← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وبنحو هذا قال ابن المسيب وعطاء والحسن والشعبي وإسحاق وكأنه اختيار الإسلام إذ قال: "لكن الصبي المميز والمجنون الذي يميز أحيانًا يعتبر قوله حين التمييز" اهـ (١). [٣] العقل: فلا يصحُّ طلاق المجنون والمعتوه (٢)، لفقدان أهلية الأداء في الأول، ونقصانها في الثاني، ويدل على ذلك الحديث المتقدم: "رفع القلم عن ثلاثة ... وعن المجنون حتى يعقل" (٣). وفي حديث ماعز -لما اعترف للنبي ﷺ بالزنا- قال النبي ﷺ له: "أبك جنون؟ ... " (٤). فدلَّ على أن الإقرار من المجنون لا يصح، فكذلك سائر التصرفات والإنشاءات (٥) وقال عليُّ بن أبي طالب: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٦) والمراد بالمعتوه هنا: الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران. هذا في الجنون الدائم المطبق، أما الجنون المتقطع، الذي يغيب فترة عن صاحبه ثم يعود إليه، فإن طلَّق حال جنونه لم يقع، وإن طلق حال إفاقته وقع لكمال أهليته. وقد ألحق العلماء بالمجنون: النائم والمغمى عليه والمدهوش (٧)، لانعدام الأهلية لديهم وللحديث المتقدم. * طلاق السكران: وأما السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان وخلط الكلام، ولا يعلم ما يقول، ولا يعي بعد إفاقته ما صدر منه حال سكره، والسكران لا يخلو من أحد حالين:

стр. 1297

(أ) أن يكون غير مُتعدٍّ بسكره: كأن يسكر مضطرًا أو مكرهًا أو تناول دواء العلاج الضروري إذا تعين بقول طبيب مسلم ثقة، أو تعاطي البنج، أو لم يعلم أنه مسكر، ونحو ذلك -وهو نادر- فهذا لا يقع طلاقه بإجماع العلماء (١)، لفقدان العقل لديه كالمجنون دون تعدٍّ. (ب) أن يكون متعديًا بسُكره: كأن يشرب الخمر عالمًا به مختارًا لشربه، أو تناول مخدرًا ونحو ذلك، فهذا اختلف أهل العلم في وقوع طلاقه على قولين (٢): الأول: يقع طلاقه حال سُكره: وهو مذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد في المشهور عنه، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وعطاء والأوزاعي والثوري وطائفة من السلف، وحجة هذا المذهب ما يلي: ١ - أن حكم التكليف جار عليه، فيؤاخذ بجنايته، قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون ...﴾ (٣). فنهيهم حال السكر عن قربان الصلاة يقتضي عدم زوال التكليف!! وأُجيب: بأن هذا ضعيف، فإنه إن أُريد أن وقت السكر يؤمر ويُنهى فهذا باطل، فإن من لا عقل له ولا يفهم الخطاب ولا يعقل ما يقول فليس بمكلف، إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل. وأما الآية الكريمة ففيها نهي لهم أن يسكروا سكرًا يفوتون به الصلاة أو نهي لهم عن الشرب القريب من وقت الصلاة، أو نهي لمن يدب فيه أوائل النشوة، وأما في حال السكر فلا يخاطب بحال (٤). ٢ - أن في إيقاعه عقوبة له، وأُجيب: بأن الشريعة لم تعاقب أحدًا بهذا الجنس من إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه، بل يكفيه الحد وقد وحصل رضا الله

стр. 1298

من هذه العقوبة بالحد، وعقوبته بغيره تغيير لحدود الشريعة، ثم إن في هذا من الضرر على زوجته البريئة وغيرها ما لا يجوز. ٣ - أن الصحابة جعلوا السكران كالصَّاحي في الحد بالقذف، فإنهم قالوا: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى، وحدُّ المفتري ثمانون" (١) وهو ضعيف. وأجيب: بأن هذا لو ثبت، فإنه يبيِّن "أن اقدامه على السكر الذى هو مظنة الافتراء يلحقه بالمقدم على الافتراء، إقامةً لمظنة الحكمة مقام الحقيقة، لأن الحكمة هنا فيه مستترة، لأنه قد لا يُعلم افتراؤه، ولا متى يفتري، ولا على من يفتري، كما أن المضطجع يُحدث ولا يدرى هل هو أحدث أم لا؟ فقام النوم مقام الحدث، فهذا فقه معروف، فلو كانت تصرفاته من هذا الجنس لكان ينبغى أن يطلق امرأته سواء طلق أو لم يطلق، كما يحدُّ حد المفتري سواء افترى، أو لم يفتر، وهذا لا يقوله أحد" (٢). ٤ - أنه لا يعلم زوال عقله إلا بقوله، وهو فاسق بشربه، فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر. ٥ - ما يُروى مرفوعًا: "كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٣) لكنه ضعيف. القول الثاني: لا يقع طلاق السكران مطلقًا: وهو القول القديم للشافعي واختاره المزني والطحاوي من الحنفية والرواية الأخرى عن أحمد، وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث وإسحاق وأبي ثور وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مروي عن عثمان بن عفان ﵁، وحجة هذا القول ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ...﴾ (٤).

стр. 1299

قالوا: فجعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول، فبطلت صلاته وعبادته لعدم عقله، فبطلان عقوده أولى وأحرى كالنائم والمجنون ونحوهما. ٢ - قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " (١) والسكران لا نية له ولا قصد، والعقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصود. ٣ - حديث بريدة -في قصة ماعز واعترافه بالزنا- وفيه قول النبي ﷺ : "أشرب خمرًا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ... الحديث (٢). فجعل ﷺ السكر كالجنون في إسقاط العقوبة. وأجيب بأن هذا في باب الحدود، والحدود تُدرأ بالشبهات! ٤ - حديث عليٍّ في قصة سُكر حمزة بن عبد المطلب ودخول النبي ﷺ عليه، وفيه: " ... فإذا هم شرب فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل محمرةً عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ .... ثم قال: هل أنتم إلا عبيد لأبى، فعرف رسول الله ﷺ أنه قد ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى وخرجنا معه" (٣). قال ابن حزم (١٠/ ٢١١): فهذا حمزة ﵁ يقول وهو سكران ما لو قاله غير سكران لكفر، وقد أعاذه الله من ذلك، فصحَّ أن السكران غير مؤاخذ بما يفعله جملة ... اهـ. وقال الحافظ: وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سُكره من طلاق وغيره. اهـ. واعترض بأن الخمر حينئذٍ كانت مباحة فيسقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحال (!!) وأجيب: بأن الاحتجاج من هذه القصة إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بأن يكون الشراب مباحًا أو لا. ٥ - ما صحَّ عن عثمان ﵁ أنه قال: "كل الطلاق جائز إلا طلاق النشوان، وطلاق المجنون" (٤) قال شيخ الإسلام (٣٣/ ١٠٢): ولم يثبت عن الصحابة خلافُه فيما أعلم. ٦ - وعن عمر بن عبد العزيز "أنه أُتي برجل طلَّق امرأته وهو سكران،

стр. 1300

فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو أنه طلَّق وما يعقل، فحلف، فردَّ عليه امرأته وضربه الحد" (١). ٧ - "من سكر بشرب محرَّم فلا ريب أنه يأثم بذلك، ويستحق من عقوبة الدنيا والآخرة ما جاء به أمر الله تعالى، فهذا الفرق ثابت بينه وبين من سكر سكرًا يُعذر فيه، لكن كون عهده الذى يعاهد به الآدميين يترتب عليه أثره ويحصّل مقصوده، فهذا لا فرق فيه بين سكر المعذور وغير المعذور، لأن هذا إنما كان الموجب لصحته أن صاحبه فَعَله وهو عاقل مميِّز، لا أنه برٌّ وفاجر، والشرع لم يجعل السكران بمنزله الصاحى أصلًا" (٢). قلت: القول بعدم وقوع طلاق السكران مطلقًا أرجح وأليق بمقاصد الشريعة وأصولها، ثم إنه لا فرق بين زوال العقل بمعصية أو غيرها، فإن من كَسَرَ ساقيه يجوز له أن يصلي قاعدًا، ومن ضربتْ بطن نفسها -وهي حامل- فنفست سقطت عنها الصلاة، وهذا هو القول المعمول به في المحاكم المصرية، والله أعلم. [٤] القصد والاختيار: والمراد به هنا: إرادة التلفظ بلفظ الطلاق (٣) باختياره من غير إجبار، ولو لم ينوه، فلا يقع طلاق فقيه يُعلِّم طلابه ولا حاك عن نفسه أو غيره، لأنه لم يقصد معناه وإنما قصد التعليم أو الحكاية، ولا طلاق أعجمي لُقِّن لفظ الطلاق بلا فهم منه لمعناه، وهذا متفق عليه (٤). وأما المخطئ، والمكره، والغضبان، والسفيه، والمريض، فقد اختلف أهل العلم في صحة طلاقهم: (أ) طلاق المخطئ (٥): وهو من لم يقصد التلفظ بالطلاق أصلًا، وإنما قصد لفظًا آخر فسبقه لسانه إلى الطلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فإذا به يخطئ

стр. 1301

ويقول: أنت طالق [وهو غير هازل، فالهازل قاصد للفظ الطلاق وإن كان غير قاصد للفرقة وطلاقه صحيح كما سيأتي] فهذا المخطئ اختلف أهل العلم في صحة طلاقه: فذهب الجمهور إلى أن طلاقه لا يقع قضاءً وديانة (١)، إذا ثبت خطؤه بالقرائن، فإذا لم يثبت خطؤه وقع الطلاق قضاءً، ولم يقع ديانة، لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). ولا يقاس المخطئ على الهازل، لأن وقوع طلاق الهازل جاء للنص على خلاف القياس كما سيأتي في موضعه، ولأن الهازل قصد اللفظ فاستحق العقوبة بخلاف المخطئ. وعند الحنفية يقع طلاقه قضاءً سواء ثبت خطؤه أم لا، ولا يقع ديانةً، وذلك لخطورة محل الطلاق وهو المرأة، ولأن في عدم إيقاعه فتح باب الادِّعاء بذلك بغير حق للتخلص من وقوع الطلاق، وهو ذريعة يجب سدُّها. (ب) طلاق المُكره: ذهب جمهور العلماء، منهم: مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وطائفة من السلف، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير ﵃ ذهبوا إلى عدم وقوع طلاق المكره (٣) بغير حق، وهو اختيار شيخ الإسلام، وحجتهم ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ (٤). فلما وضع الله عن المكره على الكفر حكم الكفر، سقطت أحكام الإكراه عن القول كلِّه، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس، سقط ما هو أصغر منه (٥).

стр. 1302

٢ - حديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقد تقدم في "طلاق المخطئ". ٣ - قوله ﷺ : "لا طلاق، ولا عتاق، في غلاق" (١) أي: إكراه. ٤ - عن ثابت بن الأحنف: "أن عبد الرحمن بن زيد توفي وترك أمهات أولاده، قال: فخطبتُ إحداهن إلى أسيد بن عبد الرحمن، وهو أصغر من عبد الله بن عبد الرحمن، فأنكحني، فلما بلغ ذلك عبد الله، بعث إليَّ، فاحتملت إليه، فإذا حديد وسياط، فقال: طَلِّقها وإلا ضربتك بهذه السياط، وإلا أوثقتك بهذا الحديد، قال: فلما رأيت ذلك طلقتها ثلاثًا، أو قال: بتتُّها، فسألت كل فقيه بالمدينة، فقالوا: ليس بشئ، فسألت ابن عمر فقال: ائت ابن الزبير، قال: فاجتمعت أنا وابن عمر عند ابن الزبير بمكة، فقصصت عليهما، فردَّاها عليَّ" (٢). ٥ - ولأنه منعدم الإرادة والقصد، فكان كالمجنون والنائم. * فائدة: ذكر ابن قدامة للإكراه الذي لا يقع به الطلاق ثلاثة شروط (٣): " (أ) أن يكون من قادرٍ بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه. (ب) أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به، إن لم يُجبه إلى ما طلبه. (جـ) أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، فأما السب والشتم فليس بإكراه، وكذلك أخذ المال اليسير" اهـ. * وخالف أبو حنيفة وأصحابه والثوري وبعض السلف، فقالوا: يقع طلاق المكره، لأنه عرف الشَّرين واختار أهونهما، وهذا آية القصد والاختيار، إلا أنه غير راضٍ بحكمه وذلك غير مُخلٍّ به، كالهازل (٤). قلت: ومذهب الجمهور أقوى لقوة أدلته، والله أعلم. * تنبيه: هذا كله في الإكراه بغير حق، لكن لو أكُره على الطلاق بحق، كالمُؤلي إذا انقضت مدة الإيلاء بدون فئ، فأجبره القاضي على الطلاق فطلَّق، فإنه يقع بالإجماع.

стр. 1303

(جـ) طلاق الغضبان: الغضب: حالة من الاضطراب العصبي، وعدم التوازن الفكري، تحل بالإنسان إذا عدا عليه أحد بالكلام أو غيره. والغضب على ثلاثة أقسام (١): ١ - "أن يحصل للإنسان مبادؤه وأوائله، بحيث لا يتغير عقله ولا ذهنه، ويعلم ما يقول ويقصده، فهذا لا إشكال في وقوعه طلاقه، ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردد فكره". قلت: (أبو مالك): وهذا هو الغالب في طلاق الرجال، إنما يكون في حال الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان مطلقًا، لكان لكل أحد أن يقول: كنت غضبان!! ٢ - "أن يبلغ به الغضب نهايته بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول، ولا يريده، فهذا لا يتوجَّه خلاف في عدم وقوع طلاقه". قلت: وعليه يحمل حديث: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٢) فقد قال أبو داود في "سننه" عقب الحديث: والإغلاق، أظنه الغضب. اهـ (٣). ٣ - "من توسَّط في الغضب بين المرتبتين، فتعدى مبادئه، ولم ينته إلى آخره بحيث صار كالمجنون، فهذا موضوع الخلاف، ومحل النظر". قلت: في هذه الحالة يصل به الغضب إلى درجة يغلب عليه فيها الخلل والاضطراب في أقواله، وأفعاله، فيمنعه من التثبت والتروي، وإن كان لا يزيل عقله بالكلية، وهي حالة نادرة كذلك، ومذاهب الأئمة الأربعة: أنه يقع طلاق الغضبان بهذه الكيفية (٤) وقال آخرون: لا يقع في هذه الحالة، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، حيث قال: والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه، وعتقه، وعقوده، التي يُعتبر فيها الاختيار والرضا، وهو فرع من الإغلاق كما فسَّره به الأئمة (٥).

стр. 1304

وإلى هذا مال ابن عابدين ﵀ فقال: " ... فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه، إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال: لا تعتبر أقواله، وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبي العاقل" اهـ. (د) طلاق السفيه: السفيه: خفيف العقل، الذي يتصرف في المال على غير وفق العقل والشرع. وطلاق السفيه يقع عند أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم، ومنعه عطاء والشيعة الإمامية. وصحته أولى، لأن السفيه مكلف مالك لمحل الطلاق، ولأنَّ السَّفَه موجب للحجر في المال خاصته، وهذا تصرف في النفس، وهو غير متهم في حق نفسه، فإن نشأ عن طلاق السفيه آثار مالية كالمهر فهي تبع لا أصل، والله أعلم (١). (هـ) طلاق المريض (طلاق الفرار) (٢): إذا طلَّق المريض -مرض الموت- زوجته المدخول بها في مرضه بغير طلب منها أو رضا طلاقًا بائنًا، ثم مات وهي في عدتها من طلاقة هذا، فهل يقع طلاقه أم لا؟ وهل ترثه المطلقة أم لا؟ ليس في هذه المسألة نصٌ من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولذا اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الجمهور إلى أنه يُعدُّ فارًّا من إرثها حكمًا، فترث منه رغم وقوع الطلاق عليها (!!) عملًا بسدِّ الذريعة لقطع حظها من الميراث ومعاملة له بنقيض قصده، وهؤلاء إنما استأنسوا بفتوى عمر وعثمان ﵄. ثم انقسم هؤلاء ثلاث فرق: ١ - فقالت طائفة: ترث ما دامت في العدة لأن العدَّة عندهم من بعض أحكام الزوجية، وكأنهم شبَّهوها بالمطلقة الرجعية، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري.

стр. 1305

٢ - وقالت طائفة: ترث ما لم تتزوَّج، وبه قال ابن أبي ليلى والإمام أحمد، لكنه خلاف الأصحِّ عند الحنابلة، ولعلهم لحظوا إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث زوجين. قلت: كذا وجَّهه ابن رشد، والذي يظهر لي أن المراد بقولهم (ما لم تتزوج) أي: ما لم يمكنها التزوَّج أي بانقضاء العدة، فرجع إلى الأول، وقد أشار إلى ذلك ابن الهمام. ٣ - وقالت طائفة: ترثه مطلقًا، سواء كانت في العدة أم لا، تزوجت أم لم تتزوج، وهو مذهب مالك والليث!! وحجتهم الرواية الآتية عن عثمان ﵁ وقد صحَّ خلافها كذلك كما سيأتي، واحتج هؤلاء جميعًا على توريثها بما يأتي: (أ) أن عثمان بن عفان: "ورَّث امرأة عبد الرحمن بن عوف بعد انقضاء العدة وكان طلَّقها مريضًا" (١). (ب) عن ابن أبي مليكة "أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبتُّها، ثم يموت وهي في عدتها؟ فقال ابن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف ابنة الأصبغ الكلبى فبتَّها ثم مات وهي في عدتها، فورَّثها عثمان، قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن ترث المبتوتة" (٢). (ج) عن ابن عمر قال: "طلَّق غيلان بن سلمة الثقفي نساءه، وقسَّم أمواله بين بنيه في خلافة عمر، فبلغ ذلك عمر، فقال: طلَّقت نساءك، وقسمت مالك بين بنيك؟ قال: نعم، قال: والله إني لأرى الشيطان فيما يسرق من السمع سمع بموتك، فألقاه في نفسك، فلعلك أن لا تمكث إلا قليلًا، وايم الله لئن لم تراجع نساءك، وترجع في مالك، لأورثهن منك إذا متَّ، ثم لآمرنَّ بقبرك فليرجمنَّ كما رجم قبر أبي رغال" (٣). قالوا: وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليهما فكان إجماعًا!! * بينما ذهب الشافعي -في الجديد- وابن حزم إلى أن الطلاق يقع وأنها لا ترث منه سواء مات في عدتها أو بعدها، لما يأتي: ١ - أنه طلَّق وهو بالغ غير مغلوب على عقله فجاز طلاقه كما لو كان صحيحًا.

стр. 1306

٢ - لأنه إذا طلقها بائنًا انقطعت الزوجية، ولا يجوز توريثها بلا سبب ولا نسب. ٣ - أن فتوى عثمان وعمر ﵄ معارضة بفتوى ابن الزبير وقد أجيب عن هذا بأن ابن الزبير لم يكن في ذلك الزمان من الفقهاء، إذ لم يعرف له قبل ذلك فتوى ولا شهرة بفقه!! ثم إنه قال في بعض الروايات: "لو كنت أنا لم أورثها" فأراد به: لعدم علمي إذ ذاك بأن الحكم الشرعي في حقها ذلك!! قلت: أما الوجه الأخير فيأباه السياق الذي قدمتُه من قوله: "وأما أنا فلا أرى أن ترث المبتوتة" وهذا واضح. ٤ - أن التعليل لعدم إيقاع الطلاق بأنه يُظَن أنه يريد ظلمهما والفرار من توريثها، فهذا الظن لا ينبغي أن تُبطل به الأحكام الشرعية، ثم إن هذا الظن موجود في حال صحته وقوته كذلك. * الراجح: لا يخلو الأمر -على التحقيق- من أحد أمرين: إما أن يكون الطلاق قد وقع فتنقطع الزوجية ويسقط التوارث، وإما أن لا يقع الطلاق ولا يعتد به في مرض الموت مطلقًا فالزوجية قائمة والتوارث ثابت، أما أن يكون طلاق تبث به بعض أحكامه دون بعض، فهذا خلاف الأصول. وعلى هذا، فمن جعل فتوى عثمان وعمر (١) ﵄ ولم يعتدَّ بمخالفة ابن الزبير لزمه أن يقول بعدم وقوع الطلاق، وأوجب لها الميراث. ومن لم يجعل ذلك حجة عمل بالأصل وهو وقوع الطلاق من المريض -كغيره- وسقوط التوارث، وهو الأقرب والله أعلم. * فائدتان: ١ - إذا طلقَّها طلاقًا رجعيًّا فمات في مرضه أو لم يمت فيه، أو ماتت هي، فإنهما يتوارثان بالاتفاق. ٢ - وإذا طلبت هي الطلاق أو قال لها: اختاري، فاختارت نفسها عليه، أو اختلعت، فقال الأوَّلون -إلا أبا حنيفة-: ترثه، وقال أبو حنيفة: لا ترث. قلت: قول أبي حنيفة هو مقتضى النظر، فإن طلبها الطلاق ورغبتها فيه ينفي معنى الفرار الذي لأجله أوجبوا لها الميراث، والله أعلم.

стр. 1307

* طلاق الكافر، هل يقع؟ فائدة هذه المسألة تظهر فيما إذا طلَّق الرجل -وهو كافر- زوجته تطليقتين ثم أسلم، فهل تُحسبان عليه ويبقى له عليها تطليقة واحدة؟ أو لا تُحسبان ويبقى له ثلاث؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين (١): الأول: يقع طلاق المشرك ويُحسب عليه، وهو مذهب جمهور العلماء، وحجتهم: ١ - أن النبي ﷺ أثبت نكاح المشرك وأقرَّ أهله عليه في الإسلام، فكذلك الطلاق، لأن الطلاق يثبت بثبوت النكاح ويسقط بسقوطه. ٢ - أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة على الراجح. الثاني: لا يقع طلاق المشرك ولا يُحسب عليه: وهو مذهب مالك وداود وابن حزم، وبه قال الحسن وقتادة وربيعة، وحجتهم ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ (٢). ٢ - حديث عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "الإسلام يهدم ما قبله" (٣). ٣ - أنه أسلم رجال على عهد النبي ﷺ ولم يكن يسألهم عن عدد تطليقاتهم قبل الإسلام وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم من المقال. ٤ - أن الأصل في جميع أفعال الكافر عدم الاعتبار بها، فخرج النكاح بإقراره ﷺ وبقي الطلاق على الأصل. قلت: وهذا هو الأقرب، والله أعلم. * طلاق الهازل: (أ) ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من تلفَّظ -ولو هازلًا أو لاعبًا- بصريح لفظ الطلاق، فإنه يقع طلاقه إذا كان بالغًا عاقلًا، ولا ينفعه حينئذٍ أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما أشبه ذلك، واحتجوا بما يلي:

стр. 1308

١ - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ (١). ٢ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جدُّهنَّ جدٌّ، وهزلهن جدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة" (٢). "قالوا: لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلًا، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله ، وذلك غير جائز، فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يُقبل منه أن يدَّعى خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له" (٣). ٣ - قال ابن القيم ﵀: " ... الهازل قاصد للفظ الطلاق غير مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلَّف الأسباب، وأما ترتب أحكامها فهو إلى الشارع وتكليفه، فإذا قصده رتَّب الشارع عليه حكمه جدَّ به أو هَزَل، وهذا بخلاف النائم والمبرسم والمجنون والسكران وزائل العقل، فإنهم ليس لهم قصد صحيح وليسوا مكلفين، فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصدها، وسر المسألة: الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يُرد حكمه، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشرع أربع: إحداها: أن يقصد الحكم ولا يتلفَّظ به. الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه. الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه. الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم. فالأوُليان لغو، والآخرتان معتبرتان، هذا الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه" اهـ (٤). (ب) وذهب مالك -وهو قول عن أحمد- وغيره إلى أن التلفظ بصريح الطلاق يشترط لوقوعه وجود النية والعلم باللفظ مع إرادة مقتضاه، واحتجوا بما يلي:

стр. 1309

١ - قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ (١). قالوا: فدلَّ على اعتبار العرز، والهازل لا عزم منه، وأجيب بأن الاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله، فإنها نزلت في المولى (٢). ٢ - قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " (٣). ثانيًا: الشروط المتعلِّقة بالمطلَّقة: يُشترط في المطلَّقة ليقع عليها الطلاق ما يلي: ١ - أن تكون الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حقيقة أو حكمًا (٤): كأن تكون المطلَّقة زوجة للمطلق، أو معتدَّة من طلاقه الرجعى. فإذا كانت معتدة من طلاق بائن أو فسخ، فذهب الجمهور إلى عدم وقوع الطلاق عليها لانقضاء النكاح بالبينونة والفسخ، وذهب الحنفية إلى أن المبانة بينونة صغرى في عدتها زوجة من وجه بدلالة جواز عودها إلى زوجها بغير عقد جديد أثناء العدة، وعدم حل زواجها من غيره قبل انقضاء العدة، فلهذا يجوز تطليقها. وإذا طلقت المرأة قبل الدخول والخلوة، فلا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ (٥). ويكون طلاقًا بائنًا فلا يلحقها طلاق آخر عند الحنفية والشافعية، فلو قال الرجل لزوجته التي لم يدخل ولم يختل بها: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) فلا تقع إلا طلقة واحدة لأنها بالتطليقة الأولى صارت بائنًا من زوجها، وأصبحت أجنبية، فلا يلحقها طلاق آخر. وقال المالكية والحنابلة: يقع بهذه الألفاظ المتتابعة ثلاث طلقات، لأنه نسق أي: غير مفترق، لأن الواو تقتضي الجمع ولا ترتيب فيها، فيكون الرجل موقعًا للثلاث جميعًا فيقعن عليها (٦)، إلا أنه إذا قصد بالثانية والثالثة تأكيد ما قبلها، فيُصدَّق -عند المالكية- قضاءً بيمين، وديانة بغير يمين.

стр. 1310

٢ - أن يُعيِّن الزوجُ المطلقة بالإشارة أو بالصفة أو بالنية: فأيُّها قدَّم جاز، فإن عيَّن المطلقة بالإشارة والصفة والنية وقع عليها الطلاق اتفاقًا، كأن يقول لزوجته التي اسمها زينب مشيرًا إليها قاصدًا طلاقها: (يا زينب، أنت طالق). وكذلك لو أشار إلى واحدة من نسائه دون أن يصفها بوصف، ولم ينو غيرها، يقع الطلاق اتفاقًا، وكذلك إذا وصفها بوصفها دون الإشارة ودون قصد غيرها، كأن يقول: (سلمى طالق). فإن قال: (إحدى نسائي طالق) ونوى واحدة ولم يُشر إلى إحداهن، فإنها تطلَّق دون غيرها. * وإن أشار إلى واحدة ووصف غيرها: كأن يقول لزوجته سلمى: (أنت يا زينب طالق) وكانت زينب زوجته كذلك، طُلِّقت المشار إليها (سلمى) دون الغائبة الموصوفة، قضاء عن الحنفية، للقاعدة: (الوصف في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبر) (١) وكذلك لو أشار إليها ووصفها بغير وصفها، فإنها تطلق للقاعدة السابقة. ثالثًا: الشروط المتعلقة بصيغة الطلاق: الأصل في الطلاق أن يعبَّر عنه باللفظ، وقد يُستعاض عن اللفظ في بعض الأحوال بالكتابة أو الإشارة. (أ) الطلاق باللَّفظ (٢): لفظ الطلاق إما أن يكون صريحًا أو كناية: فالصريح: هو الذي يُفهم منه -عند التلفظ به- معنى الطلاق، ولا يحتمل معنى آخر، لعدم استعماله إلا في الطلاق غالبًا، لغة أو عرفًا، كقول الرجل: (أنت طالق-طلقتك-أنت مطلقة) ونحو ذلك اتفاقًا. واستُعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ...﴾ (٣).

стр. 1311

وقوله : ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ...﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًّا على المتقين﴾ (٢). وقد ذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى اعتبار ألفاظ: الفراق والسراح كالطلاق في كونها صريحة في معنى الطلاق، لورود الثلاثة في كتاب الله بهذا المعنى: ففي ذكر الفراق بمعنى الطلاق: قال الله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ (٤). وفي ذكر التسريح بمعنى الطلاق، قال الله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿... وأسرحكن سراحًا جميلا﴾ (٦). قلت: الأظهر قول الحنفية والمالكية (٧) بأن ألفاظ الفراق والتسريح ليست صريحة وإنما هي كناية لأنهما يشترك في معناهما الطلاق وغيره، فقد قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ (٨). وقال سبحانه: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ (٩). وليس للتفرق هنا علاقة بالطلاق كما هو ظاهر. وكذلك قوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ... وسرحوهن سراحًا جميلًا﴾ (١٠). فذكر التسريح بعد الطلاق، وهو هنا بمعنى الإرسال كما قال كثير من أهل العلم (١١). فإذا كان كذلك فإن ألفاظ الفراق والتسريح تعتبر من الكنايات.

стр. 1312

وينبغي أن يُعلم أن "تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيمًا صحيحًا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للفظ لذاته، فرُبَّ لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين، أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان، والواقع شاهد بذلك، فهذا لفظ السَّراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحًا ولا كناية، فلا يسوغ أن يقال: من تكلم به لزمه طلاق امرأته، نواه أو لم ينوه!!، ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوى باطلة شرعًا واستعمالًا، أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به ألبتة، وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق ... " اهـ (١). * ولا تشترط النية في وقوع الطلاق الصريح: وكذلك إذا صرَّح بالطلاق ولو نوى نية مناقضة، فإنه يقع قضاءً، فلو أطلق اللفظ الصريح ثم قال: لم أنو به شيئًا، وقع الطلاق، ولو قال: نويت غير الطلاق، لم يصدق قضاءً، وصُدِّق ديانة، هذا إذا لم تَحُفَّ باللفظ من قرائن الحال ما يدل على صدق نيته في إرادة غير الطلاق، فإن وُجدت قرينة تدل على عدم قصده الطلاق صدق قضاءً أيضًا، ولم يقع به عليه طلاق، كالمكره والمخطئ على ما تقدم. وعلى هذا فيشترط -فقط- لمن أطلق اللفظ الصريح أن يفهم معناه ويختاره، لا أن ينوي إيقاعه فهذا لا يشترط في اللفظ الصريح. ٢ - وأما الكناية: وهو اللفظ الذي لم يوضع للطلاق خاصة، وإنما احتمله وغيره، فإذا لم يحتمله أصلًا لم يكن كناية، وكان لغوًا، ولم يقع به شيء (٢). ومثال اللفظ الكنائي، أن يقول الرجل: (سرحتُك-أنت مسرَّحة-فارقتك- أنت مفارقة). وكأن يقول: (اعتدِّى-واستبرئي رحمك- الحقي بأهلك- أنت خليَّة- أنت مُطْلَقة- بغير تشديد-ونحو ذلك) عند بعض العلماء (٣).

стр. 1313

ولابد من النية لوقوع الطلاق الكنائي: لأن اللفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يُصرف إلى الطلاق إلا بنية، وأما وقوعه بالنية فلأن اللفظ يحتمله فيصرف إليه بها. * فائدة: هل تَحل قرائن الحال محلَّ النية في وقوع الطلاق الكنائي؟ (١). فلو قال الرجل لزوجته في حال غضبع وشجاره معها: (الحقي بأهلك) (٢) ولم ينو الطلاق، فهل يقع؟ ١ - ذهب الحنفية وهو المعتمد عند الحنابلة أن القرائن تحل محلَّ النية في الطلاق الكنائي، فيقع الطلاق عندهم في هذه الحالة وإن لم ينوه (!!) ٢ - وأما المالكية والشافعية -وهو رواية عند الحنابلة- فلم يعتبروا قرائن الحال هنا، فلا يقع الطلاق عندهم باللفظ الكنائي إلا إذا نوى الطلاق. قلت: وهذا هو الأرجح، والله أعلم. * إذا طلَّق امرأته في نفسه ولم يتلفَّظ به لم يقع: لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (٣).

стр. 1314

وبهذا قال عامة أهل العلم (١). * إذا قال لامرأته: (أنت عليَّ حرام)، هل يقع طلاقًا؟ لم يقع في القرآن الكريم -صريحًا- ولا في سنة النبي ﷺ نصٌّ ظاهر صحيح يُعتمد عليه في حكم هذه المسألة، ولذا تجاذبها العلماء، واختلفوا فيها على أقوال كثيرة ذكر ابن حزم منها اثنى عشر وذكر ابن القيم ثلاثة عشر مذهبًا أصولًا تفرَّعت إلى عشرين مذهبًا (٢)، وأقرب هذه الأقوال أربعة: الأول: إن نوى به الطلاق وقع طلاقًا، وإن لم ينوه كان يمينًا، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك -في المدخول بها- والشافعي ورواية عن أحمد (٣)، على اختلاف بينهم في بعض الجزئيات والتفصيلات، وحجتهم: أن الطلاق نوع تحريم فصحَّ أن يكنى به عنه كسائر كنايات الطلاق لمن يشترط لوقوعه النية كما تقدم. فإن لم توجد نية الطلاق فهو يمين لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تيتغي مرضات أزواجك ... قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (٤). قال القرطبي: تحليل اليمين كفارتها. اهـ. الثاني: يقع ظهارًا نوى الظهار أو لم ينوه، ويكون فيه كفارة ظهار: وهو مذهب أحمد وقول للشافعي، وقد صح عن ابن عباس (٥). وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارًا، فالتحريم أولى، قال ابن القيم: وهذا أقيس الأقوال، ويؤيده أن الله تعالى لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأقوال والأفعال التي يترتب عليها التحريم، فإذا قال: (أنت عليَّ كظهر أمي، أو: أنت عليَّ حرام) فقد قال المنكر من القول والزور وكذب على الله تعالى، فإنه لم يجعلها عليه كظهر أمِّه ولا جعلها عليه حرامًا -فقد أوجب بهذا القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين، وهي كفارة الظهار (٦).

стр. 1315

الثالث: أنه يمين يكفَّر عنه بكفارة اليمين سواء نوى الطلاق أو غيره: وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور وبه قال أبو بكر وعمر وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم (١)، وحجة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ... قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (٢). ٢ - وسبب نزول الآية: تحريم النبي ﷺ على نفسه احتباسه عند بعض نسائه وشرب العسل. فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطئت أنا وحفصة أن أيَّتُنَا دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير (٣)؟ قال: "لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا" (٤). وفي لفظ للبخاري: فنزلت ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ...﴾ (٥). ٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "إذا حرَّم الرجل امرأته، فهي يمين يكفِّرها، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٦) " (٧). الرابع: أنه لغو وباطل ولا يترتب عليه شيء لا طلاق ولا يمين: وهو قول الظاهرية وأكثر أصحاب الحديث وأحد قولي المالكية وهو مروي عن ابن عباس وحجتهم ما يلي: ١ - حديث عائشة السابق، قال الحافظ: "واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم، وهو استدلال قوي لمن يقول: إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده، وحمل بعضهم قوله: (حلفت) على التحريم ولا يخفى بُعده" اهـ.

стр. 1316

قلت: وعليه يُحمل قول الله تعالى: ﴿وقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (١). أي تحلَّة الحلف لا أن التحريم يمين. ٢ - قال تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك ...﴾ (٢). فأنكر سبحانه تحريم ما أحله الله له والزوجة مما أحل الله، فتحريمها منكر والمنكر مردود لا حكم له إلا التوبة والاستغفار. ٣ - عن ابن عباس قال: "إذا حرَّم امرأته ليس بشيء، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٣) " (٤). ٤ - قال الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ (٥). فمن قال لامرأته -الحلال له بحكم الله تعالى- هي حرام، فقد كذب وافترى، ولا تكون عليه حرامًا بقوله، لكن بالوجه الذي حرمها الله به. ٥ - قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٦). وتحريم الحلال ليس في أمر الله فوجب ان يُردَّ. * الراجح: الذي يظهر لي بعد دراسة أدلة المذاهب في المسألة أن يقال: لا يخلو من قال لزوجته: (أنت عليَّ حرام) من أحد حالين: الأول: أن لا يكون نوى الطلاق بمعنى أنه أراد تحريم عين المرأة فالصحيح أن قوله لغو باطل لا يترتب عليه شيء لما تقدم في أدلة المذهب الرابع. الثاني: أن يكون نوى الطلاق بهذا القول، فالظاهر أنه لا مانع من إلحاق لفظ التحريم بالألفاظ الكنائية التي يقع بها طلاق عند وجود نيَّته، بناء على ما تقدم ترجيحه من أن الألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على مقاصدها، فإذا تكلَّم بلفظ دالٍّ على معنى، وقصد به ذلك المعنى ترتَّب عليه حكمه، ولذا ذكر الله تعالى

стр. 1317

الطلاق ولم يعيِّن له لفظًا، فعُلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فأيُّ لفظ جرى عرفهم به، وقع به الطلاق مع النية والله أعلم. وأما أنه يقع ظهارًا فلو كان صحيحًا، لكفَّر النبي ﷺ بكفارة الظهار، ولو فعل لاشتهر عنه ذلك، فدلَّ على أنه لم يفعل. (ب) الطلاق بالكتابة: إذا كان الرجل غائبًا، فكتب إلى زوجته بطلاقها، وقع الطلاق إذا نواه، عند جماهير أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم (١)، ويدلُّ على هذا: ١ - حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقَّها ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له، فقال: "ليس لك عليه نفقة" ... الحديث (٢). ٢ - عن الزهري قال: "إذا كتب إليها بطلاقها، فقد وقع الطلاق عليها، فإن جحدها استُخلف" (٣). ٣ - وعن الحسن البصري -في رجل كتب بطلاق امرأته ثم محاه قبل أن يتكلَّم- قال: "ليس بشيء إلا أن يمضيه أو يتكلم به" (٤). ٤ - وعن إبراهيم النخعي قال: "إذا خط الرجل بيده الطلاق فهو طلاق" (٥). ٥ - ولأن الكتابة حروف يُفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ونواه، وقع كاللفظ. بينما ذهب أبو محمد بن حزم ﵀ إلى أن الطلاق لا يقع إلا على اللفظ، وأما الكتابة فلا تكون عنده طلاقًا (!!) والحديث حجة عليه، فالصحيح وقوع الطلاق بالكتابة مع النية له، فإن لم ينو الطلاق لم يقع -عند الجمهور- "لأن الكتابة محتملة، فإنه قد يقصد بها تجربة القلم، وتجويد الخط، وغمَّ الأهل، فلم يقع ككنايات الطلاق، ولأنه لو نوى باللفظ غير الإيقاع لم يقع، فالكتابة أولى" (٦).

стр. 1318

وقد اشترط فقهاء الحنفية لوقوع الطلاق بالكتابة أن تكون: (مستبينة ومرسومة) ومعنى كونها مستبينة: أن تكتب على الصحيفة أو الحائط أو نحو ذلك بحيث يمكن فهمها وقراءتها ومعنى كونها مرسومة عندهم أن يكون الطلاق مصدرًا ومعنونًا، أي مرسلًا باسمها. فائدة: إذا أرسل إليها الطلاق عن طريق الوسائل الحديثة: كالفاكس أو الحاسب الآلي (الكمبيوتر) المرتبط بشبكة الإنترنت (البريد الإلكتروني) ونحو ذلك، فإن كان المرسل إليها صورة من خطِّه فيلحق بما تقدم تحريره. وإن كان بخط الآلة، فالذي يظهر أنه لا يقع حتى تتأكد من أن زوجها هو الذي أرسله وتأمن التزوير؛ لأنه يُبنى على ذلك اعتدادها واحتساب العدة من وقت صدور الطلاق، والله أعلم. فائدة: اشترط بعض أهل العلم إثبات الكتاب بشاهدي عدل أن هذا كتابه: فقد نقله ابن قدامة في «المغني» (٧/ ٢٣٩): «عن أحمد في رواية حرب في امرأة أتاها كتاب زوجها بخطِّه وخاتمه بالطلاق: لا تتزوَّج حتى يشهد عندها شهود عدول، قيل له: فإن شهد حامل الكتاب؟ قال: لا، إلا شاهدان، فلم يقبل قول حامل الكتاب وحده حتى يشهد معه غيره، لأن الكتب المثبتة للحقوق لا تثبت إلا بشاهدين ككتاب القاضي ...» اهـ. (جـ) الطلاق بالإشارة (١): من كان قادرًا على الكلام لا يصح طلاقه بالإشارة عند الجمهور - خلافًا للمالكية - وأما الأخرس، فالجمهور على وقوع الطلاق بإشارته، وقيَّده الحنفية - وهو قول عند الشافعية - بأن يكون عاجزًا عن الكتابة وإلا لم تجز إشارته؛ لأن الكتابة أدلُّ على المقصود، فلا يعدل عنها إلى الإشارة إلا لضرورة العجز عنها. الإشهاد على الطلاق استحب جماهير العلماء من السلف والخلف منهم الأئمة الأربعة وغيرهم أن يُشهد الرجلُ على طلاقه، لما فيه من حفظ الحقوق، ومنع التجاحد بين الزوجين، قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله﴾ (٢).

стр. 1319

وقد حملوا الأمر بالإشهاد في هذه الآية على أنه أمر ندب لا إيجاب، وقد يؤيد هذا الحمل: ١ - حديث ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مره فليراجعها ...» الحديث (١). وليس فيه الأمر بالإشهاد على الطلاق ولا على الرجعة. ٢ - وعن ابن عمر «أنه طلق امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها أشهد على رجعتها ودخل عليها» (٢). ٣ - أن الطلاق ورد في عدة آيات غير مقرون بالإشهاد، وكذلك في السنة. ٤ - أن الطلاق من حقوق الزوج، فلا يحتاج إلى بيِّنة كي يباشر حقه. ٥ - أنه كسائر الإشهاد. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الإشهاد على الطلاق مستحب غير واجب، إلا أن هذه دعوى غير مسلَّمة، فقد رُوي القول بوجوب الإشهاد عن علي بن أبي طالب (!!) وعمران بن حصين ﵄، وعطاء وابن جريج وابن سيرين، وهو القول القديم للشافعي - ثم استقر مذهبه على الاستحباب - وبه قال أبو محمد بن حزم، وهو مذهب أهل البيت ﵃، ويُستدل لهم بما يلي: ١ - ظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٣). وهو يقتضي الوجوب. ٢ - أن الله تعالى قد قرن في الآية بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، فكل من طلَّق ولم يشهد ذوي عدل أو راجع ولم يشهد ذوي عدل متعدٍّ لحدود الله تعالى (٤). ٣ - عن مطرف بن عبد الله: أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: «طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أُشْهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تعد» (٥).

стр. 1320

فدلَّ على أن السنة الإشهاد، لكن لا يخفى أنه لا يدل على الوجوب، لتردد كونه من سنته ﷺ بين الإيجاب والندب. قلت: لو قيل بوجوب الإشهاد على الطلاق وتوثيقه لم يكن هذا بعيدًا، بل ربما يتعيَّن ذلك لاسيما في هذا الزمان الذي خربت فيه الذمم، ورقَّ منه الدين، منعًا للتجاحد، وحسمًا لمادة الخلاف والنزاع، وما نسمع به ونراه مما تعج به محاكم الأحوال الشخصية من القضايا والحوادث الناجمة عن عدم توثيق الطلاق والإشهاد عليه، ليحملنا على القول بوجوبه وإثم تاركه. على أنه ينبغي التنبيه على أن هذا الإشهاد ليست شرطًا في صحة الطلاق وإنما قد يأثم تاركه، والله تعالى أعلم بالصواب. فائدة: إذا ادَّعت المرأة الطلاق على زوجها وأنكر الزوج (١): ههنا حالات: ١ - إذا لم يكن معها شاهد، لم تقبل دعواها، ولا يحلَّف الرجل بدعواها. ٢ - إذا أقامت شاهدي عدل على طلاقها، قضي لها بذلك. ٣ - إذا أقامت على الطلاق شاهدًا واحدًا، لم يكفها، ولا يؤخذ بيمينها مع الشاهد؛ لأن الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة، فلا يثبت الطلاق بذلك، وهل يُحلَّف الزوج؟ فيه قولان: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد إلى أنه يُحلَّف، فإنه حلف برئ من دعواها. وإن نَكَل (رفض الحلف) فهل يُقضى عليه بطلاق زوجته زوجته بالنكول مع شاهدها؟ فيه روايتان عن مالك، أصحهما أنه يُحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدَّعى عليه، ويؤيده حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل، استُحلف زوجُها، فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نَكَل فنُكُوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه» (٢). فدلَّ على أن النكول بمنزلة البيِّنة، فلما أقامت شاهدًا واحدًا - وهو شطر البيِّنة - كان النكول قائمًا مقام تمامها، والله أعلم.

стр. 1321

أنواع الطلاق يمكن تقسيم الطلاق إلى أنواعُ مختلفة بحسب النظر إليه: ١ - فهو من حيث الصيغة المستعملة فيه، على نوعين: صريح وكنائي، وقد تقدم الكلام عليهما. ٢ - ومن حيث الأثر الناتج عنه، على نوعين: رجعي وبائن. ٣ - ومن حيث صفته على نوعين: سُنِّي وبدعي. ٤ - ومن حيث وقت وقوع الأثر الناتج عنه على ثلاثة أنواع: مُنجَّز، ومعلَّق على شرط، ومضاف إلى المستقبل، وإليك تفصيل هذه الأنواع وما يتعلق بها من أحكام: أولًا: الطلاق الرجعي والبائن [١] الطلاق الرجعي: هو ما يجوز معه للزوج ردُّ زوجته في عدَّتها من غير استئناف عقد جديد، ولو من غير رضاها، ويكون ذلك بعد الطلاق الأول والثاني غير البائن إذا تمت المراجعة قبل انقضاء العدة، فإذا انتهت العدة صار الطلاق بائنًا، فلا يملك الزوج إرجاع زوجته المطلقة إلا بعقد جديد. مشروعية الرُّجعة: والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (١). والمراد بالإمساك بالمعروف هنا: مراجعتها وردُّها إلى النكاح ومعاشرتها بالمعروف وقال سبحانه: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحًا﴾ (٢). فدلَّ على أن أزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في مدة العدة، بشرط أن لا يقصدوا بمراجعتهن الإضرار بهن ليخالعوهن أو نحو ذلك. وظاهر الآية الكريمة أن كل أزواج المطلقات أحق بردهن من غير فرق بين الرجعية والبائن، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، قال تعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ

стр. 1322

تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). والطلاق قبل الدخول بائن، فإنه لا عدة للرجل عليها فيه، وإنما تكون الرجعة في العدة. وقد تقدم حديث ابن عمر أنه لما طلق امرأته في الحيض، قال النبي ﷺ لعمر: «مره فليراجعها» (٢). وأجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلَّق دون الثلاث والعبد دون اثنتين، أن لهما الرجعة في العدَّة (٣). حكمة مشروعية الرَّجعة: «إن الحاجة تمسُّ إلى الرجعة، لأن الإنسان قد يُطلِّق امرأته ثم يندم على ذلك، على ما أشار الربُّ بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ (٤). فيحتاج إلى التدارك، فلو لم تثبت الرَّجعة لا يمكنه التدارك لما عسى أن لا توافقه المرأة في تجديد النكاح، ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا» (٥) لذا شُرعت الرَّجعة للإصلاح بين الزوجين وهذه حكمة جليلة، فتبارك الله أحكم الحاكمين. فإن طلقها الثالثة: فإن المرأة تبين منه، وتحرم على زوجها فلا يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، قال تعالى: ﴿فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦). ويشترط أن يطأها الزوج وطأ صحيحًا، لحديث عائشة ﵂: أن امرأة رفاعة القرظي جاءت لرسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فارعة طلقني فبتَّ طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة، فقال ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسيلتك وتذوقي عسيلته» (٧).

стр. 1323

من أحكام الرَّجعة والطلاق الرجعي: شروط صحة الرَّجعة (١): ١ - أن تكون الرَّجعة بعد طلاق رجعي: (بعد الطلقة الأولى أو الثانية) سواء صدر من الزوج أو من القاضي، لأنها استئناف للحياة الزوجية التي قُطعت بالطلاق، فلولا وقوعه لما كان للرَّجعة فائدة، وهذا الشرط متفق عليه. ٢ - أن تحصل الرَّجعة بعد الدخول بالزوجة المطلقة: فإن طلقها قبل الدخول وأراد مراجعتها فليس له ذلك بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ (٢). وقد اعتبر الحنابلة - خلافًا للجمهور - الخلوة الصحيحة في حكم الدخول من حيث صحة الرَّجعة بعدها. ٣ - أن تكون الرَّجعة أثناء فترة المدَّة: فإن انفضت عدتها فلا يصح ارتجاعها باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ (٣). ولأن الرجعة استدامة ملك، والملك يزول بعد انقضاء العدة، فلا تتصور الاستدامة. ٤ - أن لا تكون الفرقة - قبل الرَّجعة - عن فسخ عقد النكاح. ٥ - أن لا تكون الفرقة بعِوَض: فإن كانت بعوض فلا تصح الرَّجعة، لأنها حينئذٍ تَبِين منه لافتدائها نفسها من الزوج بما قدمته له من عوض مالي ينهي هذه العلاقة. ٦ - أن تكون الرَّجعة منجَّزة: فلا يصح تعليقها على شرط أو إضافتها إلى زمن المستقبل، عند جمهور الفقهاء، قالوا: لأن الرجعة استدامة لعقد النكاح أو إعادة له، والنكاح لا يقبل التعليق والإضافة، فتأخذ الرَّجعة حكمه. الرَّجعة حق الزوج لا يملك إسقاطه (٤): الرَّجعة حق الزوج ما دامت المطلقة في العدة، سواء رضيت بذلك أم لم ترض، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ (٥). وهذا الحق للمرتجع أثبته الشرع له، فلا يقبل الإسقاط ولا التنازل عنه، فلو قال الزوج: (طلقتك ولا رجعة لي عليك، أو: أسقطت حقي في الرجعة) فإن حقه في الرجعة لا يسقط لأن إسقاطه يعد تغييرًا لما شرعه الله، ولا يملك أحد أن يغيِّر ما شرعه الله، والله سبحانه رتَّب حق الرجعة على الطلاق الرجعي في قوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (٦). وإذا كانت الرجعة حقًّا للزوج على مطلقته، فله أن يباشر هذا الحق فيردَّها، وله أن يراجعها ويتركها حتى تنقضي العدة فتبين منه، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ (٧). وقوله سبحانه: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (٨). وقد تجب الرَّجعة على الزوج: وذلك إذا طلَّقها طلقة رجعية أثناء حيضها كما سيأتي في الطلاق البدعي، إن شاء الله. ولا يشترط رضا المرأة في الرَّجعة: لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ (٩).

стр. 1324

فجعل الحق لهم، وقال سبحانه: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ (١). فخاطب الأزواج بالأمر، ولم يجعل للنساء اختيارًا؛ ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية، فلم يعتبر رضاها في الرجعة، كالتي في عصمته تمامًا. ولا يشترط في الرجعة ولي ولا صداق؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، والرَّجعة إمساك لها، واستبقاء لزواجها (٢). عدم خروج المطلقة الرجعية من بيتها (٣). إعلام الزوجة بالرَّجعة (٤): ذهب جمهور الفقهاء إلى أن إعلام الزوجة بالرجعة مستحب، لما فيه من قطع المنازعة التي قد تنشأ بين الرجل والمرأة، فربما تتزوَّج غيره بعد انقضاء العدة - وهي

стр. 1325

تظن أنه لم يراجعها - وحينئذٍ لو أثبت الزوج الرَّجعة بالبيِّنة فإنه يثبت زواجه الأول بمراجعتها، ويُفسخ زواجها الثاني وتعتد منه إن كان دخل بها ثم تعود للأول (١). وتكون هي عاصية بترك سؤال الزوج، ويكون هو مُسيئًا بترك إعلامها بالرجعة. ومع هذا لو لم يُعلمها صحت الرجعة؛ لأنها استدامة النكاح القائم وليست بإنشاء، فكان الزوج متصرفًا في خالص حقه، فلم يتوقف تصرُّفه على علم الغير. وذهب الظاهرية إلى وجوب إعلام الزوجة بالرجعة، فإن لم يعلمها لم يعتبر مراجًعا، لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ (٢) فالرجعة هي الإمساك، ولا تكون - بنص كلام الله تعالى - إلا بمعروف، ومن المعروف إعلامها، فإن لم يعلمها لم يمسك بمعروف ولكن بمنكر. ولقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ (٣) وإنما يكون البعل أحق بردها إن أرادوا إصلاحًا بنص القرآن، فإن كتمها الردَّ أو ردَّ بحيث لا يُبلغها، فلم يرد إصلاحًا بلا شك، بل أراد الفساد فليس ردًّا ولا رجعة أصلًا. قلت: وهذا هو الأرجح - في نظري - والأليق بمقاصد الشريعة وأصولها، وهو قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب- ﵁، فقد روي ابن حزم بسنده إلى عمر أنه قال - في امرأة طلقها زوجها فأعلمها ثم راجعها ولم يُعلمها حتى انقضت عدتها: «قد بانت منه» (٤). ويترتب عليه أن الرجل إذا أرجع زوجته دون إعلامها فتزوجت غيره بعد انتهاء عدتها، فإن الزواج الثاني يكون صحيحًا؛ لأن الرجعة لم تقع أصلًا، والله أعلم. هل تتزيَّن المطلقة الرجعية لزوجها، وماذا يرى منها؟ (٥) ذهب الشافعية والمالكية - في المشهور - إلى أنه لا يجوز للمطلَّقة طلاقًا رجعيًّا

стр. 1326

أن تتزيَّن لزوجها وأنه لا يستمتع منها بشيء، لأنها أجنبية عنه؛ ولأن النكاح يبيح الاستمتاع فيحرمه الطلاق لأنه ضدُّه، فإن وطئ الزوج المطلَّقة فلا حدَّ عليهما!! وقد صح نحو هذا عن عطاء، فعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما يحل للرجل من امرأته يُطلِّقها فلا يبتُّها؟ قال: «لا يحل له منها شيء ما لم يراجعها» (١). وذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أن المطلَّقة - رجعيًّا - تتزين لزوجها بما تفعله النساء لأزواجهن من أوجه الزينة واللبس، لترغيب الزوج في المراجعة، فلعله يراها في زينتها فتروق في عينه ويندم على طلاقها فيراجعها، وللزوج أن ينظر إلى ما شاء منها. واستدلوا على ذلك بأن المطلقة الرجعية في حكم الزوجة والنكاح قائم من وجه، وهو كونها في العدة، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ (٢) فسمَّاه الله بعلًا، قلت: وهو الأظهر للآية الكريمة، ولعدم الدليل على ما يمنع أو يحدد رؤية شيء من المرأة، لكن ذهب الفقهاء إلى أنه ينبغي أن يستأذن قبل أن يدخل عليها إذا كان لا ينوي الرَّجعة، والسبب في ذلك أنهّا قد تكون متجردة من الثياب فيقع نظره على موضع الجماع فيكون مراجعًا عند من اعتبر ذلك رجعة، وسيأتي قريبًا. أما إذا كان ينوي مراجعتها فلا بأس أن يدخل عليها، لأن في نيَّته مراجعتها فكانت زوجة له لاسيما وأن الرجعة لا تحتاج إلى موافقة المرأة. وقد صحَّ عن ابن عمر «أنه طلق امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليه إلا بإذنه، فلما راجعها أشهد على رجعتها ودخل عليها» (٣). هل يلحق المطلَّقة رجعيًّا طلاق في العدة؟ المطلَّقة الرجعية في حكم الزوجة التي في العصمة، ولذا فقد ذهب جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٤) إلى أنه يلحقها - في عدتها - طلاق الزوج، كما يلحقها ظهاره ولعانه وإيلاؤه، ويرث أحدهما الآخر، بل نقل ابن قدامة الإجماع على هذا (!!).

стр. 1327

بينما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الرجعية لا يلحقها الطلاق وإن كانت في العدة، واحتج بقوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ (١). وهو «يدلُّ على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة أي لاستقبال العدة (٢)، فمتى طلقها طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بَنَتْ على العدَّة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين ... ومن اخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدَّة، وما كان صاحبه مخيَّرًا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا مُنتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة، فلا يكون جائزًا، فلم يكن ذلك طلاقًا للعدة؛ ولأنه قال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ (٣). فخيَّره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي عدتها فيُسرِّحها بإحسان، فإذا طلَّقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يُسرِّح بإحسان» اهـ (٤). قلت: الظاهر أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف بين ابن تيمية والجمهور في مسألة: هل يقع طلاق الثلاث دفعه واحدة ثلاثًا أم واحدة؟ وسيأتي تحريرهُ إن شاء الله. كيفيِّةُ الرَّجعة: [١] الرَّجعة بالقَوْل (٥): لا خلاف بين أهل العلم في أن الرَّجعة تصحُّ بالقول الدالِّ عليها، كأن يقول لمطلَّقته وهي في العدة: (راجعتُك - ارتجعتك - رددتُك لعصمتي) وما يؤدي هذا المعنى، أو أن يقول ذلك بصيغة الغيبة: (راجعتُ امرأتي) ونحو ذلك.

стр. 1328

وألفاظ الرجعة منها ما هو صريح ومنها ما هو كناية. (أ) فالصريح: ما يدلُّ على الرجعة لا على غيرها، كالألفاظ المتقدمة، ولذا فإنها تقع بها الرجعة من غير احتياج إلى النية. (ب) والكناية: ما يدل على الرجعة ويحتمل معنى آخر غيرها، كأن يقول: (أنت عندي كما كنت - أنت امرأتي - رددتك - أمسكتُك) (١) ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ الكنائية تقع بها الرَّجعة إذا نوى بها ذلك وإلا لم تقع. [٢] الرجعة بالفِعْل (٢): اختلف أهل العلم في حصول الرَّجعة بأفعال مادية يقوم بها الزوج المرتجع تجاه مطلَّقته الرجعية، على أربعة أقوال: الأول: تحصل الرَّجعة بالجماع ومقدماته كلمسها أو تقبيلها بشهوة، سواء نوى الرجعة أو لم ينو، وكذلك بالنظر إلى فرجها - لا إلى غيره - وهذا مذهب الحنفية، وحجتهم: ١ - أن الرجعة استدامة للنكاح القائم من كل وجه فلا تختص بالقول؛ لأن الفعل قد يقع دالًا على الاستدامة. ٢ - والفعل الدال على استدامة النكاح لابد أن يختص بالنكاح ولا يجوز بغيره كالوطء والتقبيل واللمس بشهوة والنظر إلى الفرج بشهوة. وعندهم إذا حدثت هذه الأشياء من المرأة - كأن قبَّلته أو لمسته بشهوة - فتصحُّ الرجعة كذلك إذا لم يمنعها. الثاني: تحصل الرَّجعة بالجماع ومقدماته بشرط أن ينوي بذلك الرَّجعة: وهو مذهب المالكية، ولعلَّ حجتهم عموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٣).

стр. 1329

الثالث: تحصل الرَّجعة بالجماع فقط سواء نوى الرجعة أو لم ينوها: وهذا هو المذهب عند الحنابلة وهو الرواية المختارة عندهم عن أحمد، وهو قول ابن المسيب والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس والزهري والثوري والأوزاعي. واستدل الحنابلة على الرجعة بالوطء بما يلي: ١ - أن فترة العدة تؤدي إلى بينونة المطلقة من حيث إن انقضاء العدة يمنع صحة الرجعة، فإن وطئها في المدة عادت إليه كالإيلاء. ٢ - أن الطلاق سبب لزوال الملك ومعه خيار، فتصرف المالك بالوطء يمنع عمله كوطء البائع الأمة المبيعة مدة الخيار. واستدلوا على عدم حصول الرجعة بالأفعال دون الوطء بما يلي: ١ - أن مقدمات الوطء ونحوها إذا حدثت لا يترتب عليها عدة ولا يجب بها مهر فلا تصح بها الرجعة. ٢ - أن هذه الأفعال ليست في معنى الوطء، إذ الوطء يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة بخلافها. ٣ - أن ينظر إلى موضع الجماع أو اللمس يحدث من غير الزوج للحاجة، فلا تكون رجعة من هذه الجهة. واختلف الحنابلة في الخلوة الصحيحة هل تصح معها الرجعة؟! على قولين. الرابع: لا تحصل الرَّجعة إلا بالقول، لا بالوطء ولا بغيره: وهو مذهب الشافعية وأبي محمد بن حزم وحجتهم: ١ - أن الرجعة استباحة بضع مقصود بالقول فلم يصحَّ بالفعل مع القدرة على القول كالنكاح. ٢ - أن المرأة في الطلاق الرجعي تعتبر أجنبية عن الزوج - عند الشافعية فقط - فلا يحل له وطؤها، والرجعة في القدرة تعتبر إعادة لعقد الزواج (!!) وكما أنه لا يصح إلا بالقول الدال عليه فكذلك الرجعة. ٣ - ولأنه لم يأت بأن الجماع رجعة قرآن ولا سنة، ولا خلاف في أن الرجعة بالكلام رجعة. ٤ - أن الإمساك بالمعروف المأمور به ما عرف به ما في نفس الممسك الرادّ، ولا يعرف ذلك إلا بالكلام.

стр. 1330

الراجح: أقول: أما القول الأخير فلا أراه متجهًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (١). وقوله ﷺ لعمر - في شأن ابنه -: «مره فليراجعها» (٢) أعم من كون ذلك يختص بالقول، فلا يجوز تخصيص الرجعة بالقول دون الفعل إلا بدليل ولا دليل (٣). ثم الذي يظهر أن أعدل الأقوال في حصول الرجعة بالجماع أنه يقع به إذا نوى به الرجعة، كما ذهب إليه مالك وهو رواية عن أحمد وإسحاق وهو اختيار شيخ الإسلام. وأما حصول الرجعة بمقدمات الجماع، فلو قيل تقع بها الرجعة بشرط النية من الزوج لم يكن بعيدًا، وإلا فلا تقع بها الرجعة. الإشهاد على الرَّجعة (٤): قال الله سبحانه: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٥). والمراد بالإمساك بالمعروف: الرَّجعة. وقد أختلف أهل العلم في حكم الإشهاد على الرجعة على قولين: الأول: أن الإشهاد على الرَّجعة واجب، وهو مذهب الشافعي القديم وهو رواية ثانية عن أحمد، وأبي محمد بن حزم واختيار شيخ الإسلام، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٦). وهو ظاهر في الوجوب بمطلق الأمر، وهو ما فهمه عمران بن حصين.

стр. 1331

٢ - فقد سأله رجل عمن طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا ثم وقع بها ولم يُشهد فقال: «طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على ذلك ولا تعد» (١). ٣ - ولأن الرجعة استباحة بُضع مقصود فلم يصحَّ من عير إشهاد كالنكاح. ٤ - أن الله قد قرن - في الآية الكريمة السابقة - بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وقد قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ» (٢). الثاني: أن الإشهاد على الرَّجعة مستحب وليس بواجب: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - وهو الأظهر في المذهب، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحجتهم: ١ - الإشهاد يحب في النكاح لإثبات الفراش (الزوجية) وهو ثابت هنا، ثم إن الرَّجعة استدامة للنكاح وليس ابتداءً فلم تلزمها شهادة. ٢ - أن الرجعة حق للزوج لا يفتقر لقبول المرأة أو وليها فلم تجب فيه الشهادة. ٣ - قالوا: أما الأمر بالإشهاد في الآية الكريمة فمحمول على الندب لا الإيجاب لأمور: (أ) أنه كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (٣) والبيع يصح بغير إشهاد عند الجمهور. (ب) أن الإشهاد على الرجعة إنما هو للأمن من الجحود وقطع باب النزاع وسد باب الخلاف، فهو من باب الاحتياط. (جـ) أن الآية جعلت له الإمساك أو الفراق ثم ذكرت الإشهاد فعلم أن الرجعة تحصل قبل الإشهاد، وأنه ليس بشرط فيها. (د) لما كانت الفرقة حقًا للزوج وجازت بغير إشهاد، وكانت الرجعة حقًّا له وجب أن تجوز بغير إشهاد. الراجح: الذي يترَّجح لديَّ وجوب الإشهاد في الرَّجعة لظاهر الأمر في الآية الكريمة ولما تقدم من أدلة الفريق الأول، ولما فيه من منع إنكار الزوج ودوامه

стр. 1332

مع امرأته فيفضي إلى الحرام، ومنع إنكار الزوجة لتتزوَّج غيره بعد انقضاء العدة - بحجة عدم ارتجاعها - فتقع في الحرام، وهو أولى من إيجاب الإشهاد على الطلاق الذي رجَّحناه آنفًا، قال شيخ الإسلام: «ثم من العجب أن الله أمر بالإشهاد في الرجعة ولم يأمر به في النكاح، ثم يأمرون به في النكاح، ولا يوجبه أكثرهم في الرجعة!!» اهـ. اختلاف الزوجين في الرجعة (١): ١ - إذا اختلف الزوجان في حصول الرجعة: فادَّعى الزوج عليها أنه راجعها أمس مثلًا فأنكرت هي، صُدِّق إن كانت في العدة اتفاقًا؛ لأنه أخبر بما يملك استئنافه فلا يكون متهمًا في الإخبار. ٢ - فإذا قال بعد انقضاء العدة أنه كان راجعها في العدة، فأنكرت: (أ) فإن أثبت دعواه بالبيِّنة، صحت رجعته. (ب) فإن عجز الزوج عن الإثبات، فالقول قولها؛ لأنه ادَّعى مراجعتها في زمن لا يملك مراجعتها فيه. ٣ - وإذا قال الزوج للمعتَّدة: (قد راجعتُك) فقالت: (قد انقضت عدَّتي): (أ) فإن كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي المرأة انقضاء العدة عنده كافيًا لانقضاء العدة، قُبل قولها بيمينها، ولم تثبت الرجعة. (ب) وإن كانت هذه المدة لا تكفي لانقضاء العدة، بأن كانت أقل من مدة تنتهي فيها العدة شرعًا، لم يعتبر قولها، وتصح الرجعة، لظهور قرينة كذبها. قلت: ومن هنا ندرك أهمية الإشهاد والتوثيق للطلاق والرجعة، فلا ينبغي التهاون في ذلك، لاسيما في زمان الفتنة والله أعلم. فائدة: الطلاق الرجعي ينقص عدد التطليقات: تقدم أن الرجل يمتلك ثلاث تطليقات على زوجته، وهذه التطليقات تنقص بكل طلاق رجعيًّا كان أو بائنًا - ومراجعة الرجل امرأته في العدة لا تمحو احتساب تطليقه عليه، فإن كان طلقها الأولى ثم راجعها فقد بقي له اثنتان، وإن كان طلقها

стр. 1333

الثانية ثم راجعها بقي له تطليقة واحدة، وعلى هذا اتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (١). [٢] الطلاق البائن: وهو الذي لا يكون فيه للزوج حقُّ الرَّجعة على مطلَّقته، وهو على نوعين: بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى: (أ) الطلاق البائن بينونة صغرى: هو الذي لا يملك الزوج فيه أن يرجع مطلقته إليه إلا بعقد جديد ومهر جديد ويترتب على هذا النوع من الطلاق ما يلي: آثار وأحكام الطلاق البائن بينونة صغرى (٢): ١ - إزالة الملك لا الحل: بمعنى أنه تنقطع به رابطة الزوجية، فتصير أجنبية عنه، وتنتهي الحقوق الزوجية لكل منهما على الآخر - سوى النفقة للزوجة ما دامت في العدة إذا كانت حاملًا بلا خلاف، وفي وجوب نفقتها عليه إذا كانت غير حامل خلاف سيأتي بحثه. ولا يشترط لحلها لمطلِّقها أن تتزوَّج زوجًا آخر، وإنما للزوج أن يرجعها إلى عصمته (يتزوَّجها) بعقد ومهر جديدين (٣). ٢ - لا يملك المطلِّق حق الرجعة في العدة: ولكن له أن يتزوجها برضاها أثناء العدة (٤) وبعدها بعقد ومهر جديدين كما تقدم. ٣ - حلول المهر المؤجَّل: الذي لم يعيَّن في العقد لأن هذا أقرب الأجلين: الموت أو الطلاق، وقد تقدم في «أحكام الصداق». ٤ - لا ظهار ولا إيلاء ولا لعان ولا توارث بينهما: لوقوع البينونة بمجرد وقوع الطلاق (٥). ٥ - إنقاص عدد التطليقات: فالطلاق البائن بينونة صغرى ينقص عدد التطليقات التي يمتلكها الزوج المطلِّق على زوجته، فإذا أعادها بعقد نكاح جديد قبل أن تنكح زوجًا غيره، وكان قد طلقها تطليقة واحدة بائنة، عات بتطليقتين

стр. 1334

يملكهما عليها، وكذلك الحكم إذا أعادها بعقد جديد بعد أنكحت زوجًا غيره، وطلقها أو مات عنها قبل أن يدخل بها، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم (١). وأما ما عدا هذه الحالات ففيه خلاف في احتساب عدد التطليقات، يأتي تحريرهُ بعده في «مسألة الهدم» إن شاء الله. مسألة الهدم: ويُقصد بها: (إذا طلَّق الرجل امرأته مرة أو اثنتين فتزوجت بآخر، فطلَّقها الثاني، ثم رجعت إلى الأول، فهل تُحسب التطليقات الأولى من الثلاث وتعود إليه على ما بقي من الثلاث؟ أم أن زواجها بغيره قد هدم التطلقيات الأولى فيبقى لها عليها ثلاث كاملة؟). وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٢): الأول: تُحسب التطليقات في الزواج، فترجع إلى الزوج الأول على ما بقي من التطليقات: بمعنى أنه: إن كان طلقها واحدة عادت إليه وهو يملك عليها تطليقتين، وإن كان طلقها تطليقتين عادت إليه وهو يملك عليها تطليقة واحدة. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي وعمران بن حصين وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃، وبه قال ابن المسيب والحسن والثوري ومحمد بن الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول ابن المنذر، وحجتهم: ١ - أن الزواج الثاني هو الذي ينهي حرمة المطلقة ثلاثًا على زوجها الأول بدليل قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٣). ولا إنهاء للحرمة قبل ثبوتها، ولا ثبوت لها إلا بعد الطلاق الثلاث (٤).

стр. 1335

٢ - وفتوى عمر بذلك: فعن أبي هريرة قال: سألت عمر بن الخطاب عن رجل من أهل البحرين طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم انقضت عدَّتها، فتزوَّجها رجل غيره ثم طلَّقها أو مات عنها، ثم تزوجها زوجها الأول، قال: «هي عنده على ما بقي» (١). الثاني: الزواج الثاني هدم التطليقات الأولى، فترجع إلى الأول وله عليها ثلاث تطليقات: وهذا قول ابن عمر وابن عباس ﵄ وبه قال عطاء والنخعي وشُريح وأبو حنيفة وأبو يوسف وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وحجتهم: ١ - أن وطء الزوج الثاني مثبت لحل الزوجة لزوجها الأول بعقد جديد فيتسع لثلاث تطليقات كما يثبته لو كانت مطلقة ثلاثًا. ٢ - ولأن وطء الزوج الثاني يهدم التطليقات الثلاث [وهذا متفق عليه] لو أوقعها الأول، فأولى أن يهدم ما دونها من طلقة أو طلقتين. متى يقع الطلاق بائنًا بينونة صغرى؟ يقع هذا النوع من الطلاق في الحالات الآتية: ١ - الطلاق قبل الدخول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ (٢). فدلَّت الآية الكريمة على أن المطلَّقة قبل الدخول لا عدة عليها، فلا يملك المطلق رجعتها، ولا يكون طلاقًا رجعيًّا، بل يكون بائنًا، وعلى هذا إجماع أهل العلم (٣). فائدة: الطلاق بعد الخلوة وقبل الدخول حقيقة بائن عند الجمهور: لعدم الدخول الحقيقي فلا تجب فيه العدة، ولا يملك الزوج رجعتها، وأما
следующие страницы →