← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

جاء في مجلة (الوعي الإسلامي) (١) مقال للدكتور/ وجيه زين العابدين يقول فيه: (فزينة الشعر أن تضع الفتاة عليه مادة لزجة ليقف. يسمونها سبراي، وهذا قد يسبب تكسر الشعر وسقوطه، أو قد يسبب أذى في قرنية العين إذا أصابها مباشرة، أو بصورة غير مباشرة كحساسية. وربما استمر علاج هذه الإصابة بضعة أشهر، وقد يسبب صبغ الشعر حساسية للمريض لمادة البروكاتين، كما أن المصابات بحساسية البنسلين أو مادة السلفا يتأثرن جدًّا من أصباغ الشعر فيصبن بتورم حول قاعدة الشعر، وربما سقط الشعر كله .. وأشد هذه المواد خطرًا ما يستعمل لتمويج الشعر بالطريقة الباردة، حيث تستعمل مواد تذيب طبقة الكيراتين فتسبب لها تكسرًا عند تحويل الشعر المجعد إلى مسرح. ... أما المساحيق والدهون التي توضع في الوجه فإنها تعرضه للإصابة بالبثور والالتهابات في الجلد. فيضعف ويصاب بالتجعد الشيخوخي قبل الأوان، وقد يترك التجعد خطًا بارزًا تحت العين، ولما تبلغ الفتاة بعد العشرين عامًا وكم من مرة سببت الرموش الصناعية التهابًا بالجفن، أو جاءت الحساسية للجفن من الصبغ الذي يوضع فوقه. وقد يعرض الأحمر الشفاه للتورم أو تيبس جلدها الرقيق وتشققه لأنه يزيل الطبقة الحافظة للشفة. ويسبب أحيانًا صبغ الأظافر تشققًا وتكسرًا في الأظافر ويعرضها للالتهابات المتكررة والتشوه أو المرض المزمن. إن الإنسان بطبيعته لابد أن يجد له الحماية من المؤثرات الخارجية التي تصيبه بحكم حياته في هذه الأرض. والجلد هو خط الدفاع الأول. فبقدر ما تكون عنايتنا بالجلد نستفيد من قواه الدفاعية. ومن المؤسف أن المدنية الحديثة تتعرض لهذه القوى الدفاعية بالأذى عن طريق الإسراف في استعمال أدوات التجميل ومواده). وجاء في مجلة "طبيبك الخاص" السنة الثانية العدد ٤ نيسان أبريل ١٩٧٠ مقال للدكتور/عبد المنعم المفتي أستاذ ورئيس قسم الأمراض الجلدية بكلية الطب جامعة القاهرة قال فيه: وهناك من وسائل فرد الشعر ما يؤدي إلي سقوطه .. فاستعمال المكواة .. أو الفرد بالأدوية الكيميائية التي تحتوي علي مواد كاوية تؤدي إلي سقوط الشعر ..

стр. 1122

فهذه الأدوية تضعف طبيعة الشعر حتي يأخذ الشكل المطلوب .. وقد لا يعرف البعض الضرر المترتب علي شد الشعر سواء كان ذلك باستعمال "الرولو" أو بأي طريقة أخري، إذ أن الجذب لساعات طويلة معناه الجذب الواقع على جذور الشعر المشدود والحد من كمية الدم التي تصل إلي الشعر .. ومعني ذلك حدوث الضمور في خلايا جذور هذا الشعر المشدود .. وتوقف نموه .. ثم دفعه إلي الدخول في دور الركود .. ثم الذبول. نفس الخطر يظل موجودًا في حالة كثرة الفرد وتغيير اللون. وهذا يؤدي إلي حدوث التأثير السيئ علي الشعر عامة، ويؤدي إلي إضعافه. اهـ (١). ويقول الدكتور وهبة أحمد حسن (كلية الطب جامعة الإسكندرية): (إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ثم استخدام أقلام الحواجب وغيرها من مكياج الجلد، لها تأثيرها أيضًا، فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة، مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو، كما أن المواد الملونة تدخل فيها بعض المشتقات البترولية، وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد، وإن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية، أما لو استمر استخدام هذه الماكياجات فإن له تأثيرًا ضارًا على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلى. فهذه المواد الداخلة في تركيب الماكياجات لها خاصية الترسب المتكامل فلا يتخلص منها الجسم بسرعة. وإن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ينشط الحلمات الجلدية فتتكاثر خلايا الجلد، وفي حالة توقف الإزالة ينمو شعر الحواجب بكثافة ملحوظة. وإن كنا نلاحظ أن الحواجب الأصلية تلائم الشعر والجبهة واستدارة الوجه) اهـ. وتقول الدكتورة نادية عبد الحميد صالح (استشارية أمراض العيون): إن مستحضرات تجميل العيون تحتوى على كيماويات حارقه تؤدي إلى الإضرار بالعيون، وتساقط الرموش، والتهابات ودمامل بالجفون، مع ظهور الأكياس الدهنية بها، كذلك تؤدي هذه المستحضرات إلى ترهل في جلد الجفون، وتبدو العينان مرهقتين وذابلتين مع ظهور الهالات السوداء حول جفون العيون. وتحذر الدكتورة نادية من تبادل هذه المستحضرات مع الغير حتى لا تكون

стр. 1123

وسيلة لضرر آخر يكمن في العدوى بأمراض العيون عندما تستخدم سيدة أخرى أدوات التجميل كالقلم والفرشاة. اهـ (١). إن المواد التي تدهن بها الرموش الطبيعية يقول عنها الأطباء أنها مكونة من أملاح النيكل، أو أنواع مطاط صناعي، وهما يؤديان إلى التهاب الجفون، وتساقط الرموش الطبيعية. أما الألوان حول العينين فقد ذكر الأطباء عنها حقائق علمية وهي: ١ - اللون الأسود ما هو إلا كربون أسود، وأكسيد الحديد الأسود. ٢ - اللون الأزرق ما هو إلا أزرق بروس ومواد أخرى زرقاء. ٣ - اللون الأخضر هو لون أحد اكاسيد الكروم. ٤ - اللون البني هو أحد أكاسيد الحديد المحروق. ٥ - اللون الأصفر هو أكسيد حديد. وكل هذه المواد الكيميائية تسبب أضرارًا خطيرة للعين وما حولها. كما ذكر الأطباء أن من مركباتها مواد تسبب التسمم المزمن مثل (هيكزات كلوروفيل) و (فينيلين ثنائي لامين) وينتج عن ذلك تقرحات في القرنية وإنتانات في العين بسبب الأجسام غير المعقمة التي تحوي الجراثيم ومن ثم تتساقط الرموش (٢). قلت: (أبو مالك): إن كان الأمر كذلك فيمنع استعمال المكياج، وإلا فالأصل إباحته، والله أعلم. * تنبيه: طلاء الأظافر بما يسمى "المناكير" لا حرج فيه بالقيد المذكور، إلا أنه يبقى فيه أنه عازل عن وصول ماء الوضوء إلى الأظفار، فيجب إزالته عند الوضوء. ولا يفوتني أن أنبه هنا على تقليم النساء للأظفار وعدم إطالتها بالقدر الذي نراه في هذه الأيام فإن هذا مخالف لسنن الفطرة. وكذلك لا يجوز وصل الأظفار بأظفار صناعية أطول وأكثر بريقًا، فإن هذا من تغيير خلق الله، وفيه التشبه بالكافرات، ومخالفة الفطرة السليمة.

стр. 1124

٦ - الزينة بالحُلِي: يجوز للمرأة التحلي بجميع أنواع الذهب (١) والفضة: قال علي بن أبي طالب: إن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي [حلٌّ لإناثهم] " (٢). فيجوز تحلي النساء بالسوار، والقرط (الحلق)، والخاتم، وسلاسل العنق والقلائد ونحو ذلك. فعن عبد الله بن عمرو: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: "أتعطين زكاة هذه؟ " قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار" (٣). وفي حديث ابن عباس في قصة وعظ النبي ﷺ للنساء يوم العيد: " .. ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي قرطها وخاتمها" (٤). وفي حديث ثوبان: " ... فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو الحسن ... " (٥). ويجوز للمرأة أن تلبس (الخلخال" في بيتها لزوجها، لكن لا تبديه للأجانب ولا تضرب برجلها لتعلم الرجال بما تخفيه، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ (٦). * فائدة: يجوز للمرأة أن تلبس الخاتم في إصبع شاءت، بخلاف الرجل فإنه ينهى عن التختم في الأصبع الوسطى والسبابة. ففي صحيح مسلم (٢٠٧٨) عن عليٍّ قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في أصبعي هذه أو هذه فأومأ إلى الوسطى والتي تليها" (٧).

стр. 1125

وقد نقل النووي الإجماع على أن هذا النهي خاص بالرجال دون النساء، كما تقدم. * لا حرج في لبس الخاتم من حديد: لأن النبي ﷺ قال للذي أراد أن يتزوج ولم يجد شيئًا يدفعه صداقًا: " .. التمس ولو خاتمًا من حديد .. " (١). * الوشم حرام: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله" (٢). والواشمة هي من تغرز إبرة أو مسلة أو نحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم، ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيخضرَّ، ومن تطلب فعل ذلك بها فهي المستوشمة، وهذا حرام على الفاعلة والمفعول بها باختيارها والطالبة لذلك، وقد يُفعل بالبنت الصغيرة فتأثم الفاعلة، ولا إثم البنت لعدم تكليفها حينئذٍ (٣). وقد انتشرت هذه الأيام بين الفتيات ظاهرة دق الوشم، الذي اتخذ شكلًا جديدًا من حيث المكان الذي يتم فيه الوشم، حيث تسلل إلى صدور الفتيات وبطونهن (!!) فتكشف الفتاة عن عورتها مرة أمام من يقوم بتلك المهمة المنكرة -وقد يكون رجلًا- في محلات (الكوافير)!! التي خصصت قسمًا بها لدق الوشم وبأسعار باهظة!! ثم تكشف هذه العورة مرات أخرى أمام الجميع لتظهر هذه النقوش، إنها "الموضة" نعوذ بالله من الخذلان!! * فائدة: الأثر الطبي لدق الوشم على الجلد (٤): يقول الدكتور/عبد الهادي محمد عبد الغفار استشاري الأمراض الجلدية والتناسلية: إن المواد الغريبة التي تدخل الجلد تؤدي إلى حساسية الجلد، وإذا

стр. 1126

احتوى على مواد بترولية فإنه يؤدي إلى سرطان الجلد وتليفه، والوخز بالإبر يؤدي إلى نقل أمراض الكبد الوبائي والإيدز. * تنبيه: ظهر في هذه الأيام نوع آخر من الوشم، بحيث يطبع الوشم على الجلد أو يُرسم بدلًا من دَقِّه على الجلد، فهذا إذا لم يكن ضارًا بالجلد، فلا بأس به، لأنه ليس تغييرًا لخلق الله فأشبه الحناء، بشرط أن لا تبديه المرأة إلا لزوجها، وإن كان الأحوط تركه لما فيه من التشبُّه بالمتوشمات، والله أعلم. * ما حكم عمليات التجميل؟ (١): إن عمليات التجميل تشمل حالات كثيرة، ولا شك أن بعضها مباح أو واجب وبعضها حرام. ١ - فمن المباح قفل الجروح الغائرة وإعادة ترميم الجروح المتهتكة، وترقيع الحروق الشديدة، وخاصة ما يصيب الوجه والأماكن التي تظهر من الجسم غالبًا، وهذا كله يرجع إلى باب إصلاح الضرر وإعادة الهيئة الأصلية إلى الجسم، وهذا كله لا شيء فيه -إن شاء الله تعالى- بل قد يكون بعضه واجبًا. ٢ - إزالة التشوهات التي ربما تكون حدثت في أثناء الحمل بسبب عقار أو غيره، وكذلك إزالة ما يخالف أصل الخلقة كالإصبع السادسة، والزيادات اللحمية، ونحوها. وهذه نرجو ألا يكون بها بأس كذلك لأنها -إن شاء الله- لا تدخل في باب تغيير خلق الله . ٣ - كل ما يدخل في باب (تغيير خلق الله فهو حرام .. فقد خلق الله الناس منهم الطويل، والقصير، والأسود، والأبيض، والجميل والدميم، وهذا كله من آيات تفرده وإبداعه ، فهو الرب المصور كما قال تعالى: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (٢). ولا شك أن التعدي على خلق الله بتغيير الصورة، أو اللون، أو التركيب يدخل في باب العدوان على خلق الله جل وعلا كما قال تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ (٣).

стр. 1127

أي لا تبدلوا خلق الله فهو خبر يراد به الإنشاء، وكما قال تعالى عن إبليس أنه سيأمر بني آدم بتبديل خلق الله ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثًا وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا* لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا* ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليًّا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا﴾ (١). فمن عمل الشيطان في إضلال بني آدم أن يأمرهم بتغيير خلق الله. ولا شك أن عمليات التجميل التي تستهدف تغيير خلق الله بتغيير الجنس مثلًا من ذكر إلى أنثى أو العكس، أو تغيير اللون، أو تغيير الصورة التي ركب الله الإنسان عليها -وخاصة صورة الوجه- كل ذلك من اتباع الشيطان الذي يريد إضلال بني آدم، وأن يعتدوا على خلق الله بالتبديل والتغيير. ٤ - جاء النص الصريح في أمور بعينها أنها من تبديل خلق الله ومن ذلك تفليج الأسنان، ومعناه بردها لجعل فلج وفرجة بين كل سن وآخر، وكذلك وصل الشعر، وترقيق الحاجب، والوشم، كما قال ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والواصلات والمستوصلات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" (٢). وتعليل الرسول ﷺ التحريم هنا بأنه تغيير لخلق الله يدل على حرمة هذا العمل، وعلى أن هذه الأعمال من تغيير خلق الله، وعلى حرمة كل ما يدخل في هذا المعنى، وتوجد فيه هذه العلة (تغيير خلق الله). ٥ - لا شك أن أعظم أعمال تبديل خلق الله حرمة: هي تغيير الجنس من ذكر إلى أنثى والعكس، وهذا فيمن خلقه الله ذكرًا كاملًا فأراد أن يكون أنثى والعكس .. وأما من وجد في الخلق وقد اجتمعت فيه أعضاء الذكورة والأنوثة، وهو الذي يسمى باللغة العربية (بالخنثى) فإن إجراء عملية جراحية لإلحاقه بالجنس الغالب عليه .. أقول مثل هذا لا شك -إن شاء الله- في حله، لأنه لا يدخل في تغيير خلق الله بل إن هذا من خلق الله . وأما عمليات تغيير الجنس لمن كان ذكرًا كاملًا حتى يكون أنثى، أو يكون جنسًا ثالثًا كما هو حادث الآن في بعض الدول من أجل إيجاد جنس لا يحمل

стр. 1128

ويستخدم للاستمتاع فقط فهذا من الإجرام والإفساد في الأرض، ومن أشنع أنواع تبديل خلق الله لأن هذا الأمر جريمة مركبة فهو أولًا: تبديل لخلق الله ومن أعظم التبديل، ثم هو تبديل يراد به الإفساد في الأرض وإتيان الفواحش على طرق شاذة منكرة فهو أضل وأكثر إجرامًا مما كان عليه قوم لوط، والله أعلم. اهـ (١). حكم لبس العدسات الملونة للزينة والموضة سئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان -حفظه الله- عن حكم لبس العدسات الملونة بحجة الزينة واتباع الموضة علمًا بأن قيمتها غالية؟ فأجاب: لبس العدسات من أجل الحاجة لا بأس به. أما إن كان من غير حاجة فإن تركه أحسن، خصوصًا إذا كان غالي الثمن فإنه يعد من الإسراف المحرم. علاوة على ما فيه من التدليس والغش لأنه يظهر العين بغير مظهرها الحقيقي من غير حاجة إليه. اهـ (٢). قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: وبالنسبة للعدسات اللاصقة فلابد من استشارة الطبيب هل يؤثر على العين أم لا؟ إن كان يؤثر عليها منع من استعمالها نظرًا للضرر الذي يصيب العين وكل ضرر يصيب البدن فإنه منهي عنه لقول الله ﵎ ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ (٣). أما إذا قرر الأطباء بأنه لا أثر له على العين ولا يضرها فإننا ننظر مرة أخرى هل هذه العدسات تجعل عين المرأة كأعين البهائم؟ يعني كعين الخروف كعين الأرنب، فهذا لا يجوز لأن هذا من باب التشبه بالحيوان، والتشبه بالحيوان لم يرد إلا في مقام الذم والتنفير كما في قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ (٤)، وكما في قول النبي ﷺ : "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في

стр. 1129

قيئه" (١)، وكما في قول النبي ﷺ : "الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا" (٢). فإذا كانت هذه اللاصقات تجعل العين كعين البهائم فإن لبسها حرام أما إذا كانت لا تغير العين ولكنها تغير لون العين من سواد خالص إلى سواد دون ذلك وما أشبه فلا بأس، وليس هذا من باب تغيير خلق الله لأن هذه لا تثبت، فليست كالوشم، بل هي غير ثابتة متى شاءت خلعتها، بل تشبه النظارة التي تلبس على العين وإن كان انفصال النظارة أظهر وأبين من انفصال هذه اللاصقات، لأن هذه اللاصقات تكون على العين مباشرة، فعلى كل حال إن تجنبتها المرأة فهو أحسن وأولى وأسلم حتى لعينها من الخطر، ولكن الشيء الذي لابد منه هو أن نعود إلى التفصيل الذي ذكرناه. انتهى من فتاوى ضمن شريط توجيهات للمؤمنات (٣).

стр. 1130

١٠ - كتاب الزواج ومقدماته وتوابعه

стр. 1131

* الترغيب في الزواج (١)، والحث عليه: ١ - قال الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية﴾ (٢). ٢ - وقال تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ (٣). ٣ - وقال سبحانه: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (٤). ٤ - وقال سبحانه: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (٥). ٥ - وعن أنس ﵁ في قصة الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا -فجاء رسول الله صلى الله عيه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي" (٦). ٦ - وعن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: "تزوَّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم" (٧) والودود: التي تحب زوجها، والولود: التي تكثر ولادتها. ٧ - وعن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٨). والمراد بالباءة هنا: مؤنة الزواج، وتكاليفه، فإن الخطاب، موجَّه لمن له قدرة على الجماع، وبالوجاء: ما يقطع الشهوة.

стр. 1132

٨ - وفي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: " ... وفي بضع (١) أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وِزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر" (٢). ٩ - وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا: المرأة الصالحة" (٣). ١٠ - وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: "هل تزوجت؟ " قلت: لا، قال: "فتزوَّجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً" (٤). * تحريم الاختصاء (٥): ١ - عن سعد بن أبي وقَّاص قال: "لقد ردَّ ذلك -يعني النبي ﷺ على عثمان بن مظعون، ولو أجاز له التبتُّل (٦) لاختصينا" (٧). ٢ - وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب (٨) ثم قرأ علينا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٩) (١٠). والنهي عن الخصاء نهي تحريم -بلا خلاف- في بني آدم. * بعض فوائد الزواج (١١): ١ - امتثال أمر الله تعالى.

стр. 1133

٢ - اتباع سنة النبي ﷺ والاقتداء بهدي المرسلين. ٣ - كسر الشهوة وغض البصر. ٤ - تحصين الفرج وإعفاف النساء. ٥ - عدم ذيوع الفاحشة في المسلمين. ٦ - تكثير النسل الذي تتم به مباهاة النبي ﷺ لسائر الأنبياء والأمم. ٧ - تحصيل الأجر من الجماع في الحلال. ٨ - حُبُّ ما أحبه رسول الله ﷺ القائل: "حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء ... " (١). ٩ - إيجاد الولد الذي ينتفع -بعد الموت- بدعائه. ١٠ - الانتفاع بشفاعة الولدان في دخول الجنة، فعن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "يقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأتون، قال: فيقول الله : "ما لى أراهم محبنطئين (٢) ادخلوا الجنة". قال: فيقولون: يا رب آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم" (٣). ١١ - إيجاد الذرِّيَّة المؤمنة التي تذبُّ عن ديار المسلمين وتستغفر للمؤمنين. ١٢ - ما في الزواج من سكن ومودة ورحمة بين الزوجين، وغير ذلك من المنافع التي لا يعلمها إلا الله . * حكم الزواج: أجمع المسلمون على أن الزواج مشروع (٤)، ثم اختلف أهل العلم في حكمه على ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب على كل قادر عليه في العمر مرة: وهو مذهب داود الظاهري وابن حزم وهو مروي عن أحمد، وأبي عوانة الإسفراييني من أصحاب

стр. 1134

الشافعي وهو قول جماعة من السلف (١)، واستدلوا بظاهر الأوامر الواردة في بعض النصوص المتقدمة في "الترغيب في الزواج" قالوا: الأصل في الأمر أنه للوجوب ولم يصرفه صارف. الثاني: أنه مستحب: وهو مذهب أكثر أهل العلم وجمهورهم من الأئمة الأربعة وغيرهم (٢). وقد حملوا الأوامر بالنكاح على الاستحباب، فقالوا في قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (٣). إن الله تعالى علَّق الأمر بالنكاح على الاستطابة فمن لم تطب نفسه أن يتزوج فلا حرج عليه وقال: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ ولا يجب ذلك بالاتفاق فدل على أن الأمر هنا للندب، وأجيب: بأن المعلق على الاستطابة إنما هو الأمر بالتعدد لا بأصل النكاح. وقال الجمهور: وكذلك قوله تعالى: ﴿فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ (٤). لما كان التسري ليس بواجب اتفاقًا فيكون التزويج غير واجب، إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب وتُعقِّب: بأن الذين قالوا بوجوبه قيَّدوه بما إذا لم يندفع التوقان إلى الجماع بالتسرِّي. الثالث: يختلف حكمه باختلاف حال الشخص، وهذا هو المشهور عند المالكية، وهو واقع في كلام الشافعية والحنابلة (٥)، قالوا: (أ) الزواج يكون واجبًا: في حق التائق إلى الجماع الذي يخاف على نفسه الوقوع في الفاحشة بتركه، لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام وطريقه النكاح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (ب) ويكون مستحبًا: في حق من له شهوة يأمن معها الوقوع في الفاحشة، فهذا يكون الزواج له أولى من التخلي لنوافل العبادة، وبهذا قال الجمهور، إلا الشافعي فالتخلي للنوافل عنده أولى لأن الزواج عنده في حال الاعتدال مباح (!!).

стр. 1135

(ج) ويكون مُحرَّمًا: في حق من يخلُّ بالزوجة في الوطء والإنفاق، مع عدم قدرته عليه وتوقانه إليه. (د) ويكون مكروهًا: في حق مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة فاشتغاله بالطاعة من العبادة أو الاشتغال بالعلم أولى. قلت: الزواج من آكد السنن، فهو سنة المرسلين، كما تبيَّن من مجموع الآيات والأحاديث المرغبة في الزواج -والتي تقدم بعضها- ولا شك في وجوبه عند الخوف من الوقوع في الزنا مع القدرة عليه، وأما جعل بعض أقسامه مباحًا ففيه دفع في وجه الأدلة، وردٌّ للترغيبات الكثيرة المتقدمة، وكذلك لا ينبغي أن يجعل الزواج محرمًا في حق من لا شهوة له، فإن في الزواج مقاصد أخرى يمكن أن تتحقق فإن رضيت الزوجة بذلك ولم يكن قد دلَّس عليها فلا حرمة فيه، والله أعلم. * ولا يجب على المرأة الزواج (١): لحديث أبي سعيد قال: إن رجلًا أتى بابنة له إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي قد أبت أن تزوج، قال: فقال لها: "أطيعي أباك" فقالت: لا، حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟ فردّدتْ عليه مقالتها، فقال: "حق الزوج على زوجته: أن لو كان به قُرحة فلحستها أو ابتدر منخراه صديدًا أو دمًا ثم لحسته ما أدَّت حقَّه" قالت: والذي بعثك بالحق، لا أتزوَّج أبدًا، فقال صلى الله علي وسلم: "لا تُنكحوهُنَّ إلا بإذنهن" (٢). قلت: فدَّل الحديث على جواز ترك الزواج لعذر، لكن الأولى الزواج لما تقدم من المرغبات فيه وما فيه من الفوائد، فإن خشيت المرأة الوقوع في الفاحشة وجب عليها الزواج بلاشك، والله أعلم. * المحرَّمات زواجهن من النساء: وهن النساء اللاتي يحرُم على الرجل أن يتزوَّج بهنَّ، وقد ذكرهن الله تعالى في كتابه بقوله : ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا* حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا

стр. 1136

دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورًا رحيمًا* والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذالكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ (١). والمحرمات من النساء على النوعين: ١ - محرمات مؤبَّدًا: فلا يجوز للرجل زواجها في كل وقت. ٢ - محرمات مؤقتًا: لا يجوز للرجل زواجهن في حالة خاصة فإذا زالت هذه الحالة صار زواجهن حلالًا. ١ - المحرمات مؤبدًا: (أ) محرمات بالنسب (وهن سبع): ١ - الأمهات: وهن كل من بين الرجل وبينها إيلاد من جهة الأمومة أو الأبوة، كأمهاته وأمهات آبائه وأجداده من جهة الرجال والنساء وإن علون. ٢ - البنات: وهن كل من انتسب إلى الرجل بإيلاد، كبنات صلبه وبنات بناته وأبنائهن وإن نزلن (٢). ٣ - الأخوات: من كل جهة. ٤ - العمَّات: وهن أخوات آبائه وإن علون، فيدخل فيه عمة أبيه وعمة أمه. ٥ - الخالات: وهن أخوات أمهاته وأمهات آبائه. ٦، ٧ - بنات الأخ وبنات الأخت: فيعم بنات الأخ أو الأخت من كل جهة وإن نزلت درجتهن. عن ابن عباس قال: "حَرُم من النسب سبع، ومن الصهر سبع" (٣) ثم قرأ ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ...﴾ الآية (٤). فهؤلاء السبع من النساء يحرم على الرجل أن يتزوج منهن حرمةً أبدية، باتفاق العلماء (٥).

стр. 1137

وتيسيرًا لحفظ هذه المسألة فإن الضابط فيها "أن جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه إلا أربعة: بنات عمه، وبنات خاله، وبنات عمته، وبنات خالته". وهذه الأصناف الأربعة هن اللاتي أحلهن الله لرسوله ﷺ بقول: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ (١) (٢). سؤال: هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنا؟ لا يجوز -عند جمهور أئمة المسلمين- أن يتزوج الرجل بابنته من الزنا، فإن ماء الزنا وإن كان ليس له حرمة إلا أن هذه البنت داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ...﴾ (٣). فهو يتناول كل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازًا وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريم خاصة، ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها (٤). بل إن الجمهور تنازعوا فيمن تزوج ابنته من الزنا هل يقتل أو لا؟ فذهب أحمد إلى أنه يقتل!! ويلحق بهذا أيضًا أن يحرم على الرجل أن يتزوج أخته وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنا، وهو قول عامة الفقهاء (٥). (ب) محرمات بالمصاهرة (وهن أربع): ١ - زوجة الأب: فعن ابن عباس قال: "كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، قال: فأنزل الله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ و ﴿أن تجمعوا بين الأختين﴾ (٦).

стр. 1138

فنهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب: هل هو العقد أو الوطء؟ لكن قد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يدخل بها الأب، وهذا تحريم مؤبد، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعًا وإن لم يمسها. فعن البراء قال: لقيت عمي ومعه راية فقلت له: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله" (١). ومن تزوج امرأة أبيه فإن عقوبته: أن يُقتل ويؤخذ ماله. ٢ - أم الزوجة: وتحرم على الرجل بمجرد العقد على ابنتها عند جمهور أهل العلم، وهو الصواب لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾. فلم تتقيد بالدخول كما قيدت الربيبة، فإن كان دخل بزوجته حَرُمَت عيه أمها بالإجماع (٢) ويدخل في هذا أم أم زوجته، وأم أبيها. ٣ - بنت الزوجة (الربيبة): ويشترط في تحريمها أن يدخل الرجل بأمها فإن عقد على الأم ولم يدخل بها جاز أن يتزوج ابنتها. قال تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾. قلت: والراجح من أقوال العلماء أن قوله: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ يعني في بيوتكم، لا يعد شرطًا لتحريم بنت الزوجة -كما ذهب إليه الجمهور- (٣) فهو خارج مخرج الغالب وما كان كذلك فلا مفهوم له، قلت: ومما يؤيد هذا أنه تعالى احترز بقوله ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾ ولم يقل: (فإن لم يكنَّ في حجوركم)، فعلم أن الدخول بأمها شرط بخلاف وجودها في بيته والله أعلم. والمراد بالدخول هنا: الجماع كما قال ابن عباس. والله أعلم.

стр. 1139

* فائدة: ويلتحق بهذا الحكم بنات بنات الزوجة وبنات أبنائها. ٤ - زوجة الابن الذي من صلبه: فلا يجوز للرجل أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه لقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾. ويدخل في الآية أيضًا زوجة الابن من الرضاع، وأما قوله تعالى: ﴿الذين من أصلابكم﴾ فاحترز به عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية لأن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١). * فائدة: زوجة الأب وزوجة الابن، لا تحرم بناتهن على الرجل فيجوز له أن يتزوج بنت امرأة أبيه، وبنت امرأة ابنه، باتفاق العلماء فإن هذه ليست من حلائل الآباء والأبناء فإن الحليلة هي الزوجة وبنت أم الزوجة وأمها ليست زوجة بخلاف الربيبة، فإن ولد الربيبة ربيب، كما أن ولد الولد ولد (٢). وتيسيرًا لحفظ المحرمات من النساء بسبب المصاهرة يمكن القول بأن: "كل نساء الصهر (٣) حلال للرجل إلا أربعة: زوجة أبيه، وأم زوجته وبنت زوجته التي دخل بها، وزوجة ابنه". (جـ) محرمات بالرضاع: قال تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٤). ولقول النبي ﷺ في بنت حمزة: "لا تحل لي، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، هي ابنة أخي من الرضاعة" (٥). ولقوله ﷺ : "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (٦). فعُلم من هذا أنه يحرم بسبب الرضاع نفس الأصناف التي تحرم بالنسب مع جعل المرضعة بمنزلة الأم، فتكون المحرمات من الرضاع على الرجل (الرضيع) (٧):

стр. 1140

١ - المرضعة وأمها (لأنهن أمهاته). ٢ - بنات المرضعة سواء من ولدن قبله أو بعده (لأنهن أخواته). ٣ - أخت المرضعة (لأنها خالته). ٤ - بنت بنت المرضعة (لأنها بنت أخته). ٥ - أم زوج المرضعة الذي جاء لبنها بسبب الحمل منه (لأنها جدته). ٦ - أخت زوج المرضعة (لأنها عمته). ٧ - بنت ابن المرضعة (لأنها بنت أخيه). ويضاف إلى هؤلاء: ٨ - بنت زوج المرضعة ولو من امرأة أخرى (لأنها أخت الرضيع من الأب). ٩ - أخوات زوج المرضعة (لأنهن عماته). ١٠ - الزوجة الأخرى لزوج المرضع (لأنها زوجة أبيه). ١١ - زوجة الرضيع تحرم على زوج المرضع (لأنها زوجة ابنه). لأن سبب التحريم -وهو اللبن- ينفصل من المرأة بسبب الحمل من زوجها فإذا تغذى به الرضيع صار جزءًا من أجزائهما. ومما يدل على ذلك: أن النبي ﷺ أمر عائشة أن تأذن لأفلح أخي أبي القعيس -وهو عمها من الرضاعة- بالدخول عليها (١). وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا، وأرضعت الأخرى جارية، فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: "لا، اللقاح واحد" (٢). وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء (٣).

стр. 1141

١٢ - ولو كان الرضيع أنثى فيحرم عليها زوج المرضعة (لأنه أبوها) وأخو زوج المرضعة (لأنه عمها) وأبوه (لأنه جدها) وهكذا. * فائدة (١): التحريم خاص بالرضيع، ولا يتعدى إلى أحد من أقاربه، فليست أخته من الرضاعة أختًا لأخيه مثلًا، والقاعدة في هذا أن "من اجتمعوا على ثدي واحد صاروا إخوة" فأخو الرضيع مثلًا لم يشترك معهم في الرضاعة وبالتالي يجوز له أن يتزوج بنت مرضعة أخيه فإنها أجنبية عنه وإن كانت أختًا لأخيه من الرضاع والله أعلم. * شروط التحريم بسبب الرضاعة: [١] عدد الرضعات المُحَرِّمة: اختلف أهل العلم في عدد الرضعات المعتبرة في التحريم، والتي يثبت بها حكم الرضاع على أربعة أقوال (٢): الأول: تُحرم الرضعة الواحدة فأكثر: وهو مذهب الجمهور أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد، وهو قول ابن المسيب والحسن والزهري وقتادة والأوزاعي والثوري والليث، وحجتهم: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٣). ٢ - عموم قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٤). ٣ - قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٥). ٤ - حديث عقبة بن الحارث قال: تزوجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت: أرضعتكما، فأتيتُ النبى ﷺ فقلتُ: تزوجتُ فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لى: إنى قد أرضعتكما، وهى كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: "كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ دعها عنك" (٦).

стр. 1142

قالوا: ففي هذه النصوص وغيرها لم يُذكر عدد معين. ٥ - أجابوا عن الروايات التي وردت بتحديد العدد المحرِّم -وستأتي- بأنها قد اختُلف على عائشة في هذا العدد، فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم. ٦ - وعن عمرو بن دينار أنه سمع ابن عمر -سأله رجل: أتحرِّم رضعة أو رضعتان؟ فقال: "ما نعلم الأخت من الرضاعة إلا حرامًا" فقال رجل: إن أمير المؤمنين -يريد ابن الزبير- يزعم أنه لا تحرِّم رضعة ولا رضعتان؟ فقال ابن عمر: "قضاء الله خير من قضائك، وقضاء أمير المؤمنين" (١). ٧ - ولأن ذلك فعل يتعلق به تحريم مؤبَّد فلم يُعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء. الثاني: يُحرِّم ثلاث رضعات فأكثر: وهو رواية ثالثة عن أحمد وقول أهل الظاهر -إلا ابن حزم- وبه قال إسحاق وأبو عبيد، أبو ثور وابن المنذر، وحجتهم: ١ - حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرِّم المصة والمصَّتان" (٢). ٢ - حديث أم الفضل قالت: دخل أعرابى على نبى الله ﷺ وهو فى بيتى فقال: يا نبى الله، إنى كانت لى امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتى الأولى أنها أرضعت امرأتى الحُدثى رضعة أو رضعتين، فقال نبى الله ﷺ : "لا تحرم الإملاجة، والإملاجتان" (٣). والإملاجة: الرضعة كذا في القاموس. ٣ - قالوا: ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار، يُعتبر فيه الثلاث (!!). الثالث: يُحرِّم خمس رضعات فأكثر: وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد وابن حزم وبه قال عطاء وطاوس، وهو عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير، وحجة هذا القول: ١ - حديث عائشة قالت: "كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن". ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ وهنَّ فيما يقرأ من القرآن" (٤).

стр. 1143

قال النووي: "ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخَّر إنزاله جدًّا حتى إنه ﷺ توفى، وبعض الناس يقرأ (خمس رضعات) ويجعلها قرآنًا متلوًّا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى" اهـ. قلت: فهذا من القرآن المنسوخ تلاوة، الباقي حكمًا، كآية الرجم. ٢ - ما جاء في بعض طرق حديث عائشة في قصة سهلة بنت سهيل أن رسول الله ﷺ قال لها: "أرضعي سالمًا [خمس رضعات] فيحرم بلبنها" (١). ٣ - وعن عائشة قالت: "لا يُحرِّم دون خمس رضعات معلومات" (٢). الرابع: لا يُحرِّم إلا عشر رضعات فأكثر، وهو مروي عن عائشة وحفصة ﵄. ١ - فعن سالم "أن عائشة أم المؤمنين ﵂ أرسلت به -وهو يرضع- إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليَّ، قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث رضعات، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتمَّ لي عشر رضعات" (٣). ٢ - وعن صفية بنت أبي عبيد [زوجة عبد الله بن عمر]: "أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير يرضع، ففعلت فكان يدخل عليها" (٤). قلت: والراجح قول من قال: (خمس رضعات معلومات يحرمن) لحديث عائشة في نسخ العشر إلى خمس رضعات، وهو مقيد للأحاديث المطلقة فيجب حملها عليه، وأحاديث الرضعتين ليست صريحة في تحريم الثلاث أو الأربع، ثم

стр. 1144

رواية الخمس صريحة فيكون المعوَّل عليها، وعلى هذا القول تنتظم الأدلة ولا تتعارض، وأما فتوى عائشة بالعشر فليس فيه حجة لأمرين (١): ١ - أنها مخرَّجة على أن عائشة كانت تأخذ لنفسها بعشر رضعات ولغيرها بخمس رضعات كما تقدم عنها، وكذلك حفصة، فلعله كان لأزواج النبي ﷺ رضعات معلومات كما صحَّ عن طاووس. ٢ - أن العبرة بروايتها لا برأيها وفتواها، والله أعلم. * فائدة: إذا وقع الشك في عدد الرضعات: أو في عدد الرضاع المحرم: هل كمل أم لا؟ لم يثبت التحريم، لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدمه (٢). * فائدة: قال في المغني (٧/ ٥٤٧): وإذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلًا ثلاث رضعات، وانقطع لبنها، فتزوَّجت آخر فصار لها منه لبن، فأرضعت منه الصبي رضعتين، صارت أُمًّا له بغير خلاف نعلمه عند القائلين بأن الخمس محرِّمات، ولم يصر واحد من الزوجين أبًا له، لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه، ويحرم على الرجلين لكونه ربيبهما لا لكونه ولدهما" اهـ. [٢] السن المعتبرة في التحريم بالرضاع: للعلماء في السن المعتبرة في التحريم بالرضاع فيها أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة: الأول: الرضاع المحرِّم ما كان في السنتين الأوليين فقط: وهو مذهب جماهير العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وصاحبا أبي حنيفة والأوزاعي (٣)، وبه قال عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عباس وأبو موسى وأزواج النبي ﷺ سوى عائشة، وحجة هذا القول ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (٤). فهو إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال

стр. 1145

الرضاعة وهي سنتان، فدلَّ على أن الرضاعة المحرِّمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك (١). ٢ - حديث عائشة أن النبى ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنَّه تغيَّر وجهُه، كأنَّه كره ذلك، فقالت: إنه أخى، فقال: "انظرن ما إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة" (٢). يعني: أن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدَّ الرضاعة المجاعة. ٣ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحرِّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" (٣). ٤ - عن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير؟ فقال عبد الله بن عمر: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني كانت لي وليدة [يعني: أمة] وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلتُ عليها، فقالت: دونك فقد -والله- أرضعتُها، فقال عمر: أَوْجِعها [أي: ضربًا] وائتِ جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير" (٤). ٥ - وعن ابن عمر قال: "لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير" (٥). ٦ - وجاء رجل إلى بن مسعود فقال: إنها كانت معي امرأتي فحُصر لبنها في ثديها، فجعلتُ أمصُّه ثم أمُجُّه، فأتيت أبا موسى فسألتُه، فقال: حرمت عليك، قال: فقام وقمنا معه حتى انتهى إلى أبي موسى فقال: ما أفتيتَ هذا؟ فأخبره بالذي أفتاه، فقال ابن مسعود وأخذ بيد الرجل: "أرضيعًا ترى هذا؟ إنما الرضاع ما أنبت اللحم والدَّم" فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم (٦).

стр. 1146

٧ - عن ابن عباس قال: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" (١). ٨ - إنكار أزواج النبي ﷺ على عائشة قولها باعتبار رضاع الكبير وسيأتي. القول الثاني: الرضاع المحرِّم ما كان في مدة ثلاثين شهرًا، وهو مذهب أبي حنيفة (٢) وحجته: قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ (٣). فجعل المراد: الحمل في الفصال لا الحمل في الأحشاء!! القول الثالث: رضاع الكبير يحرِّم كالصغير: وهو مذهب الظاهرية وعطاء والليث (٤)، وبه قالت عائشة ﵂، وحجة هذا القول: حديث عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبى ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنى أرى فى وجه أبى حذيفة من دخول سالم (وهو حليفه) فقال النبى ﷺ : "أرضعيه" قالت: وكيف أُرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "قد علمتُ أنه رجل كبير" (٥). وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة منها: ١ - أنه واقعة عين خاصة بسهلة وبسالم، فلا عموم لها، ولذا أنكر سائر أزواج النبي ﷺ على عائشة استدلالها به، فعن عروة قال: أَبى سائر أزواج النبى ﷺ أن يدخل عليهن بتلك الرضعة أحدٌ من الناس -يريد رضاعة الكبير- وقلن لعائشة: "والله ما نرى الذى أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل إلا رخصة فى رضاعة سالم وحده من رسول الله ﷺ ، والله لا يدخل علينا أحد بهذه الرضعة ولا يرانا" (٦). ٢ - أنه منسوخ، ولا يسلَّم به لا سيما مع عدم العلم بالتاريخ. قلت: الراجح أن الرضاع المعتبر المؤثِّر ما كان في الحولين الأولين من عمر

стр. 1147

الرضيع كما ذهب إليه الجمهور، لكن إذا دعت الحاجة كرضاع الكبير -الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه- لجعله محرمًا فلا مانع من إعمال حديث سهيلة وسالم، لا سيما وأنه يجوز للحاجة ما يجوز لغيرها، وهذا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واختاره الشوكاني (١)، وهو قول رابع في المسألة، وعليه تجتمع جميع النصوص في المسألة من غير إهمال لبعضها، والله أعلم. [٣] صفة الرضاع المحرِّم: هل يشترط في الرضاع المصُّ من الثدي؟ (٢) ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن لبن المرضع يُحرِّم سواء مصَّه الطفل من ثديها أو حُلِب له في إناء وشربه منه، وسواء وضع له في الفم (الوجور) أو في الأنف (السعوط) أو بأي صفة كانت بحيث يحصل له به الغذاء وسد الجوع وإنبات اللحم وإنشاز العظم، لقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٣). وأما ابن حزم فجعل مناط التحريم مسمى "الرضاع" فقال: ولا يسمى رضاعة إلا ما أخذ الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه، قال: فأما من سُقي من لبن امرأة فشرب من إناء أو حلب في فيه فبلعه أو أطعمه بخبز أو في طعام ... فكل ذلك لا يحرم شيئًا!! قلت: وهذا مذهب الليث وداود والظاهرية، وقول الجمهور أقوى لأن الاعتبار بشرب الصبي له لأنه المحرم، ولو ارتضع بحيث يصل إلى فيه ثم مجَّه لم يثبت التحريم فكان الاعتبار به، والله أعلم. * فوائد: * إذا نزل للبكر لبن فأرضعت طفلًا فهل يُحرِّم؟ (٤) إذا نزل للمرأة لبن من غير وطء بكرًا كانت أو ثيبًا -فإن لبنها يحرِّم عند جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، ويصير الطفل الذي ارتضعه ابنًا

стр. 1148

لها، لأنه لبن امرأة فتعلَّق به التحريم كما لو نزل بوطء، ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادرًا، فجنسه معتاد. ٢ - المحرمات مؤقَّتًا: (أ) أخت الزوجة (الجمع بين الأختين): لا يجوز للرجل أن يجمع بين امرأة وأختها في وقت واحد بإجماع العلماء (١)، لكن إذا ماتت زوجته أو طلَّقها جاز له زواج أختها. قال الله تعالى في بيان المحرِّمات من النساء: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ (٢). وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: يا رسول الله، أنكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: "أو تحبِّين ذلك؟ " فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأَحَبُّ من شاركني في خيرٍ أختي، فقال النبي ﷺ : "إن ذلك لا يحل لي" (٣) .. الحديث. ويستوي في هذا أن تكونا شقيقتين أو أختين لأب أو لأمٍّ، وسواء في هذا النسب والرضاع. واختلف فيما إذا كانت ملك يمين هل يجمع بينهما؟ فمنعه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو الصواب، فإن سائر ما ذكر في آية المحرمات عام في النكاح وملك اليمين، فكذلك الجمع بين الأختين (٤). * فائدتان: ١ - إذا تزوَّج الرجل امرأة ثم تزوَّج أختها (٥): فزواج الآخرة باطل، وزواج الأولى صحيح ثابت، وسواء دخل بها أو لم يدخل، ويُفرَّق بينه وبين الآخرة، وإذا كان عنده أمة يطؤها، لم يكن له وطء أختها إلا بأن يُحرم عليه فرج التي كان يطأ ببيعها أو تزويجها أو إعتاقها ونحو ذلك. فإن تزوجهما في عقد واحد فسد، لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.

стр. 1149

٢ - إذا أسلم الكافر، وكان متزوجًا بأُختين: فإنه يُخيَّر، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، وقد ورد -بسند ضعيف- أن فيروز الديلمي قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله ﷺ : "اختر أيتهما شئت" (١). (ب) خالة الزوجة وعمتها (الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها): عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُجمع بين المرأة وعمَّتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٢). وعن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها" (٣). وعلى هذا إجماع من يُعتد بإجماعه من أهل العلم أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقية، أو مجازية وهي أخت أب الأب وأبي الجد وإن علا، أو أخت أمِّ الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهنَّ يحرم الجمع بينهما. ويمكن أن يقال: "يحرم الجمع بين امرأتين بينهما حرمة النسب أو الرضاع بحيث لو فرضت واحدة منهما ذكرًا لم يجز نكاحها مع الأخرى" (٤) فهذا هو الصفارة. فإن تزوج إحداهما على الأخرى فنكاح الآخرة مفسوخ، كما تقدم في الجمع بين الأختين (٥). (ج) المرأة المتزوجة بالغير، أو المعتدة للغير إلا المسبيَّة، وزوجة الكافر إذا أسلمت: لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ (٦). ومعنى الآية: وحرمت عليكم المتزوجات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم

стр. 1150

بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح زوجها الكافر وتحلُّ لكم إذا انقضى استبراؤها، ويؤيد هذا المعنى حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله فى ذلك: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ (١). أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. (٢) وقال ابن عباس: "كل ذات زوج: إتيانها زنا إلا ما سُبِيَتْ" (٣). وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: "كل ذات زوج عليك حرام إلا أن تشتريها أو ما ملكت يمينك" (٤). * ويلحق بالمحصنات المباحات: المرأة التي أسلمت وكانت تحت رجل كافر، فإن إسلامها يفرِّق بينها وبين زوجها المشرك، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ (٥). (د) المطلَّقة ثلاثًا لا تحل لزوجها إلا إذا تزوَّجت غيره زواجًا صحيحًا: لقوله سبحانه: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ (٦). وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في "أحكام الطلاق". (هـ) المشركة حتى تسلم: قال الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ (٧).

стр. 1151

وقال سبحانه: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ (١). وفيهما تحريم الزواج بالمشركة حتى تؤمن، وفي حديث المسور بن مخرمة -في قصة صلح الحديبية- أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ "طلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ... " الحديث (٢). * تنبيه: يستثنى من تحريم المشركات، الزواج بأهل الكتاب: قال الله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ (٣). وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المراد بالمحصنات هنا: العفيفات، سواء كنَّ من الحرائر، أو الإماء، فتبيَّن أن الكتابيات لسن داخلات في التحريم بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات ...﴾ وعليه جمهور الصحابة ومن بعدهم: ١ - عن الشعبي قال: "تزوَّج أحد الستة من أصحاب الشورى يهودية" (٤). ٢ - عن جابر -وسئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية- قال: "تزوجناهنَّ زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبى وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا، فلما رجعنا طلقناهن، وقال: لا يرثن مسلمًا ولا يرثونهن، ونساؤهم لنا حِلٌّ، ونساؤنا حرام عليهم" (٥). ٣ - عن أبي وائل قال: "تزوَّج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر: طلِّقها، فكتب إليه: لم؟ أحرام هي؟ فكتب إليه: لا، ولكني خفت أن تعاطوا المومسات منهن" (٦). ٤ - ورُوي عن عثمان بن عفان أنه: "نكح ابنة الفرافضة الكلبية -وهي نصرانية- على نسائه ثم أسلمت على يديه" (٧) وفي سنده ضعف.

стр. 1152

* وذهب الشافعي وبعض أهل العلم إلى أن من كان من بني إسرائيل يدين بدين اليهود أو النصارى نُكح نساؤه وأكلت ذبيحته، أما من دان بدينهم من غيرهم من العرب أو العجم لم تُنكح نساؤه ولم تحل ذبيحته (!!) وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ وبعض السلف: فعن عبيدة عن عليٍّ قال: "لا تؤكل ذبائح نصارى العرب، فإنهم لا يتمسَّكون من النصرانية إلا بشرب الخمر" (١). لكن هذا القول لا دليل عليه من كتاب أو سنة مرفوعة، وأما قول عليٍّ فهو مُعارض بقول غيره من الصحابة، بل قال ابن عباس: "كلوا ذبائح بني تغلب وتزوَّجوا نساءهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (٢) فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم" (٣). وقد "كتب عامل عمر إلى عمر أن قبلنا ناسًا يُدعون السامرة يقرأون التوراة، ويسبتون السبت، ولا يؤمنون بالبعث، فما ترى يا أمير المؤمنين في ذبائحهم فكتب إليه عمر بن الخطاب أنهم طائفة من أهل الكتاب" (٤). قلت: وقد تقدم أن إنكار عمر على حذيفة زواجهُ باليهودية لم يكن لتحريمه وإنما خشية أن يتزوج المسلمون المومسات والزانيات منهن، وهذا أمر معتبر ينبغي التنبُّه إليه مع القول بالإباحة، والله أعلم. * أما المسلمة فلا يحلُّ لها الزواج بالكافر: سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم، لقوله سبحانه: ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (٦).

стр. 1153

(و) الزانية حتى تتوب وتستبرئ بحيضة: قال الله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ (١). وقد اختلف أهل العلم في مفهوم هذه الآية الكريمة: هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله تعالى ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ إلى الزنا، أو إلى النكاح؟ (٢). وقد صار الجمهور -خلافًا لأحمد- إلى حمل الآية على الذم لا على التحريم، فأجازوا زواج الزانية، لأمور: ١ - أن ظاهر الآية غير مراد لأنه يستلزم القول بأن الزاني المسلم تحل له المشركة، وكذلك الزانية المسلمة يحل لها المشرك وهما ممتنعان كما تقدم. ٢ - قالوا: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ...﴾ (٣). قد خلت الزانية في أيامى المسلمين، ويعكِّر على هذا الجهل بالتاريخ فلا يثبت النسخ. ٣ - واستدلوا بحديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ في زوجته: إنها لا تردُّ يد لامس، فقال له ﷺ : "طلقها" فقال: إني لا أصبر عنها فقال له: "فأمسكها" (٤). قلت: لكن يتأيد حمل الآية على تحريم نكاح الزانية بسبب نزولها: فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن مرثد بن أبى مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغى يقال لها "عَنَاق" وكانت صديقته، فقال: جئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقًا؟ فأمسك رسول الله ﷺ فلم يردَّ عليَّ شيئًا حتى نزلت: ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ (٥). فقال رسول الله ﷺ : "يا مرثد، الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها" (٦). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" (٧).

стр. 1154

وهذا مذهب قتادة وإسحاق وابن عبيد وأحمد واختاره شيخ الإسلام (١). فلا يجوز زواج الزانية إلا بشرطين: ١ - أن تتوب: لأن بتوبتها يزول عنها الوصف الذي من أجله حُرِّم نكاحها في الآية الكريمة، وقد قال النبي ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢). ٢ - الاستبراء بحيضة: وهو شرط عند أحمد ومالك لقول النبي ﷺ في المسبيَّات: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" (٣). فاشترط استبراء الأمة بالمحيض براءة الرحم قبل تجويز وطئها فكذلك زواج الزانية، وهو الصواب والله أعلم. (ز) المُحْرِمة حتى تتحَلَّل: لا يحل للمحرم أو المحرمة عقد الزواج حال الإحرام، فإن عقد أحدهما فنكاحه باطل، وهذا مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْكِح المُحرِم، ولا يُنْكَح، ولا يخطب" (٤). وقد تقدمت هذه المسألة بأدلتها في "كتاب الحج" فراجعها غير مأمور. (ج) الزواج بخامسة ما دام تحته أربع: قال الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (٥). فانتهى عدد ما رخَّص فيه للمسلمين إلى أربع، فلا يحل لمسلم أن يجمع بين أكثر من أربع، إلا ما خص الله به رسوله ﷺ دون المسلمين من نكاح أكثر من أربع يجمعهن ومن النكاح بغير مهر. وقد أجمع أهل العلم -إلا من لا يعتدُّ بخلافه من الشيعة- على هذا (٦).

стр. 1155

ومن كان مشركًا ثم أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة فإنه يؤمر بفراق من شاء منهن مما زاد على الأربع. وقد ورد عن ابن عمر "أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يتخيَّر أربعًا منهن" (١). وهو حديث مُعلٌّ إلا أن الإجماع منعقد على العمل به. ومن تزوَّج خامسة وعنده أربع: فزواجه باطل، وعليه الحدُّ إن كان عالمًا، عند مالك والشافعي، وقال الزُّهري: يُرجم إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلًا أدنى الحدين الذي هو الجَلد، ولها مهرها، ويُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا (٢). الأنكحة الفاسدة شرعًا (٣) [١] نكاح الشغار: وهو أن يزوِّج ابنته أو أخته أو موليته، على شرط أن يزوِّجه ابنته أو أخته أو موليته، سواء كان بينهما صداق أو لم يكن على الأصح. وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح الشغار، واختلفوا في صحته، فالجمهور على بطلانه (٤) لما يأتي: ١ - حديث جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار" (٥). ٢ - وعن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار" قال: والشغار أن يقول الرجل للرجل زوِّجني ابنتك وأوزوجك ابنتي، أو: زوجني أختك وأزوجك أختي (٦).

стр. 1156

٣ - عن الأعرج "أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال فى كتابه: هذا الشغار الذى نهى عنه رسول الله ﷺ " (١). ٤ - قول النبي ﷺ : "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق" (٢). ٥ - ثم "إن اشتراط المبادلة مقتضي لفساد هذا النكاح، لما فيه من فساد كبير، لأنه يُفضي إلى إجبار النساء على النكاح ممن لا يرغبن فيه إيثارًا لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء، وهو ظلم لهن، ولأن ذلك يُفضي إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن، كما هو واقع بين من يتعاطون هذا العقد المنكر، وكذلك لما يُفضي إليه هذا النكاح من النزاع والخصومات بعد الزواج، وهذا من العقوبات العاجلة لمن خالف شرع الله" (٣). [٢] نكاح المُحَلِّل: وهو أن يتزوج الرجل المطلقة ثلاثًا، ثم يطلقها، لأجل أن تحلَّ لزوجها الأول. وهو من الكبائر، حرَّمه الله تعالى ولعن فاعله والمفعول لأجله: ١ - فعن ابن مسعود قال: "لعن رسول الله ﷺ المُحِلَّ والمحلَّل له" (٤). * وقد ذهب عامة أهل العلم، منهم: مالك والشافعي -في قول- وأحمد، والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم، إلى أن نكاح التحليل فاسد، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعثمان بن عفان من الصحابة (٥). ١ - فعن عمر بن الخطاب قال: "لا أُوتَي بمحلِّل وبمحلَّلة إلا رجمتهما" (٦).

стр. 1157

٢ - وسئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: "ذلك السفاح" (١). * وسواء في هذا: أن يُشترط عليه طلاق المرأة لتحلَّ لزوجها، أو لا يُشترط لكن ينوي هو تحليلها، فالنكاح فاسد: ٣ - فعن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليُحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: "لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ " (٢). وذهب أبو حنيفة والشافعي -في قوله الثاني وهو المشهور- إلى أن النكاح صحيح والشرط باطل (٣)!! ولا يسلم لهذا القول دليل، والصحيح أنه نكاح فاسد. * فائدة: المعتبر في فساد النكاح نيَّة الزوج الثاني (المحلِّل): فلا يخلو من حالين: ١ - أن ينوي زواج المرأة ثم تطليقها لتحليلها لأول، سواء شُرط عليه أم لا، فالنكاح حينئذ فاسد، ويكون ملعونًا. ٢ - أن يُشرط عليه تحليل المرأة قبل العقد، فينوي -هو- غير ما اشترطوا عليه ويقصد النكاح رغبة، فالنكاح صحيح، لأنه خلا من نية التحليل وشرطه (٤). * ولا اعتبار لنية الزوج الأول، أو المرأة نفسها: لأن الزوج الأول لا يملك شيئًا من العقد، ولا من رفعه، فهو أجنبي كسائر الأجانب. وكذلك المرأة لأن الطلاق والإمساك إلى الزوج الثاني لا إليها، ومما يؤيد هذا: أن امرأة رفاعة القرظى جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلَّقنى فبَتَّ طلاقى، وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى، وإنما معه مثل الهُدبة، فقال ﷺ : "لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلتكِ، وتذوقى عُسَيْلته" (٥) يعني: يجامعك. فلم يعتبر نيَّتها شيئًا.

стр. 1158

[٣] نكاح المتعة: وهو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل مؤقت -يوم أو يومين أو أكثر- في مقابل شيء يعطيه إياها من مال أو نحوه. وقد كان هذا النكاح حلالًا على عهد رسول الله ﷺ ثم نسخه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ فحرَّمه تحريمًا باتًا إلى يوم القيامة، وعلى هذا جماهير أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم (١). وقد اختلفت الأخبار في الوقت الذي نسخ فيه نكاح المتعة، والذي صحَّ منها (٢): ١ - نَسخه في خيبر: صحَّ أن عليًا قال لابن عباس: "إن النبي ﷺ نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر" (٣). ثم رخَّص النبي ﷺ في المتعة بعد ذلك، ولم يبلغ عليًّا ﵁ هذا الترخيص، فبنى على ما سمعه من رسول الله ﷺ من حديث التحريم يوم خيبر، وعلى ما استقرَّ عليه الأمر أيضًا (٤). ٢ - نسخه في عام الفتح: فعن الربيع بن سبرة أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة قال: "فأقمنا بها خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء ... ثم استمتعت منها (أي من فتاة) فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ " (٥) وفي لفظ: " ... فكُنَّ معنا [يعني النساء اللاتي استمتعوا بهن] ثلاثًا ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن" (٦).

стр. 1159

وفي لفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها" (١). ٣ - نسخه عام أوطاس: عن سلمة بن الأكوع قال: "رخَّص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها" (٢). ثم كان هذا التحريم مؤبدًا إلى يوم القيامة. * تنبيهان: ١ - صح عن جابر بن عبد الله أنه قال: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر حتى نهى عنه عمر فى شأن عمرو بن حريث" (٣). وهذا محمول على أن من استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يكن بلغه النسخ والتحريم (٤). ٢ - ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يرى إباحة زواج المتعة عند الضرورة فعن أبي جمرة قال: "سمعْتُ ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخَّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قِلَّة أو نحوه؟ فقال ابن عباس: نعم" (٥). وهذا من مفاريد الحبر ابن عباس ﵄ وهو مأجور على اجتهاده إن شاء الله، وأما نحن فمتعبَّدون بما بلغنا عن الشارع من تحريمه أبدًا، ومخالفة ابن عباس لجمهور الصحابة غير قادح في حجيَّة التحريم، ولا قائم لنا بالمعذرة عن العمل به، والله تعالى أعلم. * من تزوَّج بالمتعة، ماذا يفعل؟ تقدم أن نكاح المتعة فاسد، فتجب فيه المفارقة، لأن النبي ﷺ أمر من تمتع بامرأن أن يفارقها كما في حديث سبرة.

стр. 1160

* ما حكم من تزوَّج امرأة وفي نيَّته طلاقها بعد مدة؟ هذا يفعله كثير من المسافرين إلى الخارج، فيتزوجون وفي نيتهم أن يفارقوا أزواجهم إذا أرادوا العودة إلى بلادهم. وهذا النكاح صحيح عند عامة أهل العلم: إذا تزوَّجها بغير شرط إلا أن في نيَّته طلاقها بعد مدة، قالوا: لأنه قد ينوي الشيء ولا يفعله، ولا ينويه ويفعله، فيكون الفعل حادثًا غير النية (١). وخالف في هذا الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة، وهو اختيار العلامة ابن عثيمين (٢). قلت: ولعل قول الأوزاعي أَوْجَهُ، ويؤيده ما تقدم قريبًا من قول ابن عمر لمن سأله عن رجل أراد أن يتزوج زوجة أخيه ليحلها له: "لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّه سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ " (٣). ويضاف إلى ذلك ما في هذا النوع من النكاح من الغش والخداع، وإلقاء العداوة والبغضاء، وإذهاب الثقة بين المسلمين، وتدني النفس وتنقلها في مراتع الشهوات، وما يترتب على ذلك من المفاسد والمنكرات، فإن هذا النوع أجدر بالبطلان من عقد المتعة الذي يُشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الرجل والمرأة ووليها!! ثم ههنا أمر وهو: هل للزوج حق الطلاق من غير سبب؟! "الأصل في الطلاق الحظر، لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدنيوية، والإباحة للحاجة إلى الخلاص" (٤). وسيأتي في أبواب الطلاق أنه تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة على حسب اختلاف الأحوال. [٤] الزواج العُرفي (٥): المراد به هنا: تلك الظاهرة التي تفشت بين الشباب في هذه الأيام حيث: يقيم الرجل علاقة مع امرأة -زميلة في الجامعة مثلًا!! - ولا يعرف بهذه العلاقة
следующие страницы →