← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢ - وذهب الشافعي- في القول الثاني وهو الأظهر عند الشافعية- وبعض المالكية والرواية الأخرى عن أحمد: إلى أنه يجوز الاستمتاع بما دون الوطء قبل التفكير، ووجهه أن المراد بالتماس في الآية: الجماع، فلا يحرم ما عداه من التقبيل والمس بشهوة والمباشرة دون الفرج، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه كما في الحائض والصائم. قلت: لعل الأوَّل أقرب لاسيما عند من يحمل المشترك اللفظي على جميع معانيه، إذ التماس حقيقة الملامسة والجماع، ثم إن الحرمة قد حصلت بتشبيهه زوجه بأمه فحرمت عليه حتى يكفِّر، وحرمة أمِّه تمنع الاستمتاع مطلقًا، فكذا حرمة الزوجة المظاهرة، والله أعلم. إذا وطئها قبل الكفارة: فعليه أن يستغفر الله من ذلك، وأن لا يقربها حتى يكفّر، وتلزمه كفارة واحدة، لما تقدم في حديث سليمان بن صخر، فإنه وطئ قبل أن يكفِّر فأمره النبي ﷺ -بكفارة واحدة، وعلى هذا أكثر أهل العلم. فائدة: للمرأة - بعد أن يظاهر منها - الحقُّ في مطالبة الزوج بالوطء، وعليها أن تمنع الزوج من الوطء حتى يُكفِّر، فإن امتنع عن التكفير، فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي، وعلى القاضي أن يأمر بالتكفير (١). [٣] وجوب الكفارة على المُظاهر قبل الوطء: أمر الله تعالى المظاهرين بالكفارة إذا عزموا على معاشرة أزواجهم اللاتي ظاهروا منهن في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ...﴾ (٢). والأمر يدلُّ على وجوب المأمور به، ولأن الظهار معصية لما فيه من المنكر والزور، فأوجب الله الكفارة على المظاهر حتى يغطي ثوابها وزر هذه المعصية. مُوجِبُ الكفارة: قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (٣). وقد اختلف أهل العلم: هل تجب الكفارة بمجرد الظهار؟ أم لا تجب إلا به وبالعود؟

стр. 1437

والصحيح: الذي عليه جمهور العلماء أن الكفارة لا تجب إلا بمجموع شيئين: قول الظهار، والعود، للآية الكريمة (١)، وإن كان كذلك: فما المراد بالعود في الآية؟ للعلماء فيه أقوال ستة، أصحُّها: أن المراد بالعود (إرادة الوطء) ويكون توجيه الآية أن معنى (العود) فيها عود المظاهر لما منعه منه ظهاره، والذي منعه منه ظهاره هو الوطء، فكان معنى عود المظاهر: إرادته ما منعه من الظهار وهو الوطء، وسياق الآية يدل على هذا فإنها أوجبت على المظاهر العائد - الكفارة- قبل أن يمسَّ، فيكون العود فيها إرادة الوطء وليس الوطء فعلًا، ولاتكرار قول الظهار (٢). خصال كفارة الظهار: خصال كفارة الظهار ثلاثة، ويجب التكفير بأحدها باتفاق الفقهاء، على الترتيب الآتي، لا ينتقل إلى كفارة إلا إذا عجز عن التكفير بالتي قبلها: ١ - إعتاق عبد أو أَمَة (تحرير رقبة) فإذا لم يجد: ٢ - يصوم شهرين متتابعين دون أن يمسَّ امرأته، فإن لم يستطع: ٣ - يطعم ستين مسكينًا. والأصل في هذا قول الله سبحانه: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ..... ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). وقوله ﷺ -لسلمان بن صخر - لما ظاهر من امرأته-: «أعتق رقبة» قال: لا أجدها، قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكينًا» قال: لا أجد، فقال رسول الله ﷺ -لعروة بن عمرو: «أعطه ذلك العَرَق» فقال: «أطعم ستين مسكينًا» (٤). وفي معناه حديث خويلة بنت ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ -أشكو إليه ورسول الله ﷺ -يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك»، فما برحت حتى نزل

стр. 1438

القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١). إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» قالت: لا يجد؟ قال: «فيصوم شهرين متتابعين» قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينًا»، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قال: فأتي ساعتئذ بَعَرق من تمر. قلت يا رسول الله فإني أعينه بعرق أخر، قال: «قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك» قال: والعرق ستون صاعًا (٢). انتهاء الظِّهار وانحلاله: ينتهي الظهار وينحل بعد أن ينعقد ويستوجب حكمه، بواحد مما يأتي: [١] تأدية الكفارة الواجبة: لدلالة الآية الكريمة، ولما وقع في حديث ابن عباس من قول النبي ﷺ -للمظاهر: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله » (٣) فقد نهاه عن العود إلى وطئها، وجعل لهذا النهي غاية هي التكفير، فدلَّ على أن الظهار ينتهي حكمه بفعل الكفارة. [٢] مضى المدة - إذا كان الظهار مؤقتًا-: فإذا ظاهرها على مدة معينة، فبرَّ بيمينه حتى انقضت المدة دون أن يمسَّها، فلا شيء عليه، وتعود حلالًا له. [٣] موت الزوجين أو أحدهما: فلو ظاهر من زوجته ثم مات أو ماتت زوجته قبل العود انتهى الظهار، وانتهى حكمه باتفاق الفقهاء، لأن موجب الظهار الحرمة، وهي متعلقة بالزوجين، فيحرم على الرجل الاستمتاع ويحرم على المرأة تمكينه من نفسها حتى يكفِّر، ولا يُتصور بقاء الحكم بدون من تعلَّق به. فائدة: أما إذا ظاهر منها ثم عاد (أراد الوطء) أو وطئها قبل أن يكفِّر ومات: فعند الحنفية والمالكية تسقط الكفارة عنه إلا إذا أوصى بها فتخرج من ثلث التركة. وقال الشافعية والحنابلة: لا تسقط كفارة الظهار - التي لزمته - بالموت، بل يؤديها الوارث عن الميت من التركة (٤).

стр. 1439

قلت: وهذا هو الأرجح، لأن الكفارة لزمته قبل الموت، فاستقر في ذمته، وقد قال ﷺ : «فدين الله أحق أن يُقضى» (١) والله أعلم. اللِّعان تعريف اللِّعان: اللعان: من اللِّعن، وهو الإبعاد والطرد من الخير، واللِّعان والملاعنة: اللعن بين اثنين فصاعدًا، وتلاعن القوم: لعن بعضهم بعضًا. واللعان في اصطلاح الشرع: «حلف الزوج - بألفاظ مخصوصة - على زنى زوجته، أو نفي ولدها منه، وحلف الزوجة على تكذيبه فيما قذفها به» (٢). مشروعية اللعان: ثبتت مشروعية اللعان بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - فأما الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) والْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ (٧) ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ (٨) والْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ٢ - وأما السنة فمنها: (أ) حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن عويمر أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع سل لي رسول الله ﷺ -عن ذلك فأتى عاصم النبي ﷺ -فقال يا رسول الله - فكره رسول الله ﷺ -المسائل - فسأله عويمر فقال إن رسول الله ﷺ -كره المسائل وعابها قال عويمر والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ -عن ذلك فجاء عويمر فقال يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع فقال رسول ﷺ : «قد أنزل الله قرآن فيك وفي صاحبتك» فأمرهما رسول الله ﷺ -بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها ثم قال رسول الله ﷺ -إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين ثم قال

стр. 1440

رسول الله ﷺ : «انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها» فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ -من تصديق عويمر فكان ينسب إلى أمه (١). (ب) حديث ابن عباس: أن هذال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ -بشريك ابن سحماء فقال النبي ﷺ : «البينة أو حدٌّ في ظهرك» فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ -يقول: «البينة وإلا حدٌّ في ظهرك» فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ -فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ -يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب» ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي ﷺ : «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء» فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٢). ٣ - وأما الإجماع: فقد نقل الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤٤٠ - المعرفة) الإجماع على مشروعيته. هل يجب على الزوج اللِّعان؟ إذا تيقَّن الزوج أن زوجته زنت - بأن رآها تزني - أو أن حملها أو ولدها الذي جاءت به على فراشه ليس منه - فيجب عليه أن يقذفها بنفي نسب الولد أو ذلك الحمل منه، لأن ترك النفي يستلزم استلحاقه، واستلحاق من ليس منه حرام. وإنما يُعلم أن الولد ليس منه إذا لم يطأ زوجته أصلًا، أو وطئها ولكن ولدته لأقل من ستة أشهر من الوطء (٣).

стр. 1441

وأما إذا لاعن الزوج بقذف زوجته بناء على شكوك وظنون فاسدة لا تصلح دليلًا شرعيًا ولا قرينة معتبرة على ما يقذفها به من الزنى، فإن اللعان حينئذ يكون محرَّمًا، لأن القذف من الكبائر، فينبغي على الزوج أن يتريَّث ولا يستعجل إذا رأى بعض ما يثير الشكوك والظنون حول سلوك زوجته، وأن يفحص ما يسمعه ويراه فحصًا موضوعيًّا بدون انفعال ولا غضب، حتى يتثبت من الأمر، مستحضرًا أن الأصل في الزوجة المسلمة العفة والنزاهة والبراءة مما يشاع عنها (١). وإذا كان نفى الولد - بناء على الشكوك والظنون الفاسدة - محرَّمًا، فلا ريب أن جحده لولده مع علمه أنه ولد محرَّم من باب أولى. شروط صحة اللِّعان (٢): أولًا: شرط يرجع إلى القاذف (الزوج): عدم إقامة البيِّنة: يشترط في القاذف أن لا يقيم البيِّنة على ما رمى به زوجته من الزنى حتى يجوز اللعان، لأن الله تعالى شرط ذلك في آية اللعان، بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ولذا فلو أقام أربعة من الشهود على المرأة بالزنى لما جاز اللعان، ولوجب إقامة حد الزنى عليها (٤). وإن قدر على إقامة البينة، فإن له أن لا يقدِّم البينة (الشهود) ويطلب اللعان، وإنما كان له ذلك، لأن البيِّنة واللعان، بيّنتان في إثبات حق الزوج، فجاز إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الأخرى (٥). متى يجوز اللعان مع إقامة البيِّنة؟ ما تقدم من اشتراط عدم إقامة البينة لصحة اللعان مختص بما إذا كان اللعان بسبب قذفه لها بالزنى، وأما إذا كان لنفي نسب ولدها منه، فيجوز له - مع إقامة

стр. 1442

البينة - اللِّعان، لأن النسب لا ينتفي بالبيِّنة، وإنما ينتفي باللعان، إذ الشهود لا سبيل لهم إلى العلم بأن هذا الولد ليس منه، وإن أراد أن يثبت الزنى بالبينة، ثم يلاعن لنفي الولد جاز له ذلك (١). ثانيًا: شروط ترجع إلى المقذوف (الزوجة): [١] إنكارها للزنى: فلو أقرَّت بالزنى، فيلزمها الحد -حدُّ الزنى- لظهور زناها بإقرارها، ولا تلاعن حينئذ، لأن اللعان كالبينة إنما يقام مع الإنكار. لكن لا يثبت إقرارها إلا إذا أقرت بالزنى أربع مرات (٢). [٢] عفَّتها عن الزنى: فإن لم تكن الزوجة المقذوفة عفيفة لم يجب اللعان بقذفها، لأنها إذا لم تكن عفيفة فقد صدَّقته بفعلها، فصار كما لو صدَّقته بقولها (٣). ثالثًا: شروط ترجع إلى القاذف والمقذوف جميعًا: [١] قيام الزوجية: فإن الله تعالى خصَّ الأزواج بهذا الحكم، وجعل لعانهم قائمًا مقام البينة على ما قذف به زوجته، قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ (٤). فلذا فإنه يصح اللعان بين الزوجين بنكاح صحيح، سواء كانت الزوجة مدخولًا بها أو غير مدخول بها، وعلى هذا إجماع أهل العلم (٥). فإن كانت زوجته في نكاح فاسد فله أن يلاعن لنفي نسب ولدها منه، على الأرجح، وإن لم يكن ولد يريد نفيه فلا حدَّ في قذفه ولا لعان بينهما، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٦). ووجه جواز اللعان في هذه الحالة، أن الغرض منه نفي الولد، والنسب يثبت في النكاح الفاسد، فكان - من هذه الجهة - كالنكاح الصحيح، فيجري فيه اللعان من هذه الجهة. فائدة: المطلَّقة الرجعية، يصح لعانها ما دامت في العدة، لأنها في حكم الزوجة - كما تقدم - وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، والحنفية (٧).

стр. 1443

[٢] شروط أخرى في الزوجين اختلف فيها العلماء، بسبب اختلافهم في حقيقة اللعان: هل هو يمين أو شهادة؟ فقال الجمهور: اللعان يمين بلفظ الشهادة ومن ثم قالوا: يصح اللعان من كل الزوجين مكلَّفين سواءً كانا مسلمين أو كافرين، أو عدلين أو فاسقين، أو محدودين في قذف أو كان أحدهما كذلك. وقال الحنفية - ومعه: الثوري والزهري والأوزاعي-: اللعان شهادة، فلا يصح عندهم إلا من زوجين مسلمين عدلين حرَّين غير محدودين في قذف (١). قلت: لكل من القولين مأخذه (٢)، لكن الذي يبدو أن اللعان يمين مؤكدة بشهادة، لما يأتي: ١ - أنه يفتقر إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه، كما قال تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ٢ - أنه يستوي فيه الذكر والأنثى بخلاف الشهادة. ٣ - أنه لو كان شهادة لما تكرر لفظه بخلاف اليمين. ٤ - أن حاجة الزوج التي لا تصحُّ منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد، كحاجة من تصح منه الشهادة سواء، والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان كالذي ينزل بالعدل الحر، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين، وتجعل له فرجًا ومخرجًا مما نزل به، وتدع الآخر في الآصار والأغلال، ولا فرج له مما نزل به، ولا مخرج، إن تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وهذا تأباه الشريعة الحنيفية السمحة. قلت: ويدل على هذا عموم قوله: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٤). وأما تسمية اللعان شهادة، فلقول الملاعن في يمينه: «أشهد بالله» فسمى ذلك شهادة وإن كان يمينًا، كما قال تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٥).

стр. 1444

يصح لعان الأخرس والخرساء: إذا كانت إشارتهما مفهومة ويحسنان التعبير بها قذفًا ولعانًا، وكذا بكتابتهما إن كانا يحسنان الكتابة؛ لأن الحاجة تدعو الزوج إلى اللعان، ولا سبيل إليه إلا بإشارته أو كتابته، فينبغي قبول ذلك منه كما في طلاقه، وبهذا قال الجمهور خلافًا للحنفية (١). رابعًا: شروط ترجع إلى المقذوف به: يجري اللعان بسبب قذف الرجل لزوجته بأحد شيئين: [١] بالزنى فقط (بغير نفي الولد): فيشترط أن يقذفها بلفظ صريح في دلالة على الزنا كقوله (يا زانية- أو: أنت زنيت- أو: رأيتك تزنين) ونحو ذلك، فإن قذفها بلفظ كنائي كقوله: يا فاسقة أو يا خبيثة مما يحتمل الزنى وغيره، لم يعتبر قذفًا ولم يستوجب حدًّا ولا لعانًا. ويشترط في الفعل الذي قذفها من أجله أن يكون زنى شرعًا، بمعنى أنه فعل يجب به الحد أو القذف. [٢] بنفي الولد أو الحمل: ويشترط في القذف بنفي النسب أن يكون بصيغة صريحة الدلالة عليه، كأن يقول: (هذا الولد من الزنى- أو: هذا الولد ليس منِّي). فإن عرَّض بذلك ولم يصرِّح فلا يعتبر قذفًا لزوجته بنفي ولدها، لحديث أبي هريرة قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ -فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حُمر، قال: «هل فيها من أورق؟» (٢) قال: إن فيها لورقًا، قال: «فأني آتاها ذلك؟» قال: «عسى أن يكون نزعه عِرْق» (٣)، قال: «وهذا عسى أن يكون قد نزعه عِرق» (٤). قال النووي: فيه أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وهو مذهب الشافعي وموافقيه. اهـ. ونسب ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٤٤٣) هذا القول إلى الجمهور.

стр. 1445

ويصحُّ قذف الزوج زوجته بنفي حملها حال الحمل، كما يصحُّ ملاعنتها أثناء الحمل - في أصح قولي العلماء- لما تقدم في حديث سهل بن سعد في قصة لعان عويمر-: «قال سهل: وكانت - أي زوجة عويمر - حاملًا، وكان ابنها يدعي إلى أمه ...» الحديث (١) وكذلك في حديث لعان هلال ابن أمية (٢). وبهذا قال الشافعية والمالكية واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٣)، لكن لو أخرَّ قذفه ولعانة إلى أن تضع حملها، حتى يتيقَّن من حملها فقد يكون انتفاخ بطنها لعلة غير الحمل، لكان أولى، إلا أنه لو تيقَّن من حملها عن طريق الكشف بالوسائل الحديثة، فالحكم كما تقدم. خامسًا: شروط ترجع إلى وصف القذف: فيشترط أن يكون القذف منجزًا: لا معلقًا على شرط ولا مضافًا إلى وقت مستقبل، لأن ذكر الشرط أو الوقت يمنع وقوعه قذفًا في الحال، وعند وجود الشرط أو الوقت يجعل كأنه نجَّز القذف، كما في سائر التعليقات، والإضافات، فكان قاذفًا تقديرًا مع انعدام القذاف حقيقة، فلا يجب الحد - أي حد القذف - وبالتالي لا يجب اللعان (٤). فلو قال لزوجته (إن دخلت الدار فأنت زانية، أو: أنت زانية من الغد) لم يعتبر قذفًا يستوجب اللعان، لأنه غير مُنجَّز. سادسًا: أن يُجرَى اللعان بحضرة القاضي وأمره: فلا يصحُّ اللعان إلا بحضرة القاضي وأمره أو من يقوم مقامه، لأن النبي ﷺ -أمر هلال أبن أمية أن يأتي بزوجته، فتلاعنا بحضرته ﷺ ، ولأن اللعان إما يمين وإما شهادة - وقد تقدم تحريره- فأيهما كان فمن شروطه أن يكون أمام القاضي، لأن اليمين والشهادة لا تؤديَّان إلا بحضرته، وبهذا قال الشافعية والحنابلة (٥). وإن تراضيا بغير القاضي ليلاعن بينهما صح عند الشافعية -إذا لم يكن ينفي الولد - ولم يصحَّ عند الحنابلة بحال، وهو الأقرب، والله أعلم.

стр. 1446

كيفية إجراء اللِّعان (١): المتحصَّل من النصِّ القرآني، والأحاديث الثابتة في الباب، أن صفة اللعان كالآتي: ١ - يُسنُّ التلاعن بمحضر جماعة من الناس يشهدونه: فإن ابن عباس وسهل ابن سعد وابن عمر، حضروه مع حداثة أسنانهم، فدلَّ على أنه حضره جمع كثير، فإن الصبيان إنما يحضرون مثل هذا تبعًا للرجال، وقد قال سهل: «... فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي ﷺ ...» (٢). وحكمة هذا - والله أعلم - أن اللعان بُني على التغليظ مبالغة في الردع والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك. ٢ - ويكون الزوجان قائمين عند التلاعن، ليشاهدهما الحاضرون فيكون أبلغ في شهرته وأوقع في النفوس، وفي حديث المرأة الملاعنة: «... ثم قامت فشهدت ...» (٣). ٣ - يبدأ القاضي بتذكيرهما بالتوبة قبل الشروع في التلاعن، فقد قال النبي ﷺ -للمتلاعنين - كما في حديث ابن عباس -: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» فإن امتنع الزوج عن اللعان: حُدَّ حَدَّ القذف عند الجمهور خلافًا للحنفية، فقالوا: يُحبس حتى يُلاعن أو يكذِّب نفسه (٤) وقول الجمهور أصحُّ، لأن الحدَّ عام في كل قاذف أجنبيًّا كان أو زوجًا إذا لم يكن له شهود، لكن الله تعالى أقام اللعان للزوج مقام الشهود - كما في الآية الكريمة - فوجب إذا نكل الزوج أن يكون بمنزلة من قذف ولم يكن له شهود، أي أنه يُحدُّ، وإن كذَّب نفسه ورجع عما رماها به حُدَّ بلا خلاف، فإذا أصر على اللعان: ٤ - يبدأ القاضي بالزوج فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرات: (أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا)، ولو كان اللعان بنفي الولد، أمره أن يقول أربع مرات: (أشهد بالله لقد زنت، وما هذا الولد بولدي) ويعيِّن الولد.

стр. 1447

والبداءة بالزوج قبل الزوجة شرط عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، فلو بدأ القاضي بالزوجة ثم الزوج، فعليه أن يعيد لعان المرأة - عندهم- لأن المرأة بشهادتها تقدح في شهادة الرجل فلا تصح قبل وجود شهادته (١). ٥ - يقول الزوج - أربع مرات -: (أشهد بالله إني لمن الصادقين ...). ٦ - يأمر القاضي من يضع يده على فمه، ثم يقول له: اتق الله فإنها موجبة، حتى لا يبادر بالخامسة قبل أن يعظه، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. وهذا في حديث ابن عباس: ٧ - فإن رجع عما رماها به حُدَّ حَدَّ القذف. ٨ - فإن أصرَّ الزوج، فإنه يقول في الخامسة: (وعليَّ لعنة الله إن كنتَ من الكاذبين). ويسقط به حدُّ القذف. ٩ - يقول القاضي للزوجة: إن التعنت وإلا حُدِدْتِ حدَّ الزنى، فإن امتنعت من اللعان حُدَّت حدَّ الزنا عند الجمهور، خلافًا للحنفية والحنابلة فقالوا: تُحبس حتى تُلاعن أو تصدق زوجها فيما قذفها به، والأول أصحُّ، لأن الواجب على المرأة إذا لاعنها هو حد الزنى، لكن لها أن تخلص نفسها منه باللعان كما قال تعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ أَن تَشْهَدَ ...﴾ (٢). فإذا امتنعت من اللعان لم يوجد الدافع لما وجب عليها بلعان الزوج، وهو الحد فيجب عليها (٣). ١٠ - وإن أصرت على اللعان قالت: (أشهد بالله إنه لمن الكاذبين) أربع مرات. ١١ - ثم يأمر القاضي من يوقفها ليعظها ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله، قبل أن تشهد الخامسة. ١٢ - فإن رجعت واعترفت بالزنى: حُدَّت حدَّ الزنى. ١٣ - وإن مضت في إنكارها: أُمرت أن تقول: (غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين) فإذا قالت ذلك سقط عنها حدُّ الزنا، وتم اللعان، وترتَّبت عليه آثاره.

стр. 1448

آثار اللِّعان (ما يترتَّب عليه): إذا تم التلاعن بين الزوجين على الصفة السابق ذكرها، فإنه يترتَّب عليه أمور، وهي: [١] إسقاط الحَدِّ عنهما (١): قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ ..... والْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). وفي الآيات الكريمة دلالة على سقوط حد القذف عن الزوج، إذا قام باللعان، وسقوط حد الزنى عن الزوجة إذا لاعنت زوجها، وبهذا قال أهل التفسير. ويدل على هذا كذلك ما جاء في حديث ابن عباس - في ملاعنة امرأة هلال بن أمية-: فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي ﷺ : «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابع الأليتين خَدَلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٣). [٢] أن الملاعنة لا تُرمي بالزنا، ومن رماها حُدَّ (٤): وهذا لأن لعانها نفى عنها تحقيق ما رُميت به، فيُحدُّ قاذفها وقاذف ولدها، وهذا دلَّت عليه رواية أبي داود (٢٢٥٦) لحديث ابن عباس: «..... فقضى رسول الله ﷺ أن لا يُدعى ولدها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها أو رمى ولدها، فعليه الحدُّ، وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها». قلت: وسندها ليِّن وقد ذكر الحافظ في التلخيص (٣/ ٢٢٧) لها شاهدًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا مذهب الجمهور.

стр. 1449

[٣] التفريق بين المتلاعنَيْن: لحديث ابن عمر ﵁ قال: «لاعن النبي ﷺ بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرَّق بينهما» (١). وهنا مسألتان: الأولى: متى تقع الفرقة بينهما؟ (٢) هل تقع بمجرد القذف؟ أم بلعان الزوج وحده؟ أم تقع بلعنهما جميعًا؟ أم بلعانهما وتفريق القاضي؟ والجواب: أما وقوع الفرقة بمجرد القذف فهو قول شاذ لأبي عبيد خالفه معه الجماهير من أهل العلم، وأما وقوعها بلعن الزوج وحده: فمما تفردَّ به الشافعي ﵀ واحتج له بأنها فرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق!! وهو ضعيف: «لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما فقط، وإنما فرَّق النبي ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكُّم يخالف مدلول السنة النبوية، وفعل النبي ﷺ ، ولأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة فإنه: إما إيمان على زناها أو شهادة على ذلك، ولولا ورود الشرع بالتفريق بينهما لم يحصل التفريق، وإنما ورد الشرع به بعد لعانها فلا يجوز تعليقه على بعضه» (٣). فعُلم أن الفرقة لا تقع إلا بلعان الزوجين، لكن يبقى الخلاف: هل تحصل الفرقة بمجرد لعانهما أو لابد أن يفرِّق القاضي؟ (أ) فذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين والظاهرية - ونسبه النووي للجمهور - إلى أنه إذا تمَّ لعان الزوجين وقعت الفرقة، ولا يُعتبر تفريق الحاكم واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ -قال للمتلاعنين: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها» قال: مالي، قال: «لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك» (٤) قالوا: فقوله (لا سبيل لك عليها) يدل على حصول الفرقة بمجرد اللعان، لأنها نكرة في سياق النفي فأفادت العموم، والعبرة بعموم اللفظ.

стр. 1450

٢ - ما تقدم في حديث سهل: «.... فلما فرغا، قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﷺ ، فقال: «ذاك تفريق بين كل متلاعنين» (١). وأجيب بان الجملة الأخيرة مدرجة من كلام الزهري. ٣ - أن اللعان يقتضي التحريم المؤبَّد - كما سيأتي بعده - فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع. ٤ - ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان، كالتفريق بالعيب والإعسار، ولبقي الزواج مستمرًّا، وهذا لا يجوز. (ب) بينما ذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو الرواية الأخرى عن أحمد إلى أن الفُرقة لا تحصل - بعد التلاعن- إلا بتفريق الحاكم، واحتجوا بما يلي: ١ - ما في رواية أبي داود لحديث سهل بن سعد قال: «شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة ففرَّق بينهما رسول الله ﷺ حين تلاعنا» (٢). ٢ - وحديث ابن عمر المتقدم: «لاعن رسول الله ﷺ بين رجل وامرأة من الأنصار ففرَّق بينهما» (٣). وأجيب عنهما: بأن تفريق النبي بينهما، يحتمل ثلاثة أمور، أحدها: إنشاء التفريق، والثاني: الإعلام به، والثالث: إلزامه بموجبه من الفرقة الحسية، وليس هذا بقاطع في المسألة. ٣ - ما جاء في حديث سهل بن سعد من قول الملاعن: «كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثًا قيل أن يأمره رسول الله ﷺ » (٤) قالوا: فهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك لما وقع طلاق ولما أمكنه إمساكها. وأجيب: بأن قوله (كذبت عليها إن أمسكتها) لا يدل على أن إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعًا، بل هو بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائرًا إلى ما بادر إليه، وأما طلاقها ثلاثًا فما زاد الفرقة إلا تأكيدًا، فإنها حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا.

стр. 1451

٤ - برواية أبي داود لحديث سهل بن سعد قال: «فطلَّقها ثلاث تطليقات عند رسول الله، فأنفذه رسول الله ﷺ ...» (١) وأجيب: بأن إنفاد الطلاق عليه تقرير لموجبه من التحريم، فإذا لم تحل له باللعان أبدًا كان الطلاق الثلاث تأكيدًا للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى إنفاذه، فلما لم ينكره عليه، وأقَرَّه على التكلم به على موجبه، جعل سهلٌ هذا إنفاذًا من النبي ﷺ ، وسهلٌ لم يحك لفظ النبي ﷺ -وإنما شاهد القصة وعدم إنكار النبي ﷺ -فظنَّ ذلك تنفيذًا. قلت: القول بوقوع الفرقة بمجرد تلاعنهما من غير احتياج إلى تفريق القاضي هو الأقوى، على أنني أتصورَّ أن المشترطين لتفريق القاضي يُلزمونه بإيقاع الفرقة بعد اللعان اتباعًا للسنة فيكون الخلاف صوريًّا، والله أعلم. المسألة الثانية: التفريق باللعان، هل هو طلاق أو فسخ؟ (٢) فرقة اللعان فسخ، وليست بطلاق، في أصحِّ قولي العلماء، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد وابن حزم ويدل على ذلك: ١ - أنها فرقة تُوجب تحريمًا مؤبدًا - كما سيأتي - فكانت فسخًا. ٢ - أن اللعان ليس صريحًا في الطلاق، ولا نوى الزوج به طلاقًا، فلا يقع به الطلاق. ٣ - أنه لو كان اللعان صريحًا في الطلاق أو كفاية فيه لوقع بمجرد لعان الزوج ولم يتوقف على لعان المرأة. ٤ - أنه لو كان طلاقًا، فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث، فيكون رجعيًا!! ٥ - أن الطلاق بيد الزوج إن شاء أمسك وإن شاء طلَّق، وهذا الفسخ حاصل بالشرع وبغير اختياره. ٦ - ولأنه قد ترجَّح بالسنة وأقوال الصحابة - كما تقدم - أن الخلعَ ليس بطلاق، بل هو فسخ مع كونه بتراضيهما، فكيف تكون فرقة اللعان طلاقًا؟.

стр. 1452

[٤] أن تحرَّم عليه زوجته المُلاعنة أبدًا: لا خلاف بين أهل العلم في حصول الحرمة المؤبَّدة بين الزوجين المتلاعنين بسبب اللعان إذا لم يكذب أحدهما نفسه ويصدق الآخر: ١ - ففي حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين: «فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﷺ ، فقال: «ذاك تفريق بين كل متلاعنين» قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين .. الحديث (١). ٢ - ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا: «المتلاعنان إذا تفرَّقا لا يجتمعان أبدًا» (٢). ٣ - ما رُوي عن عمر ﵁ قال: «لا يجتمعان المتلاعنان أبدًا» (٣). ٤ - ما رُوي عن عليًّ وابن مسعود أنهما قالا: «مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدًا» (٤). قلت: قوله: (فكانت سنة المتلاعنين) الراجح أنها مدرجة من قول الزهري كما صرَّح بذلك غير واحد من أهل العلم، وباقي هذه الآثار في كلٍّ منها مقال إلا أنها بمجموعها تثبت أن المتلاعنين تحصل بينهما حرمة أبدية وعلى هذا اتفاق أهل العلم. إلا أن أبا حنيفة ﵀ ومحمد ذهبا إلى أن الحرمة المؤبَّدة تسقط إن أكذب أحد الزوجين نفسه، وقد صحَّ هذا عن ابن المسيب، وخالفهم الجمهور (٥) فقالوا: لا تأثير لإكذاب أحدهما نفسه في إسقاط الحرمة المؤبدة، وهذا هو الذي تقتضيه حكمة اللعان، ولا تقتضي سواه: ١ - فإن لعنة الله تعالى وغضبه قد حلَّ بأحدهما لا محالة، ونحن لا نعلم عين من حلَّت به يقينًا، ففرَّق بينهما خشية أن يكون هو الملعون فيعلو على امرأة غير ملعونة وحكمة الشرع تأبى ذلك. ٢ - وإن باءت هي بالغضب بتصديق زوجها، لم يجز له نكاح زانية، وإلا كان ديُّوثًا.

стр. 1453

٣ - أن النفرة الحاصلة من إساءة كل منهما إلى صاحبه لا تزول أبدًا، فإن الرجل إن كان صادقًا عليها فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد وأقامها مقام الخزي وحقق عليها الخزي والغضب وقطع نسب ولدها، وإن كان كاذبًا، فقد أضاف إلى ذلك بَهتها بهذه الفرية العظيمة، وإحراق قلبها بها. والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله، وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة. فحصل لكلٍّ منهما من صاحبه من النفرة، والوحشة وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملها أبدًا، فاقتضت حكمة من شَرْعُه كلُّه حكمةٌ ومصلحة وعدل ورحمة تحتُّم الفرقة بينهما، وقطع الصحبة المتمحِّضة مفسدة (١) قلت: ولا تأثير لرجوع أحدهما وتكذيبه نفسه في إصلاح شيء من هذه المفاسد، لاسيما ولا دليل مع القائلين بذلك، بل الدليل على خلافه، فقد قال النبي ﷺ -للمُلاعن: «لا سبيل لك عليها» (٢) وهذا عموم يشمل جميع أفراده وجميع حالاته حتى يدلَّ الدليل على تخصيصه، ولا دليل، والله أعلم. [٥] استحقاق المرأة صداقها وليس للرجل أن يأخذ منه شيئًا: إذا وقع اللعان بعد الدخول فإن المرأة لا يسقط صداقها به، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ -قال للمتلاعنين: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها» قال: مالي، قال: «لا مال لك، إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فذاك أبعد لك» (٣). أما إذا وقع اللعان قبل الدخول، فقيل: لها نصف المهر، وقيل: يسقط مهرها جملة. ومأخذ القولين: أن الفُرقة إذا كانت بسبب من الزوجين كلعانهما، فهل يسقط الصداق تغليبًا لجانبه كما لو استقل بسبب فرقتها؟ (٤).

стр. 1454

[٦] عدم استحقاق المرأة نفقة ولا سكنى عليه: هكذا قضى رسول الله ﷺ -كما في حديث ابن عباس: «.... وقضى ألا بيتَ لها عليه، ولا قوت، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها» (١). وهو وإن كان في سنده لين إلا أنه «موافق لحكمه ﷺ في المبتوتة التي لا رجعة عليها، بل سقوط النفقة والسكنى للملاعنة أولى من سقوطها للمبتوتة، لأن المبتوتة له سبيل إلى نكاحها في عدَّتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها لا في العدة ولا بعدها، فلا وجه أصلًا لوجوب نفقتها وسُكناها، وقد انقطعت العصمةُ انقطاعًا كليًّا» (٢). [٧] انقطاع نسب الولد من جهة أبيه، وإلحاقه بأمِّه: ففي حديث ابن عباس المشار إليه آنفًا: «وقضى أن لا يُدعى ولدها الأب ...»، وبهذا قال الجمهور: وفي حديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ -لاعن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرَّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة» (٣). وفي حديث سهل بن سعد - في آخره -: «فكان بعدُ يُنسب لأمه» (٤). [٨] ثبوت التوارث بين الملاعنة وولدها: ففي حديث سهل - بعد ذكر قصة عويمر -: «... فكانت السنة بعدهما أن يفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدعى لأمِّه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فرض الله له» (٥) وهذا يحتمل أنه من قول الزهري أو سهل بن سعد ﵁، وقد قال بعض أهل العلم بأن تحويل النسب الذي كان لأبيه إلى أمه، جعل الأم قائمة مقام الأب في ذلك، فهي عصبته وعصابتها أيضًا عصبته، فإذا مات حازت ميراثه، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس ويُروى عن عليٍّ، وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويشهد له حديث واثلة بن الأسقع عن

стр. 1455

النبي ﷺ -قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لا عنتْ عليه» (١). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «أنه جعل ميراث ابن الملاَعَنَة لأُمِّه ولورثتها من بعدها» (٢). قالوا: ولا يعارض هذا ما جاء في حديث سهل المتقدم: «ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها» حتى على فرض أنه من قول سهل بن سعد، لا الزهري، فإن تعصيب الأم لا يُسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولابُدَّ، فإن فَضلَ شيء أخذته بالتعصيب، وإلا فازت بفرضها» (٣). التفريق القضائي الأصل أن الفُرقة بين الزوجين تقع باختيار الزوج وإرادته عن طريق الطلاق، لكن ثَمَّ حالات تُرفع إلى القاضي، ويكون له إيقاع التفريق بين الزوجين فيها، ومن هذه الحالات: [١] التفريق بسبب الإيلاء. [٢] التفريق بسبب الظهار. [٣] التفريق بسبب اللعان. وقد تقدمت هذه الحالات وأحكامها قريبًا في هذا الكتاب. [٤] التفريق للشقاق بين الزوجين: وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب «الزواج» في «النشوز وعلاجه، فليراجعه من شاء. [٥] التفريق بسبب العيوب المانعة من الاستمتاع: تنقسم العيوب المانعة من الاستمتاع إلى قسمين: (أ) عيوب جنسية تمنع الوطء. (ب) عيوب لا تمنع الوطء، لكنها أمراض مُنفِّرة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر.

стр. 1456

وهذه العيوب منها ما يختص بالرجل، ومنها ما يختص بالمرأة، ومنها ما يشترك فيه الرجال والنساء. وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة -خلافًا للظاهرية (١) - على الجواز التفريق بين الزوجين للعيوب، لكنهم اختلفوا في موضعين: هل يثبت حق التفريق بالعيب لكلا الزوجين؟ أم للزوجة فقط؟ فقال الجمهور الأول، وذهب الحنفية إلى الثاني، قالوا: لأن الزوج يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق بخلاف الزوجة، والأظهر قول الجمهور: «لأن كلا الزوجين يتضرر بهذه العيوب، وأما اللجوء إلى الطلاق فيؤدي إلى الإلزام بكل المهر بعد الدخول وبنصفه قبل الدخول، وفي التفريق بسبب العيب يُعفى الرجل من النصف قبل الدخول، وبعد الدخول لها المسمَّى بالاتفاق، لكن يرجع الزوج - عند المالكية والحنابلة والشافعية - بالمهر بعد الدخول على ولي الزوجة كالأب والأخ لتدليسه بكتمان العيب، ولا سكنى لها ولا نفقة» (٢). شروط التفريق بالعيوب (عند من يقول بها): اشترط الفقهاء شرطين لثبوت الحق في طلب التفريق بالعيب، وهما (٣): ١ - ألا يكون طالب التفريق عالمًا بالعيب وقت العقد: فإن علم به قبل العقد، وعُقد الزواج لم يحقَّ له طلق التفريق، لأن قبوله التعاقد مع علمه بالعيب رضا منه بالعيب. ٢ - ألا يرضى بالعيب بعد العقد: فإن كان طالب التفريق جاهلًا بالعيب، ثم علم به بعد إبرام العقد ورضي به، سقط حقُّه في طلب التفريق. فائدتان (٤): ١ - اشترط الحنفية - كذلك - أن يكون طالب التفريق سالمًا من العيوب حتى يحق له طلبه، وخالفهم الجمهور فلم يشترطوا ذلك إلا في بعض الصور. ٢ - اتفق الجمهور على أن العيب القديم السابق على العقد، والمرافق له، والحادث بعده، سواء في إثبات الخيار، لأنه عقد على منفعة، وحدوث العيب بها يثبت الخيار كما في الإجارة.

стр. 1457

العيوب التي تجيز التفريق (١): [١] العيوب الخاصة بالرجل، وهي: (أ) الجَبُّ: وهو قطع ذَكَر الرجل وأنثييه، ومثله في الحكم عند الجمهور قطع الذكر وحده، ومثله - عند المالكية -: قطع الأنثيين دون الذكر. والمرأة تُحرَم الاستمتاع إذا كان الرجل قد جُب ذكره بلا خلاف، ولذا أثبتوا لها حق الفسخ إذا لم تكن تعلم بعيبه قبل العقد. (ب) العنَّة: وهي العجز عن الوطء مع سلامة العضو، وسمي بذلك - عند الجمهور - لأن الذكر يعن يمنة ويسرة ولا يطأ في الفرج، والعنة عند المالكية: هي صغر الذكر بحيث لا يتأتى به الجماع. والعنة تمنع من حق المرأة في الاستمتاع، ولذا ثبت لها حق طلب التفريق بالقيد المذكور قبله. وقد قال الفقهاء: يؤجل العنين للعلاج سنة، فإن استطاع الوطء خلال السنة لم يحق للمرأة طلب التفريق. (جـ) الخصاء: وهو -عند الجمهور- قطع الأنثيين أو رضُّها أو سلُّهما دون الذكر، وعند المالكية: هو قطع الذكر دون الأنثيين. وقد ذهب الحنفية والمالكية، وجمهور الحنابلة وبعض الشافعية إلى أن الخصاء يمنع المرأة من الاستمتاع، فأثبتوا لها حق طلب التفريق، واحتجوا لما جاء عن سليمان بن يسار: أن ابن سند تزوَّج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: «أأعلمتها؟» قال: لا، قال: «أعلمها ثم خيِّر» (٢). [٢] العيوب الخاصة بالمرأة، وهي: (أ) الرَّتق: هو انسداد محل النكاح، بحيث لا يمكن معه الوطء، وربما كان ذلك لضيق في عظم الحوض، أو لكثرة اللحم فيه. (ب) القَرَن: هو شيء ناتئ في الفرج يسدُّه ويمنع الوطء، وربما كان ذلك من لحم أو عظم.

стр. 1458

(جـ) العَفَل: رغوة في الفرج تحدث عند الجماع، أو هو ورم في اللحمة التي بين مسلكي المرأة فيضيق به فرجها فلا ينفذ به الذكر، وقيل: هو القرن. (ر) الإفضاء: هو اختلاط مسلك النكاح مع مسلك البول، أو اختلاط مسلك النكاح مع مسلك الغائط. وهذه العيوب: ذهب الجمهور إلى أنها تمنح الرجل حق طلب التفريق بسببها على خلاف عند بعضهم في اعتبار بعضها - قالوا: لأن هذه العيوب في المرأة تضيع حق الرجل في الاستمتاع، وهذا منقول عن عمر وابن مسعود وابن عباس ﵃ ولا يعلم لهم منهم مخالف. هل يثبت حق التفريق بالاستحاضة؟ لم يذكر الفقهاء الاستحاضة في العيوب التي تجيز التفريق، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ اعتبره عيبًا يجيز التفريق به، لأنه لا يمكن الوطء معه إلا بضرر يخافه أو أذى يحصل له والقاعدة عنده أن ما يمنع كمال الوطء، يجوز التفريق لأجله. [٣] العيوب التي يشترك فيها الرجال والنساء: (أ) الجُنون. (ب) الجُذام: علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها مع التقرُّح. (جـ) البَرَص: بياض يظهر في ظاهر البدن فيفسد مزاج الأعضاء، وتزداد اتساعًا مع الأيام، وربما نبت عليها شعر أبيض أيضًا، وربما كانت بقعًا سوداء. وقد ذهب الجمهور إلى اعتبار هذه الأمور من العيوب التي تجيز للزوجين طلب الفرقة، وقد نقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة على إثبات خيار الفسخ بها (٢). قلت: ويتأيد هذا المذهب بقول عمر ﵁: «أيُّما امرأة غُرَّ بها رجل، به جنون أو جُذام أو برص، فلها المهر بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غرَّه» (٣).

стр. 1459

وبنحو قول النبي ﷺ : «فرَّ من المجذوف فرارك من الأسد» (١). ففيه إثبات الضرر بالجذام ونحوه، وهذا مما يمنع حصول حق الاستمتاع والله أعلم. فائدة: هذه العيوب ليست للحصر، وإنما هي للتمثيل، فيلحق بها كل ما كان في معناها أو زاد عليها، ويدخل في هذا ما يسمى بمرض «الإيدز» ونحوه، نسأل الله العافية من البلاء. وقد اختار شيخ الإسلام أن تُرَّد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع، وقال ابن القيم: «والقياس: أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قطُّ، ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبن به، ومن تدبَّر مقاصد الشرع ومصادره وموارده وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح- لم يخفَ عليه رجحان هذا القول، وقربه من قواعد الشريعة» (٢) اهـ. نوع الفرقة الحاصلة بالعيوب: ذهب الحنفية والمالكية أن الفرقة للعيب طلاقٌ بائن، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها فسخ وليست طلاقًا (٣)، وهو الأقرب. [٦] التفريق لعدم الإنفاق: اتفق أهل العلم على وجوب النفقة للزوجة على زوجها بالعقد الصحيح ما لم تمتنع من التمكين، فإذا لم يقم الزوج بها - لغير مانع من الزوجة - فهل لها أن تطلب الفُرقة لذلك؟ الجواب: أن هذا الزوج لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون له مال ظاهر يمكن للزوجة أخذ نفقتها منه، بعلم الزوج أو الوصول بغير علمه (٤)، بنفسها أو أمر القاضي، فحينئذٍ ليس لها طلب التفريق، لوصولها إلى حقها بغير الفرقة فلا تمكَّن منها.

стр. 1460

الثانية: أن لا يكون للزوج الممتنع عن النفقة مال ظاهر، سواء أكان ذلك لإعساره، أم للجهل بحاله، أم لأنه غيَّب ماله، ففي جواز رفع الزوجة إلى القاضي وطلبها التفريق لذلك خلاف بين أهل العلم، يمكن تلخيصه في ثلاثة مذاهب (١): الأول: يجوز التفريق لعدم الإنفاق: وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة وهو مروي عن عمر وعليٍّ وأبي هريرة، وبه قال ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، ومن أدلتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (٢).وإمساك المرأة بدون النفقة عليها إضرار بها. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ (٣). وإمساك الزوجة مع ترك الإنفاق عليها ليس إمساكًا بمعروف، فيتعين التسريح. ٣ - حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غنيَّ، واليد العليا خير من اليد السفلى، وأبدأ بمن تعول» تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تُطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة (٤). وأجاب المخالفون: بأن قوله: (تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تُطلقني) ليس مرفوعًا بل هو قول أبي هريرة كما هو مصرَّح به هنا، وهو الراجح من طرق الحديث. ٤ - قول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». ٥ - عن أبي الزناد قال: سألتُ سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال: «نعم» قلتُ: سُنة؟ قال: «سُنة» (٥).

стр. 1461

قال الشافعي: «ويُشبه أن يكون المقصود بقوله: سنة، أي سنة رسول الله ﷺ » اهـ (!!). ٦ - عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن: «ادعُ فلانًا وفلانًا - ناسًا قد انقطعوا من المدينة وخلوا منها - فإما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بالنفقة، وإما أن يطلقوا، ويبعثوا بنفقة ما مضى» (١). ٧ - أن الفسخ ثبت بالعجز عن الوطء، والضرر فيه أقل من الضرر من عدم الإنفاق، لأن العجز عن الوطء إنما هو فقد لذة وشهوة يبقى البدن بدونها، فلأن يثبت الفسخ بالعجز عن النفقة- التي لا يقوم البدن إلا بها - أولى. ٨ - أن النفقة في مقابل الاستمتاع، بدليل أن الناشز لا نفقة لها - عند الجمهور - فإذا لم تجب النفقة سقط الاستمتاع، فوجب الخيار للزوجة. ٩ - القياس على الرقيق والحيوان، فإن من أعسر بالإنفاق عليه أُجبر على بيعه اتفاقًا، ففي الزوجة أولى. الثاني: لا يجوز التفريق لعدم الإنفاق: وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعي (٢)، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (٣). قالوا: وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال، فقد ترك ما لا يجب عليه، ولا يأثم بتركه، فلا يكون سببًا للتفريق بينه وبين سكنه، وأجيب عن الآية بأنها دلت على سقوط الوجوب عن الزوج المعسر، وهذا يقول به الأولون. ٢ - قوله تعالى: ﴿وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤). قالوا: وغاية ما يقال في نفقة الزوجة أنها تكون دينًا في الذمة، وقد أعسر بها الزوج، فتكون الزوجة مأمورة بالانتظار بموجب نص هذه الآية.

стр. 1462

٣ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ -جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أُضحك النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، لو رأيتَ بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ ، وقال: «هنَّ حولي كما ترى يسألنني النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ -ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا ...» (١). قالوا: فهذا أبو بكر وعمر يضربان بنتيهما بحضرته ﷺ -لما سألتاه النفقة التي لا يجدها، فلو كان الفسخ لهما وهما طالبتان للحق لم يُقر النبي ﷺ -الشيخين على ما فعلا، ولبيَّن أن لهما أن تطالبان مع الإعسار حتى تثبت على تقدير ذلك المطالبة بالفسخ. وأجيب: بأن ضرب أبي بكر وعمر كالآية دلت على عدم وجوب عليه ﷺ -وليس فيه أنهن سألن الطلاق أو الفسخ، ومعلوم أنهن لا يسمحن بفراقه، فإن الله تعالى قد خيرهن فاخترن رسول الله ﷺ -والدار الآخرة، فلا دليل في القصة، ومعلوم أنه ﷺ -لا يفرط فيما يجب عليه من الإنفاق فلعلهم طلبن زيادة على ذلك، فتخرج القصة عن محل النزاع بالكلية. ٤ - أنه كان في الصحابة المعسر بلا ريب، ولم يخبر النبي ﷺ -أحدًا منهم بأن للزوجة الفسخ، ولا فسخ أحد. وأجيب: بأنه لم يُعلم أن امرأة طلبت الفسخ أو الطلاق لإعسار الزوج بالنفقة ومنعها عن ذلك حتى تكون حجة، بل كان نساء الصحابة كرجالهن يصبرن عل ضنك العيش وتعسُّره، كما قال مالك: إن نساء الصحابة كنَّ يردن الآخرة فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن. ٥ - ولأنها لو مرضت الزوجة، وطال مرضها حتى تعذر على الزوج جماعها لوجبت نفقتها ولم يكن من الفسخ، وكذلك الزوج، فدل على أن الإنفاق ليس في مقابلة الاستمتاع كما قال الأولون.

стр. 1463

الثالث: لا يجوز التفريق بعدم الإنفاق، بل يجب على الزوجة الموسرة أن تنفق على زوجها المعسر: فإذا أيسر الزوج لا ترجع عليه بشيء، وهذا هو مذهب أبي محمد بن حزم (١) مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نُفْسٌ إلاَّ وسْعَهَا لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا ولا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٢). قال: فالزوجة وارثة، فعليها النفقة بنص القرآن (!!) وتُّعقب بأن الله تعالى قد جعل على وارث المولود له، أو وارث من رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف مثل ما على الموروث، فأين في الآية نفقة غير الزوجات حتى يحمل عمومها على ما ذهب إليه؟! (٣). الراجح: الأظهر مما تقدم: القول بجواز التفريق بعدم الإنفاق للأدلة التي ذكرها الجمهور، لا سيما وقد قال به الصحابة وعملوا به، ولما فيه من رفع الضرر عن الزوجة لا سيما إذا رفض الزوج تطليقها اختيارًا أو بالاتفاق معها، على أن الأولى والأحسن أن تصبر الزوجة في إعسار زوجها وتقف بجانبه وتواسيه ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. وأما أدلة المانعين فلا تنهض لمكافأة أدلة الجمهور، والله أعلم. نوع هذه الفرقة؟ ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الفرقة لعدم الإنفاق فسخ ما دامت بحكم القاضي، فإن طلب القاضي من الزوج طلاقها فطلقها كانت رجعية ما يبلغ الثلاث أو يكن قبل الدخول، وإلا فبائن. وذهب المالكية إلى أنها طلاق رجعي وللزوج مراجعتها في العدة إلا أنهم اشترطوا لصحة الرجعة - هنا- أن يجد الزوج يسارًا لنفقتها الواجبة عليه (٤).

стр. 1464

[٧] التفريق بسبب الضرر (١): يرى المالكية أن للزوجة طلب التفريق بسبب الضرر الواقع عليها من قبل الزوج، وحدُّ هذا الضرر: «كل ما يلحق الأذى أو الألم ببدن الزوجة أو نفسها أو يعرضها للهلاك، ويصدر من الزوج بقصد وتعمد، وبدون وجه حق، أو موجب شرعي لهذا الإضرار». وهذا الضرر قد يكون ماديًّا أو معنويًّا نفسيًّا، فالمادي: كل ما يلحق الأذى ببدنها كضربها وإحداث جرح في بدنها، وكإلقاء الماء الحار عليها ونحو ذلك مما لا يجوز فعله شرعًا. والمعنوي أو النفسي: ما يلحق الألم في نفس الزوجة، كإسماعها القبيح من سب وشتم لها ولوالديها، وكترك الكلام معها وإهانتها وهجر فراشها وعدم وطئها دون مبرر شرعي. لكن لا ينبغي أن تبادر المرأة - مع أهون ضرر - برفع طلب التفريق إلى القاضي، وإنما يكون هذا بعد استنفاد كل وسائل الإصلاح وحصول ما لا يطاق معه دوام العشرة بين أمثالها. وقد أُخذ بمذهب المالكية في هذه المسألة في المحاكم المصرية. ترك الوطء من الضرر المبيح لطلب التفريق: تقدم في «حقوق الزوجين» أن وطء الرجل زوجته بالمعروف واجب في أصح قولي العلماء، ولذا قال شيخ الإسلام: «وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتضٍ للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة وأولى» اهـ (٢). نوع الفرقة في هذه الحالة: قال المالكية - وهم أكثر الفقهاء أخذًا بالتفريق بالضرر -: الواقع بالتفريق للضرر: طلقة بائنة وذلك بأن يأمر القاضي زوجها بطلاقها، فإن امتنع طلَّق عليه القاضي (٣).

стр. 1465

[٨] التفريق لفقد الزوج أو غيبته: أولًا: التفريق لغيبة الزوج: إذا غاب الزوج عن زوجته - مع علمها بمكانه وإمكان الاتصال به - فقد اختلف الفقهاء في جواز التفريق للغيبة على أقوال، مبناها اختلافهم في حكم استدامة الوطء، أو حق للزوجة مثل ما هو حق للزوج أم لا؟ فذهب الحنفية والشافعية - وهو قول للحنابلة - إلى أن دوام الوطء قضاء حق للرجل فقط، وليس للزوجة حق فيه (!!) فإذا ترك وطأها مدة لم يكن ظالمًا لها سواء كان حاضرًا أو غائبًا، وعليه: فليس لها طلب التفريق لذلك عندهم، وهذا مذهب ابن حزم (١). بينما ذهب المالكية على أاستدامة الوطء حق للزوجة مطلقًا، وهو الأظهر عند الحنابلة إلا أنهم قيدوه بما لم يكن بالزوج عذر مانع منه كمرض أو غيره، ولذا أجازوا طلب التفريق للغيبة (٢)، واشترطوا في الغيبة ليثبت التفريق بها للزوجة شروطًا، وهي: ١ - أن تكون غيبة طويلة: واختلفوا في مدَّتها: فقال الحنابلة أكثر من ستة أشهر، واستندوا إلى ما يروي عن عمر ﵁ أنه «وقَّت للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهرًا، ويقيمون أربعة أشهر ويسيرون شهرًا راجعين» (٣) وهذا لما سمع شكاة امرأة بالمدينة كان زوجها غائبًا عنها في سبيل الله. وحدَّها المالكية- في المعتمد عندهم- بسنة فأكثر. ٢ - أن تكون الغيبة لغير عذر، فإن كانت لعذر كالحج والتجارة وطلب العلم لم يكن لها طلب التفريق، هذا عند الحنابلة، وأما المالكية فلم يشترطوا عدم العذر، وإنما لها الحق بالغيبة مطلقًا.

стр. 1466

٣ - أن تخشى على نفسها الضرر، والمراد به: الوقوع في الزنى. ٤ - أن يكتب القاضي إليه بالرجوع إليه أو نقلها أو تطليقها ويمهله مدة مناسبة. قلت: القول بجواز التفريق للغيبة أوجه بلا شك، لأن الصحيح الوطء بالمعروف حق للمرأة كما تقدم تحريره، ولقوله تعالى ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). واعتبار عذر الرجل في تركه من المعروف فيُعتبر قول الحنابلة، لكن ينبغي أن يتقيد بألا تزيد غيبة المعْذور عن المدة التي تنتظرها زوجة المفقود والتي يأتي تحريرها قريبًا. وأما تحديد مدة الستة أشهر فإن ثبت النقل به عن عمر ﵁ فالقول قوله، وإلا فالتحديد بمدة الإيلاء (أربعة أشهر) أولى لاسيما وفي بعض الطرق أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد: «أن لا تحبسوا الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر» وقد تقدم في «مدة الإيلاء» والله أعلم. نوع الفرقة بغيبة الزوج (٢): اتفق القائلون بجواز التفريق للغيبة على أنه لا بد فيه من قضاء القاضي، لأنه فصلٌ مجتهد فيه، فلا ينفذ بغير قضاء. وهذه الفرقة فسخ عند الحنابلة، وعند المالكية: طلاق، ولم يصرحوا بكونه بائنًا أو رجعيًا. هل يفرَّق على الزوج المحبوس: المحبوس غائب معلوم المكان، وعليه فإن الجمهور خلافًا للمالكية قالوا: لا يجوز التفريق عليه مطلقًا، فأما الحنفية والشافعية فلأنه غائب معلوم الحياة وهم لا يقولون بالتفريق عليه كما تقدم وأما الحنابلة فلأن غيابه لعذر. ثانيًا: التفريق لفقدان الزوج: إذا غاب الزوج عن زوجته غيبة منقطعة خفيت فيها أخباره، وجهلت فيها حياته، فهذا يسمى (المفقود) ومذاهب العلماء في تجويز طلب زوجة المفقود التفريق كمذاهبهم في زوجة الغائب - من حيث الجملة - لأن المفقود غائب وزيادة.

стр. 1467

فإذا فُقد الزوج فللعلماء في شأن زوجته أقوال (١): الأول: لا تتزوج وليس لها طلب التفريق مهما طالت المدة حتى يتبيَّن وفاته أو تطليقه: وهذا مذهب الحنفية والشافعي في الجديد، وبه قال ابن حزم، وحجتهم: ١ - ما يروي عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان» (٢) وهو ضعيف ولا يثبت. ٢ - ما يُروى عن علي ﵁ أنه قال: «إذا فقدت زوجها فلا تتزوَّج حتى يستبين أمره» (٣) وعنه أنه قال في امرأة المفقود: «وهي امرأته ابتليت، فتصبر حتى يستبين موت أو طلاق» (٤) وفي أسانيدها نظر. ٣ - لأنها زوجة كباقي الزوجات، فلا تقع الفرقة بينها وبين زوجها إلا بما يوجب الفرقة من موت أو طلاق وليس فقدان الزوج موجبًا للفرقة. ٤ - أنه لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله، فلم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته. الثاني: تتربَّص الزوجة أربع سنين من غيبته ثم يُحكم بوفاته فتعتد بأربعة أشهر وعشر وتحلُّ بعدها للأزواج: وهو ظاهر مذهب أحمد فيمن كان ظاهر غيبته الهلاك والقول القديم للشافعي، وبه قال المالكية [إذا فقد في حالة السلم في دار الإسلام] وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة: ١ - عن ابن المسيب أن عمر ﵁ قال: «أيُّما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا ثم تحلُّ» (٥).

стр. 1468

٢ - وعنه أن عمر وعثمان قضيا في المفقود أن امرأته تتربَّص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرًا بعد ذلك، ثم تزوج، فإن جاء زوجها الأول خيرِّ بين الصداق وبين امرأته» (١). ٣ - عن جابر بن زيد «عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين، قال ابن عمر: ينفق عليها في الأربع سنين من مال زوجها، لأنها حبست نفسها عليه ...» الأثر (٢). ٤ - أنه لا يصح خلاف هذا عن أحد من الصحابة. وعند الحنابلة - وهو اختيار شيخ الإسلام - لا يشترط لتربُّص الزوجة المدة المقررة لها، ووقوع الفرقة بعدها حكم حاكم (٣). الثالث: لا وجه لتربُّصها ولها أن تطالب الحاكم بالفسخ: وهذا القول نقله الصنعاني عن الإمام يحيى، واستحسنه، واختاره شيخنا - رفع الله قدره - وقيَّد طلبها للتفريق بخشية الوقوع في الفتنة (٤). ومأخذ هذا القول عموم الأدلة الرافعة للضرر، كقوله تعالى ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (٥). وقوله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (٦). وأنه قد شُرع التفريق لرفع المضارة في الإيلاء والظهار وللعيوب ونحو ذلك، وهو هنا أبلغ، وأما المدة التي تتربَّصها فليس فيها شيء مرفوع عن النبي ﷺ ، فلم تكن لازمة. قلت: أما جواز طلب المرأة المفقودة زوجها التفريق لفقده فلا شك أن قواعد الشريعة وأصولها يؤيده، وكذلك قال به الصحابة ﵃، لأن تضرُّر المرأة حاصل بفقد زوجها إلا فيما ندر، لكن الذي ينبغي تحريره: ما الأجل الذي يُضرب لها لانتظاره ثم يجوز لها طلب الفسخ بعده؟ وهل حكم عمر ومن معه من الصحابة بانتظار الأربع سنوات مُلزم؟

стр. 1469

فلقائل أن يأخذ بقول عمر ومن معه من الصحابة لأنه لا يصح خلافه عن أحد منهم، ويكون لهذا القول وجهه، ولآخر أن يقول: «آراء الصحابة إن هي إلا اجتهاد منهم، والذي نعتقده حقًّا هو أن مرجع الأمر للحاكم فله أن يقدر الوقت لها، وذلك يختلف باختلاف الأزمان، فإذا كان في عصر الصحابة مقدرًا بأربع سنين كما ذهب إليه أو حكم به عمر بن الخطاب، وهو إنما قاله بما كان له من سلطة الحكم، وعصرهم لم تكن فيه الأخبار سريعة التدوال بين البلدان، ومن الصعب وصول خبر من قُطر إلى آخر إلا بعد مدة طويلة، فقد يجوز في زماننا هذا أن يقدر الأجل بسنة واحدة ...» (١) وهذا اختيار العلامة أحمد شاكر، ﵀. قلت: ولهذا القول وجاهته لاسيما وقد تيسرت وسائل الاتصالات الحديثة، ولما فيه من رفع الضرر عن المرأة لاسيما في زمان الفتنة، فالذي يظهر أن المرأة إذا خشيت الفتنة ترفع أمرها إلى القاضي لينظر فيه فإن رأى المصلحة في فسخ النكاح فعل والله أعلم. نوع الفرقة للفقد (٢): إذا لم ترفع المرأة المفقود زوجها أو أحدٌ من ورثته أمره للقاضي، فهو حي في حق زوجته العمر كله بالاتفاق. فإذا رفع إلى القاضي وقضى بموته انقضت الزوجية حكمًا من تاريخ حكم الوفاة، وبانت زوجته واعتدَّت للوفاة، وهي ببينونة وفاة لا بينونة طلاق أو فسخ. إذا عاد المفقود بعد الحكم بالتفريق: فهذا له حالات ثلاث: الأولى: أن يعود المفقود، وزوجته لم تتزوج: فهي امرأته بنكاحها الأول معه، ولا تحتاج إلى تجديد النكاح معه، لأننا إنما أبحنا لها الزواج، لأن الظاهر موت زوجها، فإذا بان حيًّا انخرم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله، كما لو شهدت البيِّنة بموته ثم بان حيًّا (٣). الثانية: أن يعود بعد أن تزوجت زوجته، وقبل دخول الثاني بها: فهي زوجة

стр. 1470

الأول كذلك عند الجمهور (مالك والشافعي واحمد) لأن نكاحها إنما صحَّ في الظاهر دون الباطن فإذا قدم المفقود تبيَّنا أن نكاح امرأته كان باطلًا، لأنه صادف امرأة ذات زوج، وليس على الثاني حينئذٍ مهر، لأنه فاسد لم يتصل به دخول (١). الثالثة: أن يعود بعدما تزوجت زوجته ودخل الثاني بها: فقد ثبت عن عمر وعثمان أنهما قضيا في المفقود «أن امرأته تتزوَّج، فإن جاء زوجها الأول خيِّر بين الصداق وبين امرأته» (٢). وبه قال الحنابلة: فإن اختار المفقود زوجته فهي زوجته بالعقد الأول، لأن نكاحها من الثاني كان باطلًا، وإن اختار تركها فإنه يرجع على الثاني (أي: يأخذ منه) بصداقها، قيل: الذي كان دفعة لها أولًا - وهو قضاء الصحابة- وقيل يأخذ المهر الذي دفعه الثاني (!!) (٣). واختار شيخ الإسلام أنها تكون زوجة الثاني ظاهرًا وباطنًا. [٩] التفريق بإسلام أحد الزوجين أو وردَّته: (أ) إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر: فإنه يفرَّق بينهما لعدم جواز بقاء المسلمة تحت الكافر، قال الله تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٤). واختلف أهل العلم في نوع هذه الفرقة وفي أثرها إذا أسلم زوجها بعد ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: تبيُن منه بمجرد إسلامها، فإن أسلم بعدها - ولو بلحظة - لزمه إن رضيت عقدَ جديد: وهو مذهب ابن عباس وعطاء وطاووس وفقهاء الكوفة (٥) وأبي ثور واختاره ابن المنذر وابن حزم وهو رواية عن أحمد وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٦). فالإسلام سبب الفرقة، وما كان سببًا للفرقة تعقبه فرقة كالرضاع والخلع والطلاق.

стр. 1471

٢ - عن ابن عباس قال: «إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه» (١). وفي رواية: «يفرِّق بينهما الإسلام، لأنه يعلو ولا يعلى عليه» (٢). ٣ - وسئل عطاء عن امرأة من أهل العهد أسلمت، ثم أسلم زوجها في العدة، أهي امرأته؟ قال: «لا، إلا أن تشاء هي بنكاح جديد وصداق» (٣). الثاني: تعتدُّ منه، فإن أسلم في عدتها فهي امرأته، وإلا لزمه إن رضيت عقد جديد: وهذا مذهب الجمهور، منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وحجتهم: ١ - ما رُوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ ردَّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد» (٤) وهو حديث ضعيف. ٢ - وقال مجاهد: «إذا أسلم في العدة يتزوَّجها» (٥). ٣ - وقد ادَّعى ابن عبد البر الإجماع على عدم جواز تقرير بقاء المسلمة تحت الكافر إذا تأخَّر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها، وهو منقوض بالمنقول عن على والنخعي. الثالث: النكاح موقوف: فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها، فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح: وهو مذهب عمر وعليّ ﵄ واختاره ابن القيم والصنعاني والشوكاني، وحجتهم: ١ - حديث ابن عباس قال: «وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حلَّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّت إليه ...» الحديث (٦).

стр. 1472

٢ - حديث ابن عباس قال: «ردَّ النبي ﷺ -ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا» (١). وفيه ضعف، وله شواهد مرسلة. قال ابن القيم: «وهو [أي: أبو العاص] إنما أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة، وأما قوله في الحديث: «كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين» فوهم، إنما أراد: بين هجرتها وإسلامه» اهـ. ٣ - عن عبد الله بن يزيد الخطمي: «أن نصرانيًّا أسلمت امرأته، فخَّيرها عمر بن الخطاب ﵁: إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه» (٢). ومعلوم بالضرورة أنه إنما خيَّرها بين انتظاره إلى أن يُسلم فتكون زوجته كما هي، أو تفارقه. ٤ - قال ابن القيم: «ولم يزل الصحابة يُسلم الرجل قبل امرأته، وامرأته قبله ... ولا نعلم أحدًا جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين: إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإما بقاؤها عليه وإن تأخرَّ إسلامها أو إسلامه، وأما تنجيز الفُرقة أو مراعاة العدة، فلا نعلم أن رسول الله ﷺ -قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهم، وقرب إسلام أحد الزوجين وبُعده منه، ولولا إقراره ﷺ -الزوجين على نكاحهما، وإن تأخرَّ إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح، لقلنا بتعجيل الفُرقة بالإسلام من غير اعتبار العدة، لقوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٣). وقوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ (٤). قال الشوكاني: «وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة» اهـ. قلت: نعم، وهذا ما تقضيه الأدلة، وإن خالف الأكثرين، لكن هنا تنبيه ينبغي الإشارة إليه:

стр. 1473

تنبيه: قولنا: تبقى عليه على العقد الأول وإن تأخر إسلامه ما لم تتزوَّج غيره، لا يعني أنها زوجته ما لم تتزوَّج (!!) لأنها محرَّمة عليه بنص القرآن، فلا يجوز لها أن تمكث في بيته إذا هي أجنبية عنه، خلافًا لما يفتى به - في هذه الأيام - بعض (الدكاترة المتفتحين!!) سبحان الله، نحلُّ لها الحرام حتى نرغِّبها في الإسلام؟!! نعوذ بالله من الخذلان. أقول: غاية ما في الأمر أن زوجها إذا أسلم بعدها فوجدها خليَّة لم تتزوَّج فهو أحق بها ولا يحتاج إلى تجديد عقد، والله أعلم. (ب) وإذا أسلم الرجل وزوجته كافرة: ١ - فإن كانت كتابية، فهما على نكاحهما، لأنه يصح الزواج بينهما ابتداءً من الأصل، فيكون بقاء الزواج بينهما أولى. ٢ - وإن كانت كافرة - غير كتابية- فُرِّق بينهما لقوله تعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ (١). فإن أسلمت بعده فهي امرأته على نكاحها الأول، كما تقدم. (جـ) إذا ارتدَّ أحد الزوجين المسلمين: فإن الفُرقة تقع بينهما، على تفصيل الخلاف المتقدم في إسلام أحدهما، فإن عاد المرتد إلى الإسلام كان حكمه حكم إسلام من كان باقيًا على الكفر، وقد تقدم. الحضانة تعريف الحضانة (٢): الحضانة: مصدر من: حضن الصبي حضنًا وحضانة، أي: جعله في حضنه أو ربَّاه فاحتضنه، والحضن هو ما دون الإبط إلى الكشح والصدر أو العضدان وما بينهما وجانب الشيء أو ناحيته. والحضانة اصطلاحًا: حفظ من لا يستقلُّ بأمره وتربيته ورقابته عما يهلكه أو يضرُّه ولا يرد تطبيق أحكام الحضانة - غالبًا - إلا في حال الفرقة بين الزوجين

стр. 1474

ووجود أولاد دون السن التي يستغنى فيها الصغير عن النساء، وذلك أن الولد يحتاج إلى نوع من الرعاية والحماية والتربية والقيام بما يصلحه، وهذا ما يعرف بالولاية. حُكمها (١): الحضانة واجبة، لأن المحضون يهلك بتركها، فوجب حفظه من الهلاك، كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك. والحضانة - عند المحققين - تتعلق بها ثلاث حقوق معًا: حق الحاضنة، وحق المحضون، وحق الأب أو من يقوم مقامه، فإن أمكن التوفيق بين هذه الحقوق وجب المصير إليه، وإن تعارضت قُدِّم حق المحضون على غيره، ويتفرَّع على هذا الأحكام التالية: ١ - تجبر الحاضنة على الحضانة إذا تعيَّنت عليها، بأن لم يوجد غيرها. ٢ - لا تجبر الحاضنة على الحضانة إذا لم تتعيَّن عليها، لأن الحضانة حقها، ولا ضرر على الصغير لوجود غيرها من المحارم. ٣ - لا يصح للأب أن يأخذ الطفل من صاحبة الحق في الحضانة، ويعطيه لغيرها إلا لمسوِّغ شرعي. ٤ - إذا كانت المرضعة غير الحاضنة للولد، فعليها إرضاعه عندها حتى لا يفوت حقها في الحضانة. ترتيب المستحقين للحضانة (٢): لما كان نساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر وأرأف وأفرغ لها وأشد ملازمة للطفل قُدِّمن على الرجال في حضانة الطفل، وهذا في سنٍّ معينة، وبعدها يكون الرجال أقدر على التربية من النساء. الأم أحقٌ الحاضنات: وإذا كان النساء مقدمات على الرجال في الحضانة، فإن أم الطفل أحقُّ

стр. 1475

بحضانته- بعد الفرقة بطلاق أو وفاة أو زواج من غيرها - بالإجماع لوفور شفقتها، إلا إذا وُجد مانع يمنع استحقاقها للحضانة كما سيأتي قريبًا، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» (١). ترتيب الحضانات بعد الأم: تقدم أن أم الطفل هي الأحق بحضانته من غيرها بالاتفاق، لكن إذا وُجد مانع - مما سيأتي- من تقديمها، فقد تضاربت أقوال الفقهاء واختلفت في ترتيب المستحقات لحضانة الطفل: ١ - فعند الحنفية: تقدَّم الأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات، ثم بنات الأخت، ثم بنات الأخ، ثم العمات، ثم العصبات بترتيب الإرث. ٢ - وعند المالكية: الأم، ثم الجدة لأم، ثم الخالة، ثم الجدة لأب، وإن علت، ثم الأخت، ثم العمة، ثم ابنة الأخ، ثم للوصي، ثم للأفضل من العصبة. ٣ - وعند الشافعية: الأم، ثم أمُّ الأم، ثم أمُّ الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات، ثم بنات الأخ وبنات الأخت، ثم العمَّات، ثم لكل ذي محرم وارث من العصبات على ترتيب الإرث، فهم قد وافقوا الحنفية. ٤ - وعند الحنابلة: الأم، ثم أمُّ الأم، ثم أمُّ الأب، ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت لأبوين، ثم الأخت لأم، ثم لأب، ثم خالة لأبوين، ثم لأمِّ ثم لأبٍ، ثم عمه، ثم خالة أم، ثم خالة أب، ثم عمته، ثم بنت أخ، ثم بنت عم أب، ثم باقي العصبة الأقرب فالأقرب. قلت: سبب وجود هذا الاختلاف، عدم وجود النص القاطع في المسألة، لكننا نلحظ تقديم أكثرهم أقارب الأم على أقارب الأب عند التساوي في القرب، ولعلهم استندوا في هذا إلى تقديم الأم على الأب فأخذوا منه تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب، وربَّما ساعدهم على وضع هذا الضابط ما يلي:
следующие страницы →