← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فلا يجوز للزوج ولا لورثته استرجاعها في أصحِّ قولي العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية ووجه عند الحنابلة (١). لأنه وفَّاها ما عليه ودفع إليها الكسوة بعد وجوبها عليه، فلم يكن له الرجوع فيها. ولأنها صلة فأشبهت الهبة، ولا يجوز الرجوع في الهبة في حال وفاة الواهب أو الموهوب. * وأما السُّكنى: فهي واجبة للزوجة على زوجها بالاتفاق: ١ - لأن الله تعالى جعل للمطلقة الرجعية السكنى على زوجها، فوجوب السكنى للتي هي في صُلب النكاح أولى. قال الله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (٢). ٢ - ولأن الله تعالى أوجب المعاشرة بالمعروف بين الأزواج بقوله: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٣). ومن المعروف المأمور به أن يُسكنها في مسكن تأمن فيه على نفسها ومالها. ٣ - كما أن الزوجة لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون والاستمتاع وحفظ المتاع فلذلك كانت السكنى حقًا لها على زوجها (٤). * صفة المسكن الشرعي: المعتبر في المسكن الشرعي للزوجة هو سعة الزوج وحال الزوجة، قياسًا على النفقة باعتبار أن كلًّا منهما حق مترتب على عقد الزواج. ولقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث من وجدكم﴾ وقوله سبحانه: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ (٥). فالواجب يكون بقدر حال المنفعة يسرًا وعسرًا وتوسطًا فكذلك السكنى، وهو مذهب الجمهور. وقال الشافعية: المعتبر في المسكن الشرعي هو حال الزوجة فقط، على خلاف قولهم في النفقة!!

стр. 1262

قالوا: لأن الزوجة ملزمة بملازمة السكن، فلا يمكنها إبداله، فإذا لم يعتبر حالها فذلك إضرار بها، والضرر منهي عنه شرعًا، أما النفقة فيمكنها إبدالها (١). قلت: ومذهب الجمهور أولى للآيات المتقدمة، والله أعلم. * فوائد: ١ - سكنى الزوجة مع أهل الزوج (٢): والمراد بهم هنا: الوالدان وولد الزوج من غير الزوجة. فذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أنه لا يجوز الجمع بين الأبوين (أو غيرهما من الأقارب) والزوجة في مسكن واحد، ويكون للزوجة الامتناع عن السكنى مع واحد منهما إلا أن تختار هي ذلك، لأن السكنى من حقها فليس له أن يُشرك غيرها فيه، ولأنها تتضرر بذلك. وأما المالكية ففرقوا بين الزوجة الشريفة (ذات القدر) والوضيعة، فمنعوا جمع الشريفة مع أبويه، وأجازوه في الوضيعة إلا أن يكون فيه ضرر عليها. وأما جمع الزوجة وولد الزوج في مسكن واحد: فإن كان كبيرًا يفهم الجماع، لم يجز باتفاق الفقهاء، لما فيه من الضرر بها، وهو حقها فيسقط برضاها. وإن كان ولد الزوج صغيرًا لا يفهم الجماع: فإسكانه معها جائز وليس لها حق الامتناع من السكنى معه. ٢ - سكنى أهل الزوجة مع الزوج (٣): ليس للمرأة أن تُسكن أحدًا من محارمها في منزل زوجها، وللزوج أن يمنعها من إسكانهم معها، إلا أن يرضى فلا حرج حينئذٍ. وأما ولدها من غير الزوج، فلا يجوز لها إسكانه معها بغير رضا الزوج كذلك عند الجمهور، وقيَّد المالكية المنع بما إذا كان الزوج عالمًا به وقت البناء، فإن كان يعلم به ولم يكن له حاضن فليس له منعها من إسكانه معها عندهم. ٣ - هل تُجمع الزوجات في بيت واحد؟ اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الجمع بين امرأتين في مسكن واحد، لأن ذلك

стр. 1263

ليس من المعاشرة بالمعروف، ولأنه يؤدي إلى الخصومة التي نهى الشارع عنها، ولأن كل واحدة منهما قد تسمع حسَّه إذا أتى الأخرى أو ترى ذلك، مما يثير بينهما العداوة والغيرة ونحو ذلك. ومنع الجمع بين امرأتين في مسكن واحد حق خالص لهما، فيسقط برضاهما عند الجمهور (١). قلت: الأصل أن يجعل لكل زوجة منهن بيتًا كفعل النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ...﴾ (٢). فذكر سبحانه أنها بيوت ولم تكن بيتًا واحدًا، لكن إذا رضيتا بذلك جاز، لأن الحق لهما، فلهما المسامحة بتركه، والله أعلم (٣). * تنبيه: سيأتي مزيد بيان لبعض مسائل النفقة والسكنى في أبواب عدة المطلَّقة إن شاء الله. ٥ - التلطف بالزوجة وملاعبتها وتقدير صغر سِنِّها: وليكن لهذا الزوج في رسول الله الأسوة الحسنة، فعن عائشة قالت: "كان الحبش يلعبون، فسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٤). ويسابق النبي ﷺ عائشة ﵂ ويقول لها: "تعالي أسابقك" فتسبقه، ثم يسابقها بعد أن بدنت وحملت اللحم فيسبقها ويضحك ويقول: "هذه بتلك" (٥). وقالت عائشة: "كنت ألعب بالبنات [العرائس من القطن] عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إليَّ فيلعبن معي" (٦). فأي حلم بعد هذا مع الزوجة!! (٧).

стр. 1264

٥ - أن يَسْمُر مع زوجته يُحدِّثها ويستمع إلى حديثها: فهذا النبي ﷺ مستمعًا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي تقص عليه حديث النسوة اللاتي جلسن وتعاقدن أن لا يكتمن من خبر أزواجهن شيئًا وهو حديث أم زرع وهو حديث طويل، ومع ذلك لا يملُّ رسول الله ﷺ من عائشة وهي تقصُّه عليه. وها هو الحديث أذكره مع بعض فوائده (١): قالت عائشة ﵂: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبارهن شيئًا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث (٢) على رأس جبل (٣) لا سهل (٤) فيُرتقى (٥) ولا سمين (٦) فيُنتقل (٧). قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره (٨) إني أخاف أن لا أَذَرَه (٩) إن أذكرهُ أذكر

стр. 1265

عُجَرَهُ (١) وَبُجَرَه (٢). قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق (٣) إن أنطق أطلَّق وإن أسكت أعلَّق (٤). قالت الرابعة: زوجي كليل تهامةَ (٥) لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مخافة ولا سآمة (٦). قالت الخامسة: زوجى إن دخل فَهِد (٧)، وإن خرج أَسِدَ (٨)، ولا يَسألُ عما عَهِد (٩).

стр. 1266

قالت السادسة: زوجى إن أكل لَفَّ (١)، وإن شرب اشتفَّ (٢)، وإن اضطجع التفَّ (٣)، ولا يُولجُ الكفَّ ليعلم البثَّ (٤). قالت السابعة: زوجى غَيَاياء (٥) -أو: عَيَاياء (٦) - طباقاء (٧) كلُّ داء لهُ داءٌّ، شَجَّكِ (٨) أو فَلَّكِ (٩) أو جَمَع كُلًّا لكِ. قالت الثامنة: زوجى المسُّ مسُّ أرنَب (١٠)، والريح ريحُ زرْنب (١١). قالت التاسعة: زوجى رفيعُ العماد (١٢)، طويل النِّجاد (١٣)، عظيم

стр. 1267

الرماد (١)، قريب البيت من الناد (٢). قالت العاشرة: زوجى مالك (٣) وما مالك، مالكٌ خيرٌ من ذلك (٤)، له إبلٌ كثيرات المبارك قليلاتُ المسارح (٥)، وإذا سمعن صوتَ المزْهر (٦) أيقنَّ أنهن هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجى أبو زرع فما أبو زرع، أناس (٧) من حُلىٍّ أذنىَّ، وملأ من شحم عضُديَّ (٨)، وبجَّحنى فَبَجحَتْ (٩) إليَّ نفسى، وجدنى فى أهل غُنَيمة بشقٍّ (١٠)، فجعلنى فى أهل صهيل (١١) وأَطيط (١٢) ودائس (١٣) ومُنق (١٤)

стр. 1268

، فَعِنْدَه أقول فلا أقبَّح (١)، وأرقُدُ فَأَتَصَبَّحُ (٢)، وأشرب فأتقنَّح (٣). أم أبى زرع، فما أم أبى زرع؟ عكومها (٤) رَدَاحٌ (٥)، وبيتها فساحٌ. ابن أبى زرع، فما ابن أبى زرع؟ مضجعه كمسلِّ شَطْبَة (٦). ويُشبعه ذراع الجَفْرة (٧). بنتُ أبى زرع، فما بنتُ أبى زرع؟ طوعُ أبيها، وطوعُ أمها، وملءُ كِسائها (٨)، وغيظُ جارتها (٩). جارية أبى زرع، فما جارية أبى زرع؟ لا تَبُثُّ (١٠) حديثَنا تَبثيثًا، ولا تُنَقَّثُ (١١) مِيراثنا (١٢) تنقيثًا، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا (١٣).

стр. 1269

قالت: خرج أبو زرع والأوطابُ تَمْخَضُ (١)، فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين (٢) يلعبان من تحت خصرها برمانتين (٣)، فطلقنى ونكحها، فنكحت بعده رجلًا سَريًّا (٤)، ركب شريًّا (٥)، وأخذ خطيًّا (٦)، وأراح (٧) عليَّ نعمًا ثريًّا (٨)، وأعطانى من كل رائحة (٩) زوجًا وقال: كُلى أمَّ زرع وميرى (١٠) أهلك، قالت: فلو جمعت كل شىء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبى زرع (١١)، قالت عائشة: قال رسول الله

стр. 1270

- ﷺ : "كنت لك كأبى زرع لأم زرع" (١).

стр. 1271

٧ - أن يعلمها أمور دينها ويحثَّها على الطاعة: فكما أن الزوج مطالب بحسن العشرة التي تقتضي التلطف مع الزوجة على النحو الذي تقدم، فإنه -كذلك- مطالب بأن لا يتوانى ولا يفتر عن تعليمها وحثها على طاعة الله تعالى. وقد قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ (١). وعن أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: استيقظ النبى ﷺ ذات ليلة فقال: "سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحب الحُجَر (٢)، فرُبَّ كاسية فى الدنيا، عارية فى الآخرة" (٣). وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فصلَّت، فإن أَبَتْ نضح فى وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت، وأيقظت زوجها فصلَّى، فإن أبى نضحت فى وجهه الماء" (٤).

стр. 1272

٨ - أن يَغُضَّ الطرف عن بعض أخطائها ما لم يكن فيه إخلال بشرع الله: وإلى هذا يرشد النبي ﷺ بقوله: "لا يَفْرِك (١) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" (٢). ٩ - أن لا يؤذيها بضربها في وجهها أو تقبيحها: فقد قال النبي ﷺ : " .. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح .. " (٣). وقال ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم" (٤). ولم يكن النبي ﷺ ضرَّابًا للنساء، فعن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ ضرب خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله" (٥). * فائدة: ضرب الزوجة مشروع إذا نشزت وتركت طاعة زوجها على النحو الذي في قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾ (٦)، والضرب في هذه الآية له ثلاثة ضوابط: ١ - أن يكون بعد عدم جدوى الوعظ والهجر في الفراش. ٢ - أن يكون ضرب تأديب غير مبرح، يكسر النفس ولا يكسر العظم. ٣ - أن يُرفع الضرب ويمنع إذا امتثلت لطاعة زوجها. ١٠ - أن لا يهجرها -إذا هجرها- إلا في البيت: ففي الحديث المتقدم: "ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" إلا أن تكون هناك مصلحة شرعية في الهجر خارج البيت كما هجر النبي أزواجه شهرًا في غير بيوتهن، وسيأتي في "الإيلاء". ١١ - أن يُعِفَّها: فيلبي رغبتها الفطرية ليقصرطرفها عن الحرام، ولذا أرشد النبي ﷺ عثمان

стр. 1273

بن مظعون إلى ما لأهله عليه من الحق، لما انقطع عنهم إلى العبادة فقال ﷺ : "وإن لأهلك عليك حقًّا" (١)، ووطء المرأة على الزوج في أظهر قولي العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد واختاره شيخ الإسلام (٢) وحدَّ وجوبه بما كان بقدر حاجتها وكفايتها، وبقدرته بحيث لا ينهك بدنه ويشتغل عن معيشته، ولا عبرة بما وراء ذلك مما قال به الفقهاء من أن الوطء الواجب: هو مرة كل أربعة أشهر، بل الصحيح أن حدَّه قدرة الرجل وكفاية المرأة. ١٢ - أن يأذن لها إذا استأذنته في الخروج لشهود الجماعة أو زيارة الأقارب إذا أمنت الفتنة: وقد سبق هذا في "الصلاة". ١٣ - أن لا ينشر سِرَّها ويذكر عيبها: وقد تقدم مثل هذا في حقوق الزوج. ١٤ - أن يتزين الرجل لزوجته كما تتزين له: قال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي، لأن الله تعالى يقول: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (٣) (٤). ١٥ - أن يحسن الظن بها (٥): لقوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا﴾ (٧). وقال النبي ﷺ : "إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا" (٨). وفي الوقت نفسه -مع حسن الظن- ينبغي للزوج أن يتحفظ ويحتاط ويبتعد عن مسببات الفساد والمخالفات الشرعية.

стр. 1274

فلما دخل رجال من بني هاشم على أسماء بنت عميس ﵂ [زوجة أبي بكر] ودخل أبو بكر فكره ذلك وقال: لم أر إلا خيرًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد برأها من ذلك" ثم قام على المنبر فقال: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان" (١). فالشاهد أن النبي ﷺ نفى السوء عن أسماء وأحسن الظن بها ولكن مع هذا منع دخول الرجال حتى لا يدع مجالًا للشيطان للوسوسة والتشكيك. ١٦ - أن يعدل بينها وبين ضرتها في الطعام والشراب واللباس والمبيت: وسيأتي قريبًا. (جـ) الحقوق المشتركة بين الزوجين: ١ - حل الاستمتاع: وهذا إذا تم العقد وتوفرت الشروط من تسليم الزوجة لزوجها وتأمين المسكن والنفقة، وانتفت الموانع كالإحرام ونحوه، فيباح لكل منهما الاستمتاع بالآخر على الوجه الشرعي الذي تقدم. ٢ - ثبوت التوارث بينهما: بمجرد العقد إذا مات أحدهما -كما سيأتي في المواريث. ٣ - المعاشرة بالمعروف: وقد تقدمت صورها. ٤ - ثبوت حرمة المصاهرة بينهما: وقد بينا فيما مضى المحرمات بسبب المصاهرة. تعدد الزوجات (٢) * مشروعية تعدد الزوجات: قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ (٣). فإن الله يخاطب أولياء اليتامى فيقول: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم تحت ولايته، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليعدل عنها إلى غيرها من النساء، فإنهن كثيرات، ولم يُضيق الله عليه فأحل له من واحدة إلى أربع.

стр. 1275

فإن خاف أن يجور إذا تزوج أكثر من واحدة فوجب عليه أن يقتصر على واحدة، أو ما ملكت يمينه من الإماء (١). وقد تقدم جملة أدلة على الحث على الزواج من أجل إكثار النسل. وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: "فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء" (٢). فهذه الأدلة وغيرها تدل على استحباب التعدد بشروط وضوابط تأتي: * شروط تعدد الزوجات (٣): ١ - أن يكون قادرًا على العدل بينهن: لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾. ٢ - أن يأمن على نفسه الافتتان بهن وتضييع حقوق الله بسببهن: فقد قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم فاحذروهم﴾ (٤). ٣ - أن يكون عنده القدرة على إعفافهن وتحصينهن: حتى لا يجلب إليهن الشر والفساد، فالله لا يحب الفساد، وقد قال النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (٥). ٤ - أن يكون بوسعه الإنفاق عليهن: فقد قال الله سبحانه: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ (٦). * حكمة مشروعية التعدد (٧): لا شك أن الطريق التي هي أقوم وأعدل هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء، ومنها: ١ - أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة

стр. 1276

من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حُبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلًا في غير ذنب. ٢ - أن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة، فلو قصر الرجل على واحدة لبقي عدد ضخم من النساء محرومًا من الأزواج فيضطرون إلى ركوب الفاحشة. قلت: وقد عد النبي ﷺ في أشراط الساعة: " ... ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيِّم الواحد" (١). ٣ - أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء. ٤ - أنه قد يوجد عند بعض الرجال -بحكم طبيعتهم النفسية والبدنية- رغبة جنسية جامحة بحيث لا تشبعه امرأة واحدة، فأبيح له أن يشبع غريزته عن طريق مشروع بدلًا من أن يتخذ خليلة تفسد عليه أخلاقه (٢). ٥ - قد يكون التعدد تكريمًا لإحدى القريبات أو ذوات الرحم التي مات زوجها أو طلقها، وليس لها من يعولها غير شخص متزوج (٣). قلت: رغم أن هذا الأمر مستحب -كما رأيت- وأنه من حكم الشريعة السمحة، إلا أن سوء تطبيقه من بعض الناس، جعله في نظر الكثيرين جريمة ودناءة ونكرانًا للجميل وخسة، إلى غير ذلك من التهم الباطلة (٤). * بعض الفوائد الفقهية المتعلقة بالتعدد (٥): ١ - يجوز تفاوت مهور الزوجات وكذلك تفاوت الولائم: فقد تقدم أن النجاشي زوَّج أم حبيبة بالنبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف، وقد كان مهور أزواجه ﷺ أربعمائة (٦).

стр. 1277

وقال أنس في تزويج زينب بنت جحش: "ما رأيت النبي ﷺ أَوْلَم على أحد من نسائه ما أولم عليها" (١). ٢ - لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من زوجة في بيت واحد إلا برضاهما: فالأصل أن يجعل لكل زوجة بيتًا كفعل النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ (٢). فذكر الله -سبحانه- أنها بيوت ولم تكن بيتًا واحدًا، وقد تقدم هذا قريبًا. ٣ - القَسْم بين الزوجات: ذهب جمهور العلماء إلى أن الزوج إذا تزوَّج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، ثم يقسم لكل امرأة منهن ليلتها. وإذا تزوَّج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قَسَم (٣). لحديث أنس قال: "من السُّنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوَّج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم" (٤). * تنبيه: يسئ بعض الناس فهم هذا الحديث فيظن أنه يباح للزوج إذا تزوج البكر أن يُحبس في البيت سبعًا فلا يخرج حتى لصلاة الجماعة وهذا قول باطل لا دليل عليه، فإن التخلف عن الجماعة لا ينبغي له كسائر الناس ولا فرق. ٤ - هل يجب على الرجل أن يساوي بين نسائه في المحبة والجماع؟ المحبة محلها القلب، وقد قال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٥). فالمراد الاستطاعة في المحبة والجماع والشهوة. وفي حديث ابن عباس: "أن عمر دخل على حفصة فقال: با بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله ﷺ إياها -يريد عائشة- فقصصت على رسول الله ﷺ فتبسَّم" (٦).

стр. 1278

وسئل النبي ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" (١). وقال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية بين النساء في الجماع، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى. أما النفقة: فالظاهر أنه يجب على الرجل أن يُسوِّي بين نسائه في النفقة (٢). ٥ - لا يجوز لامرأة أن تسأل طلاق ضرتها لتنفرد بزوجها: قال ﷺ : "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها. ولتنكح فإن لها ما قدر لها" (٣). من أحكام المولود (٤) * من يباشر التوليد؟ (٥) ينبغي أن تكون المرأة الخبيرة بإجراءات الولادة هي التي تباشر توليد أختها، ومعها من النساء من تعينها على ذلك، فإسناد أمر التوليد إليهن واجب إلا عند الضرورة الملجئة بأن لا يكون هناك من النساء من تحسن هذا الأمر، فإنه يجوز أن يقوم بذلك طبيب مسلم، على ما تقدم تقريره من ضوابط في "أحكام النظر". * استحباب البشرى والتهنئة بالمولود: إذا ولد المولود واستهلَّ صارخًا استحب لمن حضر الولادة من النساء أو من كان قريبًا من مكانها أن يُبشر والده، لما في البشارة من سرور للعبد، فاستحب للمسلم أن يبادر إلى مسرة أخيه وإعلامه بما يفرحه. قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﷺ : ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ (٦)، وقال: ﴿إنا نبشرك بغلام عليم﴾ (٧).

стр. 1279

وقال تعالى: ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى﴾ (١). فإن فاتت الشخص البشارة، بأن علم الوالد بمولوده، استحب التهنئة وهي الدعاء له بالخير. * هل يؤذن في أذن المولود اليمنى ويقيم في اليسرى؟ ورد هذا في بعض الأحاديث لكنها ضعيفة الإسناد، منها حديث أبي رافع قال: "رأيت رسول الله ﷺ أذَّن في أُذُن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة" (٢). وهو حديث ضعيف فلا ينبغي العمل به حتى يأتي ما يعضده، وقد أورده ابن القيم ومعه حديثان آخران في "تحفة المولود" (ص١٠١) وهما ضعيفان كذلك. * استحباب تحنيك المولود: والتحنيك: أن تمضغ تمرة ويدلك بها فم المولود من الداخل: فعن أبي موسى قال: "ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرة [ودعا له بالبركة ودفعه، وكان أكبر ولد موسى] " (٣). * استحباب العقيقة: العقيقة أصلها: الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة، لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح. وقيل: العقيقة هي الذبح نفسه. ويستحب في اليوم السابع من ولادة المولود أن يقوم والده بذبح شاتين عن الغلام -أو شاة إن لم يستطع- وذبح شاة عن البنت: فعن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ : "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى" (٤). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" (٥).

стр. 1280

وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه" (١). فيستحب الأكل والإطعام والتصدق من الذبيحة. ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يجزئ في الأضحية، بأن تكون من المعز أو الضأن سليمة من العيوب ونحو ذلك. * حلق رأسه والتصدق بوزن شعره فضة: عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعهما، فحلقا، وتصدق بوزنه فضة" (٢). * تنبيه: لا يجوز حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه وهو ما يسمى "القزع" فعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن القزع" (٣). * ختان المولود: وقد وردت بعض الأحاديث في استحباب ختانه يوم السابع وفي أسانيدها ضعف فربما تقوَّى بعضها ببعض ومن ذلك: "أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام" (٤). * تسمية المولود (٥): (أ) اعلم أن الأب أحق بتسمية المولود، وليس للأم حق منازعته في ذلك، لكن الأفضل أن يتشاورا ويتراضيا على التسمية، فإذا تنازعا، فالتسمية للأب. (ب) اختيار الاسم: يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي، فيكون حسنًا، عذبًا في اللسان، مقبولًا للأسماع، شريفًا كريمًا، ووصفًا صادقًا، خاليًا مما دلت الشريعة على تحريمه أو كراهته.

стр. 1281

(جـ) الأسماء المستحبة: وهي مراتب متعددة فأفضلها على الترتيب: ١ - عبد الله وعبد الرحمن: لقوله ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن" (١). ٢ - الأسماء المعبدة لأي اسم من أسماء الله الحسنى: مثل: عبد العزيز، عبد الكريم، عبد الملك ... وهكذا. ٣ - أسماء الأنبياء والرسل. ٤ - أسماء الصالحين من المسلمين وعلى رأسهم الصحابة: فعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ : "أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم" (٢). ٥ - ما كان وصفًا صادقًا للإنسان بالشروط التي تأتي: * شروط التسمية وآدابها: ١ - أن يكون عربيًّا، فيخرج بهذه الأسماء الأعجمية المولدة مثل: "ديانا، هايدي، شيريهان، ... " وغيرها. ٢ - أن يكون حسن المبنى والمعنى. ٣ - أن يراعى في التسمية قلة الحروف ما أمكن. ٤ - أن يراعى في التسمية خفة النطق. (د) الأسماء المحرمة: ١ - كل اسم معبد لغير الله، مثل: (عبد الرسول- عبد الحسن ... إلخ). ٢ - التسمية بالأسماء التي تختص بالله تعالى مثل: (الرحمن-الخالق ... إلخ). ٣ - التسمية بالأسماء الأعجمية المولدة للكافرين الخاصة بهم مثل: (جرجس-جورج-ديانا-سوزان ... إلخ). ٤ - التسمي بأسماء الأصنام المعبودة من دون الله مثل: (اللات-العزى ... إلخ). ٥ - التسمية بالأسماء الأعجمية كالتركية أو الفارسية مما لا تتسع له لغة العرب مثل: (ناريمان-جِهان-نيفين ... إلخ). ٦ - كل اسم فيه دعوى ليست في المسمى مما فيه تزكية وكذب. ٧ - التسمية بأسماء الشياطين مثل: (خنزب - الأعور ... إلخ).

стр. 1282

(هـ) الأسماء المكروهة: ١ - ما تنفر منها القلوب لمعانيها أو ألفاظها لما تثيره من سخرية أو إحراج لأصحابها وتأثيرها عليهم فضلًا عن مخالفة هدي النبي ﷺ بتحسين الأسماء. ومن هذه الأسماء مثل: (خنجر-فاضح-هُيام وسُهام [داء يصيب الإبل] ... إلخ). ٢ - التسمية بأسماء لها معانٍ رخوة شهوانية مثل: (أحلام-غادة-فاتن ... إلخ". ٣ - تعمد التسمية بأسماء الفسَّاق والماجنين من الممثلين والمطربين. ٤ - التسمية بأسماء فيها معاني الإثم والمعصية مثل: (ظالم بن سرَّاق). ٥ - أسماء الفراعنة والجبابرة مثل: (فرعون-هامان-قارون ... إلخ). ٦ - التسمية بأسماء الحيوانات المشهورة بالصفات المستهجنة مثل: (حنش -حمار- كلب-قنفذ ... إلخ). ٧ - الأسماء المضافة إلى (الدين) أو (الإسلام) مثل: نور الدين -شهاب الدين- سيف الإسلام. ٨ - الأسماء المركبة مثل: (محمد أحمد -ونحو ذلك) لما فيها من الاشتباه والالتباس. ٩ - التسمية بأسماء الملائكة مثل: (جبريل -ميكائيل ... إلخ). النشوز وعلاجه (١) * تعريف النشوز: النشوز: من النشز وهو المكان المرتفع، وفي الاصطلاح: معصية المرأة لزوجها فيما فرض الله عليها من طاعته، فكأنها ارتفعت وتعالت عليه (٢). * حكمه: نشوز المرأة حرام، لأن الله تعالى قد رتَّب عليه عقوبة الناشزة إذا لم ترتدع بالوعظ، ولا تكون العقوبة إلا بفعل محرم أو ترك واجب (٣)، قال الله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾ (٤).

стр. 1283

* أساليب علاج الناشزة: إذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز: كأن لا تصير إليه إلا وهي كارهة أو أن يجد منها إعراضًا وعبوسًا بعد لطف وطلاقة وجه، أو أن تخاطبه بكلام خشن بعد أن كان لينًا، أو أن تتثاقل إذا دعاها إلى فراشه. أو ظهر منها النشوز واضحًا: كأن تمتنع عن فراشه أو أن تخرج من بيته بغير إذنه، أو ترفض السفر معه ونحو ذلك، فإنه يُشرع للزوج أن يعالجها بالأساليب الواردة في الآية الكريمة على الترتيب، فيبدأ معها بـ: [١] الوَعْظ: فيعظها بالرفق واللِّين، ويذكِّرها بما أوجب الله عليها من طاعته وعدم مخالفته، ويرغِّبها في ثواب الله على طاعته، وفي أن تكون من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ويخوِّفها من عقاب الله على معصيته، ومن أنه -إذا استمرت على ما هي عليه- يحق له أن يهجرها ثم يضربها (١). فمن النساء من تردُّها الكلمة عن عنادها وغيِّها، فتستجيب للوعظ والترغيب والترهيب، وعندئذ لا يجوز له هجرها ولا ضربها، قال الله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ (٢). لكن من النساء من لا يؤثر فيها الكلام ولا الوعظ، فيلجأ إلى العلاج الثاني وهو: [٢] الهَجْر في المضجع: الهجر: من هجرته أي قطعته، قال الله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ (٣). أي: في المنام توصُّلًا إلى طاعتهن، فيخوِّفها بالاعتزال عنها، وترك جماعها ومضاجعتها فلعلَّها ممن لا تحتمل الهجر، فإن استجابت، وإلا هجرها فعليًّا. وقد تعددت أقوال العلماء في كيفية الهجر في المضجع: فقيل يهجرها بترك جماعها، وقيل: بل يجامعها لكن لا يكلمها حال مضاجعته لأن ذلك حق مشترك بينهما ولا يكون التأديب بما فيه ضرر، وقيل: يهجر جماعها عند غلبة شهوتها وحاجتها هي، لا في وقت حاجته إليها لأن الهجر لتأديبها هي لا لتأديبه.

стр. 1284

والصحيح أن يهجرها كيف شاء بما يناسب حالها، ومما يكون به الزجر والردع عن النشوز (١)، لكن ينبغي على الزوج أن لا يهجر زوجته إلا في البيت لقول النبي ﷺ كما في حديث معاوية بن حيدة ﵁: " ... ولا تهجر إلا في البيت" (٢) لئلا يظهر الهجر أمام الغرباء، إذ لو هجرها أمام الغرباء كان في ذلك إهانة لها مما يزيد المشكلة وقد يزيدها نشوزًا، فمراعاة هذا الأدب مما يساعد على عودة الوئام بين الزوجين. لكن ... إن رأى في هجرها خارج البيت مصلحة شرعية فله أن يفعل، كما هجر النبي ﷺ أزواجه شهرًا في غير بيوتهن (٣). وينبغي عليه -كذلك- أن لا يظهر الهجر أمام أطفاله، فإنه يورث في نفوسهم شرًّا وفسادًا. * مدة الهجر: للعلماء في أقصى مدة الهجر قولان (٤): الأول: مدة الهجر شهر وله أن يزيد إلى أربعة أشهر: وهو مذهب المالكية، ومستندهم أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وأن مدة الإيلاء إلى أربعة أشهر -كما سيأتي-. الثاني: له أن يهجر ما شاء حتى ترجع: وهو مذهب الجمهور: الحنفية والشافعية والحنابلة ويُستدل لهم بأن الآية -في الهجر- مطلقة غير مقيدة بمدة، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه حتى يدلَّ الدليل على تقييده. وأما القياس على الإيلاء فقياس مع الفرق، لأن الهجر في النشوز تأديب لها على تمردها، أما الإيلاء فقد يكون من غير تمرُّد من الزوجة ولذا لم يُشرع الإيلاء أكثر من أربعة أشهر لما فيه من ظلم للمرأة، ثم إن الإيلاء يمين (حلف) بخلاف الهجر. وإذا كان كذلك فلا يصح تقييد مطلق الآية بهذا، وهو الأرجح، والله أعلم. * فائدة: يجوز الهجر بترك الكلام مع الناشز اتفاقًا: لكنهم اختلفوا في مدة

стр. 1285

الهجر بترك الكلام: فقال الجمهور: لا يجوز أن يهجر كلامها أكثر من ثلاثة أيام حتى لو استمرت على نشوزها (١)، واستدلوا بعموم قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" (٢). وقد يقال: "إذا لم يُفد الهجر بالكلام -في ثلاثة أيام- فلن يفيد في أكثر من ذلك، لأن تأثيره أقل على المرأة من الهجر في المضجع" (٣). وذهب بعض الشافعية إلى أنه يجوز للزوج أن لا يكلم الزوجة الناشز أكثر من ثلاثة أيام إذا قصد تأديبها وردَّها عن النشوز، واستدلوا بأن النبي ﷺ "هجر الثلاثة الذين خلِّفوا أكثر من ثلاث" (٤). فإذا كانت المرأة ممن لا يفيد معها كلام ولا هجر، لشراسة في خلقها وعناد في طبعها، فلابد من الأسلوب الثالث وهو: [٣] الضرب: وهو جائز للزوج على زوجته الناشز إذا لم يُفد معها الوعظ والهجر، اتفاقًا. لكن ينبغي أن يُراعي في الضرب ما يأتي: ١ - أن لا يكون الضرب مبرحًا: كأن يكسر عظمًا أو يُشوِّه لحمًا كضرب المنتقم؛ فإن قوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾ (٥) مقيَّد بكونه غير مبرح: فعن عمرو بن الأحوص أن النبي ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح ... " (٦). فالمراد من الضرب: التأديب لا الإتلاف والتشويه، والمطلوب: ضرب يكسر النفس ويردُّها، ولا يكسر العظم.

стр. 1286

٢ - أن لا يزيد في ضربه على عشر ضربات: لحديث ... أن النبي ﷺ قال: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" (١). وهذا مذهب الحنابلة (٢). ٣ - أن لا يضرب الوجه ولا يقع الضرب على المهالك: لقول النبي ﷺ كما في حديث معاوية بن حيدة-: " ... ولا تضرب الوجه، ولا تُقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت" (٣). لما في هذا الفعل من الاستهانة بالمرأة وتحقيرها ولما فيه من الإيذاء والتشويه، فلو فعل ذلك فهو جانٍ، ولها طلب التطليق والقصاص. ٤ - أن يغلب على ظنه أن ضربه سيزجرها: لأن الضرب وسيلة إصلاح، والوسيلة لا تشرع عند ظن عدم ترتُّب المقصود عليها، وإلا فلا يضربها (٤). ٥ - أن يرفع الضرب عنها إذا أطاعته: لقول الله سبحانه: ﴿واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ (٥). * تنبيه: لا ينبغي للزوج أن يتخذ من هذه الوسيلة العلاجية (الضرب) التي شرعها الله في بعض الأوقات (وقت النشوز بعد فشل الوعظ والهجر) ديدنًا، فيضرب زوجته -نشزت أو لم تنشز- فإن هذا لا يجوز، وهو خلاف هدي النبي ﷺ : ١ - فعن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ ضرب خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله" (٦). ٢ - وعاب على أبي جهم كثرة ضربه للنساء وقال لفاطمة بنت قيس ناصحًا لها في شأن الزواج: "أما أبو الجهم فضرَّاب للنساء" وفي لفظ: "فلا يضع عصاه عن عاتقه" (٧).

стр. 1287

٣ - وقال ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم" (١). وأما ما يُروى مرفوعًا: "لا تسأل الرجل فيما ضرب امرأته" (٢) فضعيف لا يحتج به. * الخلاف بين الزوجين وعلاجه: إذا تسرَّب الشقاق والبغضاء إلى بيت الزوجية، فقد شرع الله سبحانه إرسال حكمين لحدِّ هذا الخلاف، وإزجاء النصيحة إلى الزوجين، أحدهما يمثل الزوج والآخر يمثل الزوجة، إذ أن استمرار الشقاق بينهما معناه: هدم الأسرة وتشتيت الأطفال، وقطع الصلات والعلاقات وربما الأرحام!! قال الله سبحانه: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾ (٣). وينبغي على الحكمين أن يبذلا جهدهما في عملية الإصلاح وإزالة الشقاق بينهما، وأن يكونا صادقين في الإصلاح بينهما، وعليهما أن يأخذا على يد المسيء منهما، وأن يُلزماه جانب الحق (٤). * سُلْطَةُ الحَكَمَيْنِ: إذا بذل الحكمان ما في وسعهما للإصلاح بين الزوجين، فوجدا أنه غير ممكن فهل لهما سلطة التفريق بينهما؟ أم لابد من الرجوع إلى الزوجين؟ قولان للعلماء. والأصح أن الحكمين قاضيان وليسا وكيلين، فلهما أن يفرقا بين الزوجين سواء رضيا أم لا، ولو بدون أمر من القاضي ولا بتوكيل من الزوجين، وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول عند الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام (٥)، ويدل عليه:

стр. 1288

١ - قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ (١). "هذا نص من الله تعالى في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بيَّن الله -سبحانه- كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ -فكيف بعالم- أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام" (٢) اهـ. ٢ - وقوله تعالى: ﴿إن يريدا إصلاحًا﴾ (٣). المراد بهما: الحكمان لا الزوجان، فدلَّ على عدم اعتبار رضا الزوجين، وعلى أن للحكمين إرادةً وحقَّ تصرف خارجةً عن إرادة الزوجين، ولو كانا وكيلين لكانت إرادتهما في التصرف هي إرادة الزوجين (٤). ٣ - وعن عبيدة قال: "شهدت عليَّ بن أبي طالب، وجاءته امرأة وزوجها، مع كلٍّ منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا وهؤلاء حكمًا، فقال عليٌّ للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تفرِّقا فرَّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال عليُّ: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى لي وعَلَيَّ" (٥). وقول عليٍّ ﵁ للحكمين كان بمحضر الصحابة، ولم ينكر أحد عليه فكان إجماعًا من الحاضرين. ٤ - ولما حصل شقاق بين عقيل بن أبي طالب وزوجه فاطمة بنت عتبة، اشتكت فاطمة لعثمان ﵁ فأرسل ابن عباس ومعاوية حكمين بينهما، فقال ابن عباس: "لأفرقنَّ بينهما" (٦).

стр. 1289

وعلى ما تقدم، يحق للحكمين -إذا رأيا- أن يطلقا عليه، وأن يخالعاها، وقضاؤهما نافذ، والله أعلم. * إذا اختلف الحكمان: فطلَّق أحدهما بطلقة واحدة، والآخر باثنتين -على القول بوقوعه- أو يخالع أحدهما على ألف والآخر على ألفين ونحو ذلك، ففي هذه الحالة لا يؤخذ بحكمهما اتفاقًا، ويبعث القاضي حكمين غيرهما حتى يجتمعا على شيء. وإذا لم يجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما، فأجاز الجمهور -خلافًا للمالكية- إرسال حكمين من الأجانب (من غير أهلها) ويكون حكمهما نافذًا إذا اتفقا (١).

стр. 1290

١١ - كتاب الفرْق بين الزوجين

стр. 1291

الطلاق وأحكامه * تعريف الطلاق (١): الطلاق لغةً: حلُّ الوثاق ورفع القيد، مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك. وفي اصطلاح الشرع: حلُّ قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه، أو رفع قيد النكاح في الحال (أي: بالطلاق البائن) أو في المآل (أي: بعد العدة بالطلاق الرجعي) بلفظ مخصوص. والمراد بالنكاح هنا: النكاح الصحيح خاصة، فلو كان فاسدًا لم يصحَّ فيه الطلاق، ولكن يكون متاركةً أو فسخًا. والفسخ يخالف الطلاق في أنه نقض للعقد وتنهدم به آثاره وأحكامه التي نشأت عنه، وأما الطلاق فلا ينقض العقد، ولكن يُنهى آثاره فقط. والمتاركة: ترك الرجل المرأة المعقود عليها بعقد فاسد قبل الدخول أو بعده، فهي توافق الطلاق في حق إنهاء آثار النكاح، وأنها حق للرجل وحده، وتخالفه في أنها لا تحسب عليه واحدة وأنها تختص بالعقد الفاسد والوطء بشبهة، وأما الطلاق فيختص بالعقد الصحيح. * مشروعية الطلاق: الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول: (أ) فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (٢). ٢ - قوله سبحانه: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين * وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ....﴾ (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ (٤).

стр. 1292

٤ - وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ...﴾ (١). ٥ - وقال سبحانه: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ...﴾ (٢). (ب) ومن السنة: ١ - عن عمر ﵁: "أن رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها" (٣). ٢ - عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلِّقها، فأبَيْتُ، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "طلِّقها" (٤). ٣ - عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه أو جده -وافد بني المنتفق- أنه قال يا رسول الله، إن لي امرأة -فذكر من طول لسانها وإيذائها- فقال: "طلِّقها" قال: يا رسول الله، إنها ذات صحبة وولد، قال: "فأمسكها وأمرها، فإن يك فيها خير فستفعل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك" (٥). (جـ) وأما الإجماع والمعقول: فقال ابن قدامة ﵀: "وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالة على جوازه" فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضررًا مجردًا، بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك الشرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه" اهـ (٦). * الحكم التكليفي للطلاق (٧): بعد إجماع المسلمين من زمن النبي ﷺ على مشروعية الطلاق، اختلف أهل العلم في الحكم التكليفي للطلاق:

стр. 1293

فذهب الجمهور إلى أن الأصل في الطلاق الإباحة، والأولى عدم ارتكابه -لما فيه من قطع الألفة- إلا لعارض، وقد يخرج عن هذا الأصل في أحوال. وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر، ويخرج عن الحظر في أحوال، والعمدة عندهم حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (١) وهو حديث ضعيف. وعلى كلٍّ: فالفقهاء متفقون -في النهاية- على أن الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة بحسب الظروف والأحوال: ١ - فيكون محرَّمًا: كطلاق المرأة في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وهو "طلاق البدعة" وسيأتي الكلام عليه، وهو مجمع على تحريمه، وكذلك إذا خشي بطلاقه على نفسه الزنا. ٢ - ويكون مكروهًا: وهو عند عدم الحاجة إليه مع استقامة الزوجين، وربما يكون هذا محرمًا عند بعضهم، قلت: قد يُستدل للكراهة أو التحريم بحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجىء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجىء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، قال: فيُدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت" (٢). وعن عمرو بن دينار قال: "طلَّق ابن عمر امرأة له، فقالت له: هل رأيت مني شيئًا تكرهه؟ قال: "لا"، قالت: ففيم تطلق المرأة العفيفة المسلمة؟ قال: فارتجعها" (٣). ٣ - ويكون مباحًا: عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها والتضرر بها من غير حصول الغرض منها. ٤ - ويكون مستحبًّا: عند تفريط المرأة في حقوق الله تعالى الواجبة عليها كالصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تكون امرأة غير عفيفة، لأن في إمساكها نقصًا لدينه، ولا يأمن إفسادها لفراشه، وإلحاقها به ولدًا ليس هو منه،

стр. 1294

ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه، قال تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلَّا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (١). وقد يكون الطلاق في هذا الموضع واجبًا. ٥ - ويكون واجبًا: كالمُولي -وستأتي أحكام الإيلاء- إذا أبى الفيئة إلى زوجته بعد التربُّص (على قول الجمهور). وكطلاق الحكمين في الشقاق إذا تعذَّر عليهما التوفيق بين الزوجين ورأيا الطلاق. * الطلاق بيد الزوج: جعل الله تعالى للزوج حق مفارقة زوجته إذا وجد ما يدعوه إلى ذلك بعبارته وإرادته المنفردة (٢)، "ولم يجعل الطلاق بيد الزوجة بالرغم من أنها شريكة في العقد حفاظًا على الزواج، وتقديرًا لمخاطر إنهائه بنحو سريع غير متَّئد، والرجل -عادة- يكون أمثر تقديرًا لعواقب الأمور، وأبعد عن الطيش في التصرُّف، وأما المرأة فهي -غالبًا- أشد تأثرًا بالعاطفة، فربما أوقعت الطلاق -إذا ملكته- لأهون الأسباب. ثم إن الطلاق يستتبع تكاليف مالية من شأنها حمل الرجل على التروِّي في إيقاع الطلاق، وأما المرأة فلا تتضرر ماليًّا بالطلاق، فلا تتروَّى في إيقاعه بسبب سرعة تأثرها وانفعالها" (٣). وقد يقوم بالطلاق غير الزوج بإنابته، كما في الوكالة والتفويض (٤)، أو بدون إنابة، كالقاضي في بعض الأحوال للضرورة. شروط الطلاق يشترط لصحة الطلاق شروط موزَّعة على أطراف الطلاق الثلاثة: المطلِّق، والمطلَّقة، وصيغة الطلاق.

стр. 1295

أولًا: الشروط المتعلقة بالمطلِّق: [١] أن يكون زوجًا: أي أن بينه وبين من يريد تطليقها عقد زواج صحيح، فلو قال -قبل أن يتزوجها-: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، فلا عبرة بقوله ولا يعتد به، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك" (١). فلا يملك الرجل طلاقًا، إلا إذا كان زوجًا، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ...﴾ (٢). فذكر الطلاق بعد النكاح. [٢] البلوغ: ذهب الجمهور إلى عدم وقوع طلاق الصغير مميزًا كان أو غير مميِّز، لأن الطلاق ضرر محض فلا يملكه الصغير، وكذلك لا يملكه وَليُّه (٣)، ولحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (٤) فإذا كان الصبي غير مكلف لم يقع طلاقه. وذهب الحنابلة إلى أن الصبي إذا كان مميزًا يعقل الطلاق، ويعلم أن زوجته تبين به وتحرم عليه، فإن طلاقه يقع، واستدلوا بما يُروي مرفوعًا: "كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٥). وبما رُوي عن عليٍّ أنه قال: "اكتموا الصبيان النكاح" (٦) فيفهم منه أن فائدته ألا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق فوقع كطلاق البالغ.

стр. 1296

وبنحو هذا قال ابن المسيب وعطاء والحسن والشعبي وإسحاق وكأنه اختيار الإسلام إذ قال: "لكن الصبي المميز والمجنون الذي يميز أحيانًا يعتبر قوله حين التمييز" اهـ (١). [٣] العقل: فلا يصحُّ طلاق المجنون والمعتوه (٢)، لفقدان أهلية الأداء في الأول، ونقصانها في الثاني، ويدل على ذلك الحديث المتقدم: "رفع القلم عن ثلاثة ... وعن المجنون حتى يعقل" (٣). وفي حديث ماعز -لما اعترف للنبي ﷺ بالزنا- قال النبي ﷺ له: "أبك جنون؟ ... " (٤). فدلَّ على أن الإقرار من المجنون لا يصح، فكذلك سائر التصرفات والإنشاءات (٥) وقال عليُّ بن أبي طالب: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٦) والمراد بالمعتوه هنا: الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران. هذا في الجنون الدائم المطبق، أما الجنون المتقطع، الذي يغيب فترة عن صاحبه ثم يعود إليه، فإن طلَّق حال جنونه لم يقع، وإن طلق حال إفاقته وقع لكمال أهليته. وقد ألحق العلماء بالمجنون: النائم والمغمى عليه والمدهوش (٧)، لانعدام الأهلية لديهم وللحديث المتقدم. * طلاق السكران: وأما السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان وخلط الكلام، ولا يعلم ما يقول، ولا يعي بعد إفاقته ما صدر منه حال سكره، والسكران لا يخلو من أحد حالين:

стр. 1297

(أ) أن يكون غير مُتعدٍّ بسكره: كأن يسكر مضطرًا أو مكرهًا أو تناول دواء العلاج الضروري إذا تعين بقول طبيب مسلم ثقة، أو تعاطي البنج، أو لم يعلم أنه مسكر، ونحو ذلك -وهو نادر- فهذا لا يقع طلاقه بإجماع العلماء (١)، لفقدان العقل لديه كالمجنون دون تعدٍّ. (ب) أن يكون متعديًا بسُكره: كأن يشرب الخمر عالمًا به مختارًا لشربه، أو تناول مخدرًا ونحو ذلك، فهذا اختلف أهل العلم في وقوع طلاقه على قولين (٢): الأول: يقع طلاقه حال سُكره: وهو مذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد في المشهور عنه، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وعطاء والأوزاعي والثوري وطائفة من السلف، وحجة هذا المذهب ما يلي: ١ - أن حكم التكليف جار عليه، فيؤاخذ بجنايته، قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون ...﴾ (٣). فنهيهم حال السكر عن قربان الصلاة يقتضي عدم زوال التكليف!! وأُجيب: بأن هذا ضعيف، فإنه إن أُريد أن وقت السكر يؤمر ويُنهى فهذا باطل، فإن من لا عقل له ولا يفهم الخطاب ولا يعقل ما يقول فليس بمكلف، إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل. وأما الآية الكريمة ففيها نهي لهم أن يسكروا سكرًا يفوتون به الصلاة أو نهي لهم عن الشرب القريب من وقت الصلاة، أو نهي لمن يدب فيه أوائل النشوة، وأما في حال السكر فلا يخاطب بحال (٤). ٢ - أن في إيقاعه عقوبة له، وأُجيب: بأن الشريعة لم تعاقب أحدًا بهذا الجنس من إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه، بل يكفيه الحد وقد وحصل رضا الله

стр. 1298

من هذه العقوبة بالحد، وعقوبته بغيره تغيير لحدود الشريعة، ثم إن في هذا من الضرر على زوجته البريئة وغيرها ما لا يجوز. ٣ - أن الصحابة جعلوا السكران كالصَّاحي في الحد بالقذف، فإنهم قالوا: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى، وحدُّ المفتري ثمانون" (١) وهو ضعيف. وأجيب: بأن هذا لو ثبت، فإنه يبيِّن "أن اقدامه على السكر الذى هو مظنة الافتراء يلحقه بالمقدم على الافتراء، إقامةً لمظنة الحكمة مقام الحقيقة، لأن الحكمة هنا فيه مستترة، لأنه قد لا يُعلم افتراؤه، ولا متى يفتري، ولا على من يفتري، كما أن المضطجع يُحدث ولا يدرى هل هو أحدث أم لا؟ فقام النوم مقام الحدث، فهذا فقه معروف، فلو كانت تصرفاته من هذا الجنس لكان ينبغى أن يطلق امرأته سواء طلق أو لم يطلق، كما يحدُّ حد المفتري سواء افترى، أو لم يفتر، وهذا لا يقوله أحد" (٢). ٤ - أنه لا يعلم زوال عقله إلا بقوله، وهو فاسق بشربه، فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر. ٥ - ما يُروى مرفوعًا: "كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٣) لكنه ضعيف. القول الثاني: لا يقع طلاق السكران مطلقًا: وهو القول القديم للشافعي واختاره المزني والطحاوي من الحنفية والرواية الأخرى عن أحمد، وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث وإسحاق وأبي ثور وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مروي عن عثمان بن عفان ﵁، وحجة هذا القول ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ...﴾ (٤).

стр. 1299

قالوا: فجعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول، فبطلت صلاته وعبادته لعدم عقله، فبطلان عقوده أولى وأحرى كالنائم والمجنون ونحوهما. ٢ - قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " (١) والسكران لا نية له ولا قصد، والعقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصود. ٣ - حديث بريدة -في قصة ماعز واعترافه بالزنا- وفيه قول النبي ﷺ : "أشرب خمرًا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ... الحديث (٢). فجعل ﷺ السكر كالجنون في إسقاط العقوبة. وأجيب بأن هذا في باب الحدود، والحدود تُدرأ بالشبهات! ٤ - حديث عليٍّ في قصة سُكر حمزة بن عبد المطلب ودخول النبي ﷺ عليه، وفيه: " ... فإذا هم شرب فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل محمرةً عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ .... ثم قال: هل أنتم إلا عبيد لأبى، فعرف رسول الله ﷺ أنه قد ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى وخرجنا معه" (٣). قال ابن حزم (١٠/ ٢١١): فهذا حمزة ﵁ يقول وهو سكران ما لو قاله غير سكران لكفر، وقد أعاذه الله من ذلك، فصحَّ أن السكران غير مؤاخذ بما يفعله جملة ... اهـ. وقال الحافظ: وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سُكره من طلاق وغيره. اهـ. واعترض بأن الخمر حينئذٍ كانت مباحة فيسقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحال (!!) وأجيب: بأن الاحتجاج من هذه القصة إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بأن يكون الشراب مباحًا أو لا. ٥ - ما صحَّ عن عثمان ﵁ أنه قال: "كل الطلاق جائز إلا طلاق النشوان، وطلاق المجنون" (٤) قال شيخ الإسلام (٣٣/ ١٠٢): ولم يثبت عن الصحابة خلافُه فيما أعلم. ٦ - وعن عمر بن عبد العزيز "أنه أُتي برجل طلَّق امرأته وهو سكران،

стр. 1300

فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو أنه طلَّق وما يعقل، فحلف، فردَّ عليه امرأته وضربه الحد" (١). ٧ - "من سكر بشرب محرَّم فلا ريب أنه يأثم بذلك، ويستحق من عقوبة الدنيا والآخرة ما جاء به أمر الله تعالى، فهذا الفرق ثابت بينه وبين من سكر سكرًا يُعذر فيه، لكن كون عهده الذى يعاهد به الآدميين يترتب عليه أثره ويحصّل مقصوده، فهذا لا فرق فيه بين سكر المعذور وغير المعذور، لأن هذا إنما كان الموجب لصحته أن صاحبه فَعَله وهو عاقل مميِّز، لا أنه برٌّ وفاجر، والشرع لم يجعل السكران بمنزله الصاحى أصلًا" (٢). قلت: القول بعدم وقوع طلاق السكران مطلقًا أرجح وأليق بمقاصد الشريعة وأصولها، ثم إنه لا فرق بين زوال العقل بمعصية أو غيرها، فإن من كَسَرَ ساقيه يجوز له أن يصلي قاعدًا، ومن ضربتْ بطن نفسها -وهي حامل- فنفست سقطت عنها الصلاة، وهذا هو القول المعمول به في المحاكم المصرية، والله أعلم. [٤] القصد والاختيار: والمراد به هنا: إرادة التلفظ بلفظ الطلاق (٣) باختياره من غير إجبار، ولو لم ينوه، فلا يقع طلاق فقيه يُعلِّم طلابه ولا حاك عن نفسه أو غيره، لأنه لم يقصد معناه وإنما قصد التعليم أو الحكاية، ولا طلاق أعجمي لُقِّن لفظ الطلاق بلا فهم منه لمعناه، وهذا متفق عليه (٤). وأما المخطئ، والمكره، والغضبان، والسفيه، والمريض، فقد اختلف أهل العلم في صحة طلاقهم: (أ) طلاق المخطئ (٥): وهو من لم يقصد التلفظ بالطلاق أصلًا، وإنما قصد لفظًا آخر فسبقه لسانه إلى الطلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فإذا به يخطئ
следующие страницы →