← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٢ - فقد سأله رجل عمن طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا ثم وقع بها ولم يُشهد فقال: «طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على ذلك ولا تعد» (١). ٣ - ولأن الرجعة استباحة بُضع مقصود فلم يصحَّ من عير إشهاد كالنكاح. ٤ - أن الله قد قرن - في الآية الكريمة السابقة - بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وقد قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ» (٢). الثاني: أن الإشهاد على الرَّجعة مستحب وليس بواجب: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - وهو الأظهر في المذهب، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحجتهم: ١ - الإشهاد يحب في النكاح لإثبات الفراش (الزوجية) وهو ثابت هنا، ثم إن الرَّجعة استدامة للنكاح وليس ابتداءً فلم تلزمها شهادة. ٢ - أن الرجعة حق للزوج لا يفتقر لقبول المرأة أو وليها فلم تجب فيه الشهادة. ٣ - قالوا: أما الأمر بالإشهاد في الآية الكريمة فمحمول على الندب لا الإيجاب لأمور: (أ) أنه كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (٣) والبيع يصح بغير إشهاد عند الجمهور. (ب) أن الإشهاد على الرجعة إنما هو للأمن من الجحود وقطع باب النزاع وسد باب الخلاف، فهو من باب الاحتياط. (جـ) أن الآية جعلت له الإمساك أو الفراق ثم ذكرت الإشهاد فعلم أن الرجعة تحصل قبل الإشهاد، وأنه ليس بشرط فيها. (د) لما كانت الفرقة حقًا للزوج وجازت بغير إشهاد، وكانت الرجعة حقًّا له وجب أن تجوز بغير إشهاد. الراجح: الذي يترَّجح لديَّ وجوب الإشهاد في الرَّجعة لظاهر الأمر في الآية الكريمة ولما تقدم من أدلة الفريق الأول، ولما فيه من منع إنكار الزوج ودوامه

стр. 1332

مع امرأته فيفضي إلى الحرام، ومنع إنكار الزوجة لتتزوَّج غيره بعد انقضاء العدة - بحجة عدم ارتجاعها - فتقع في الحرام، وهو أولى من إيجاب الإشهاد على الطلاق الذي رجَّحناه آنفًا، قال شيخ الإسلام: «ثم من العجب أن الله أمر بالإشهاد في الرجعة ولم يأمر به في النكاح، ثم يأمرون به في النكاح، ولا يوجبه أكثرهم في الرجعة!!» اهـ. اختلاف الزوجين في الرجعة (١): ١ - إذا اختلف الزوجان في حصول الرجعة: فادَّعى الزوج عليها أنه راجعها أمس مثلًا فأنكرت هي، صُدِّق إن كانت في العدة اتفاقًا؛ لأنه أخبر بما يملك استئنافه فلا يكون متهمًا في الإخبار. ٢ - فإذا قال بعد انقضاء العدة أنه كان راجعها في العدة، فأنكرت: (أ) فإن أثبت دعواه بالبيِّنة، صحت رجعته. (ب) فإن عجز الزوج عن الإثبات، فالقول قولها؛ لأنه ادَّعى مراجعتها في زمن لا يملك مراجعتها فيه. ٣ - وإذا قال الزوج للمعتَّدة: (قد راجعتُك) فقالت: (قد انقضت عدَّتي): (أ) فإن كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي المرأة انقضاء العدة عنده كافيًا لانقضاء العدة، قُبل قولها بيمينها، ولم تثبت الرجعة. (ب) وإن كانت هذه المدة لا تكفي لانقضاء العدة، بأن كانت أقل من مدة تنتهي فيها العدة شرعًا، لم يعتبر قولها، وتصح الرجعة، لظهور قرينة كذبها. قلت: ومن هنا ندرك أهمية الإشهاد والتوثيق للطلاق والرجعة، فلا ينبغي التهاون في ذلك، لاسيما في زمان الفتنة والله أعلم. فائدة: الطلاق الرجعي ينقص عدد التطليقات: تقدم أن الرجل يمتلك ثلاث تطليقات على زوجته، وهذه التطليقات تنقص بكل طلاق رجعيًّا كان أو بائنًا - ومراجعة الرجل امرأته في العدة لا تمحو احتساب تطليقه عليه، فإن كان طلقها الأولى ثم راجعها فقد بقي له اثنتان، وإن كان طلقها

стр. 1333

الثانية ثم راجعها بقي له تطليقة واحدة، وعلى هذا اتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (١). [٢] الطلاق البائن: وهو الذي لا يكون فيه للزوج حقُّ الرَّجعة على مطلَّقته، وهو على نوعين: بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى: (أ) الطلاق البائن بينونة صغرى: هو الذي لا يملك الزوج فيه أن يرجع مطلقته إليه إلا بعقد جديد ومهر جديد ويترتب على هذا النوع من الطلاق ما يلي: آثار وأحكام الطلاق البائن بينونة صغرى (٢): ١ - إزالة الملك لا الحل: بمعنى أنه تنقطع به رابطة الزوجية، فتصير أجنبية عنه، وتنتهي الحقوق الزوجية لكل منهما على الآخر - سوى النفقة للزوجة ما دامت في العدة إذا كانت حاملًا بلا خلاف، وفي وجوب نفقتها عليه إذا كانت غير حامل خلاف سيأتي بحثه. ولا يشترط لحلها لمطلِّقها أن تتزوَّج زوجًا آخر، وإنما للزوج أن يرجعها إلى عصمته (يتزوَّجها) بعقد ومهر جديدين (٣). ٢ - لا يملك المطلِّق حق الرجعة في العدة: ولكن له أن يتزوجها برضاها أثناء العدة (٤) وبعدها بعقد ومهر جديدين كما تقدم. ٣ - حلول المهر المؤجَّل: الذي لم يعيَّن في العقد لأن هذا أقرب الأجلين: الموت أو الطلاق، وقد تقدم في «أحكام الصداق». ٤ - لا ظهار ولا إيلاء ولا لعان ولا توارث بينهما: لوقوع البينونة بمجرد وقوع الطلاق (٥). ٥ - إنقاص عدد التطليقات: فالطلاق البائن بينونة صغرى ينقص عدد التطليقات التي يمتلكها الزوج المطلِّق على زوجته، فإذا أعادها بعقد نكاح جديد قبل أن تنكح زوجًا غيره، وكان قد طلقها تطليقة واحدة بائنة، عات بتطليقتين

стр. 1334

يملكهما عليها، وكذلك الحكم إذا أعادها بعقد جديد بعد أنكحت زوجًا غيره، وطلقها أو مات عنها قبل أن يدخل بها، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم (١). وأما ما عدا هذه الحالات ففيه خلاف في احتساب عدد التطليقات، يأتي تحريرهُ بعده في «مسألة الهدم» إن شاء الله. مسألة الهدم: ويُقصد بها: (إذا طلَّق الرجل امرأته مرة أو اثنتين فتزوجت بآخر، فطلَّقها الثاني، ثم رجعت إلى الأول، فهل تُحسب التطليقات الأولى من الثلاث وتعود إليه على ما بقي من الثلاث؟ أم أن زواجها بغيره قد هدم التطلقيات الأولى فيبقى لها عليها ثلاث كاملة؟). وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٢): الأول: تُحسب التطليقات في الزواج، فترجع إلى الزوج الأول على ما بقي من التطليقات: بمعنى أنه: إن كان طلقها واحدة عادت إليه وهو يملك عليها تطليقتين، وإن كان طلقها تطليقتين عادت إليه وهو يملك عليها تطليقة واحدة. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي وعمران بن حصين وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃، وبه قال ابن المسيب والحسن والثوري ومحمد بن الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول ابن المنذر، وحجتهم: ١ - أن الزواج الثاني هو الذي ينهي حرمة المطلقة ثلاثًا على زوجها الأول بدليل قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٣). ولا إنهاء للحرمة قبل ثبوتها، ولا ثبوت لها إلا بعد الطلاق الثلاث (٤).

стр. 1335

٢ - وفتوى عمر بذلك: فعن أبي هريرة قال: سألت عمر بن الخطاب عن رجل من أهل البحرين طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم انقضت عدَّتها، فتزوَّجها رجل غيره ثم طلَّقها أو مات عنها، ثم تزوجها زوجها الأول، قال: «هي عنده على ما بقي» (١). الثاني: الزواج الثاني هدم التطليقات الأولى، فترجع إلى الأول وله عليها ثلاث تطليقات: وهذا قول ابن عمر وابن عباس ﵄ وبه قال عطاء والنخعي وشُريح وأبو حنيفة وأبو يوسف وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وحجتهم: ١ - أن وطء الزوج الثاني مثبت لحل الزوجة لزوجها الأول بعقد جديد فيتسع لثلاث تطليقات كما يثبته لو كانت مطلقة ثلاثًا. ٢ - ولأن وطء الزوج الثاني يهدم التطليقات الثلاث [وهذا متفق عليه] لو أوقعها الأول، فأولى أن يهدم ما دونها من طلقة أو طلقتين. متى يقع الطلاق بائنًا بينونة صغرى؟ يقع هذا النوع من الطلاق في الحالات الآتية: ١ - الطلاق قبل الدخول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ (٢). فدلَّت الآية الكريمة على أن المطلَّقة قبل الدخول لا عدة عليها، فلا يملك المطلق رجعتها، ولا يكون طلاقًا رجعيًّا، بل يكون بائنًا، وعلى هذا إجماع أهل العلم (٣). فائدة: الطلاق بعد الخلوة وقبل الدخول حقيقة بائن عند الجمهور: لعدم الدخول الحقيقي فلا تجب فيه العدة، ولا يملك الزوج رجعتها، وأما

стр. 1336

ثبوت العدة عند الحنفية في الطلاق بعد الخلوة الصحيحة فهو للاحتياط وليس لثبوت حق الرجعة (١). ٢ - الطلاق على مال (الخُلع) عند الجمهور: الطلاق على مال يقع بائنًا عند الجمهور؛ لأن الزوجة ما دفعت المال لزوجها في الخُلع ليطلِّقها إلا لتملك نفسها وتخلص من قيد الزوجية، ولا يتأتَّى لها ذلك بجعل الطلاق رجعيًّا، بل بجعله بائنًا (٢). قلت: عدُّ الخلع طلاقًا بائنًا على معنى أن الزوج يعيد زوجته برضاها - بعده إذا أراد - إلى عصمته بعقد جديد ومهر جديد، صحيح لا غبار عليه، وإما أن يكون على معنى أنها طلقة تحسب عليه من الثلاث فلا؛ لأن الصواب أن الخلع فسخ وليس بطلاق فلا تحتسب من الثلاث طلاقًا لقول الجمهور كما سيأتي تحريره، والله أعلم. ٣ - بعض أحوال التفريق بين الزوجين: تقع طلاقًا بائنًا بينونة صغرى، كما في التفريق للعيب أو الضرر أو للإيلاء، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. تنبيه: الطلاق باللفظ الصريح الموصوف أو الكنائي على المدخول بها يقع رجعيًّا ولا يكون بائنًا على الراجح (٣): فلو قال لامرأته: (أنت طالق البتة - أنت طالق بائن) وقعت طلقة رجعية، لأنه لما قال: (أنت طالق) فقد أتى بصريح الطلاق، وأنه يستدعي الرجعة حيث أنها تعقب قوله، فلما قال (بائن) فقد أراد تمييز المشروع، وهو الرجعة، فيرد عليه؛ ولأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعيًّا، والاستمساك بهذا الأصل أولى من التحول عنه لوصف ألحقه المطلق بلفظ الطلاق، وهذا هو الموافق لحكمة تشريع الطلاق، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام (٤). وإذا كان الطلاق الصريح لا يقع إلا رجعيًّا، فالكناية - التي هي أضعف من التصريح لاحتمالها الطلاق وغيره - يكون الطلاق بها رجعيًّا بالأولى.

стр. 1337

ولأن الطلاق وضع شرعي لا يتأثر بالنية، فقصد البينونة بالكناية يكون تغييرًا للوضع الشرعي (١). (ب) الطلاق البائن بينونة كبرى: وهو الذي لا يملك منه الزوج إرجاع مطلقته لا في عدتها ولا بعد انتهائها إلا بعقد جديد ومهر جديد، وبعد أن تكون قد نكحت زوجًا آخر ودخل بها الثاني ثم فارقها بموته أو طلاقه ثم انتهت عدَّتها منه. ويشترط في النكاح الذي يحصل به التحليل للزوج الأول ما يلي: ١ - أن يكون نكاحًا صحيحًا ظاهرًا وباطنًا: ومعنى صحته ظاهرًا: استيفاء شروط انعقاد العقد وشروط صحته، فلو كان العقد فاسدًا لم يحصل به التحليل عند جماهير أهل العلم (٢). ومعنى صحته باطنًا: أن يكون المقصود منه تحقيق أغراض النكاح كتكوين الأسرة وإعفاف كل منهما نفسه وإنجاب الذرية، فإن قُصد به التحليل الأول لم يحصل التحليل كما تقدم هذا في «الأنكحة الفاسدة». ٢ - أن يجامعها الزوج الثاني: فلا يكفي مجرد العقد الصحيح بدون الدخول، على هذا اتفاق جماهير السلف والخلف - إلا ابن المسيب - وبهذا جاءت السنة: فعن عائشة ﵂: أن رفاعة القرظي تزوَّج امرأة، ثم طلقها، فتزوَّجت آخر، فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل الهُدبة، فقال: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك» (٣). والعُسيلة عند الجمهور: حلاوة الجماع التي تحصل بتغييب الحشفة في الفرج ولو من غير إنزال. وقد اشترط جمهور الحنابلة أن يكون الوطء حلالًا، فلو وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام لم يكن كافيًا لإحلال المرأة لزوجها الأول، والصواب - الذي اختاره ابن قدامة - أنه يكفي لأن هذا واجد للعُسيلة وداخل في عموم قوله تعالى:

стр. 1338

﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١). ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام، فأحلَّها كالوطء الحلال، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك (٢). أحكام وآثار هذا الطلاق: ١ - تترتب على هذا النوع من الطلاق الآثار التي تترتب على البائن بينونة صغرى، وقد تقدمت. ٢ - لا تحل للزوج إلا إذا تزوجت غيره زواجًا صحيحًا على النحو المتقدم بيانه، ثم يفارقها بموت أو طلاق، وتعتد منه. فائدة: الزواج الثاني يهدم الطلقات الثلاث: فإذا تزوجت زوجها الأول بعد مفارقة الثاني وقضاء العدة من زواجه، فإن زوجها الأول يملك عليها ثلاث تطليقات جديدة بإجماع أهل العلم (٣). متى يقع الطلاق بائنًا بينونة كبرى؟ يقع هذا النوع من الطلاق إذا كان مكملًا للطلقات الثلاث، لقوله تعالى: ﴿طَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ ... فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤). وعلى هذا إجماع أهل العلم (٥). هل يقع الطلاق بائنًا بينونة كبرى بلفظ الثلاث أو ثلاثًا في مجلس واحد؟ كأن يقول الرجل لامرأته: (أنت طالق ثلاثًا، أو: طالق طالق طالق) وهذه مسألة شهيرة، وفيها خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال مشهورة، أذكرها مع أدلة كل فريق ومناقشة ما تيسَّر من ذلك، نظرًا لأهميتها وعموم البلوى بها (٦):

стр. 1339

القول الأول: أن هذا الطلاق مباح، ويقع ثلاثًا: وهو قول الشافعي والرواية القديمة عن أحمد وابن حزم. القول الثاني: أن هذا الطلاق محرَّم، لكنه يقع ثلاثًا: وهو قول أبي حنيفة ومالك والرواية المتأخرة عن أحمد، وهو منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين. فاتفق الطائفتان على وقوع هذا الطلاق ثلاثًا، وهو قول الجماهير من السلف والخلف واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١). قالوا: فهذا الطلاق يقع على الثلاثة المجموعة وغير مفرقة (٢). وأُجيب: بأن الآية الكريمة لا علاقة لها بإباحة الثلاث مجموعة أو مفرقة، لأن موضوعها بيان حرمة المطلقة في تطليقها الثالثة على مطلقها حتى تنكح زوجًا غيره. ٢ - قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٣)، قالوا: فعلمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، فيجوز الجمع بين الثلاث!! وأجيب: بأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرَّتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد به الطلاق الذي يملك بعده الرجعة كما فسَّره جماهير المفسِّرين (٤). ٣ - حديث سهل بن سعد في قصة تلاعن عويمر العجلاني وزوجته في حضرة النبي ﷺ ، وفيه: «قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ فلما فرغا، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ » قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (٥).

стр. 1340

قالوا: فلم يُنكر النبي ﷺ عليه إيقاع الطلقات الثلاث مجموعة، ولو كان ممنوعًا أنكره، ولو أن الفرقة وقعت بنفس اللعان. وأُجيب: بأن هذا لا حجة فيه، لأن الزوجة بعد اللعان تحرم على زوجها تحريمًا مؤبدًا، فما ذاد الطلاق الثلاث هذا التحريم إلا تأكيدًا وقوة، ثم إن هذا الطلاق قد وقع على أجنبيه لوقوع الفرقة بينهما باللعان. ويؤيد هذا قول سهل في الرواية الأخرى: «طلقها ثلاثًا فأنقذه رسول الله ﷺ » (١) فدلَّ على أنه احتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ ، واختصاص الملاعن بذلك. ٤ - حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها ثلاثًا، ثم انطلق إلى اليمين، فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس لها نفقة، وعليها عدة» (٢). ٥ - وحديث عائشة: أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجت، فطلقت، فسئل رسول الله ﷺ ، أتحلُّ للأول؟ قال: «لا، حتى يذوق عُسَيْلتها كما ذاق الأول» (٣). قالوا: فلم ينكر النبي ﷺ في الحديثين - تطليقهما ثلاثًا!! وأُجيبَ: بأن التطليق ثلاثًا الوارد في الحديثين، لم يكن مجموعًا، لأن زوجها كان قد طلقَّها تطليقتين من قبل ثم طلقها آخر الثلاث، كما جاء في بعض روايات حديث عند مسلم: «فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ..». ولأن الحال عندهم كان معلومًا منه أن قوله (ثلاثًا) إنما تكون واحدة بعد واحدة، وهذا هو مقتضى اللغة والشرع. ٦ - ما رُوي: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك وقال: والله ما أردتُ إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : «والله ما أردتَ إلا

стр. 1341

واحدة؟» فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردَّها إليه رسول الله ﷺ ، فطلَّقها الثانية في زمن عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان» (١). قالوا: فقد أحلفه النبي ﷺ أنه أراد بالبتة واحدة، فدلَّ على أنه لو أراد بها أكثر لواقع ما أراده، ولو لم يفترق الحال لم يحلفه. وأجيب: بأن هذا الحديث مضطرب لا يصح وقد أعلَّه الأئمة كأحمد والبخاري وغيرهم (٢)، ثم إن في بعض طرقه: أنه طلقها ثلاثًا في مجلس واحد، فقال ﷺ : «في مجلس واحد»؟ قال: نعم، قال: «فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت» وهو ضعيف كذلك وإن كان أمثل الطرق!! ٧ - ما يُروي عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن داود بن عبادة عن أبيه عن جده قال: طلق جدِّي امرأةً له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله- ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : «ما اتقى الله جدُك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذَّبه، وإن شاء غفر له» (٣) وأجيب: بأنه باطل لا يحتج به. ٨ - وما يُروى عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأة وهي حائض، ثم أراد أن يُتبعها بتطليقتين أخريين عند القرءين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يا ابن عمر، ما هكذا أمرك الله، أخطأت السنة» ... فقلت: يا رسول الله، لو كنت طلقتها ثلاثًا، أكان لي أن أجمعها؟ قال: «لا، كانت تبينُ، وتكون معصية» (٤). وأجيب عن الحديث بأنه منكر، لا يصح. ٩ - وما يُروى عن معاذ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ألزمناه بدعته» (٥).

стр. 1342

وأجيب: بأنه حديث باطل. ١٠ - وعن مجاهد: أن ابن عباس سئل عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: «عصيت ربك، وفارقتك امرأتك» (١) وفي لفظ: أن رجلًا طلق ألفًا، قال: «يكفيك من ذلك ثلاث». قالوا: فتوى ابن عباس تدل على أن من طلق زوجته ثلاثًا مجموعة بانت منه. وأجيب: بأن هذه فتواه ورأيه، لكنه قد روي أن طلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ يقع واحدة - كما سيأتي - والحجة فيما رواه مرفوعًا لا في رأيه وفتواه كما هو مقرر في الأصول. ١١ - أن وقوعه ثلاثًا قد انعقد الإجماع عليه في عهد عمر، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالف فيه (!!). وأجيب: بأنه ليس في المسألة إجماع، فالنزاع فيها قديم، والقول بوقوعها واحدة كان معروفًا في عهد أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر وهو مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. ١٢ - أن الله تعالى ملَّك الزوج ثلاث تطليقات، وجعل إيقاعها إليه، فإن جمع الثلاث فعلى القول بجواز ذلك فقد فعل ما أبيح له فيصح، وإن قلنا بتحريمه، فالشارع ملَّكه تفريق الطلقات الثلاث فسحة له، فإذا جمعها فقد جمع ما فسخ له في تفريقه، فلزمهُ حكمه كما لو فرَّقه. القول الثالث: أن هذا الطلاق محرَّم، ويقع واحدة رجعية: وهو منقول عن طائفة من الصحابة منهم: الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود وابن عباس (وروي عن ثلاثتهم خلافه) وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم كطاووس ومحمد بن إسحاق، وبه قال داود الظاهري وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وانتصر له شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٢). فبيَّن أن الطلاق الذي ذكره والطلاق

стр. 1343

الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها هو مرتان، مرة بعد مرة، كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين أو سبِّح ثلاث مرات أو مائة مرة، فلابد أن يقول: سبحان الله، سبحان الله، حتى يستوفى العدد، ولو قال: سبحان الله كذا مرة (مجملة) لم يكن سبِّح إلا مرة واحدة. فكذلك من قال لامرأته: (أنت طالق اثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو ألفًا) لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة (١). وأما قول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: «لقد قلتُ بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قُلته لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» (٢). فمعناه: أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك، وليس المراد أنه سبَّح تسبيحًا بقدر ذلك. فإذا أراد المطلق أن يغيِّر الصفة الشرعية للطلاق بأن يجعله سببًا لفرقة لا رجعة فيها بجمع الثلاث، لم يكن له ذلك لأنه من قبيل تغيير شرع الله ونسخه بعد وفاة رسول الله، وهذا لا يجوز، وعلى هذا يقع الطلاق طلقة واحدة رجعية وتُلغى الثلاث. وأجيب: بأن الطلاق بجمع الثلاث وإن كان منهيًّا عنه، ولكن هذا لا يمنع من وقوعه كالظهار، فإن الله قد سماه منكرًا من القول وزورًا، ولم يمنع ذلك من تحريم زوجته عليه حتى يفعل ما أمره الله به!! ورُدَّ عليه: بأنه لا يصح قياس الطلاق على الظهار، فإن الظهار محرَّم في نفسه، وهو جريمة رتَّب الشارع عليها جزاء هي الكفارة، بخلاف الطلاق (٣). ٢ - عن طاووس عن ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: «إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناه فلو أمضيناه عليهم» فأمضاه عليهم» (٤).

стр. 1344

وفي لفظ عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك (١)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟ فقال: «قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم» (٢). وقد اعتُرض على الحديث بأمور منها: الأول: الطعن في ثبوت الحديث: فادعى بعضهم شذوذ رواية طاووس، باعتبار تكاثر الروايات - الموقوفة (!!) - على ابن عباس بلزوم الثلاث، قالوا: ولا يُظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا ويفتى بخلافه، فيتعيَّن المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وأُجيب: بأن الأئمة الأثبات - كعمرو بن جريج - رووه عن ابن طاووس - وهو إمام - عن طاووس عن ابن عباس، ورواه إبراهيم بن ميسرة - وهو ثقة حافظ - عن ابن عباس، وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلًا إلا واحد، ثم إن العبرة برواية الصحابي لا برأيه. وعكَّر بعضهم: بأن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله ﷺ والمسلمون من بعده متوفرة لاسيما وقد غيَّر ذلك عمر ولم ينكر أحد من الصحابة، فكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: إما أن يكون الذي رواه طاووس عن ابن عباس ليس معناه أن الثلاث بلفظ واحد، وإنما ثلاثة ألفاظ في وقت واحد - وبهذا جزم النسائي وصححه النووي والقرطبي - فلا يكون هناك إشكال في تغيير عمر. وإما أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحاد مع توفُّر الدواعي إلى نقله (٣)، قال العلامة الشنقيطي ﵀: «والأول أولى وأخف من الثنائي» اهـ. قلت: (أبو مالك): أما الثاني فلا ينبغي أن يُضعَّف الحديث به لا سيما مع رواية الثقات الأثبات له وعدم صراحة ما يعارضه، وأما الأول فمحتمل، قال العلامة أبو الأشبال ﵀: «والذي نراه أن قول القائل: (أنت طالق ثلاثًا) لا يخرج عن أنه نطق بالطلاق مرة واحدة وأنه لا يصلح أن يكون موضع خلاف بين الصحابة أو غيرهم، وإنما الذي اختلفوا فيه وأمضاه عمر بن الخطاب، هو ما إذا قال لامرأته

стр. 1345

ثلاث مرات كررها: (أنت طالق) سواء كانت في مجلس واحد أو في مجالس متعددة ما دامت ف العدة، فهذا جعله عمر ثلاث تطليقات باعتبار أن الطلاق يلحق المعتدة، وهي قد صارت معتدة باللفظ الأول من التطليقات التي كررها المطلق ثلاث مرات، وكان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر: تعتبر المرة الأولى ثم لا يلحقها بعد ذلك المرتان اللتان بعدها لأنها معتدة، فلما تكرَّر في ألفاظ الصحابة والتابعين الكلام في وقوع الطلاق الثلاث أو عدمه فهم منه الفقهاء أن المراد هو لفظ (أنت طالق ثلاثًا) وهذا مما تنبو عنه قواعد اللغة وبديهة العقل ...» اهـ. المراد (١). قلت: يخرج بهذا التحقيق لفظ (أنت طالق ثلاثًا) من خلاف الصحابة، لكن بقي الخلاف في المسألة كما هو في إمضاء عمر لتكرار الثلاث في المجلس الواحد على خلاف ما كان في الصدر الأول، وهو ما نحن بصدد تحريره!! الاعتراض الثاني: دعوى أن حديث ابن عباس منسوخ وأن ابن عباس علم بالناسخ: فقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: «يُشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ المروي عنه بأن الثلاث تقع واحدة» قال البيهقي: ويقوى ما قاله الإمام الشافعي ما أخرج أبو داود عن ابن عباس قال: «كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك» (٢) إلا أنه لم يشتهر الناسخ فبقى الحكم المنسوخ معمولًا به إلى أن أنكره عمر. وأُجيب عن هذا: بأن هذه الرواية واردة بشأن ما كان عليه أمر المراجعة حيث كان الرجل يطلق امرأته يراجعها بغير عدد فنُسخ ذلك وقصر على ثلاث فبها تنقطع الرجعة، ثم كيف يستمر العمل بالمنسوخ على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ولا تعلم الأمة بالناسخ، وهو من أهم الأمور المتعلقة بحلِّ الفروج؟! ثم كيف يقول عمر: «إن الناس قد استعجلوا في شيء قد كانت لهم فيه أناة» وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟ ثم إن عمر لم يذكر علمه بالناسخ، وإنما ذكر رأيه فيما ذهب إليه وتبرير هذا الرأي، ولو كان هناك ناسخ لذكره وبينه، إذ في بيانه ما يكفي ويغني عن تعليل رأيه. الاعتراض الثالث: أن حديث ابن عباس محمول على الحكم في غير المدخول بها: ولا يتعلق بالمدخول بها لما جاء في رواية لأبي داود أنه لما قال القائل لابن

стр. 1346

عباس: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا [قبل أن يدخل بها] جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من إمارة عمر؟ قال: «بلى» (١). وأيَّدوا هذا بأن غير المدخول بها إذا قال لها زوجها: (أنت طالق) فقد بانت منه فإذا أضاف كلمة (ثلاثًا) لغا العدد لوقوعه بعد البينونة. وأُجيب عنه: بأن زيادة [قبل أن يدخل بها] منكرة لا تصح، وعلى فرض ثبوتها فإنها لا تمنع صدق رواية مسلم لحديث ابن عباس على المطلقة بعد الدخول، لأن غاية ما في رواية أبي داود - إن صحت - أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد العام في رواية مسلم، وهذا لا يوجب تخصيصها بها كما هو مقرر في الأصول (٢). ثم يرد على ما قالوه: أن قول الرجل لزوجته غير المدخول بها: (أنت طالق ثلاثًا) كلام متصل غير منفصل، فكيف يصح جعله كلمتين وإعطاء كل كلمة حكمًا؟!. الاعتراض الرابع: حمل حديث ابن عباس على صورة خاصة: وهي قول المُطلِّق: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) وأن قائل هذا في عهد النبي ﷺ لا استئناف الطلاق وتعدده فلم يريدوا تأسيس طلاق ثان وثالث، وكانوا لسلامة صدورهم - يصدَّقون بدعواهم، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع (!!) ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم. وأُجيب عنه: بأنه لو كان الحديث محمولًا على ما ذكروه لظلَّ الحكم بدون تغيير؛ لأن المدار إذا كان على قصد التأكيد فتقع الثلاث واحدة، وإن كان على قصد التأسيس فتقع ثلاثًا، فإن الحكم يترك لنية المطلق وينبغي تصديقه، سواء كان برًّا أو فاجرًا؛ لأن الطلاق حقه، واللفظ يحتمل التأكيد والتأسيس، والسبيل لحمل

стр. 1347

اللفظ على أحدهما ما نواه، ونيَّته تعرف عن طريقه وما يدَّعيه، وإن كان ادعاء التأكيد لا يقبل في أحكام الدنيا، فإنه لا يقبل من البر كما لا يُقبل من الفاجر. ثم إنه لا وجه مقبول للقول بأن الخداع كثر في الناس في زمان عمر؛ لأن الناس في زمنه هم أصحاب النبي ﷺ في غالبيتهم العظمى، ومن وُجد فيهم من التابعين فهم تلامذتهم، وزمان عمر هو خير الأزمان بعد زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر فكيف يصح القول بكثرة الخداع فيهم؟ غاية ما في الأمر أنه أسلوب لإيقاع الطلاق - قد يقع من البعض، خلافًا للأسلوب الشرعي لأنهم غير معصومين، وهذا لا يقدح في عدالتهم ولا يعني الخداع منهم. الاعتراض الخامس: حمل حديث ابن عباس على تغيُّر عادات الناس: فقالوا: الطلاق الذي يوقعه الناس في زمن عمر بصيغة الثلاث، كانوا يوقعونه قبل ذلك واحدة بقول المطلق (أنت طالق) لأنهم ما كانوا يستعملون الثلاث أصلًا أو كانوا يستعملونه نادرًا، فلما كثر استعمالهم للفظ الثلاث في زمن عمر أمضاه عليهم وأجازه، فلم يفعل عمر أكثر من تنفيذه حكم الثلاث عليهم وهو حكم مقرر شرعًا له، وعليه يكون حديث ابن عباس واردًا لبيان اختلاف عادات الناس في كيفية أو صيغة الطلاق، وليس في وقوعه حسب الكيفية. وأجيب عنه: بأن الناس ما زالوا يطلقون واحدة أو ثلاثًا، وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله ثلاثًا، فمنهم من ردَّها النبي ﷺ إلى واحدة، ومنهم من أنكر عليه وغضب عليه لإيقاعه الطلاق ثلاثًا وجعله متلاعبًا بكتاب الله ولم يعرف ما حكم به عليه (١). ثم إن قول عمر: «فلو أمضيناه عليهم» يدلُّ على أن الطلاق الثلاث في عصر النبي ﷺ وأبي بكر لم يُعتبر وقوعه ثلاثًا - رغم استعماله - حتى رأى عمر ذلك. ٣ - (من أدلة التابعين) أمثل طرق حديث ابن عباس - في قصة ركانة - قال: طلَّق ركانة بن يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : «كيف طلَّقتها؟» قال: طلَّقتها ثلاثًا، قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم، قال: «فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت» (٢).

стр. 1348

وأجيب: بأن للحديث لفظًا آخر: أنه طلَّق امرأته البتة وقال: ما أردت إلا واحدة فردَّها عليه واحدة، قلت: الحديث ضعيف لاضطرابه على كل حال كما تقدم بيانه. ٤ - ما ورد عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال سمعت محمود بن لبيد قال: «أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: «أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل وقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟» (١). قالوا: فكيف يُظن برسول الله ﷺ أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره في شرعه وحكمه وأنفذه؟ وقد جعله مستهزئًا بكتاب الله تعالى؟! وهو صريح في أن الله تعالى لم يشرع جمع الثلاث ولا جعله من أحكامه. وأُجيب عن الحديث: بأن قد أُعلَّ بعلتين: الأول: أنه مرسل إذ أن محمود بن لبيد لم تثبت له صحبة على قول بعض أهل العلم (!!) والثانية: أن مخرمة بن بكير مُتكلَّم في سماعه من أبيه. قلت: أما سماع محمود بن لبيد من رسول الله ﷺ فالصحيح ثبوته، فقد روي أحمد (٥/ ٤٢٧) بسند حسن عن محمود بن لبيد قال: «أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب في مسجدنا فلما سلَّم منها قال: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» وقد تقدم في الصلاة. وأما سماع مخرمة بن بكير من أبيه فقد صرَّح غير واحد من أهل العلم بأن روايته عنه منقطعة. ٥ - عن ابن عباس قال: «إذا قال: (أنت طالق ثلاثًا) بفم واحد، فهي واحدة» (٢). ٦ - وَوَجَّهوا إمضاء عمر ﵁ الثلاث بلفظ واحد بأن عمر «لما رأى الناس قد أكثروا مما حرَّمه الله عليهم من جميع الثلاث، ولا ينتهون من ذلك إلا بعقوبة، رأى عقوبتهم بإلزامهم بها لئلا يفعلوه، إما من نوع التعزير العارض الذي يُفعل عند الحاجة، وإما ظنَّا أن جعلها واحدة كان مشروطًا بشرط وقد زال» (٣).

стр. 1349

«والذي يُحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على الأربعين في الخمر، وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازمًا، وتارة غير لازم، وأما القول بكون الثلاث شرعًا لازمًا كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي» (١). «ولا يجوز لأحد أن يظن بالصحابة أنهم بعد رسول الله ﷺ أجمعوا على خلاف شريعته - بل هذا من أقوال أهل الإلحاد - ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول بإجماع أحد بعده، كما يظن طائفة من الغالطين، بل كل ما أجمع عليه المسلمون فلا يكون إلا موافقًا لما جاء به الرسول لا مخالفًا له، بل كل نص منسوخ بإجماع الأمة، فمع الأمة النص الناسخ له، تحفظ الآن النص الناسخ كما تحفظ المنسوخ، وحفظ الناسخ أهم عندها» (٢). الترجيح: بعد هذا العرض لطرف من أدلة الفريقين وما نوقشت به، فإنه يتبيَّن للباحث أن المسألة من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، ولا ينبغي لأحد من الطائفتين أن يشدد النكير على الآخر. وإن كان الذي يبدو لي أن أقوى الأدلة على الإطلاق حديث ابن عباس المتقدم، ولم يأت من حاول التخلص منه بحجة تُنفق، فالذي يترجَّح لدي هو أن طلاق الثلاث - ولو بالتكرار لقوله (أنت طالق) - لا يقع إلا واحدة رجعية، على أنني أقول: هذا هو الأصل، لكن لو رأى القاضي المصلحة في إيقاع هذا النوع ثلاثًا من باب التعزير ونحوه، فله في فعل عمر وإقرار الصحابة متنفَّس وهذا هو الذي تُعمل فيه جميع الأدلة حسب مواردها، والله تعالى أعلم بالصواب. ثانيًا: الطلاق السُّنِّي والبدعي ينقسم الطلاق من حيث وصفه الشرعي (أو من حيث كيفية إيقاعه) إلى سُنِّي وبدعي. والمراد بالسُّني: ما وافق السنة في كيفية إيقاعه، وليس المراد بهذا أن الطلاق بهذه الكيفية سنة!! فإن الطلاق تتناوله الأحكام الشرعية الخمسة كما تقدم.

стр. 1350

والبدعي: ما خالف السنة في ذلك. [١] طلاق السنة: وهو الطلاق الذي وافق أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وأُوقع على الوجه المأذون به شرعًا، والوجه الشرعي يتعلق بأمرين: وقت إيقاعه، وعدد الطلاق. (أ) الطلاق السني من حيث (وقت إيقاعه): أولًا: بالنسبة للمرأة المدخول بها ممن تحيض: يشترط لكون طلاق المرأة المدخول بها من ذوات القروء (ممن تحيض) شروط: ١ - أن يطلقها في طهر، لا في حيض ولا نفاس. ٢ - أن لا يكون جامعها في هذا الطهر قبل طلاقها. قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ (١). قال ابن مسعود: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾: بالطهر في غير جماع» (٢). وقال ابن عباس: «فطلقوهن لقُبل عدَّتهن» (٣). فالمراد من الآية الكريمة: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وسيأتي في حديث ابن عمر تفسير النبي ﷺ لهذه الآية. وعن نافع وسالم وعبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مُرْهُ فليراجعْها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء» (٤). وقد دلَّ الحديث على أن الرجل ينتظر أن تطهر المرأة طهرين - بعد الحيضة التي طلَّقها فيها - حتى يحلَّ له طلاقها.

стр. 1351

وقد رواه أكثر الرواة عن ابن عمر أنه يمكث حتى تطهر ثم يكون له أن يطلقها، ومن ذلك ما رواه يونس بن جبير عن ابن عمر أن النبي ﷺ «أمره أن يراجعها فإذا طهرت فأراد أن يُطلقها فليطلقها ...» (١). ولذا اختلف أهل العلم في الانتظار للطهر الثاني (٢) فذهب مالك - وهو أصح الوجهين عند الشافعية والأرجح عند الحنفية - والحنابلة في ظاهر المذهب - إلى وجوب ذلك وتحريم تطليقها الذي يعقب الحيضة التي طلقها فيها وهو اختيار شيخ الإسلام. واستندوا للرواية الأولى. بينما ذهب أحمد في رواية - ونسبه الصنعاني إلى أبي حنيفة - إلى أن الانتظار للطهر الثاني مستحب وليس بواجب، واستندوا للرواية الثانية. قلت: الرواية الأولى يرويها أثبت الناس في ابن عمر، والثانية يرويها الأكثرون، فيصعب ترجيح إحداهما، فالأَوْلى أن يجمع بينهما بما ذكره ابن قدامة في المغني من أنه: «إن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، واستحب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر». اهـ، ثم إن هذا القول يتأيَّد بحديث ابن عمر: «مرة فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا» (٣). وليس فيه التقييد بالانتظار للطهر الثاني، ثم لأن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال فوجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الذي بعده وكما يجوز في الطهر الذي لم تقدمه طلاق في الحيض والله أعلم. فائدة: وجه استحباب الانتظار للطهر الثاني: أنه إذا أمسكها إلى الطهر الثاني، فإن مقامها معه سيطول، وقد يجامعها في هذه الفترة، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيُقلع عن رغبته في طلاقها ويستقر على إرادة إمساكها.

стр. 1352

٣ - أن لا يطلقها - إذا طهرت - إلا بعد أن تغتسل: ففي رواية من حديث ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له النبي ﷺ : «مُرْ عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسَّها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تُطلَّق لها النساء» (١). قال الحافظ في قول: «فإذا اغتسلت من حيضتها»: هذا مفسِّر لقوله «فإذا طهرت» فليحمل عليه. اهـ (٢). ثانيًا: بالنسبة لغير المدخول بها: إذا تزوَّج الرجل المرأة فلم يدخل بها - وكانت ممن تحيض أو لا تحيض - فإنه يُباح له أن يطلِّقها متى شاء، وفي الطهر أو الحيض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٣). فغير المدخول بها ليس عليها عدة تطلق لها وتراعى في تطليقها فلا يشملها قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (٤). ثالثًا: بالنسبة لمن لا تحيض (لصغرها أو كبرها): وهذه يطلقها زوجها متى شاء سواء كان وطئها أو لم يكن وطئها، فإن هذه عدتها ثلاثة أشهر ففي أي وقت طلقها لعدتها، فإنها لا تعتد بقروء ولا بحمل (٥)، قال الله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٦). فدلت على أنه لا عدة لهما بالقروء حتى يُطلقها لعدتهما، فمتى وقع الطلاق ابتدأ حساب العدة وهي ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الطلاق.

стр. 1353

ولو جامع الصغيرة التي لم تحض أو الآيسة فالطلاق مشروع لأن العلة في تحريم الطلاق في الطهر الذي حصل فيه الجماع - في ذوات الأقراء - احتمال أن تحبل بالجماع فيندم، وهذا المعنى لا يوجد في الآيسة والصغيرة ولو وُجد الجماع، ولأن الإياس والصغير في الدلالة على براءة الرحم فوق الحيضة - في ذوات الأقراء - فلما جاز الإيقاع ثمة عقيب الحيضة فلأن يجوز هنا عقيب الجمع أولى» (١). رابعًا: بالنسبة للحامل التي تبيَّن حملُها: فإنها تُطلق في أي وقت شاء زوجها كذلك لما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (٢). فجعل عدة الحامل وضع الحمل، ووقت وضع الحمل مجهول لاختلاف النساء وأحوالهن، فلا يمكن تحديد وقت معيَّن تطلق فيه الحامل (٣). ٢ - حديث ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: «مره فليراجعها، ثم ليطلِّقها طاهرًا أو حاملًا» (٤). قال الخطابي: «فيه بيان أنه إذا طلَّقها وهي حامل فهو مطلق للسنة، ويطلقها في أي وقت شاء في الحمل، وهو قول كافة العلماء» اهـ (٥). ٣ - ويُروى عن ابن عباس أن قال: «الطلاق على أربعة منازل: منزلان حلال، ومنزلان حرام، فأما الحرام: فأن يطلقها حين يجامعها لا يدري أيشتمل الرحم على شيء أم لا، وأن يطلقها وهي حائض، وأما الحلال: أن يطلقها لأقرائها طاهرًا من غير جماع، وأن يطلقها حاملًا مستبينًا حملها» (٦). ٤ - ولأن مطلق الحامل التي استبان حملها قد طلق على بصيرة، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم، كما أنها ليست مرتابة في عدَّتها، لعدم اشتباه الأمر عليها أنها حامل» (٧).

стр. 1354

(ب) الطلاق السني من حيث العدد: والجامع له أن يطلِّق طلقة واحدة، ولا يُتْبِعُها بأخرى أثناء العدة. أولًا: بالنسبة للمدخول بها ممن تحيض: يتحقق طلاق السنة بإيقاع طلقة واحدة على المرأة في طهر لم يجامعها فيه - كما تقدم - ويتركها حتى تنقضي عدتها (ثلاثة قروء) فتبين منه، ولا يتبعها طلاقًا آخر قبل انقضاء عدتها، فإن فعل فهو طلاق بدعة عند الجمهور خلافًا للشافعي وابن حزم وقد تقدمت أدلة ذلك في مسألة «طلاق الثلاث المجموعة». ولو طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار [عند كل طهر طلقة واحدة] كان حكمه حكم جمع الثلاث في طهر، عند أحمد ومالك، وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد. وعند الحنفية: لا بأس بذلك وهو (حسن) عندهم (١). ثانيًا: بالنسبة لغير المدخول بها: فهي كالمدخول بها، فإذا طلق غير المدخول بها ثلاثًا كان طلاقه خلاف طلاق السنة (٢). ثالثًا: بالنسبة لمن لا تحيض (لصغر أو كبر): فهذه عدَّتها تكون بالأشهر كما قال تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣). فطلاق السنة لها أن يطلقها طلقة واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها بمضي ثلاثة أشهر من وقت طلاقها عند الجمهور، وعند الحنفية إن طلقها واحدة كل شهر فهو حسن، وهذا جائز عند الشافعية على قاعدتهم في إباحة جمع الثلاث كما تقدم. رابعًا: بالنسبة للحامل: فطلاق السنة أن تُطلق طلقة واحدة، لا تُتْبَعُ بأخرى حتى تنقضي عدتها وهي وضع الحمل، لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (٤).

стр. 1355

[٢] طلاق البدعة: وهو المخالف لطلاق السنة، سواء كانت المخالفة من جهة وقت إيقاع الطلاق، أو من جهة عدد التطليقات التي يوقعها. فإن طلق امرأته وهي حائض، أو طلقها بعدما طهرت لكن جامعها في هذا الطهر، أو طلقها ثلاثًا في طهر فهو طلاق بدعة، وهو محرم، يأثم فاعله في قول عامة أهل العلم. حكم الطلاق البدعي: ١ - هل يقع طلاق البدعة؟ تقدم فيما مضى تحرير حكم وقوع طلاق البدعة من حيث العدد، والمراد هنا تحرير: «هل يقع الطلاق في الحيض؟ وهل يحسب الطلاق في الحيض تطليقة؟» فأقول: اختلف أهل العلم في وقوع الطلاق في الحيض - بعد الاتفاق على أنه مُحرَّم يأثم فاعله - على قولين: الأول: أن الطلاق في الحيض يقع ويُحسب: وهو قول عامة أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم (١)، وحجتهم ما يلي: ١ - حديث ابن عمر في تطليقه امرأته وهي حائض وفيه قول النبي ﷺ لعمر: «مُرْه فليراجعها ...» (٢) والمراجعة لا تكون إلا من طلاق قد وقع. وأجاب المخالفون: بأن الأمر بالمراجعة لا يستلزم وقوع الطلاق، بل لما طلقها طلاقًا محرَّمًا حصل منه إعراض عنها ومجانبة لها، لظنه وقوع الطلاق، فأمره أن يردَّها إلى ما كانت عليه. ٢ - عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي ﷺ فقال: «ليراجعها» قلت - أي أنس لابن عمر -: تحتسب؟ قال: «فمه؟!» (٣). قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٢٦٥ سلفية): قوله (فمه) أصله (فما) وهو استفهام فيه اكتفاء، أي: فما يكون إن لم تحتسب، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية وهي كلمة تقال للزجر، أي: كفَّ عن هذا الكلام فإنه لابد من وقوع الطلاق

стр. 1356

بذلك. قال ابن عبد البر: معناه: فأي شيء يكون إذا لم يعتد بها؟ إنكارًا لقول السائل: (أيعتد بها؟) فكأنه قال: وهل من ذلك بد؟ (١). اهـ. ٣ - وعن يونس بن جبير قال سألت ابن عمر فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ قال: «مُره أن يراجعها ثم يطلق من قُبل عدتها» قلت - أي: يونس لابن عمر -: أفتعتد بتلك التطليقة؟ قال: «أرأيت إن عجز واستحمق» (٢). قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٥/ ٦٦) في قوله (أرأيت إن عجز واستحمق): بمعنى تعاجز عن فرض آخر من فرائض الله فلم يُقمه، واستحمق فلم يأت به، أكان يعذر فيه؟! اهـ. وقال النووي: معناه: أفيرتفع عنه الطلاق وإن عجز واستحمق؟ وهو استفهام إنكار وتقديره: نعم، تُحسب ولا يمتنع احسابها لعجزه وحماقته. اهـ. واعترض ابن القيم على هذا الاستدلال فقال: هذا رأي محض، ومعناه: أنه ركب خطة عجز، واستحمق، أي: أتى أحموقة وجهالة فطلق في زمن لم يؤذن له في الطلاق فيه ... وهذا ليس بدليل على وقوع الطلاق. اهـ (٣). وقد يجاب عن الاعتراض: بأنه في رواية أحمد (٢/ ٤٣) بسند صحيح قال يونس: فقلت لابن عمر: أيحسب طلاقه ذلك طلاقًا؟ قال: «نعم»، أرأيت إن عجز واستحنق» وفي رواية عنده أيضًا (٢/ ٧٩) أنَّه قال: «ما يمنعه؟ نعم أرأيت إن عجز واستحمق؟». ٤ - وأصرح مما تقدم، حديث ابن عمر قال: «حُسبتْ عليَّ بتطليقة» (٤). وفي رواية قال ابن عمر: «فراجعتها، وحَسَبْتُ لها التطليقة التي طلقتها» (٥). واعتُرض: بأنه ليس فيه ما يفيد رفع ذلك للنبي ظ، فقوله (حُسبت عليَّ) من الذي حسب؟ النبي ﷺ أو عمر ﵁؟ أو أنه هو الذي حسبه؟ (٦).

стр. 1357

وأجاب الحافظ عن الاعتراض فقال: وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيدًا جدًّا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وكيف يُتخِيَّل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيَّظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟! اهـ (١). قلت: وهذا الذي ذكره الحافظ يتأيد في الحديث الآتي: ٥ - عن نافع عن ابن عمر: «أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له فجعلها واحدة» (٢) وهو نصٌ في موضع النزاع فيجب المصير إليه ثم يتأيد كله بفتوى ابن عمر في هذه المسألة: ٦ - فعن نافع قال: «... فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض يقول: «أنا أنت طلقتها واحدة أو اثنتين، إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسَّها، وأما أنت طلَّقتها ثلاثًا فقد عصيب ربَّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك» (٣). ٧ - ولأنَّه طلاق من مكلَّف في محل الطلاق فوقع، كطلاق الحامل. ٨ - ولأن الطلاق ليس مما يتقرب به إلى الله تعالى فيُعتبر لوقوعه موافقة السنة، وإنما هو زوال عصمة فها حق لآدمي، فكيفما أوقعه وقع، فإن أوقعته لسنة هُدِىَ ولم يأثم، وإن أوقعه على غير ذلك أثم ولزم ذلك، ومحال أن يلزم المطيع ولا يلزم العاصي (٤). القول الثاني: أن الطلاق في الحيض لا يقع ولا يُحسب: وهو قول طاووس وعكرمة وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق وأهل الظاهر: داود وابن حزم، وهو مذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٥)، وحجة هذا القول: ١ - حديث أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن

стр. 1358

عمر قال: كيف ترى في رجل طلَّق امرأته حائضًا؟ قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ - فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردَّها عليَّ [ولم يرها شيئًا] وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك» (١). وأُجيب عنه: بأن زيادة (ولم يرها شيئًا) شاذة، وقد أطبق العلماء على تضعيفها منهم أبو داود والخطابي والشافعي وابن عبد البر (٢). ٢ - روي ابن حزم - ونقله عنه ابن القيم - عن نافع عن ابن عمر أنه قال - في الرجل يطلق امرأته وهي حائض -: «لا يعتد بذلك» (٣). وقد أُجيب: بأن هذا الأثر قد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٥) من نفس الطريق عن نافع عن ابن عمر - في الذي يطلق امرأته وهي حائض - قال: «لا تعتد بتلك الحيضة»!! فذكرها ابن حزم مختصرة وفرق بين اللفظين، فهذا معناه: لا يعتد بتلك الحيضة من أقرائها الثلاثة التي في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٤). وليس فيه تعرض لاحتساب التطليق أو عدمه (٥). ٣ - عن طاووس قال: «وجه الطلاق أن يطلقها طاهرًا من غير جماع وإذا استبان حملها» (٦). ٤ - عن خلاس بن عمرو أنه قال - في الرجل يطلق امرأته وهي حائض -: «لا يعتد بها» (٧). قلت: لا يخفى أن قول طاووس وخلاس رحمهما الله - إن ثبت - إنما يفيد في إثبات الخلاف بين السلف في المسألة، لكنه لا يُعدُّ دليلًا يستدل به.

стр. 1359

٥ - أن العبادات والعقود المحرَّمة إذا فعلت على الوجه المحرَّم لم تكن لازمة صحيحة، فإن النهي يقتضي الفساد، ولأنه طلاق منه منه الشرع فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة، وقد أطال ابن القيم بمعارضات كثيرة من هذا الجنس. وأجيب: بأن هذا قياس في معارضة النص - من صاحب القصة - فهو فاسد الاعتبار، وقد عورض هذا بقياس أحسن منه وهو ما تقدم نقله عن ابن عبد البر من أن الطلاق ليس من أعمال البر التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق لآدمي فكيفما أوقعه وقع ... اهـ. الراجح: من خلال الأدلة المتقدمة أن مذهب الجماهير من السلف والخلف من إيقاع الطلاق على الحائض هو الأقوى، والله أعلم. تنبيه: يترتب على هذا أنه تجب على المرأة العدة: إذا طُلِّقت في الحيض، وهي في هذه الحالة تعتدُّ بحيضة على النحو الذي تقدم بيانه. من طلَّق طلاق بدعة، هل يجب عليه مراجعتها؟ تقدَّم أن ابن عمر لما طلَّق امرأته وهي حائض، أخبر عمر بذلك رسول الله ﷺ فقال له: «مُرْهُ فليراجعها ...». وهو أمر استحباب عند أبي حنيفة والشافعي والأوزاعي وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النووي عن سائر الكوفيين وفقهاء المحدِّثين. وقال مالك وأصحابه: هي واجبة يُجبر عليها ما بقي من العدة شيء، وهذا هو الأصح عند الحنفية وبه قال داود الظاهري، وهو الأرجح عملًا بحقيقة الأمر، ورفعًا للمعصية بالقدر الممكن برفع أثره وهو العدة، ودفعًا لضرر تطويل العدة (١). ثالثًا: الطلاق المُنجَّز والمضاف والمعلَّق [١] الطلاق المُنَجَّز: وهو الطلاق الخالي في صيغته عن التعليق على شرط أو الإضافة إلى المستقبل، بل يقصد به المطلِّق وقوع الطلاق في الحال، كقوله (أنتِ طالق). حكمه: ينعقد هذا الطلاق سببًا للفرقة في الحال، ويعقبه أثره بدون تراخٍ ما دام

стр. 1360

مستوفيًا لشروطه، فإذا قال لها: (أنت طالق) طلقت للحال وبدأ عدَّتها - إن كانت من ذوات العدة - هذا مع ملاحظة الفارق بين البائن والرجعي. [٢] الطلاق المُضاف: هو الذي قُرنت صيغته بوقت، ويقصد المطلق بذلك وقوع الطلاق عند حلول ذلك الوقت، كقوله: (أنت طالق أول الشهر القادم - أو آخر النهار). حكمه: إذا طلق الرجل امرأته لأَجَل، بأن أضافه إلى المستقبل، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال (١): الأول: ينعقد الطلاق في الحال، لكن لا يقع إلا عند حلول الأجل المضاف إليه: وهو قول أبي عبيد وإسحاق والشافعي وأحمد وداود الظاهري وأصحابهم. الثاني: يقع الطلاق في الحال منجزًا: وهو قول ابن المسيب وأحد قولي أبي جنيفة والليث ومالك. الثالث: لا يقع لا في الحال ولا عند حلول الأجل: وهو مذهب أبي محمد بن حزم، وقد ناقش أدلة مخالفيه وفنَّدها، وانتصر لمذهبه بما حاصله: ١ - أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علَّمنا الله الطلاق على المدخل بها وغير المدخول بها، وليس هذا فيما علمنا ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢). ٢ - أن النكاح إلى أجل لا يجوز، فقياس الطلاق عليه أولى من قياسه على المداينة والعتق. ٣ - أن خلاف هذا القول يستلزم تحريم فرج بالظن على من أباحه الله تعالى له باليقين. [٣] الطلاق المعلَّق على شرط: وهو أن يعلِّق طلاق زوجته على حصول أمر، سواء كان هذا الأمر فعل المطلِّق أو المطلَّقة، أو لم يكن من فعل أحد. فإن كان من فعل المطلق أو المطلقة أو غيرهما سُمِّي «يمينًا» عند الجمهور

стр. 1361

مجازًا، لما فيه من معنى القسم، وهو: تقوية عزم الحالف أو عزم غيره على فعل شيء أو تركه، كأن يقول لزوجته: (إن خرجت من البيت فأنت طالق) أو: (إن سافرتُ أنا، فأنتِ طالق) أو (إن زارك فلان فأنت طالق). فإن كان الطلاق مُعلَّقًا على فعل أحد، كأن يقول لها: (أنت طالق إن طلعت الشمس) فإنه يسمى «تعليقًا» لا يمينًا لانتفاء معنى اليمين، وقيل: يسمى يمينًا أيضًا (١). حُكْم الحلف بالطلاق: إذا علَّق الرجل طلاق امرأته على شرط، ثم حدث هذا الشرط، كأن يقول: (أنت طالق لو خرجْت) فَخَرَجَتْ، فهل يقع الطلاق؟ والجواب: أن هذا الرجل، لا يخلو حاله من أحد أمرين: ١ - أن يكون قصد بذلك إيقاع الطلاق حقيقة إذا حصل الشرط الذي علَّق عليه، فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه عند حصول الشرط عند جمهور أهل العلم. وخالف ابن حزم فقال: لا يقع سواء برَّ أو حنث، بناءً على أصله المعروف: أنه لا طلاق إلا كما أمر الله ، ولا يمين إلا كما أمر الله تعالى وقد قال ﷺ : «من كان حالفًا فليحلف بالله» (٢). فدلَّ على أن كل حلف بغير الله فإنه معصية وليس يمينًا. قلت: والأوَّل أظهر، بل قال شيخ الإسلام: «... وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلَّق، ولم نعلم فيه خلافًا قديمًا، لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق، وهو قول الإمامية، مع أن ابن حزم ذكر في «كتاب الإجماع» إجماع العلماء على أنه يقع به الطلاق، وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه مخرج اليمين ...» اهـ (٣). ٢ - أن يكون قصد بذلك حمل الزوجة (حضَّها) على الفعل أو الترك، ولم يكن في نيته الطلاق حقيقة عند وقوع الشرط، بل إنه يكره طلاقها إذا فعلت ما علَّق طلاقها عليه. فللعلماء في هذا النوع قولان:

стр. 1362

الأول: أنه يقع عند حصول الشرط كذلك: وهو مذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الأربعة (١)، وحجتهم ما يلي: ١ - ما ذكره البخاري تعليقًا عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتة إنْ خرجتْ، فقال ابن عمر ﵁: «إن خرجت فقد بُتَّتْ منه، وإن لم تخرج فليس بشيء» (٢). قال السُّبْكي ﵀: فأوقع ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه، ولا يُعرف أحد من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى (!!) ولا أنكرها عليه. اهـ (٣). ٢ - ما يُروي عن عروة بن الزبير قال: ضرب الزبير أسماء بنت أبي بكر فصاحت بعبد الله بن الزبير، فلما رآه قال: «أمُّك طالق إن دخلت» فقال له عبد الله: «أتجعل أمِّي عُرضة ليمينك؟» فاقتحم عليه فخلَّصها فبانت منه، قال: «ولقد كنت غلامًا ربما أخذت بشعر منكبي الزبير» (٤) والشاهد فيه قوله: «فبانت منه» لكنه ضعيف. ٣ - ما جاء عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فَعَلتْ كذا وكذا فهي طالق فتفعله، قال: «هي واحدة، وهو أحق بها» (٥) وفيه ضعف. ٤ - ما جاء عن طريق الحسن: أن رجلًا تزوَّج امرأة وأراد سفرًا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلى علي بن أبي طالب، فقال عليٌّ: «اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا؟!» فردَّها عليه (٦).

стр. 1363

وقد أجيب عنه: بأن عليًّا ﵁ إنما أنكر عليهم اضطهادهم للرجل حتى حلف بالطلاق، وليس فيه أنه أوقع الطلاق!! ٥ - ما يُروى عن عائشة قالت: «كل يمين - وإن عظمت - ففيها الكفارة إلا العتق، والطلاق» (١) وهذا لو صحَّ فلا تعلق له بوقوع الطلاق أو عدمه، إنما هو في الكفارة إذا حنث. ٦ - أن آيات الطلاق فيها تفويض الأمر للزوج، وهي مُطْلقَة لم تفرِّق بين منجَّز ومعلَّق، والأصل أن يُعمل بالمطلق على إطلاقه حتى يأتي ما يقيِّده. ٧ - لعموم قوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» (٢). القول الثاني: أن الطلاق لا يقع: وهو قول عكرمة وطاووس وابن حزم وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية - ونسبه إلى أبي حنيفة!! وطائفة من أصحاب الشافعي - وتلميذه ابن القيم (٣)، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (٥). قال شيخ الإسلام: والحلف بالطلاق من أيمان المسلمين المكفَّرة، وهو داخل في جملة الأيمان بالآية. ٢ - وبمثل قوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير» (٦). ٣ - قول سبعة من الصحابة بعدم وقوع الحلف بالعتق، وهم: ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وأم سلمة وحفصة، وزينب ربيبة النبي ﷺ ، على ما ذكر ابن تيمية، فكذا الطلاق بالقياس الصحيح.

стр. 1364

قلت: صحَّ عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: «قالت لي مولاتي ليلى ابنة العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيت زينب ابنة أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة بفقه ذكرت زينب، قال: فجاءت معي إليها فقالت: أفي البيت هاروت وماروت، فقالت يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وهي يهودية ونصرانية، فقالت يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وامرأته، قال فكأنها لم تقبل ذلك، قال: فأتيت حفصة فأرسلت معي إليها فقالت يا أم المؤمنين جعلني الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية، قال: فقالت حفصة: يهودية ونصرانية خلى بين الرجل وامرأته فكأنها أبت، فأتيت عبد الله بن عمر فانطلق معي إليها فلما سلم عرفت صوته فقالت: بأبي أنت وبآبائي أبوك فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أم من أي شيء أنت أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي منهما قالت يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية قال يهودية ونصرانية كفري عن يمينك وخلى بين الرجل وامرأته» (١). والشاهد أنها لما قالت: «كل مملوك لها حر» إن لم يفرق بين أبي رافع وامرأته، أفتاها الصحابة بأن عليها كفارة يمين، ولم يوجبوا عليها عتقًا، «فإذا أفتوا في الحلف بالعتق - الذي هو أحب إلى الله تعالى من الطلاق - أنه لا يلزم الحالف، بل يجزئه كفارة يمين، فكيف يكون قولهم في الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله؟ ...» (٢). وقد أجاب عنه البيهقي فقال: وهذا في غير العتق، فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع، وكذلك عن ابن عباس ﵄ ... ، وكأن الراوي قصر بنقله في رواية بكر بن عبد الله المزني (٣)، أو لم يكن لها في الوقت مملوك فلم يتعرضوا له. ٤ - أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين، أحدهما: أن يكون الملتزم

стр. 1365

قربةً، والثاني: أن يكون قصده التقرب إلى الله به، لا الحلف به، فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة ... لم يلزم، بل تجزئه كفارة يمين. وهنا الحالف بالطلاق هو التزام وقوعه على وجه اليمين، وهو يكره وقوعه إذا وجد الشرط كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به وهذا - الأخير - لا يلزمه بالاتفاق، لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط، بل قصد الحلف به (١). ٥ - أن القول بعدم وقوع الطلاق المعلَّق على فعل المرأة، يمنع أن تتعمد المرأة فعله لتحنيثه وإيقاع الطلاق، وهو ملحظ أشهب من أصحاب مالك، قال ابن القيم: «وهذا القول هو الفقه بعينه، ولاسيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده، كحرمان القاتل ميراثه من المقتول ... وتوريث امرأة من طلقها في مرض موته فرارًا من ميراثها .. ، فمعاقبة المرأة ههنا بنقيض قصدها هو محض القياس والفقه، ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة «المخيَّره» ومن جعل طلاقها بيدها؛ لأن الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها، بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه ...» اهـ. الترجيح: قد رأيتَ أنّه ليس في المسألة نص صريح من قرآن أو سنة عن رسول الله ﷺ ، وليس فيها إجماع ثابت، والذي يظهر لي أن الأقرب إلى روح الشريعة ومقاصدها أن لا يقع الحلف بالطلاق (الطلاق المعلق على شرط) إذا كان الحالف لا يقصد به إلا التهديد أو الحض أو المنع من فعل، وهذا هو المعمول به اليوم في المحاكم المصرية فقد تضمنت المادة الثانية من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ما نصه: (لا يقع الطلاق غير المنجَّز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير). وأما إذا قصد به وقوعه حقيقة عند حصول الشرط، فإن هذا يقع طلاقه كما تقدم والله أعلم. فوائد (٢) (على القول بوقوع الطلاق المعلَّق): ١ - لو علَّق الرجل طلاق امرأته على فعل، ثم حصل منه الفعل المعلَّق عليه ناسيًا أو مكرهًا فإن الطلاق يقع كذلك عند الجمهور، وعند الشافعية فيه قولان: أظهرهما أنه لا يقع الطلاق.

стр. 1366

٢ - إذا علق الطلاق على شرط، فإنها تبقى حلالًا له يطؤها متى شاء ما دام لم يحصل الفعل المعلَّق عليه عند الجمهور، خلافًا لمالك (!!). قلت: إذا كان الطلاق لم يقع، فلم يُمنه من وطئها؟!! ٣ - إذا علقَّ الزوج الطلاق على شرط، فإنه ينحلُّ بحصول الشرط المعلق عليه مرة واحدة، مع وقوع الطلاق به على الزوجة في هذه المرة، فإذا عادت إليه ثانية في العدة أو بعدها، لم تقع عليها به طلقة أخرى لانحلاله، هذا ما لم يكن التعليق بلفظ (كلما فعلت ...) فإنه يقع عندهم كلما فعلته. وكذلك تنحلُّ اليمين المعلقة على شرط بزوال الحلِّ بالكلية، كأن تبين منه قبل أن تفعل الشرط، فلو تزوجها بعد التحليل، وفعلت الشرط لم يقع الطلاق عند جمهورهم. كما تنحلُّ اليمين المعلقة على شرط بردَّة الحالف عند أبي حنيفة وصاحبيه. وتنحلُّ اليمين المعلقة على شرط كذلك بفوت محلِّ البر، فإذا قال لها: (أنت طالق إن دخلت دار فلان) ثم خربت الدار ونحو ذلك انحلت اليمين حتى لو كان الدار الخربة بنيت ثانية فدخلتها. فائدة (على القول بعدم وقوع الطلاق المعلَّق ممن لم يقصده): ماذا على من حلف بالطلاق (علَّقه على شرط) إذا حصل الشرط؟ (١). هذا النوع من الأيمان - الذي يدخل فيه الحلف بالطلاق - كقوله (إن فعلت كذا فعبيدي أحرار - أو عليَّ أن أحج - أو عليَّ الطلاق أي: إن لم يحصل كذا) العلماء فيها ثلاثة أقوال: الأول: يلزمه ما حلف به إذا حنث: وهو القول الجاري على مسلك الجمهور كما تقدم. الثاني: أنها يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث، لا كفارة ولا وقوع طلاق، وهذا مذهب الظاهرية. الثالث: أنها يمين منعقدة، تكفَّر إذا حنث كغيرها من الأيمان: وهو مذهب شيخ الإسلام مستندًا لفتوى الصحابة في الحلف بالعتق، قلت: وهو الأشبه بالصواب والعلم عند الله.

стр. 1367

إذا علَّق الطلاق بالنكاح: إذا قال الزوج: (إذا تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوَّجها، فإن هذا الطلاق لا يقع في أصحِّ قولي العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد واختيار شيخ الإسلام (١). قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ (٢). فذكر سبحانه النكاح قبل الطلاق. وقد سئل ابن عباس عن الرجل يقول: (إذا تزوجت فلانة فهي طالق، فقال: «ليس بشيء إنما الطلاق لمن ملك» قالوا: فابن مسعود قال: «إذا وقَّت وقتًا فهو كما قال، قال: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال، لقال الله: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» (٤). الاستثناء في الطلاق: الاستثناء شرعًا: هو التعليق على مشيئة الله تعالى، والمراد بالاستثناء في الطلاق أن يقول الزوج لزوجته: (أنت طالق إن شاء الله) فهل يقع الطلاق؟ لأهل العلم في هذه المسألة مذهبان (٥): الأول: لا يقع الطلاق (ينفعه الاستثناء): وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن حزم ومستندهم ما يلي: ١ - أن الاستثناء في الطلاق داخل في عموم قوله ﷺ : «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» (٦).

стр. 1368

وأجيب: بأن قول القائل: (أنت طالق إن شاء الله) ليس يمينًا فلا يحمَّل النص ما لا يحتمله، وإنما يدخل في النص الحلف بالطلاق. ٢ - ما يُروى عن ابن عباس مرفوعًا: «من قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو غلامه حر إن شاء الله، أو عليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله - فلا شيء عليه» (١). وقد ورد نحوه عن معاذ مرفوعًا وفيه التفريق بين الطلاق - فلا يقع - والعتاق، وهو منكر كذلك. ٣ - قال الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ (٢). قال ابن حزم: ونحن نعلم أن الله تعالى لو أراد إمضاء هذا الطلاق ليسَّره لإخراجه بغير استثناء، فصحَّ أنه تعالى لم يُرد وقوعه إذا يسَّره لتعليقه بمشيئته . اهـ. ٤ - عن الثوري - في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله تعالى - قال: قال طاووس وحماد: «لا يقع عليها الطلاق» (٣). الثاني: يقع الطلاق (لا ينفعه الاستثناء): وهو مذهب مالك وأحمد والليث والأوزاعي وأبي عبيد واختيار شيخ الإسلام، ومستند هذا المذهب ما يلي: ١ - ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: «إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فهي طالق» (٤). ٢ - ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد قالوا: «كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزًا في كل شيء إلا العتاق والطلاق» (٥). قال ابن قدامة: وهذا نقل للإجماع، وإن قدر أنه قول بعضهم، ولم يُعلم لهم مخالف، فهو إجماع. اهـ. قلت: يعني: الإجماع السكوتي، وليس هو بحجة، على أن هذه الآثار عن

стр. 1369

الصحابة لا يصح منها شيء، فالذي يترجح لديَّ أن الاستثناء يبطل الطلاق، ولا يقع الطلاق إذا استثنى فإن الطلاق - ذاته - قد صحَّ اعتباره يمينًا منعقدة، والأصل أن كل ما صلح أن يكون يمينًا - كالطلاق على ما تقدم - دخله الاستثناء وأثر فيه، وقد كان ينبغي أن يكون هذا قول شيخ الإسلام - في نظري - لولا هذه الآثار عن الصحابة، وقد رأيتَ أنها لا تثبت، على أنه ﵀ قد نص في الفتاوى (٣٣/ ٢٣٩) على أن الرجل لو اعتقد أن استثناءه في الطلاق لا يوقعه، وكان مقصوده تخويفها بهذا الكلام - لا إيقاع الطلاق - لم يقع الطلاق. اهـ. والله أعلم. التخييرُ في الطلاق ١ - تعريفه ومشروعيته: التخيير في الطلاق: هو أن يخيِّر الرجل زوجته بين أن تبقى معه وبين فعل شيء معين، كأن يقول لها: (أنت مُخَيَّرة، إما أن تتركي العمل خارج البيت - مثلًا - أو تفارقيني) فلها أن تختار ما تشاء. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٢٨) وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وتخيير النبي ﷺ لأزواجه كما ستأتي الأحاديث بذلك، ومجرد التخيير لا يُعدُّ طلاقًا عند جماهير العلماء. ٢ - إذا اختارت زوجها أو ردَّتْ الخيار، لم يقع عليها طلاق (٢): وعلى هذا جماهير أهل العلم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري وابن المنذر وغيرهم، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ﵃، ويدل على ذلك: (أ) حديث عائشة ﵂ قالت: «خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم يَعدَّ ذلك علينا شيئًا» (٣).

стр. 1370

(ب) وعن مسروق قال: سألت عائشة عن الخيرة، فقالت: «خيَّرنا النبي ﷺ أفكان طلاقًا؟» قال مسروق لا أبالي أخيَّرتُها واحدة أو مائة بعد أن تختارني (١). (جـ) ولأن التخيير: ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتحدا، فدلَّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. ٣ - إذا اختارت نفسها، هل تقع طلقة واحدة رجعية أو بائنًا أو ثلاثًا؟ مفهوم حديثي عائشة ﵂ أن الرجل لو خيَّر امرأته فاختارت نفسها أن يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق، ومن ثم اختلف أهل العلم فيما يقع - من الطلاق - باختيارها نفسها على ثلاثة أقوال (٢). الأول: تقع طلقة واحدة رجعية: وهو مذهب الشافعي وأحمد، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعبد الله بن عمرو وغيرهم. الثاني: تقع طلقة بائنة: وهو مذهب أبي حنيفة وبه قال ابن شبرمة. الثالث: تقع ثلاثًا في المدخول بها: وهو مذهب مالك. (قلت): الأول أقربها، وإن كان الذي يظهر من الآية الكريمة: ﴿... إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ (٣). أن مجرد اختيارها نفسها لا يكون طلاقًا بل لابد من إنشاء الزوج الطلاق فإن قوله ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾. أي: بعد الاختيار، ودلالة هذا المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم من حديثي عائشة. ثم إن تخيير الرجل لزوجته - من غير إرادة الطلاق حقيقة - قد فشا بين المسلمين في هذه الأيام، وما أكثر ما تتبجَّح به الزوجات من تفضيلهن للشيء التافه!! على بقائهن مع أزواجهن عند أهون خلاف، فإيقاع هذا طلاقًا دون إنشاء الزوج له ودون إرادته إياه، مع عدم الدليل في المسألة من قرآن أو سنة مرفوعة، ينافي مقاصد الشريعة وأصولها، والعلم عند الله.
следующие страницы →