه، وجب الغسل بعد انقطاع الحيض والنفاس. فعن عائشة أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» (٢). والنفاس كالحيض بالإجماع، ثم إنه قد ثبت عن النبي ﷺ التعبير بالنفاس عن الحيض والعكس. وستأتي أحكام الحيض والنفاس مفصلة، إن شاء الله. [٥] إسلام الكافر: للعلماء في حكم اغتسال الكافر إذا أسلم ثلاثة أقوال: الأول: يجب الغُسل على الكافر مطلقًا: وهو مذهب مالك وأحمد وأبي ثور وابن حزم واختاره ابن المنذر والخطابي (٣) واستدلوا بما يلي: ١ - حديث قيس بن عاصم «أنه لما أسلم أمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر» (٤) والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - ما في حديث أبي هريرة في إسلام ثمامة بن أثال من قول النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل» (٥).

стр. 165

٣ - قصة إسلام أسيد بن حضير وفيها أنه سأل مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة: كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فقالا: «تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ....» الحديث (١). الثاني: يستحب الغسل للكافر، إلا إذا كان على جنابة قبل إسلامه فيجب الغُسل: وهو مذهب الشافعي وقول عند الحنفية (٢). الثالث: لا يجب عليه الغُسل مطلقًا: وهو مذهب أبي حنيفة (٣). واستدل الفريقان بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). ٢ - حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: «الإسلام يهدم ما قبله» (٥). وفي الاستدلال بالآية والحديث نظر: فالمراد بهما غفران الذنوب، فقد أجمعوا على أن الذي أسلم لو كان عليه دين أو قصاص لا يسقط بإسلامه، ولأن إيجاب الغسل ليس مؤاخذة وتكليفًا بما وجب في الكفر، بل هو إلزام شرط من شروط الصلاة في الإسلام فإنه جنب، والصلاة لا تصح من الجنب، ولا يخرج بإسلامه عن كونه جنبًا (٦). ٣ - قالوا: أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالغسل وجوبًا، ولو وجب لأمرهم به. وفيه نظر: «فالظاهر الوجوب لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكًا لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك، وهو ليس علمًا بالعدم» (٧). فالأرجح أنه يجب على الكافر -سواء كان أصليًّا أو مرتدًّا- إذا أسلم أن يغتسل مطلقًا، ومما يشعر بأن الاغتسال عند الدخول في الإسلام كان

стр. 166

مشهورًا عند الصحابة ما في قصة إسلام أمَّ أبي هريرة: «أنها اغتسلت ولبست درعها ...» (١) وقصة إسلام أسيد بن حضير التي تقدمت. والله أعلم. [٦] صلاة الجمعة: فإن غُسل الجمعة واجب يأثم تاركه في أصح قولي العلماء، وبه قال أبو هريرة وعمار بن ياسر وأبو سعيد الخدري، والحسن، وهو رواية عن مالك وأحمد وهو مذهب ابن حزم (٢). لما يأتي: ١ - حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٣). ٢ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل» (٤). ٣ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل رأسه وجسده» (٥). ٤ - حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «حق على كل مسلم السواك، وغسل يوم الجمعة، وأن يمس من طيب أهله إن كان» (٦). ٥ - حديث حفصة أن النبي ﷺ قال: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى من راح الجمعة أن يغتسل» (٧). ٦ - وعن ابن عمر قال: «أُمرنا بالاغتسال يوم الجمعة، وأن لا نتوضأ من موطأ» (٨). قالوا: وجعل ما صرح النبي ﷺ بأنه حق لله على كل مسلم وأنه واجب على كل محتلم، ليس واجبًا ولا هو حق بمثل هذه الأدلة الآتية، فهذا أمر تقشعر منه الجلود!! (٩).

стр. 167

بينما ذهب جمهور العلماء ومعهم ابن مسعود وابن عباس من الصحابة إلى أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، ومن أهم ما استدلوا به: ١ - حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١) وهذا أصرح ما استدلوا به لكنه ضعيف على الراجح. ٢ - حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ...» (٢) قالوا: لو كان الغسل للجمعة واجبًا لما اقتصر النبي ﷺ على ذكر الوضوء. وقد أجاب عنه الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٢٢) فقال: «ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيح بلفظ: «من اغتسل» فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء» اهـ. قلت: ولهم أدلة أخرى استقصيتها وناقشتها دليلاً دليلاً في كتابي «اللمعة في آداب وأحكام الجمعة» وخلاصة المسألة أن أدلة الموجبين أصح سندًا وأقوى دلالة وأحوط عملاً، والله أعلم. [٧] الموت: وهو من أسباب وجوب الغُسل لكن ليس على الميت وإنما على من حضره من المسلمين، وسيأتي تفصيله في موضعه من «كتاب الجنائز» إن شاء الله. الأغسال المُسْتَحَبَّة: ١ - الاغتسال للعيدين: وقد ورد عن الفاكه بن سعد: «أن النبي ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى» (٣) لكنه ضعيف. لكن ربما يستدل على استحباب ذلك بأنه ثابت عن علي بن أبي طالب وابن عمر: فعن زادذان أن رجلاً سأل عليًّا ﵁ عن الغسل؟ فقال: «اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر» (٤).

стр. 168

وعن نافع: «أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى» (١). ٢ - الاغتسال بعد الإفاقة من الإغماء: لأن النبي ﷺ «اغتسل من الإغماء» (٢) وذلك كان في مرض موته ﷺ وقد نُقل الإجماع على استحبابه، وقاس العلماء الإفاقة من الجنون على الإغماء. ٣ - الاغتسال للإحرام بالحج أو العمرة: لحديث زيد بن ثابت أنه: «رأى النبي ﷺ تجرَّدَ لإهلاله واغتسل» (٣). وتغتسل المرأة ولو كانت حائضًا أو نفساء، لأمر النبي ﷺ لأسماء بنت عميس -حينما ولدت في الحج- بالغُسل (٤)، وسيأتي في «الحج». ٤ - الغسل لدخول مكة: لحديث ابن عمر: «أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله» (٥). ٥ - الاغتسال عند كل جماع إذا تعدد: لحديث أبي رافع: أن النبي ﷺ طاف ذات ليلة على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله ألا تجعله واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٦). ٦ - الاغتسال بعد تغسيل الميت (إن صَحَّ الحديث): فقد ورد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من غسَّل ميتًا فليغتسل» (٧). ٧ - اغتسال المستحاضة لكل صلاة: وقد ورد أمر المستحاضة بالغسل عند كل صلاة في جملة من الأحاديث الضعيفة (٨).

стр. 169

لكن ثبت عن عائشة: أن أم حبيبة استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة (١). قال الشافعي ﵀: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتصلي (٢) وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولا شك -إن شاء الله- أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به وذلك واسع لها. اهـ (٣). قلت: وهذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف: أن المستحاضة لا يجب عليها الغسل لكل صلاة. النية شرط لصحة الغُسل: لأن الغسل عبادة لا تعلم إلا بالشرع فكانت النية شرطًا فيها، وهي عزم القلب على فعل الغسل امتثالاً لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) والإخلاص: النية في التقرب إلى الله تعالى، والقصد له بأداء ما افترض على عباده المؤمنين، وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٥) وهذا عمل (٦). ركن الغسل: تعميم جميع البدن بالماء: فحقيقة الغسل: إفاضة الماء على جميع الجسد، ووصوله إلى كل الشعر والبشرة، وهذا ثابت في جميع الأحاديث الواصفة لغسل النبي ﷺ -وسأذكرها قريبًا- ومن ذلك ما في حديث عائشة ﵂: «... ثم يفيض على جسده كله» (٧) قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٦١): هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل. اهـ. وفي حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثًا فأصبُّ على رأسي، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي» (٨).

стр. 170

ويدلُّ على أن تعميم البدن بالماء هو فرض الغسل لا غيره، حديث أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضُفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» (١). وأما دلك الأعضاء والمضمضة والاستنشاق في الغسل، فالراجح في كل هذا الاستحباب كما يأتي تحريره، وهو مذهب الجمهور. المستحبَّات في الغسل (صفة الغسل الكامل): العمدة في هذا الباب حديثان: ١ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «كان إذا اغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب [وفي رواية: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض] على رأسه ثلاث غُرَف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله» (٢). ٢ - حديث ميمونة ﵂ قالت: «وضعت للنبي ﷺ ماءً للغسل [وسترته] فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ [بيمينه] على شماله، فغسل مذاكيره (وفي رواية: فرجه وما أصابه من الأذى) ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط [ثم غسلها] ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه وغسل رأسه، ثم صب على جسده ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته خرقة فقال بيده هكذا ولم يرُدْها» (٣). قلت: من هذين الحديثين وغيرهما نخلص إلى أن المستحب أن يكون غسل الجنابة على الصفة الآتية: (بعد أن ينوي رفع الحدث الأكبر): ١ - يغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالها في الإناء أو بدء الغسل: لما في حديث عائشة: «بدأ فغسل يديه ...» وفي لفظ مسلم (٣١٧) لحديث ميمونة: «فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا ثم أدخل يده في الإناء ...». قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٩): يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. اهـ.

стр. 171

٢ - يغسل فرجه وما أصابه من الأذى بشماله: لما في حديث ميمونة، وأما إمساك الفرج باليمين فمكروه، لقوله ﷺ : «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» (١). ٣ - يغسل يده -بعد غسل فرجه- وينقيها بالصابون ونحوه كالتراب: ففي حديث ميمونة: «ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ...» وفي لفظ «ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا» (٢). قال النووي في «شرح مسلم» (٣/ ٢٣١): «فيه أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بالتراب أو أشنان [نحو الصابون] أو يدلكها بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها» اهـ. ٤ - يتوضأ وضوءًا كاملاً كالوضوء للصلاة: وهو ثابت في حديثي عائشة وميمونة. قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٩): «يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغُسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفي بغسلهما في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدَّم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبر» اهـ. قلت: والوضوء قبل الاغتسال سنة عند جماهير العلماء خلافً لأبي ثور وداود الظاهري (٣). فائدتان: الأولى: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل: قد تقدم في «الوضوء» أن للعلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل أربعة أقوال، فأما الوضوء فقد رجحنا هناك أنه يجب فيه المضمضة والاستنشاق، وأما الغسل: فذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومشهور مذهب أحمد وعطاء وابن المبارك إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل (٤)، ومما استدلوا به:

стр. 172

١ - ما رُوى مرفوعًا: «المضمضة والاستنشاق ثلاثًا للجنب فريضة» (١). ٢ - ما رُوى مرفوعًا: «من ترك موضع شعرة من جسده لم يغسلها فعل به كذا وكذا في النار» (٢). ٣ - ما رُوى مرفوعًا: «أداء الأمانة غسل الجنابة، وتحت كل شعرة جنابة» (٣). وكل هذه أحاديث ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها. ٤ - فعل النبي ﷺ الوارد في حديث ميمونة (بدلالة الظاهر٩ وفي حديث عائشة (ضمن الوضوء) فهو بيان لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤). ٥ - أن غسل جميع البدن واجب والوجه منه، فوجب المضمضة والاستنشاق، لأنهما من الوجه كما قلنا في الوضوء. بينما ذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وهم الجمهور، إلى أنهما سنة في الغسل واستدلوا بما يأتي: ١ - أن الوضوء في الغسل غير واجب [كما تقدم] والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء، سقطت توابعه (٥). ٢ - أن فعله ﷺ لهما في الغسل لا يدل بمجرده على الوجوب لكن على الندب والاستحباب، ولا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلَّق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك (٦). ٣ - قول النبي ﷺ لأبي ذر -لما سأله عن الجنابة تصيبه ولا يجد الماء-: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (٧).

стр. 173

قالوا: والبشرة ظاهر الجلد، فلا يدخله المضمضة والاستنشاق. ٤ - حديث جبير بن مطعم قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: «أما أنا فآخذ ملء كفِّي ثلاثًا فأصب على رأسي، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي» (١). وفي لفظ: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت» (٢) ولا يصح هذا اللفظ. ٥ - قوله ﷺ لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت» (٣). قلت: لولا حديث أم سلمة الأخير لكان لإيجاب المضمضة والاستنشاق وجه قوي، لكن حديث أم سلمة يدل دلالة أكيدة على أن القدر المجزئ في الغسل هو المذكور وليس فيه ذكر المضمضة والاستنشاق، ولا يقال: إنهما داخلان في قوله (ثم تفيضين عليك الماء) فإن معنى الإفاضة لا يتناولهما كما هو واضح، فيترجَّح لي مذهب الجمهور من استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوجوب، والله أعلم. الثانية: متى يكون غسل الرجلين؟ الظاهر من حديث ميمونة أنه ﷺ أخَّر قدميه حتى أتمَّ غسله، ففي لفظ البخاري (٢٦٠): «... فلما فرغ من غسله غسل رجليه». وأما حديث عائشة فليس فيه إلا أنه كان يتوضأ قبل الغسل (٤)، فكان للعلماء في هذين الحديثين أربعة اتجاهات (٥):

стр. 174

الأول: أنه يستحب تأخير غسل الرجلين في الغسل، لحديث ميمونة وهو مذهب الجمهور. الثاني: أنه يتوضأ وضوءًا كاملاً قبل الغسل، لحديث عائشة لأنه إخبار بغالب فعله ﷺ بخلاف حديث ميمونة فإنها أخبرت عن غسل واحد، وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك وأحمد. الثالث: أنه مخيَّر بين تقديم غسل الرجلين مع الوضوء أو تأخيره، وهو رواية عن أحمد. الرابع: إذا كان يغتسل في مكان غير نظيف أخر رجليه، وإلا قدَّمه مع الوضوء، وهو مذهب مالك. قلت: وهذا الأخير أرجح، وعلى كلٍّ فالأمر فيه واسع والله أعلم. ٥ - يفيض الماء على رأسه ثلاثًا حتى يبلغ أصول الشعر. ٦ - ويبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر. ٧ - مع تخليل الشعر. ففي حديث عائشة: «ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ....». وعنها قالت: «كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب (١)، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على رأسه» (٢). وعنها قالت: «كنا إذا أصاب إحدانا جنابة، أخذت بيدها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذه بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر» (٣). فائدة: هل يخلل لحيته في الغسل؟ قال جمهور العلماء: مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حزم (٤)، لا يلزمه تخليلها وإنما يستحب، قلت: هذا محلُّه إذا كان الماء يصل إلى البشرة وإلا فيجب

стр. 175

تخليلها لإيصال الماء إليها، والأحوط على كل حال أن يخلل لحيته لعموم قول عائشة: «فيخلل بها أصول شعره». ٨، ٩ - يفيض الماء على سائر جسده، بادئًا بشقه الأيمن ثم الأيسر. وإفاضة الماء على الجسد ثابتة في جميع الأحاديث الواصفة لغسله ﷺ . وأما التيامن، فلحديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله» (١). فائدتان: الأولى: الإفاضة على سائر الجسد تكون مرة واحدة: وهذا واضح من سياق حديثي عائشة وميمونة، ففيهما التثليث في غسل اليدين والرأس وأما سائر الجسد فقالت عائشة: «ثم يفيض على جسده كله» وقالت ميمونة: «ثم أفاض على جسده» قال ابن بطال (٢): لأنه لم يقيد بعدد، فحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها» اهـ. قلت: وهذا ظاهر مذهب أحمد وأصحاب مالك واختاره شيخ الإسلام، والجمهور على استحباب التثليث. الثانية: حكم دلك أعضاء الغسل (٣): اختلف العلماء: هل يشترط في الغسل إمرار اليد على جميع الجسد، أم يكفي فيها إفاضة الماء على جميع الجسد وإن لم يمرر يديه على بدنه؟ وهي مسألة لغوية: هل يتحقق الغسل بإفاضة الماء أم لا يتحقق إلا بالدلك على الشيء؟ فذهب جمهور العلماء -خلافًا لمالك والمزني من الشافعية- إلى أن الدلك لا يجب، بل يستحب في الغسل، فلو صب الإنسان على نفسه الماء على جميع جسده فقد أدى ما أوجب الله عليه، وكذلك لو غطس في الماء فأصاب الماء جميع جسده. وأدلة الفريقين في هذه المسألة هي عين الأدلة التي تقدمت في حكم المضمضة والاستنشاق.

стр. 176

والظاهر أن الدلك مستحب وليس واجبًا. ويقوي هذا المذهب -مع حديث أم سلمة- حديث عمران بن حصين في قصة المزادتين وفيه: (... وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك») (١). وعلى هذا فلو وقف الإنسان تحت «الدش» ووصل الماء إلى جميع البدن فقد صح غُسله مع النية. غسل المرأة من الجنابة: صفة غسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل تمامًا. ولا يلزم المرأة -إذا كان لها ضفيرة- أن تنقض شعرها (تحل ضفائرها) لكن عليها أن توصل الماء إلى أصول شعرها. لحديث ميمونة قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين» (٢). وعن عائشة قالت: «كنا نغتسل وعلينا الضماد (٣) ونحن مع رسول الله ﷺ مُحلاَّت ومُحرمات» (٤). وقد أنكرت عائشة على عبد الله بن عمرو أَمْرَه للنساء بنقض رؤوسهن عند الغسل (٥). غُسل المرأة من الحيض والنفاس (٦): ١ - استعمال الصابون ونحوه من المنظفات مع الماء: لحديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها

стр. 177

فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسَّكة فتطهر بها» فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: «سبحان الله تطهرين بها» فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين بها أثر الدم (١). ٢ - أن تحلَّ ضفائرها حتى يصل الماء إلى أصول الشعر: لقوله ﷺ في الحديث السابق «ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ...» وهو دليل على أنه لا يكتفي فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة، لا سيما وفي الحديث نفسه أنها سألته عن غسل الجنابة فقال: «ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها» ولم يذكر الدلك الشديد ففرَّق بين غسل الجنابة والحيض. وقد اختلف العلماء في حكم نقض الضفائر في غسل المحيض: فذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أنه مستحب وليس بواجب (٢) وحجتهم: ١ - أن الحديث ليس صريحًا في إيجاب نقض الضفيرة. ٢ - أن حديث عائشة الذي في قصة حجة النبي ﷺ وفيه: «فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: «دعي عُمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ...» (٣) قالوا: هذا غسل للإحرام وليس غسلاً للحيض فلا يصلح دليلاً. ٣ - وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها -وكانت حائضًا-: «انقضي شعرك واغتسلي» (٤) قالوا: هذا الحديث يُرَدُّ إلى الحديث السابق فهو حديث واحد، ومن ثم أعلوا لفظة «واغتسلي» وحملوه على غسل الإحرام. ٤ - إنكار عائشة على عبد الله بن عمرو أمره للنساء بنقض رؤوسهن في الغسل. بينما ذهب الإمام أحمد والحسن وطاووس إلى أن نقض المرأة ضفائرها في غسل المحيض واجب للأحاديث السابقة، وكأنه الأرجح في المسألة كما حققه العلامة ابن القيم ﵀ (٥) وردَّ على اعتراض الجمهور بما يأتي: ١ - أما قولهم في حديث عائشة في حجِّها: إنه كان في الإحرام فصحيح، لكن غسل الحيض آكد الأغسال وقد أمر فيه النبي ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه فأمرها بنقضه -وهو غير رافع لحدث الحيض- تنبيهًا على وجوب نقضه إذا كان رافعًا للحدث بطريق الأولى. ٢ - وأما حديثها أنه قال لها وهي حائض: «انقضي شعرك واغتسلي». فكونه غير حديث الحج وارد جدًّا لا سيما ورجال السند من المكثرين. ٣ - وأما إنكار عائشة على عبد الله بن عمرو، إنما كان لأمره للنساء بنقض رؤوسهن في غسل الجنابة بلا شك، فقد قالت: «يا عجبًا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقض رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ...» (٦). وإنما كانت تغتسل معه ﷺ من الجنابة التي يشتركان فيها لا من الحيض!! وعلى هذا فيجب على المرأة أن تحل ضفائرها في

стр. 178

غسل المحيض والنفاس خاصة، وهو الأحوط والله أعلم. ٣ - أن تتبع أثر الدم بقطعة عليها مسك أو نحوه: فيستحب أن تستعمل قطعة قماش أو قطن عليها شيء من المسك وتدخلها في فرجها بعد الاغتسال، وكذلك تطيب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، وذلك لتطييب المحل من الرائحة الكريهة، وهذا ثابت في حديث عائشة المتقدم. ويرخص للمرأة أن تفعل هذا حتى وهي في فترة الإحداد على زوجها أو ميتها لحديث أم عطية فيما تمنع منه الحادَّة: «... ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخصَّ لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُسْثِ أظفار ...» (١). وسيأتي هذا في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

стр. 179

تنشيف الأعضاء بعد الغسل: تقدم في حديث ميمونة في صفة غُسل النبي ﷺ : «فناولته ثوبًا (وفي رواية: المنديل) فلم يأخذه وهو ينفض يديه» (١) وقد استُدل بهذا على كراهة التنشيف بعد الغسل ولا حجة فيه لأمور (٢): ١ - أنها واقعة حالة يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلاً أو غير ذلك. ٢ - أن في الحديث دليلاً على أنه ﷺ كان من عادته التنشيف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. ٣ - نفض الماء بيده يدل على عدم الكراهة في التنشيف لأن كلاًّ منهما إزالة. فالحاصل: أنه لا بأس بالتنشيف بعد الغسل، والله أعلم. مسائل تتعلق بالغسل لا يلزم الوضوء بعد الغسل: من اغتسل غسلاً شرعيًا وأراد أن يصلي فلا يلزمه أن يتوضأ، حتى وإن لم يكن توضأ في اغتساله، فإن طهارة الجنابة تقضي على طهارة الحدث، لأن موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في الأكثر. فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة» (٣) وفي رواية: «يغتسل ويصلي ركعتين، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغسل» (٤). وقال ابن عمر ﵄: «إذا لم تمسَّ فرجك بعد أن تقضي غُسلك، فأي وضوء أسبغ من الغسل» (٥). قلت: ويتفرَّع على هذا انه لا يجب على المغتسل من الجنابة أن ينوي رفع

стр. 180

الحدث الأصغر، وهو مذهب الجمهور واختاره ابن تيمية (١). وعند الحنابلة أنه إذا نوى الطهارتين أجزأ منهما، وإن نوى الغسل وحده فليس له إلا ما نوى (٢). إذا اجتمع موُجِبان للغسل: كحيض وجنابة، أو جنابة وجمعة، فإنه يجزئ عنهما غسل واحد إذا نواهما معًا، وهو قول أكثر أهل العلم (٣). إذا أجنبت المرأة ثم حاضت قبل أن تغتسل: فأصلح أقوال العلماء أنه لا يلزمها أن تغتسل للجنابة وإنما يلزمها إذا طهرت أن تغتسل للجنابة والحيض معًا وتنويهما جميعًا، وهذا مذهب أحمد (٤) وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمها الغسل للجنابة ثم إذا زالت الحيضة اغتسلت للحيض، وهو مذهب عطاء والنخعي والحسن، وقال بعضهم: يلزمها غسل فرجها ثم إذا طهرت تغتسل، ولا حجة لأحد هذين القولين، والصواب الأول. ولا ينفي هذا أنها إذا أرادت أن تغتسل للجنابة أو أن تغسل فرجها ثم تغتسل إذا طهرت - فعلت ولا حرج عليها، وإنما لا يلزمها. يجوز غُسل الرجل بفضل ماء المرأة: وقد تقدم تحريره في «أحكام المياه». يجوز للرجل الاغتسال مع زوجته: ويجوز لكل منهما أن ينظر لعورة الآخر من غير كراهة، فعن عائشة قالت: «وكنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد [فيبادرني حتى أقول: دع لي دع] كلانا جنب» (٥). لا يجوز الاغتسال عريانًا أمام الناس: فإن استتر عن نظر الناس فلا بأس، وقد تقدم في حديث ميمونة «وضعت للنبي ﷺ ماءً للغسل [وسترته] فغسل يديه .... الحديث».
следующие страницы →