← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد دل على أن لعاب الكلب نجس. ٨ - لحم الخنزير: وهو نجس باتفاق أهل العلم لصريح قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١). ٩ - الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، وهي نجسة بالإجماع لقول النبي ﷺ : «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» (٢). والإهاب: جلد الميتة. ويستثنى من ذلك: ١ - ميتة السمك والجراد: فإنهما طاهرتان لقول النبي ﷺ : «أحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» (٣). ٢ - ميتة ما لا دم له سائل: كالذباب والنحل والنمل والبق ونحوها. لقول النبي ﷺ : «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله أو ليطرحه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (٤). ٣ - عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها، كل هذا طاهر على الأصل وقد علق البخاري في صحيحه (١/ ٣٤٢): قال الزهري -في عظام الميتة نحو الفيل وغيره- أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا. وقال حماد: لا بأس بريش الميتة. ١٠ - ما قطع من الحيوان وهو حي: وما قطع من الحيوان وهو حي له حكم الميتة لقول النبي ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (٥).

стр. 72

١١ - سؤر السباع والدواب التي لا يؤكل لحمها: السؤر: هو ما بقي في الإناء بعد الشرب. ويدل على نجاسته قول النبي ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (١). أما الهرة فما دونها فسؤره طاهر، لقول النبي ﷺ : «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٢). ١٢ - لحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان: وذلك لحديث أنس ﵁ قال: أصبنا من لحم الحمر -يعني يوم خيبر- فنادى رسول الله ﷺ : «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس، أو: نجس» (٣). ولحديث سلمة بن الأكوع قال: لما أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذه النار على أي شيء توقدون»؟ قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: «أهريقوها واكسروها». فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «أو ذاك» (٤). ففي الحديثين دلالة على نجاسة لحوم الحمر الأهلية لقوله ﷺ في الحديث الأول: «فإنها رجس، أو: نجس» ولأمره ﷺ في الحديث الثاني بكسر الآنية أولاً، ثم إباحته للغسل ثانيًا. هل يُعَدُّ المني طاهرًا أم نجسًا ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقول بنجاسة المني وبه قال أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة لما سئلت عن المني يصيب الثوب فقالت:

стр. 73

كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء» (١). والغسل لا يكون إلا لشيء نجس. القول الثاني: قال أصحابه بطهارة المني وممن قال بذلك الشافعي وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في المني قال: «كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ » (٢). وبحديثها أيضًا أن ضيفًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلى فيه» (٣). والاكتفاء بالفرك يدل على طهارته. وقد أجاب القائلون بالنجاسة بأن الفرك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير كما أن تطهير النعل يكون بمسحها في التراب. ويجاب عن هذا (٤) بأن فرك عائشة للمني تارة وغسله تارة أخرى لا يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهكذا قال غير واحد من الصحابة: كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وغيرهما: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة». فظهر بهذا أن فعل عائشة ﵂، إنما هو من باب اختيار النظافة (٥). ويتأيد الحكم بطهارة المني أن الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي ﷺ ، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا مما تعم به البلوى، فلو كان نجسًا لوجب على النبي ﷺ أمرهم بإزالته كما أمرهم بالاستنجاء ... ، ولم ينقل أحد هذا، فعلم يقينًا أن إزالته لم تكن واجبة، والله أعلم (٦). هل تُعَدُّ الخمر من النجاسات ؟ اختلف العلماء في حكم الخمر على قولين: الأول: أنها نجسة: وهو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم:

стр. 74

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). قالوا: الرجس هو النجس، فحكموا بنجاسة عين الخمر نجاسة حسية. القول الثاني: أنها طاهرة: وبه قال ربيعة والليث والمزني وغيرهم من السلف، ورجَّحه الشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر والألباني ﵏ وهو الراجح، لما يأتي: [١] أنه ليس في الآية دلالة على نجاسة الخمر، وذلك من أوجه: (أ) أن لفظة (رجس) من المشتركات اللفظية، فهي تحتمل معان كثيرة (٢)، منها: القذر، المحرم، القبيح، العذاب، اللعنة، الكفر، الشر، الإثم، والنجس وغيرها. (ب) أننا لم نقف على قول لأحد من السلف فسَّر الرجس في هذه الآية بالنجس بل قال ابن عباس: (الرجس: السخط) وقال ابن زيد: (الرجس: الشر). (جـ) أن لفظة (رجس) قد وردت في كتاب الله -في غير هذه الآية- في ثلاثة مواضع وليس في واحد منها (الرجس) بمعنى النجس: فالرجس في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). معناه: العذاب وفي قوله في شأن المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٤). المراد: علمهم رجس أي قبيح. وفي قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (٥). سمى الأوثان رجسًا لأنها سبب الرجز والعذاب، وليس المراد بها النجاسة الحسية، فإن عين الحجارة والأوثان ليست بنجسة، وفي قوله ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ .... فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ محتمل ... (د) لما وقع الخمر في الآية مقترنًا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية، وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٦). لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين.

стр. 75

(و) أن تحريم الخمر لا يستلزم نجاستها، أما النجاسة فإنه يلازمها التحريم فإنه يحرُم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة شرعًا وإجماعًا. (هـ) أن (الرجس) في الآية مقيد بكونه (من عمل الشيطان) فهو رجس عملي بمعنى قبيح أو محرم أو إثم، وليس رجسًا عينيًا تكون به هذه الأشياء نجسة. [٢] ومما يستدل به على طهارة الخمر: حديث أنس في قصة تحريم الخمر، وفيه «... فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، .... قال: فخرجت فأهرقتها فجرت في سكك المدينة» (١). [٣] وفي حديث الرجل الذي كان معه مزادتان فيهما خمر: «... فقال النبي ﷺ : «إن الله الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح [الرجل] المزادتين حتى ذهب ما فيهما ...» (٢). فلو كانت الخمر نجسة لأمر النبي ﷺ بصب الماء على الأرض لتطهيرها كما أمر بالصب على بول الأعرابي، ولأمرهم بالاحتراز منها. ولو كانت نجسة لأمر صاحب المزادتين بغسلهما. [٤] أن الأصل الطهارة، ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، ولم يقم الدليل على النجاسة فتبقى على الأصل. والله أعلم. هل يعتبر الدم من النجاسات ؟ الدم على أقسام: ١ - دم الحيض: وهو نجس باتفاق العلماء، وقد تقدم الدليل على نجاسته. ٢ - دم الإنسان (٣): وهو مختلف فيه، فالمشهور عند أصحاب المذاهب الفقهية أن الدم نجس، وليس عندهم حجة، إلا أنه محرم بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٤). فاستلزموا من التحريم النجاسة - كما فعلوا في الخمر - ولا

стр. 76

يخفى ما فيه، لكن نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسته، وسيأتي الكلام في ذلك. بينما ذهب جماعة من المتأخرين منهم الشوكاني وصديق خان والألباني وابن عثيمين ﵏ إلى القول بطهارته لعدم ثبوت الإجماع عندهم، واستدلوا كذلك بما يأتي: ١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم الليل على النجاسة، ولا نعمل أن النبي ﷺ أمر بغسل دمْ غير دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإنسان من جروح ونحوها، فلو كان الدم نجسًا لبينه ﷺ لدعاء الحاجة إلى ذلك. ٢ - أن المسلمين ما زالوا يصلون في جراحاتهم، وقد يسيل منهم الدم الكثير، الذي ليس محلاًّ للعفو، ولم يرد عنه ﷺ الأمر بغسله، ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون عنه تحرزًا شديدًا: - قال الحسن: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (١). وفي حديث الصحابي الأنصاري «الذي قام يصلي في الليل، فرماه المشرك بسهم، فوضعه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ومضى في صلاته وهو يموج دمًا» (٢). قال الألباني (٣) ﵀: وهو في حكم المرفوع، لأنه يُستبعد عادة أن لا يطَّلع النبي ﷺ على ذلك، فلو كان الدم الكثير ناقضًا لبينه ﷺ ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم من علم الأصول، وعلى فرض أن النبي ﷺ خفى ذلك عليه، فما هو بخاف على الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فلو كان ناقضًا أو نجسًا لأوحى بذلك إلى نبيه ﷺ كما هو ظاهر لا يخفى على أحد. اهـ. وفي حديث مقتل عمر بن الخطاب ﵁: «صلى عمر وجُرحه يثعب دمًا» (٤). أي: يجري دمًا.

стр. 77

٣ - لحديث عائشة -في قصة موت سعد بن معاذ- قالت: «لما أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل في الأكحل، فضرب له رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب .... فبينما هو ذات ليلة إذ تفجر كَلْمُه فسال الدم من جرحه حتى دخل خباء إلى جنبه، فقالوا: يا أهل الخباء ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فنظروا، فإذا سعد قد انفجر كَلْمُه والدم له هدير فمات» (١). قلت: ولم يرد أن النبي ﷺ أمر بصب الماء عليه لا سيما وهو في المسجد كما أمر بالصب على بول الأعرابي. ٤ - أن ابن رشد لما ذكر اختلاف العلماء في دم السمك، ذكر أن السبب في اختلافهم هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم جعل دمه كذلك ومن أخرج ميتته أخرج دمه قياسًا على الميتة. ونقول: هم يقولون بطهارة ميتة الآدمي، فكذلك دمه على قاعدتهم. ولذا قال ابن رشد عقبه: «والنص إنما دلَّ على نجاسة دم الحيض، وما سوى ذلك فهو على الأصل المتفق عليه بين المتنازعين، وهو الطهارة، فلا يخرج منه إلا بنص تقوم به الحجة» اهـ. فإن قيل: ألا يقاس على دم الحيض، ودم الحيض نجس؟ قلنا: هذا قياس مع الفارق: فإن دم الحيض دم طبيعة وجبلة النساء، قال ﷺ : «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (٢) وقال في الاستحاضة: «إنه دم عرق» (٣). ثم إن دم الحيض دم غليظ منتن له رائحة مستكرهة، فأشبه البول والغائط، لا الدم الخارج من غير السبيلين. ٣ - دم الحيوان مأكول اللحم: والقول فيه كالقول في دم الآدمي من جهة عدم الدليل على النجاسة، فتستصحب البراءة الأصلية. ويؤيد القول بطهارته أيضًا: حديث ابن مسعود قال: «كان النبي ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل

стр. 78

وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد، فيضعه على كتفيه، فانبعث أشقاهم، فملا سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه وثبت النبي ﷺ ساجدًا فضحكوا .... الحديث» (١). فلو كان دم الجزور نجسًا لألقى النبي ﷺ ثوبه، أو خرج من صلاته. وقد صح «أن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها ولم يتوضأ» (٢). وإن كان هذا الأثر قد يُنازع في الاستدلال على طهارة دم الحيوان، لأن ابن مسعود لم يكن يرى طهارة البدن والثوب شرطًا لصحة الصلاة، ويرى أنها مستحبة. قلت: لو ثبت الإجماع على نجاسة الدم لم نلتفت إلى أدلة المتأخرين، وإن لم يثبت فالأصل الطهارة ولسنا بحاجة إلى هذه الأدلة، والذي ظهر لي -بعد اختياري للقول بالطهارة على مدى عشر سنوات- أن الإجماع في المسألة ثابت، قد نقله غير واحد من أهل العلم ولم يثبت ما ينقضه، وأعلى هذه النقولات ما نقل عن الإمام أحمد ثم ما نقله ابن حزم - خلافًا لمن ظن أن مذهبه القول بالطهارة!! - ومما وقفته من ذلك: قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٢٤٠): سئل أحمد: الدم والقيح عندك سواء؟ قال: لا، الدم لم يختلف الناس فيه. وقال مرة: القيح والصديد والمدة عندي أسهل من الدم. اهـ. وقد نقل ابن حزم في مراتب الإجماع: اتفاق العلماء على نجاسة الدم. وكذا نقل -هذا الاتفاق - الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٠). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٠): وحكم كل دم كدم الحيض إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله في نجاسة الدم أن يكون مسفوحًا فحينئذ هو رجس والرجس نجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس. اهـ. وقال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٧٩):

стр. 79

اتفق العلماء عل أن الدم حرام نجس لما يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى هاهنا مطلقًا، وعينه في سورة الأنعام مقيدًا بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعًا. اهـ. وقال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٦): والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف. اهـ. قلت (أبو مالك): الذي يترجح لدى أن الدم نجس لثبوت الإجماع حتى ينقل عن إمام يتقدم على أحمد ﵀ القول بالطهارة، والله أعلم. هل «قيء الآدمي» نجس ؟ قد تقدم مرارًا أن الأصل في جميع الأشياء: الطهارة، وأنه لا ينقل عن ذلك الأصل إلا بناقل صحيح للاحتجاج به، غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه، فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت، وإن لم نجد ذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع لمدعي النجاسة، لأن هذه الدعوى تفيد أن الله تعالى قد أوجب على عباده غسل هذه الأعيان، التي يزعم أنها نجسة وأن وجودها يمنع الصلاة بها، فما الدليل على ذلك؟! والقيء ونحوه من هذا القبيل فلم يصح فيه ما ينقله عن الطهارة الأصلية، وقد ورد فيه حديث عمار: «إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني» لكنه ضعيف لا يحتج به. والله أعلم. وقد ثبت عن أبي الدرداء «أن النبي ﷺ قاء فأفطر فتوضأ» (١). وليس في هذا الحديث دلالة على نجاسة القيء، وليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه، ولا يدل على نقض الوضوء به، وإنما غايته مشروعية الوضوء من القيء، لأن مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب.

стр. 80

هذا على أنه ليس كل ما ينقض الوضوء يُعدَّ نجسًا، وإلى هذا ذهب ابن حزم واختاره شيخ الإسلام في الفتاوى. ما حكم الإفرازات التي تخرج من فرج المرأة وما يسمى برطوبة فرج المرأة؟ للعلماء في رطوبة فرج المرأة مذهبان (١): الأول: أنه نجس: لأنه في الفرج لا يخلق منه الولد، أشبه المذي، واستدلوا، بحديث زيد بن خالد أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره» قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .... الحديث (٢). وحديث أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم يُنزل؟ قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي» (٣). قالوا: فأمر النبي ﷺ بغسل ما أصيب من فرج المرأة دليل على نجاسة رطوبة الفرج. واعترض: بأن الحديثين منسوخان (٤) بأحاديث الأمر بالغُسل كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. وبأنه يحتمل أن يكون الأمر بالغسل من أجل المذي الذي يخرج منه أو منها. واستدلوا كذلك على نجاسته بكونه خارجًا من أحد السبيلين، والقاعدة: «أن ما خرج من السبيلين فهو نجس عدا المني». القول الثاني: أن إفرازات الفرج طاهرة (٥): ويستدل لهذا المذهب بما يلي: ١ - أن عائشة ﵂ كانت تفرك المني من ثوب النبي ﷺ وهو من جماع فإنه

стр. 81

ما احتلم نبي قط (١)، وهو يلاقي رطوبة الفرج، ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها، لأنه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته. ٢ - أن هذه الإفرازات أمر لا يخفى، وهي كثيرة في النساء، ولا شك أنه كان موجودًا في النساء في عهد النبي ﷺ كنساء زماننا، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرهن بالغسل منه أو الوضوء منه. ٣ - أن مخرج هذه الإفرازات غير مخرج البول النجس. ٤ - أن قول الفقهاء (كل ما خرج من السبيلين نجس، عدا المني) فهذا ليس قولاً عن المعصوم ﷺ ولم ينعقد عليه إجماع الأمة، بل قد ورد أن بعض ما يخرج من السبيلين لا ينقض الوضوء كدم الاستحاضة على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله. قلت: والذي يترجح عندي التفصيل: فإن كانت هذه الإفرازات تخرج من المرأة عند ملاعبة الزوج أو إرادة الجماع ونحوه خاصة، فهذا هو المذي، وقد عرفت أنه نجس يجب غسله، وأنه ناقض للوضوء. وأما إذا كانت هذه الإفرازات تخرج من فرج المرأة في غالب الأوقات، وتزداد أثناء الحمل، وعند بذل المجهود أو المشي الكثير، فهذه طاهرة على الأصل لعدم الدليل على نجاستها، والله أعلم. ما يعفى عنه من النجاسات: تعدد أقوال الفقهاء في نوع وقدر النجاسة التي قد تصيب الثوب أو المكان أو البدن ويكون معفوًّا عنها (٢). إلا أن الضابط لما يُعفى عنه من النجاسات هو الضرورة أو عموم البلوى مع تعذُّر الاحتراك منها، وحصول الحرج والمشقة في إزالتها. كيفيات التطهير لأنواع النجاسات التي ورد النص ببيانها: أ- تطهير الثوب من دم الحيض: يكون بفرجه وقشره، ثم دلكه بأطراف الأصابع ليتحلل ويخرج، ثم تغسله بالماء، لحديث أسماء بنت أبي بكر قالت:

стр. 82

جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اله، إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: «تَحُتُّهُ، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» (١). ولحديث عائشة قالت: «كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه» (٢). وإذا أرادت المرأة أن تستخدم عودًا أو غيره لتزيل الدم به، أو أن تغسله بالماء والصابون ونحوه من المنظفات فهو أحسن: لحديث أم قيس بنت محصن قالت: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: «حُكِّيه بِضِلَع، واغسليه بماء وسدر» (٣). ٢ - تطهير الثوب من بول الرضيع: قال النبي ﷺ : «يُغسل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام» (٤). ٣ - تطهير الثوب من المذي: لما كان المذي مما يكثر حدوثه، وتعم به البلوى، جاء التخفيف في تطهيره من الشارع، فيكفي أن يرش الثوب بالماء في مكان المذي، لحديث سهل بن حنيف أنه كان يلقى من المذي شدة وعناءً، فقال للنبي ﷺ : كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه» (٥). ٤ - تطهير ذيل ثوب المرأة: إذا تنجَّس ذيل ثوب المرأة، فإنه يطهر بملامسته للأرض الطاهرة، فقد سألت امرأة أمَّ سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال النبي ﷺ : «يطهره ما بعده» (٦).

стр. 83

٥ - تطهير أسفل النعل: عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثًا فلمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما» (١). ٦ - تطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٢). ٧ - تطهير جلد الميتة بالدباغ: لقول النبي ﷺ : «إذا دُبغ الإهاب فقد طَهُر» (٣). ٨ - تطهير الأرض من البول ونحوه: يكون بالصب عليه، كما أمر النبي ﷺ بإراقة الماء على بول الأعرابي في المسجد (٤)، وإنما أمر بذلك استعجالاً للنظافة، وإلا فلو ترك حتى جف وذهب أثر النجاسة طهرت. ٩ - تطهير البئر أو السمن إذا وقعت فيها نجاسة: ويكون بنزح وإزالة النجس وما حوله ويبقى سائره طاهرًا، لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال: «ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٥). هل يتعيَّن الماء لإزالة النجاسة؟ أم يجوز إزالتها بغيره من المائعات وغيرها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين: الأول: يشترط الماء لإزالة النجاسة، ولا تصح بغيره إلا بدليل: وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد، وهو مذهب الشافعي في الجديد، وانتصر له الشوكاني ومن تبعه (٦)، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (٧). وغيره من الأدلة الدالة على طهورية الماء.

стр. 84

٢ - أمر النبي ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي (١). قالوا: والأمر للوجوب فلا يجزئ في إزالة النجاسة غير الماء!! ٣ - أمر النبي ﷺ كما في حديث أبي ثعلبة - بغسل آنية أهل الكتاب بالماء (٢). ٤ - قال الشوكاني: «الماء هو الأصل في تطهير النجاسات لوصف الشارع له [بكونه] طهورًا، فلا يعدل إلى غيره إلا إذا ثبت ذلك عن الشارع، وإلا فلا، لأنه عدول عن المعلوم كونه طهورًا إلى ما لا يعلم كونه طهورًا، وذلك خروج عما تقتضيه المسالك الشرعية» اهـ. الثاني: يجزئ التطهير بكل ما يزيل النجاسة ولا يشترط الماء: وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن مالك وأحمد، والقول القديم للشافعي، وابن حزم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا العلامة ابن عثيمين (٣)، وهو الراجح لما يأتي: ١ - أن كون الماء طهور (طاهرًا ومطهرًا) لا يمنع من كون غيره مطهرًا كذلك، فإن القاعدة (أن عدم السبب المعين لا يقتضي انتفاء المسبب المعين، سواء كان دليلاً أو غير دليل) لأن المؤثر قد يكون شيئًا آخر، وهذا هو الواقع في النجاسة (٤). قلت: بل بعض المائعات كالخل والمطهرات الصناعية تزيل النجاسة كالماء وأبلغ منه. ٢ - أن الشارع أمر بإزالة النجاسة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال كل نجاسة بالماء. ٣ - أن الشرع قد أذن في إزالة بعض النجاسات بغير الماء: كالاستجمار بالحجارة، ودلك النعلين بالتراب، وتطهير ذيل الثوب بالأرض، وغير ذلك مما تقدم. ٤ - أن إزالة النجاسة ليست من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سبب ثبت الحكم، ولذلك لا يشترط لإزالة النجاسة نية، ولكن إن

стр. 85

زالت بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك، وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة، ولم يكن له ثواب ولم يكن عليه عقاب. ويؤيد هذا أن الخمر المنقلبة خلاًّ بنفسها تطهر -عند القائلين بالنجاسة- باتفاق المسلمين. قلت: فالراجح أن النجاسة إذا زالت بأي شيء زال بذلك حكمها وصارت طاهرة. وهنا فوائد: ١ - فائدة هذه المسألة أن من كان على ثوبه أو بدنه نجاسة فاستعمل شيئًا من المنظفات الطاهرة -غير الماء- لإزالتها، فإنه يجزئه ولا يلزم أن يغسله بالماء. ٢ - لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة، لما في ذلك من فساد الأموال (١). ٣ - أن ما يحصل به الطهارة بغير الماء من المائعات وغيرها إنما هو في النجاسات الحقيقية التي تكون على الثوب أو البدن أو المكان، أما التطهير الحكمي (طهارة الحدث) كالوضوء والغسل ونحوه فلا يجزئ فيه غير الماء. الاستنجاء معنى الاستنجاء وحكمه: الاستنجاء: استفعال من (نجوت الشجرة) أي: قطعتها، فكأنه قطع الأذى عنه. وفي الاصطلاح: إزالة ما خرج من السبيلين (القُبُل والدُّبر) بماء أو حجر أو ورق ونحوها. ويطلق عليه أيضًا: (الاستجمار): لأنه يستعمل الجمار (وهي الحجارة الصغيرة) في استجماره، ويطلق عليه كذلك: (الاستطابة) لأنه يُطيِّب جسده بإزالة الخبث عنه (٢). وأما حكمه: فالاستنجاء واجب من كل خارج معتاد من السبيلين كالبول والمذي والغائط -عند جمهور العلماء خلافًا لأبي حنيفة (٣) - لقوله ﷺ : «إذا

стр. 86

ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» (١) وهذا أمر، وهو للوجوب، ثم قوله (فإنها تجزئ) والإجزاء إنما يستعمل في الواجب، وقال ﷺ : «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» (٢). والنهي عن الاقتصار على أقل من ثلاثة يقتضي التحريم، وإذا حرم ترك بعض النجاسة فترك جميعها أولى. بم يكون الاستنجاء ؟ يجزئ الاستنجاء بأحد شيئين: ١ - الحجارة ونحوها من كل جامد مزيل للنجاسة غير محترم: كالورق والخرق والخشب وما يحصل به الإنقاء من النجاسة. فعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» (٣). ولا يجوز الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، على الراجح: (أ) لحديث سلمان قال: «لقد نهانا [أي النبي ﷺ ] أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم» (٤). (ب) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا» (٥). (جـ) عن خلال بن السائب عن أبيه مرفوعًا: «إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار» (٦).

стр. 87

قلت: فإن حصل الإنقاء بثلاثة الأحجار فبها ونعمت، وإلا وجب الزيادة على الثلاثة حتى ينقى. ولا يجوز الاستجمار بالعظم أو الروث: لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم [من الجن]» (١). وعن ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أَجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس» (٢). ٢ - الاستنجاء بالماء: فعن أنس قال: «كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء، وعنزة، فيستنجي بالماء» (٣). والاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالأحجار، فقد امتدح الله تعالى أهل قباء لاستنجائهم بالماء: فعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ (٤). قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (٥). قال الترمذي (١/ ٣١): وعليه العمل عند أهل العلم، يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء، ورأوه أفضل، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. اهـ. لا يُستنجى من خروج الريح ولا يلزم الاستنجاء قبل الوضوء: من خرجت منه ريح أو قام من نومه فليس عليه الاستنجاء، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافًا، قال أبو عبد الله: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله،

стр. 88

ولا في سنة رسوله، إنما عليه الوضوء .... وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١): إذا قمتم من النوم، ولم يأمر بغيره، فدلَّ على أنه لا يجب، ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد بالاستنجاء هنا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هاهنا. اهـ (٢). وليس الاستنجاء مما يجب أن يُوصل بالوضوء، ولا يسن ولا يستحب، كما يظنه كثير من الناس، بل هو عبادة مفردة، والمقصود منه إنقاء المحل من النجاسة. ولم ينقل أحد أن النبي ﷺ كان كلما توضأ استنجى أو أمر بذلك. بعض الآداب في الاستنجاء من الآداب التي ينبغي التأدب بها عند الاستنجاء: ١ - ألا يستنجي بيمينه: لحديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» (٣). وعن سلمان قال: قال لي رجل: إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟ قال: «أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار» (٤). ٢ - أن لا يمس الفرج بيمينه: لحديث أبي قتادة السابق. ٣ - أن يدلك يده بالأرض - بعد الاستنجاء- أو يغسلها بالصابون ونحوه: فعن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض» (٥).

стр. 89

ويؤيده ما في حديث ميمونة: «... ثم صب (أي النبي) على فرجه فغسل فرجه بشماله ثم ضرب بيده على الأرض فغسلها» (١). ٤ - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء بعد البول لدفع الوسواس: فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : «توضأ مرة فنضح فرجه» (٢). كيف يستنجي من به مرض سلس البول ونحوه؟ من ابتلي بسلس البول ونحوه: فإنه يستنجي ويتوضأ لكل صلاة، ثم لا يضره ما نزل منه ما لم يدخل وقت الصلاة الأخرى، وهذا أصح قولي العلماء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم. والمبتلى بسلس البول له حكم المستحاضة، وقد قال ﷺ في شأنها: «إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي» (٣) وعند البخاري: قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٤). قلت: وإنما كان هذا هو حكم المعذور، رفعًا للحرج عنه، وقد جاءت الشريعة برفع الحرج عن الأمة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥).

стр. 90

وذهب مالك وغيره إلى أنه لا يلزمه الاستنجاء ولا الوضوء من ذلك إلا إذا أحدث حدثًا آخر. قلت: أما عدم الإلزام بالوضوء لكل صلاة ما لم يحدث فلعله أن يكون له وجه عند من يُضعِّف زيادة «وتوضئي لكل صلاة» في الحديث المتقدم على أن الأرجح الوضوء لكل صلاة كما سيأتي في «الحيض» أما عدم الإلزام بالاستنجاء، فلا وجه له، فإنه قد خرج منه ما يوجب الاستنجاء، وكان بوسعه أن يفعله قبل الصلاة بلا مشقة فوجب عليه، وإنما يعفى له عما نزل أثناء صلاته رفعًا للمشقة، والله أعلم. من آداب قضاء الحاجة: من أراد أن يقضي حاجته من بول أو غائط، فينبغي له التأدب بما يأتي: ١ - التستر والبعد عن الناس لا سيما في الخلاء: فعن جابر ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان رسول الله ﷺ لا يأتي البراز [يعني الفضاء] حتى يغيب فلا يرى» (١). ٢ - عدم اصطحاب ما فيه ذكر الله تعالى (٢): كالخاتم المنقوش عليه اسم الله، ونحو ذلك، لأن تعظيم اسم الله تعالى مما يعلم من الدين بالضرورة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣). على أنه قد ورد عن أنس أن رسول الله ﷺ : «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (٤) لكنه حديث منكر أعله الحفاظ. ومن المعلوم أن خاتم النبي ﷺ كان نقشه فيه «محمد رسول الله» (٥). قلت: وإذا كان هذا الخاتم أو نحوه مستورًا بساتر - كأن يوضع في الجيب ونحوه - جاز الدخول به، قال أحمد بن حنبل: «إن شاء جعله في باطن كفه». وإن خاف ضياعه إن تركه خارجًا، جاز الدخول به للضرورة، والله أعلم.

стр. 91

٣ - التسمية والاستعاذة عند الدخول: وهذا إذا كان سيدخل البنيان (دورة المياه) ويقولها عند تشمير الثياب إذا كان في الفضاء: لقوله ﷺ : «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله» (١). وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٢). ٤ - تقديم الرجل اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج: ولم أقف في هذا على نص خاص عن النبي ﷺ ، لكن قال الشوكاني في «السيل الجرار» (١/ ٦٤): وأما تقديم اليسرى دخولاً واليمنى خروجًا، فله وجه، لكون التيامن فيما هو شريف، والتياسر فيما هو غير شريف، وقد ورد ما يدل عليه في الجملة. اهـ. ٥ - عدم استقبال القبلة أو استدبارها عند القعود لقضاء الحاجة: لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا». قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى (٣). لكن، قد صح عن ابن عمر أنه قال: «لقد رقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته» (٤). وإذا كان مستقبلاً بيت المقدس -وهو بالمدينة- فهو مستدبر للكعبة!! قلت: وفي فهم هذين الحديثين أربعة أقوال مشهورة لأهل العلم (٥).

стр. 92

الأول: أن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلق سواء في البنيان أو الصحراء. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وابن حزم، واختاره شيخ الإسلام، ونقله ابن حزم عن أبي هريرة وأبي أيوب وابن مسعود وسراقة بن مالك، وعن عطاء والنخعي والثوري والأوزاعي وأبي ثور (١)، واحتجوا بحديث أبي أيوب المتقدم. وأجابوا عن حديث ابن عمر بأمور: (أ) أن الحاظر مقدم على المبيح. (ب) أنه ليس فيه أن ذلك كان بعد النهي عن الاستقبال والاستدبار. (جـ) أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة إلا ما يدل دليل على أنه أراد الاقتداء به في ذلك وإلا كان فعله خاصًّا به. قلت: وربما تأيد هذا الأخير بأن رؤية ابن عمر للنبي ﷺ اتفقت له من غير قصد، فكأن النبي ﷺ لم يرد بهذا بيان حكم شرعي جديد. الثاني: أن النهي خاص بالصحراء دون البنيان: وبه قال مالك والشافعي وأصح الروايتين عن أحمد وإسحاق، وقد سلكوا بهذا مسلك الجمع بين الدليلين، وقالوا: إن قاعدة (القول مقدم على الفعل) إنما يعمل بها في حالة ثبوت الخصوصية ولا دليل عليها. الثالث: أنه يجوز الاستدبار فقط دون الاستدبار: وقد حكى عن أبي حنيفة وأحمد، عملاً بظاهر حديث ابن عمر مع حديث أبي أيوب. الرابع: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا: وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، وحجتهم أن الأحاديث تعارضت فيرجع إلى أصل الإباحة. قلت: ولعل القول الأول -وهو التحريم مطلقًا- هو الأقوى دليلاً والأحوط عملاً، والله أعلم. ٦ - اجتناب الكلام مطلقًا إلا للحاجة: فعن ابن عمر ﵄ «أن رجلاً مر على النبي ﷺ -وهو يبول- فسلَّم عليه فلم يرد عليه» (٢).

стр. 93

ورد السلام واجب، فتركه يدل على تحريم الكلام -لا سيما- إذا كان بذكر الله تعالى. لكن إذا تكلم للحاجة التي لابد منها كإرشاد أحد، أو طلب ماء أو نحوه فإنه يباح للضرورة والله أعلم. ٧ - اجتناب قضاء الحاجة في طريق الناس ومستظلهم ونحو ذلك: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «اتقوا اللاعنين» قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم» (١). ٨ - اجتناب التبول في المستحم (مكان الاغتسال): وخصوصًا إذا كان يتجمع الماء فيه مثل «البانيو» ونحوه، فقد «نهى النبي ﷺ أن يبول الرجل في مغتسله» (٢). ٩ - اجتناب التبول في الماء الراكد الذي لا يجري: لحديث جابر أن النبي ﷺ «نهى أن يبال في الماء الراكد» (٣). ١٠ - ارتياد المكان الرخو اللين عند التبول، واجتناب المكان الصلب، احترازًا من ارتداد النجاسة عليه. ١١ - التزام آداب الاستنجاء التي تقدم ذكرها. ١٢ - أن يقول إذا خرج: «غفرانك»: فعن عائشة أن النبي ﷺ : «كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (٤). هل يجوز للرجل أن يبول قائمًا ؟ في هذا الباب خمسة أحاديث عن رسول الله ﷺ : ثلاثة صحاح، في أحدها إنكار عائشة لبوله ﷺ قائمًا، وفي الثاني حكاية بوله قائمًا وفي الثالث حكاية بوله جالسًا. وحديثان ضعيفان، في أحدهما نهيه عن البول قائمًا، وفي الآخر: وصف البول قائمًا بأنه من الجفاء، وإليك هذه الأحاديث:

стр. 94

١ - حديث عائشة قالت: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا» (١). ٢ - حديث حذيفة «أن النبي ﷺ انتهى إلى سباطة قوم، فبال قائمًا، فتنحيت فقال: «ادنه» فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ ومسح على خفيه» (٢). ٣ - حديث عبد الرحمن بن حسنة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كهيئة الدَّرقة، فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها ...» (٣). ٤ - عن ابن عمر قال: قال عمر: رآني رسول الله ﷺ أبول قائمًا، فقال: «يا عمر، لا تبل قائمًا» قال: فما بلت قائمًا بعد (٤). ٥ - عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» (٥). قلت: ولأجل هذه الأحاديث، اختلف أهل العلم في حكم البول قائمًا على ثلاث أقوال (٦): الأول: أنه يكره من غير عذر: وبه قالت عائشة وابن مسعود وعمر في إحدى الروايتين وأبي موسى والشعبي وابن عيينة والحنفية والشافعية. الثاني: أنه جائز مطلقًا: وبه قال عمر - في الرواية الأخرى - وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد وأنس وأبو هريرة وحذيفة وهو قول الحنابلة. الثالث: أنه إذا كان في موضع رخو لا يرد البول عليه جاز وإلا منع: وهو مذهب مالك ورجحه ابن المنذر.

стр. 95

قلت: والراجح أنه لا كراهة في البول قائمًا ما دام يأمن ارتداد البول عليه، لأمور: ١ - أنه لم يصح شيء عن النبي ﷺ في النهي عن ذلك. ٢ - أن ما ورد في بوله ﷺ جالسًا لا ينافي جواز البول قائمًا بل يفيد جواز الأمرين. ٣ - لثبوت البول قائمًا عن النبي ﷺ . ٤ - أن نفي عائشة لبول النبي ﷺ قائمًا مبني على علمها بفعله في بيته فلا ينفي ما وقع منه من البول قائمًا خارجه، ولا شك أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، وأن من علم -كحذيفة وغيره- حجة على من لم يعلم، وأن المثبت مقدم على النافي. والله أعلم. سنن الفطرة ما المقصود بسنن الفطرة؟ وما هي؟ «سنن الفطرة» هي: الخصال التي إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحشرهم عليها، واستحبها لهم، ليكونوا على أكمال الصفات، وأشرف صورة. وهي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه (١). ويتعلق بخصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبُّع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً (٢). أما بعض هذه الخصال فقد ورد في: ١ - حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الآباط» (٣). ٢ - حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل

стр. 96

البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، قال مصعب - أحد رواة الحديث-: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة» (١). والحاصل من الحديثين أن خصال الفطرة ليست منحصرة في هذه العشر، ولكن منها: ١ - الختان . ٢ - انتقاص الماء، أي: الاستنجاء. ٣ - السواك. ٤ - تقليم الأظفار. ٥ - قص الشارب. ٦ - إعفاء اللحية. ٧ - الاستحداد، وهو حلق الشعر حول الفرج (شعر العانة). ٨ - نتف شعر الإبط. ٩ - غسل البراجم وهي: المواضع التي تتجمع فيها الأوساخ كعقد الأصابع ومعاطف الأذن ونحوها. ١٠ - المضمضة والاستنشاق. الختان معناه وحكمه: الختان: مصدر (ختن) أي: قطع، والختن: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة من الذكر، وقطع الجلدة التي في أعلى فرج الأنثى (٢). وأما حكمه: فللعلماء فيه ثلاثة أوجه: ١ - أنه واجب على الذكر والأنثى. ٢ - أنه مستحب لهما. ٣ - أنه واجب على الذكر مستحب للأنثى. قال ابن قدامة في «المغنى» (١/ ٨٥): فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير أهل العلم. اهـ. وقال النووي في «المجموع» (١/ ٣٠١): والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور أنه واجب على الرجال والنساء ... اهـ.

стр. 97

قلت: أما ختان الذكر، فالظاهر انه واجب لما يأتي: ١ - لأنه ملة إبراهيم ﵇: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة» (١). وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٢). ٢ - ما روى أن النبي ﷺ قال لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر واختتن» (٣). ٣ - أن الختان من شعار المسلمين وميزة لهم عن اليهود والنصارى، فكان واجبًا كسائر الشعائر. ٤ - أنه قطع شيء من البدن -وهو حرام- والحرام لا يستباح إلا بواجب. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وشدد فيه مالك حتى قال: من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته، ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة، لكن السنة عنده تركها إثم (٤). أما الأنثى: فإنه يُشرع ختانها، فقد قال ﷺ : «إذا التقى الختانان وجب الغسل» (٥) والختانان: هما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ففيه بيان أن البنات كُنَّ يختتنَّ. وقد ورد في إيجاب الختان على الأنثى أحاديث لا يخلو أحدها من مقال، منها حديث أم عطية: أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : «لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل» (٦).

стр. 98

وفي رواية: «إذا خفضت فأشمِّي ولا تنهكي، فإنه أنضر للوجه، وأحظى عند الزوج» (١). وهذه أحاديث ضعيفة الإسناد، وإن كان صححها العلامة الألباني في «السلسلة الصحيحة (٧٢٢). وإذا كان كذلك، فلقائل أن يقول: الختان واجب على النساء - وإن كانت هذه الأحاديث ضعيفة - كالرجال لأن الأصل تساويهما في الأحكام إلا ما دلَّ الدليل على التفريق، ولا دليل. ولآخر أن يقول: بل هو مستحب ومكرمة للنساء وليس بواجب، ووجه التفريق (٢) بين الرجال والنساء، أن الختان في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت هذه الجلدة، فإن البول يبقى ويتجمع بها. أما في حق المرأة فغاية فائدته: أنه يقلل من شهوتها، وهذا طلب كمال وليس من باب إزالة الأذى. قلت: فختان الإناث دائر بين الاستحباب والوجوب، وقد ورد عن النبي ﷺ : «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» (٣) لكنه ضعيف ولو صح لكان حاسمًا للنزاع، والله أعلم. السواك معناه ومشروعيته: السواك: مأخوذ من (ساكَ) إذا دلَكَ، وهو في الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان، ليذهب الصفرة وغيرها عنها (٤). والسواك يستحب في جميع الأوقات لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (٥).

стр. 99

ويتأكد استحباب السواك في الأوقات الآتية: ١ - عند الوضوء: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي، أمرتهم بالسواك مع الوضوء» (١). ٢ - عند الصلاة: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢). ٣ - عند قراءة القرآن: لحديث عليٍّ قال: أُمرنا بالسواك، وقال: «إن العبد إذا قام يصلى أتاه ملك فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك» (٣). ٤ - عند دخول البيت: لحديث المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة، قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. ٥ - عند القيام لصلاة الليل: لحديث حذيفة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك» (٤) يعني: يدلك أسنانه بالسواك. ويستحب في السواك استعمال عود «الأراك» فإن لم يجد فيجزئ غيره مما تحصل به تنقية الفم وتنظيف الأسنان، كاستعمال «فرشاة الأسنان» مع المعجون الخاص بذلك، والله أعلم. هل في تقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة توقيت معين؟ هذه الخصال لا تتوقَّت بوقت معين، وإنما الضابط فيها الحاجة، فأي وقت احتيج إلى الأخذ منها كان ذلك وقته. لكي ينبغي أن لا يُترك شيء من هذا أكثر من أربعين يومًا: لحديث أنس بن مالك قال: «وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة» (٥).

стр. 100

إعفاء اللِّحية حكم إعفاء اللحية: إعفاء اللحية واجب على الرجال، لما يأتي: ١ - أمر النبي ﷺ بإعفائها، والأمر للوجوب، وليس هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ومن ذلك قوله ﷺ : «خالفوا المشركين: وفرِّوا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» (١). وقوله ﷺ : «جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس» (٢). ٢ - أن في حلقها تشبُّهًا بالكفار، كما في الحديثين السابقين. ٣ - أن حلقها من تغيير خلق الله، وطاعة للشيطان القائل ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٣). ٤ - أن في حلقها تشبُّهًا بالنساء وقد: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء» (٤). ولذا قال شيخ الإسلام: «ويحرم حلق لحيته» (٥) ونقل ابن حزم وغيره الإجماع على حرمة حلق اللحية (٦). هل يجوز قصُّ ما زاد عن القبضة من اللحية؟ ذهب بعض العلماء إلى جواز أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية، وتعلقوا بحديث ابن عمر «أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه» (٧). قالوا: وهو راوي حديث الأمر بتوفير اللحية، فهو أعرف بمرويهِّ! وليس لهم في هذا الأثر حجة لأمور (٨):

стр. 101

١ - أن ابن عمر ﵁ كان يفعله إذا حلَّ من إحرامه في الحج والعمرة، وهم يجيزونه في كل حال. ٢ - أن فعل ابن عمر هذا مخرَّج على تأوُّله لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١). في النسك أن الحلق للرأس، والتقصير من اللحية (٢). ٣ - أن الصحابي إذا قال أو فعل خلاف ما رواه، فإن العبرة بما رواه لا بفهمه وفعله، فالعبرة بالمرفوع إلى النبي ﷺ . وعلى ما تقدم فالصواب وجوب ترك اللحية وعدم الأخذ منها عملاً بعموم الأوامر الواردة في الأحاديث الصحاح (أعفوا .. أرخوا .. أرجوا .. وفروا .. أوفروا) كما ذهب إليه الجماهير من العلماء، والله أعلم. ثانيًا الطهارة الحكمية: أنواع المياه: المياه على اختلاف أصنافها، لا تخرج عن نوعين: ١ - الماء المطلق (الماء الطهور): هو الباقي على أصل خلقته، وهو كل ما نبع من الأرض أو نزل من السماء، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (٣). ويدخل في هذا: مياه الأنهار والثلوج والبَرَد والآبار، حتى وإن تغير بطول مكثه أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونه عنه. وكذلك مياه البحار، فقد قال النبي ﷺ -لما سئل عن ماء البحر-: «هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتتُه» (٤). وهذا يجوز الوضوء والغسل به بلا خلاف بين أهل العلم، وإن خالطه طاهر يسير ما دام داخلاً تحت اسم الماء، ففي حديث أم هانئ: «أن رسول الله ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين» (٥).

стр. 102

ولأمر النبي ﷺ لمن غسَّلن ابنته زينب بقوله: «اغسلنها ثلاثًا بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا» (١). أما إذا خالطه طاهر فأخرجه عن مسمى الماء إلى مسمى آخر كالشاي مثلًا فلا يجوز التطهر به وكذلك لا يجوز التطهر من الحدث بما اعتصر من الطاهرات كماء الورد ونحوه لأنه ليس ماءً على الحقيقة، قال ابن المنذر (٢): «أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء» اهـ. ٢ - الماء النجس: وهو الذي خالطته نجاسة وأثرت في أحد أوصافه: فغيرت ريحه أو لونه أو طعمه، بحيث يظن مستعمله أنه يستعمل النجاسة. وهذا لا يجوز الوضوء به، لأنه نجس في نفسه. الوضوء بالماء المتساقط من أعضاء الوضوء: الماء المتساقط من أعضاء المتوضئ ونحوه يسمى «الماء المستعمل» وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم فيه: هل يخرج بذلك عن كونه مطهرًا أم لا؟ والراجح أنه يبقى مطهرًا ما دام لم يخرج عن اسم الماء المطلق، ولم تخالطه نجاسة فأثرت في أحد أوصافه. وهذا مذهب علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي أمامة، وجماعة من السلف، والمشهور من مذهب مالك، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد، ومذهب ابن حزم، وابن المنذر، واختاره شيخ الإسلام (٣) ويؤيد هذا القول ما يأتي: ١ - أن الأصل أن الماء طهور ولا ينجسه شيء، قال ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» (٤) إلا إذا تغير أحد أوصافه، أو خرج عن اسم الماء المطلق بملاقاة طاهر. ٢ - أنه قد ثبت أن الصحابة كانوا يستعملون فضل وضوء النبي ﷺ :

стр. 103

(أ) فعن أبي جحيفة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به» (١). قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٥٣): ويحتمل أن يكونوا تناولوا ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ ، وفيه دلالة بينة على طهارة الماء المستعمل. اهـ. (ب) وفي حديث المسور بن مخرمة: «... وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه» (٢). (جـ) عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال له ولبلال: «اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما» (٣). ٣ - عن ابن عمر قال: «كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله ﷺ جميعًا» (٤). وفي رواية: «كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد ندلي فيه أيدينا». ٤ - عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : «كان يغتسل بفضل ميمونة» (٥). ٥ - عن الرُّبيّع بنت معوذ أن النبي ﷺ : «مسح برأسه من فضل ماء كان في يده» (٦). ٦ - قال ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٨٨): وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يرجع إليها من خالف القول. اهـ.

стр. 104

هذا، وقد قالت طائفة من العلماء: لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل، وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي -في إحدى الروايتين- وأصحاب الرأي (١). ولم يسلم لهم من الأدلة ما يُطمأن إليه، فليراجعها من شاء في المراجع المشار إليها. يجوز للرجل أن يغتسل بفضل المرأة: لأهل العلم في حكم تطهر الرجل بالماء المتبقي من وضوء المرأة أو غسلها مذهبان: الأول: لا يجوز للرجل التطهر بفضل المرأة: وهو مذهب ابن عمر وعبد الله بن سرجس ﵄ وأم المؤمنين جويرية بنت الحارث والحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق والشعبي وداود الظاهري (٢) وحجتهم: ١ - ما رُوي عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع- أن النبي ﷺ : «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (٣). ٢ - وعن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة [وليغترفا جميعًا]» (٤). ٣ - ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: «كان النبي ﷺ وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحدهما بفضل صاحبه» (٥). الثاني: أنه يجوز للرجل التطهر بفضل المرأة: وبه قال عمر وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجماعة من السلف، وأبو عبيد وابن المنذر، وهو مذهب الحنفية، ومالك والشافعي ورواية أحمد (٦) واحتجوا بما يأتي:

стр. 105

١ - عن عبد الله بن عباس «أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة» (١). ٢ - عن ابن عباس قال: «اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إني كنت جنبًا، فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا يجنب» (٢). ٣ - عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب» (٣) وفي رواية: «... نغترف منه جميعًا». الراجح: الذي يسلم من أدلة المذهب الأول حديث الرجل الذي صحب النبي ﷺ أربع سنين -على أنه قد غمز فيه البيهقي- مع أدلة المذهب الثاني، ويمكن الجمع بين الأدلة بأحد أمرين (٤): ١ - أن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، وأحاديث الجواز على الماء المتبقي في الإناء، وبهذا جمع الخطابي. ٢ - أن يحمل النهي على التنزيه مع جواز الأمرين. قلت: ولعل هذا الثاني أولى والله أعلم. الوضوء تعريفه، ودليل مشروعيَّته: الوضوء لغة: من الوضاءه، وهي النظافة والنضارة، والوُضوء (بالضم): الفعل، و (بالفتح): ماؤه، ومصدر أيضًا أو لغتان (٥).

стр. 106

وفي الاصطلاح: استعمال الماء على أعضاء مخصوصة (الوجه واليدين والرأس والرجلين) يرفع به ما يمنع الصلاة ونحوها. وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع: (أ) فأما الكتاب، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١). (ب) وأما السنة، فمن ذلك: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقبَلُ صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). ٢ - وعن ابن عمر قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلول» (٣). ٣ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما أُمرتُ بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (٤). ٤ - وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٥). (جـ) وأما الإجماع، فقد اتفق علماء الأمة على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد السبيل إليها (٦). من فضائل الوُضوء: (أ) أنه يعتبر نصف الإيمان: كما في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان ....» (٧).

стр. 107

(ب) أنه يكفِّر صغائر الذنوب: ١ - فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضَّأَ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إلهيا مع قطر الماء - أو مع آخر قطر الماء-، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» (١). ٢ - وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من توضأ هكذا غفر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» (٢). ويتأكد هذا الفضل والثواب لمن صلى عقب هذا الوضوء فريضة أو نافلة: ٣ - ففي حديث عثمان -في صفة وضوء النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فصلى ركعتين لا يحث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). (جـ) أنه يرفع درجات العبد: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدراجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٤). (د) أنه سبيل إلى الجنة: ١ - فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، إني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة». قال: «ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (٥).

стр. 108

٢ - وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين، يُقبِل عليهما بقلبه ووجهه، وجبت له الجنة» (١). (هـ) أنه علامة تميِّز هذه الأمة عند ورود الحوض: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا -إن شاء الله- بكم عن قريب لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت من أمتك يا رسول الله؟ قال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ محجَّلة بين ظَهْري خيل دُهْم بهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غُرًّا مُحجَّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليَادَنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال أناديهم ألا هَلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا» (٢). والغرة: اللمعة البيضاء تكون في جبهة الفرس، والمراد هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ ، والتحجيل: بياض يكون في ثلاثة قوائم من قوائم الفرس، والمراد به أيضًا: النور (٣). (و) أنه نور للعبد يوم القيامة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمنين حيث يبلغ الوضوء» (٤) والحلية هي: النور يوم القيامة. (ز) أنه حلٌّ لعقدة الشيطان: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّتْ عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (٥).

стр. 109

صفة الوضوء الكامل (إجمالاً): عن حُمران مولى عثمان أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرارٍ، فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق [واستنثر] ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١). ومن هذا الحديث وغيره -مما سيأتي تفصيله- يمكن أن نلخص صفة الوضوء فيما يأتي: ١ - ينوي الوضوء لرفع الحدث. ٢ - يذكر اسم الله تعالى. ٣ - يغسل كفيه ثلاث مرات. ٤ - يأخذ الماء بيمينه فيجعله في فمه وأنفه -من غرفة واحدة- فيتمضمض ويستنشق. ٥ - ثم يستنثر بشماله، يفعل هذا ثلاث مرات. ٦ - يغسل وجهه كله ثلاث مرات مع تخليل لحيته. ٧ - بغسل يديه - اليمنى ثم اليسرى- إلى ما فوق المرفقين مع تخليل أصابع اليدين. ٨ - يمسح رأسه كله مدبرًا ومقبلاً مرة واحدة. ٩ - يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. ١٠ - يغسل قدميه مع الكعبين -اليمنى ثم اليسرى- مع تخليل أصابع القدمين. النية شرط (٢) لصحة الوضوء: يشترط لصحة الوضوء: النية، وهي عزم القلب على فعل الوضوء امتثالاً

стр. 110

لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما هو الشأن في سائر العبادات المحضة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١). وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ...» (٢) وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود (٣). بينما ذهب أبو حنيفة إلى أن الوضوء لا يشترط له النية (٤) بناء على أنه عبادة معقولة وليست مقصودة لذاتها فأشبهت طهارة الخبث، وقول الجمهور هو الصواب، «لأن النص قد دلَّ على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب لغير مَنْوى إجماعًا، ولأنه عبادة لا تعلم إلا بالشرع فكانت النية شرطًا فيها» (٥). النية محلها القلب: قال شيخ الإسلام (٦) ﵀: محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين في جميع العبادات: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والعتق والجهاد وغير ذلك ... اهـ. فلا يشرع الجهر بها ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وتعزيره بعد تعريفه لا سيما إذا آذى به وكرره، والجاهر بالنية مسيء، ولو اعتقده دينًا وتعبد الله بالنطق بها فقد ابتدع، فإن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنية مطلقًا، ولم يحفظ عنهم ذلك، ولو كان مشروعًا لبينه الله على لسان رسوله ﷺ ثم إنه ليس هناك حاجة إلى التلفظ بالنية لأن الله يعلم بها (٧). فوائد: ١ - قال شيخ الإسلام: «.. ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى لا بما لفظ، ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجز ذلك باتفاق أئمة المسلمين، فإن النية هي جنس القصد والعزم ...» اهـ.
следующие страницы →