← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٢ - إذا علق الطلاق على شرط، فإنها تبقى حلالًا له يطؤها متى شاء ما دام لم يحصل الفعل المعلَّق عليه عند الجمهور، خلافًا لمالك (!!). قلت: إذا كان الطلاق لم يقع، فلم يُمنه من وطئها؟!! ٣ - إذا علقَّ الزوج الطلاق على شرط، فإنه ينحلُّ بحصول الشرط المعلق عليه مرة واحدة، مع وقوع الطلاق به على الزوجة في هذه المرة، فإذا عادت إليه ثانية في العدة أو بعدها، لم تقع عليها به طلقة أخرى لانحلاله، هذا ما لم يكن التعليق بلفظ (كلما فعلت ...) فإنه يقع عندهم كلما فعلته. وكذلك تنحلُّ اليمين المعلقة على شرط بزوال الحلِّ بالكلية، كأن تبين منه قبل أن تفعل الشرط، فلو تزوجها بعد التحليل، وفعلت الشرط لم يقع الطلاق عند جمهورهم. كما تنحلُّ اليمين المعلقة على شرط بردَّة الحالف عند أبي حنيفة وصاحبيه. وتنحلُّ اليمين المعلقة على شرط كذلك بفوت محلِّ البر، فإذا قال لها: (أنت طالق إن دخلت دار فلان) ثم خربت الدار ونحو ذلك انحلت اليمين حتى لو كان الدار الخربة بنيت ثانية فدخلتها. فائدة (على القول بعدم وقوع الطلاق المعلَّق ممن لم يقصده): ماذا على من حلف بالطلاق (علَّقه على شرط) إذا حصل الشرط؟ (١). هذا النوع من الأيمان - الذي يدخل فيه الحلف بالطلاق - كقوله (إن فعلت كذا فعبيدي أحرار - أو عليَّ أن أحج - أو عليَّ الطلاق أي: إن لم يحصل كذا) العلماء فيها ثلاثة أقوال: الأول: يلزمه ما حلف به إذا حنث: وهو القول الجاري على مسلك الجمهور كما تقدم. الثاني: أنها يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث، لا كفارة ولا وقوع طلاق، وهذا مذهب الظاهرية. الثالث: أنها يمين منعقدة، تكفَّر إذا حنث كغيرها من الأيمان: وهو مذهب شيخ الإسلام مستندًا لفتوى الصحابة في الحلف بالعتق، قلت: وهو الأشبه بالصواب والعلم عند الله.

стр. 1367

إذا علَّق الطلاق بالنكاح: إذا قال الزوج: (إذا تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوَّجها، فإن هذا الطلاق لا يقع في أصحِّ قولي العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد واختيار شيخ الإسلام (١). قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ (٢). فذكر سبحانه النكاح قبل الطلاق. وقد سئل ابن عباس عن الرجل يقول: (إذا تزوجت فلانة فهي طالق، فقال: «ليس بشيء إنما الطلاق لمن ملك» قالوا: فابن مسعود قال: «إذا وقَّت وقتًا فهو كما قال، قال: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال، لقال الله: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» (٤). الاستثناء في الطلاق: الاستثناء شرعًا: هو التعليق على مشيئة الله تعالى، والمراد بالاستثناء في الطلاق أن يقول الزوج لزوجته: (أنت طالق إن شاء الله) فهل يقع الطلاق؟ لأهل العلم في هذه المسألة مذهبان (٥): الأول: لا يقع الطلاق (ينفعه الاستثناء): وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن حزم ومستندهم ما يلي: ١ - أن الاستثناء في الطلاق داخل في عموم قوله ﷺ : «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» (٦).

стр. 1368

وأجيب: بأن قول القائل: (أنت طالق إن شاء الله) ليس يمينًا فلا يحمَّل النص ما لا يحتمله، وإنما يدخل في النص الحلف بالطلاق. ٢ - ما يُروى عن ابن عباس مرفوعًا: «من قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو غلامه حر إن شاء الله، أو عليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله - فلا شيء عليه» (١). وقد ورد نحوه عن معاذ مرفوعًا وفيه التفريق بين الطلاق - فلا يقع - والعتاق، وهو منكر كذلك. ٣ - قال الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ (٢). قال ابن حزم: ونحن نعلم أن الله تعالى لو أراد إمضاء هذا الطلاق ليسَّره لإخراجه بغير استثناء، فصحَّ أنه تعالى لم يُرد وقوعه إذا يسَّره لتعليقه بمشيئته . اهـ. ٤ - عن الثوري - في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله تعالى - قال: قال طاووس وحماد: «لا يقع عليها الطلاق» (٣). الثاني: يقع الطلاق (لا ينفعه الاستثناء): وهو مذهب مالك وأحمد والليث والأوزاعي وأبي عبيد واختيار شيخ الإسلام، ومستند هذا المذهب ما يلي: ١ - ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: «إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فهي طالق» (٤). ٢ - ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد قالوا: «كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزًا في كل شيء إلا العتاق والطلاق» (٥). قال ابن قدامة: وهذا نقل للإجماع، وإن قدر أنه قول بعضهم، ولم يُعلم لهم مخالف، فهو إجماع. اهـ. قلت: يعني: الإجماع السكوتي، وليس هو بحجة، على أن هذه الآثار عن

стр. 1369

الصحابة لا يصح منها شيء، فالذي يترجح لديَّ أن الاستثناء يبطل الطلاق، ولا يقع الطلاق إذا استثنى فإن الطلاق - ذاته - قد صحَّ اعتباره يمينًا منعقدة، والأصل أن كل ما صلح أن يكون يمينًا - كالطلاق على ما تقدم - دخله الاستثناء وأثر فيه، وقد كان ينبغي أن يكون هذا قول شيخ الإسلام - في نظري - لولا هذه الآثار عن الصحابة، وقد رأيتَ أنها لا تثبت، على أنه ﵀ قد نص في الفتاوى (٣٣/ ٢٣٩) على أن الرجل لو اعتقد أن استثناءه في الطلاق لا يوقعه، وكان مقصوده تخويفها بهذا الكلام - لا إيقاع الطلاق - لم يقع الطلاق. اهـ. والله أعلم. التخييرُ في الطلاق ١ - تعريفه ومشروعيته: التخيير في الطلاق: هو أن يخيِّر الرجل زوجته بين أن تبقى معه وبين فعل شيء معين، كأن يقول لها: (أنت مُخَيَّرة، إما أن تتركي العمل خارج البيت - مثلًا - أو تفارقيني) فلها أن تختار ما تشاء. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٢٨) وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وتخيير النبي ﷺ لأزواجه كما ستأتي الأحاديث بذلك، ومجرد التخيير لا يُعدُّ طلاقًا عند جماهير العلماء. ٢ - إذا اختارت زوجها أو ردَّتْ الخيار، لم يقع عليها طلاق (٢): وعلى هذا جماهير أهل العلم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري وابن المنذر وغيرهم، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ﵃، ويدل على ذلك: (أ) حديث عائشة ﵂ قالت: «خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم يَعدَّ ذلك علينا شيئًا» (٣).

стр. 1370

(ب) وعن مسروق قال: سألت عائشة عن الخيرة، فقالت: «خيَّرنا النبي ﷺ أفكان طلاقًا؟» قال مسروق لا أبالي أخيَّرتُها واحدة أو مائة بعد أن تختارني (١). (جـ) ولأن التخيير: ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتحدا، فدلَّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. ٣ - إذا اختارت نفسها، هل تقع طلقة واحدة رجعية أو بائنًا أو ثلاثًا؟ مفهوم حديثي عائشة ﵂ أن الرجل لو خيَّر امرأته فاختارت نفسها أن يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق، ومن ثم اختلف أهل العلم فيما يقع - من الطلاق - باختيارها نفسها على ثلاثة أقوال (٢). الأول: تقع طلقة واحدة رجعية: وهو مذهب الشافعي وأحمد، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعبد الله بن عمرو وغيرهم. الثاني: تقع طلقة بائنة: وهو مذهب أبي حنيفة وبه قال ابن شبرمة. الثالث: تقع ثلاثًا في المدخول بها: وهو مذهب مالك. (قلت): الأول أقربها، وإن كان الذي يظهر من الآية الكريمة: ﴿... إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ (٣). أن مجرد اختيارها نفسها لا يكون طلاقًا بل لابد من إنشاء الزوج الطلاق فإن قوله ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾. أي: بعد الاختيار، ودلالة هذا المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم من حديثي عائشة. ثم إن تخيير الرجل لزوجته - من غير إرادة الطلاق حقيقة - قد فشا بين المسلمين في هذه الأيام، وما أكثر ما تتبجَّح به الزوجات من تفضيلهن للشيء التافه!! على بقائهن مع أزواجهن عند أهون خلاف، فإيقاع هذا طلاقًا دون إنشاء الزوج له ودون إرادته إياه، مع عدم الدليل في المسألة من قرآن أو سنة مرفوعة، ينافي مقاصد الشريعة وأصولها، والعلم عند الله.

стр. 1371

وإلى أن التخيير لا يكون طلاقًا سواء اختارت أو اختارت نفسها - إلا أن يُطلِّق الزوج - ذهب أبو محمد بن حزم (١)، وهو الأقرب إلى الدليل. ٤ - التخيير، هل هو على الفور أو التراخي؟ (٢): ذهب جماهير أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي، وكثير من الصحابة والتابعين، إلى أن التخيير على الفور، فإن اختارت في وقتها، وإلا فلا خيار لها بعده. قال الحافظ: ويمكن أن يقال: يُشترط الفور أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما إذا صرَّح الزوج بالفُسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصة عائشة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك» اهـ. قلت: يشير إلى قول عائشة ﵂: «لما أُمر النبي ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: «إني لمخبرك خبرًا، فلا عليك أن لا تستأمري أبويك ...» فقالت: أفي هذا الأمر استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» (٣). التوكيل أو التفويض في الطلاق الطلاق تصرُّف شرعي قولي، وهو حق ملَّكه الله تعالى للرجل وجعله بيده، لكن هل يملك الرجل الإنابة والتوكيل فيه كسائر التصرفات القولية الأخرى التي يملكها أم لا؟ لأهل العلم في هذا الباب اتجاهان: الاتجاه الأول: الطلاق تدخله الإنابة: وعلى هذا جماهير أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، يقولون: هو يملك الطلاق، فيملك الإنابة فيه كسائر التصرفات القولية التي يملكها. كالبيع والإجارة ونحوها، فإذا قال الزوج لآخر: وكلتك بطلاق زوجتي فلانة، فطلَّقها عنه، جاز، وكذلك لو قال لزوجته نفسها: وكلتك بطلاق نفسك (٤)، فطلقت نفسها جاز أيضًا، ولا تكون في هذا أقل من الأجنبي.

стр. 1372

وعند هؤلاء تقسيمات وتفريعات: ١ - فعند الحنفية: إذن الزوج لغيره في تطليق زوجته ثلاثة أنواع: تفويض، وتوكيل، ورسالة. وللتفويض عندهم ثلاثة ألفاظ: تخيير، وأمر بيد، ومشيئة، وعندهم بين التفويض والتوكيل فروق. ٢ - وعند المالكية: النيابة على أربعة أنواع: توكيل وتخيير وتمليك ورسالة، وفيها عندهم فروق. ٣ - وعند الشافعية والحنابلة: يجوز أن ينيب زوجته ويسمى «تفويضًا» وله أن يُنيب غيرها ويسمى «توكيلًا» ولكل منهما أحكام وشروط، يراجعها من شاء في كتب الفروع. والذي قد يُحتاج إليه من المسائل على هذا الاتجاه ما يلي: [١] إذا ملَّكها أمر الطلاق، فهل تملكه مطلقًا؟! أم يتقيد بالمجلس الذي وكلَّها فيه؟ لأصحاب الاتجاه الأول في هذه المسألة رأيان (١): الأول: تملك أمر الطلاق مطلقًا، ولا يتقيَّد بحدٍّ معين حتى يفسخه بنفسه: وهو مذهب أحمد وهو مروي عن علي ﵁، وبه قال الحكم وأبو ثور وابن المنذر. وحجتهم: ١ - تخيير النبي ﷺ لنسائه، وإمهاله عائشة حتى تستأمر أبويها. ٢ - قول عليٍّ ﵁ في رجل جعل أمر امرأته بيدها -: «هو لها حتى تنكل» (٢). قال ابن قدامة: «ولا نعرف له من الصحابة مخالفًا، فيكون إجماعًا!!» اهـ. ٣ - ولأنه نوع توكيل في الطلاق فكان على التراخي كما لو جعله لأجنبي. الثاني: يتقيَّد تفويضها بالمجلس، ولا طلاق لها بعده: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وحجتهم: أن التفويض تخيير لها، فكان مقصورًا على المجلس، كقوله: اختاري.

стр. 1373

قلت: يتأتَّى على القول الأول ما يعرف بجعل الرجل «العصمة بيد زوجته» فتطلق نفسها متى شاءت!! وقد صدر من بعض المحاكم الشرعية المصرية (١) حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة لا يتقيَّد بالمجلس فتطلَّق نفسها متى شاءت، وإلا خلا التفويض من الفائدة، وأُيِّد هذا الحكم استئنافيًا. [٢] الرجوع في التفويض (٢): إذا أراد الزوج - بعد تفويض زوجته بالتطليق وقبل تطليقها - أن يفسخ هذا التفويض، فإن له ذلك ويبطل التفويض بفسخه، عند الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق، لأنه توكيل، فكان له حق الرجوع فيه كالتوكيل في البيع، وكما لو خاطب بذلك أجنبيًّا. وعند أبي حنيفة ومالك: ليس له الرجوع، ولعل مرادهما: ليس له الرجوع في المجلس، فإن التفويض مقيَّد عندهما بالمجلس، وليس من حقها التطليق بعده كما تقدم. [٣] عدد التطليقات الذي تملكه الزوجة المفوَّضة: إذا فوَّض الرجل لزوجته تطليق نفسها، فلو طلَّقت نفسها ثلاثًا - على القول بوقوعه - فهل يقع ثلاثًا؟ ذهب أحمد وظاهر مذهب مالك في المدخول بها، أنها تقع ثلاثًا، لأنها مفوَّضة في العدد فلها إيقاع ما فوض إليها، ولو قال: أردتُ واحدة، لم يُقبل منه؛ لأنه لما قال لها (طلقي نفسك) اقتضى العموم في جميع أمرها، وبه يقول ابن عمر كما سيأتي. وقال أبو حنيفة والشافعي ورواية ثانية عن أحمد: تقع تطليقة واحدة، وهو قول مالك في غير المدخول بها، لكن الشافعي وأحمد في هذه الرواية قد قيداه بما إذا نوي الرجل غير الثلاث فردًّا الحكم إلى نيته؛ لأنه الذي فوضها فيرجع إلى نيتَّه (٣).

стр. 1374

الاتجاه الثاني: الطلاق لا تدخله الإنابة: وهذا قول طاووس وأبي محمد بن حزم - رحمهما الله - ويُحتمل أن يكون مذهب ابن عباس ﵁، وحجة هذا القول: أن الله تعالى إنما جعل الطلاق إلى الرجال: ١ - قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ (١). ٢ - وقال سبحانه: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٢). ٣ - وقال سبحانه: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ (٣). والآيات في هذا كثيرة جدًّا. ٤ - وكقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ (٤). ومن تمام القوامة أن يكون الطلاق بيد الرجل (٥). ٥ - وقال سبحانه: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ (٦). قال ابن حزم: «فإنما نصَّ الله تعالى أنه ﵊ إن أردن الدنيا ولم يردن الآخرة طلقهن حينئدٍ من قبل نفسه مختارًا للطلاق لا أنهن طوالق بنفس اختيارهن الدنيا، ومن ادَّعى غير هذا فقد حرَّف (!!) كلام الله ، وأقحم في حكم الآية كذبًا (!!) محضًا ليس فيها منه نصٌّ ولا دليل» اهـ (٧). ٦ - وعن مجاهد: أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فقال: لمَّا ملَّكت امرأتي أمرها طلَّقتني ثلاثًا، فقال: «خطأ الله نوترها، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك» (٨). ٧ - عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاووس عن أبيه وقلت له: فكيف كان

стр. 1375

أبوك يقول في رجل ملَّك امرأته أمرها، أتملك أن تطلق نفسها؟ قال: لا، كان يقول: «ليس إلى النساء طلاق» (١). الراجح من الاتجاهين: ليس في المسألة نص قاطع من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، فلو ذهب ذاهب إلى أن الطلاق لا يكون إلا بيد الرجل ولو فوّض - غيره لم يكن قد أبعد كثيرًا، وإن كان الذي يظهر لي الاتجاه الأول وهو أن الطلاق لا مانع من أن تدخله النيابة: لأن الصحابة لم يُنكروا ذلك، حتى أن ما تقدم عن ابن عباس من قول: «إنما الطلاق لك عليها وليس لها عليك» فيحتمل أن يكون إنما أنكر كونها طلقته، وأما تطلق نفسها منه فلا مانع منه كما يظهر في الأثر الآتي: عن علقمة عن ابن مسعود قال: جاء إليه رجل فقال: كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس، فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع، فقال: إن الذي بيدي من أمري بيدك، قالت: فأنت طالق ثلاثًا، فقال [أي: ابن مسعود]: «أراها واحدة وأنت أحق بالرجعة وسألقي أمير المؤمنين عمر» فلقيه فقصَّ عليه القصة قال: فقال: «فعل الله بالرجال، وفعل الله بالرجال، يعمدون إلى ما في أيديهم فيجعلونه في أيدي النساء بفيها التراب، ماذا قلتَ؟» قال: «قلتُ: أراها واحدة وهو أحق بها» قال: [أي: عمر]: «وأنا أرى ذلك، ولو رأيتَ غير ذلك لرأيتُ أنك لم تُصب». قال منصور (٢): فقلت لإبراهيم: فإن ابن عباس يقول: خطأ الله نوترها، لو كانت قالت: طلَّقت نفسي؟ فقال إبراهيم: هما سواء (٣). وعن ابن عمر قال: «إذا جعل الرجل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها واحدة فهي واحدة، أو اثنتين فثنتين، أو ثلاث فثلاث، إلا أن يناكرها ويقول: لم أجعل الأمر إليك إلا في واحدة فيحلف على ذلك، وإن ردَّت الأمر فليس بشيء» وكان يقول: «القضاء ما قضت» (٤).

стр. 1376

قلت: وقد تقرر جواز التوكيل فلا فرق بين الطلاق وغيره، فلا يخرج عن ذلك إلا ما خصه دليل، والآيات الكريمة لا تصلح دليلًا على المنع منه، ولا يتعارض هذا مع ما جنحتُ إليه آنفًا من أن التخيير لا يعدُّ طلاقًا ولا يقع به - إذا اختارت نفسها - دون إنشاء الزوج، فبين المسألتين فرق والله أعلم. العِدَّة تعريف العِدَّة: العدة لغةً: مأخوذة من العد والحساب، والعدُّ هو الإحصاء، وسميت بذلك لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر غالبًا. والعدَّة اصطلاحًا: هي المدة التي حدَّدها الشارع بعد الفُرقة، ويجب على المرأة الانتظار فيها بدون زواج حتى تنقضي (١). حكمة مشروعيته: شُرعت العدَّة لمعان وحكم اعتبرها الشارع، منها (٢): ١ - العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماءُ الواطئين فأكثر في رحم واحد فتختلط الأنساب وتفسد. ٢ - تعظيم خطر الزواج ورفع قدره وإظهار شرفه. ٣ - تطويل زمان الرجعة للمطلق لعلَّه يندم ويفئ فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة. ٤ - قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزيُّن والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ٥ - الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه، ففي العدة أربعة حقوق. حُكم العدة التكليفي: العدة واجبة على المرأة عند وجود سببها، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:

стр. 1377

(أ) فأما الكتاب فمنه: قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ... وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (٣). (ب) وأما السنة فمنها: حديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا زوج أربعة أشهر وعشرًا» (٤). وأمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم مكتوم، وأحاديث أخرى تأتي. (جـ) وقد أجمعت الأمة على مشروعية العدة ووجوبها [في الجملة] من عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا دون نكير من أحد (٥) وإنما اختلفوا في أنواع منها. هل على الرجل عِدَّة؟ (٦) لا تجل العدة على الرجل، فإنه يجوز له بعد فراق زوجته أن يتزوج غيرها دون انتظار مضي مدة عدَّتها، إلا إذا كان هناك مانع يمنعه من ذلك، كما لو أراد الزواج بأختها أو خالتها أو عمتها أو غير ممن لا يحل له الجمع بينهما، أو طلق رابعة ويريد الزواج بأخرى، فيجب عليه الانتظار في عدة الطلاق الرجعي بالاتفاق، ولا يجب في عدة الطلاق البائن عند الجمهور خلافًا للحنفية. وهذا الانتظار من الرجل لا يُطْلَق عليه «عدة» لا لغةً ولا اصطلاحًا، وإن كان يحمل معنى العدة. أنواع العدَّة: العدة - من جهة إحصائها وحسابها - على ثلاثة أنواع: عدة بالأقراء، وعدة بالأشهر، وعدة بوضع الحمل.

стр. 1378

والعدة من جهة حال المعتدَّة على أنواع نذكرها فيما يلي: [أ] من تعتدَّ بالقُروء: القُرْءُ لغةً: لفظ مشترك، يطلق على الطُّهر والحيض. والقُرْء اصطلاحًا: اختلف أهل العلم في معناه - بسبب كونه لفظًا مشتركًا بين معنيين - على قولين (١): الأول: أن القُرء هو الطُّهر (الفترة بين الحيضتين): وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو منقول عن عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر من الصحابة ﵃، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ (٢). قالوا: واللام هي لام الوقت والمعنى: في زمان عدتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالطلاق في الطهر - لا في الحيض لحرمته بالإجماع - فعلم أن القُرءْ: الطهر الذي يسمى عدة وتُطلَّق فيه النساء. ٢ - حديث ابن عمر في تطليقه امرأته وهي حائض، وفيه قول النبي ﷺ : «مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ، تلك العدة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النساء» (٣). قالوا: فعلم أن العدَّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر بعد الحيضة، ولو كان القُرء هو الحيض كان قد طلقها قبل العدة لا في العدة، وكان ذلك تطويلًا وهو غير جائز، كما لو طلقها في الحيض. ٣ - حديث عائشة أنها قالت: «القروء: الأطهار» (٤) قال الشافعي في «الأم» (٥/ ٢٠٩): والنساء بهذا أعلم لأنه فيهن لا في الرجال. اهـ.

стр. 1379

٤ - ولأن القرء مشتق من الجمع، فيقال: قرأت كذا في كذا إذا جمعته فيه، وإذا كان الأمر كذلك: كان بالطهر أحق من الحيض؛ لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم والحيض خروجه منه، وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته. القول الثاني: أن القُرء هو الحيضة: وهو قول أكابر الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود ومعاذ وغيرهم، وطائفة من التابعين وأئمة الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وإسحاق وأحمد في الرواية الأخرى وهي التي استقر عليها مذهبه، وحجتهم: ١ - أن قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١). فيه الأمر بالاعتداد بثلاثة قروء، ولو حمل القُرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث، لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء - عند أصحاب القول الأول - والثلاثة اسم لعدد مخصوص فلا يقع على ما دونه، فيكون ترك العمل بالكتاب. أما لو حمل على الحيض، فيكون الاعتداد بثلاث حيضات كوامل لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة، فكان الحمل على الحيض أولى لموافقة ظاهر القرآن. ٢ - أن لفظ القرء لم يستعمل في لسان الشرع إلا للحيض، ولم يجيء في موضع واحد منه استعماله للطهر فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل متعين: - فإنه ﷺ قال للمستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها» (٢). وقال لفاطمة بنت جيش: «انظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مرَّ قرؤك فتطهري ثم صلي بين القرء إلى القرء» (٣) قالوا: فالقرء هنا الحيض بلا شك. ٣ - قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ (٤). فجعل كل شهر بإزاء حيضة، وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.

стр. 1380

٤ - حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «طلاق الأَمَةِ اثنتان، وعدَّتها حيضتان» (١). ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة والأمة فيما يقع به الانقضاء، فدل على أن أصل ما تنقضي به العدة هو الحيض. ٥ - أن عدة المختلعة حيضة - كما تقدم تحريره - وكذلك الأمة فإنها تُستبرأ بحيضة، كما تقدم - في «الطهارة» في حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس - من قوله ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» (٢). ٦ - ولأن المقصود الأصلي من العدة التعرف على براءة الرحم - وإن كان لها فوائد أخرى - والعلم ببراءة الرحم يصل بالحيض لا بالطهر، فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر. ٧ - ولأن الأدلة والعلامات والحدود والغليات إنما تحصل بالأمور الظاهرة المتميزة عن غيرها، والطهر هو الأمر الأصلي، فمتى كان مستمرًّا لم يكن له حكم يُفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميز هو الحيض، وهو الذي تتغير به أحكام المرأة. هذا طرف من أدلة كل فريق، ولكل فريق أجوبة ومناقشات على الآخر (٣)، تركت ذكرها خشية الإطالة، لكن يهمني هنا أمران: ١ - ثمرة هذا الخلاف: أن المرأة لو طُلِّقت طاهرًا وبقي من طهرها شيء ولو لحظة: فعلى القول بأن القرء هو الطهر: يحسب ما بقي من الطهر قرءًا، وتنقضي عدتها - في هذه الحالة - برؤية الدم من الحيضة الثالثة. وعلى القول بأن القرء هو الحيضة: لا عبرة بما بقي من الطهر، وتنقضي عدتها بانقضاء دم الحيضة الثالثة، وهل يشترط الغسل بعد ذلك لانقضاء العدة؟ فيه خلاف.

стр. 1381

٢ - الراجح من القولين: الذي يبدو لي من دراسة أدلة الفريقين ومناقشاتهما أن الأرجح أن القرء هو الحيض، وإن كان القول الأول ليس ببعيد، إلا أن هذا أقرب والله أعلم. وإليك الحالات التي تعتد فيها المرأة بالقروء: (١) المطلقة (١) بعد الدخول، وهي ممن يحيضن: المرأة الحرة التي تحيض وتطهر (من ذوات القروء) إذا طُلِّقت - بعد الدخول بها - عدَّتُها ثلاثة قروء (ثلاث حيضات على ما تقدم ترجيحه) لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٢). فتنقضي عدَّتُها - على القول الراجح - إذا طهرت من الحيضة الثالثة بعد الطلاق، وهل يتوقف انقضاء العدة على اغتسالها منها؟ أم تنقضي العدة بمجرد انقطاع الدم؟ قولان للعلماء، أظهرهما اشتراط الاغتسال، لقوله تعالى - في الجماع بعد الحيض -: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (٣). أي: يغتسلن، وهذا هو المشهور عن أكابر الصحابة، وعليه: لزوجها أن يراجعها إذا انقطع الدم قبل أن تغتسل، قلت: لو قيَّد هذا المذهب بأن لزوجها مراجعتها - بعد انقطاع الدم - حتى يخرج وقت الصلاة التي طهرت في وقتها، كما هو مذهب أبي حنيفة والثوري ورواية عن أحمد - لكان سديدًا منعًا للتحايل، والله أعلم. فائدتان: الأولى: زوجة المسلم الكتابية عدَّتها كعدة المسلمة: لعموم الأدلة الموجبة للعدة لا فرق بينهما؛ لأن العدة تجب بحق الله وحق الزوج، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ (٤).

стр. 1382

فجعلها حق الزوج، والكتابية أو الذميَّة مخاطبة بحقوق العباد، فتجب عليها العدة، وتجبر عليها لأجل حق الزوج والولد؛ لأنها من أهل إيفاء حقوق العباد. وعلى هذا اتفاق الأئمة الأربعة والثوري وأبي عبيد (١). الثانية: المطلَّقة قبل الدخول لا عدة عليها: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ (٢). وعلى هذا إجماع العلماء، فيجوز للمرأة، إذا طلقت قبل الدخول أن تتزوَّج إن شاءت - فور طلاقها. لكن إذا مات زوج المرأة - ولم يدخل بها - فإنها تعتد عدوة الوفاء كما سيأتي: (٢) المختلعة تعتد بحيضة: وقد مرَّ في «الخلع» أن المرأة المختلعة تعتدُّ بحيضة واحدة في أرجح قولي العلماء. (٣) الملاعنة: عدة الملاعنة كعدة المطلقة، لأنها مفارقة في الحياة فأشبهت المطلقة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، خلافًا لابن عباس فالمروي عنه أن عدتها تسعة أشهر (٣). (٤) الموطوءة بشبهة: وهي التي زُفَّت إلى غير زوجها، والموجودة ليلًا على فراشه إذا ادَّعى الاشتباه، وهذه عدَّتها كعدة المطلقة عند جمهور الفقهاء، للتعرف على براءة الرحم لشغله ولحقوق النسب فيه، كالوطء في النكاح الصحيح، فكان مثله فيما تحصل البراءة منه؛ ولأن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط وإيجاب العدة من باب الاحتياط. وإذا وُطئت المزوَّجة بشبهة لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدَّتها (٤). لكن شيخ الإسلام اختار أن الموطوءة بشبهة ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة واحدة، لأنها ليست زوجة، والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على

стр. 1383

المطلقات، وليست الموطوءة بشبهة أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها ومن المختلعة، وهما تستبرآن بحيضة واحدة، فهذه أولى، وهذا وجه في مذهب أحمد (١)، قلت: وله وجه قوي. (٥) المزني بها: المرأة التي وقعت في الزني، للعلماء فيها ثلاثة أقوال (٢): الأول: لا عدة عليها، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي، سواء كانت حاملًا أو غير حامل، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعليٍّ ﵃؛ لأن العدة شُرعت لحفظ النسب، والزنى لا يتعلق به ثبوت النسب، فلا يوجب العدة. الثاني: عدتها كعدة المطلقة (ثلاثة قروء): وهو المعتمد في مذهب المالكية والحنابلة وبه قال الحسن والنخعي، لأنه وطء يقتضي شغل الرحم فوجب منه العدة، ولأنها حرَّة فوجب استبراؤها بعدة كاملة كالموطوءة بشبهة (!!). الثالث: أنها تُستبرأ بحيضة واحدة: وهو قول مالك ورواية عن أحمد نصرها شيخ الإسلام بنحو ما تقدم في الموطوءة بشبهة، قلت: وهو الأشبه بالصواب والله أعلم. (٦) المفارقة لزوجها بسبب إسلامها وبقائه على كُفره (٣): وهذه تُستبرأُ بحيضة واحدة، لا بثلاثة قروء في أرجح قولي العلماء، وهو قول أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام: لحديث ابن عباس: «... وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح» (٤). وقال الجمهور: عدتها كعدة المطلقة الحرة (ثلاثة قروء) وأجابوا عن الحديث السابق بأن المراد: تحيض ثلاث حيض؛ لأنها صارت بإسلامها وهجرتها من الحرائر بخلاف ما لو سُبيتْ، قلت: ولفظ الحديث لا يساعد على هذا التأويل والله أعلم. [ب] من تعتدُّ بوضع الحمل (المطلقة الحامل): عدَّة المطلقة وهي حامل: بوضع الحمل، سواء كانت بائنة أو رجعية، مُفارقة

стр. 1384

في الحياة أو متوفى عنها زوجها - على الأصح - لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (١). ولأن القصد من العدة براءة الرحم، وهي تحصل بوضع الحمل. واختلف الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل، وسيأتي تحريره. متى يجوز للمعتدة بوضع الحمل الزواج: بالوضع أم بالطهر من النفاس؟ (٢). الذي عليه جمهور العلماء وأئمة الفتوى أن المرأة لها أن تتزوَّج بعد وضع الحمل - ولو في النفاس - لأن العدة انقضت بالوضع، إلا أن زوجها - الثاني - لا يقربها حتى تطهر لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (٣). ويدل على ما ذهب إليه الجمهور فتوى النبي ﷺ لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها وهي حامل، قالت: «فأفتاني إذا وضعتُ أن أنكح» (٤). [جـ] من تعتدُّ بالأشهر: المرأة تعتد بالأشهر في الحالات الآتية: (١) المطلقة التي لا تحيض: إما بسبب صغرها، أو لكبرها ويأسها من المحيض، فعدَّتها ثلاثة أشهر بنص القرآن: قال تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ (٥) (٦). ولأنها لا تحيض فكانت الأشهر هنا بدلًا عن الأقراء، والأصل مقدَّر بثلاثة، فكذلك البدل. فائدة: إذا اعتدَّت المرأة بالأشهُر ثم حاضت بعد فراغها، فقد انقضت العدة، ولا تلزمها العدة بالأقراء.

стр. 1385

ولو حاضت أثناء الأشهر، فيأتي الكلام عليها في «تحوُّل العدة» إن شاء الله. (٢) المطلقة المرتابة (ممتدة الطُّهر) (١): إذا كانت المرأة ممن تحيض (ذوات الأقراء) ثم ارتفع حيضها بسبب غير معروف (بدون حمل ولا يأس) فإنها تسمى (المرتابة) فإذا فارقها زوجها، فإنها تتربَّص (تنتظر) تسعة أشهر - وهي مدة الحمل غالبًا لتتبين براءة الرحم - ثم تعتد بثلاثة أشهر، فتكمل سنة تنقضي بها عدَّتها وتحل للأزواج. وهذا مذهب المالكية والحنابلة، والقول القديم للشافعي، وبه قال عمر وابن عباس ﵃، واحتج القائلون بذلك بقول عمر ﵁ في رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين فارتفع حيضها لا يُدرى ما رفعه - قال: «تجلس تسعة أشهر، فإذا لم يستبن بها حمل فتعتد بثلاثة أشهر، فذلك سنة» (٢) ولا يُعرف له مخالف ولم يكره عليه أحد. وأما الحنفية والشافعية - في الجديد - فقالوا: تصبر أبدًا حتى تحيض فتعتد بالأقراء أو تيأس فتعتد بالأشهر لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالأشهر إلا للتي لم تحض والآيسة، وليست هذه واحدة منهما (!!!). قلت: والأول أرجح، لكن هل يقال لو تأكدت من خلوها من الحمل عن طريق الكشف بالأجهزة الحديثة تتربص ثلاثة أشهر؟! (٣) المطلَّقة المستحاضة المتحيِّرة (٣): إذا كانت المطلفة المعتدة من ذوات الحيض، واستمر نزول الدم عليها بدون انقطاع (استحاضة) فلا يخلو حالها من أحد أمرين: (أ) أن تستطيع التمييز بين الحيض والاستحاضة: برائحة أو لون أو كثرة أو عادة، فهذه تسمى «غير متحيِّرة» فتعتد بالأقراء لأنها ترد إلى أيام عادتها المعروفة لها، ولأن الدم المميز بعد طهر تام يعدُّ حيضًا، فتعتد بالأقراء لا بالأشهر. (ب) أن لا تستطيع التمييز: وهذه تسمى «متحيِّرة»، وقد اخْتُلف في عدتها: فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية وهو قول عند الحنابلة: إلى أن عدة

стр. 1386

المستحاضة ثلاثة أشهر، بناء على أن الغالب نزول الحيض مرة في كل شهر، أو لاشتمال كل شهر على طهر وحيض غالبًا، ولأنها في هذه الحالة مرتابة فتدخل في قوله تعالى: ﴿إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ (١). ولأن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: «تلجمي وتحيَّضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام» (٢) فجعل لها حيضة في كل شهر تترك معها الصلاة والصيام، فيجب أن تنقضي به العدة، لأن ذلك من أحكام الحيض. وذهب المالكية والحنابلة في قول وإسحاق إلى أن عدة المستحاضة المتحيرة سنة كاملة، لأنها بمنزلة من رُفعت حيضتها ولا تدري ما رفعها، ولأنها لم تتيقن لها حيضًا - مع أنها من ذوات القروء - فكانت عدتها سنة كالتي ارتفع حيضها!! قلت: والأول أرجح والله أعلم. (٤) المرأة المتوفَّى عنها زوجها: المرأة إذا توفى عنها زوجها - بعد زواج صحيح - سوا كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت ممن تحيض أم لا - بشرط أن لا تكون حاملًا - فإنها يجب عليها أن تعتد أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام بلياليهن من تاريخ وفاته، لعموم قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ (٣). ولحديث حفصة أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا» (٤). وتستثنى الحامل، فإنها لو مات زوجها فعدتها أن تضع حملها - كما لو لم يَمُتْ - لعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (٥). ولحديث المسور بن مخرمة: «أن سُبيعة الأسلمية نفُستْ بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت» وفي لفظ من حديث

стр. 1387

ابن أرقم: «قالت: فأفتاني - أي النبي ﷺ إذا وضعتُ أن أنكح» (١) وعن عمر ﵁ قال: «لو وضعت وزوجها على السرير لم يُدفن بعدُ لحلَّت» (٢). وبهذا قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار، خالف في ذلك عليٌّ ﵁ فقال: «تعتد آخر الأجلين» (٣) ومعناه: أنها إن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس ويقال إنه رجع عنه، وقوَّاه الحافظ. قال ابن عبد البر: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال عليٌّ وابن عباس لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدَّتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين. اهـ. قلت: فالقول قول الجماهير، والله أعلم. فائدة: عدَّة المتوفى عنها زوجها ليست للعلم ببراءة الرحم، فإنها تجب قبل الدخول بخلاف عدة الطلاق، و «أما عدة الوفاة فهي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تَحُدُّ المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريمًا لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني، ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما عظم حقُّه، حرم نساؤه بعده؟ وبهذا اختص الرسول ﷺ ، لأن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواجه في الآخرة بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها، تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيرًا لها من الأول ... فلا أقل من مدة تتربَّصها، وكانت في الجاهلية تتربَّص سنة، فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر» (٤) اهـ. تحوُّل العدة (٥): العدة قد تنتقل من حالة إلى أخرى كما يلي:

стр. 1388

(١) تحول العدة من الأشهر إلى الأقراء: اتفق الفقهاء على أن الصغيرة أو البالغة التي لم تحض إذا اعتدت بالأشهر، ثم حاضت قبل انقضاء عدتها - ولو بساعة - لزمها استئناف العدة (ابتداؤها من جديد) وحسابها بالأقراء، لأن الأشهر بدل عن الأقراء فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل كالتيمم مع الماء. أما إذا انقضت العدة بالأشهر ثم حاضت بعدها - ولو بلحظة - لم يلزمها استئناف العدة. وأما الآيسة إذا اعتدت ببعض الأشهر ثم رأت الدم، فللعلماء فيها قولان: الأول: تتحول عدتها إلى الأقراء، لأنها لما رأت الدم دلَّ على أنها لم تكن آيسة، وأنها أخطأت في الظن، فلا يعتد بالأشهر في حقها لأنها بدل فلا يعتبر مع وجود الأصل، وهو مذهب الشافعية ورواية عند الحنفية. الثاني: يرجع إلى القرائن، لأنه دم مشكوك فيه، فإن ظهر أنه حيض، فتتحول إلى الأقراء وإلا فلا، وهو مذهب المالكية والحنابلة وهو رواية عند الحنفية. (٢) تحول العدة من الأقراء إلى الأشهر: تنتقل العدة من الأقراء إلى الأشهر - عند الجمهور - في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من الحيض، فتستقبل العدة بالأشهر، لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ (١). والعدة لا تُلَّفق من جنسين، وقد تعذر إتمامها بالحيض فوجب استئنافها (من جديد) بالأشهر. وإياس المرأة أن تبلغ من السن ما لا يحيض فيه مثلها عادة، فإذا بلغت هذه السن مع انقطاع الدم كان الظاهر أنها آيسة من الحيض حتى يتضح خلافه. (٣) تحول المعتدة من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة: إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا رجعيًّا، ثم توفي وهي في العدة، سقطت عنها عدة الطلاق، واستأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا من وقت الوفاة؛ لأن المطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة، فدخلت في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (٢). وقد نقل ابن المنذر الإجماع على هذا.

стр. 1389

أما إذا طلقها طلاقًا بائنًا - في حال صحته أو بناء على طلبها - ثم توفي عنها، فإنها تكمل عدة الطلاق، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، لانقطاع الزوجية بينهما من وقت الطلاق بالإبانة، فلا توارث بينهما لعدم وجود سببه، فتعذَّر إيجاب عدة الوفاء وبقيت عدة الطلاق على حالها. ولو طلقها طلاقًا بائنًا في مرض موته، ففيه خلاف مبناه على ما تقدم من الخلاف في بقاء النكاح حكمًا في حق الإرث لتهمة الفرار - وقد تقدم - فمن قال ترثه لشبهة قيام الزوجية، قال: تعتد بأبعد الأجلين احتياطًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والثوري. ومن قال: الإرث الذي ثبت معاملة بنقيض القصد لا يقتضي بقاء الزوجية، وأنها حينئذٍ بائن من النكاح، قال: ليس عليها عدة وفاة، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر، قلت: وهذا أقرب، والله أعلم. (٤) تحول العدة من القروء أو الأشهر إلى وضع الحمل: إذا ظهر أثناء العدة بالقروء أو الأشهر، أو بعدها، أن المرأة حامل من الزوج، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل، ويسقط حكم ما مضى من القروء والأشهر، ولا يكون ما رأته من الدم حيضًا، ولأن وضع الحمل أقوى دلالة على براءة الرحم من آثار الزوجية التي انقضت، ولقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (١). وبهذا قال جمهور الفقهاء. مكان العِدَّة (أين تعتدُّ المرأة؟» (٢): [١] بالنسبة للمعتدة من طلاق أو فسخ: ذهب جمهور العلماء إلى أن المعتدَّة من طلاق أو فسخ تعتد في مسكن الزوجية الذي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها، وهذا وجب عليها بطريق التعبد، فلا يسقط بالتراضي أو غيره، إلا بعذر شرعي، وكذلك لا يجوز لزوجها أن يخرجها عنه حتى تنقضي العدة لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (٣).

стр. 1390

وهذا الحكم في غير المبتونة، فإنها تعتد حيث شاءت - على الأرجح - لما سيأتي من أمر النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم، وقد كانت طُلِّقت البتة (١). وهل للمعتدَّة الخروج من بيتها؟ اختلف العلماء في هذا بعد اتفاقهم على أنه يجب عليها ملازمة المسكن في العدة، وأنها لا تخرج منه إلا لحاجة أو عذر: ١ - ففي المطلقة الرجعية: فالأحناف والشافعية: لا يجوز لها الخروج من مسكن العدة لا ليلًا ولا نهارًا للآية الكريمة، ولأن الرجعية زوجته فعليه القيام بكفايتها، فلا تخرج إلا بإذنه. وقال المالكية والحنابلة: يجوز لها الخروج نهارًا لقضاء حوائجها، وتلزم منزلها بالليل لأنه مظنة الفساد واستدلوا بحديث جابر قال: طُلقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجدُّ نخلًا لها، فلقيها رجل فنهاها، فأتت النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال: «اخرجي فجدِّين خلك، فلعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرًا» (٢) قلت: في الاستدلال به نظر ظاهر، فالحديث صريح في أنها مبتوتة، والكلام هنا على الرجعية (!!) والأظهر القول الأول لعموم الآية وعدم المخصص. وأما المطلقة البائن: فذهب الجمهور، ومعهم الثوري والأوزاعي والليث - خلافًا للحنفية - (٣) إلى أنه يجوز لها الخروج نهارًا لقضاء حوائجها ولتتكسَّب سواء كانت بائنًا بينونة صغرى أو كبرى لحديث جابر المتقدم، وهو نص في المسألة فيتعيَّن القول به والله أعلم. [٢] بالنسبة للمعتدة من وفاة الزوج: ذهب جمهور العلماء إلى أن المعتدة من وفاة زوجها يجب عليها أن تعتدَّ في بيت الزوجية كذلك حتى أنها لو كانت حين وفاته عند أهلها - أو نحوه - فعليها أن تعود لتعتد في بيت زوجها الذي كانت تسكنه قبل وفاته، وحجتهم: ١ - حديث فريعة بنت مالك بن سنان - أخت أبي سعيد الخدري - «أنها جاءت النبي ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة وأن زوجها خرج في

стр. 1391

طلب أعبد به أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسول الله ﷺ أني أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه قالت فقال رسول الله ﷺ : «نعم» فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له قال فكيف قالت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به» (١) وإسناده ضعيف. ٢ - ما روي عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد عن نسائهم وكُنَّ متجاورات في داره فجئن النبيَّ ﷺ فقُلن: إنا نستوحش يا رسول الله بالليل فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا بيوتنا، فقال النبي ﷺ : «تحدَّثن عند إحداكن ما بدا لكُنَّ حتى إذا أردتن النوم فلتأت كل امرأة إلى بيتها» (٢). ٣ - أنه صحَّ هذا القول عن ابن عمر وابن مسعود ﵄ (٣). بينما ذهب آخرون إلى أن المعتدة من الوفاة تعتد حيث شاءت، وهو قول جماعة من الصحابة، ويستدل لهذا القول بما يلي: ١ - ما رُوي عن عليٍّ: «أن النبي ﷺ أمر المتوفَّى عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت» (٤). لكنه ضعيف. ٢ - أن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (٥). ناسخ للآية التي جعلت العدة للمتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا وهي قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ (٦). والفسخ إنما وقع على ما زاد على أربعة أشهر وعشر، فبقي ما

стр. 1392

سوى ذلك من الأحكام، ثم جاء الميراث فنسخ السكني، وتعلق حقها بالتركة، فتعتد حيث شاءت، وهذا قول ابن عباس وعطاء (١). ٣ - قول ابن عباس: «إنما قال الله تعتد أربعة أشهر وعشرًا ولم يقل تعتد في بيتها، تعتدُّ حيث شاءت» (٢). ٤ - عن عروة قال: «كانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدَّتها» (٣). ٥ - وعن جابر قال: «تعتد المتوفى عنها حيث شاءت» (٤). ٦ - وعن الشعبي قال: «كان عليٌّ يرُحِّلهنَّ، يقول: ينقلهنَّ» (٥). ٧ - أنه قد قتل من الصحابة ﵃ على عهد النبي ﷺ خلق كثير، واعتدَّ أزواجهم بعدهم، فلو كان كل امرأة منهن تلازم منزلها زمن العدة، لكان ذلك من أظهر الأشياء، ولما خفي على من هو دون ابن عباس وعائشة وجابر وعليًّ، فكيف خفي عليهم. قلت: ليس في المسألة حديث صحيح مرفوع، وقد صحَّ عن الصحابة كلا القولي، فالمسألة اجتهادية، فالظاهر أنه لا مانع من اعتدادها حيث شاءت لكن الأورع اعتدادها في بيت زوجها إلا لعذر، ولذا قال الزهري ﵀: «أخذ المترخِّصون بقول عائشة، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر» (٦) والله أعلم بالصواب. إحداد المعتدَّة: الإحداد لغةَ: المنع، وفي الاصطلاح: امتناع المرأة من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة. حكم الإحداد: [١] المتوفى عنها زوجها: يجب عليها الإحداد في عدة الوفاة ولم لم يدخل

стр. 1393

بها، عند جماهير العلماء لقوله ﷺ : «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرًا» (١). والزوجة الصغيرة تحد على زوجها: عند جمهور العلماء خلافًا للحنفية وعلى وليِّها أن يمنعها من فعل ما ينافي الإحداد، لأن الإحداد تبع للعدة، ولحديث أم سلمة: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله، إن ابنتي تُوفِّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: «لا» مرتين أو ثلاثًا ... الحديث (٢) ولم يسألها عن سنِّها، وترك الاستفصال في مقام السؤال دليل على العموم. وهل تحدُّ الزوجة الكتابية؟ ذهب الجمهور - خلافًا للحنفية ورواية عن مالك - إلى أن الكتابية إذا مات زوجها المسلم وجب عليها أن تحدَّ عليه، لعموم الأدلة السابقة في الزوجات ولأن الإحداد تبع للعدة. وأما إحداد المرأة على قريبها - غير الزوج -: فلا يجب، بل هو جائز لمدة ثلاثة أيام فقط، ولا يجوز الزيادة عليها، لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: لما أتي أمَّ حبيبة نَعيُ أبي سفيان (٣) دعت في اليوم الثالث بصفرة، فمسحت بها ذراعيها وعارضيها، وقالت: كنتُ عن هذا غنية، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (٤). وعلى هذا فللزوج أن يمنعها من الإحداد على القريب إن شاء، فلو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه باتفاق العلماء. [٢] المعتدة الرجعية: المطلقة الرجعية لا إحداد عليها - في عدَّتها - بالإجماع، بل يطلب منها أن تتعرض لمطلقها وتتزيَّن له، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، على أن للشافعي رأيًا أنها تحد إذا لم ترجُ الرَّجعة (!!). [٣] المعتدة من طلاق بائن: للعلماء في إحدادها في العدة قولان: الأول: عليها الإحداد، وهو مذهب الحنفية - والشافعي في القديم - وإحدى

стр. 1394

الروايتين في مذهب أحمد، وعللوا ذلك بأن إحدادها لفوات نعمة النكاح، فهي تُشبه من وجه من توفى عنها زوجها (!!). الثاني: لا إحداد عليها، وهو مذهب مالك والشافعي في الجديد - إلا أنه استحبُّه - وأحمد في الرواية الأخرى وهو المذهب وبه قال جماعة من السلف وأبو ثور وابن المنذر، قالوا: لأن الزوج هو الذي فارقها نابذًا لها، فلا يستحق أن تحد عليه (!!). قلت: والثاني أرجح لأن الشرع علَّق الإحداد على الوفاة، وليس في لسان الشرع - فيما أعلم - تعليق إحداد طلاق، والله أعلم. النفقة والسكنى للمعتدة: [١] بالنسبة للمعتدة من طلاق رجعي: المعتدة من طلاق رجعي تعتبر زوجة، لأن ملك النكاح قائم، ولذا اتفق أهل العلم على وجوب ما يلزم معيشتها من نفقة وسكنى وكسوة، سواء كانت حاملًا أو حائلًا (غير حامل) لبقاء آثار الزوجية مدة العدة، ولقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (١). ولحديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» (٢). [٢] بالنسبة للمعتدة من طلاق بائن: فلها حالتان: (أ) أن تكون حاملًا: فتجب لها النفقة والسكنى حتى تضع حملها بلا خلاف بين أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ (٣). ولما في بعض طرق حديث فاطمة بنت قيس: وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة نفقة، فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملًا، فأتت النبي ﷺ فذكرت له قولها، فقال: «لا نفقة لك» ... الحديث (٤). (ب) أن لا تكون حاملًا: لأهل العلم في حكم النفقة والسكنى للمطلَّقة طلاقًا بائنًا - غير الحامل - في عدتها ثلاثة أقوال:

стр. 1395

الأول: لها النفقة والسكنى: وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود، ومأخذ هذا القول أن قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم ...﴾ (١). عام في جميع المطلقات لأنها ذُكرت بعد قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (٢). وهذه انتظمت الرجعية والبائن. الثاني: لها السكنى دون النفقة: وهو مذهب مالك والشافعي والرواية الثانية عن أحمد، ومأخذه أن الله تعالى أطلق السكنى لكل مطلقة من غير تقييد في قوله ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (٣). فكانت حقًّا لهن، لأنه لو أراد غير ذلك لقيَّد كما فعل في النفقة إذا قيَّدها بالحمل. الثالث: ليس لها سكنى ولا نفقة: وهو قول أحمد - في رواية - وإسحاق وأبي ثور وداود وأصحابه وسائر أهل الحديث، وبه قال ابن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس - وكانت تناظر عليه - وطائفة من السلف، قلت: وهو الأرجح لما يأتي: ١ - حديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلَّقها البتة، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، قالت: «فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن اعتدَّ في بيت أم مكتوم» (٤). وقد طمن عمر ﵁ في هذا الحديث: فعن أبي إسحاق قال: «كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك، تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: «لا نترك كتاب الله وسنَّة (٥) نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ لها السكنى والنفقة» قال الله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (٦) (٧).

стр. 1396

وأنكرت عائشة قول فاطمة هذا: وأخبرت أن النبي ﷺ إنما أرخص لها في ترك السكنى لكونها كانت في مكان وَحْش فخيف على حياتها (١). والجواب عن هذه المطاعن أن يقال (٢): ١ - أن كون الراوي امرأة ليس بمطعن بلا شك، والعلماء قاطبة على خلافه من الاحتجاج برواية النساء كالرجال، وهي قد حفظتْ الحكم لاسيما والقصة وقعت معها، حتى أنها ناظرت من خالفها على كتاب الله كما سيأتي. - ثم إن الطعن في روايتها بأنها مخالفة للقرآن يجاب عنه بأنه على فرض أن روايتها مخالفة للقرآن فهي مخالفة لعمومه، فتكون تخصيصًا للعام، فحكمها حكم تخصيص قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ (٣). بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو أختها أو خالتها، فإن القرآن لم يخصَّ البائن بأنها لا تخرج ولا تُخرج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها بل إما أن يعمها ويعمَّ الرجعية - فيكون مخصصًا برواية فاطمة - وإما أن يكون مختصًّا بالرجعية، وهو الصواب للسياق لمن تدبَّره: فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤). فذكر سبحانه لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض متعلقة بمن لهم عند بلوغ الأجل (العدة) الإمساك والتسريح وقال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾. والمراد به الرجعة، كما قالت فاطمة بنت قيس نفسها عندما أنكر عليها مروان حديثها: «بيني وبينكم القرآن: قال الله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾. إلى قوله: ﴿لا تدري لعل الله

стр. 1397

يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ (١). قالت: هذا لمن كان له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ...» الحديث (٢). ثم أمر بالإشهاد أي على الرجعة، فكانت هذه الأحكام المذكورة متعلقة بالمطلقة الرجعية وحدها، فلما ذكر بعد ذلك الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات بقوله ﴿اسكنوهن ...﴾ (٣). كان المراد الرجعيات كذلك لتتَّحد الضمائر، ويؤيد هذا الفهم ما يأتي من الأدلة. ٢ - قول النبي ﷺ في رواية لحديث فاطمة -: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» (٤) قلت: وهو صريح في محل النزاع فيتعين المصير إليه، ثم فيه الرد على تعليل عائشة ﵂ لإخراج فاطمة من بيتها، لأنه صرَّح بأن العلة في استحقاق النفقة والسكنى هي إمكان الرجعة. ٣ - أنَّ مقتضى النظر: فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبية، حكمها حكم سائر الأجنبيات، ولم يبق إلا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة. ٤ - ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد البينونة. ٥ - ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل العدة، لوجبت للمتوفى عنها من ماله، ولا فرق، فإن كل واحدة منهما قد بانت عنه وهي معتدَّة منه، قد تعذَّر منهما الاستمتاع، والله أعلم. [٣] بالنسبة للمعتدة من وفاة زوجها: ذهب الحنفية والحنابلة - وهو قول عند الشافعية - إلى أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة ولا سكنى لها من ماله في العدة، وليس لها إلا مقدار ميراثها إن كانت وارثة: لأن المال صار - بموته - للغرماء أو الورثة أو الوصية، ويؤيده قول ابن عباس بأن آية الميراث نسخت قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ (٥). وقد تقدم.

стр. 1398

وقد ذهب الشافعية - في الأظهر - والمالكية إلى أن لها السكنى بشرطين: أن يكون دخل بها، وأن يكون المسكن ملكه، وحجتهم حديث فريعة المتقدم، وهو ضعيف. قلت: والأول أظهر. فإن كانت المتوفى عنها زوجها حاملًا فقال الأكثرون: لا نفقة لها من ماله، لأن نفقته على زوجته وأولاده الأحياء تسقط عنه بموته فكذلك الحامل من أزواجه. فالحاصل أن المتوفى عنها، ليس لها حق في نفقة أو سكن إلا مقدار ميراثها سواء كانت حاملًا أو حائلًا والله أعلم. متعة المطلَّقات: المتعة: مال يدفعه الزوج لمطلَّقته، وقد يكون هذا المال ثيابًا أو كسوة أو نفقة أو خادمًا أو غير ذلك مما يستمتع به، ويختلف مقدارها بحسب حال الزوج يسرًا وعسرًا، قال الله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ (٢). وقد اختلف أهل العلم في حكم المتعة على ثلاثة أقوال (٣): الأول: تجب المتعة لكل مطلَّقة: وهو مروي عن عليِّ بن أبي طالب والحسن وسعيد بن جبير وجماعة من السلف وأبي ثور والظاهرية وهو رواية عن أحمد ونصرها شيخ الإسلام، لعموم الآيات الآمرة بها. الثاني: تستحب المتعة لكل مطلقة ولا تجب: وهو مذهب مالك والليث بن سعيد وشريح، لتقييد المتعة بأنها حق على المتقين والمحسنين وتقييدها بالمعروف. الثالث: تجب المتعة للمفوضة - وهي المطلقة قبل الدخول بها التي لم يفرض لها مهر - دون من فُرض لها المهر: وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي والأوزاعي وأحمد في رواية الجماعة عنه، وهو قول ابن عمر وابن عباس وطائفة

стр. 1399

من السلف، واحتجوا بقول ابن عمر: «لكل مطلقة متعة إلا التي طلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها فلها نصف الصداق، ولا متعة لها» (١). والتحقيق ... أن يقال: عموم الآيات السابقة تدل على أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء كانت مدخولًا بها أو لا، وسواء كان مهرها مفروضًا أو غير مفروض، لكن ينبغي التنبُّه إلى أن ما تستحقه المطلقة قبل الدخول من المتعة ليس أمرًا زائدًا على نصف المهر المنصوص عليه، فمتعتها هي نصف المهر لا غيره. فإن الله تعالى أوجب للمطلقات قبل الدخول متعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ ...﴾ (٢). وهذه المتعة أعم من أن تكون مقدَّرة أو غير مقدَّرة، وقد فصَّلَت هذا العموم آيات البقرة، فجعلت لمن سُمِّي لها مهر نصف المهر إذا طلقت قبل الدخول، أما التي لم يُسمَّ لها مهر فلها متعة غير مقدَّرة، قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ... عقدة النكاح﴾ (٣) (٤). قلت: وهذا قول الجمهور، وهو عين ما قاله ابن عمر ﵁، والله أعلم. الخُلْع تعريف الخلع: الخُلعُ لغةً: هو النزع والتجريد، يقال: خلع الثوب والرداء يخلعه خلعًا: جرَّده، والخُلع - بالضم -: اسم من الخلع، والمرأة لباس الرجل مجازًا. والخُلع اصطلاحًا تعددت عبارات الفقهاء في تعريفه، وخلاصة هذه التعريفات أنه: «وقوع الفُرقة بين الزوجين بتراضيهما، وبعوض تدفعه الزوجة لزوجها» (٥). مشروعيته: والأصل في مشروعيته الخلع:

стр. 1400

١ - قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ (١). ٢ - حديث ابن عباس قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنفقتم على ثابت في دين ولا خُلق، إلا أني أخاف الكفر (٢)، فقال رسول الله ﷺ : «فتردِّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فردَّت عليه وأمره ففارقها» (٣). ٣ - وقد أجمع العلماء لا خلاف بينهم - إلا بكر بن عبد الله المزني - في مشروعية الخلع (٤). حكمة مشروعيته (٥): قال الله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ...﴾ (٦). فتشريع الخُلع هو للتوقِّي من تعدِّي حدود الله التي حدَّها للزوجين من حسن المعاشرة، وقيام كل منهما بما عليه من حقوق الآخر، مع ملاحظة المماثلة في الحقوق وقيام الزوجة بما تستدعيه وتستلزمه قوامة الرجل على المرأة، وما يلزمها من قيام بأمور البيت وتربية الأولاد وعدم المُضارَّة. وتشريع الخلع هو في المقام الأول لإزالة الضرر عن الزوجة بسبب بقاء النكاح بينها وبينه، لبغضها له، أو لعدم قيامه بحقوقها. ثم هو في المقام الثاني لمصلحة الزوج ودفع الضرر عنه، وإنما جُعلت مصلحة الزوج في المقام الثاني، لأنه يستطيع التخلص من ضرر بقاء رابطة الزوجية بإرادته المنفردة - بالطلاق - دون توقف على رضا وموافقة الزوجة. الحكم التكليفي للخُلع: الخُلع على ثلاثة أَضْرُب:

стр. 1401

[١] مُباح: وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها إياه، وتخاف ألا تؤدي حقَّه، ولا تقيم حدود الله في طاعته، فلها أن تفتدي نفسها منه، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح علهما فيما افتدت به﴾ (١). ولحديث ابن عباس - المتقدم قريبًا - قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : «فتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فردَّت عليه، وأمره ففارقها» (٢). ولأن حاجتها داعية إلى فرقته، ولا تصل إلى الفرقة إلا ببذل العِوَض فأبيح لها ذلك. ويستثنى من ذلك ما لو كان الزوج له ميل إليها ومحبة فحينئذٍ يستحب صبرها وعدم افتدائها (٣). [٢] مُحَرَّم: وله حالتان، إحداهما من جانب الزوجة والأخرى من جانب الزوج: (أ) فأما من جانب الزوجة: فكما إذا خالعته من غير سبب مع استقامة الحال بينهما لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). ولحديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (٥). وفي الباب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «المختلعات هُنَّ المنافقات» (٦). وهو ضعيف.

стр. 1402

(ب) وأما من جانب الزوج: فكما إذا عضل الرجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقها ظلمًا لتفتدي نفسها منه، لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما اتيتموهن﴾ (١). فإن فارقها - في هذه الحالة - بعوض لم يستحقَّه؛ لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحقه. لكن إن زنت فعضلها لتفتدي نفسها منه جاز وصحَّ الخلع لقوله تعالى: ﴿لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (٢). والاستثناء من النهي إباحة. وإن ضربها لغير قصد أخذ شيء منها فخالعته لذلك صحَّ الخُلع، لأنه لم يعضلها ليأخذ مما آتاها شيئًا (٣). [٣] مُستحَبٌّ: ويكون طلب الزوجة للخلع من زوجها مستحبًّا إذا كان مفرِّطًا في حقوق الله تعالى - عند الحنابلة (٤) - قلت: وربما يكون واجبًا في بعض الحالات كأن يكون الزوج مُصرًّا على ترك الصلاة (٥) بالرغم من تذكيرها له بلزوم ما فرض الله عليه، وكأن يكون مدمنًا لتعاطي المخدرات ونحوها أو مرتكبًا للكبائر، أو كان يأمرها بالمحرمات ونحوها. «وهكذا الحكم فيما لو كان الزوج متلبِّسًا باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام ويجعله مرتدًا، ولا تستطيع المرأة إثبات ذلك أمام القضاء ليحكم بالتفريق، أو تستطيع إثبات ذلك ولكن القاضي لا يحكم بردَّته ولا يحكم بوجوب التفريق، فعليها في هذه الحالة أن تطلب من هذا الزوج أن يخالعها ولو على مال تدفعه له، لأنه لا ينبغي للمسلمة أن تكون زوجة لمثل هذا الرجل المتلبِّس بما يكفر به اعتقادًا أو فعلًا» اهـ (٦).

стр. 1403

حقيقة الخُلع (التكييف الفقهي للخُلع): اتفق جمهور العلماء على أن الخلع إذا كان بلفظ الطلاق أو نيَّته فإنه يقع طلاقًا. وإنما الخلاف بينهم في وقوعه بغير لفظ الطلاق ولم ينو به صريح الطلاق أو كنايته، وكان المراد الفداء لأجل المخالعة، على قولين: الأول: الخُلع طلقة بائنة: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - ورواية عن أحمد وابن حزم - إلا أنه قال: طلقة رجعية - وبه قال عطاء والنخعي والشعبي والزهري والأوزاعي والثوري، وهو مروي عن عثمان وعليٍّ وابن مسعود ﵃ (١) - ولا يثبت عن أحد من الصحابة ذلك - وحجة هذا القول ما يلي: ١ - ما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس - في قصة امرأة ثابت بن قيس - وفيه أن النبي ﷺ قال لثابت: «اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة» (٢) وأجيب: بأن الحديث بهذا اللفظ مرسل كما أشار البخاري، والطرق الصحيحة الموصولة ليس فيها ذكر التطليق!! ٢ - ما ورد في بعض طرق الحديث السابق عن ابن عباس «أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة» (٣). وأجيب: بأنه ضعيف، فلا يحتج به. ٣ - ما روُي أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أُسيد واختلعت منه، فندما، فارتفعا إلى عثمان بن عفان، فأجاز ذلك، وقال: «هي واحدة إلا أن تكون سمَّت شيئًا فهو على ما سمَّت» (٤) وأجيب: بأن هذا لا يثبت عن عثمان، بل

стр. 1404

الثابت عنه أنه لا يرى عليها العدة وأنها تستبرئ بحيضة - كما سيأتي - فلو كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدة!! ٤ - ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: «لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء» (١). وأجيب: بأنه ضعيف، ولو صحَّ فإنه يدلُّ على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة، لا أن الخلع يكون طلاقًا بائنًا، وبين الأمرين فرق ظاهر. ٥ - ما رُوي عن عليِّ بن أبي طالب أن الخلع طلاق، وأجيب: بأنه ضعيف كذلك، قال ابن حزم: روينا من طريق لا يصح عن عليٍّ ﵁. اهـ. ولذا قال شيخ الإسلام (٣٢/ ٢٨٩): وما علمتُ أحدًا من أهل العلم صحح ما نُقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث. اهـ. وقال ابن خزيمة - كما في «التخليص الحبير» (٣/ ٢٣١) -: «إنه لا يثبت عن أحد أنه رأى الخلع طلاق» اهـ. ٦ - أن الفرقة؟؟؟؟ ص ٣٤٥ هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقًا، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدًا قراءتها فكان طلاقًا كغير الخلع من كنايات الطلاق. القول الثاني: الخُلع فسخ وليس بطلاق: وهو القول القديم للشافعي والرواية المشهورة عن أحمد، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود، وهو مذهب ابن عباس ﵁ وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٢)، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ... وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾ (٣). قالوا: فذكر الله الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما

стр. 1405

افتدت به﴾ ثم قال سبحانه: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) فلو كان الخلع طلاقًا لكان عدد التطليقات أربعًا. وهذا هو فهم ابن عباس للآية الكريمة: فقد سئل عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال ابن عباس: «ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق، ينكحها» (٢) وقد أجيب عن الآية: بأن الله تعالى ذكر التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، وبهذا لا يصير الطلاق أربعًا. ٢ - وعن عكرمة عن ابن عباس قال: «ما أجازه المال فليس بطلاق» (٣). ٣ - حديث الربيِّع بنت معوَّذ قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألته: ماذا عَلَيَّ من العدَّة؟ فقال: «لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة» قال: «وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فاختلعت منه» (٤). وقد رُوي عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدَّتها حيضة» (٥) وفيه ضعف. ووجه الدلالة منهما: أن الخلع لو كان طلاقًا لم يقتصر ﷺ على الأمر بالاعتداد بحيضة، وهذا أقوى أدلة هذا القول. الراجح: والذي يظهر أن كون الخُلع فسخًا لا طلاقًا هو الأقوى، والله أعلم. ثمرة الخلاف السابق وأثره: يتفرَّع على القول بأن الخُلع فسخٌ وليس بطلاق، ألا يُحسب من التطليقات الثلاث، فلو خالعها بعد تطليقتين فله أن يتزوَّجها، حتى وإن خالعها مائة مرة.
следующие страницы →