← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

[١] مُباح: وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها إياه، وتخاف ألا تؤدي حقَّه، ولا تقيم حدود الله في طاعته، فلها أن تفتدي نفسها منه، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح علهما فيما افتدت به﴾ (١). ولحديث ابن عباس - المتقدم قريبًا - قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : «فتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فردَّت عليه، وأمره ففارقها» (٢). ولأن حاجتها داعية إلى فرقته، ولا تصل إلى الفرقة إلا ببذل العِوَض فأبيح لها ذلك. ويستثنى من ذلك ما لو كان الزوج له ميل إليها ومحبة فحينئذٍ يستحب صبرها وعدم افتدائها (٣). [٢] مُحَرَّم: وله حالتان، إحداهما من جانب الزوجة والأخرى من جانب الزوج: (أ) فأما من جانب الزوجة: فكما إذا خالعته من غير سبب مع استقامة الحال بينهما لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). ولحديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (٥). وفي الباب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «المختلعات هُنَّ المنافقات» (٦). وهو ضعيف.

стр. 1402

(ب) وأما من جانب الزوج: فكما إذا عضل الرجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقها ظلمًا لتفتدي نفسها منه، لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما اتيتموهن﴾ (١). فإن فارقها - في هذه الحالة - بعوض لم يستحقَّه؛ لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحقه. لكن إن زنت فعضلها لتفتدي نفسها منه جاز وصحَّ الخلع لقوله تعالى: ﴿لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (٢). والاستثناء من النهي إباحة. وإن ضربها لغير قصد أخذ شيء منها فخالعته لذلك صحَّ الخُلع، لأنه لم يعضلها ليأخذ مما آتاها شيئًا (٣). [٣] مُستحَبٌّ: ويكون طلب الزوجة للخلع من زوجها مستحبًّا إذا كان مفرِّطًا في حقوق الله تعالى - عند الحنابلة (٤) - قلت: وربما يكون واجبًا في بعض الحالات كأن يكون الزوج مُصرًّا على ترك الصلاة (٥) بالرغم من تذكيرها له بلزوم ما فرض الله عليه، وكأن يكون مدمنًا لتعاطي المخدرات ونحوها أو مرتكبًا للكبائر، أو كان يأمرها بالمحرمات ونحوها. «وهكذا الحكم فيما لو كان الزوج متلبِّسًا باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام ويجعله مرتدًا، ولا تستطيع المرأة إثبات ذلك أمام القضاء ليحكم بالتفريق، أو تستطيع إثبات ذلك ولكن القاضي لا يحكم بردَّته ولا يحكم بوجوب التفريق، فعليها في هذه الحالة أن تطلب من هذا الزوج أن يخالعها ولو على مال تدفعه له، لأنه لا ينبغي للمسلمة أن تكون زوجة لمثل هذا الرجل المتلبِّس بما يكفر به اعتقادًا أو فعلًا» اهـ (٦).

стр. 1403

حقيقة الخُلع (التكييف الفقهي للخُلع): اتفق جمهور العلماء على أن الخلع إذا كان بلفظ الطلاق أو نيَّته فإنه يقع طلاقًا. وإنما الخلاف بينهم في وقوعه بغير لفظ الطلاق ولم ينو به صريح الطلاق أو كنايته، وكان المراد الفداء لأجل المخالعة، على قولين: الأول: الخُلع طلقة بائنة: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - ورواية عن أحمد وابن حزم - إلا أنه قال: طلقة رجعية - وبه قال عطاء والنخعي والشعبي والزهري والأوزاعي والثوري، وهو مروي عن عثمان وعليٍّ وابن مسعود ﵃ (١) - ولا يثبت عن أحد من الصحابة ذلك - وحجة هذا القول ما يلي: ١ - ما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس - في قصة امرأة ثابت بن قيس - وفيه أن النبي ﷺ قال لثابت: «اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة» (٢) وأجيب: بأن الحديث بهذا اللفظ مرسل كما أشار البخاري، والطرق الصحيحة الموصولة ليس فيها ذكر التطليق!! ٢ - ما ورد في بعض طرق الحديث السابق عن ابن عباس «أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة» (٣). وأجيب: بأنه ضعيف، فلا يحتج به. ٣ - ما روُي أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أُسيد واختلعت منه، فندما، فارتفعا إلى عثمان بن عفان، فأجاز ذلك، وقال: «هي واحدة إلا أن تكون سمَّت شيئًا فهو على ما سمَّت» (٤) وأجيب: بأن هذا لا يثبت عن عثمان، بل

стр. 1404

الثابت عنه أنه لا يرى عليها العدة وأنها تستبرئ بحيضة - كما سيأتي - فلو كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدة!! ٤ - ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: «لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء» (١). وأجيب: بأنه ضعيف، ولو صحَّ فإنه يدلُّ على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة، لا أن الخلع يكون طلاقًا بائنًا، وبين الأمرين فرق ظاهر. ٥ - ما رُوي عن عليِّ بن أبي طالب أن الخلع طلاق، وأجيب: بأنه ضعيف كذلك، قال ابن حزم: روينا من طريق لا يصح عن عليٍّ ﵁. اهـ. ولذا قال شيخ الإسلام (٣٢/ ٢٨٩): وما علمتُ أحدًا من أهل العلم صحح ما نُقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث. اهـ. وقال ابن خزيمة - كما في «التخليص الحبير» (٣/ ٢٣١) -: «إنه لا يثبت عن أحد أنه رأى الخلع طلاق» اهـ. ٦ - أن الفرقة؟؟؟؟ ص ٣٤٥ هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقًا، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدًا قراءتها فكان طلاقًا كغير الخلع من كنايات الطلاق. القول الثاني: الخُلع فسخ وليس بطلاق: وهو القول القديم للشافعي والرواية المشهورة عن أحمد، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود، وهو مذهب ابن عباس ﵁ وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٢)، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ... وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾ (٣). قالوا: فذكر الله الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما

стр. 1405

افتدت به﴾ ثم قال سبحانه: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) فلو كان الخلع طلاقًا لكان عدد التطليقات أربعًا. وهذا هو فهم ابن عباس للآية الكريمة: فقد سئل عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال ابن عباس: «ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق، ينكحها» (٢) وقد أجيب عن الآية: بأن الله تعالى ذكر التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، وبهذا لا يصير الطلاق أربعًا. ٢ - وعن عكرمة عن ابن عباس قال: «ما أجازه المال فليس بطلاق» (٣). ٣ - حديث الربيِّع بنت معوَّذ قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألته: ماذا عَلَيَّ من العدَّة؟ فقال: «لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة» قال: «وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فاختلعت منه» (٤). وقد رُوي عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدَّتها حيضة» (٥) وفيه ضعف. ووجه الدلالة منهما: أن الخلع لو كان طلاقًا لم يقتصر ﷺ على الأمر بالاعتداد بحيضة، وهذا أقوى أدلة هذا القول. الراجح: والذي يظهر أن كون الخُلع فسخًا لا طلاقًا هو الأقوى، والله أعلم. ثمرة الخلاف السابق وأثره: يتفرَّع على القول بأن الخُلع فسخٌ وليس بطلاق، ألا يُحسب من التطليقات الثلاث، فلو خالعها بعد تطليقتين فله أن يتزوَّجها، حتى وإن خالعها مائة مرة.

стр. 1406

أركان الخلع وما يتعلق بها الخُلع تصرفٌ شرعي من قبل الزوجين بصيغة معينة تترتب عليه الفرقة بينهما نظير مال تدفعه الزوجة إلى الزوج. وبهذا يتبيَّن أن أركان الخُلع أربعة: الزوجان - ويسميان: المخالَع والمختلعة - وصيغة الخلع والعوض. الركن الأول: المخالَع (الزوج): اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المخالع أن يكون ممن يملك التطليق، والقول الجامع في شروط المخالع أن يقال: (من جاز طلاقه جاز خُلعه). ولهذا أجاز الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - خُلع المحجور عليه لفلس أو سفه أو رقٍّ لأنهم يملكون الطلاق. لكن لا يجوز تسليم المال إلى المحجور عليه، لأن الحجر أفاد منعه من التصرف (١). خلع المريض مرض الموت (٢): إذا صح طلاق المريض مرض الموت بغير عوض، فلأن يصح بعوض أولى، لكنهم اختلفوا في حق المختلعة - في هذه الحالة - في الميراث من زوجها: فذهب الجمهور -خلافًا للمالكية - إلى أنها لا ترث منه لوقوع البينونة بالفرقة، ولأن الفرقة وقعت بقبولها ورضاها، فكأنه طلَّقها بسؤالها وطلبها فانتفت التهمة. لكن قال الحنابلة: لو أوصى لها - بعد مخالعتها - بمثل ميراثها أو أقل صحَّ، لأنه لا تهمة في أنه طلَّقها ليعطيها ذلك، فإنه لو لم يفارقها عن طريق المخالعة لأخذت ما أوصى لها به عن طريق الميراث، وإن أوصى لها بزيادة على ميراثها فللورثة منه الزائد عنها، لأنه اتهم في أنه قصد إيصال ذلك إليها. قال الدكتور زيدان معقبًّا على قول الحنابلة هذا: «إذا كان هذا التوجيه مقبولًا، فإن الأولى قبولًا أن يقال: يُنظر إلى بدل الخلع الذي بذلته له وينقص مقدار هذا البدل من الموصى به لها، فالباقي إن كان أكثر من ميراثها منه لو لم تخالعه، هو

стр. 1407

الذي يسترد منها، أما إذا كان الباقي أقل من ميراثها منه لو لم تخالعه، فلا سبيل إلى استرداد شيء منه للورثة، وهذا - كما يبدو لي - هو مقتضى العدل والتسوية بين المخالع والمختلعة» اهـ (١). الركن الثاني: المختلعة (الزوجة): يشترط في المختلعة شرطًا: [١] أن تكون زوجة شرعًا: لأن الغرض من الخُلع هو خلاصها من قيد الزوجية، وهذا القيد إنما يكون في النكاح الصحيح حيث تكون زوجة شرعية، لكن: هل يشترط قيام الزوجية فعلًا؟ بمعنى: هل تخالع المعتدَّة؟ (٢) (أ) المعتدة من طلاق رجعي: في حكم الزوجة حال قيام الزوجية - ما دامت في العدة - لأن الطلاق الرجعي لا يرفع الحل ولا الملك - كما تقدم - فتصح مخالعتها بعوض لفكاكها عن رباط الزوجية (٣). (ب) المعتدة من طلاق بائن: لا يصح خُلعها؛ لأنه لا يملك نكاحها حتى يزيله، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وحكي الماوردي فيه إجماع الصحابة. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن المخالفة تصح لكن لا يلزمها المال، لأن إعطاءه لتحصيل الخلاص المنجِّز، وهو حاصل (!!) (٤). قلت: والأوَّل أصحُّ لأنها في العدة من الطلاق البائن ليست زوجة، والله أعلم. [٢] أن تكون أهلًا للتبرُّع والتصرف في المال: بأن تكون بالغة عاقلة رشيدة. فإذا كانت الزوجة صغيرة أو مجنونة: فلا يصحُّ منها الخلع، وسواء كانت الصغيرة مميزة أو غير مميزة، لأن الخلع كالتبرع، والصغيرة والمجنونة ليستا من أهل التبرع (٥).

стр. 1408

وهل يُخالع الأب - أو الولي - عن الصغيرة؟ (١) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة - على المذهب - إلى أنه لا يجوز للأب خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها، لأنه لا نظر له فيه، إذ البُضع غير مُتقوَّم، والبدل متقوَّم، بخلاف النكاح، لأن البضع متقوم عند الدخول، ولأنه بذلك يسقط حقها من المهر والنفقة والاستمتاع، وإذا لم يجز، لا يسقط المهر ولا يستحق مالها، وللزوج مراجعتها إن كان بعد الدخول. ومذهب المالكية - وخرَّجه بعض متأخري الحنابلة عن أصول أحمد - وهو اختيار شيخ الإسلام: أن للأب أن يخالع عن ابنته الصغيرة بمالها إذا رأى المصلحة لها، كتخليصها ممن يتلف مالها، ويُخاف منه على نفسها وعقلها. وخرَّجه بعضهم على أن للأب العفو عن نصف المهر في الطلاق قبل الدخول بناء على أنه الذي بيده عقدة النكاح - وقد تقدم تحريره - وردَّه في «المهذَّب» بقوله: «وهذا خطأ، لأنه إنما يملك الإبراء - على هذا القول - بعد الطلاق، وهذا الإبراء (أي: في الخلع) قبل الطلاق» اهـ. فإن خالع الولي عنها بشيء من ماله جاز؛ لأنه يصح عندهم خُلع الأجنبي والتزامه ببدل الخلع فالأب أولى. خُلع المريضة في مرض موتها (٢): اتفق الفقهاء - في الجملة - على أنه تصح مخالعة المرأة المريضة مرض الموت لزوجها في مرضها، لأنه معاوضة كالبيع، وإنما الخلاف بينهم - إلا الظاهرية - في القدر الذي يأخذه الزوج في مقابل ذلك، مخافة أن تكون الزوجة راغبة في محاباته على حساب الورثة. ١ - فعند الحنفية: يأخذ الأقل من ميراثه منها ثم يفارقها أو بدل الخُلع أو ثلث تركتها، هذا إن ماتت في العدة، فإن ماتت بعد العدة، أو قبل الدخول، أخذ زوجها الأقل من: بدل الخلع أو ثلث التركة.

стр. 1409

٢ - وعند المالكية والحنابلة: يأخذ بدل الخلع إن كان بقدر ميراثه منها أو أقل. ٣ - وعند الشافعية: أن الخلع إن كان بمهر المثل نفذ دون اعتبار الثلث، وإن كان بأكثر فالزيادة كالوصية للزوج، وتعتبر في الزيادة الثلث، أي أنه يستحق مهر المثل والزيادة في حدود ثلث التركة!! ٤ - وأما الظاهرية: فلا فرق عندهم بين طلاق المريض أو المريضة وغيره ولا تأثير للمرض في صحة الطلاق - والخلع عند ابن حزم طلاق - وعليه يأخذ الزوج ما خالع عليه ولو زاد على ميراثه أو الثلث. خُلع الفضولي (الأجنبي) عن الزوجة (١): الفضولي هو الذي ليست له صفقة تُخوِّله إجراء المخالعة عنها، إذ ليس هو بوليٍّ لها ولا وكيل عنها في موضوع الخلع، فهل يصح خُلعه عن المرأة بغير إذنها وتوكيلها؟ قولان لأهل العلم: الأول: يجوز ويصح مخالعته: كأن يقول الأجنبي للزوج: «طلِّق امرأتك بألفٍ عليَّ» وهذا قول أكثر أهل العلم: أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وحجتهم: ١ - أن الأجنبي بذل ماله في مقابل إسقاط حق عن غيره، كما لو قال: أعتق عبدك وعلىَّ ثمنه. ٢ - أن الطلاق مما يستقل به الزوج، والأجنبي مستقل بالالتزام، وله بذل المال، والتزامه على وجه الفداء عن الزوجة، لأن الله تعالى قد سمى الخلع فداء، فجاز كفداء الأسير. الثاني: لا تصح مخالعة الأجنبي: وهو مذهب ابن حزم وأبي ثور وحجتهم: ١ - أن مخالعة الأجنبي ببذله ماله سفه منه، لأنه يبذله في مقابلة ما لا منفعة له فيه، وقد يجاب عن ذلك: بأنه قد يكون له فيه غرض ديني بأن رآهما لا يقيمان حدود الله أو اجتمعا على محرَّم، فرأى أن التفريق بينهما ينقذهما من ذلك فيفعل طلبًا للثواب، وغير ذلك. ٢ - أن الخلع من عقود المعاوضات فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب

стр. 1410

المعوض كالبيع، ولأن الله تعالى أضاف الفدية إلى الزوجة فقال سبحانه ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١). ٣ - أن الأصل بقاء النكاح إلى أن يثبت المزيل له، وحينئذ فلا يملك الزوج البدل، ولا يقع الطلاق إن لم يتبع به، فإن أتبع به كان رجعيًّا. قلت: أما صحة مخالعة الفضولي مطلقًا وبدون إذن الزوجة وعلمها، فلا أراه متَّجهًا، لاحتمال أن يخالع عنها ببذله ماله ليغري زوجها على مفارقتها نكاية بها وإضرارًا، أو أن يخالع عنها لمصلحته كأن يريد بذلك تزويجها أو تزويج زوجها قريبة له، ونحو ذلك، لكن لو علم من حال الزوجة إرادتها للخُلع لمسوِّغ شرعي ولكن ليس عندها من المال ما تبذله، فأعطاها ما تبذله وتخالع هي فهذا أحسن. وهذا القول يلزم القائلين بأن الخلع فسخ، إذ أن الفسخ بلا سبب لا ينفرد به الزوج، فلا يصح طلبه منه، والله أعلم. الركن الثالث: العِوَض (المال): العِوَض: ما يأخذه الزوج من زوجته في مقابل خلعه لها، وضابطه عند الجمهور: أن يصلح جعله صداقًا، فإن ما جاز أن يكون مهرًا: جاز أن يكون بدل الخلع. هل يصح «خُلع» بدون عوَض؟ اختلف العلماء فيما إذا قالت المرأة لزوجها: (اخلعني) فقال لها: (قَد خلعتك) ولم يكن هذا على عوض، هل يصح عقد الخلع؟ على قولين (٢): الأول: يصح الخلع بلا عوض: وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية في مذهب أحمد، وحجتهم: ١ - أن الخلع قطع للنكاح فصحَّ من غير عوض كالطلاق. ٢ - ولأن الأصل في مشروعية الخلع أن توجد من المرأة رغبة عن زوجها وحاجة إلى فراقه، فتسأله فراقها، فإذا أجابها حصل المقصود من الخلع، فصحَّ كما لو كان بعوض.

стр. 1411

الثاني: لا يصح إلا بعوض: وهو مذهب الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد، وهو الذي استقر عليه متأخرو فقهاء الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام، والظاهر أنه مذهب ابن حزم، وحجتهم ما يلي: ١ - أن الله تعالى علَّق الخلع على مسمَّى الفدية، فقال : ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١). ٢ - أن امرأة ثابت بن قيس لما أرادت أن تخالع زوجها، قال لها النبي ﷺ : «فتردِّي عليه حديقته؟» قالت: نعم، فردَّت عليه، وأمره ففارقها (٢) قلت: وهو في معنى الشرط. ٣ - أن حقيقة الخلع: إن كان فسخًا - على ما هو الأرجح - فلا يملك الزوج فسخ النكاح إلا بعيبها. ٤ - أنه لو قال: (فسخت النكاح) ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء، بخلاف ما إذا دخله العوض فإنه يصير معاوضة، فلا يجتمع له العوض والمعوض. وعلى القول بأن الخلع طلاق، فهو كناية لا يقع إلا بالنية أو بذل المعوض، وههنا لم يوجد واحد منهما. وعلى فرض أنه طلاق وليس فيه عوض، لا يقتضي البينونة إلا أن تكمل الثلاث. الراجح: والذي يبدو لي أنه لا يكون خُلعًا إلا إذا كان على عوض، ولا أعرف في الكتاب أو السنة ما يدل على صحة الخلع بدون عوض، والله أعلم. مقدار العِوَض في الخلع: اختلف الفقهاء في مقدار العوض الذي يجوز بذله وأخذه، على ثلاثة أقوال (٣): الأول: لا يُستحب أن يكون أكثر مما أعطاه: وهو قول الحنابلة، والظاهر منه

стр. 1412

أنه يصح - عندهم - الخلع على أكثر من الصداق إلا أنه يكره، وبه قال ابن المسيب وطاووس والزهري وعطاء (١) ونقله الحافظ عن عليٍّ (٢) وأبي حنيفة وإسحاق. واحتجوا بزيادة وردت في حديث امرأة ثابت بن قيس وفيه: «فأمره النبي ﷺ أن يأخذ الحديقة ولا يزداد» (٣) وهذه الطريقة معلَّة بالإرسال. ولها شواهد مرسلة منها ما جاء عن طريق عطاء - فذكر قصة المختلعة - وقول النبي ﷺ : «أما الزيادة من مالك فلا» (٤). الثاني: يجوز بما تراضيا عليه قلَّ أو كَثُر: وهو مذهب الجمهور، منهم مالك والشافعي، وابن حزم، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة والنخعي وغيرهم، وحجتهم ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٥). فهذا عموم يشمل ما افتدت به سواء كان بقدر ما أعطاه الزوج أو أكثر أو أقل. ٢ - ما جاء من طريق عبد الله بن عقيل «أن الربيع بنت معوذ حدثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه، فخاصمته في ذلك إلى عثمان بن عفان فأجازه، وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه» (٦) قالوا: فدلَّ على أن للزوج أن يأخذ من زوجته في الخلع كل ما تملك من قليل أو كثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها (وهو ما يربط به الشعر بعد جمعه) ولم ينكر أحد من الصحابة على عثمان فيما أفتى به المرأة. ٣ - عن نافع «أن ابن عمر جاءته مولاة اختلعت من كل شيء لها، وكل ثوب عليها حتى نفسها، فلم ينكر ذلك عبدُ الله» (٧).

стр. 1413

الثالث: التفصيل حسب نشوز الزوج أو الزوجة: وهو قول الحنفية، قالوا: (أ) إن كان النشوز من جهة الزوج كُره له كراهة تحريم أخذ شيء منها، لقوله تعالى: ﴿وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١). ولأنه أوحشها بالفراق فلا يزيد إيحاشها بأخذ المال. (ب) وإن كان النشوز من جهة الزوجة فله أن يأخذ ما تبذله ولو زاد على ما أعطاها، وعندهم رواية أخرى أنه لا يأخذ - في هذه الحالة - أكثر مما أعطاها. قلت: بقول الحنفية أقول عند إعضال الزوج وحدوث النشوز من جهته، وأما إن كان من جهتها فلا مانع من اتفاقهم على ما فوق مهرها إذا تراضيا، لعموم الآية الكريمة ولعدم ثبوت ردِّ النبي ﷺ الزيادة على مهرها، والله أعلم. فوائد تتعلق بالعوَض: [١] المهر المؤجَّل يصلح أن يكون عوضًا في الخُلع (٢): لأنه دين في ذمة الزوج، والدين مال حكمي أي له حكم المال، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٣). [٢] يجوز أن يكون العوض منفعة (٤): كأن يخالعها على إرضاع ولده منها، أو من غيرها مدة معلومة - كما ذكر المالكية والشافعية - أو مطلقة - كما ذكر الحنابلة - فإن ماتت المرضعة أو الصبي أو جفَّ لبنها قبل ذلك، فعليها أجرة المثل لما بقي من المدة، لأنه عوض معين تلف قبل قبضه فوجبت قيمته أو مثله. [٣] لا يجوز أن يكون العوض (إخراج المرأة من مسكنها (٥): لأن سكناها فيه إلى انقضاء العدة حق لله، قال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (٦). فلا يجوز لأحد إسقاطه لا بعوض ولا بغيره. الركن الرابع: صيغة الخلع: وهو ما ينعقد به عقد الخُلع، وهو الإيجاب من أحد طرفي هذا العقد، والقبول من الطرف الآخر، فصيغة العقد ما يتحقق به الإيجاب والقبول.

стр. 1414

والصيغة في إنشاء العقود تكون باللفظ، هذا هو الأصل، فإن تعذَّر اللفظ - كما في الأخرس والخرساء - فالصيغة تكون بالإشارة المفهمة. ألفاظ الخُلع (١): ١ - ألفاظ الخُلع عند الحنفية سبعة: (خالعتُك - باينتك - بارأتك - فارقتك - طلقي نفسك على ألف (مثلًا) والبيع: كبِعتُ نفسَك - والشراء: كاشتري نفسك). ٢ - وألفاظ عند المالكية أربعة: (الخلع - الفدية - الصلح - المبارأة) وكلها تأول إلى معنى واحد، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها. ٣ - وألفاظه عند الشافعية والحنابلة تنقسم إلى صرح وكناية: فالصريح المتفق عليه عندهم لفظان: لفظ (خلع) وما يشتق منه لأنه ثبت له العرف، ولفظ (المفاداة) وما يشتق منه لوروده في القرآن، وزاد الحنابلة لفظ (فسخ) لأنه حقيقة فيه، وهو من الكنايات عند الشافعية ومن الكنايات عندهم لفظ (بيع) و (المبارأة) و (أبنتك). وصريح الخلع وكنايته، كصريح الطلاق وكنايته عند الشافعية والحنابلة. والتحقيق: أن التعويل في الخلع على العوض، لا على مجرد اللفظ، فلا يشترط له لفظ معيَّن، ولا صيغة معينة، سواء كان بلفظ الخلع أو غيره، حتى لو بلفظ الطلاق، قال شيخ الإسلام: «... فمتى فارقها بعوض فهي مفتدية لنفسها به، وهو خالع لها بأي لفظ كان، لان الاعتبار في العقود بمعانيها لا بالألفاظ، وقد ذكرنا وبيَّنا أن الآثار الثابتة في هذا الباب عن النبي ﷺ وعن ابن عباس وغيره تدلُّ دلالة بيِّنة أنه خلع، وإن كان بلفظ الطلاق ...» اهـ (٢). وقال ﵀: «... فالفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث، لم يُعرف عن أحد من السلف: لا الصحابة ولا التابعين، ولا تابعيهم، والشافعي ﵁ لم ينقله عن أحد، بل ذكر أنه يحسب أن الصحابة يفرقون، ومعلوم أن هذا ليس نقلًا لقول أحد من السلف» اهـ (٣).

стр. 1415

وقال ابن القيم: «وأيضًا فإنه سبحانه علَّق عليه أحكام الفدية بكونه فدية، ومعلوم أنَّ الفدية لا تختص بلفظ - ولم يُبيّن الله سبحانه لها لفظًا معينًا، وطلق الفداء طلاق مقيَّد ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق، كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وبالله التوفيق» اهـ. (١). قلت: وهو الصحيح: أن الخلع فسخ بأي لفظ وقع ولو بلفظ الطلاق، بل ولو بنية الطلاق ما دام على عوض، وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأصحابه وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه (٢). ويبدو أنه مذهب الظاهرية والله أعلم. هل يشترط - لجواز الخُلع - إذنُ القاضي؟ (٣) ذهب الحسن البصري إلى عدم جواز الخلع دون السلطان، واختاره أبو عبيد واستدل بقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ (٥). قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل: فإن خافا. قلت: وقد يحتج القائل بهذا - وإن كنت لم أره - بحديث امرأة ثابت بن قيس إذا رفعت الأمر - في إرادتها الخلع - إلى رسول الله ﷺ ، لكنه لا يفيد الشرطية كما لا يخفى. وذهب الجماهير من أهل العلم إلى جواز الخلع من غير إذن القاضي، واحتجوا بما يلي: ١ - أجابوا عن قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ (٦) بأن المراد منها: إذن الأئمة وتمكينهم من الخلع إذا خافوا عليهما عدم القيام بالواجب فيما إذا ارتفعوا إليهم، وليس المراد وجوب الترافع إليهم لأخذ الإذن منهم لإجازة الخلع فيما بينهم.

стр. 1416

وعلى هذا فالأئمة والحكام يمنعونهم من الخلع عند عدم هذا الخوف بالقول والفتوى، وليس بالحكم والالتزام. ٢ - قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١). فيه إباحة الأخذ من الزوجة بتراضيهما من غير سلطان. ٣ - عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: أُتي بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني: «قد أُتي عمر في خلع فأجازه» (٢) أي بدون إذن السلطان. ٤ - أن الطلاق جائز دون الحاكم وإذنه، فكذلك الخلع. ٥ - أن الخلع عقد معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح. والراجح: قول الجمهور - بلا شك - لعدم الدليل على اشتراط إذن القاضي، لكن ينبغي أن يلاحظ ما ذكرناه من أهمية الإشهاد على الطلاق وتوثيقه، فالأمر في الخلع أعظم، والله أعلم. هل للقاضي أن يحكم بالخلع من غير رضا الزوج؟ (٣) تقدم في قصة امرأة ثابت «أن النبي ﷺ قال لها: «فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فردَّت عليه وأمره ففارقها» وهو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب - عند الجمهور - فلذا فإنه لا يصح الخلع إلا برضا الزوج، ولذا قال ابن حزم: «فلها أن تفتدي منه، ويطلقها إن رضى هو» اهـ. لا يشترط الطُّهر لصحة الخُلع: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخلع جائز في كل وقت، حتى ولو في الحيض، أو في الطهر الذي جامعها فيه، لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بتطويل العدة، والخلع شُرع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة، والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما - أي الضررين - بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن

стр. 1417

حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضا منها به، ودليلًا على رجحان مصالحها فيه (١). قلت: وهذا مما يزيد الاطمئنان إلى ترجيح أن الخلع فسخ وليس بطلاق فتأمَّل!! اختلاف الزوجين في الخُلع أو في العِوَض (٢): ١ - إذا أقر الزوج الخُلع، والزوجة تنكره: بانت بإقراره اتفاقًا، وأما دعوى المال: فتبقى بحالها - كما ذكر الحنفية - ويكون القول قولها فيها، لأنها تنكر، وعند الجمهور: القول قولها - في نفس العوض - بيمينها. ٢ - أما إذا ادَّعت الزوجة الخلع، والزوج ينكره، فإنه لا يقع كيفما كان - كما ذكر الحنفية - ويصدَّق الزوج بيمينه في هذه المسألة عند الشافعية، لأن الأصل عدمه، والقول قوله وعند الحنابلة: لا شيء عليه لأنه لا يدعيه. ٣ - إذا اتفقا على الخلع، واختلفا في قدر العِوَض أو جنسه أو حلوله أو صفته، فالقول قول المرأة - عند الحنفية والحنابلة في رواية. وعند المالكية: القول قولها بيمينها، لقوله ﷺ : «البينة على المدَّعى، واليمين على من أنكر». وفي رواية عن أحمد: أن القول قول الزوج، لأن البُضع يخرج من ملكه فكان قوله في عوضه. وعند الشافعية: إن كان لأحدهما بيِّنة عمل بها، وإن لم يكن لأحدهما بيِّنة، أو كان لكل منهما بيِّنة وتعارضتا: تحالفا كالمتابعين، ويجب ببينونتهما بفوات العوض مهر المثل - وإن كان أكثر مما ادَّعاه - لأنه المردُّ!! عِدَّةُ المُخْتَلِعَة: اختلف أهل العلم في عدَّة المختلعة، على قولين (٣):

стр. 1418

الأول: عدة المختلعة هي عدَّة المطلَّقة (ثلاثة قروء): وهو قول الجمهور: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - في المذهب - وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي والنخعي والزهري وغيرهم، وحجة هذا القول: ١ - أن الخلع طلاق (!!) فتدخل المختلعة في عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١). وقد أُجيب عنه (٢): بأنه لا يجوز الاحتجاج بالآية حتى يبين أن المختلعة مطلقة، وهذا محل النزاع، وقد تقدم تحريره، ولو قُدِّر شمول نص الآية لها، فالخاص يقضي على العام، والآية قد استُثنى منها غير واحدة من المطلقات: كغير المدخول بها، والحامل، والأمة التي لم تحض، وإنما تشمل المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة. ٢ - أنها فرقة بعد الدخول، فكانت ثلاثة قروء كغير الخلع!! وأُجيب (٣): لا يُسلَّم أن العلة في الأصل مجرد الوصف المذكور، ولا يسلَّم الحكم في جميع صور القياس، ثم هو منقوض بالمفارقة لزوجها وقد دلت السنة على أن الواجب منهما الاستبراء. ٣ - عن نافع عن ابن عمر قال: «عدَّتها - أي: المختلعة - عدَّة المطلَّقة» (٤). وأجيب: بأنه قد ثبت عن ابن عمر أيضًا خلافه، فعن نافع عن ابن عمر قال: «عدَّةُ المختلعة حيضة» (٥). ويؤيد هذه الرواية أن نافعًا - أيضًا - سمع الرُّبيع بنت مُعوِّذ وهي تخبر عبد الله ابن عمر ﵄ أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمُّها إلى عثمان بن عفان، فقال له: إن ابنة معوِّذ اختلعت من زوجها اليوم، أفتنتقل؟ فقال عثمان: «لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل» فقال ابن عمر: «فعثمان خيرنا وأعلمنا» (٦) فلعل ابن عمر رجع عن قوله الأول.

стр. 1419

القول الثاني: عدة المختلعة حيضة واحدة: وهو قول عثمان بن عفان وابن عمر وابن عباس وهو رواية عن أحمد، وإسحاق وابن المنذر، واختيار شيخ الإسلام، وحجتهم: ١ - حديث الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألته: ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: «لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: «وأنا مُتَّبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فاختلعت منه» (١). ٢ - وهو يقوِّي حديث ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعلت النبي ﷺ عدَّتها حيضة» (٢). ٣ - وعن الربيع بنت معوذ أن: ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت فقال له: «خذ الذي لها عليك وخلِّ سبيلها» قال: نعم، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضة واحدة فتلحق بأهلها» (٣). وقد اعتُرض على حديث امرأة ثابت بن قيس بأن الروايات اختلفت في تسمية زوجة ثابت، ففي بعضها: جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي بعضها: حبيبة بنت سهل (٤)؟! وأجاب شيخ الإسلام: بأن هذا مما اختلفت فيه الرواية، فإما أن يكونا قصتين أو ثلاثًا، وإما أن أحد الروايتين غلط في اسمها، وهذا لا يضر مع ثبوت القصة، فإن الحكم لا يتعلق باسم امرأته، وقصة خلعه لامرأته مما تواترت به النقول، واتفق عليه أهل العلم. اهـ (٥). ٤ - ما تقدم في قصة الربيِّع بنت معوذ وعمَّها مع عثمان وفُتياه بأن تعتدَّ بحيضة، وإقرار ابن عمر له.

стр. 1420

قال ابن القيم (١): «فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والربيِّع بنت معوِّذ، وعمِّها وهو من كبار الصحابة، لا يعرف لهم مخالف منهم» اهـ. ٥ - أن القول بأن عدَّة المختلعة حيضة «هو مقتضى قواعد الشريعة: فإن العدة إنما جُعلتْ ثلاث حيض ليطول زمن الرَّجعة، فيتروَّى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة، فالمقصود مجرَّد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة، كالاستبراء، قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثًا، فإن باب الطلاق جُعل حُكم العدَّة فيه واحدًا بائنة ورجعيه» (٢). الراجح: الذي يبدو أن القائلين بأن عدة المختلعة حيضة أسعد بالدليل، من الأحاديث المرفوعة وأقوال الصحابة، فبقولهم نقول، والله أعلم. الإيلاء تعريف الإيلاء: الإيلاء لغةً: الحلف واليمين، من: آلي، يؤلي إيلاءً، والاسم منه الأليّة. والإيلاء اصطلاحًا: حلف الزوج على ترك وطء زوجته مدة معينة. مشروعيته وحُكمه: ١ - والأصل في مشروعة الإيلاء: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). ٢ - والأصل في الإيلاء الحَظر لما فيه من الضرر والإيذاء للزوجة، ولأنه قد يأول إلى الطلاق - كما سيأتي - ويتأكد هذا الحَظر إذا كان إيلاء الزوج بقصد الإضرار بالزوجة، فقوله تعالى: ﴿فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤). «يقتضي أنه قد تقدم ذنب وهو الإضرار بالمرأة في المنع من الوطء» (٥). ٣ - لكن إذا كان الإيلاء بقصد تأديب الزوجة وتربيتها على ما ينبغي أن تكون

стр. 1421

عليه نحو زوجها فإنه يباح حينئذٍ بشرط ألا تتجاوز مدة الإيلاء أربعة أشهر، فعن أنس قال: «آلى رسول الله ﷺ من نسائه، وكانت انفكت رجله فأقام في مشربُة له تسعًا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرًا (!!) فقال: «الشهر تسع وعشرين» (١) وليس إيلاؤه ﷺ من الإيلا المحظور قطعًا (٢). ومما يؤيد جواز الإيلاء لأجل التأديب - على الشرط المذكور - قوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ (٣). وقد تقدم في «الشقاق بين الزوجين». أركان الإيلاء: من تعريف الإيلاء يتبيَّن أنه يستلزم وجود ستة عناصر، هي عند الشافعية (٤) أركانه: حالف - محلوف عليها - محلوف به - محلوف عليه - مدة - صيغة. [١] الركن الأول: الحالف (الزوج): ويشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا باتفاق الفقهاء (٥)، واختلف فيما عدا ذلك، وذهب الجمهور، خلافًا للمالكية إلى أنه يصح الإيلاء من غير المسلم لدخوله في عموم الآية وإن لم يدخل في أهل المغفرة والرحمة (٦). وإذا كان الزوج عاجزًا عن الوطء تمامًا (كالمجبوب والخصي ونحوهما) فقال الجمهور - خلافًا للحنفية -: لا يصح إيلاؤه، لأنه يكون على ترك مستحيل فلم تنعقد، ولأنه لم يتحقق منه قصد الإيذاء والضرر بالزوجة لامتناع الأمر في نفسه (٧).

стр. 1422

[٢] الركن الثاني: المحلوف عليها (الزوجة): ١ - ويشترط أن تكون زوجة بنكاح صحيح، حتى يصدق عليها قوله تعالى ﴿من نسائهم﴾ في آية الإيلاء. وإذا كانت معتدَّة من طلاق رجعي صحَّ إيلاؤه منها في عدتها، لأنها زوجة له كما تقدم، أما إذا كانت معتدة من طلاق بائن، فلا يصح إيلاؤه منها لزوال رابطة الزوجية بينهما. وهل يصح إيلاؤه من زوجته قبل الدخول بها؟ فالجواب: يصح إيلاؤه كذلك عند الجمهور لعموم قوله تعالى ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ (١). ولأن الزوج المولى ممتنع من الوطء بيمينه فأشبه ما بعد الدخول (٢). ٢ - ويشترط في الزوجة - عند الحنابلة والشافعية - أن تكون صالحة للوطء، فلا يصح الإيلاء من الرتقاء والقرناء (٣) لأن الوطء متعذر دائمًا فلم تنعقد اليمين على تركه، ولم يتحقق قصد الإيذاء أو الإضرار. وقال الحنفية لا يشترط كونها صالحة للوطء لعموم الآية (٤). [٣] الركن الثالث: المحلوف به: وهو على نوعين: يمين بالله تعالى، ويمين بالشرط والجزاء. (أ) الحلف بالله تعالى (٥): إذا حلف باسم من أسماء الله تعالى [أو صفة من صفاته] أن لا يقرب زوجته، فهذا إيلاء بلا خلاف بين أهل العلم. ولو حلف بغير الله كالنبي أو الملائكة أو الكعبة ونحو ذلك أن لا يطأ زوجته، فهذا لا ينعقد إيلاءً لأنه لا ينعقد حلفًا، في أصحِّ قولي العلماء وبه قال مالك وابن حزم، لقوله ﷺ : «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٦).

стр. 1423

قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٣٣): فيه من الفوائد: أن من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه ... ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف بالله ولا بما يقوم مقام ذلك. اهـ. (ب) الحلف بالشرط والجزاء: ومثاله أن يقول لزوجته: (إن جامعتُكِ فعليَّ الحجُّ، أو فزوجتي الأخرى طالق) ونحو ذلك فهو يصح الإيلاء بالحلف بمثل هذا؟ فيه قولان (١): الأول: يُعتبر إيلاءً: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - ورواية عن أحمد وبه قال الثوري وأبو ثور وأبو عبيد وهو مروي عن ابن عباس، وحجتهم ما يلي: ١ - أن اليمين - في اللغة عبارة عن القوة، والحالف يتقوَّى بهذه الأشياء على الامتناع من قربان زوجته في مدة الإيلاء، فكان في معنى اليمين بالله!! ٢ - ولأن تعليق الطلاق والعتق ونحوهما على وطئها حلف. الثاني: لا يُعتبر إيلاءً: وهو مشهور مذهب أحمد والشافعي في القديم وبه قال ابن حزم، وحجتهم: ١ - أن الإيلاء المطلق - في الآية - هو القسم، والتعليق بشرط ليس بقسم ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ولا يجاب بجوابه، ولا يذكره أهل اللغة العربية في باب القسم، فلا يكون إيلاءً، قالوا: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾ (٢). وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله. ٢ - أن الشرع قد نهى عن الحلف بغير الله تعالى كما في الحديث المتقدم: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣) فصحَّ أن من حلف بغير الله فلم يحلف بما أمره الله تعالى، فليس حالفًا، قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٤). الراجح: قد صحَّ اعتبار اليمين التي يقصد بها الشرط والجزاء حلفًا كما قال ﷺ : «من

стр. 1424

حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» (١) فالذي يترجح لدى قول الجمهور (القول الأول) والله أعلم. [٤] الركن الرابع: المحلوف عليه (الوطء) (٢): إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته، فهذا إيلاء، والمقصود بالوطء: الوطء في الفرج، أي في قُبُل الزوجة لا دبرها. فإذا حلف أن لا يطأها فيما دون الفرج، فلا يكون موليًا في قول أكثر أهل العلم. [٥] الركن الخامس: مدة الإيلاء: اختلف أهل العلم في المدة التي لو حلف الزوج على ترك جماع زوجته فيها يكون موليًا على ثلاثة أقوال: الأول: إذا حلف على أربعة أشهر أو أكثر: وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء والثوري، وحجتهم: أنه ممتنع من الوطء باليمين أربعة أشهر، فكان موليًا كما لو حلف على ما زاد، ولا فرق. الثاني: إذا حلف على أكثر من أربعة أشهر: هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور، وبه قال طاووس وسعيد بن جبير والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد، وهو مروي عن ابن عباس، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ (٣). فقد جعل الله تعالى للمولى أربعة أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها. ٢ - أن الآية جعلت للمولى تربُّص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر أو ما دونها فلا معنى للتربُّص، لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك أو مع انقضائها، لأن المطالبة بالفيء إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة أشهر فما دون، لم تصح المطالبة من غير إيلاء.

стр. 1425

٣ - أن القول الأول مبناه على أن الفيئة في مدة الأربعة أشهر - وهو مذهب أبي حنيفة خلافًا للجمهور - وظاهر الآية خلافه، فإن الله تعالى قال: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا﴾ (١). فعقَّب الفيء عقيب التربص بفاء التعقيب، وهذا يدل على تأخرها عنها. ٤ - ولأن الضرر لا يتحقق بترك الوطء فيما دون أربعة أشهر، ويدلُّ عليه: أن عمر سأل النساء «كم تصبر المرأة عن زوجها؟» فقلن: لا يزيد عن أربعة أشهر، فكتب عمر إلى أمراء الأجناد «أن لا تحبسوا الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر» (٢). الثالث: إذا حلف على أيَّة مدة قلَّت أو كثرت يكون إيلاءً: وهو قول النخعي وقتادة وحماد وابن أبي ليلة وإسحاق، وابن حزم، وحجتهم: ١ - أن المدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ (٣). هي المحدَّدة للموُلى، فإن فاء بعدها وإلا طلق حتمًا، وليست بيانًا للمدة التي لا يصح الإيلاء بدونها. ٢ - وأما المدة التي يحلف عليها فهذه مطلقة في الآية. ٣ - القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر أن لا يقرب زوجته، فإنه يكون موليًا، لأنه قصد الإضرار باليمين أي بإيلائه من زوجته، وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة. قلت: وهذا الأخير أقرب، وقد يتأيَّد بحديث أنس: «أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا» (٤)، وعليه فإن من حلف أن لا يطأ زوجته مدة لا يخلو من أحد حالين (٥): ١ - أن تكون هذه المدة أقل من أربعة أشهر: فالأفضل له أن يرجع عن يمينه ويجامعها ويكفِّر عن يمينه (٦)، لقوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه» (٧).

стр. 1426

فإذا لم يكفِّر عن يمينه ومضى في إيلائه، فيجب على الزوجة أن تصبر حتى تنقضي مدة إيلائه التي سمَّاها، وليس لها أن تطالبه بالطلاق. ٢ - أن تكون هذه المدة أكثر من أربعة أشهر: فالأفضل له - كذلك - أن يطأها ويكفِّر عن يمينه، فإذا لم يفعل، فيجب على الزوجة أن تصبر حتى تمضي أربعة أشهر ثم يكون لها الحق في مطالبته بالجماع أو بالطلاق كما سيأتي: إذا انقضت الأربعة أشهر ولم يرجع، فماذا يجب؟ قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). وقد اختلف أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم في مسألة الباب نظرًا لاختلافهم في فهم الآية الكريمة حتى قال ابن العربي ﵀: «اختلف الصحابة والتابعون في وقوع الطلاق بمضي المدة، هذا وهم القدوة الفصحاء اللُّسن البلغاء من العرب العُرْب، فإذا أشكلت عليهم، فمن ذا الذي يتضح له منا بالأفهام المختلة واللغة المعتلَّة؟ ...» اهـ (٢). وبناء على هذا، كان لأهل العلم قولان (٣): الأول: أنه بمجرد مُضِيِّ المدة وعدم فيئته - تقع طلقة واحدة: والقائلون بهذا منهم من قال تقع طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء والحسن والنخعي والأوزاعي، وهو مذهب الحنفية. ومنهم من قال: تقعُ واحدة رجعية، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري واحتجوا جميعًا على وقوع الطلاق بمضي المدة، بما يلي: ١ - ابن مسعود قرأ: ﴿فإن فاءوا - فيهن - فإن الله غفور رحيم﴾. ٢ - أن الله تعالى جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئة بعدها، لزادت على مدة النص، وذلك غير جائز. ٣ - أنه لو وطئها في مدة الإيلاء، لوقعت الفيئة، فدلَّ على استحقاق الفيئة فيها.

стр. 1427

الثاني: إذا مضت المدة فإن القاضي يوقفه ويأمره بالفيئة أو الطلاق: فإن أبي أن يفيء ويجامعها، وأبي تطليقها، طلَّقها عليه القاضي، وهذا مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وبه قال ابن المسيب ومجاهد وطاووس وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر، وهو المروي عن كثير من الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وأبو الدرداء ﵃، ومن أدلتهم: ١ - أن ظاهر الآية الكريمة أن الفيئة تكون بعد أربعة أشهر لذكر الفيئة بعد المدة (بالفاء) المقتضية للتعقيب، ثم قال تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق ...﴾ (١). ولو وقع الطلاق بمضي المدة، لم يحتج إلى عزم عليه، فعلى هذا فإن الآية تدل على تخيير المولى بين الفيئة والطلاق بعد مضي المدة. ٢ - قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ (٢). يقتضي أن الطلاق مسموع ولا يكون المسموع إلا كلامًا. ٣ - أن الإيلاء يمين يمنع من الجماع أربعة أشهر، لأن اللفظ يدل عليه فقط، ولا يدل على الطلاق، فالقول بوقوع الطلاق بمضي المدة قول بالوقوع من غير إيقاع، وهذا لا يجوز. ٤ - قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ (٣). والعزم هو ما عزم العازم على فعله، ولا يكون ترك الفيئة عزمًا على الطلاق. ٥ - أنه قول أكثر الصحابة: فعن سليمان بن يسار قال: «أدركتُ بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يُوقِفُ الموُلى» (٤). وعن أبي صالح قال: سألت اثنى عشر من أصحاب رسول الله ﷺ عن الرجل يولى، فقالوا: «ليس عليه شيء حتى يمضي أربعة أشهر، فإن فاء وإلا طلَّق» (٥).

стр. 1428

الراجح: أنه إذا مضت المدة ورفعت المرأة أمرها للقضاء، فإن القاضي يوقفه ويخيِّره بين الفيئة وبين تطليق امرأته، فإن أبى طلَّقها عليه، ويكون هذا الطلاق - سواء طلَّق الزوج أو طلق عليه القاضي - طلاقًا بائنًا على الأرجح وهو مذهب أبي حنيفة لأنها فرقة لرفع الضرر، فيجب أن تكون بائنًا، ولأنها لو كانت رجعية لم يندفع الضرر، لأنه يستطيع أن يرتجعها فيبقى الضرر. والله تعالى أعلم. [٦] الركن السادس: لفظ الإيلاء وصيغته (١): التحقيق أن يقال: كل لفظ دلَّ بنفسه على الامتناع عن وطء الزوج زوجته في فرجها وكانت هذه الدلالة هي المتبادرة إلى الذهن لجريان العرف بأن هذا هو المراد، فإن هذا اللفظ يعتبر صريحًا في دلالته على الإيلاء. وكل لفظ لا يصل في دلالته على الإيلاء إلى هذا الحد، فلا يكون صريحًا في الإيلاء، وإنما هو كناية يفتقر إلى النية لوقوع الإيلاء به، ويصدَّق الزوج فيما أراده منه - في أحكام الدنيا - ولا يصدَّق في اللفظ الصريح أنه لم يرد به الإيلاء في أحكام الدنيا. الظِّهَار تعريف الظِّهار: الظهر من كلِّ شيء خلاف البطن، والظِّهار من النساء، وظاهر الرجل امرأته مظاهرة وظِهارًا إذا قال: (هي عليَّ كظهر أمي) (٢). والظهار اصطلاحًا: «أن يشبِّه امرأته أو عضوًا منها بمن تحرم عليه - ولو إلى أمد - أو بعضو منها» (٣) قال ابن قدامة: «وإنما خصوا الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء، لأن كل مركوب يسمى ظهرًا لحصول الركوب على ظهره في الأغلب فشبهوا الزوجة بذلك» (٤). تكييفه الشرعي: الظهار ليس من فرق النكاح، ولكنه يفوِّت ما يفوت بالفرقة البائنة بين الزوجين

стр. 1429

(حلَّ الوطء) ما دام حكم الظهار قائمًا، فيحرم على المُظاهر وطء زوجته ما دام الظهار قائمًا، فناسب أن يُبحث مع مسائل فرق النكاح، وإلا فلَيس هو بفرقة. وقد كانوا في الجاهلية يعتبرون الظهار طلاقًا، تحرم زوجة الرجل به كتحريم الأم، فأبطل الله تعالى ذلك، وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقًا. حكم الظهار: الظهار من جهة حكم فعله: حرام، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (١). قال ابن القيم «إن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه، لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور، فكلاهما حرام، والفرق بين جهة كونه منكرًا وجهة كونه زورًا، أن قوله: (أنت عليَّ كظهر أمي) يتضمن إخبارًا عنها بذلك، وإنشاء تحريمها، فهو يتضمن إخبارًا وإنشاءً، فهو خبر زور، وإنشاء منكر» (٢) اهـ. أركان الظهار وما يتعلق بها: يتبيَّن من تعريف الظهار أنه يستلزم وجود: مُظاهر (الزوج) ومظاهر منها (الزوجة) ومظاهر به أي مشبه به (الأم) وصيغة الظهار. [١] الركن الأول: المُظاهِر (الزوج): الظهار لا يملك إيقاعه إلا الزوج - لا الزوجة - قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم﴾ (٣). ولم يقل: واللائي يظاهرون منكن من أزواجهن، فدلَّ على أنه لا يظاهر إلا الزوج، ولأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الزوج لا بيد زوجته، وقد نقل ابن العربي ﵀ على هذا إجماع أهل العلم (٤). والقاعدة فيما يشترط في الزوج الذي يصح ظهاره أن: «كل زوج صحَّ ظهاره، ومن لا يصح طلاقه لا يصح ظهارُه» (٥).

стр. 1430

إذا ظاهرت الزوجة من زوجها (!!) فما الحكم؟ (١) تقدم أنه لا يقع الظهار إلا إذا صدر عن الزوج، لكن لو قالت المرأة لزوجها مثلًا: (أنا عليك كظهر أمك- أو - أنت عليَّ كظهر أبي): فذهب الحنابلة - وهو اختيار شيخ الإسلام- إلى أن عليها - إذا وطئها زوجها - كفارة ظهار، وإن كان قولها لم يقع به الظهار، لما صحَّ: «أن عائشة بنت طلحة ظاهرة من المصعب بن الزبير إن تزوجته، فاستُفتى لها فقهاء كثيرة بالمدينة، فأمروها أن تكفِّر، فأعتقت غلامًا لها ثمنه ألفين» (٢). قالوا: فأفتاها أصحاب النبي ﷺ -بالكفارة، ولأنها زوج أتى بالمنكر من القول والزور كالآخر، ولأن الظهار يمين مُكفَّرة فاستوي فيها المرأة والرجل. وذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم إلى أن ظهارها لغو، لأن التحريم ليس إليها وهي لا تملك الظهار بالقول - كما تقدم - فلا حرمة عليها إذا مكَّنته من نفسها، ولا كفارة عليها، لا كفارة ظهار ولا كفارة يمين. قلت: ومذهب الجمهور أرجح، لأنهم جميعًا متفقون على أنه لا يقع بقولها ظهار فكيف رُتِّب عليه ظهار الرجل؟! ثم كيف يكون عليها كفارة ظهار والظهار لم يقع، والله أعلم. [٢] الركن الثاني: المُظاهَر منها (الزوجة) (٣): ويشترط في المظاهر منها أن تكون زوجة شرعًا للمظاهر، أي تكون مرتبطة به بعقد نكاح صحيح، وأن تكون الزوجية بينهما قائمة، فيصحُّ الظهار من المطلَّقة الرجعية في عدَّتها لأنها زوجته حكمًا حتى تنتهي عدتها. وهل يظاهر من الأَمَة؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يصحُّ ظهار الأمة لعدم دخولها في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِن نِّسَائِهِمْ﴾ (٤). قالوا: وليست الأمة من النساء، أي الأزواج. وقال مالك ﵀ يصح الظهار من الأمة لعموم لفظ النساء.

стр. 1431

[٣] الركن الثالث: المظاهَر به (المشبَّه به): تشبيه الزوج امرأته بمن تحرم عليه يُتصوَّر أن يكون على ثلاثة أَضْرُب: (أ) أن يشبهها بأمِّه فيقول: (أنت عليَّ كظهر أمي) فهذا ظهار بإجماع أهل العلم، ومستنده الأحاديث الواردة في الظهار، ومنها: حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن سلمان بن صخر الأنصاري - أحد بني بياضة- جعل امرأته عليه كظهر أُمِّه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلًا، فأتى رسول الله ﷺ -فذكر ذلك له، فقال له: رسول الله ﷺ : «اعتق رقبة» قال: لا أجدها، قال: «فصُمْ شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكينًا» قال: لا أجد، فقال رسول الله ﷺ -لعروة بن عمرو: «أعطه ذلك الفرق» وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، فقال: «أطعم ستين مسكينًا» (١). (ب) أن يشبهها بظهر من تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا: كأخته وخالته وعمته وجدته فهذا الضرب اختلف أهل العلم في وقوع الظهار به، على قولين (٢): الأول: لا يكون الظهار إلا بالأم والجدة: وهو قول الشافعي - القديم - ومذهب الظاهرية واختاره الصنعاني ﵏ قالوا: لأن النص لم يرد إلا في الأم والجدَّة أم يشملها النص كذلك، قالوا: وما ذكر من إلحاق غيرها فبالقياس وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحكم. الثاني: أن يكون ظهارًا: وهو قول أكثر أهل العلم وجمهورهم، منهم: الحسن وعطاء والشعبي والنخعي والزهري والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - وأحمد، وحجتهم ما يلي: ١ - أنهن محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم. ٢ - وردُّا على القول الأول: بأنه قد جاء في الآية الكريمة ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ (٣). وهذا موجود في مسألتنا، فجرى مجراه.

стр. 1432

٣ - وبأن تعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها، إذا كانت مثلها. قلت: وهذا القول قوي ومتجه، لاسيما وأن النص ليس فيه أن الظهار لا يكون إلا بالأم، وغاية ما فيه إثباته إذا ظاهر بأمِّه، والله أعلم. فائدة: يستوي في هذه المسألة الأم، والأخت والخالة والعمة من النسب ومن الرضاع. (جـ) أن يشبهها بظهر من تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا: كأخت زوجته وخالتها وعمتها، وهذا الضرب اختُلف في اعتباره ظهارًا على قولين (١): الأول: لا يكون ظهارًا: وهو مذهب الحنفية والشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الظاهرية بالطبع، لأنها غير محرَّمة على التأبيد، فلا يكون التشبيه بها ظهارًا كالحائض. الثاني: يكون ظهارًا: وهو مذهب المالكية ورواية عن أحمد، وهو المذهب عند متأخري الحنابلة، وردُّوا قياس الأولين على الحائض: بأنه يباح الاستمتاع بها في غير الفرج، وليس في وطئها حدٌّ فهي بخلاف مسألتنا. فائدة: لو شبَّه امرأته بظهر رجل (٢): فقال: (أنت عليَّ كظهر أبي أو ابني) لم يصحَّ الظهار ويكون لغوًا عند أكثر أهل العلم، وعند الحنابلة رواية: أنه ظهار!! إذا شبَّه بعضو غير الظَّهْر (٣): لو قال لزوجته: أنت عليَّ كبطن أمي أو كبد أمي أو كرأس أمي ونحو ذلك، فأكثر أهل العلم على وقوع الظهار بذلك في الجملة، واختلفوا في بعض الجزئيات: ١ - فاشترط الحنفية أن يكون عضوًا لا يحل للمظاهر النظر إليه!!. ٢ - وصحح المالكية الظهار بأي جزء ممن تحرم عليه ولو كان شعرًا أو ريقًا. ٣ - واشترط الشافعية أن يكون العضو لا يُذكر للكرامة عادة ويحرم التلذذ به، فيصح نحو التشبيه باليد، وأما (عين الأم) فذكره يحتمل الكرامة، فيكون المعوَّل على نية المظاهر: فإن أراد به الظهار فهو ظهار، وإن أراد به الكرامة، فلا ظهار.

стр. 1433

٤ - وعند الحنابلة يقع الظهار بالتشبيه بأي عضو ممن تحرم عليه، إلا إذا كان العضو لا ثبات له كالظفر والشعر، فلا يصح به الظهار عندهم (!!). ٥ - وأما الظاهرية فلا يقع عندهم الظهار إلا بظهر الأم لا بغير ذلك. قلت: الذي يظهر لي أن الظهار مشتق من الظهر، فلا يكون الظهار إلا بذكر الظهر أو الظهار، وهل يقع الظهار بذكر ما لا يحل له الاستمتاع به من أمِّه - مثلًا- إذا نوى به الظهار، هذا موضع نظر واجتهاد، والله أعلم بالصواب. [٤] الركن الرابع: صيغة الظهار: (أ) من جهة لفظها: قد تكون ألفاظ الظهار صريحة، وقد تكون كناية. فالصريح فيه اللفظ الذي يدلُّ على إرادة إيقاع الظهار بحيث لا يتبادر إلى الفهم لدى السامع غير الظهار، كأن يقول: (أنت عليَّ كظهر أمي) وهو لا يفتقر إلى النية لإيقاع الظهار به. وقد ألحق الحنفية والشافعية والحنابلة (١) باللفظ الصريح أن يقول: (أنا منك مُظاهر- أو ظاهرتُكِ) وكذا قوله: (أنت عليَّ كبطن أمي - أو: كفخذ أمي، أو كفرج أمي) (٢). وأما الكناية فهي الألفاظ التي تحتمل إرادة الظهار وغيره فتفتقر إلى النية لإيقاع الطلاق بها، كقوله (أنت عليَّ كأمِّي) عند عامة الفقهاء، قالوا: فلو نوى به الظهار وقع، وإن نوى به الكرامة والتوقير، فليس بظهار. وقد اعتبر بعض العلماء القرينة التي تدل على الظهار باللفظ الكنائي، وأقامها مقام النية، كأن يقول في حال الغضب والخصومة، وكأن يخرجه مخرج الحلف كقوله: (إن فعلت كذا فأنت عليَّ مثل أمي) (٣). (ب) من جهة التنجيز وعدمه (٤): الأصل أن يكون الظهار بصيغة التنجيز، بمعنى أنه غير معلَّق على شرط، ولا مضاف إلى زمن مستقبل، وهذا لا خلاف في وقوعه، كقوله: (أنت عليَّ كظهر أميِّ).

стр. 1434

وقد يكون الظهار معلَّقًا على شرط كما لو قال لزوجته: (إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي) فإذا وجد الشرط وقع الظهار، ولكنه قبل وجود الشرط لا يعتبر مُظاهرًا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ومثل إضافة الظهار إلى زمن مستقبل. وإذا علَّق الظهار على مشيئة الله تعالى كما لو قال: (أنت عليَّ كظهر أمي إن شاء الله) لم يقع الظهار. (جـ) من جهة التأقيت والتأبيد (١): يصحُّ أن يكون الظهار مؤبَّدًا أي غير محددة بمدة معينة، ويصح أن يكون مؤقتًا بمدة معينة - عند الجمهور خلافًا للمالكية- كأن يقول لزوجته: (أنت عليَّ كظهر أمي شهرًا- أو: حتى ينقضي رمضان، ونحو ذلك). قلت: ويدل عليه ما تقدم في حديث سلمان بن صخر الأنصاري أنه: «جعل امرأته عليه كظهر أمِّه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، فأتى النبي ﷺ ....» الحديث (٢). وفيه أنه أوقعه ظاهرًا وأمره بالكفارة. آثار الظهَّار: إذا تحقق الظهار وتوافرت شروطه، ترتبَّ عليه الآثار الآتية: [١] حُرمة الجماع قبل الكفارة: فيحرُم على المُظاهر أن يطأ زوجته قبل أن يكفِّر كفارة الظهار، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم إذا كانت الكفارة الواجبة عتقًا أو صومًا، لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٣) وأما إذا كانت الكفارة بالإطعام (٤): فذهب أحمد - في رواية- وأبو ثور وابن

стр. 1435

حزم أنه لا حرج في وطئها قبل إخراج الكفارة بالإطعام، قالوا: لأن الله تعالى اشترط في الآية تقديم الكفارة على المماسَّة في العتق والصيام، ولم يشترطه في الكفارة بالإطعام. وذهب أكثر أهل العلم منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور من المذهب إلى أنه يحرم عليه الوطء قبل التكفير حتى ولو بالإطعام، وحجتهم: ١ - ما جاء عن ابن عباس: «أن رجلًا أتى النبي ﷺ -فقال: إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفِّر؟ فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟» قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» (١). قالوا: وما أمره الله به هو أداء الكفارة سواء كانت بالعتق أو بالصوم أو بالإطعام، فلم يخُصَّ نوعًا معينًا من أنواع الكفارات، فعُلم أنه لا يجوز الوطء قبل أي نوع منها. ٢ - وردوا على دليل الأولين: بأن ترك النصِّ على الكفارة بالإطعام قبل المسيس، لا يمنع قياسها على المنصوص الذي في معناها. قلت: الحديث الذي استدل به الجمهور لا يثبت، ودلالة الآية على القول الأول قوية، إذ أن النص على الكفارة قبل المسيس في موضعين دون الثالث يمنع تقبُّل قياسه عليهما، والله أعلم. [٢] هل يحرمُ الاستمتاع دون الوطء قبل الكفارة؟ فيه قولان (٢): ١ - فذهب أبو حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي ورواية في مذهب أحمد: إلى أنه لا يجوز، لقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (٣). فإنه أمر المظاهر بالكفارة قبل التماس، والتماس يصدق على المس باليد وغيرها كما يصدق على الوطء، والوطء قبل التكفير حرام بالاتفاق، فكان ما دونه من دواعيه مثله، ومتى كان الوطء حرامًا كانت الدواعي إليه مثله لأن «ما أدى إلى الحرام حرام».

стр. 1436

٢ - وذهب الشافعي- في القول الثاني وهو الأظهر عند الشافعية- وبعض المالكية والرواية الأخرى عن أحمد: إلى أنه يجوز الاستمتاع بما دون الوطء قبل التفكير، ووجهه أن المراد بالتماس في الآية: الجماع، فلا يحرم ما عداه من التقبيل والمس بشهوة والمباشرة دون الفرج، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه كما في الحائض والصائم. قلت: لعل الأوَّل أقرب لاسيما عند من يحمل المشترك اللفظي على جميع معانيه، إذ التماس حقيقة الملامسة والجماع، ثم إن الحرمة قد حصلت بتشبيهه زوجه بأمه فحرمت عليه حتى يكفِّر، وحرمة أمِّه تمنع الاستمتاع مطلقًا، فكذا حرمة الزوجة المظاهرة، والله أعلم. إذا وطئها قبل الكفارة: فعليه أن يستغفر الله من ذلك، وأن لا يقربها حتى يكفّر، وتلزمه كفارة واحدة، لما تقدم في حديث سليمان بن صخر، فإنه وطئ قبل أن يكفِّر فأمره النبي ﷺ -بكفارة واحدة، وعلى هذا أكثر أهل العلم. فائدة: للمرأة - بعد أن يظاهر منها - الحقُّ في مطالبة الزوج بالوطء، وعليها أن تمنع الزوج من الوطء حتى يُكفِّر، فإن امتنع عن التكفير، فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي، وعلى القاضي أن يأمر بالتكفير (١). [٣] وجوب الكفارة على المُظاهر قبل الوطء: أمر الله تعالى المظاهرين بالكفارة إذا عزموا على معاشرة أزواجهم اللاتي ظاهروا منهن في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ...﴾ (٢). والأمر يدلُّ على وجوب المأمور به، ولأن الظهار معصية لما فيه من المنكر والزور، فأوجب الله الكفارة على المظاهر حتى يغطي ثوابها وزر هذه المعصية. مُوجِبُ الكفارة: قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (٣). وقد اختلف أهل العلم: هل تجب الكفارة بمجرد الظهار؟ أم لا تجب إلا به وبالعود؟

стр. 1437

والصحيح: الذي عليه جمهور العلماء أن الكفارة لا تجب إلا بمجموع شيئين: قول الظهار، والعود، للآية الكريمة (١)، وإن كان كذلك: فما المراد بالعود في الآية؟ للعلماء فيه أقوال ستة، أصحُّها: أن المراد بالعود (إرادة الوطء) ويكون توجيه الآية أن معنى (العود) فيها عود المظاهر لما منعه منه ظهاره، والذي منعه منه ظهاره هو الوطء، فكان معنى عود المظاهر: إرادته ما منعه من الظهار وهو الوطء، وسياق الآية يدل على هذا فإنها أوجبت على المظاهر العائد - الكفارة- قبل أن يمسَّ، فيكون العود فيها إرادة الوطء وليس الوطء فعلًا، ولاتكرار قول الظهار (٢). خصال كفارة الظهار: خصال كفارة الظهار ثلاثة، ويجب التكفير بأحدها باتفاق الفقهاء، على الترتيب الآتي، لا ينتقل إلى كفارة إلا إذا عجز عن التكفير بالتي قبلها: ١ - إعتاق عبد أو أَمَة (تحرير رقبة) فإذا لم يجد: ٢ - يصوم شهرين متتابعين دون أن يمسَّ امرأته، فإن لم يستطع: ٣ - يطعم ستين مسكينًا. والأصل في هذا قول الله سبحانه: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ..... ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). وقوله ﷺ -لسلمان بن صخر - لما ظاهر من امرأته-: «أعتق رقبة» قال: لا أجدها، قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكينًا» قال: لا أجد، فقال رسول الله ﷺ -لعروة بن عمرو: «أعطه ذلك العَرَق» فقال: «أطعم ستين مسكينًا» (٤). وفي معناه حديث خويلة بنت ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ -أشكو إليه ورسول الله ﷺ -يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك»، فما برحت حتى نزل

стр. 1438

القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١). إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» قالت: لا يجد؟ قال: «فيصوم شهرين متتابعين» قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينًا»، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قال: فأتي ساعتئذ بَعَرق من تمر. قلت يا رسول الله فإني أعينه بعرق أخر، قال: «قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك» قال: والعرق ستون صاعًا (٢). انتهاء الظِّهار وانحلاله: ينتهي الظهار وينحل بعد أن ينعقد ويستوجب حكمه، بواحد مما يأتي: [١] تأدية الكفارة الواجبة: لدلالة الآية الكريمة، ولما وقع في حديث ابن عباس من قول النبي ﷺ -للمظاهر: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله » (٣) فقد نهاه عن العود إلى وطئها، وجعل لهذا النهي غاية هي التكفير، فدلَّ على أن الظهار ينتهي حكمه بفعل الكفارة. [٢] مضى المدة - إذا كان الظهار مؤقتًا-: فإذا ظاهرها على مدة معينة، فبرَّ بيمينه حتى انقضت المدة دون أن يمسَّها، فلا شيء عليه، وتعود حلالًا له. [٣] موت الزوجين أو أحدهما: فلو ظاهر من زوجته ثم مات أو ماتت زوجته قبل العود انتهى الظهار، وانتهى حكمه باتفاق الفقهاء، لأن موجب الظهار الحرمة، وهي متعلقة بالزوجين، فيحرم على الرجل الاستمتاع ويحرم على المرأة تمكينه من نفسها حتى يكفِّر، ولا يُتصور بقاء الحكم بدون من تعلَّق به. فائدة: أما إذا ظاهر منها ثم عاد (أراد الوطء) أو وطئها قبل أن يكفِّر ومات: فعند الحنفية والمالكية تسقط الكفارة عنه إلا إذا أوصى بها فتخرج من ثلث التركة. وقال الشافعية والحنابلة: لا تسقط كفارة الظهار - التي لزمته - بالموت، بل يؤديها الوارث عن الميت من التركة (٤).

стр. 1439

قلت: وهذا هو الأرجح، لأن الكفارة لزمته قبل الموت، فاستقر في ذمته، وقد قال ﷺ : «فدين الله أحق أن يُقضى» (١) والله أعلم. اللِّعان تعريف اللِّعان: اللعان: من اللِّعن، وهو الإبعاد والطرد من الخير، واللِّعان والملاعنة: اللعن بين اثنين فصاعدًا، وتلاعن القوم: لعن بعضهم بعضًا. واللعان في اصطلاح الشرع: «حلف الزوج - بألفاظ مخصوصة - على زنى زوجته، أو نفي ولدها منه، وحلف الزوجة على تكذيبه فيما قذفها به» (٢). مشروعية اللعان: ثبتت مشروعية اللعان بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - فأما الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) والْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ (٧) ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ (٨) والْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ٢ - وأما السنة فمنها: (أ) حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن عويمر أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع سل لي رسول الله ﷺ -عن ذلك فأتى عاصم النبي ﷺ -فقال يا رسول الله - فكره رسول الله ﷺ -المسائل - فسأله عويمر فقال إن رسول الله ﷺ -كره المسائل وعابها قال عويمر والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ -عن ذلك فجاء عويمر فقال يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع فقال رسول ﷺ : «قد أنزل الله قرآن فيك وفي صاحبتك» فأمرهما رسول الله ﷺ -بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها ثم قال رسول الله ﷺ -إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين ثم قال

стр. 1440

رسول الله ﷺ : «انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها» فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ -من تصديق عويمر فكان ينسب إلى أمه (١). (ب) حديث ابن عباس: أن هذال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ -بشريك ابن سحماء فقال النبي ﷺ : «البينة أو حدٌّ في ظهرك» فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ -يقول: «البينة وإلا حدٌّ في ظهرك» فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ -فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ -يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب» ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي ﷺ : «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء» فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٢). ٣ - وأما الإجماع: فقد نقل الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤٤٠ - المعرفة) الإجماع على مشروعيته. هل يجب على الزوج اللِّعان؟ إذا تيقَّن الزوج أن زوجته زنت - بأن رآها تزني - أو أن حملها أو ولدها الذي جاءت به على فراشه ليس منه - فيجب عليه أن يقذفها بنفي نسب الولد أو ذلك الحمل منه، لأن ترك النفي يستلزم استلحاقه، واستلحاق من ليس منه حرام. وإنما يُعلم أن الولد ليس منه إذا لم يطأ زوجته أصلًا، أو وطئها ولكن ولدته لأقل من ستة أشهر من الوطء (٣).
следующие страницы →