← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٣ - عن الأعرج "أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال فى كتابه: هذا الشغار الذى نهى عنه رسول الله ﷺ " (١). ٤ - قول النبي ﷺ : "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق" (٢). ٥ - ثم "إن اشتراط المبادلة مقتضي لفساد هذا النكاح، لما فيه من فساد كبير، لأنه يُفضي إلى إجبار النساء على النكاح ممن لا يرغبن فيه إيثارًا لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء، وهو ظلم لهن، ولأن ذلك يُفضي إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن، كما هو واقع بين من يتعاطون هذا العقد المنكر، وكذلك لما يُفضي إليه هذا النكاح من النزاع والخصومات بعد الزواج، وهذا من العقوبات العاجلة لمن خالف شرع الله" (٣). [٢] نكاح المُحَلِّل: وهو أن يتزوج الرجل المطلقة ثلاثًا، ثم يطلقها، لأجل أن تحلَّ لزوجها الأول. وهو من الكبائر، حرَّمه الله تعالى ولعن فاعله والمفعول لأجله: ١ - فعن ابن مسعود قال: "لعن رسول الله ﷺ المُحِلَّ والمحلَّل له" (٤). * وقد ذهب عامة أهل العلم، منهم: مالك والشافعي -في قول- وأحمد، والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم، إلى أن نكاح التحليل فاسد، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعثمان بن عفان من الصحابة (٥). ١ - فعن عمر بن الخطاب قال: "لا أُوتَي بمحلِّل وبمحلَّلة إلا رجمتهما" (٦).

стр. 1157

٢ - وسئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: "ذلك السفاح" (١). * وسواء في هذا: أن يُشترط عليه طلاق المرأة لتحلَّ لزوجها، أو لا يُشترط لكن ينوي هو تحليلها، فالنكاح فاسد: ٣ - فعن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليُحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: "لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ " (٢). وذهب أبو حنيفة والشافعي -في قوله الثاني وهو المشهور- إلى أن النكاح صحيح والشرط باطل (٣)!! ولا يسلم لهذا القول دليل، والصحيح أنه نكاح فاسد. * فائدة: المعتبر في فساد النكاح نيَّة الزوج الثاني (المحلِّل): فلا يخلو من حالين: ١ - أن ينوي زواج المرأة ثم تطليقها لتحليلها لأول، سواء شُرط عليه أم لا، فالنكاح حينئذ فاسد، ويكون ملعونًا. ٢ - أن يُشرط عليه تحليل المرأة قبل العقد، فينوي -هو- غير ما اشترطوا عليه ويقصد النكاح رغبة، فالنكاح صحيح، لأنه خلا من نية التحليل وشرطه (٤). * ولا اعتبار لنية الزوج الأول، أو المرأة نفسها: لأن الزوج الأول لا يملك شيئًا من العقد، ولا من رفعه، فهو أجنبي كسائر الأجانب. وكذلك المرأة لأن الطلاق والإمساك إلى الزوج الثاني لا إليها، ومما يؤيد هذا: أن امرأة رفاعة القرظى جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلَّقنى فبَتَّ طلاقى، وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى، وإنما معه مثل الهُدبة، فقال ﷺ : "لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلتكِ، وتذوقى عُسَيْلته" (٥) يعني: يجامعك. فلم يعتبر نيَّتها شيئًا.

стр. 1158

[٣] نكاح المتعة: وهو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل مؤقت -يوم أو يومين أو أكثر- في مقابل شيء يعطيه إياها من مال أو نحوه. وقد كان هذا النكاح حلالًا على عهد رسول الله ﷺ ثم نسخه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ فحرَّمه تحريمًا باتًا إلى يوم القيامة، وعلى هذا جماهير أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم (١). وقد اختلفت الأخبار في الوقت الذي نسخ فيه نكاح المتعة، والذي صحَّ منها (٢): ١ - نَسخه في خيبر: صحَّ أن عليًا قال لابن عباس: "إن النبي ﷺ نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر" (٣). ثم رخَّص النبي ﷺ في المتعة بعد ذلك، ولم يبلغ عليًّا ﵁ هذا الترخيص، فبنى على ما سمعه من رسول الله ﷺ من حديث التحريم يوم خيبر، وعلى ما استقرَّ عليه الأمر أيضًا (٤). ٢ - نسخه في عام الفتح: فعن الربيع بن سبرة أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة قال: "فأقمنا بها خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء ... ثم استمتعت منها (أي من فتاة) فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ " (٥) وفي لفظ: " ... فكُنَّ معنا [يعني النساء اللاتي استمتعوا بهن] ثلاثًا ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن" (٦).

стр. 1159

وفي لفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها" (١). ٣ - نسخه عام أوطاس: عن سلمة بن الأكوع قال: "رخَّص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها" (٢). ثم كان هذا التحريم مؤبدًا إلى يوم القيامة. * تنبيهان: ١ - صح عن جابر بن عبد الله أنه قال: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر حتى نهى عنه عمر فى شأن عمرو بن حريث" (٣). وهذا محمول على أن من استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يكن بلغه النسخ والتحريم (٤). ٢ - ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يرى إباحة زواج المتعة عند الضرورة فعن أبي جمرة قال: "سمعْتُ ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخَّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قِلَّة أو نحوه؟ فقال ابن عباس: نعم" (٥). وهذا من مفاريد الحبر ابن عباس ﵄ وهو مأجور على اجتهاده إن شاء الله، وأما نحن فمتعبَّدون بما بلغنا عن الشارع من تحريمه أبدًا، ومخالفة ابن عباس لجمهور الصحابة غير قادح في حجيَّة التحريم، ولا قائم لنا بالمعذرة عن العمل به، والله تعالى أعلم. * من تزوَّج بالمتعة، ماذا يفعل؟ تقدم أن نكاح المتعة فاسد، فتجب فيه المفارقة، لأن النبي ﷺ أمر من تمتع بامرأن أن يفارقها كما في حديث سبرة.

стр. 1160

* ما حكم من تزوَّج امرأة وفي نيَّته طلاقها بعد مدة؟ هذا يفعله كثير من المسافرين إلى الخارج، فيتزوجون وفي نيتهم أن يفارقوا أزواجهم إذا أرادوا العودة إلى بلادهم. وهذا النكاح صحيح عند عامة أهل العلم: إذا تزوَّجها بغير شرط إلا أن في نيَّته طلاقها بعد مدة، قالوا: لأنه قد ينوي الشيء ولا يفعله، ولا ينويه ويفعله، فيكون الفعل حادثًا غير النية (١). وخالف في هذا الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة، وهو اختيار العلامة ابن عثيمين (٢). قلت: ولعل قول الأوزاعي أَوْجَهُ، ويؤيده ما تقدم قريبًا من قول ابن عمر لمن سأله عن رجل أراد أن يتزوج زوجة أخيه ليحلها له: "لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّه سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ " (٣). ويضاف إلى ذلك ما في هذا النوع من النكاح من الغش والخداع، وإلقاء العداوة والبغضاء، وإذهاب الثقة بين المسلمين، وتدني النفس وتنقلها في مراتع الشهوات، وما يترتب على ذلك من المفاسد والمنكرات، فإن هذا النوع أجدر بالبطلان من عقد المتعة الذي يُشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الرجل والمرأة ووليها!! ثم ههنا أمر وهو: هل للزوج حق الطلاق من غير سبب؟! "الأصل في الطلاق الحظر، لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدنيوية، والإباحة للحاجة إلى الخلاص" (٤). وسيأتي في أبواب الطلاق أنه تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة على حسب اختلاف الأحوال. [٤] الزواج العُرفي (٥): المراد به هنا: تلك الظاهرة التي تفشت بين الشباب في هذه الأيام حيث: يقيم الرجل علاقة مع امرأة -زميلة في الجامعة مثلًا!! - ولا يعرف بهذه العلاقة

стр. 1161

أحد، أو قد يعرفها أصحابه الذين يعرفون علاقاته غير المشروعة، ثم ينطلق بها إلي بيت صديقه -مثلًا- فيمارس معها الجنس، ثم ترجع إلى بيت أبيها الذي ينفق عليها، ويكون هذا العقد بينهما عبارة عن ورقة بينهما، وربما شهادة هؤلاء الفسَّاق!!. * وهذا العقد فاسد، بل هو في الحقيقة زنا -والعياذ بالله- لأنه فقد شرطًا من شروط النكاح (١) التي لا يصح إلا بها، وهو: إذن وليِّ المرأة. فقد دلَّ الكتاب والسنة على اشتراط الولي في صحة النكاح، وعلى هذا جماهير العلماء، وستأتي هذه الأدلة مفصَّلة في "شروط عقد النكاح". فإذا تقرر فساد هذا الزواج، فيجب فسخه أبدًا، وإن طال الزمان بعد الدخول. الصفات المطلوبة في الزوجين (٢) (أ) الصفات التي يستحب توفرها في الزوجة: ١ - أن تكون ذات دين: لقوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ (٣). ولقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٤). ٢ - إذا اجتمع مع الدِّين: جمال وحسب ومال فهو خير: قال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٥). ٣ - أن تكون ذات عطف وحنان: قال ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده" (٦).

стр. 1162

٤ - يستحب أن تكون بكرًا: لقول النبي ﷺ لجابر بن عبد الله لما تزوج: "أبكرًا أم ثيبًا؟ " قال: ثيبًا، قال: "فهلّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (١). إلا إذا كانت هناك قرينة ترجح نكاح الثيب كطلب مصاهرة الصالحين أو جبر خاطر من توفي زوجها أو لأعالة أيتام ونحو ذلك. ٥ - أن تكون جميلة مطيعة أمينة: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ولا في ماله" (٢). ٦ - أن تكون ودودًا ولودًا: لحث النبي ﷺ على الزواج منها وقد تقدم الحديث في أول هذا الكتاب. (ب) الصفات التي يستحب توفرها في الزوج: ١ - أن يكون ذا دين: لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ (٣). ٢ - أن يكون حاملًا لقدر من كتاب الله : فقد زوَّج النبي ﷺ رجلًا من أصحابه بما معه من القرآن (٤). ٣ - أن يكون مستطيعًا للباءة بنوعيها: وهي القدرة على الجماع وعلى مؤن الزواج وتكاليف المعيشة. وقد حث النبي ﷺ الشباب على الزواج عند استطاعتهم الباءة، وقال لفاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له" (٥). ٤ - أن يكون رفيقًا بالنساء: فقد قال النبي ﷺ في شأن أبي جهم: " .. أما أبو جهم فرجل لا يضع عصاهُ عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة" (٦).

стр. 1163

٥ - أن تُسَرَّ المرأة برؤيته: حتى لا تحدث النفرة بينهما، وحتى لا تكفر العشير معه. ٦ - أن يكون غير عقيم: لما ورد في فضل الذرِّية، إلا أن تأتي عوارض ترجِّح مثل هذا. ٧ - أن يكون كُفْئًا للمرأة: والكفاءة هي: المساواة والمماثلة، وهي تشمل أنواعًا: ١ - الكفاءة في الدين: وهي معتبرة في النكاح، بل هي شرط في صحته، باتفاق أهل العلم، فلا يحل للمرأة أن تتزوَّج كافرًا بالإجماع (١). وكذلك لا ينبغي للمسلم أن يزوج مُوليته الصالحة من رجل فاسق فقد قال الله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ (٢). وإن كان هذا لا يشترط في صحة العقد. ٢ - الكفاءة في النسب: وهي معتبرة عند جمهور العلماء خلافًا للإمام مالك. ٣ - الكفاءة في المال: قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (٣). وهي معتبرة عند الحنفية والحنابلة وقول عند الشافعية. ٤ - الكفاءة في الحرية وهي معتبرة عند الجمهور خلافًا لمالك. ٥ - الكفاءة في الصنعة والمهنة، وقد اعتبرها الحنفية والشافعية والحنابلة. ٦ - السلامة من العيوب [أي العيوب الفاحشة]: وهي معتبرة عند المالكية والشافعية وابن عقيل من الحنابلة. * لكن: هل هذه الكفاءة شروط في صحة النكاح؟ لأهل العلم في اشتراطها قولان: أصحهما أن الكفاءة -في الجملة- ليست شرطًا في صحة النكاح، وهو قول جمهور العلماء، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية، وهو مروي عن عمر وابن مسعود ﵄ (٤)، ومما يدل على ذلك:

стр. 1164

١ - تزويج النبي ﷺ زينب بنت جحش -وهي أسدية من أعلى العرب نسبًا- بزيد بن حارثة ﵁ وهو مولى، وقصتهما في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ...﴾ (١). ٢ - تزويج النبي ﷺ -وهو هاشمي- ابنتيه بعثمان بن عفان -وهو قرشي- وقد قال ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). ٣ - تزويج النبي ﷺ أسامة بن زيد -وهو مولى- بفاطمة بنت قيس -وهي قرشية- وقد تقدم قوله ﷺ لها: " .. انكحي أسامة" (٣). ٤ - عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (٤). ٥ - قول الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ (٥). فالفقر في الحال لا يمنع التزويج لاحتمال حصول المال في المآل. ٦ - حديث أبي سعيد أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبى الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندى حُلىٌّ لى، فأردت أن أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقتُ عليهم، فقال النبى ﷺ "صَدَق ابن مسعود، زوجُك وولدُك أحق من تصدَّقت به عليهم" (٦). فدَلَّ على أنها كانت أثرى منه بكثير، والله أعلم. ٧ - حديث أبي هريرة أن أبا هند حَجَم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ : "يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه" (٧).

стр. 1165

وأبو هند هو مولى بني بياضة وليس من أنفسهم، ثم هو يعمل حجَّامًا، وقد كانت هذه الصناعة من أحقر الصناعات في زمانهم. ٨ - حديث عائشة قالت: "اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: "أعتقيها، فإن الولاء لمن أعطى الورق" فأعتقها فدعاها النبي ﷺ فخيَّرها من زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما ثبتُّ عنده" (١). وفي حديث ابن عباس: " .. فقال النبي ﷺ : لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه" (٢). ولا يشفع إليها النبي ﷺ أن تنكح عبدًا إلا والنكاح صحيح، والله أعلم. ٩ - وقد رُوي عن النبي ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (٣). وقد ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه، والثوري وبعض الأحناف إلى أن الكفاءة شرط، واستدلوا بجملة أدلة لا يثبت منها شيء، وما ثبت منها فليس صريحًا في الشرطية ولا يقوى على معارضة ما تقدم من النصوص. * فوائد: الأولى: الكفاءة عند من يشترطها إنما هي حق للمرأة والأولياء: بمعنى أن المرأة وأولياءها إن رضوا بعدم الكفء صحَّ النكاح، ولم يقل الإمام أحمد ولا غيره من العلماء إنه باطل (٤). الثانية: كثير ممن لا يشترطون الكفاءة في صحة النكاح يرون أنها شرط لزوم: بمعنى أنه: إن عُقد النكاح مع وجودها لزم النكاح، وإن عقد مع وجودها برضا المرأة والأولياء صحَّ، وإن لم يرض أحد الأولياء فله فسخ النكاح، وهذا مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنفية والمعتمد عند المالكية ومتأخري الحنابلة (٥).

стр. 1166

الثالثة: الكفاءة معتبرة في الرجل دون المرأة: فإذا تزوَّج الرجل امرأة ليست كفؤًا له فلا غبار عليه، لأن القوامة بيده، والأولاد ينسبون إليه، والطلاق بيده، وقد تزوج النبي ﷺ من أحياء العرب -ولا مكافئ له في دين ولا نسب- وتسرَّى بالإماء، وقال: "من كانت عنده جارية فعلمَّها وأحسن تعليمها وأحسن إليها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران" (١). الخِطْبة وأحكامها * تعريفها: الخِطبة -بكسر الخاء-: طلب المرأة للزواج، فإن أجيب إلى طلبه فلا يعدو كونه وعدًا بالزواج، ولا ينعقد بهذا النكاح، فتظل المرأة أجنبية عنه حتى يعقد عليها. فالخطبة مقدمة للنكاح لا يترتب عليها ما يترتب على النكاح كما سيأتي تفصيله. * حكمها: الخطبة ليست شرطًا في صحة النكاح، فلو تم بدونها كان صحيحًا، لكنها -في الغالب- وسيلة للنكاح، فهي عند الجمهور جائزة لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ (٢). والمعتمد عند الشافعية استحبابها (٣) لفعله ﷺ : حيث خطب عائشة بنت أبي بكر (٤)، وخطب حفصة بنت عمر ﵃ (٥). هذا إذا لم يَقُم بالمرأة مانع من موانع النكاح -أو غيره مما سيأتي- وإلا لم تجز الخطبة. * من تُخطب إليه المرأة: ١ - الأصل أن يُطلب الزواج بالمرأة (خطبتها) من وليِّها: فعن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة ﵂ إلى أبي بكر ﵁، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك، فقال ﷺ : "أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال" (٦).

стр. 1167

٢ - ويجوز أن تخطب المرأة الرشيدة إلى نفسها: لحديث أم سلمة ﵂ قالت: "لما مات أبو سلمة أرسل إلىَّ النبي ﷺ حاطب ابن أبي بلتعة ﵁ يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور ... " الحديث (١). * يُشرع للوليِّ عرض مُوليه على أهل الصلاح: ١ - فقد قال الشيخ الصالح لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ...﴾ (٢). ٢ - وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب ﵁ حين تأيَّمت حفصة -ابنته- من خنيس بن حذافة السهمي عرضها على عثمان، ثم على أبي بكر، ثم خطبها رسول الله ﷺ (٣). ٣ - وعن أم حبيبة قالت: قلت: يا رسول الله، أنكح أختي بنت أبي سفيان قال: "وتُحبين؟ " قلت: نعم، لستُ لك بمخلية، وأَحَبُّ من شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ : "إن ذلك لا يحل لي" ... الحديث (٤). ٤ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، مالك تنوَّق (٥) في قريش وتدعنا؟ فقال: "وعندكم شيء؟ " قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة" (٦). * ويُشرع للمرأة عرض نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها: ١ - فعن أنس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت ابنة أنس: ما أقل حياءها، واسوأتاه، فقال أنس ﵁: "هي خير منك، رغبت في النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها" (٧).

стр. 1168

٢ - وعن سهل بن سعد ﵁: أن امرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ فقال له رجل: "زوجنيها ... " الحديث (١). ومحل هذا إذا أُمنت الفتنة كما لا يخفى، فإن وجدت الفتنة في إخبارها للرجل برغبتها في الزواج منه، لم يجز لما فيه من الفساد ﴿والله لا يحب الفساد﴾ (٢) (٣). * من لا يجوز خِطبتُهنَّ: [١] المحرمات من النساء سواء على التأبيد أو التأقيت: لأن الخِطبة مقدمة إلى النكاح، وما دام النكاح ممنوعًا فتكون الخطبة كذلك، وقد تقدم ذكر المحرمات من النساء قريبًا. على أنه يحلُّ خطبة الكافرة (المجوسية ونحوها) لينكحها إذا أسلمت (٤). [٢] المرأة المعتدَّة (في فترة العدَّة): وهي وإن كانت داخلة في عموم المحرمات على التأقيت -كما تقدم- إلا أن لها أحكامًا وتفصيلات خاصة، ويختلف حكم خطبة المعتدة باختلاف حالتها. * والمعتدة لا تخلو من حالات: (أ) أن تكون معتدَّة من وفاة زوجها: فهذه لا يجوز للرجل أن يصرِّح لها بالخطبة، كأن يقول: أريد أن أتزوجك أو: إذا انقضت عدَّتك تزوجتك، وعلى تحريم ذلك اتفاق الفقهاء (٥). لكن يجوز له أن يعرِّض لها برغبته في ذلك دون تصريح: قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ... واعلموا أن الله غفور حليم﴾ (٦). ولأن الخاطب إذا صرَّح بالخطبة تحققت رغبته فيها، فربما تكذب في انقضاء العدة. قال شيخ الإسلام (٣٢/ ٨): " ... ومن فعل ذلك (أي من التصريح بخطبة

стр. 1169

المعتدَّة) يستحق العقوبة التي تردعه وتردع أمثاله عن ذلك، فيعاقَب الخاطب والمخطوبة جميعًا، ويزجر عن التزويج بها معاقبة له بنقيض قصده" اهـ. والتعريض (١): قيل هو: أن يضمن الكلام ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلا أن إشعاره بالمقصود أتم. وقيل: ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها كقوله: ورُبَّ راغب فيك، ومن يجد مثلك؟ قلت: ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها كقوله: ورُبَّ راغب فيك، ومن يجد مثلك؟ قلت: ومن صور التعريض ما فسَّر به ابن عباس ﵁ قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾. فقال: "يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أنه يُيَسَّر لي امرأة صالحة" (٢). (ب) أن تكون معتدة من طلاق رجعي (التطليقة الأولى أو الثانية): وهذه لا يجوز التصريح لها بالخطبة، ولا يجوز كذلك التعريض لها في عدَّتها، لأنها -في عدتها من الطلاق الرجعي- في معنى الزوجة لعودها إلى النكاح بالرجعة، وقد سمَّى الله المعتدة الرجعية زوجة فقال سبحانه: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (٣). فالنكاح الأول قائم والتعريض حينئذ يعد تخبيًا لها على زوجها ولأنها مجفوَّة بالطلاق، فقد تكذب في انقضاء عدتها انتقامًا، وعلى هذا اتفاق الفقهاء (٤). (جـ) أن تكون معتدة من طلاق بائن: ولا يجوز التصريح لها بالخطبة بالاتفاق، ثم اختلفوا في جواز التعريض لها بالخطبة؟ على قولين (٥): الأول: يجوز التعريض: وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية -في الأظهر عندهم- والحنابلة، وحجتهم:

стр. 1170

١ - عموم قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ (١). ٢ - حديث فاطمة بنت قيس: أن النبي ﷺ قال لها لما طلَّقها زوجها ثلاثًا: "اعتدِّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني" ... وفي لفظ "لا تسبقيني بنفسك" (٢). قال النووي: فيه جواز التعريض بخطبة البائن وهو الصحيح عندنا. ٣ - أن هذه المرأة لا تجوز رجعتها إلى مطلقها، كما لا يمكن للمعتدة من وفاة زوجها أن تعود إليه، فهما في معنى واحد بخلاف المعتدة من طلاق رجعي. الثاني: لا يجوز التعريض: وهو مذهب الحنفية والقول المقابل للأظهر عند الشافعية، وحجتهم: ١ - أن النص المبيح للتعريض بالخطبة (الآية الكريمة) إنما ورد في المعتدة من وفاة، فلا يجوز تعديته إلى غيرها من المعتدات. ٢ - لأنه قد يتأذَّى المطلق بالتعريض بخطبة زوجته، فيفضي إلى عداوته. قلت: والراجح جواز التعريض لحديث فاطمة بنت قيس، والله أعلم. * فائدتان: ١ - إذا خطب المرأة في عدَّتها خطبة صريحة، ثم تزوَّجها بعد انقضاء عدَّتها كان آثمًا، والزواج صحيحًا، أما إذا تزوجها في عدتها فالزواج باطل كما تقدم، لأن الخطبة لا تقارن العقد فلم تؤثر فيه، ولأنها ليست شرطًا في صحة النكاح فلا يُفسخ بوقوعها غير صحيحة، وإلى هذا ذهب الجمهور (٣). ٢ - إذا تزوَّج رجل امرأة في عدَّتها: فإنه يُفَرَّق بينهما، وتكمل عدَّتها من الزوج الأول، ثم تعتدُّ من الثاني إن كان دخل بها، وصداقها لها إن كانت تجهل الحكم، فإن كانت عالمة بأنه لا يجوز الزواج، فلإمام المسلمين الحق في أن يعطيها الصداق أو يودعه بيت المال من باب التعزير (٤): فعن ابن المسيب وسليمان بن يسار: أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلَّقها

стр. 1171

البتة فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب ﵁ وضرب زوجها بالمخففة ضربات، وفرَّق بينهما، ثم قال عمر بن الخطاب ﵁: "أيما امرأة نكحت في عدتها: فإن كان زوجها الذي تزوَّج بها لم يدخل بها فرِّق بينهما، ثم اعتدَّت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان [أي الزوج الجديد] خاطبًا من الخطاب، فإن كان دخل بها فرِّق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا ينكحها أبدًا" قال سعيد: ولها مهرها بما استحل منها (١). قلت: ثم هل يجوز للزوج الثاني أن يتقدم مرة أخرى -بعد انقضاء العدتين- فيخطبها ويتزوجها؟ أم لا يجوز أبدًا؟ تقدم أن عمر ﵁ يمنعه أبدًا وبه قال مالك والليث والأوزاعي، وأجازه عليُّ بن أبي طالب: فعن عطاء "أن عليًّا ﵁ أُتي في ذلك، ففرَّق بينهما، وأمرها أن تعتدَّ ما بقي من عدَّتها الأولى، ثم تعتدُّ من هذا عدةٌ مستقلة، فإذا انقضت عدَّتها فهي بالخيار إن شاءت نكحت، وإن شاءت فلا" (٢) وبه قال الجمهور. والأظهر قول عليٍّ ﵁ (٣) لأنه الأصل ولعدم الدليل على حكم عمر ﵁ ولعله إنما قضى بذلك تعزيرًا. لكن إذا كان تزوجها في العدة عالمًا بالحرمة، فيكون لمنعه من نكاحها وجه زجرًا له ومعاملة بنقيض قصده، والله أعلم. (د) أن تكون معتدة من نكاح فاسد أو فسخ (٤): كالمعتدة من لعان أو ردَّة، أو المستبرأة من الزنى، أو التفريق لعيب أو عنَّة وشبه ذلك، فذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية إلى جواز التعريض لها بالخطبة لعموم الآية الكريمة وقياسًا على المطلقة ثلاثًا، ولأن سلطة الزوج قد انقطعت.

стр. 1172

هذا كله في غير صاحب العدة الذي يحل له نكاحها فيها، أما هو فيحل له التعريض والتصريح. [٣] خِطبة المرأة المخطوبة لمسلم: إذا خطب الرجل المسلم امرأة، فلا يحل لغيره أن يتقدم ليخطبها على خطبة أخيه: ١ - فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " .. ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" (١). ٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" (٢). ٣ - وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلُّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" (٣). وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، لأنه نهى عن الإضرار بالآدمي المعصوم، فكان على التحريم ولما يفضي إليه هذا الفعل من العداوة والبغضاء، والإيذاء والتعدي على المسلم، ولإفضائه إلى التزكية النفس وذم الغير واغتيابه. * ما حدُّ الخطبة التي يَحرُم الخطبة عليها (٤)؟ أجمع العلماء على تحريم الخطبة على خطبة المسلم إذا كان قد صُرِّح للخاطب بالموافقة على خطبته، ولم يأذن هو لغيره ولم يترك، وعلم الخاطب الثاني بخطبة الأول وإجابته. ولم يشترط الحنابلة التصريح بالإجابة والموافقة على الخطبة بل قالوا: يكفي التعريض بالموافقة في تحريم الخطبة على خطبة الآخر، وهو أحد قولي الشافعي، ولعلَّهم استأنسوا بحديث: "وإذْنُها صمتها" (٥) فيكون السكوت دليلًا على موافقتها!!

стр. 1173

وذهب الشافعية -في الأصح عندهم- والحنفية والمالكية إلى أن إجابة الخاطب تعريضًا لا تحرِّم الخطبة على خطبته، واحتجوا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي ﷺ أن أبا جهم ومعاوية خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة -وقد تقدم الحديث مرارًا- قالوا: فلم ينكر عليها النبي ﷺ خطبة بعضهم على بعض بل خطبها لأسامة. واشترط المالكية لتحريم الخطبة على الخطبة ركون المرأة المخطوبة أو وليِّها، ووقوع الرضا بخطبة الخاطب الأول غير الفاسق. قلت: والذي يظهر لي أن مجرَّد تقدم المسلم لخطبة امرأة يجعل خطبة غيره لها حرامًا إذا علم بذلك، ولا يجوز له التقدم حينئذٍ إلا إذا علم عدم رضاهم بالخاطب الأول أو أذن الخاطب الأول أو عدل عن الخطبة، وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واختيار الشوكاني -رحمهما الله- ويؤيده حديث ابن عمر في قصة عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر وفيه قول أبي بكر لعمر ﵄: "إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، ولو تركها لَقَبلتُها" (١). فإن أبا بكر امتنع من خطبتها بمجرد علمه برغبة رسول الله ﷺ في التقدم لها حتى ينظر رسول الله ﷺ في أمره، فكيف بمن تقدم فعلًا، وكيف بمن أبرم الخطبة وحصل الركون إليه والموافقة عليه؟!! وأما حديث فاطمة بنت قيس فلا يناقض الأحاديث الصحيحة الناهية عن الخطبة على الخطبة، لأنه ﷺ أشار عليها بعد استشارته والأمر لا يزال إليها، فإن قيل: ألم يعلم النبي ﷺ بأنه تقدَّم لفاطمة أكثر من خاطب، فكيف أقرها على ذلك بعد نهيه عن خطبة الرجل على خطبة أخيه؟ فالجواب (٢): أنه يُحتمل أن يكون الثاني تقدم لخطبتها من غير علمه بخطبة الأول، ويحتمل أن تكون الخطبتان في وقت واحد أو متقارب، وقد يكون الخاطب رُدَّ من قِبَلها، أو من وليِّها، ولكنها أرادت استشارة النبي ﷺ في كل من تقدم.

стр. 1174

ويتأيد هذا المذهب كذلك بأن الحكمة من النهي عن الخطبة حصول الكراهية والبغضاء، والثُّلمة في الأخوة، وهذا حاصل بالتقدم للخطبة على خطبة الغير سواء علم الخاطب الثاني بموافقة المخطوبة أو وليها أو لم يعلم، فإذا أذن الأول أو ترك أو رُدَّ من قبل المرأة أو وليِّها، فلا إشكال، ولا حرج حينئذٍ في تقدم الثاني لها، والله أعلم. إذا خطب على خطبة غيره ثم عقد عليها، فهل يصح؟ تقدم أن خطبة الرجل على خطبة أخيه حرام، فإن عقد عليها الثاني ففي صحة هذا العقد قولان لأهل العلم (١): الأول: أن هذا العقد فاسد أو باطل، ويُفَرَّق بينهما: وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وداود، وهو اختيار شيخ الإسلام، قال: وهو الأشبه بما في الكتاب والسنة، والقاعدة عنده: أن كل ما نهى الله عنه وحرَّمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى، فإن الحرام لا يكون صحيحًا نافذًا كالحلال يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما يحصل به. والنهي يدل على أن المنهي عنه فساده راجح على صلاحه، ولا يُشرع التزام الفساد ممن يُشرع له دفعه. الثاني: يأثم العاقد، وهو عاص، لكن العقد صحيح: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى عن كل من مالك وأحمد، قالوا: لا ملازمة بين تحريم الخطبة على الخطبة وبين صحة عقد الثاني لأن محل التحريم -وهو الخطبة- متقدم على العقد وخارج عنه، وليست الخطبة جزءًا من العقد، فإن العقد يصح بدونها، كما أن إثم الخاطب على خطبة غيره باق ولو لم يعقد. قلت: وبقول الجمهور أقول، والله أعلم. * الخِطبة على خِطبة الكافر: صورة هذه المسألة: أن يخطب ذمِّيٌّ كتابيةً ويُجاب، ثم يخطبها مسلم، أو أن يكون الخاطب تاركًا للصلاة [عند من يرى كفر تاركها] ونحو ذلك، فللعلماء في حكم الخطبة عليه قولان:

стр. 1175

الأول: يجوز الخطبة على خطبته، وهو مذهب أحمد والأوزاعي وابن المنذر والخطابي: ١ - لقوله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" (١). وقد قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم. ٢ - أن الأصل الإباحة حتى يرد المنع، وقد ورد المنع -أي من الخطبة على الخطبة- مقيدًا بالمسلم فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. ٣ - أن لفظ النهي خاصٌّ في المسلم، وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي كالمسلم، ولا حرمته كحرمته، ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها. الثاني: أنه يَحْرُم الخطبة على خطبة الكافر، وهو مذهب الجمهور، قالوا: لما في ذلك من الإيذاء للخاطب الأول!! وأما قوله ﷺ : "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" فقد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له!! قلت: والأوَّل أرجح، وأما قولهم: (خرج مخرج الغالب)، فقال ابن قدامة: "متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن يُعتبر في الحكم، لم يَجُزْ حذفُه ولا تعدية الحكم بدونه، وللأخوة الإسلامية تأثير في وجوب الاحترام، وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه، وحفظ قلبه، واستبقاء مودَّته، فلا يجوز خلاف ذلك والله أعلم" اهـ. * الاستشارة في الخطبة، وذكر عيوب الخاطب (٢): إذا استُشير إنسان في خاطب أو مخطوبة فعليه أن يصدق ولو بذكر مساوئه، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة إذا قصد بذلك النصيحة والتحذير لا الإيذاء، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس لما استشارته: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له" (٣) وقال ﷺ : "الدين النصيحة" (٤).

стр. 1176

ومحل ذكر المساوئ عند الاحتياج إليه، فإن اندفع بدونه بأن لم يحتج إلى ذكرها وجب الاقتصار على ذلك ولم يجز ذكر العيوب. وإذا استشير في أمر نفسه في النكاح بيَّنه كقوله: عندي شح، وخلقي شديد ونحو ذلك. وإن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه، وإن قال لهم: أنا لا أصلح لكم، دون الكشف عن عيوبه كفاه. * الاستخارة للخِطبة (١): يستحب للخاطب والمخطوبة أن يستخيرا في أمر الزواج، فيستخير كل منهما في الآخر وفي وقت الزواج وأهل العروس ونحو ذلك، وقد تقدم في "كتاب الصلاة" ذكر صلاة الاستخارة وطرف من آدابها، ويستحب الإخلاص في دعاء الاستخارة، ولا بأس بتكرير الاستخارة لأنها دعاء، والإكثار منه والإلحاح فيه مستحب. * يجوز أن يتوسط الرجل لخطبة أو زواج امرأة: فقد "شفع النبي ﷺ لمغيث عند بريرة لتتزوَّجه فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع" قالت: لا حاجة لي فيه" (٢). وكان ابن عمر إذا دُعي إلى تزويج قال: "لا تفضضوا علينا الناس، الحمد لله وصلى الله على محمد، إن فلانًا خطب إليكم فلانة، إن أنكحتموه فالحمد لله، وإن رددتموه فسبحان الله" (٣). أحكام النَّظر في الخِطبة [١] نظر الخاطب إلى المخطوبة: * حكمه: اتفق جمهور أهل العلم على أن من أراد نكاح امرأة فيُشرع له أن ينظر إليها، والأصل في هذا:

стр. 1177

١ - قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾ (١). والحُسن لا يُعرف إلا بعد رؤيتهن. ٢ - حديث أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوَّج من الأنصار، فقال له: رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قال: لا، قال: "اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" (٢). ٣ - حديث جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة فَقَدَر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها فليفعل" (٣). ٤ - حديث سهل بن سعد "أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه ... " الحديث (٤). ٥ - حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "أُريتُك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتُك، فكشفتُ عن وجهك الثوب فإذا هي أنت، فقلتُ: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه" (٥). والحكمة في مشروعية النظر إلى المخطوبة أن يحصل له اطمئنان النفس إلى الإقدام على الزواج منها، وهذا يؤدي -في الغالب- إلى دوام العشرة، بخلاف إذا لم يرها حتى عقد عليها، فإنه ربما أن يفاجأ بما لا يناسبه، فتجفوها نفسه. ٦ - ولذا جاء في حديث المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٦). أي: أولى وأجدر أن يجمع بينكما، وتدوم بينكما المودة والأُلفة.

стр. 1178

قلت: وحكم النظر إلى المخطوبة عند أهل العلم دائر بين الإباحة والاستحباب، والثاني أقرب للأدلة السابقة، ولم يقل أحد بوجوبه -فيما علمتُ- فضلًا أن يكون شرطًا لصحة النكاح، ولذا قال شيخ الإسلام (١): "يصح النكاح وإن لم يرها، فإنه لم يعلل الرؤية بأنه لا يصح منها النكاح، فدلَّ على أن الرؤية لا تجب، وأن النكاح يصحُّ بدونها" اهـ. * حدود النظر إلى المخطوبة: لا خلاف بين أهل العلم -القائلين بمشروعية النظر إلى المخطوبة- في جواز النظر إلى الوجه والكفين (٢). ثم اختلفوا في القدر الذي يُباح النظر إليه فوق ذلك على أربعة أقوال (٣): الأول: لا ينظر إلى الوجه والكفين فقط، وبه قال الجمهور: الحنفية والمالكية والشافعية وهو قول عند الحنابلة، قالوا: لأن الوجه مجمع المحاسن وموضع النظر، ولدلالته على الجمال، ودلالة الكفين على خضب البدن، ولأنهما يظهران عادة فلا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة. الثاني: يُباح النظر إلى ما يظهر منها غالبًا، كالرقبة واليدين والقدمين، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، ووجهه أن النبي ﷺ لما أذن في النظر إليها من غير علمها عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر منها عادة، ولأنها امرأة أُبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم. وقد رُوي عن أبي جعفر الباقر قال: خطب عمر إلى عليٍّ ابنته، فقال: إنها صغيرة، فقيل لعمر: إنما يريد بذلك منعها، قال: فكلمه، فقال عليٌّ: أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، قال: فبعث بها إليه، قال: فذهب عمر فكشف عن ساقيها، فقالت: أَرْسِل، فلولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عنقك" (٤). وفي سنده انقطاع.

стр. 1179

الثالث: يجوز النظر إلى ما يريد منها إلا العورة، وهذا مذهب الأوزاعي. الرابع: يجوز النظر إلى جميع البدن، وهو مذهب داود وابن حزم والرواية الثالثة عن أحمد، لظاهر قوله ﷺ : "انظر إليها". قلت: والراجح "الذي تطمئن إليه النفس أن الرجل إذا ذهب لخطبة المرأة فإنها تُبدي له الوجه والكفين كما قال الجمهور، أما إذا اختبأ لها فله أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها" (١) فليس له أن يطالبها بإبداء ما فوق الوجه والكفين، لكن له أن يستفسر عما فوق ذلك، وأن تنقله له أمُّه أو أخته، أو أن يختبئ هو لرؤيته، وهذا القول عندي هو الذي يُخرَّج عليه قول من أجاز النظر إلى ما فوق الوجه والكفين والله أعلم. * هل يُشترط استئذان المخطوبة وعلمُها بالنظر إليها (٢): ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يشترط علم المخطوبة أو إذنها أو إذن وليها بنظر الخاطب إليها، اكتفاءً بإذن الشارع، ولإطلاق الأخبار، كما في حديث جابر المتقدم أن النبي ﷺ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" فقال: فخطبتُ جارية فكنت أتخبَّأ لها، حتى رأيت ما دعاني إلى نكاحها وتزوُّجها، فتزوجتها" (٣). وقد ورد أن النبي ﷺ قال: "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبتها، وإن كانت لا تعلم" وهذا -إن ثبت- نص في المسألة. بل قال بعض الفقهاء: إنَّ عدم إعلامها بالنظر أولى، لأنها قد تتزيَّن له بما يغرّه، فيفوت غرضه من النظر، وهو رؤيتها على طبيعتها. وذهب المالكية إلى وجوب إعلام المرأة أو وليها بالنظر، لئلا يتطرَّق الفساق للنظر إلى النساء ويقولون: نحن خُطَّاب. قلت: وقول الجمهور أقرب إلى النص، ثم هو لو تمكَّن من النظر إليها -بغير علمها- قبل خطبتها فهو أولى، لأنه قد يُردُّ أو يُعرض فيحصل التأذى والكسر.

стр. 1180

* هل يجوز النظر إلى المخطوبة بشهوة أو التلذذ بذلك؟ اشترط الحنابلة لإباحة النظر أمن الفتنة، قالوا: وأما النظر بقصد التلذذ أو الشهوة فهو على أصل التحريم (١). وأما الجمهور فلم يشترطوا ذلك، بل قالوا: ينظر لغرض التزوُّج وإن خاف أن يشتهيها، أو خاف الفتنة لأمرين: ١ - أن الأحاديث الواردة بالمشروعية لم تقيِّد النظر بذلك. ٢ - أن المصلحة المترتبة على نظر الخاطب أعظم من المفاسد المترتبة عليه (٢). * تكرار النظر إلى المخطوبة (٣): للخاطب أن يكرِّر النظر إلى المخطوبة -إن احتاج لذلك- ويتأمل محاسنها ولو بلا إذن وهو الأولى، ليتبيَّن هيئتها، فلا يندم بعد النكاح، إذ لا يحصل الغرض غالبًا بأول نظرة. لكن ينبغي أن يتقيَّد في هذا بقدر الحاجة وهي التأكد من مدى قبوله لها، فلو اكتفى بنظرة أو أكثر -وحصل له القبول- حرُم ما زاد على ذلك، لأنه نظر أبيح لحاجة فيتقيَّد بها، وتعود أجنبية عنه حتى يعقد عليها. قلت: وعلى هذا، فلا ينبغي تعدد مجالس الرجل مع مخطوبته كما هو حاصل في هذه الأيام حيث يكاد الخاطب يزور مخطوبته كل يوم، ويجلس معها الساعات الطويلة يصوِّب النظر إليها -وقد استقر في نفسه قبولها- ويكرِّره لا لأجل تحقق مدى قبوله لها، ولكن ربما تغرُّلًا فيها وتلذُّذًا بجمالها!! ولا شك أن هذا لا يجوز لأنها لا تزال أجنبية عنه. * إذا لم تعجبه المخطوبة: إذا نظر الخاطب إلى من يريد نكاحها فلم تعجبه، فليسكت، ولا يجوز له أن يذيع ما يسوؤها وأهلها، فربما أعجب غيره ما ساءه منها، ولا ينبغي أن يقول: لا أريدها، لأنه إيذاء (٤).

стр. 1181

* هل يكتفي بالنظر إلى صورة المخطوبة؟ يجوز للخاطب أن ينظر إلى صورة المخطوبة سواء كانت "فوتوغرافية" أو "تليفزيونية" لدخوله في عموم الأدلة الحاثة على النظر إلى ما يدعوه لنكاحها. ويتأكد هذا في الأحوال التي تكون المرأة فيها في مكان بعيد عن الخطاب، إلا أنه يحسن التنبيه هنا إلى أن هذا الطريق يدخل فيه التدليس، فالصورة قد تكون خادعة، فلا تُظهر الشخص المصوَّر على حقيقته، وقد يحتال المصوِّر فيظهر المرأة القبيحة في صورة جميلة، أو تقدَّم له صورة امرأة غير التي يريد التقدم إلى خطبتها، وقد تضير الصورة المرأة بوصولها إلى عدد كبير من الأشخاص، وفي ذلك ضرر لها ولأسرتها (١). [٢] نظر المخطوبة للخاطب: حكم نظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها، لأنه يُعجبها منه ما يعجبه منها بل هي أولى منه في ذلك، لأنه يمكنه مفارقة من لا يرضاها بخلافها. "ويمكن أن يقال: إن الشارع لم يوجه المرأة إلى النظر إلى الخاطب، لأن الرجال ظاهرون بارزون في المجتمع الإسلامي، لا يختفون كما تختفي النساء، وبذلك تستطيع المرأة إن شاءت أن تنظر إلى الرجل بسهولة ويسر إذا تقدم لخطبتها. وقد اختلف أهل العلم في حدود نظر المخطوبة إلى الخاطب، والصواب أنه إن وقع نظرها على أكثر من الوجه والكفين لم يحرم، فعورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة" (٢). [٣] الخُلوة بالمخطوبة: لا يجوز خلوة الخاطب بالمخطوبة للنظر ولا لغيره لأنها محرمة، ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن من الخلوة الوقوع في المحظور (٣). وقد نهى النبي ﷺ عن خلوة الرجال بالنساء، فقال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان" (٤) وقال: "لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" (٥).

стр. 1182

"ويزعم الذين انحرف بهم المسار عن دين الله وشرعه أن مصاحبة الخاطب المخطوبة، والخلوة بها، والسفر معها، أمر لا بدَّ منه، لأنه يؤدي إلى تعرف كل واحد منهما على الآخر!! ومن نظر في سيرة الغرب في هذه المسألة وجد أن سبيلهم لم يؤدِّ إلى التعارف والتآلف بين الخاطبين، فكثيرًا ما يهجر الخاطب خطيبته، بعد أن يفقدها شرفها، وقد يتركها، ويترك في رحمها جنينًا تشقى به وحدها، وقد ترميه من رحمها من غير رحمة. وحتى الذين توصلهم الخطبة إلى الزواج كثيرًا ما يكتشف كل واحد من الزوجين أن تلك الخطبة الطويلة لم تكشف له الطرف الآخر ... " (١). [٤] لا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسُّ شيء منها: وإن أمن الشهوة، لأنها أجنبية عنه، ولوجود الحُرْمة وانعدام الضرورة والبلوى: ١ - فعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمسَّ امرأة لا تحلُّ له" (٢). ولذا لم يكن رسول الله ﷺ يصافح النساء ولا يبايعهن إلا كلامًا. ٢ - فعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول للمرأة المبايعة: "قد بايعتك" كلامًا وقالت: "ولا والله، ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك" (٣). وفي رواية أنه قال لهن: "إني لا أصافح النساء .. " (٤). [٥] محادثة المخطوبة: يجوز للخاطب -إن احتاج ذلك- أن يحادث المخطوبة في وجود المحرم، إما للتعرف على صوتها، أو ليقف على رأيها فيما له أثر في الحياة الزوجية المقبلة، ولها أن تحادثه بشرط الانضباط بالضوابط الشرعية، فيكون الكلام بقدر الحاجة،

стр. 1183

من غير خضوع بالقول، أو لين وتميُّع، قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا﴾ (١). ومما يدل على جواز المحادثة بضوابطها قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ (٢). وقوله تعالى في تكليم موسى ﵇ للمرأتين بمدين: ﴿وجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير * فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ (٣). وفي الباب عدة أحاديث منها حديث أنس في قصة وفاة النبي ﷺ وفيه: " .. فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! " (٤). وقد يحتاج في بعض الأحيان محادثتها عن طريق "الهاتف" فلا حرج كذلك على أن تُراعي الضوابط السابقة، وينبغي كذلك أن تكون هذه المحادثة بعلم أهل المخطوبة، وأن تكون بقدر الحاجة، "أما إذا كان الهاتف سيحدث بينهما جوًّا مشابهًا لجو الخلوة التي نُهيا عنها شرعًا وكانت ستتمكن هي وهو من الحديث الذي يجرهما إلى مُحرَّم فترك ذلك متعيِّن، والله أعلم" (٥). * دبلة الخِطبة: درج الناس في هذه الأيام على أن يقدم الخاطب لمخطوبته خاتم الخطبة "الدبلة" فيمسك يدها -وهو أجنبي عنها- ويلبسها "الدبلة" وتلبسه هي الأخرى "دبلة" -وقد تكون من الذهب كذلك!! - ويكون هذا في حفل صاخب يختلط فيه الرجال والنساء!! وفي هذا كله من المنكرات ما لا يخفى، فضلًا عن أنه ليس في الإسلام ما يدل على الخطبة بهذا الشكل بل هو تقليد أجنبي ابتدعه الفراعنة، وقيل: هو تقليد نصراني، وعلى كل حال فتبادل "دبلة" الخطوبة بين العروسين تقليد دخيل على المسلمين، ففعله تقليد أعمى وتشبُّه بالكفار وقد قال النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٦) فيستوي في الحرمة أن تكون "دبلة" الخاطب من الذهب أو الفضة وإن كانت الذهبية أشد تحريمًا، والله أعلم.

стр. 1184

* العُدول والرجوع عن الخطبة: ١ - حكم العُدول عن الخِطبة (١): الخطبة ليست عقدًا، ولكنها وعد بعقد، والوعد بالعقود غير مُلزم بعقدها عند جمهور أهل العلم، ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة للمخطوبة في ذلك، ولا يُكره لها أيضًا الرجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة للمخطوبة في ذلك، ولا يُكره لها أيضًا الرجوع إذا كرهت الخاطب، لأن النكاح عقد عمري يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها والنظر في حظها. وإن رجعا لغير غرض كُره لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القول، ولم يحرم لأن الحق بعد لم يلزمها كمن سام سلعة ثم بدا له ألا يبيعها، ويكره كذلك أن يتركها الخاطب، إذا ركنت له المرأة وانقطع عنها الخُطَّاب لركونها إليه. قلت: قال الله تعالى: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (٢). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف" (٣). وهذه النصوص وغيرها قوية في الدلالة على وجوب الوفاء وعدم جواز الإخلاف -لغير عذر- فكيف حملوها على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد؟!! (أ) ما دفعه كجزء من المهر: فهذا له حالتان: الأولى: أن يكون موجودًا بعينه، ومن ذلك ما يسمى بـ "الشبكة" وهي الحلي الذي يدفعه الخاطب إلى مخطوبته بعد الاتفاق عليه، وقد يُدفع إليها قبل العقد أو بعده حسب جريان العرف، فهذا ونحوه يحق للخاطب -عند العدول عن الخطبة- أن يستردَّه باتفاق أهل العلم لا فرق في هذا بين أن يكون العدول من جانبه أو جانبها أو بسبب خارج عن إرادتهما (٤).

стр. 1185

الثانية: أن يكون قد اشترى به جهازًا لبيت الزوجية: فللفقهاء في حكم ردِّ قيمة الصداق أو ما اشترى به من جهاز قولان: القول الأول: يجب ردُّ ما دفعه من صداق لأن الصداق معاوضة في مقابلة التمتع ولم تتم المعاوضة فوجب ردُّه بعينه إن كان قائمًا، وبقيمته إن هلك أو استهلك، وهذا مذهب الجمهور. القول الثاني: لا يرجع عليها مما اشترى من جهاز إن كان أذن لها -بالشراء- أو علم أو جرى به عُرف، وإلا يرجع عليها بما دفعه من صداق، وهذا قول المالكية. والذي يظهر لي: أنه إن كان العدول من جانب الخاطب وكان على علم بشراء الجهاز من المهر أو جرى بذلك العرف -فإنه يسترد الجهاز ولا تكلف المرأة ببيعه وردِّ ما دفعه لما فيه من الغُرْم. وإن كان العدول من جانب المخطوبة، فإنها تُلزم بردِّ ما دفعه من الصداق وإن غَرِمتْ في بيع الجهاز. (ب) ما دفعه على سبيل الهدية: فهذا لأهل العلم في حكم استرداده أربعة أقوال (١): الأول: يجوز استردادها إذا كانت قائمة في ملك المُهدى إليه بعينها ولم يتصرف فيها بما يخرجها عن ملكه، فإن هلكت أو تغير حالها لم يمكن استردادها، وهذا مذهب الحنفية. الثاني: لا يستردُّ شيئًا وإن كان المانع من جهتها إلا لشرط أو عرف، وبه قال بعض المالكية، والظاهر أن مبناه على أن الهدية في معنى الهبة، والهبة لا يجوز أن يعود الواهب فيها، لقوله ﷺ : "ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" (٢). ولما أهدى عمر بن الخطاب ﵁ فرسًا لرجل ليجاهد عليه فأضاعه، أراد عمر أن يشتريه، فقال النبي ﷺ : "لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣).

стр. 1186

الثالث: تُسترد الهدايا أيًّا كان نوعها، فإن كانت قائمة بذاتها رُدَّ عينها وإن كانت هالكة فتردُّ قيمتها، وهو قول جمهور الشافعية والحنابلة، ومعناه -عندهم فيما يظهر- على أن هذه الهدايا ليست كالهبة، لأن من شرط الهبة -عندهم- أن تكون بغير عوض، والواهب في الخطبة إنما وهب بشرط بقاء العقد، فإذا زال مَلَك الرجوع كالهبة بشرط الثواب، فكأن ما قُبض بسبب النكاح حكمه حكم المهر. الرابع: إن كان فسخ الخطبة من جانب الخاطب لم يحقَّ له استردادها، وإن كان من جانبها فله استردادها، لأن السبب الذي من أجله الإهداء لم يتم، وبهذا قال الرافعي من الشافعية وابن رشد من المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أعدل الأقوال في نظري، فإن إيجاب ردِّ الهدايا عند عدول الخاطب يجمع على المخطوبة ألم العدول وألم الاسترداد، وكذلك منع ردِّ الهدايا عند عدول المخطوبة يجمع على الخاطب ألم العدول والغُرم المالي. قلت: ولو قُيِّد المردود بما كان باقيًا غير مستهلك لكان حسنًا، إذ لا ينبغي أن يطالب أحدهما الآخر بقيمة ما بذله له من المأكولات ونحوها مما هو مشاهد في كثير من الحالات التي يندى لها الجبين. * حكم تعويض المتضرِّر من العدول عن الخِطبة (١): يرى بعض المعاصرين أن العدول عن الخطبة يستوجب التعويض المادي -كما هو الحال عند الطوائف النصرانية!! - بينما لم يرتب الفقهاء -قديمًا- على اختلاف مذاهبهم أية آثار مادية تجاه أي طرف يقوم بالعدول عن الخطبة، وهذا هو الصحيح لأمور: ١ - أن القول بالتعويض يعمق المشكلة ويؤصِّلها، ولا يحلها، ثم إن الضرر الذي ينشأ عن الفسخ ناتج عن إعطاء الناس الخطبة فوق ما تستحقه، فالخطبة وعد، والوعد لا يجوز أن يبني عليه الناس من التصرفات ما يعود عليهم بالضرر، وما يفعله الناس من النفقات والمشتريات ونحو ذلك هو من الاستعجال في أمر كان لهم فيه سعة وأناةٌ.

стр. 1187

٢ - أن هذا سيفتح الباب لكلا الطرفين ليوقع الخسائر بالطرف الآخر بكل ما أوتي من قوة وفطنة، نتيجة لما يقع في النفس من المرارة والألم، وأعداد مثل هذه القضايا في المجتمع لا تكاد تنحصر مما سيرهق المحاكم. ٣ - أن التعويض يخالف طبيعة الخطبة وحقيقتها من كونها وعدًا واتفاقًا أوَّليًّا ممهدًا للزواج. ٤ - أن القول بالتعويض مخالف لإجماع الأمة. ٥ - أن القول بالتعويض ليس عدلًا. ٦ - أن الإلزام بالتعويض قد يلجئ إلى إتمام الزواج مع الكره له، وهذا أمر خطير. * الفحص الطبي قبل الزواج (١): ونعني به ما استجد في هذا العصر، الذي انحدر فيه مستوى الأمانة والصدق في الإخبار عن معايب النفس الجسدية والنفسية قبل الإقدام على الزواج، مع تقدم العلم واتخاذ الاحتياطات الطبية للتأكد من سلامة الزوجين، بحيث يقدم المقبلون على الزواج على عمل الفحوصات التي تعنى بمعرفة الأمراض الوراثية والمعدية والجنسية والعادات اليومية التي ستؤثر مستقبلًا على صحة الزوجين المؤهلين، أو على الأطفال عند الإنجاب. * الرأي الطبي في هذا الفحص: أبرز الرأي الطبي أن لمسألة "الفحص الطبي قبل الزواج" سلبيات وإيجابيات يمكن تلخيصها فيما يلي (٢): (أ) إيجابيات الفحص الطبي: ١ - تعتبر الفحوص الطبية قبل الزواج من الوسائل الوقائية الفعالة جدًّا في الحد من الأمراض الوراثية والمعدية الخطيرة. ٢ - تشكِّل حماية للمجتمع من انتشار الأمراض والحد منها، والتقليل من نسب المعاقين في المجتمع وبالتالي من التأثير المالي والإنساني على المجتمع. ٣ - محاولة ضمان إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقليًّا وجسديًّا، وعدم انتقال الأمراض الوراثية التي يحملها الخاطبان أو أحدهما إليهم.

стр. 1188

٤ - تحديد قابلية الزوجين المؤهلين للإنجاب من عدمه إلى حد ما، علمًا بأن وجود أسباب العقم في أحد الزوجين قد يكون من أهم أسباب التنازع والاختلاف بين الزوجين. ٥ - التأكد من عدم وجود عيوب عضوية أو فيسيولوجية مرضية تقف أمام الهدف المشروع لكل من الزوجين من ممارسة العلاقة الجنسية السليمة منهما. ٦ - التحقق من عدم وجود أمراض مزمنة مؤثرة على مواصلة الحياة بعد الزواج، مما له دور في إرباك استقرار الحياة الزوجية. ٧ - ضمان عدم تضرر صحة كل من الخاطبين نتيجة معاشرة الآخر جنسيًا، وعدم تضرر المرأة أثناء الحمل وبعد الولادة نتيجة اقترانها بالزوج المأمول. (ب) سلبيات الفحص الطبي: ١ - قد يؤدي هذا الفحص إلى الاحباط الاجتماعي، كما لو أثبتت الفحوصات أن هناك احتمالًا لإصابة المرأة بالعقم أو بسرطان الثدي واطلع على ذلك الآخرون، مما يسبب لها ضررًا نفسيًّا واجتماعيًّا، وفي هذا قضاء على مستقبلها، خاصة أن الأمور الطبية تخطئ وتصيب. ٢ - يجعل هذا الفحص حياة بعض الناس قلقة ومكتئبة ويائسة إذا ما تم إخبار الشخص بأنه سيصاب بمرض عضال لا شفاء له. ٣ - ثم تبقى نتائج التحليل احتمالية في العديد من الأمراض، وهي ليست دليلًا صادقًا لاكتشاف الأمراض المستقبلية. ٤ - قد تحرم هذه الفحوصات البعض من فرصة الارتباط بزواج نتيجة فحوصات قد لا تكون أكيدة. ٥ - ثم قلما يخلو إنسان من أمراض، خاصة إذا علمنا أن الأمراض الوراثية التي صنفت تبلغ أكثر من (٣٠٠٠ مرض وراثي). ٦ - أن التسرُّع في إعطاء المشورة الصحية في الفحص يسبب من المشاكل بقدر ما يحلها. ٧ - وقد يُساء للأشخاص المقدمين على الفحص، بإفشاء معلومات الفحص واستخدامها استخدامًا ضارًّا. هذا هو ملخص "الرأي الطبي" في عملية "الفحص الطبي قبل الزواج"، فما هو موقف الشريعة من ذلك؟ وهل يجوز إلزام المقبلين على الزواج بإجرائه؟

стр. 1189

* الرأي الشرعي في "الفحص الطبي قبل الزواج": لا شك أنه لم تكن هناك حاجة لبحث هذه المسألة قديمًا، لما تميز به المسلمون الأولون من الأمانة في الإخبار عن العيوب من جهة، ولعدم وجود التقدم العلمي الذي يمكنهم من إجراء هذا الفحص من جهة أخرى وأما العلماء المعاصرون فلهم في هذه المسألة اتجاهان: الاتجاه الأول: منع هذا الفحص، وأنه لا حاجة إليه، وممن رأى هذا العلَّامة ابن باز -نوَّر الله قبره- ومأخذه أنه ينافي إحسان الظن بالله، وأن هذا الفحص قد يعطي نتائج غير صحيحة (١). الاتجاه الثاني: أنه جائز، ولا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، وبهذا قال الأكثرون ورأوا أنه ليس فيه ما يتعارض مع الشرع، ولا ما يتعارض مع الثقة بالله، لأنه ضرب من الأخذ بالأسباب وقد قال عمر ﵁ حين وقع الطاعون بالشام: "أفرُّ من قدر الله إلى قدر الله" (٢). قلت: لعلَّ هذا هو الأقرب مع بعض التحفُّظات. ويمكن الاستدلال على جوازه بما يأتي (٣): ١ - أن حفظ النسل من الكليات الخمس التي تضافرت النصوص على الاهتمام بها والدعوة إلى رعايتها، وقد قال زكريا ﵇: ﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾ (٤). ودعا المؤمنون ربهم ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾ (٥). فلا مانع من حرص الإنسان على أن يكون نسله صالحًا غير معيب ولا مشوَّه. ٢ - حث النبي ﷺ على اختيار الزوج زوجته من عائلة نعرف بناتها بالإنجاب، فقال ﷺ : "تزوَّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم" (٦) مما يدل على أهمية عنصر الاختيار على أسس صحة النسل والولادة المستقبلية.

стр. 1190

٣ - عن عمر ﵁. قال: "أيما امرأة غُرَّ بها رجل، بها جنون أو جُذام أو برص، فلها المهر بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غرَّه" (١). وسيأتي في كتاب الفرق بين الزوجين" مشروعية التفريق بسبب العيوب في أحد الزوجين. ٤ - الأدلة التي حثت على النظر إلى المخطوبة ومعرفة العيوب، كحديث أبي هريرة "أن رجلًا خطب امرأة فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا" (٢). ٥ - الأدلة العامة في اجتناب المصابين بالأمراض المعدية كقوله ﷺ : "لا توردوا الممرض على المُصِحِّ" (٣). وقوله ﷺ : " .. وفرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" (٤) وهذا لا يعلم إلا بالفحص. ٦ - الأدلة العامة في النهي عن الضرر. ومما تقدم يمكن القول بأن الفحص الطبي قبل الزواج لا يعارض الشريعة، بل هو موافق لمقاصدها، وعليه: فإذا رأى ولي الأمر إلزام الناس به -في حالة انتشار الأمراض- فإنه يجوز ذلك من باب السياسة الشرعية، وإن كان ليس لهذا الفحص تأثير في صحة العقد شرعًا. * تحفُّظات: ١ - ينبغي أن لا يُجبر الناس على إجراء الفحوصات التي لا حاجة ماسة إليها، وإنما تضبط بالحاجة وبما يتعلق بالأمراض الضارة بمستقبل الزواج، من غير توسُّع يرهق كاهل الناس بتكاليفه، وحتى لا تكون هذه الفحوص أداة وذريعة لابتزاز الناس والإضرار بهم. ٢ - لابد للأطباء القائمين على هذه الفحوصات من الحفاظ على أسرار الناس ومعايبهم لئلا تتخذ ذريعة للإفساد.

стр. 1191

عقد الزواج * رُكنا العقد: عقد الزواج كغيره من العقود مبناه على إرادة العاقدين على الرضا بموضوع العقد، ولما كانت الإرادة والرضا من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها البشر، لزم أن يصدر عن كل واحد من العاقدين ما يدل على قبوله بالعقد، وموافقته عليه. وتسمى الألفاظ التي يتم بها العقد وتكون دالة على رضا العاقدين بالمعقود عليه: الإيجاب والقبول، وهما ركنان للعقد باتفاق أهل العلم (١). والإيجاب: لفظ يصدر من أحد المتعاقدين للتعبير عن إرادته في إقامة العلاقة الزوجية، وهو يوحي بأن العاقد ثبت في ذمته ما ألزم نفسه به بقوله. والقبول: لفظ يصدر من المتعاقد الآخر للتعبير عن رضاه وموافقته بالمعقود عليه. "والإيجاب والقبول اللذين ينعقد بهما النكاح يجب صدورهما ممن يصح منه عقد النكاح، وهما الخاطبان إذا كان كل واحد منهما أهلًا لعقد النكاح، كما يصح صدورهما من وكيل الزوج أو الزوجة، فالنكاح يقبل النيابة كغيره من العقود" (٢). * شروط انعقاد عقد الزواج: أولًا: شروط في صيغة العقد: ١ - يشترط في صيغة "الإيجاب والقبول" أن تكون بألفاظ تدلُّ على النكاح كأنكحت وزوجت وملكت وبعت ووهبت ونحوها وذلك يتحقق بوجود عرف أو قرينة، ولا يشترط أن تكون الصيغة بلفظ "الإنكاح" أو "التزويج" لأن العبرة في العقود بالمقصود والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذا أصحُّ قولي العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقول في مذهب أحمد واختيار شيخ الإسلام (٣). ويؤيده ما ثبت أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا امرأة فقال: "قد ملَّكتُكها بما معك من القرآن" (٤) وأما الشافعية والحنابلة فلا يصح عندهم إلا بلفظ اشتق من التزويج

стр. 1192

أو الإنكاح لأنه لم يذكر في القرآن سواهما فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا، لأن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تُتلقى من الشرع. * العقد بغير اللغة العربية: إذا كان العاقدان أو أحدهما لا يفهم العربية، فإنه يجوز عقد الزواج بغير العربية اتفاقًا. فإن كانا يفهمان العربية ويستطيعان العقد بها، فقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز العقد حينئذٍ بغير العربية. والصحيح أنه يجوز، قال شيخ الإسلام: "تعيُّن اللفظ العربي في عقد النكاح في غاية البعد عن أصول أحمد ونصوصه، وعن أصول الأدلة الشرعية، إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم، وهو وإن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة، ومعلوم أن العتق لا يتعيَّن له لفظ، لا عربي ولا عجمي، وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعيَّن لفظ عربي بالإجماع، ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهم من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تُكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة -لكان متوجِّهًا، كما قد رُوي عن مالك أحمد والشافعي ما يدل على كراهية اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة" اهـ (١). * لا ينعقد بالإشارة إلا لأخرس (٢): ذهب الجمهور خلافًا للمالكية إلى أن القادر على النطق لا تعتبر إشارته في العقود، واتفقوا على أن إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا فينعقد بها النكاح، واختلفوا: هل يشترط للعمل بالإشارة عدم القدرة على الكتابة؟ والصحيح أنه يشترط. ٢ - يشترط في الصيغة أن تدلَّ على الدوام والتنجيز: فإن كانت دالة على التأقيت أو الاستقبال لم يصحَّ العقد، فقوله: (إذا جاء رأس الشهر فقد زوَّجتك) لأنه لا ينعقد به النكاح، وكذلك قوله: (زوجتك ابنتي عندما تنجح في الامتحان) لأنه معلق على شرط غير متحقق -في الحال- فلم يصحَّ (٣). فإن علقه على أمر متحقق فعلًا صحَّ العقد.

стр. 1193

٣ - أن يوافق القبول الإيجاب من كل وجه، وعلى هذا اتفاق الفقهاء (١) فإن خالف القبولُ الإيجاب من وجه لم يصح النكاح، فإذا قال الولي: زوجتُك ابنتي فاطمة على مهر مقداره عشرة آلاف، فقال الخاطب: قبلتُ نكاح ابنتك عائشة على مهر مقداره خمسة آلاف، لم يصح النكاح. ٤ - اتصال القبول بالإيجاب: ويحصل هذا الاتصال باتحاد مجلس العقد، بأن يقع الإيجاب والقبول معًا في مجلس واحد. ولا يعني هذا أن يشترط حصول القبول فور صدور الإيجاب، فإن الفورية لا تشترط عند الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة، فلا يضرُّ التراخي ما دام القبول قد حصل في نفس المجلس (٢). فائدة: وإنما اشترط الفقهاء -فيما مضى- اتحاد المجلس لعدم تصوُّر اتصال الإيجاب والقبول مع اختلاف الأمكنة وتباعد الديار، أما في عصرنا فقد تقدمت وسائل الاتصالات كالهاتف ونحوه، ولا مانع من إجراء العقود -مع اختلاف المجالس- إذا تحققت الفورية (أو: اتصال القبول بالإيجاب على النحو المتقدم) وتحقق كل واحد من العاقدين من هوية الآخر وأمن التزوير (٣). ٥ - أن لا يعود الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر: ذهب الجمهور -خلافًا للمالكية- إلى أن الإيجاب غير ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الطرف الآخر، وحينئذٍ لا ينعقد العقد، فلابد أن يُصرَّ الموجب على ما أتى به من الإيجاب إلى قبول الآخر (٤). وكذلك لو مات أحد العاقدين بعد الإيجاب وقبل القبول لم ينعقد عند الجمهور (٥).

стр. 1194

ثانيًا: شروط في العاقدَيْن (الولي والخاطب) (١): ١ - أهلية كلٍّ منهما لإجراء العقد: أي أن يكون بالغًا -على خلاف في الصبي المميز إذا أجازه وليه- رشيدًا عاقلًا. ٢ - أن يكون لهما الحق في إنشاء العقد: بأن يعقد البالغ العاقل الرشيد لنفسه، أو يعقد له وكيله بتكليفه بالعقد له، وبتحقق الولاية، بحيث يعطيه الشرع حق إنشاء العقد، وأما الفضولي الذي يعقد لغيره بغير إذنه، فلا يصح عقده. ٣ - رضاهما واختيارهما: فإن عقد العقد من غير رضاهما أو رضا أحدهما لم يصح. ٤ - أن يسمع كل منهما كلام الآخر ويفهمه. ٥ - أن يكون كل واحد من الزوجين معلومًا معروفًا، فلو قال الولي: (زوجتك واحدة من بناتي) ولم يحددها وله أكثر من بنت لم يصح العقد. ٦ - أن لا يكون بين الزوجين سبب لتحريم الزواج، وقد تقدم بيان المحرمات. شروط صحة عقد النكاح وهي ما يتوقف عليها صحة عقد النكاح وترتب آثاره عليه، ويبطل العقد بتخلُّف أحدها، وهذه الشروط هي: الشرط الأول: إذنُ وَلِيِّ المرأة: الولي هو: الذي يلي عقد النكاح على المرأة ولا يدعها تستبد بعقد دونه (٢) وقد ذهب الجماهير من السلف والخلف، منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة ﵃ ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأهل الظاهر (٣)، إلى أن الولي شرط لصحة النكاح، فإذا زوَّجت المرأة نفسها، فنكاحها باطل، واستدلوا بما يلي: ١ - النصوص القرآنية التي جعلت أمر التزويج والإعضال إلى الرجال، ومنها: (أ) قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ...﴾ (٤). فخاطب الرجال بإنكاح الأيامى ولو كان أمر التزويج عائد إلى النساء لما وجَّه الخطاب للرجال.

стр. 1195

(ب) وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ (١). مع قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ...﴾ (٢). (ج) قول الشيخ الكبير لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ (٣). (د) قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (٤). فنهى الأولياء عن عضل النساء عن العودة إلى أزواجهن، وفي هذا أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوَّج نفسها لم تحتج إلى أخيها (٥). (هـ) قوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ (٦). فاشترط إذن ولي الأمة لصحة النكاح، فدلَّ على أنه لا يكفي عقدها لنفسها. (و) قوله تعالى: ﴿الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ (٧). والولاية من القوامة المنصوص عليها. (ز) عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾ (٨). قالت: "هذا في اليتيمة التي تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله -وهي أولى به- فيرغب عنها أن ينكحها، فيعضلها لمالها ولا يُنكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها" (٩).
следующие страницы →