← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الزوج لا يجوز له دفع المهر لغير الزوجة أو وكيلها أو من أذنت له أن يدفعه إليهم. * أنواع المهر: ينقسم المهر باعتبار الاتفاق على قيمته إلى: مسمى وغير مسمى، وباعتبار وقت دفعه وأدائه إلى: معجَّل ومؤجَّل، وباعتبار المقدار الذي تستحقه المرأة منه إلى: الكل والنصف والمتعة. أولًا: المهر المسمَّى، والمسكوت عنه (مهر المثل): ١ - يستحب أن يتفق العاقدان على فرض المهر وتسميته قطعًا للنزاع ومنعًا للخصومة (١)، ويجب حينئذٍ إمضاء المهر المتفق عليه، ويكون في ذمة الزوج دفعه للمرأة. ٢ - ويجوز العقد من غير تسمية المهر كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (٢). ويسمى هذا: "نكاح التفويض" وهو جائز بالإجماع (٣)، وفي هذه الحالة يجب للمرأة مهر المثل اتفاقًا. ومعنى مهر المثل: القدر الذي تُزوَّج عليه مثيلاتها من قريباتها من جهة أبيها كأخواتها وعماتها، لا من جهة أمها، فإن الأم قد تكون من أسرة لها أعراف تخالف أعراف أسرة أبيها (٤)، فإن لم يوجد لها أمثال من قبل أبيها، فمن مثيلاتها وأقرانها من أهل بلدتها (٥). ثانيًا: المهر المعجَّل والمؤَجل الأصل أن يكون المهل معجَّلًا تقبضه المرأة قبل الدخول بها ولها أن تمنع نفسها حتلا تتسلمه، قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ (٦).

стр. 1227

ولما سأل عليٌّ ﵁ رسول الله ﷺ أن يدخل بفاطمة قال له ﷺ : "أعطها شيئًا" فقال: ما عندي من شيء، قال: "فأين درعك الحطمية؟ " قال عليٌّ: هي عندي، فقال ﷺ : "فأعطها إياه" (١). وقد مضى على هذا عمل السلف ﵃ (٢). لكن يجوز تأجيل المهر أو بعضه، وكذلك تقسيطه، للحاجة كإعسار الرجل ونحو ذلك، إذا اتفق الطرفان على تأجيله إلى ما بعد الدخول، لأن المهر دين كسائر الديون، فيجوز تأجيله، ولذا فإنه يستحب تعجيله. لكن .. هل يشترط تحديد هذا الأجل؟ أم لا؟ (٣). ١ - إذا أُجِّل لأجل مجهول، كأن يقول: تزوجتك على ألفٍ بشرط الميسرة أو أدفعها عند هبوب الرياح أو قدوم فلان ونحو ذلك، فلا يصح التأجيل باتفاق المذاهب الأربعة، لتفاحش الجهالة. ٢ - إذا أُجِّل المهر -أو بعضه- ولم يُذكر الأجل ولم يحدَّد، ففيه خلاف: (أ) قال الحنفية والحنابلة: يصح المهر، وتستحقه المرأة بالفراق أو الموت، عملًا بالعرف والعادة في البلاد الإسلامية!! (ب) وقال الشافعية: المهر فاسد، ولها مهر المثل. (جـ) وقال المالكية: إن كان الأجل مجهولًا كالتأجيل للموت أو الفراق فسد العقد، ووجب فسخه، إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فحينئذٍ يجب مهر المثل. ثالثًا: ما تستحقه المرأة من المهر وأحواله: [أ] ما يتقرر للزوجة به المهر كاملًا (٤): ١ - الدخول الحقيقي بالزوجة (الجماع): اتفق أهل العلم على أن الزوجة تستحق المهر كاملًا، إذا دخل بها الزوج

стр. 1228

وجامعها، لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا* وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ (١). فنهى الله تعالى الزوج أن يأخذ شيئًا مما أعطاه للمرأة إذا طلَّقها واعتبر الأخذ منه بهتانًا وكذبًا وإثمًا، وذلك لأن المهر كان في مقابل حلِّ الوطء (الإفضاء) وقد استوفى الزوج حقه بالدخول، فتقرر للزوجة جميع المهر. ولقول النبي ﷺ : "أيُّما امرأة نُكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل -ثلاثًا- فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها" (٢). فإذا كان جميع المهر يتقرر بالدخول في النكاح الباطل، فمن باب أولى يتقرر في النكاح الصحيح (٣). ويترتب على استقرار المهر بالدخول: أن لا يسقط شيء منه بعدئذٍ إلا بالأداء لصاحبه، أو بالإبراء (التنازل) من صاحب الحق (٤). * فائدة: يتقرر للمرأة جميع المهر بالوطء ولو كان حرامًا: كالوطء في الدُّبُر وفي حال الحيض أوالنفاس أو الإحرام أو الصوم أو الاعتكاف ونحو ذلك. ٢ - موت أحد الزوجين قبل الدخول في نكاح صحيح: وهنا حالتان: (أ) إذا كان المهر مسمى في العقد: ومات أحد الزوجين قبل الدخول (الوطء) فإن المرأة تستحق المهر كاملًا باتفاق الفقهاء، وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃، لأن العقد لا ينفسخ بالموت، وإنما ينتهي به، لانتهاء أمده وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه بانتهائه، ومنها المهر. (ب) إذا كان المهر لم يسمَّ في العقد (نكاح تفويض): ومات أحد الزوجين فاختلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: تستحق مهر مثلها: وهذا مذهب الحنفية والصحيح عند الحنابلة وهو قول للشافعي، ودليلهم:

стр. 1229

١ - حديث علقمة قال: أُتي عبد الله [بن مسعود] في امرأة تزوَّجها رجل ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقًا ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه فقال: "أرى لها مثل صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة" فشهد معقل بن سنان الأشجعي: "أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى" (١). ٢ - ولأنه عقد مدته العمر، فبموت أحدهما ينتهي ويستقر بع العوض، كانتهاء الإجارة. ٣ - ولأن الموت يكمل به المهر المسمى، فيكمل به مهر المثل للمفوضة، كالدخول. الثاني: لا شيء لها: وهو مذهب مالك والقول الآخر للشافعي، وحجتها: أنها فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس، فلم يجب بها مهر كفرقة الطلاق!! (٢). قلت: قد علَّق الشافعي ﵀ القول في المسألة على صحة الحديث المتقدم، وهو صحيح، فيتعين صحة المذهب الأول وهو الأظهر عند الشافعية، والله أعلم. ٣ - الخلوة الصحيحة بين الزوجين ولو بدون جماع: ضابط الخلوة الصحيحة: أن يجتمع الزوجان -بعد العقد الصحيح- في مكان يتمكنان فيه من التمتع الكامل، بحيث يأمنان دخول أحد عليهما، وليس بأحدهما مانع طبعي -كوجود شخص ثالث ونحوه- يمنع من الاستمتاع (٣). فإذا حصلت هذه الخلوة بعد العقد، فاختلف أهل العلم في القدر الذي تستحقه المرأة من المهر إذا طلقها على قولين (٤): الأول: تستحق جميع المهر ولو لم يحصل جماع، وهذا مذهب أبي حنيفة

стр. 1230

والشافعي في القديم، وهو مشهور مذهب أحمد، وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن الخلفاء الراشدين الأربعة وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين، وحجة هذا القول: ١ - عن زرارة بن أوفى قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديُّون: أن من أغلق بابًا، أو أرخى سترًا، فقد وجب المهر والعدَّة" (١) وهو منقطع. وذكر ابن قدامة أنه إجماع الصحابة ﵃!! وهو متعقب بخلاف بعضهم كما سيأتي. ٢ - عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁: "قضى في المرأة إذا تزوَّجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق" (٢). ٣ - وعن عليٍّ قال: "إذا أُرخيت الستور فقد وجب الصداق" (٣). ٤ - قوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ...﴾ (٤). قالوا: الإفضاء هو الخلوة، لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو الخلاء، فكأنه قال: (وقد خلا بعضكم إلى بعض). قال الفراء: "الإفضاء: الخلوة، دخل بها أو لم يدخل" (٥). ٥ - وحملوا المسَّ في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (٦). على الخلوة لا على الجماع. ٦ - ولأن الخلوة مظنة الجماع والمسيس، فإذا خلا بها فقد هيئت الفرصة لتحقق ذلك، والخلوة هي القدر الذي يمكن للقاضي التحقق منه، أما ما وراء ذلك فيصعب التحقق منه عند النزاع (٧). الثاني: لا تستحق جميع المهر إلا بالوطء فقط: وهو مذهب مالك والشافعي في الجديد وهو رواية أخرى عن أحمد وابن حزم، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄، وحجتهم:

стр. 1231

١ - قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (١). قالوا: والمراد بالمسِّ: الوطء، والمطلقة قبل الوطء يصدق عليها هذا. ٢ - فسروا الإفضاء في قوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ (٢). بأن المراد به: الجماع. ٣ - عن ابن عباس أنه كان يقول في الرجل إذا أُدخلت عليه امرأته ثم طلقها فزعم أنه لم يمسَّها- قال: "عليه نصف الصداق" (٣). ٤ - وعن ابن مسعود قال: "لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها" (٤). قلت: لو ثبتت هذه الروايات عن ابن عباس وابن مسعود لكانت في مقابل ما ثبت عن عمر وعلي، ولم يكن في شيء من ذلك حجة على المخالف ولبقي الخلاف في تأويل معنى المس والإفضاء في الآيتين الكريمتين، لكن لا يثبت المروي عن ابن عباس وابن مسعود -فيما علمت- فبقول عمر وعليٍّ وغيرهما من الصحابة أقول، والله أعلم. لكن قد يقال: إنما استقر المهر كله بالخلوة لأنها تفضي إلى الوطء، فلو ثبت عدم الوطء بإقرار الزوجة أو بالكشف الطبي الحديث، فهل يقال: لها نصف المهر فقط؟ هذا محل نظر واجتهاد، فليُحرَّر. ٤ - إقامة الزوجة سَنَة في بيت الزوج ولو بدون وطء (عند المالكية): فإذا تزوَّج رجل امرأة وزُفَّتْ إليه، وأقامت عنده سنة (!!) بلا وطء وجب لها المهر كاملًا عند المالكية، قلت: أما التحديد بالسنة فلا أعلم له دليلًا، ولو زُفَّت إليه وأقامت عنده دون وطء، فهذه راجعة إلى الحالة السابقة (الخلوة الصحيحة) فيقال فيها ما تقدم هناك.

стр. 1232

٥ - طلاق الفرار في مرض الموت قبل الدخول (عند الحنابلة): إذا طلَّق الرجل امرأته التي لم يدخل بها، في مرض موته فرارًا من ميراثها، ثم مات فإنه يتقرر لها المهر كاملًا -عند الحنابلة- لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة ما لم تتزوَّج أو ترتد. [ب] ما يتقرر للمرأة به نصف المهر (١): * الطلاق قبل الدخول (والخلوة على الراجح) وكان المهر مُسمًّى في العقد: إذا طلَّق الرجل زوجته قبل الدخول (وقبل الخلوة على الراجح) وكان المهر قد سُمَّي في العقد، فإن المرأة تستحق نصف هذا المهر، باتفاق أهل العلم. لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (٢). وكذلك الحال إذا حصلت الفرقة بغير الطلاق (إذا كان من جانب الزوج) كالفسخ بسبب الإيلاء أو اللعان، أو ردَّة الزوج أو إبائه اعتناق الإسلام بعد إسلام زوجته ونحو ذلك، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. * فإن لم يكن المهر مسمى وطلقها قبل الدخول (أو الخلوة)؟ فههنا اختلف العلماء فيما تستحقه المرأة من المهر، على ثلاثة أقوال: القول الأول: ليس لها المتعة (٣): وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي -في المشهور عنه- وأحمد وإسحاق والثوري وأبي عبيد وغيرهم وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ (٤).

стр. 1233

٢ - قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ (٢). القول الثاني: ليس لها شيء، وإنما يُستحب لها المتعة ولا تجب، وهو مذهب مالك والليث، وحجته: أن قوله تعالى: ﴿متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين﴾ قد دلَّ على أن المتعة على سبيل الإحسان والتفضُّل لا الوجوب، ولو كانت واجبة لم تختص بالمحسنين!! وأجيب بأن أداء واجب من الإحسان. القول الثالث: تستحق نصف مهر المثل: وهو رواية ثانية في مذهب أحمد، وحجته أنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول فيوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول. قلت: والصحيح الأول لصرح الآيات الكريمة، والله أعلم. * فائدة: تقرر أن المهر إذا كان مسمى مفروضًا في العقد، ثم طلَّقها قبل الدخول، فلها نصف المهر، لكن ... إذا لم يذكر المهر في العقد، وإنما فرض بعده بالتراضي أو بالقضاء، فهل لها نصف المفروض (المسمى) بعد العقد أم لا؟ قال الحنفية: لا ينتصف المفروض بعد العقد، لاختصاص التنصيف بالمفروض في العقد بنص القرآن، وإنما تجب للمرأة المتعة فقط. وقال الجمهور: ينتصف المفروض بعد العقد كالمسمى في العقد، وهو الصحيح "لأن قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ عموم لكل صداق في نكاح صحيح فرضه الناكح في العقد أو بعده، ولم يقل : فنصف ما فرضتم في نفس العقد، ... ولو أراد ذلك لبينه لنا ولم يهمله ... " اهـ (٣). [جـ] ما يسقط به المهر كلُّه (٤): ١ - حصول الفُرقة -من جانب الزوجة- قبل الدخول: كأن تُسلم -وزوجها

стр. 1234

كافر- أو يفسخ الزواج بعيب في الزوجة أو أن ترتدَّ، أو أن تكون أرضعت من ينفسخ به نكاحها، أو أن تفسخ لعيب الزوج أو إعساره، ونحو ذلك، فحينئذٍ يسقط المهر المسمى ومهر المثل، وهذا هو المذهب عند الشافعية والحنابلة، كذلك عند الحنفية والمالكية لكنهم لم يفرقوا بين أن تكون الفُرقة من جانب الزوج أو الزوجة فالكل عندهم مسقط للمهر. ٢ - الخلع (١) على المهر قبل الدخول أو بعده: فإذا خالع الرجل امرأته على مهرها، سقط المهر كله، فإن كان المهر غير مقبوض سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضًا ردَّته على الزوج. ٣ - الإبراء (التنازل) عن كل المهر قبل الدخول أو بعده: فإذا تنازلت المرأة عن مهرها المفروض -وكان دَيْنًا في ذمة الزوج- فإنه يسقط، إذا كانت المرأة أهلًا للتبرع. ٤ - هبة الزوجة كل المهر للزوج: متى كانت أهلًا للتبرع، وقبل الزوج الهبة في المجلس، سواء أكانت الهبة قبل القبض أو بعده. * عفو المرأة، ومن بيده عقدة النكاح: قال الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾ (٢). ومعنى الآية الكريمة: أن المرأة إذا طلقها زوجها قبل أن يطأها وقد كان سمَّى لها صداقًا رضيته فلها نصف صداقها الذي لها إلا أن تعفو هي فلا تأخذ من زوجها شيئًا وتهب له النصف الواجب لها، أو يعفو من بيده عقدة النكاح. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالذي بيده عقدة النكاح على قولين: الأول: أنه ولي المرأة، فيكون للولي أن يعفو عن نصف الصداق الذي استحقته المرأة. الثاني: أنه الزوج نفسه، فيكون المعنى: أو يعفو الزوج فيعطيها جميع الصداق. وهذا التأويل أرجح "لأن الصداق من حق المرأة [كما تقدم] لا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذنها، وهي أحق به قبل الطلاق وبعده" (٣).

стр. 1235

فأيهما عفا عن حقِّه، فهو أقرب للتقوى، والله تعالى أعلم. * إذا سُمِّي للمرأة مَهْران (مهر التلجئة): إذا طلب أهل الزوجة من الزوج أن يسمي صداقين: أحدهما للعقد، والآخر للعلن مفاخرة أمام الناس، لا أنه يلزمه، فذهب الجمهور -خلافًا للحنابلة- إلى أنه يلزمه الصداق المسمى في العقد، لا الصداق المعلن، اعتبارًا للنية في العقود، وهو اختيار شيخ الإسلام (١). * حكم الحِباء: الحباء: أن يشترط أحد أقارب الزوجة على الزوج مبلغًا من المال لنفسه، وقد اختلف أهل العلم في حكم الحباء على ثلاثة أقوال (٢): الأول: يجوز الحباء للأب، وهو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية، وهو قول إسحاق، وحجتهم: قوله تعالى -في قصة الشيخ الكبير مع موسى ﵇: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ (٣). قالوا: فجعل الصداق: الإجارة على غنمه، وهو شرط لنفسه. وقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك". الثاني: إن كان الشرط عند عقد النكاح فهو للمرأة وإن كان بعده فهو للأب: وهو مذهب مالك وبه قال عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد، لأن في اشتراطه عند العقد تهمة النقصان من صداقها، وأما بعده فلا توجد التهمة. واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "أيُّما امرأة نُكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أُعْطِيَهُ، وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنتُه وأخته" (٤).

стр. 1236

الثالث: لا يجوز الحباء مطلقًا، ويفسد المهر، وتستحق مهر المثل: وهو مذهب الشافعي. قلت: الراجح أن المرأة تستحق ما يذكر قبل العقد من صداق أو حباء ولو كان ذلك الحباء مذكورًا لغيرها كأبيها أو غيره، وأما ما يذكر بعد العقد فهو لمن جُعل له سواء كان وليًّا أو غيره، لأجل الحديث المتقدم، والله أعلم. * جهاز العروس، على مَن يجب؟ الجهاز -بفتح الجيم، والكسر لغة قليلة-: اسم لما تُزفُّ به المرأة إلى زوجها متاع وأثاث وفراش لمنزل الزوجية. وقد ذهب جمهور العلماء، منهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم (١)، إلى أنه لا يجب على المرأة أن تتجهز بمهرها أو بشيء منه أو من غيره وعلى الزوج أن يُعِدَّ لها المنزل بكل ما يحتاج إليه ليكون سكنًا شرعيًا لائقًا بهما في حدود طاقته ويسره: قال الله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (٢). ولأن المهر المدفوع ليس في مقابلة الجهاز، وإنما هو عطاء ونحلة كما قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (٣). أو هو في مقابلة حلِّ التمتع بها -كما تقدم- والشيء لا يقابله عِوَضان. حتى لو كان الزوج قد دفع أكثر من مهر مثلها رجاء جهاز فاخر، ما دام المال الذي دفعه غير مستقل عن المهر. فإذا دفع الزوج مقدارًا من المال -مستقلًّا عن المهر- في مقابلة الجهاز، فتلزم الزوجة حينئذٍ بإعداد الجهاز، لأنه كالهبة بشرط العوض. فإذا تجهزت الزوجة بنفسها أو جهَّزها ذووها، فالجهاز ملك لها خاصٌّ بها، لأنها لا يلزمها كما تقدم.

стр. 1237

* فائدة: إن جهَّزت الزوجة أو ذووها شيئًا برضاهم -من غير إجبار- فهو حسن، فعن عليٍّ ﵁ قال: "جهَّز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل وقِربة ووسادة حشوها إذخر" (١). إعلان النكاح * معناه وحكمه: إعلان النكاح: هو إظهاره وإشاعته بين الناس، وقد تقدم الكلام على حكمه في "الشرط الرابع" من "شروط صحة عقد الزواج". * بم يكون إعلان النكاح (٢): يكون الإعلان بضرب النساء الدُّف، وغنائهن الغناء المباح، لإشاعة السرور والبهجة، وترويح النفوس. وهذا الغناء مباح -في المناسبات- إذا سلم من الفحش الظاهر والخفي والتحريض على الإثم وذكر المحرَّم، وإذا خلا من آلات اللهو والمعازف (غير الدف). ومن الأدلة على ذلك: قول النبي ﷺ : "فصل ما بين الحرام والحلال الضرب بالدفوف والصوت" (٣). فعن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ : "يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو" (٤). وعن الربيع بنت معوِّذ بن عفراء، قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُنِيَ عليَّ فجلس على فراشي، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غدٍ، فقال: "دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين" (٥). أما اللهو المقترن بآلات الطرب المشتمل على ذكر أوصاف النساء والأغاني

стр. 1238

الخليعة، الذي ينشر الفواحش والرذائل في الشباب والشابات، ويهدم القيم ويغير السلوك -فلا شك في تحريمه باتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة. قال ابن رجب (١): "إنما كانت دفوفهم نحو الغرابيل، وغناؤهم إنشاد أشعار الجاهلية في أيام حروبهم وما أشبه ذلك، فمن قاس على ذلك سماع أشعار الغَزَل مع الدفوف المصلصلة [أي: التي فيها جلاجل] فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل" اهـ. قال العز بن عبد السلام (٢): "أما العود، والآلات المعروفة ذوات الأوتار كالرَّبابة والقانون، فالمشهور من المذاهب الأربعة أن الضرب به وسماعه حرام" اهـ. * ومن منكرات الأفراح (٣): ١ - ذهاب العروس إلى "الكوافير" ليلة الزفاف: وهذا من أشد المنكرات التي أصبحت عادة لا تنكر، بل يُنكر على من هجرها ولا يخفى القدر الذي يراه ويلمسه "الكوافير" -وهو رجل في الغالب- من العروس، ولا يخفى ما يحصل في هذه الأماكن وفي هذه المناسبات، فلله كيف سمحت الفتاة المسلمة بإسلام جسدها لرجل أجنبي يعبث به؟ ويا لعَارِ زوجها "الديوث" الذي لا يغار على أهله؟! ٢ - إطلاع النساء على عورة العروس بحجة تهيئتها للزفاف: وهذا حرام، فلا يجوز أن تطَّلع المرأة على عورة المرأة، لقوله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة" وعورة المرأة بالنسبة للمرأة كعورة الرجل في حق الرجل: من السرة إلى الركبة. "وعموم النساء الجاهلات لا يتحاشين كشف العورة أو بعضها والأم حاضرة أو الأخت أو البنت، ويقلن: هؤلاء ذوات قرابة، فلتعلم المرأة أنها إذا بلغت سبع سنين لم يجز لأمها ولا لأختها ولا بنتها أن تنظر إلى عورتها" (٤).

стр. 1239

٣ - الإصرار على إقامة حفلات الزواج في الفنادق، وحضور هذه الحفلات على فيها من المنكرات: فيُجمع في هذا بين الإسراف والتبذير من جهة، وبين الإثم الحاصل من استجلاب المغنين والمغنيات والاستماع إلى النغمات والألحان التي تهيج النفوس، وتترك أثرها السيء في القلوب، وهذا مشاهد في مناسبات الأعراس وغيرها، وغالبًا ما يختلط الرجال بالنساء مما يدعو صراحة إلى الفحش والتبرج والرذيلة والذي لا يفعله إلا من لا خلاق له، ولا شك في حرمة هذا النوع من الحفلات. ولتعلم الأخت المسلمة أنه قد أبيح لهن في هذه الأعراس ضرب الدف وإنشاد الأشعار وإعلان النكاح وإظهار البهجة والفرحة والسرور، ما دام قد سلم من الفحش وآلات اللهو والطرب والاختلاط بالرجال. ٤ - تبرج العروس ليلة الزفاف: وهذا حرام لا يجوز، إذا كان يراها غير النساء أو المحارم، وليعلم أن للعروس أن تتزين ما شاءت شريطة ألا يطلع عليها الأجانب. ٥ - جلوس العروسين في "الكوشة" بين النساء والرجال: وهذا خطأ كبير، وهو محرم لأمور منها أن فيه دخولًا على النساء وقد قال ﷺ : "إياكم والدخول على النساء" وفيه التمكين من نظر الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، لا سيما وكلا الجنسين في قمة زينته. وقد أفتت هيئة كبار العلماء بحرمة ذلك (فتوى رقم ٨٨٥٤/ ١٤٠٥هـ). ٦ - قيام بعض النساء بالرقص في الحفلات: وهذا الرقص إذا كان على مرأى الرجال والأجانب فهو من أشد المنكرات، وإذا كان في مكان خاص بالنساء، فالأولى منعه أيضًا، وذلك لأن الرقص عادة إنما تتعاطاه الفتيات على أنغام الموسيقى المحرمة وهذا حرام. ثم إنه لا يؤمَن -مع رقة الدين وفساد النفوس- أن تصف امرأة لزوجها أو غيره صفة رقص هذه المرأة فيحصل فساد كبير. ٧ - تصوير الحفلات بالصور الفوتوغرافية والفيديو: وهذا قبح عظيم وشر مستطير، فالنساء متعطرات متحليات بحليهن متجملات متزينات، وتصويرهن -والحالة هذه- فتنة عظيمة، ففيه كشف للعورات، وزرع

стр. 1240

لبذور الشر والفساد، فالتصوير على هذا الوجه محرم بلا ريب، والمجاهرة بالمعاصي بلاء، هذا على أن أصل التصوير محرم بإطلاق، فعلى أرباب هذه الحفلات -وخصوصًا النساء- الانتهاء عن هذه الظاهرة السيئة وأن يتحروا في هذه الحفلات ما أباح الله تعالى دون ما حرم. ٨ - الإسراف في وليمة العرس: فقد أصبح الناس -بتحريض من جهلة النساء- يتنافسون في إنفاق الأموال الطائلة لإعداد وليمة العرس بما يزيد عن حاجة المدعوين إليها، وتكون النتيجة أن يلقى الطعام في مواضع القمامة في حين لا يجد الفقير ما يسد به رمقه؟! وقد ذم الله تعالى الإسراف في اثنتين وعشرين آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (١). وحذر منه النبي ﷺ فقال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة، إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٢). ٩ - ترك العروس الصلاة ليلة الزفاف: فإنها تستعد لليلة زفافها من بعد صلاة الظهر عادة فتغتسل وتتزين وتضع المساحيق، وتلبس ثياب العرس وغير ذلك وربما نسيت الصلاة وهذا حرام بلا خلاف. ١٠ - تهنئة العروسين بقولهن: (بالرفاء والبنين): وهي عادة منكرة: شاعت في عصر الجاهلية، وأصبحت شعارًا ودعاءً لمن يقدمون تبريكاتهم وتهانيهم بالزواج، وقد ورد النهي عن هذه الصيغة، فعن عقيل بن أبي طالب أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا: "بالرفاء والبنين" فقال: لا تقولوا هكذا، لكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم وبارك عليهم" (٣). ولعل الحكمة في النهي عن استعمال هذه الصيغة: مخالفة ما كان عليه أهل الجاهلية، ولعل فيه من الدعاء للزوج بالبنين دون البنات، ونحوه من الدعاء للمتزوجين، ولأنه ليس فيه ذكر اسم الله وحمده والثناء عليه، فعلينا التأسي

стр. 1241

والاقتداء بالثابت عن النبي ﷺ دون غيره، ومن ذلك قول المهنئ: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". * وليمة العُرْس: ١ - تعريفها: "الوليمة: اسم للطعام في العُرس خاصة". ٢ - حكمها: الوليمة سنة مستحبة مؤكدة (١) للمتزوج أن يولم بما تيسر، فقد أولم النبي ﷺ على نسائه، وحث أصحابه على الوليمة. فعن أنس قال: " ... أصبح النبي ﷺ بها (أي بزينب بنت جحش) عروسًا فدعا القوم فأصابوا الطعام ثم خرجوا ... " الحديث (٢). وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف لما تزوج: "أَوْلِمْ ولو بشاة" (٣). ولا تشترط الشاة ولا غيرها في الوليمة، بل حسبما تيسَّر للزوج، فقد أولم النبي ﷺ على صفية بحَيس (٤). والحَيْس: تمر منزوع نواه ويخلط بالأقط أو الدقيق أو السويق. ٣ - وقتها: (هل عند العقد؟ أو بعده؟ أو عند الدخول؟ أو بعده؟): الصواب أن الوليمة تكون عند الدخول أو بعده، لا عند العقد لما تقدم قريبًا في حديث أنس -في زواج النبي ﷺ بزينب- الذي فيه: "أصبح النبي ﷺ بها عروسًا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ... ". وقال بعض العلماء إن وقتها موسع من عقد النكاح إلى انتهاء العرس (٥). ٤ - الدعوة للوليمة: يستحب للمتزوج أن يدعو إليها الصالحين سواء كانوا فقراء أو أغنياء لقوله ﷺ : "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" (٦). ويستحب أن يجعل فيها حظًا للفقراء والمساكين:

стр. 1242

فعن أبي هريرة قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (١). ٥ - إجابة الدعوة للوليمة: ذهب جمهور العلماء إلى أن إجابة دعوة العُرس واجبة -إلا لعذر- واستدلوا بما يأتي: -حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" (٢). - وحديث أبي هريرة المتقدم: " ... ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (٣) والمرأة كالرجل في هذا الحكم إلا إذا اقترن بإجابة الدعوة اختلاط بالرجال أو خلوة محرَّمة، فلا تجوز حينئذٍ. * فائدة: من دُعي وهو صائم؟ من دُعي إلى وليمة وهو صائم -رجلًا أو امرأة- فعليه أن يجيب ويحضر الوليمة لما تقدم من الأدلة، فإذا حضر فإنه مخير بين أمرين، إما أن يأكل معهم -إن كان صيامه تطوعًا وأراد الفطر- وإما أن يمتنع عن الأكل ويدعو لصاحب الوليمة: لقوله ﷺ : "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك" (٤). وقوله ﷺ : "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل" يعني الدعاء (٥). ويكون الدعاء بأحد الأدعية التي تقدمت في "آداب الطعام". ٦ - متى يُترك حضور الوليمة؟ تقدم أن وجوب حضور الوليمة وإجابة الدعوة مشروط بعد وجود عذر، ومن هذه الأعذار:

стр. 1243

١ - أن يدعى الشخص إلى موضع فيه منكر من خمر أو معازف ونحوها، فحينئذ لا يجوز الحضور إلا بقصد إنكارها ومحاولة إزالتها، فإن أزيلت وإلا وجب الرجوع، ومما يدل على هذا: حديث علي قال: صنعت طعامًا فدعوت رسول الله ﷺ فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع [فقلت: يا رسول الله، ما أرجعك بأبي أنت وأمي؟ قال: "إن في البيت سترًا فيه تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير"] (١). ٢ - أن يكون الداعي ممن يخص بدعوته الأغنياء لا الفقراء. ٣ - أن يكون الداعي ممن لا يتورع عن أكل الحرام ويتخوض في الشبهات، إلى غير ذلك من الأعذار الشرعية التي يترك الواجب من أجلها. وكذلك يعذر المدعو إذا وجد عنده عذر شرعي كالذي يبيح التخلف عن الجمعة: من كثرة مطر أو وحلٍ أو خوف عدو أو خوف على مال أو نحو ذلك. * يجوز للعروس أن تخدم أضياف زوجها يوم عرُسها: فعن سهل بن سعد ﵁ قال: "دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه وكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه" (٢). قلت: ومحل هذا الفعل هو أمن الفتنة كما لا يخفى، والله أعلم. * التهنئة بالزواج: من محاسن الشريعة تهنئة المسلم أخاه المسلم بما حصل له من الخير، والدعاء له بالبركة ودوام النعمة وشكرها، لهذا كان النبي ﷺ يدعو للمتزوج بالبركة ودوام التوفيق وطول العشرة (٣). * ما يقال للعروسين: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ إذا رفأ الإنسان -إذا تزوج- قال: "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير" (٤).

стр. 1244

وعن عائشة قالت: "تزوجني النبي ﷺ فأتتني أمي فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر" (١). ولا ينبغي العدول عن هذه الصيغ المشروعة في التهنئة إلى ما اعتاده الناس من قولهم (بالرفاء والبنين) فقد ورد النهي عن ذلك. * ويستحب الهدية للعروسين: والأصل في هذا حديث أنس قال: "لمَّا تزوَّج النبي ﷺ زينب، أهدت له أم سليم حيسًا في تور حجارة ... " الحديث (٢). * آداب ليلة الزفاف (٣): هذه بعض الآداب التي ينبغي لكل من الزوجين التأدب بها ليلة الزفاف، فإذا دخل العروسان منزلهما فيستحب: ١ - تسليم الزوج على العروس: فإنَّ هذا مما يذهب الرهبة من قلب العروس، فعن أم سلمة ﵂: "أن النبي ﷺ لمَّا تزوجها، فأراد أن يدخل عليها، سلَّم" (٤). ٢ - أن يلاطفها بتقديم شيء من الشراب أو الحلوى: فعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: "إنى قيَّنت (٥) عائشة لرسول الله ﷺ ، ثم جئته فدعوته لجلوتها (٦)، فجاء فجلس إلى جنبها، فأتى بعُسِّ (٧) فيه لبن، فشرب ثم ناولها النبى ﷺ فخفضت رأسها واستحيت، قالت أسماء: فانتهرتها وقلت لها: خذى من يد رسول الله ﷺ فأخذت فشربت شيئًا ... " (٨).

стр. 1245

٣ - أن يضع يده على رأسها ويدعو لها: لقوله ﷺ : "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا فليأخذ بناصيتها، وليسمِّ الله ، وليدع بالبركة، وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما جبلتها عليه" (١). ٤ - أن يصلي معها ركعتين (وهو منقول عن السلف): ومن ذلك حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: "تزوجت وأنا مملوك، فدعوت نفرًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم ابن مسعود وأبو ذر وحذيفة، قال: وأقيمت الصلاة فذهب أبو ذر ليتقدم، فقالوا: إليك، قال: أو كذلك؟ قالوا: نعم. قال: فتقدمتُ بهم وأنا عبد مملوك، وعلَّموني فقالوا: إذا دخل عليك أهلك فصلِّ ركعتين ثم سل الله من خير ما دخل عليك وتعوَّذ به من شره، ثم شأنك وشأن أهلك ... " (٢). ٥ - يستحب له قبل أن يأتيها أن يتسوَّك ليطهر فمه: أو استخدام غير السواك كفرشاة الأسنان والمعجون ونحوه، فهذا أدعى لدوام العشرة والألفة. فعن شريح بن هانئ قال: "قلت لعائشة: بأي شيء كان النبي ﷺ -يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك" (٣). ٦ - التسمية والدعاء عند الجماع: عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله: باسم الله، اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قُدِّر بينهما في ذلك -أو قضي ولد- لم يضره شيطان أبدًا" (٤). قلت: وإتمامًا للفائدة فيحسن هنا إيراد طرف من الآداب والأحكام المتعلقة بالجماع:

стр. 1246

* من آداب الجماع (١): ١ - يستحب للرجل مداعبة زوجته قبل الجماع: ففي رواية لحديث جابر لما تزوج فسأله النبي ﷺ : تزوجت بكرًا أو ثيبًا وأجابه بأنها ثيب فقال ﷺ : "ما لك وللعذارى ولُعابها" (٢). وفيه إشارة إلى مصِّ لسانها ورشف ريقها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل (٣). فإذا قضى وطره منها فلا يقوم عنها حتى تأخذ حاجتها، فإن ذلك أدعى لدوام العشرة والمودة. ٢ - للزوج أن يجامعها على أي وضع شاء بشرط أن يكون في الفرج: فعن جابر قال: إن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة، جاء ولدها أحول، فأنزل الله : ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ (٤). فقال رسول الله ﷺ : "مقبلة ومدبرة، ما كان في الفرج" (٥). ٣ - يباح للزوج في جماع زوجته جسدها كله ما عدا الدُّبُر: فقد رُوي عن النبي ﷺ : "إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن" وسنده ضعيف (٦). لكن قال ابن عباس: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل أتى بهيمة أو امرأة في دبرها" (٧). وعن ابن مسعود- ﵁: أن رجلًا قال له: آتي امرأتي أنَّى شئت، وحيث شئت، وكيف شئت؟ قال: نعم، فنظر له رجل فقال له: إنه يريد الدبر!! قال عبد الله: محاش النساء عليكم حرام (٨).

стр. 1247

* تنبيه: المحرَّم إنما هو الجماع في الدبر، أما الاستمتاع بالإليتين بدون إدخال في الدبر فهذا جائز لا شيء فيه، والله أعلم. ٤ - لا يجوز جماع المرأة في الفرج وهي حائض: وقد تقدم هذا في أبواب الحيض، وتقدم أن للرجل أن يصنع مع زوجته -وهي حائض- كل شيء إلا الجماع، فليراجع، وقد تقدم هناك أنه لا حرج في جماع المستحاضة. ٥ - إذا وجد الرجل قوة فأراد أن يعود للجماع مرة أخرى فليتوضأ: لقوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ" (١). ٦ - لا حرج على الزوجين في التجرد من الثياب عند الجماع: وقد سبق بيان هذا في "أحكام النظر"، وأنه لا حد للعورة بين الزوجين، وأما ما روي "إذا أتى أحدكم أهله، فلْيُلْقِ على عَجُزِه وعَجُزِها شيئًا، ولا يتجردا تجرُّد العَيْرين" (٢). فهذا حديث منكر لا يصح، فرجع إلى ما قدمنا من الجواز والله أعلم. ٧ - لا يجوز للمرأة أن تمتنع من جماع زوجها إذا طلبها: لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح" (٣). ٨ - إذا وقع نظر الرجل على امرأة فأعجبته فليأت زوجته: فعن جابر أن النبي ﷺ رأى امرأة فأتى زينب، وهي تمعس منيئة (٤) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه، فقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فاذا أبصر أحدكم امرأة فليات أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه" (٥). وفي رواية: "فإن معها مثل الذي معها".

стр. 1248

٩ - لا يجوز لأحد الزوجين أن ينشر أسرار الجماع: فقد قال النبي ﷺ : "إن من أشر الناس عند الله يوم القيامة، الرجل يُفضي إلى المرأة وتُفضي إليه ثم ينشر سرَّها" (١) لكن يجوز هذا لمصلحة شرعية كما كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ينشرن ذلك لبيان هديه ﷺ ، فإذا كانت هناك مصلحة شرعية من ذكره فلا بأس والله أعلم. ١٠ - إذا قدم الرجل من سفر فلا يباغت لأهله بل يخبرهم بموعد رجوعه: حتى تستعد الزوجة بالتنظف والتطيب وتحسين هيئتها، ولذا قال ﷺ : "إذا قدم أحدكم ليلًا فلا يأتين أهله طروقًا، حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة" (٢). ١١ - يجوز جماع المرأة المرضع (الغِيلة): فعن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم" (٣). والغيلة: هي وطء المرضع، وقيل هي: أن ترضع وهي حامل. ١٢ - يُكره العزل (إنزال المني خارج الفرج): فقد سئل النبي ﷺ عن العزل، فقال: "ذلك الوأد الخفي" ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ (٤) (٥). وعن جابر أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية لي وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إن ذلك لن يمنع شيئًا أراده الله" (٦). وفي رواية: "اعزل إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها". وعن جابر قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل" (٧).

стр. 1249

فدلت هذه النصوص على كراهة العزل، ولْيُعلم أنه ما من نفس كتب الله أن تخلق إلا خُلقت، عزل الرجل أو لم يعزل. * منع الحمل: وتنحصر وسائل منع الحمل في: العزل، والتعقيم الدائم، والتعقيم المؤقت (١). * فأما العزل فقد تقدم الكلام عليه، ويلحق به ما تتعاطاه المرأة لمنع الحمل مؤقتًا من الحبوب وغيرها، والأولى والأحوط اجتناب هذه الوسائل، إلا أننا نقول: إذا اقترن تعاطي هذه الحبوب ونحوها بنية عدم الحمل خشية ضيق الرزق أو الفقر فإنه يحرم، لأنه سوء ظن بالله تعالى الذي تكفل بالرزق للآباء والأبناء، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾ (٢). وأما التعقيم وهو منع الحمل الدائم بإزالة المبيض أو الرحم ونحو ذلك فلا خلاف في حرمته، لأنه قضاء على النسل الذي أمر الشرع بالمحافظة عليه وتكثيره إلا أن تكون ضرورة قصوى بحيث يكون في عدم إزالة الرحم ونحوه خطرًا على الأم فإنه يباح حينئذٍ. * وأما التعقيم المؤقت فإن له حكم العزل بالضابط الذي تقدم التنبيه عليه، والله أعلم. * التلقيح الصناعي (٣): * التلقيح الصناعي هو حصول الحمل بطريق غير الاتصال الجنسي المعروف. وهو جائز شرعًا إذا كان بماء الزوج، ودعت إليه داعية كأن يكون بأحد الزوجين الراغبين في إنجاب الأولاد مانع يمنع من الحمل من طريق الاتصال العادي، ومحرم شرعًا إذا كان بماء غير الزوج، لما فيه من معنى الزنا، والاختلاط في الأنساب، ونسبة الولد إلى أب لم ينشأ من مائه. والنسب في الحالة الأولى يكون ثابتًا من الزوج، فإنه ولده قد خلق من مائه، ولهذا الولد كل حقوق الأولاد، أما النسب في الحالة الثانية المحرمة فإنه يأخذ حكم نسب الولد الذي ينشأ من زنا الزوجة، ينفيه الزوج فينتفي نسبه (٤).

стр. 1250

وقد نصت دار الإفتاء المصرية على جواز هذه العملية بالشروط والضوابط التي أشرنا إليها، مصدرة هذه الفتوى بإحدى عشرة قاعدة تعتبر غاية في الدقة، إليك بيانها: ١ - المحافظة على النسل من المقاصد الضرورية التي استهدفتها أحكام الشريعة الإسلامية ولذا شرع النكاح وحرم السفاح والتبني. ٢ - الاختلاط بالمباشرة بين الرجل والمرأة هو الوسيلة الوحيدة لإفضاء كل منهما بما استكن في جسده لا يعدل عنها إلا لضرورة. ٣ - التداوي جائز شرعًا بغير المحرم، بل قد يكون واجبًا إذا ترتب عليه حفظ النفس وعلاج العقم في واحد من الزوجين. ٤ - تلقيح الزوجة بذات مني زوجها دون شك في استبداله أو اختلاطه بمني غيره من إنسان أو مطلق حيوان جائز شرعًا، فإذا ثبت ثبت النسب، فإن كان من رجل آخر غير زوجها فهو محرم شرعًا ويكون في معنى الزنا ونتائجه. ٥ - تلقيح بويضة امرأة بمني رجل ليس زوجها، ثم نقل هذه البويضة الملقحة إلى رحم زوجة الرجل صاحب هذا المني- حرام ويدخل في معنى الزنا. ٦ - أخذ بويضة الزوجة التي لا تحمل وتلقيحها بمني زوجها خارج رحمها (أنابيب) وإعادتها بعد إخصابها إلى رحم تلك الزوجة دون استبدال أو خلط بمني إنسان آخر أو حيوان لداع طبي، وبعد نصح طبيب حاذق مجرب بتعيين هذا الطريق - هذه الصورة جائزة شرعًا. ٧ - التلقيح بين بويضة الزوجة ونطفة زوجها يجمع بينهما في رحم أنثى غير الإنسان من الحيوانات لفترة معينة يعاد بعدها الجنين إلى ذات رحم الزوجة -فيه إفساد لخليقة الله في أرضه ويحرم فعله. ٨ - الزوج الذي يتبنى أي طفل انفصل، وكان الحمل به بإحدى الطرق المحرمة، لا يكون ابنًا له شرعًا، والزوج الذي يقبل أن تحمل زوجته من نطفة غيره، سواء بالزنا الفعلي أو بما في معناه - سماه الإسلام ديوثًا. ٩ - كل طفل ناشئ بالطرق المحرمة قطعًا من التلقيح الصناعي، لا ينسب إلى أب جبرًا، وإنما ينسب لمن حملت به ووضعته باعتباره حالة ولادة طبيعية كولد الزنا الفعلي تمامًا.

стр. 1251

١٠ - الطبيب هو الخبير الفني في إجراء التلقيح الصناعي أيًّا كانت صورته، فإن كان عمله في صورة غير مشروعة كان آثمًا وكسبه حرام وعليه أن يقف عند الحد المباح. ١١ - إنشاء مستودع تستجلب فيه نطف رجال لهم صفات معينة، لتلقح بها نساء لهن صفات معينة - شر مستطير على نظام الأسرة، ونذير بانتهاء الحياة الأسرية كما أرادها الله. وعلى ضوء هذه القواعد جاءت الفتوى تدور في فلكها فراجعها إن شئت في كتاب الفتاوى المجلد التاسع ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م، ص ٣٢١٣ وما بعدها. اهـ. * الحقوق بين الزوجين (١): (أ) حقوق الزوج على زوجته: الأصل الذي بنيت عليه هذه الحقوق قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا﴾ (٢). فحق الرجل على زوجته عظيم كما قال ﷺ : "حق الزوج على زوجته أن لو كانت به قرحة فلحستها ما أدت حقه" (٣). وقال ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (٤). وطاعة المرأة لزوجها من موجبات دخول الجنة: قال ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت" (٥). فإذا كان الأمر كذلك فجدير بالمرأة المؤمنة أن تعرف حقوق زوجها عليها ومن ذلك: ١ - أن تطيعه فيما يأمرها: فعن حصين بن محصن عن عمته قالت: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "أذات

стр. 1252

زوج أنت؟ " قلت: نعم، قال: "فأين أنت منه؟ " قلت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: "فكيف أنت له، فإنه جنتك ونارك" (١). وقد سئل رسول الله ﷺ عن خير النساء؟ قال: "التي تطيعه إذا أمر، وتسره إذا نظر، وتحفظه في نفسها وماله" (٢). * تنبيه: طاعة المرأة لزوجها ليست مطلقة فإنها مشروطة بما ليس فيه معصية لله تعالى، فإن أمرها زوجها بمعصية كأن تخلع حجابها أو تترك الصلاة أو أن يجامعها في حيضها أو في دبرها، فإنها لا تطيعه، فقد قال النبي ﷺ : "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (٣). ٢ - أن تَقَرَّ في البيت، ولا تخرج إلا بإذنه: قال تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ (٤). قال شيخ الإسلام: "لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ... وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة، عاصية لله ورسوله ومستحقة للعقوبة" (٥). ٣ - أن تعطيه إذا دعاها إلى الفراش: وقد تقدم هذا قريبًا في "آداب الجماع". ٤ - أن لا تأذن لأحد أن يدخل بيته إلا بإذنه: فقد قال ﷺ : " ... وإنَّ لكم ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه" (٦). وقال ﷺ : "لا تأذن المرأة في بيت زوجها وهو شاهد إلا بإذنه" (٧). وهذا محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به وأما لو علمت رضا الزوج بذلك، فلا حرج عليها إن كان ممن يجوز له الدخول عليها، والله أعلم.

стр. 1253

٥ - أن لا تصوم -صيام تطوع- وزوجها حاضر إلا بإذنه: لقوله ﷺ : "لا يحل للمرأة أن تصوم -وزوجها شاهد- إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" (١). ٦ - أن تُنفق من ماله إلا بإذنه: لقوله ﷺ : "لا تُنْفِقُ امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها" (٢). ٧ - أن تقوم بخدمته وخدمة أولاده: فقد كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تخدم زوجها حتى اشتكت إلى رسول الله ﷺ ما تلقى في يدها من الرحى (٣). وقالت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁: "كنت أخدم الزبير بن العوام [زوجها] خدمة البيت كله، وكان له فرس، وكنت أسوسه، وكنت أحتش له، وأقوم" وكانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له تبعد ثلثي فرسخ، أي عن بيتها (٤). قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" (٣٤/ ٩٠، ٩١): "وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه فى مثل فراش المنزل ومناولة الطعام والشراب والخبز والطحن، والطعام لماليكه وبهائمه، مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة، وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء، فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب فى السفر الذى هو نظير الإنسان وصاحبه فى المسكن إن لم يعاونه على مصالحه لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب-: وجوب الخدمة، فإن الزوج سيدها فى كتاب الله، وهى عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ (٥)، وعلى العانى [أي: الأسير] والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف، ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه

стр. 1254

الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القويه ليست كخدمة الضعيفة" اهـ. قلت: وإلى هذا ذهب أبو ثور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني من الحنابلة، بينما ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على المرأة خدمة زوجها وينبغي على الزوج أن يوفِّر لها من يقوم بخدمة حوائجها (!!) قالوا: لأن المعقود من جهتها الاستمتاع فلا يلزمها غيره (١). قلت: القول بإيجاب إيجاب الخدمة عليها بالمعروف أولى، قال ابن القيم في "الزاد" (٥/ ١٨٧ - ١٨٨): "واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأيضًا: فإن المهر في مقابلة البُضْع، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج. وأيضًا: فإن العقود المطلقة إنما تُنزَّل على العُرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلية، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرُّعًا وإحسانًا يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل ﷺ لعليٍّ: لا خدمة عليها وإنما هي عليك، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه، لم يقل: لا خدمة عليها، وإن هذا ظلم لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقرَّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه أن منهنَّ الكارهة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه". اهـ. وعلى كلٍّ لا شك أنه من التعاون على البر والتقوى، وهو مأمور به شرعًا. وليس معنى هذا أن لا يقوم الزوج بمساعدة زوجته في بعض ما تقوم به، فإن النبي ﷺ لم يأنف أن يقوم بذلك: فعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يكون في مهنة أهله -تعني في خدمتهم- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة" (٢). فعلى الزوج أن يراعي ظروف زوجته، فلا يرهقها ويحملها ما لا تستطيع.

стр. 1255

٨ - أن تحفظه في عرضها وأولاده وماله: قال تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ (١). قال الطبري في "تفسيره": يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن في حق الله في ذلك وغيره. اهـ. وقد تقدم قوله ﷺ في خير النساء: " ... وتحفظه في نفسها وماله" (٢). ٩ - أن تشكر له، ولا تجحد فضله، وتعاشره بالمعروف: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه" (٣). وقال ﷺ : " ... ورأيت النار، لم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٤). ولسنا نعني بالشكر: شكر اللسان فحسب، وإنما نقصد معه إظهاره السرور والراحة بالحياة في كنفه والقيام على أموره وأمور ولده، وخدمته وعدم التخلي عنه عنه (٥)، وعدم الشكاية منه وغير ذلك. ١٠ - أن تتزين له وتتجمل: "فإن خير النساء من تسرك إذا نظرت" كما تقدم مرارًا. ١١ - أن لا تَمُنَّ عليه إذا أنفقت عليه وعلى أولاده من مالها (٦): فإن المن يبطل الأجر والثواب، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ (٧).

стр. 1256

١٢ - أن ترضى باليسير وتقنع به ولا تكلفه فوق طاقته (١): قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ (٢). ١٣ - أن لا تفعل ما يؤذيه ويغضبه: قال النبي ﷺ : "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا" (٣). ١٤ - أن تحسن معاملة والديه وأقاربه (٤). ١٥ - أن تحرص على الحياة معه فلا تطلب الطلاق لغير سبب شرعي: فقد قال النبي ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (٥). ١٦ - أن تحد عليه إذا مات أربعة أشهر وعشرًا: وقد تقدم هذا في "الجنائز". (ب) حقوق الزوجة على زوجها: وهي حقوق مالية كالمهر -وقد تقدم- والنفقة. وحقوق غير مالية، ومن هذه الحقوق: ١ - حسن العشرة مع الزوجة: والمراد به: إحسان الصحبة، وكف الأذى، وعدم مطل الحقوق مع القدرة، وإظهار البشر والطلاقة والانسباط. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٦). وقوله سبحانه: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (٧).

стр. 1257

وقال النبي ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١). وحسن العشرة لفظ جامع ترجع إليه جميع الحقوق، فما سنذكره بعد ذلك إنما هو جزء من حسن العشرة، وإنما نفرده لمزيد العناية به، ومن ذلك: ٢، ٣، ٤ - النفقة، والكسوة، والسُّكنى، بالمعروف: أما النفقة: فالمراد بها ما ينفقه الزوج على زوجته وأولاده من طعام وكسوة وسكنى ونحو ذلك، ونفقة الزوجة واجبة على الزوج بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول (٢): - أما الكتاب فمن ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ (٣). ٢ - وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ (٤). قال ابن كثير ﵀: "أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن، من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره" اهـ. - وأما السنة فمنها: ١ - حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قوله ﷺ : "اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٥). ٢ - وحديث معاوية القشيري ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ ... قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت" (٦).

стр. 1258

٣ - وحديث عائشة ﵂: أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطينى وولدى إلا ما أخذتُ وهو لا يعلم، قال: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). - وأما الإجماع، فقد ذكر غير واحد من أهل العلم اتفاقهم على وجوب نفقة الزوجة على زوجها -إذا كان بالغًا- إلا الناشز. - وأما المعقول: فإن المرأة محبوسة على الزوج، يمنعها من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان عليه أن ينفق عليها. * سبب وجوب النفقة: ذهب الحنفية إلى أن سبب وجوب النفقة على الزوج: حبس المرأة عليه، وقال الجمهور: سبب وجوب النفقة: الزوجية، أي: كونها زوجة (٢). * شروط وجوب النفقة: اشترط الجمهور لإيجاب النفقة للزوجة على زوجها شروطًا، قبل الدخول، وبعده (٣). * الشروط قبل الدخول: ١ - أن تمكنه من الدخول بها: بأن تدعوه -بعد العقد- إلى الدخول بها، فإن لم تفعل أو امتنعت من الدخول بغير عذر فلا نفقة عليه. ٢ - أن تكون الزوجة مطيقة للوطء: بأن لا تكون صغيرة أو بها مانع من الوطء. ٣ - أن يكون الزواج صحيحًا: فإن كان فاسدًا، فلا نفقة لها على الزوج، ولا يمكن اعتبار الزوجة محبوسة على الزوج، لأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح، ولا يستحق في مقابلته بالاتفاق. * الشروط بعد الدخول: ١ - أن يكون الزوج موسرًا: فلو كان معسرًا لا يقدر على النفقة، فلا نفقة عليه مدة إعساره، لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته .... لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ (٤).

стр. 1259

٢ - أن تكون محبوسة عليه (تكون غير ناشز): فإذا خرجت عن طاعته فلا نفقة لها. * فائدة: الزوجة العاملة أو الموظفة، هل لها نفقة؟ إذا كانت المرأة تعمل خارج بيتها (في عمل مباح!!) فإن كان برضا الزوج ولم يمنعها فإنه تجب لها النفقة، لأن الاحتباس عليه حقه، فله أن يتنازل عنه، فإن لم يرض ومنعها من الخروج فخرجت للعمل، سقط حقها في النفقة، لأن الاحتباس في هذه الحالة ناقص (١). * تقدير النفقة الواجبة: الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ...﴾ (٢). وقوله سبحانه ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ (٣)، وقوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤). فالمعتبر إذن: ١ - الكفاية للزوجة والأولاد بالمعروف، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأحوال والأمكنة والأزمنة. ٢ - استطاعة الرجل وسعته. وقد أطال الفقهاء ﵏ في تحديد القدر الواجب في النفقة، وفصلوا في ذلك بما نراه مبنيًّا على أعراف زمانهم (٥)، وكذلك في مسألة النفقة: هل المعتبر فيها حال الزوج أو الزوجة أو حالهما؟ والصحيح الذي دلت عليه النصوص القرآنية المتقدمة أن المعتبر -في اليسار والإعسار- حال الزوج، وهو مذهب المالكية والشافعية (٦).

стр. 1260

* هل يلزم الزوج بنفقة علاج زوجته؟ مذهب الأئمة الأربعة أن الزوج لا يجب عليه نفقة علاج زوجته وتداويها (١)!! لكن الظاهر أن مبنى هذا القول على أن المداواة -في الماضي- لم تكن من الحاجات الأساسية ولم تكن تكثر الحاجة إليها، "أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم، لأن المريض يفضل -غالبًا- ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوَّجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟! لذا فإنا نرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية، وكما تجب على الوالد نفقة الدواء اللازم للولد بالإجماع، وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردَّها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟!! " اهـ (٢). * وأما الكسوة: فقد أجمع أهل العلم على أنه تجب الكسوة للزوجة على زوجها إذا مكنته من نفسها على الوجه الواجب عليها، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ (٣). ولما تقدم من قوله ﷺ -في حديث جابر-: " ... ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤). ولأن الكسوة لابد منها على الدوام، فلزمته كالنفقة، كما أجمعوا على أنه يجب أن تكون الكسوة كافية للمرأة، وأن هذه الكفاية تختلف باختلاف طولها وقصرها وسمنها وهزالها وباختلاف البلاد التي تعيش فيها في الحر والبرد (٥). * فائدة: لو كساها الزوج ثم طلقها أو مات أو ماتت قبل أن تبلى الثياب، فهل يسترجعها؟ إذا استلمت المرأة نفقتها المفروضة ثم طلقها الزوج أو توفي عنها أو توفيت،

стр. 1261

فلا يجوز للزوج ولا لورثته استرجاعها في أصحِّ قولي العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية ووجه عند الحنابلة (١). لأنه وفَّاها ما عليه ودفع إليها الكسوة بعد وجوبها عليه، فلم يكن له الرجوع فيها. ولأنها صلة فأشبهت الهبة، ولا يجوز الرجوع في الهبة في حال وفاة الواهب أو الموهوب. * وأما السُّكنى: فهي واجبة للزوجة على زوجها بالاتفاق: ١ - لأن الله تعالى جعل للمطلقة الرجعية السكنى على زوجها، فوجوب السكنى للتي هي في صُلب النكاح أولى. قال الله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (٢). ٢ - ولأن الله تعالى أوجب المعاشرة بالمعروف بين الأزواج بقوله: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٣). ومن المعروف المأمور به أن يُسكنها في مسكن تأمن فيه على نفسها ومالها. ٣ - كما أن الزوجة لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون والاستمتاع وحفظ المتاع فلذلك كانت السكنى حقًا لها على زوجها (٤). * صفة المسكن الشرعي: المعتبر في المسكن الشرعي للزوجة هو سعة الزوج وحال الزوجة، قياسًا على النفقة باعتبار أن كلًّا منهما حق مترتب على عقد الزواج. ولقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث من وجدكم﴾ وقوله سبحانه: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ (٥). فالواجب يكون بقدر حال المنفعة يسرًا وعسرًا وتوسطًا فكذلك السكنى، وهو مذهب الجمهور. وقال الشافعية: المعتبر في المسكن الشرعي هو حال الزوجة فقط، على خلاف قولهم في النفقة!!

стр. 1262

قالوا: لأن الزوجة ملزمة بملازمة السكن، فلا يمكنها إبداله، فإذا لم يعتبر حالها فذلك إضرار بها، والضرر منهي عنه شرعًا، أما النفقة فيمكنها إبدالها (١). قلت: ومذهب الجمهور أولى للآيات المتقدمة، والله أعلم. * فوائد: ١ - سكنى الزوجة مع أهل الزوج (٢): والمراد بهم هنا: الوالدان وولد الزوج من غير الزوجة. فذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أنه لا يجوز الجمع بين الأبوين (أو غيرهما من الأقارب) والزوجة في مسكن واحد، ويكون للزوجة الامتناع عن السكنى مع واحد منهما إلا أن تختار هي ذلك، لأن السكنى من حقها فليس له أن يُشرك غيرها فيه، ولأنها تتضرر بذلك. وأما المالكية ففرقوا بين الزوجة الشريفة (ذات القدر) والوضيعة، فمنعوا جمع الشريفة مع أبويه، وأجازوه في الوضيعة إلا أن يكون فيه ضرر عليها. وأما جمع الزوجة وولد الزوج في مسكن واحد: فإن كان كبيرًا يفهم الجماع، لم يجز باتفاق الفقهاء، لما فيه من الضرر بها، وهو حقها فيسقط برضاها. وإن كان ولد الزوج صغيرًا لا يفهم الجماع: فإسكانه معها جائز وليس لها حق الامتناع من السكنى معه. ٢ - سكنى أهل الزوجة مع الزوج (٣): ليس للمرأة أن تُسكن أحدًا من محارمها في منزل زوجها، وللزوج أن يمنعها من إسكانهم معها، إلا أن يرضى فلا حرج حينئذٍ. وأما ولدها من غير الزوج، فلا يجوز لها إسكانه معها بغير رضا الزوج كذلك عند الجمهور، وقيَّد المالكية المنع بما إذا كان الزوج عالمًا به وقت البناء، فإن كان يعلم به ولم يكن له حاضن فليس له منعها من إسكانه معها عندهم. ٣ - هل تُجمع الزوجات في بيت واحد؟ اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الجمع بين امرأتين في مسكن واحد، لأن ذلك

стр. 1263

ليس من المعاشرة بالمعروف، ولأنه يؤدي إلى الخصومة التي نهى الشارع عنها، ولأن كل واحدة منهما قد تسمع حسَّه إذا أتى الأخرى أو ترى ذلك، مما يثير بينهما العداوة والغيرة ونحو ذلك. ومنع الجمع بين امرأتين في مسكن واحد حق خالص لهما، فيسقط برضاهما عند الجمهور (١). قلت: الأصل أن يجعل لكل زوجة منهن بيتًا كفعل النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ...﴾ (٢). فذكر سبحانه أنها بيوت ولم تكن بيتًا واحدًا، لكن إذا رضيتا بذلك جاز، لأن الحق لهما، فلهما المسامحة بتركه، والله أعلم (٣). * تنبيه: سيأتي مزيد بيان لبعض مسائل النفقة والسكنى في أبواب عدة المطلَّقة إن شاء الله. ٥ - التلطف بالزوجة وملاعبتها وتقدير صغر سِنِّها: وليكن لهذا الزوج في رسول الله الأسوة الحسنة، فعن عائشة قالت: "كان الحبش يلعبون، فسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٤). ويسابق النبي ﷺ عائشة ﵂ ويقول لها: "تعالي أسابقك" فتسبقه، ثم يسابقها بعد أن بدنت وحملت اللحم فيسبقها ويضحك ويقول: "هذه بتلك" (٥). وقالت عائشة: "كنت ألعب بالبنات [العرائس من القطن] عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إليَّ فيلعبن معي" (٦). فأي حلم بعد هذا مع الزوجة!! (٧).

стр. 1264

٥ - أن يَسْمُر مع زوجته يُحدِّثها ويستمع إلى حديثها: فهذا النبي ﷺ مستمعًا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي تقص عليه حديث النسوة اللاتي جلسن وتعاقدن أن لا يكتمن من خبر أزواجهن شيئًا وهو حديث أم زرع وهو حديث طويل، ومع ذلك لا يملُّ رسول الله ﷺ من عائشة وهي تقصُّه عليه. وها هو الحديث أذكره مع بعض فوائده (١): قالت عائشة ﵂: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبارهن شيئًا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث (٢) على رأس جبل (٣) لا سهل (٤) فيُرتقى (٥) ولا سمين (٦) فيُنتقل (٧). قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره (٨) إني أخاف أن لا أَذَرَه (٩) إن أذكرهُ أذكر

стр. 1265

عُجَرَهُ (١) وَبُجَرَه (٢). قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق (٣) إن أنطق أطلَّق وإن أسكت أعلَّق (٤). قالت الرابعة: زوجي كليل تهامةَ (٥) لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مخافة ولا سآمة (٦). قالت الخامسة: زوجى إن دخل فَهِد (٧)، وإن خرج أَسِدَ (٨)، ولا يَسألُ عما عَهِد (٩).
следующие страницы →