← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

عقد الزواج * رُكنا العقد: عقد الزواج كغيره من العقود مبناه على إرادة العاقدين على الرضا بموضوع العقد، ولما كانت الإرادة والرضا من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها البشر، لزم أن يصدر عن كل واحد من العاقدين ما يدل على قبوله بالعقد، وموافقته عليه. وتسمى الألفاظ التي يتم بها العقد وتكون دالة على رضا العاقدين بالمعقود عليه: الإيجاب والقبول، وهما ركنان للعقد باتفاق أهل العلم (١). والإيجاب: لفظ يصدر من أحد المتعاقدين للتعبير عن إرادته في إقامة العلاقة الزوجية، وهو يوحي بأن العاقد ثبت في ذمته ما ألزم نفسه به بقوله. والقبول: لفظ يصدر من المتعاقد الآخر للتعبير عن رضاه وموافقته بالمعقود عليه. "والإيجاب والقبول اللذين ينعقد بهما النكاح يجب صدورهما ممن يصح منه عقد النكاح، وهما الخاطبان إذا كان كل واحد منهما أهلًا لعقد النكاح، كما يصح صدورهما من وكيل الزوج أو الزوجة، فالنكاح يقبل النيابة كغيره من العقود" (٢). * شروط انعقاد عقد الزواج: أولًا: شروط في صيغة العقد: ١ - يشترط في صيغة "الإيجاب والقبول" أن تكون بألفاظ تدلُّ على النكاح كأنكحت وزوجت وملكت وبعت ووهبت ونحوها وذلك يتحقق بوجود عرف أو قرينة، ولا يشترط أن تكون الصيغة بلفظ "الإنكاح" أو "التزويج" لأن العبرة في العقود بالمقصود والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذا أصحُّ قولي العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقول في مذهب أحمد واختيار شيخ الإسلام (٣). ويؤيده ما ثبت أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا امرأة فقال: "قد ملَّكتُكها بما معك من القرآن" (٤) وأما الشافعية والحنابلة فلا يصح عندهم إلا بلفظ اشتق من التزويج

стр. 1192

أو الإنكاح لأنه لم يذكر في القرآن سواهما فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا، لأن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تُتلقى من الشرع. * العقد بغير اللغة العربية: إذا كان العاقدان أو أحدهما لا يفهم العربية، فإنه يجوز عقد الزواج بغير العربية اتفاقًا. فإن كانا يفهمان العربية ويستطيعان العقد بها، فقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز العقد حينئذٍ بغير العربية. والصحيح أنه يجوز، قال شيخ الإسلام: "تعيُّن اللفظ العربي في عقد النكاح في غاية البعد عن أصول أحمد ونصوصه، وعن أصول الأدلة الشرعية، إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم، وهو وإن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة، ومعلوم أن العتق لا يتعيَّن له لفظ، لا عربي ولا عجمي، وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعيَّن لفظ عربي بالإجماع، ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهم من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تُكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة -لكان متوجِّهًا، كما قد رُوي عن مالك أحمد والشافعي ما يدل على كراهية اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة" اهـ (١). * لا ينعقد بالإشارة إلا لأخرس (٢): ذهب الجمهور خلافًا للمالكية إلى أن القادر على النطق لا تعتبر إشارته في العقود، واتفقوا على أن إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا فينعقد بها النكاح، واختلفوا: هل يشترط للعمل بالإشارة عدم القدرة على الكتابة؟ والصحيح أنه يشترط. ٢ - يشترط في الصيغة أن تدلَّ على الدوام والتنجيز: فإن كانت دالة على التأقيت أو الاستقبال لم يصحَّ العقد، فقوله: (إذا جاء رأس الشهر فقد زوَّجتك) لأنه لا ينعقد به النكاح، وكذلك قوله: (زوجتك ابنتي عندما تنجح في الامتحان) لأنه معلق على شرط غير متحقق -في الحال- فلم يصحَّ (٣). فإن علقه على أمر متحقق فعلًا صحَّ العقد.

стр. 1193

٣ - أن يوافق القبول الإيجاب من كل وجه، وعلى هذا اتفاق الفقهاء (١) فإن خالف القبولُ الإيجاب من وجه لم يصح النكاح، فإذا قال الولي: زوجتُك ابنتي فاطمة على مهر مقداره عشرة آلاف، فقال الخاطب: قبلتُ نكاح ابنتك عائشة على مهر مقداره خمسة آلاف، لم يصح النكاح. ٤ - اتصال القبول بالإيجاب: ويحصل هذا الاتصال باتحاد مجلس العقد، بأن يقع الإيجاب والقبول معًا في مجلس واحد. ولا يعني هذا أن يشترط حصول القبول فور صدور الإيجاب، فإن الفورية لا تشترط عند الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة، فلا يضرُّ التراخي ما دام القبول قد حصل في نفس المجلس (٢). فائدة: وإنما اشترط الفقهاء -فيما مضى- اتحاد المجلس لعدم تصوُّر اتصال الإيجاب والقبول مع اختلاف الأمكنة وتباعد الديار، أما في عصرنا فقد تقدمت وسائل الاتصالات كالهاتف ونحوه، ولا مانع من إجراء العقود -مع اختلاف المجالس- إذا تحققت الفورية (أو: اتصال القبول بالإيجاب على النحو المتقدم) وتحقق كل واحد من العاقدين من هوية الآخر وأمن التزوير (٣). ٥ - أن لا يعود الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر: ذهب الجمهور -خلافًا للمالكية- إلى أن الإيجاب غير ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الطرف الآخر، وحينئذٍ لا ينعقد العقد، فلابد أن يُصرَّ الموجب على ما أتى به من الإيجاب إلى قبول الآخر (٤). وكذلك لو مات أحد العاقدين بعد الإيجاب وقبل القبول لم ينعقد عند الجمهور (٥).

стр. 1194

ثانيًا: شروط في العاقدَيْن (الولي والخاطب) (١): ١ - أهلية كلٍّ منهما لإجراء العقد: أي أن يكون بالغًا -على خلاف في الصبي المميز إذا أجازه وليه- رشيدًا عاقلًا. ٢ - أن يكون لهما الحق في إنشاء العقد: بأن يعقد البالغ العاقل الرشيد لنفسه، أو يعقد له وكيله بتكليفه بالعقد له، وبتحقق الولاية، بحيث يعطيه الشرع حق إنشاء العقد، وأما الفضولي الذي يعقد لغيره بغير إذنه، فلا يصح عقده. ٣ - رضاهما واختيارهما: فإن عقد العقد من غير رضاهما أو رضا أحدهما لم يصح. ٤ - أن يسمع كل منهما كلام الآخر ويفهمه. ٥ - أن يكون كل واحد من الزوجين معلومًا معروفًا، فلو قال الولي: (زوجتك واحدة من بناتي) ولم يحددها وله أكثر من بنت لم يصح العقد. ٦ - أن لا يكون بين الزوجين سبب لتحريم الزواج، وقد تقدم بيان المحرمات. شروط صحة عقد النكاح وهي ما يتوقف عليها صحة عقد النكاح وترتب آثاره عليه، ويبطل العقد بتخلُّف أحدها، وهذه الشروط هي: الشرط الأول: إذنُ وَلِيِّ المرأة: الولي هو: الذي يلي عقد النكاح على المرأة ولا يدعها تستبد بعقد دونه (٢) وقد ذهب الجماهير من السلف والخلف، منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة ﵃ ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأهل الظاهر (٣)، إلى أن الولي شرط لصحة النكاح، فإذا زوَّجت المرأة نفسها، فنكاحها باطل، واستدلوا بما يلي: ١ - النصوص القرآنية التي جعلت أمر التزويج والإعضال إلى الرجال، ومنها: (أ) قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ...﴾ (٤). فخاطب الرجال بإنكاح الأيامى ولو كان أمر التزويج عائد إلى النساء لما وجَّه الخطاب للرجال.

стр. 1195

(ب) وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ (١). مع قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ...﴾ (٢). (ج) قول الشيخ الكبير لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ (٣). (د) قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (٤). فنهى الأولياء عن عضل النساء عن العودة إلى أزواجهن، وفي هذا أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوَّج نفسها لم تحتج إلى أخيها (٥). (هـ) قوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ (٦). فاشترط إذن ولي الأمة لصحة النكاح، فدلَّ على أنه لا يكفي عقدها لنفسها. (و) قوله تعالى: ﴿الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ (٧). والولاية من القوامة المنصوص عليها. (ز) عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾ (٨). قالت: "هذا في اليتيمة التي تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله -وهي أولى به- فيرغب عنها أن ينكحها، فيعضلها لمالها ولا يُنكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها" (٩).

стр. 1196

(ح) وقالت عائشة -في وصف نكاح الجاهلية-: " ... فنكاح منها كنكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيُصدقها ثم ينكحها .. " (١). ٢ - وأصرح من كل ما تقدم ما يلي: (أ) حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بوَليٍّ" (٢). (ب) حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذا مواليها فنكاحها باطل -ثلاثًا- ولها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فإن السلطان ولي من لا ولي له" (٣) وهما صريحان في الشرطية. (جـ) وقد ثبت هذا المعنى من قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس (٤). (د) وعن أبي هريرة قال: "لا تنكح المرأة نفسها، فإن الزانية تُنكح نفسها" (٥). وقد نقل الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٨٧ - المعرفة) عن ابن المنذر أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. * بينما ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة الحرة العاقلة البالغة لا يشترط لصحة العقد عليها وجود الولي، وإنما يشترط في إنكاح الصغيرة!! (٦) وحجته في هذا ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ (٧). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٨). قالوا: فأضاف النكاح إليهن فدلَّ على جواز النكاح بعبارتهن من غير شرط الولي.

стр. 1197

٣ - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ (١). قالوا: الاستدلال بها من وجهين. (أ) أنه أضاف النكاح إليهن. (ب) أن النهي عن العضل في الآية يحتمل أن يكون للأزواج، فنهتهم عن منع أزواجهم المطلقات -بعد قضاء عدتهن- من التزوُّج بمن شئن من الأزواج!! قلت: وقد تقدم سبب نزول الآية وأنه يردُّ هذا التأويل. ٤ - حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليِّها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (٢). قلت: ولا يصفو لهم الاستدلال بهذا الحديث على عدم اشتراط الولي لأمرين: (أ) "أن غاية ما يدل عليه أن للولي حقًا في تزويج الثيب، وللثيب حق في تزويج نفسها، وحقها أرجح من حقِّه، فلم يجز تزويجها بدون استئمارها، وموافقتها، أما البكر فحق الولي أعظم من حقها، ولذا اكتفى بصمتها" (٣). وهذا كله في حالة الإجبار فلا يجوز للولي أن يجبر الأيِّم على ما تكره. (ب) أنه لو كان معنى الحديث ما أرادوا، للزم أفضلية الزواج بدون الولي، وهذا يخالف ما عليه الحنفية من استحباب وجود الولي. فالصحيح الذي لا يجوز خلافه أن الولي شرط في صحة النكاح كما ذهب إليه الجماهير، والله أعلم. * فوائد: ١ - أجاز أبو حنيفة -كما تقدم- للمرأة أن تزوِّج نفسها، لكنه جعل للولي حق فسخ العقد إذا تزوَّجت بغير كفءٍ!! ٢ - لا تزوِّج المرأة غيرها: ولا ينعقد العقد بعبارتها، لأنه لم يصحَّ منها عقدها وتزويجها لنفسها، فلا يصحُّ تزويجها لغيرها من باب أولى، ويؤيد هذا ما جاء عن عائشة ﵂ أنها أنكحت رجلًا من بني أخيها جارية من بني أخيها فضربت

стр. 1198

بينهما بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا النكاح، أمرت رجلًا فأنكح ثم قالت: "ليس إلى النساء نكاح" (١). ٣ - ليس للوليِّ إجبار المرأة البالغة على الزواج: (أ) إجبار الثيِّب: "البالغ الثيِّب لا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره، بإجماع المسلمين" (٢). ومما يدل على ذلك: ١ - حديث خنساء بنت خذام الأنصارية "أن أباها زوَّجها، وهي ثيِّب، فكرهت، فأتت رسول الله ﷺ فردَّ نكاحها" (٣). ٢ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيِّم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (٤). ٣ - حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيِّب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها" (٥). * فائدتان: الأولى: من زالت بكارتها بالزنا فهي كالثيب في الزواج: فلا يجوز لوليِّها أن يجبرها على النكاح، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة، ومذهب أبي حنيفة نفسه ومالك أنها كالبكر، وسيأتي حكم إجبارها. وإن زالت بكارتها بغير الوطء (بوثبة أو بإصبع أو نحو ذلك) فهي كالبكر عند الأئمة الأربعة (٦).

стр. 1199

الثانية: إذا زوَّج الولي الثيب بغير إذنها ثم أجازت العقد: فالعقد صحيح لا يحتاج إلى استئنافه من جديد، عند أكثر العلماء منهم أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد. وعند الشافعية -وهو رواية عن أحمد-: لا يصح العقد السابق بغير إذنها، ولابد من استئنافه (١). (ب) إجبار البكر البالغة: اختلف العلماء في البكر البالغة العاقلة، هل لوليِّها إجبارها؟ على قولين، أصحهما أنه لا يجوز له إجبارها كالثيب، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد، والأوزاعي والثوري وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر، واختاره شيخ الإسلام (٢) ودليلهم: ١ - حديث ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت له أن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ﷺ " (٣). ونحوه من حديث جابر، وفيه: " ... ففرَّق بينهما" (٤). ٢ - قوله ﷺ : " ... ولا تنكح البكر حتى تستأذن .. " (٥) وما في معناه. ٣ - ولأن تصرف الولي في بُضع وليته كتصرفه في مالها، فكما لا يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها -وبُضعها أعظم من مالها- فكيف يجوز أن يتصرف في بُضعها مع كراهتها ورشدها؟! (٦). ٤ - أن تزويجها مع كراهتها للنكاح مخالف للأصول والعقول، والله لم يُسوِّغ لوليها أن يُكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام ولا شراب ولا

стр. 1200

لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره مباضعته وتكره معاشرته، والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟! (١). ٥ - "أن المرأة قد شُرع لها -إذا كرهت زوجها- الخلاصُ منه، فكيف يجوز تزويجها إياه ابتداء؟! " (٢). * فائدة: هذا إذا كان الولي هو الأب أو الجد، فإن كان الولي غيرهما كأخيها أو عمِّها فقد نقل شيخ الإسلام إجماع المسلمين على أن البكر البالغ ليس لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها (٣). (ج) إجبار الصغيرة: اتفق العلماء -إلا من شذَّ (٤) - على أن البكر الصغيرة التي لم تبلغ يجوز لأبيها أن يزوجها بدون إذنها، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها. واستدلوا بأن أبا بكر ﵁ زوَّج عائشة ﵂ وهي صغيرة لم تبلغ، وحملوا قوله ﷺ : " .. ولا تنكح البكر حتى تستأذن" على أن المراد بالبكر التي أمر باستئذانها: البالغ. ولأن الصغر سبب الحَجْر بالنص والإجماع، فكان هو مناط الإجبار (٥). لكن إذا كانت الصغيرة ممن تعقل الزواج وتدري عنه وتفهم، فالظاهر أنها تستأذن كذلك، لدخولها في عموم الأبكار مع حصول المصلحة باستئذانها، والله أعلم. * فائدة: هل يجبر الصغيرة غير الأب؟ ذكر شيخ الإسلام أن "الشرع لا يمكِّن غير الأب والجد من إجبار الصغيرة باتفاق الأئمة" اهـ (٦).

стр. 1201

قلت: لعله أراد الأئمة الثلاثة، فقد قال أبو حنيفة -والأوزاعي- في الثيب الصغيرة: "يزوِّجها كل ولي، فإذا بلغت ثبت لها الخيار" (١). ويُستدل للجمهور بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها" (٢). فاليتيمة: الصغيرة التي لم تحض، إذ لا يُتْم بعد احتلام، والتي مات أبوها. ٤ - عَضْل الولي عن النكاح: تقدم أنه لا يجوز للولي أن يجبر المرأة على الزواج بمن تكره، وكذلك لا يجوز له عضلها، أي: منعها من الزواج بمن ارتضته المرأة إذا كان كُفؤًا لها. قال الله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (٣). وقد تقدم ذكر سبب نزولها. "وإذا عضل الولي موليته فإن الولاية تنتقل عنه إلى غيره، وقد ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه إلى أن الولاية تنتقل في حالة العضل إلى الحاكم، وذهب أبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنها تنتقل إلى الأبعد بشرط أن يكون كُفؤًا، فإن امتنع الأولياء جميعًا عن تزويجها وعضلوها، فإن الولاية تنتقل إلى الحاكم قولًا واحدًا" اهـ (٤). قلت: الأقرب قول أبي حنيفة لما في حديث عائشة مرفوع: "فإن اشتجروا فإن السلطان ولي من لا ولي له" (٥). ٥ - من هم الأولياء؟ أولياء المرأة الذين يحق له تزويجها هم العصبة، وهم أقاربها الذكور من جهة أبيها لا من جهة أمِّها، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة فعنده: أقارب أمها من الأولياء. وقد اختلف أهل العلم في أحق الأولياء وترتيبهم (٦):

стр. 1202

فعند الحنفية: أحقهم: أبناء المرأة ثم أبناءهم، ثم الأب ثم الجد، ثم الإخوة ثم أبناء الإخوة، ثم الأعمام ثم أبناء الأعمام. وعند المالكية: أحقهم: الأبناء ثم أبناؤهم، ثم الأب، ثم الإخوة ثم أبناؤهم، ثم الجد. وعند الشافعية: الأب ثم الجد، ثم الإخوة ثم أبناؤهم، ثم الأعمام ثم أبناؤهم. وعند الحنابلة: الأب ثم الجد، ثم الأبناء ثم أبناؤهم، ثم الإخوة ثم أبناؤهم، ثم الأعمام ثم أبناؤهم. قلت: الضابط في الولي: القرابة والحرص على مصلحة المرأة ورعايتها، ولا ريب أنَّ "الأب أقرب الأولياء، وهو أكثرهم حنوًا وشفقة ورأفة، ويليه الجد فإنه كالأب في مزيد حنوه ورأفته على بنات ابنه، وقد يزيد على الأب في ذلك" (١). وقد كان الأب هو الذي يعقد نكاح ابنته في زمن النبوة -إذا كان موجودًا- كما فعل أبو بكر وعمر في تزويجهما عائشة وحفصة من رسول الله ﷺ ، وكما كان منه ﷺ في تزويج بناته، وهكذا كان عمل سائر الصحابة، ثم إذا عدم الأب والجد تولى ذلك الأقرب فالأقرب إلى المرأة. فأرجح الأقوال -في نظري- قول الشافعية ﵏ ثم الحنابلة ﵏ لما تقدم ولأن الابن قد يأنف من تزويج أمه بخلاف الأخ والعم، والله أعلم. * فائدة: إذا اختلف الأولياء الذين في رتبة واحدة: كأن تَنَازَعَ أخوان للمرأة على الرجل الذي يريد كل واحد منهما أن يزوِّجه، فإن وافقت المرأة على أيٍّ من الزوجين فالحكم لمن سبق بالتزويج منهما، لحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة زوَّجها وليان، فهي للأول منهما" (٢). أما إذا رفضت المرأة أحدهما فنكاحه لا يصح: لأن رضاها شرط. فإن تمادى التنازع بين الأولياء، فللمرأة أن ترفع أمرها إلى القضاء، وللقاضي حق التزويج حينئذٍ كما قال ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٣).

стр. 1203

* تزويج الولي الأبعد عند غيبة الأقرب أو عَضْلِه (١): الأصل أنه لا يجوز إنكاح الولي الأبعد مع وجود الأقرب، فإن غاب الأقرب وكان في انتظاره تفويت لمصلحة المخطوبة، فإن الولاية تنتقل إلى الأبعد، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك. وكذلك لو عضلها الولي الأقرب فمنعها من نكاح الكفء، فإن الولاية تنتقل إلى الأبعد في مذهب أبي حنيفة. وإذا أذن الولي الأبعد وزوَّج المرأة، فليس من حق الولي الأقرب -بعد ذلك- الاعتراض على الزواج أو المطالبة بفسخه. * هل يجوز للولي أن يوكِّل غيره، أو يوصيه بالتزويج؟ ١ - يجوز للولي أن يوكِّل غيره في تزويج من يلي أمرها من النساء، ويثبت للوكيل -حينئذٍ- ما يثبت للولي. ٢ - وأما وصيته بالتزويج بعد موته لغيره، فأصحُّ قولي العلماء أنه لا يجوز له ذلك، فلا تستفاد الولاية بالوصية "لأن المُوصي قد انقطعت ولايته بموته، مع كون الحنو والرأفة اللذين هما سبب جعل الولي وليّا معدومين فيهما" (٢). وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد والثوري والنخعي وابن المنذر وابن حزم والشوكاني (٣). ٦ - ما يشترط في الولي (٤): (أ) الإسلام: إذ لا ولاية لكافرٍ على مسلمة، قال الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٦).

стр. 1204

وقال : ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١). وهذا قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه على هذا" اهـ. (ب) الذكورة: وهي شرط بالإجماع. (جـ) العقل: لأن من لا عقل له لا يستطيع أن يراعي مصلحة نفسه، فكيف يمكنه أن يراعي مصلحة غيره. (د) البلوغ: وهو شرط عند أكثر أهل العلم. (هـ) الحرية: شرط عند أكثر أهل العلم، لأن العبد لا ولاية له على نفسه فعدم ولايته على غيره أولى. وقد اشترط الشافعي -وهو رواية عن أحمد- العدالة في الولي، قال: لأنه لا يؤمَن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفء. وقال الجمهور: لا تشترط العدالة، لأن الحالة التي يختار فيها الولي الكفء لموليته غير حالة العدالة، وهي خوف لحوق العار بهم، وهذه هي موجودة بالطبع. ثم إن هذه ولاية نظر، والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، ولا في الداعي إليه وهو الشفقة، وكذا لا يقدح في الوراثة فلا يقدح في الولاية على غيره كالعدل. * هل للولي أن يزوِّج نفسه من مُوليته؟ (٢) * ذهب الجمهور، منهم: الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والليث وابن حزم وغيرهم إلى أن من وَلِيَ أمر امرأة -ولم يكن من محارمها- يجوز له أن يزوِّجها من نفسه إذا رضيت به، ولا يحتاج إلى غيره ليزوجه، ويُستدل لهم بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ...﴾ (٣). فمن أنكح أيِّمة نفسه برضاها فقد فعل ما أمره الله به، ولم يمنع الله من أن يكون المُنكح لأيمة هو الناكح لها. ٢ - حديث أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (٤).

стр. 1205

فهذا رسول الله ﷺ زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحجة على من سواه!! ٣ - عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ...﴾ (١): "هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوِّجها غيره فيدخل عليه في ماله، فيحبسها، فنهاهم الله عن ذلك" (٢). فقولها "فرغب عنها أن يتزوجها" أعم من أن يتولى ذلك بنفسه أو يأمر غيره فيزوِّجه. ٤ - عن سعيد بن خالد أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه قد خطبني غير واحد، فزوجني أيهم رأيت، قال: وتجعلين ذلك إليَّ؟ قالت: نعم، قال: قد تزوجتك (٣). * وذهب الشافعي وداود إلى أنه لا يجوز أن يزوِّج نفسه من موليته، بل يزوِّجه غيره، ووجه ذلك: ١ - أن الأصل عند الشافعي في أنكحة النبي ﷺ أنها على الخصوص حتى يدل الدليل على العموم، لكثرة خصوصياته ﷺ في هذا المعنى، فلا يتم -على أصله- الاستدلال بحديث صفية. ٢ - لا يجوز أن يكون الناكح هو المنكح قياسًا على الحاكم والشاهد!! قلت: والقول بالجواز أظهر لعدم الدليل على المنع، وأما زواج صفية، فعلى فرض أن أنكحة النبي ﷺ على الخصوص -وهذا مُسلَّم- فأحاديث الترغيب في الزواج بالأمة بعد تأديبها وإعتاقها مقتضية لعموم الحكم. وأما دعوى عدم جواز أن يكون الناكح هو المنكح، فقال ابن حزم: "ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المنكح، فدعوى كدعوى!!، وأما قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه، فهي جملة لا تصح كما ذكروا، بل جائز إن وكل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه إن لم يُحابها بشيء ... " اهـ.

стр. 1206

قلت: وأما القياس على الحاكم والشاهد فقياس مع الفارق ... الشرط الثاني: رضا المرأة قبل الزواج: وقد تقدم فيما مضى أنه ليس للولي أن يجبر المرأة على الزواج بمن تكره -علي تفصيل ذكرناه- فإن أكرهها ولم تكن راضية، فلها أن ترفع أمرها إلى القاضي، وله أن يفسخ العقد. الشرط الثالث: الصَّداق (المهر) إمَّا مفروضًا أو مسكوتًا عنه: فلو اتفق الزوجان على إسقاط المهر، فهو نكاح فاسد، فالمهر لابد منه في النكاح إما مسمَّى مفروضًا أو مسكوتًا عن فرضه، وفي هذه الحالة يكون للمرأة مهر مثلها وجوبًا. واشتراط المهر في النكاح هو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام (١). ووجه ذلك ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (٢). ومعنى نحلة: وجوبًا وحتمًا، في قول أكثر المفسِّرين (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ...﴾ (٤). ٣ - قوله سبحانه: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ...﴾ (٥). فعلَّق إباحة النكاح بإتيانهن المهور، وهو يفيد الشرطية. ٤ - قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ (٦). فجعل الزواج بلا مهر من خصائص النبي ﷺ وليس لأحد غيره.

стр. 1207

٥ - حديث ابن عباس أن عليًّا قال: تزوَّجتُ فاطمة ﵂ فقلت: يا رسول الله، ابْنِ بي، قال: "أعطها شيئًا" قلت: ما عندي من شيء، قال: "فأين درعك الحطمية؟ ". قلت: هي عندي، قال: "فأعطها إياه" (١). ٦ - حديث سهل بن سعد -في قصة الواهبة- وفيه: فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ ". فقال: ما عندي .. فقال ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" ... [ثم قال في آخره]: "زوجتكها بما معك من القرآن" (٢). ٧ - ما روي عن عائشة قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا أُدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئًا" (٣). فهذه النصوص تفيد ظواهرها أن تسمية المهر وقبضه شرط في صحة النكاح، لكن لما قال الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (٤). دلَّ ذلك على صحة النكاح بدون تسمية المهر وقبل قبضه -وهذا مجمع عليه (٥) - وبقي اشتراط المهر -وإن لم يُفرض- على الأصل. * وذهب الجمهور: أبو حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن اشتراط نفي المهر لا يُبطل النكاح، ويجب للمرأة حينئذٍ مهر المثل!! (٦). قلت: ولعلَّ وجه هذا عندهم أنه يصح العقد بلا تقدير للمهر، فيصح مع نفي المهر!! لكن الأظهر القول الأول، قال شيخ الإسلام (٢٩/ ٣٤٤): "من قال: المهر ليس بمقصود، فإنه قول لا حقيقة له، فإنه ركن في النكاح، وإذا شُرط فيه كان

стр. 1208

أوكد من شرط الثمن لقوله ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج" (١). والأموال تُباح بالبدل، والفروج لا تُستباح إلا بالمهور، وإنما ينعقد النكاح بدون فرضه وتقديره -لا مع نفيه- والنكاح المطلق ينصرف إلى مهر المثل .... فلابد من مهر مسمى مفروض أو مسكوت عن فرضه" اهـ. قلت: وسيأتي مزيد بيان لبعض المسائل المتعلقة بالصداق قريبًا، إن شاء الله. الشرط الرابع: الإشهاد أو الإعلان: وبهذا الشرط يتميَّز النكاح من السفاح، وقد اختلف أهل العلم فيما يشترط في صحة النكاح: الإشهاد أم الإعلان؟ أم كلاهما؟ أم أحدهما؟ أم لا شيء منهما؟ فهذه خمسة أقوال (٢): الأول: الإشهاد شرط، والإعلان مستحب: وهذا مذهب الجمهور: أبي حنيفة ومالك -والمعتمد عند المتأخرين- والشافعي ورواية عن أحمد، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي. ١ - واحتجوا بزيادة وردت في حديث: "لا نكاح إلا بولي [وشاهدي عدل] " لكن زيادة "وشاهدي عدل" ضعيفة من كل الطرق لكن صححها بعض العلماء (٣). لكن قال الشافعي ﵀ (٤): "وهذا وإن كان منقطعًا دون النبي ﷺ ، فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود" اهـ. وقال الترمذي عقب الحديث: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلف في ذلك من مضى منهم، إلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم ... " اهـ المقصود.

стр. 1209

٢ - وبما يُروى عن عائشة مرفوعًا: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان" (١) وهو منكر لا يحتج به. ٣ - ما يُروى عن ابن عباس مرفوعًا: "البغايا: اللاتي يزوِّجن أنفسهن بغير بيِّنة" (٢). ٤ - قول ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" (٣). قلت: فرأوا أن هذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضًا، وأن النفي في قوله: "لا نكاح" يتوجَّه إلى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الإشهاد شرطًا. الثاني: الإعلان شرط، والإشهاد مستحب: وهذا هو الصحيح عن مالك ورواية عن أحمد وبعض الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: فلو زوَّجها الولي ولم يكن بحضرة شهود، ثم أُعلن النكاح وشاع بين الناس فقد صحَّ النكاح وحصل المقصود: ١ - لأن المأمور به هو الإعلان، كما قال ﷺ : "أعلنوا النكاح" (٤). والمقصود من النكاح: الإظهار والإعلان ليتميز من السر الذي هو الزنا، وهذا أعمُّ من الإشهاد فإذا تحقق الإعلان فليس ثم حاجة إلى الإشهاد، فإن تعذَّر الإعلان -على هذا النحو الواسع- كان الإشهاد واجبًا لأنه القدر الممكن من الإعلان. ٢ - ولأن المسلمين ما زالوا يزوِّجون النساء على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالإشهاد، وليس في اشتراط الشهادة في النكاح حديث ثابت، ولا في الصحاح، ولا في السنن ولا في المسانيد. ٣ - من الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون دائمًا له شروط لم يبيِّنها رسول الله ﷺ ، وهذا مما تعم به البلوى، فجميع المسلمين يحتاجون إلى معرفة هذا، وإذا كان شرطًا كان ذكره أولى من ذكر المهر وغيره، مما لم يكن له ذكر في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ . ٤ - أن الشهود قد يموتون، أو تتغير أحوالهم، وهم يقولون: مقصود الشهادة

стр. 1210

إثبات الفراش عند التجاحد، حفظًا لنسب الولد، فيقال: هذا حاصل بإعلان النكاح، ولا يحصل بالإشهاد مع الكتمان مطلقًا. ٥ - واستُدل لهم بإعتاق النبي ﷺ صفية وزواجه بها بغير شهود، فعن أنس قال: "اشترى رسول الله ﷺ جارية بسبعة أرؤس، فقال الناس: ما ندري أتزوَّجها رسول الله ﷺ أم جعلها أم ولد؟ فلما أراد أن يركب حجبها، فعلموا أنه تزوجها" (١) وأجاب الأولون: بأن زواجه ﷺ من غير شهود خصوصية له، فقد أباح الله له الزواج من الواهبة بغير مهر، فلأن يتزوج بغير شهود أصح من باب أولى. ٦ - أن البيوع التي أمر الله فيها بالإشهاد قد قامت الأدلة على أنه ليس من فرائض البيع، فالنكاح الذي لم يذكر الله فيه الإشهاد أحرى أن لا يكون الإشهاد فيه من شروطه. الثالث: يُشترط الإعلان والإشهاد: وهو الرواية الثالثة عن أحمد. الرابع: يُشترط أحدهما: وهو الرواية الرابعة عن أحمد وبه قال ابن حزم. الخامس: لا يشترط الإعلان ولا الإشهاد: وهو قول شاذ منقول عن ابن أبي ليلى وأبي ثور وغيرهما. قلت: خلاصة ما تقدم أن يقال: ١ - اتفق أهل العلم على بطلان النكاح الذي يتم بغير شهود ولا إعلان (٢). ٢ - واتفقوا على صحة النكاح الذي يشهد عليه رجلان فصاعدًا، ويتم الإعلان عنه (٣). ٣ - اختلفوا في صحة النكاح الذي شهد عليه الشهود ولم يُعلن للناس، وفي الذي أعلن عنه ولم يحضره الشهود، على النحو المتقدم، والأقرب: أن الشرط هو الإعلان إن لم يحضر الشهود، لكن الإشهاد أحوط لما فيه من الحفاظ على حقوق الزوجة والولد، لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه، لاسيما وأن هذه الشهادة تدوَّن في "قسيمة الزواج" ولا تُسجل وتوثَّق -رسميًّا- في هذه الأيام -إلا إذا أُشهد على العقد، ولا يخفى أهمية هذا التوثيق في هذا الزمان الذي خربت فيه الذمم وضعف فيه الإيمان في النفوس.

стр. 1211

* فائدتان: الأولى: إذا تواطأ الزوجان والولي والشاهدان على كتمان الزواج، فهل يصحُّ؟ هذه المسألة هي ثمرة الخلاف في المسألة السابقة، فمن رأى الشرط الشهود، صحَّح الزواج، ومن رأى الشرط: الإعلان، قال: الزواج باطل لفقد شرطه. الثانية: ما يُشترط في الشهود (عند القائلين به) (١): ١، ٢ - العقل والبلوغ، وهذا متفق عليه، فلا ينعقد النكاح بفاقدهما لأنه فاقد الأهلية. ٣ - الإسلام، ولا خلاف في اشتراطه في الشاهد إذا كان الزوجان مسلمين، أما إذا كانت الزوجة ذمية، فأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف شهادة الذمي، ومنعها الآخرون. ٤ - الذكورة: فاشترط الشافعية والحنابلة أن يكون الشاهدان ذكرين ومنعوا شهادة النساء في النكاح، وأجاز الحنفية شهادة رجل وامرأتين، وكذا قال ابن حزم وزاد أنه يجوز شهادة أربع نسوة. ٥ - العدالة: وهي شرط عند الشافعية والحنابلة، والظاهر أن المراد بالعدالة هنا: أن يكون مستور الحال لم يظهر منه فسق، وأما الحنفية فصححوا العقد بشهادة الفاسقين!! ٦ - أن يكونا سامعين للإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما. الاشتراط في عقد النكاح ومرادنا هنا اشتراط أحد العاقدين على الآخر شروطًا مقترنة بالعقد، أو سابقة عليه مرتبطة به. ويمكن تقسيم الشروط المتصوَّرة في عقد النكاح إلى ثلاثة أقسام: [١] شروط موافقة لمقصود العقد، ومقصد الشرع: كاشتراط الزوجة: العشرة بالمعروف، والإنفاق والكسوة والسكنى، وأن يعدل بينها وبين ضرائرها، أو أن يشترط الزوج عليها: أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، وألا تتصرف بماله إلا برضاه، ونحو ذلك.

стр. 1212

* حكمها: فهذه الشروط، اتفق أهل العلم على صحتها وعلى وجوب الوفاء بها (١). [٢] شروط منافية لمقصود العقد، أو منافية لحكم الله وشرعه (الشروط الفاسدة): كأن تشترط المرأة على زوجها أن لا تطيعه، أو أن تخرج من غير إذنه، أو أن لا يقسم لضرائرها ولا ينفق عليهن، أو أن يشترط الزوج أن لا مهر لها ونحو ذلك فهذه شروط مخالفة لما نصَّ عليه الشارع. وكأن تشترط عليه أن لا يجامعها ونحو ذلك مما ينافي المقصود من النكاح. * حكمها: ومثل هذه الشروط، اتفق أهل العلم -كذلك- على عدم صحتها لتضمنها الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر الله به، أو تحليل ما حرَّمه، أو تحريم ما حلله، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... " (٢). * لكن .. ما حكم العقد الذي يُشترط فيه هذه الشروط الفاسدة؟ بعد الاتفاق على أن الشروط الفاسدة لا تصح وأنه لا يُوفى بها، اختلف أهل العلم في حكم العقد الذي اشتُرطت فيه هذه الشروط على ثلاثة أقوال (٣): الأول: لا يَبْطُل العقد بالشروط الفاسدة إلا شرط التأقيت: وهذا مذهب الحنفية، فإن الأنكحة المنهي عنها كالشغار والتحليل تصحُّ إذا أبطلت منها الشروط الفاسدة، إلا نكاح المتعة لأنه اشترط فيه التأقيت فلا يصح. الثاني: من هذه العقود ما يبطل بالشرط الفاسد ومنها ما لا يبطل: وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وضابط الشرط الذي يُبطل العقد عندهم: أن يكون مخلًّا بمقصود النكاح، كاشتراط طلاقها أو عدم وطئها أو تأقيت زواجها ونحوه.

стр. 1213

وضابط الشرط الذي لا يبطل العقد -عندهم-: أن لا يكون مخلًّا بمقصود النكاح، كأن تشترط خروجها متى شاءت أو طلاق ضرتها ونحو ذلك مما هو منهي عنه. قالوا: وكون العقد صحيحًا مع بطلان هذه الشروط "لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يُشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطل، كما لو شرط في العقد صداقًا محرمًا، ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد على الشروط الفاسدة كالعتاق" (١). الثالث: يبطل العقد الذي فيه شرط فاسد: وهو مذهب جماعة من أهل العلم واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وحجته ما يلي: ١ - يكفي في إبطاله النهي الوارد في هذه الشروط فإنه يقتضي الفساد، كنكاح الشغار والتحليل والمتعة. ٢ - أبطل الصحابة هذه العقود، ففرقوا بين الزوجين في نكاح الشغار، وجعلوا نكاح التحليل سفاحًا، وتوعَّدوا المحلِّل بالرجم، (وقد تقدم هذا). ٣ - أن تصحيح هذه العقود مع إبطال الشروط الفاسدة يؤدي إلى الإلزام بالعقود من غير رضا العاقدين أو أحدهما: لأن تصحيح العقد إما أن يكون مع الشرط المحرَّم الفاسد أو مع إبطاله: (أ) فإذا صححناه مع وجود الشرط المحرم كان هذا خلاف النص والإجماع. (ب) وإذا صححناه مع إبطال الشرط فيكون ذلك إلزامًا للعاقد بعقد لم يرض به، ولا ألزمه الله به، والعقود لا تلزم إلا بإلزام الشارع أو إلزام العاقد، فإذا كان الشارع لا يلزمه بعقد النكاح مع الشرط الفاسد، ولا هو قَبِل أن يلتزمه مع خُلُوِّه من الشرط، فيكون إلزامه بذلك إلزامًا بما لم يلزمه الله به ورسوله، وهذا لا يجوز. قلت: وهذا المذهب الأخير قوي ومتجه، إلا أنه يُعكِّر عليه -في نظري- حديث عائشة الذي هو العمدة في هذا الباب، فإن عائشة ﵂ لما أرادت أن تشتري أمةً (اسمها بريرة) لتعتقها، أبى أهلها أن يبيعوها إلا على شرط أن يكون ولاؤها لهم، فقال النبي ﷺ لها: "اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق" ثم

стр. 1214

قام فخطب: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ... " الحديث وقد تقدم (١). والشاهد أن النبي ﷺ أمرها بإمضاء العقد -على ما فيه من شرط فاسد- مع إبطال هذا الشرط، وعليه فيتألَّق القول الثاني في المسألة والله أعلم. [٣] شروط لم يأمر الشارع بها ولم ينه عنها، وفي اشتراطها مصلحة لأحد الزوجين: كأن تشترط عليه أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوَّج عليها، أو أن تستمر في دراستها أو عملها [المشروع] ونحو ذلك. * حكمها: اختلف أهل العلم في صحة مثل هذه الشروط في عقد النكاح على قولين (٢): الأول: هذه الشروط لا تحل وهي باطلة، والعقد صحيح: وهذا مذهب الجمهور: منهم أبو حنيفة ومالك [إلا ما كان فيه عتق أو طلاق فتلزمه عنده] والشافعي والليث والثوري وابن المنذر والظاهرية وحجتهم: ١ - أن الأصل في العقود والشروط -عندهم- الحظر، إلا ما أباحه الشرع. ٢ - قول النبي ﷺ : "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، شرط الله أحق وأوثق" (٣). قالوا: معنى (في كتاب الله) أي في حكم الله ورسوله أو فيما دلَّ عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شرطًا إلا ما جاء في القرآن أو السنة نصٌ بإباحته. ٣ - قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" (٤). قالوا: وهذه الشروط تخالف مقتضى العقد، لأن العقود توجب مقتضياتها

стр. 1215

بالشرع، فيعتبر تغييرها تغييرًا لما أوجبه الشرع بمنزلة تغيير العبادة، فصار زواجه بالثانية والسفر ونحو ذلك -مما هو حلال- حرامًا بمقتضى العقد، فكأن في الشرط تعدِّيًا على حدود الله وزيادة في الدين. القول الثاني: يصح الشرط، ولا يلزم الوفاء به، ولها فسخ العقد إذا أخلَّ بالشرط: وهذا مذهب الإمام أحمد والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وهو مروي عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، وهو اختيار شيخ الإسلام، وحجتهم ما يلي: ١ - أن التحقيق: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة لأنها من باب الأفعال العادية. ٢ - عموم النصوص الآمر بالوفاء بالعهود والشروط والعقود، ومنها: (أ) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (١). (ب) وقوله سبحانه: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولًا﴾ (٢). (جـ) قوله تعالى: ﴿والذين هم لآماناتهم وعهدهم راعون﴾ (٣). (د) قوله ﷺ : "آية المنافق ثلاث ... ، وإذا وعد أخلف" (٤). فإذا كان الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به عُلم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به (٥). ٣ - أن قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" (٦) الصحيح أن معناه: جاء في كتاب الله نفيه أوتحريمه وإبطاله فهو باطل، وإن لم يوجد ما يدل على تحريمه كان صحيحًا.

стр. 1216

أو أن المراد بكونه في كتاب الله: أن الشارع أباحه، فإن كان المشروط فعلًا أو حكمًا مباحًا (يجوز فعله وتركه) جاز اشتراطه، ووجب الوفاء به، وإن لم يبحه الله لم يجز اشتراطه. ٤ - حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "أحق الشروط أن توفوا بها: ما استحللتم به الفروج" (١) فدلَّ على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منها في غيره من العقود، لأن أمره أحوط وبابه أضيق (٢). ٥ - حديث المسور بن مخرمة قال: إن عليًّا خطب بنت أبى جهل، فسَمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليٌّ ناكح بنت أبى جهل، فقام رسول الله ﷺ فسمعتُه حين تشهد يقول: "أما بعد، أنكحتُ أبا العاص ابن الربيع فحدثنى وصَدَقنى، وإن فاطمة بضعة منى، وإنى أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد". فترك عليٌّ الخطبة (٣). قال الحافظ (٧/ ٨٦): لعلَّه كان شرط على نفسه أن لا يتزوج [يعني: أبا العاص] على زينب وكذلك عليٌّ، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًّا نسي ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يُصرح بالشرِّط، لكن كان ينبغي له ان يراعي هذا القدر فلذلك وقعت المعاتبة. اهـ. ٦ - عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب حيث تمس ركبتي ركبته، فقال رجل لأمير المؤمنين: تزوَّجتُ هذه، وشرطَتْ لها دارها، وإني أجمع لأمري -أو: لشأني- أن ينتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: "لها شرطها" فقال رجل: هلكتْ الرجال إذًا، لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت! فقال عمر: "المسلمون على شرطهم عند مقاطع حقوقهم" (٤). ٧ - قوله ﷺ -المتقدم- "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" (٥).

стр. 1217

"فهذه الشروط الجائزة لا تحرم الحلال، فمن اشترطت على زوجها أن لا يتزوج بغيرها، فإنه لا يصير الزواج عليه حرامًا، ولكن إذا تزوَّج فلها فسخ العقد، فأين تحريم الحلال؟ " (١). قلت: والراجح أن اشتراط ما هو مباح في الشرع (يجوز فعله ويجوز تركه) ولم يأت في الشرع النهي عنه، أنه جائز في النكاح للأدلة المتقدمة، ولحاجة الناس في بعض الأحيان إليها، فإن أخلَّ أحد الطرفين بهذه الشروط، جاز للآخر فسخ العقد، والله تعالى أعلم. * ما حكم زواج "المِسْيار"؟ زواج المسيار (٢) من أنواع الزواج المستجدة في بعض البلاد، وخلاصة ما فهمته في تعريفه أنه: "عقد الرجل زواجه على المرأة عقدًا شرعيًا مستوفيًا شروطه وأركانه، إلا أن المرأة تتنازل فيه -برضاها- عن بعض حقوقها على الزوج كالسكنى والنفقة والمبيت عندها والقسم لها مع الزوجات ونحو ذلك". ومن أهم الأسباب المؤدية إلى نشأة هذا النوع من الزواج وانتشاره في بعض البلاد: وجود عدد من النساء اللاتي بلغن سن الزواج وتقدم بهن العمر دون زواج، أو تزوجن وفارقن الأزواج لموت أو طلاق، بالإضافة إلى الغريزة الجنسية، واحتياج المرأة إلى الرجل، هذا من جانب المرأة. وأما من جانب الرجل فقد يدفعه إلى هذا الزواج الرغبة العارمة -عند بعضهم- في المعاشرة الجنسية، وعدم اكتفائه بزوجة واحدة، مع عدم قدرته على تحمل ما يستلزم الزواج الآخر من مهر ونفقة وسكنى ونحو ذلك، وقد يدفعه إلى ذلك رفض زوجته الأولى لزواجه من أخرى، أو رغبته في الاستيلاء على مال هذه المرأة -إذا كانت غنية- مع خشيتها من فراقه مما يدفعها إلى بذل مالها، إلى غير ذلك من الأسباب. ولكن ما حكم هذا النوع من الزواج شرعًا؟ يتضح من التعريف السابق زواج المسيار: عقد زواج تضمَّن شرطًا يوجب إسقاط بعض حقوق الزوجة على زوجها، ولذا ناسب أن يُبحث في مبحث

стр. 1218

"الشروط في العقد" وقد اختلفت آراء الفقهاء المعاصرين في صحة هذا الزواج على ثلاثة أقوال (١): الأول: أنه مباح مع الكراهة، ومأخذ هذا القول أنه عقد استوفى أركانه وشرائطه الشرعية ولم يتَّخذ ذريعة إلى الحرم -كنكاح التحليل والمتعة- وغاية ما فيه أن الزوجين ارتضيا واتفقا على أن لا يكون للزوجة حق المبيت أو القسم أو النفقة ونحو ذلك، وقد ثبت أن أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂ لما كبرت وهبت يومها من رسول الله ﷺ إلى ضرتها عائشة "فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة" (٢). فدلَّ على أن من حق الزوجة أن تسقط حقها الذي جعله الشارع لها كالمبيت والنفقة. ثم إن الزواج إشباع لغريزة الفطرة عند المرأة وكفٌّ لها عن الفاحشة وقد ترزق فيه بالولد. أما سرُّ كراهة هذا النوع -رغم إباحته- فهو افتقاره إلى تحقيق مقاصد الشريعة في الزواج من السكن النفسي والإشراف على الأهل والأولاد ورعاية الأسرة بنحو وتربية أحكم. * فائدة: من القائلين بهذا القول من نصِّ على أن اشتراط النفقة والمبيت لاغٍ، وللزوجة حق المطالبة به إذا أرادت، ولها حق إسقاطه وديًّا. الثاني: أنه حرام، ومأخذ هذا القول: أن هذا الزواج ينافي مقاصد الزواج الاجتماعية والنفسية والشرعية من المودة والرحمة والسكن وحفظ النوع الإنساني وتعهده على أكمل وجه ورعاية الحقوق والواجبات التي يولدها عقد الزواج الصحيح، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. ٢ - أنه مخالف لنظام الزواج الذي جاءت به الشريعة ولم يكن المسلمون يعرفون مثل هذا النوع في زواجهم. ٣ - تضمنه بعض الشروط التي تخالف مقصود العقد. ٤ - بالإضافة إلى أنه سيكون مدخلًا للفساد والإفساد، فإنه يتساهل فيه في تقدير المهر، ولا يتحمل الزوج مسئولية الأسرة، وقد يكون سرًا أو بغير ولي.

стр. 1219

الثالث: التوقُّف في حكمه، وهو منقول عن العلامة ابن عثيمين، رحمه الله تعالى. الراجح: قلت: (أبو مالك): الفاصل في النزاع هو تكييف اشتراط إسقاط النفقة والمبيت ومدى تأثيره على صحة العقد، وقد تقدم أن الشروط في عقد النكاح على ثلاثة أنواع: شروط موافقة لمقصود العقد الشرع، وشروط منافية لمقصود العقد ومنافية لحكم الله، وشروط لم يأمر بها الشارع ولم ينه عنها، وفي اشتراطها مصلحة لأحد الزوجين. والذي يظهر أن اشتراط إسقاط النفقة والمبيت ونحوه مما هو واجب شرعًا على الزوج هو من الشروط الفاسدة، وعلى ضوء ما ترجح لدى في العقد مع الشرط الفاسد (١) أقول: هذا العقد صحيح والزواج صحيح لكن الشرط فاسد، وعليه يترتب على هذا الزواج آثاره الشرعية من حلِّ الجماع وثبوت النسب ووجوب النفقة والقسم، ومن حق الزوجة المطالبة به، لكن لو ارتضت التنازل عنه -من غير اشتراط- فلا حرج لأنه حقها. على أن هذا النوع من الزواج لا يسلم من المحاذير التي تدفع إلى القول بكراهته وعدم التوسع في تعاطيه، ولعل هذا هو مأخذ المتوقفين في حكمه، والله أعلم بالصواب. الصداق (المهر) * تعريفه وحكمه: الصداق اصطلاحًا: عِوَضٌ في النكاح أو نحوه، بفرض حاكم أو تراضيهما، ويسمى مهرًا، وأجرًا، وفريضة، وغير ذلك. ووجه تسميته بالصداق: "أنه يشعر بصدق رغبة الزوج في الزوجة" (٢). والمهر واجب على الرجل بالنكاح أو الوطء بإجماع علماء المسلمين (٣) ولا يخدش في صحة الإجماع ما تقدم من تجويز الحنفية والشافعية إسقاط المهر، فإنهم جميعًا -في هذه الحالة- يوجبون مهر المثل.

стр. 1220

وقد تقدَّم أن المهر شرط في صحة عقد النكاح إما مسمى مفروضًا أو مسكوتًا عنه ويكون لها مهر مثلها، في أصح قولي العلماء. * ما يصلح أن يكون مهرًا: ١ - كل ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع (١): بأن يكون متموَّلًا، طاهرًا، حلالًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، كالأموال والأعراض ونحوها، قال الله تعالى: ﴿وأحلَّ لكم ما وراء ذالكم أن تبتغوا بأموالكم ...﴾ (٢). ٢ - الإجازة: فكل عمل جاز الاستجار عليه، جاز جعله صداقًا، وذلك كتعليم القرآن، والصنائع، والخدمة ونحو ذلك، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ومنع ذلك أبو حنيفة وكرهه مالك (٣). والصحيح جواز النكاح على الإجارة، فقد قصَّ الله تعالى علينا في كتابه أن الشيخ الصالح زوَّج موسى ﵇ بإحدى ابنتيه، وجعل مهرها أن يعمل عنده ثماني سنين، قال الله تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ (٤). وهذا على قول من قال: إن شرع من قبلنا شرع لازم لنا حتى يدلَّ الدليل على ارتفاعه، وهو الصحيح. وقد مرَّ حديث الواهبة، وفيه قول النبي ﷺ للرجل الذي أراد الزواج منها: "اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن" (٥) على تأويل أن المراد: أن يعلمها سورة أو أكثر من القرآن. ٣ - إعتاق الأَمَة: فعن أنس "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (٦) وقد أجاز أن يكون العتق صداقًا الشافعي وأحمد وداود، ومنعه فقهاء الأمصار لمعارضته للأصول، ووجه ذلك أن العتق إزالة ملكٍ، والإزالة لا تتضمن استباحة الشيء

стр. 1221

بوجه آخر، لأنها إذا أعتقت ملكت نفسها، فكيف يلزمها النكاح؟ وأجابوا باحتمال الخصوصية، لكثرة اختصاصه ﷺ في باب النكاح!! (١). قلت: الأظهر جواز أن يكون العتق صداقًا للحديث السابق، والأصل في أفعاله ﷺ أنها للتأسي إلا ما دلَّ الدليل على الخصوصية كزواج الهبة والزيادة على الأربع، وما ذكروه من معارضة الأصول لا يُعارض به هذا الحديث، والله أعلم. ٤ - هل يكون الإسلام مهرًا؟ عن أنس قال: "تزوَّج أبو طلحة أمَّ سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمتُ فإن أسلمتَ نكحتُك، فأسلم فكان صداق ما بينهما" (٢). وفيه حجة لمن أجاز أن يكون إسلام الرجل مهرًا، إلا أن أبا محمد بن حزم طعن في هذا الاستدلال بأمرين: ١ - أن ذلك كان قبل الهجرة بمدة، لأن أبا طلحة قديم الإسلام، من أول الأنصار إسلامًا، ولم يكن نزل إيجاب إيتاء النساء صدقاتهن بعد. ٢ - أنه ليس في الخبر أن رسول الله ﷺ علم ذلك (٣). * أقل المهر وأكثره: ١ - لا حدَّ لأكثر المهر: اتفق أهل العلم -لا خلاف بينهم- على أنه لا حد لأكثر ما يدفعه الرجل مهرًا لزوجته (٤). قال شيخ الإسلام: "ومن كان ذا يسار ووجد فأحب أن يعطي امرأته صداقًا كثيرًا فلا بأس بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٥). أما من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه فهذا مكروه ... " اهـ (٦). ٢ - ولا حدَّ لأقلِّ المهر على الراجح: فيصحُّ الصداق بكل ما يسمى مالًا أو ما

стр. 1222

يقوَّم بمال ما دام قد حصل به التراضي، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور والأوزاعي والليث وابن المسيب وغيرهم وأجاز ابن حزم كل ما له نصف ولو حبة شعير (١)، ويؤيد عدم تحديد أقل المهر: (أ) عموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذالكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ (٢). وهو يتناول قليل المال وكثيره. (ب) قول النبي ﷺ لمن أراد أن يتزوج الواهبة: "هل عندك من شيء؟ " قال: لا، قال: "اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد" ... الحديث (٣) فدلَّ على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال. * بل يصح الصداق بكل ما له قيمة حسيَّة أو معنوية: وهذا "هو الذي تجتمع به الأدلة ويتفق مع المعنى الصحيح لمشروعية المهر، إذ ليس المقصود من المهر العوض المالي فحسب، وإنما هو رمز للرغبة وصدق النية في الاقتران، فيكون بالمال غالبًا، وبكل ماله قيمة معنوية، ما دامت قد رضيت بذلك الزوجة" (٤). وقد صحَّ أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا بما معه من القرآن، وتزوَّج أبو طلحة أم سليم، وكان مهرها إسلامه، وجعل النبي ﷺ عتق صفية صداقها، فكان ما يحصل للمرأة من انتفاعها بالقرآن والعلم وإسلام الزوج، وانتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها صداقًا لها إذا رضيت به، فإن الصداق -في الأصل- حق للمرأة تنتفع به (٥). * المغالاة في المهور (٦): ليس من الإسلام تلك النظرة المادية التي تسيطر على أفكار طائفة من الناس، فيغالون في المهور، حتى إنه لا يكاد يخرج بعضهم من عقد الزواج إلا وهم

стр. 1223

يتحدثون عن المهر، وكم بلغ من الأرقام القياسية ... ؟! كأنما خرجوا من حلبة سباق أو مزايدة على سلعة!! فإن المرأة ليست سلعة في سوق الزواج كي نسلك بها هذا المسلك الماديِّ البحت. وهذه المغالاة في المهور يكون من نتائجها السلبية: ١ - جعل أكثر الشباب عزبًا وأكثر البنات عوانس. ٢ - حصول الفساد الأخلاق في الجنسين عندما ييأسون من الزواج فيبحثون عن بديل لذلك. ٣ - حدوث الأمراض النفسية لدى الشباب من الجنسين بسبب الكبت، وارتطام الطموح بخيبة الأمل. ٤ - خروج كثير من الأولاد عن طاعة آبائهم وأمهاتهم وتمردهم على العادات الطيبة والتقاليد الكريمة الموروثة. ٥ - غش الولي بامتناعه من تزويجها بالكفء الصالح الذي يظن أنه لا يدفع لها صداقًا كثيرًا، رجاء أن يأتي من هو أكثر صداقًا ولو كان لا يُرضي دينًا ولا خلقًا!! ولا يُرجى للمرأة السعادة معه. ٦ - تكليف الزوج فوق طاقته، مما يجلب العداوة في قلبه لزوجته وأهلها. * إذا كانت هذه سلبيات المغالاة في المهور: فما حكمها شرعًا؟ الحاصل في حكم المغالاة في المهور، بالنظر في الأدلة الواردة في هذا الباب أن يقال: ١ - المشروع تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه: * قال ﷺ : "خير الصداق أيسره" (١). * وقال ابن القيم بعد ما أورد جملة من الأحاديث في الصداق: "فتضمنت الأحاديث ... أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره" (٢). * وقال عمر بن الخطاب:

стр. 1224

"ألا لا تغلوا صُدُق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقته امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة" (١). * وعن عائشة لما سئلت: كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: "كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّا، (والنش: نصف أوقية) فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه" (٢). قال شيخ الإسلام: "فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هنَّ خير خلق الله في كل فضيلة وهنَّ أفضل نساء العالمين في كل صفة -فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة" (٣). ٢ - إذا كان في المغالاة تكليف للزوج بما لا يطيق فهو مذموم: ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لرجل تزوج امرأة من الأنصار: "على كم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ : "على أربع أواقٍ؟ كأنما تنحتون من عُرض هذا الجبل ... " (٤). وعن أبي حدرد الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ يستفتيه في مهر امرأة، فقال: "كم أمهرتها؟ " قال: مائتي درهم، فقال: "لو كنتم تغرفون من بُطحان ما زدتم" (٥). فهذا إنكار من النبي ﷺ على إكثار المهر بالنسبة لحال هؤلاء الأزواج لأنه تقدم أن مهر بناته وأزواجه كان أكثر من ذلك، فالعبرة بحال الزوج. ٣ - إذا كان الرجل ميسورًا غنيًّا فله أن يكثر صداق زوجته: "فقد زوَّج النجاشي أم حبيبة لرسول الله ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف

стр. 1225

[وكانت مهور أزواج النبي ﷺ أربعمائة درهم] وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة" (١). * وعن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صُدُق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله ، فما ذاك؟ قالت: نهيتَ الناس آنفًا أن يغالوا في صُدُق النساء، والله يقول في كتابه: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٢). فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر -مرتين أو ثلاثًا- ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء ألا فليفعل الرجل في ماله ما بدا له" (٣). فالخلاصة: أن الناس يتفاوتون في الغنى والفقر، فلا بد من مراعاة حالة الزوج المالية، فلا يطالب بما لم يقدر عليه مما يضطره إلى الاستدانة ونحو ذلك، فإن كان قادرًا لم يكره له الزيادة في المهر، إلا أن يقترن بذلك نية المباهاة ونحوها فإن يكره حينئذٍ والله أعلم (٤). * الصداق حق للمرأة وليس لأوليائها (٥): لقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (٦). وقوله: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ (٧). وغير ذلك من الآيات فإنها تدل على أن الصداق حق للمرأة، فلا يحل لأبيها ولا لغيره أن يأخذوا من هذا الصداق بغير إذنها، ولذا

стр. 1226

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الزوج لا يجوز له دفع المهر لغير الزوجة أو وكيلها أو من أذنت له أن يدفعه إليهم. * أنواع المهر: ينقسم المهر باعتبار الاتفاق على قيمته إلى: مسمى وغير مسمى، وباعتبار وقت دفعه وأدائه إلى: معجَّل ومؤجَّل، وباعتبار المقدار الذي تستحقه المرأة منه إلى: الكل والنصف والمتعة. أولًا: المهر المسمَّى، والمسكوت عنه (مهر المثل): ١ - يستحب أن يتفق العاقدان على فرض المهر وتسميته قطعًا للنزاع ومنعًا للخصومة (١)، ويجب حينئذٍ إمضاء المهر المتفق عليه، ويكون في ذمة الزوج دفعه للمرأة. ٢ - ويجوز العقد من غير تسمية المهر كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (٢). ويسمى هذا: "نكاح التفويض" وهو جائز بالإجماع (٣)، وفي هذه الحالة يجب للمرأة مهر المثل اتفاقًا. ومعنى مهر المثل: القدر الذي تُزوَّج عليه مثيلاتها من قريباتها من جهة أبيها كأخواتها وعماتها، لا من جهة أمها، فإن الأم قد تكون من أسرة لها أعراف تخالف أعراف أسرة أبيها (٤)، فإن لم يوجد لها أمثال من قبل أبيها، فمن مثيلاتها وأقرانها من أهل بلدتها (٥). ثانيًا: المهر المعجَّل والمؤَجل الأصل أن يكون المهل معجَّلًا تقبضه المرأة قبل الدخول بها ولها أن تمنع نفسها حتلا تتسلمه، قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ (٦).

стр. 1227

ولما سأل عليٌّ ﵁ رسول الله ﷺ أن يدخل بفاطمة قال له ﷺ : "أعطها شيئًا" فقال: ما عندي من شيء، قال: "فأين درعك الحطمية؟ " قال عليٌّ: هي عندي، فقال ﷺ : "فأعطها إياه" (١). وقد مضى على هذا عمل السلف ﵃ (٢). لكن يجوز تأجيل المهر أو بعضه، وكذلك تقسيطه، للحاجة كإعسار الرجل ونحو ذلك، إذا اتفق الطرفان على تأجيله إلى ما بعد الدخول، لأن المهر دين كسائر الديون، فيجوز تأجيله، ولذا فإنه يستحب تعجيله. لكن .. هل يشترط تحديد هذا الأجل؟ أم لا؟ (٣). ١ - إذا أُجِّل لأجل مجهول، كأن يقول: تزوجتك على ألفٍ بشرط الميسرة أو أدفعها عند هبوب الرياح أو قدوم فلان ونحو ذلك، فلا يصح التأجيل باتفاق المذاهب الأربعة، لتفاحش الجهالة. ٢ - إذا أُجِّل المهر -أو بعضه- ولم يُذكر الأجل ولم يحدَّد، ففيه خلاف: (أ) قال الحنفية والحنابلة: يصح المهر، وتستحقه المرأة بالفراق أو الموت، عملًا بالعرف والعادة في البلاد الإسلامية!! (ب) وقال الشافعية: المهر فاسد، ولها مهر المثل. (جـ) وقال المالكية: إن كان الأجل مجهولًا كالتأجيل للموت أو الفراق فسد العقد، ووجب فسخه، إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فحينئذٍ يجب مهر المثل. ثالثًا: ما تستحقه المرأة من المهر وأحواله: [أ] ما يتقرر للزوجة به المهر كاملًا (٤): ١ - الدخول الحقيقي بالزوجة (الجماع): اتفق أهل العلم على أن الزوجة تستحق المهر كاملًا، إذا دخل بها الزوج

стр. 1228

وجامعها، لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا* وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ (١). فنهى الله تعالى الزوج أن يأخذ شيئًا مما أعطاه للمرأة إذا طلَّقها واعتبر الأخذ منه بهتانًا وكذبًا وإثمًا، وذلك لأن المهر كان في مقابل حلِّ الوطء (الإفضاء) وقد استوفى الزوج حقه بالدخول، فتقرر للزوجة جميع المهر. ولقول النبي ﷺ : "أيُّما امرأة نُكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل -ثلاثًا- فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها" (٢). فإذا كان جميع المهر يتقرر بالدخول في النكاح الباطل، فمن باب أولى يتقرر في النكاح الصحيح (٣). ويترتب على استقرار المهر بالدخول: أن لا يسقط شيء منه بعدئذٍ إلا بالأداء لصاحبه، أو بالإبراء (التنازل) من صاحب الحق (٤). * فائدة: يتقرر للمرأة جميع المهر بالوطء ولو كان حرامًا: كالوطء في الدُّبُر وفي حال الحيض أوالنفاس أو الإحرام أو الصوم أو الاعتكاف ونحو ذلك. ٢ - موت أحد الزوجين قبل الدخول في نكاح صحيح: وهنا حالتان: (أ) إذا كان المهر مسمى في العقد: ومات أحد الزوجين قبل الدخول (الوطء) فإن المرأة تستحق المهر كاملًا باتفاق الفقهاء، وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃، لأن العقد لا ينفسخ بالموت، وإنما ينتهي به، لانتهاء أمده وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه بانتهائه، ومنها المهر. (ب) إذا كان المهر لم يسمَّ في العقد (نكاح تفويض): ومات أحد الزوجين فاختلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: تستحق مهر مثلها: وهذا مذهب الحنفية والصحيح عند الحنابلة وهو قول للشافعي، ودليلهم:

стр. 1229

١ - حديث علقمة قال: أُتي عبد الله [بن مسعود] في امرأة تزوَّجها رجل ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقًا ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه فقال: "أرى لها مثل صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة" فشهد معقل بن سنان الأشجعي: "أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى" (١). ٢ - ولأنه عقد مدته العمر، فبموت أحدهما ينتهي ويستقر بع العوض، كانتهاء الإجارة. ٣ - ولأن الموت يكمل به المهر المسمى، فيكمل به مهر المثل للمفوضة، كالدخول. الثاني: لا شيء لها: وهو مذهب مالك والقول الآخر للشافعي، وحجتها: أنها فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس، فلم يجب بها مهر كفرقة الطلاق!! (٢). قلت: قد علَّق الشافعي ﵀ القول في المسألة على صحة الحديث المتقدم، وهو صحيح، فيتعين صحة المذهب الأول وهو الأظهر عند الشافعية، والله أعلم. ٣ - الخلوة الصحيحة بين الزوجين ولو بدون جماع: ضابط الخلوة الصحيحة: أن يجتمع الزوجان -بعد العقد الصحيح- في مكان يتمكنان فيه من التمتع الكامل، بحيث يأمنان دخول أحد عليهما، وليس بأحدهما مانع طبعي -كوجود شخص ثالث ونحوه- يمنع من الاستمتاع (٣). فإذا حصلت هذه الخلوة بعد العقد، فاختلف أهل العلم في القدر الذي تستحقه المرأة من المهر إذا طلقها على قولين (٤): الأول: تستحق جميع المهر ولو لم يحصل جماع، وهذا مذهب أبي حنيفة

стр. 1230

والشافعي في القديم، وهو مشهور مذهب أحمد، وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن الخلفاء الراشدين الأربعة وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين، وحجة هذا القول: ١ - عن زرارة بن أوفى قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديُّون: أن من أغلق بابًا، أو أرخى سترًا، فقد وجب المهر والعدَّة" (١) وهو منقطع. وذكر ابن قدامة أنه إجماع الصحابة ﵃!! وهو متعقب بخلاف بعضهم كما سيأتي. ٢ - عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁: "قضى في المرأة إذا تزوَّجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق" (٢). ٣ - وعن عليٍّ قال: "إذا أُرخيت الستور فقد وجب الصداق" (٣). ٤ - قوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ...﴾ (٤). قالوا: الإفضاء هو الخلوة، لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو الخلاء، فكأنه قال: (وقد خلا بعضكم إلى بعض). قال الفراء: "الإفضاء: الخلوة، دخل بها أو لم يدخل" (٥). ٥ - وحملوا المسَّ في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (٦). على الخلوة لا على الجماع. ٦ - ولأن الخلوة مظنة الجماع والمسيس، فإذا خلا بها فقد هيئت الفرصة لتحقق ذلك، والخلوة هي القدر الذي يمكن للقاضي التحقق منه، أما ما وراء ذلك فيصعب التحقق منه عند النزاع (٧). الثاني: لا تستحق جميع المهر إلا بالوطء فقط: وهو مذهب مالك والشافعي في الجديد وهو رواية أخرى عن أحمد وابن حزم، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄، وحجتهم:
следующие страницы →