← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والظاهر أن الدلك مستحب وليس واجبًا. ويقوي هذا المذهب -مع حديث أم سلمة- حديث عمران بن حصين في قصة المزادتين وفيه: (... وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك») (١). وعلى هذا فلو وقف الإنسان تحت «الدش» ووصل الماء إلى جميع البدن فقد صح غُسله مع النية. غسل المرأة من الجنابة: صفة غسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل تمامًا. ولا يلزم المرأة -إذا كان لها ضفيرة- أن تنقض شعرها (تحل ضفائرها) لكن عليها أن توصل الماء إلى أصول شعرها. لحديث ميمونة قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين» (٢). وعن عائشة قالت: «كنا نغتسل وعلينا الضماد (٣) ونحن مع رسول الله ﷺ مُحلاَّت ومُحرمات» (٤). وقد أنكرت عائشة على عبد الله بن عمرو أَمْرَه للنساء بنقض رؤوسهن عند الغسل (٥). غُسل المرأة من الحيض والنفاس (٦): ١ - استعمال الصابون ونحوه من المنظفات مع الماء: لحديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها

стр. 177

فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسَّكة فتطهر بها» فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: «سبحان الله تطهرين بها» فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين بها أثر الدم (١). ٢ - أن تحلَّ ضفائرها حتى يصل الماء إلى أصول الشعر: لقوله ﷺ في الحديث السابق «ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ...» وهو دليل على أنه لا يكتفي فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة، لا سيما وفي الحديث نفسه أنها سألته عن غسل الجنابة فقال: «ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها» ولم يذكر الدلك الشديد ففرَّق بين غسل الجنابة والحيض. وقد اختلف العلماء في حكم نقض الضفائر في غسل المحيض: فذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أنه مستحب وليس بواجب (٢) وحجتهم: ١ - أن الحديث ليس صريحًا في إيجاب نقض الضفيرة. ٢ - أن حديث عائشة الذي في قصة حجة النبي ﷺ وفيه: «فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: «دعي عُمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ...» (٣) قالوا: هذا غسل للإحرام وليس غسلاً للحيض فلا يصلح دليلاً. ٣ - وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها -وكانت حائضًا-: «انقضي شعرك واغتسلي» (٤) قالوا: هذا الحديث يُرَدُّ إلى الحديث السابق فهو حديث واحد، ومن ثم أعلوا لفظة «واغتسلي» وحملوه على غسل الإحرام. ٤ - إنكار عائشة على عبد الله بن عمرو أمره للنساء بنقض رؤوسهن في الغسل. بينما ذهب الإمام أحمد والحسن وطاووس إلى أن نقض المرأة ضفائرها في غسل المحيض واجب للأحاديث السابقة، وكأنه الأرجح في المسألة كما حققه العلامة ابن القيم ﵀ (٥) وردَّ على اعتراض الجمهور بما يأتي: ١ - أما قولهم في حديث عائشة في حجِّها: إنه كان في الإحرام فصحيح، لكن غسل الحيض آكد الأغسال وقد أمر فيه النبي ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه فأمرها بنقضه -وهو غير رافع لحدث الحيض- تنبيهًا على وجوب نقضه إذا كان رافعًا للحدث بطريق الأولى. ٢ - وأما حديثها أنه قال لها وهي حائض: «انقضي شعرك واغتسلي». فكونه غير حديث الحج وارد جدًّا لا سيما ورجال السند من المكثرين. ٣ - وأما إنكار عائشة على عبد الله بن عمرو، إنما كان لأمره للنساء بنقض رؤوسهن في غسل الجنابة بلا شك، فقد قالت: «يا عجبًا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقض رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ...» (٦). وإنما كانت تغتسل معه ﷺ من الجنابة التي يشتركان فيها لا من الحيض!! وعلى هذا فيجب على المرأة أن تحل ضفائرها في

стр. 178

غسل المحيض والنفاس خاصة، وهو الأحوط والله أعلم. ٣ - أن تتبع أثر الدم بقطعة عليها مسك أو نحوه: فيستحب أن تستعمل قطعة قماش أو قطن عليها شيء من المسك وتدخلها في فرجها بعد الاغتسال، وكذلك تطيب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، وذلك لتطييب المحل من الرائحة الكريهة، وهذا ثابت في حديث عائشة المتقدم. ويرخص للمرأة أن تفعل هذا حتى وهي في فترة الإحداد على زوجها أو ميتها لحديث أم عطية فيما تمنع منه الحادَّة: «... ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخصَّ لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُسْثِ أظفار ...» (١). وسيأتي هذا في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

стр. 179

تنشيف الأعضاء بعد الغسل: تقدم في حديث ميمونة في صفة غُسل النبي ﷺ : «فناولته ثوبًا (وفي رواية: المنديل) فلم يأخذه وهو ينفض يديه» (١) وقد استُدل بهذا على كراهة التنشيف بعد الغسل ولا حجة فيه لأمور (٢): ١ - أنها واقعة حالة يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلاً أو غير ذلك. ٢ - أن في الحديث دليلاً على أنه ﷺ كان من عادته التنشيف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. ٣ - نفض الماء بيده يدل على عدم الكراهة في التنشيف لأن كلاًّ منهما إزالة. فالحاصل: أنه لا بأس بالتنشيف بعد الغسل، والله أعلم. مسائل تتعلق بالغسل لا يلزم الوضوء بعد الغسل: من اغتسل غسلاً شرعيًا وأراد أن يصلي فلا يلزمه أن يتوضأ، حتى وإن لم يكن توضأ في اغتساله، فإن طهارة الجنابة تقضي على طهارة الحدث، لأن موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في الأكثر. فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة» (٣) وفي رواية: «يغتسل ويصلي ركعتين، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغسل» (٤). وقال ابن عمر ﵄: «إذا لم تمسَّ فرجك بعد أن تقضي غُسلك، فأي وضوء أسبغ من الغسل» (٥). قلت: ويتفرَّع على هذا انه لا يجب على المغتسل من الجنابة أن ينوي رفع

стр. 180

الحدث الأصغر، وهو مذهب الجمهور واختاره ابن تيمية (١). وعند الحنابلة أنه إذا نوى الطهارتين أجزأ منهما، وإن نوى الغسل وحده فليس له إلا ما نوى (٢). إذا اجتمع موُجِبان للغسل: كحيض وجنابة، أو جنابة وجمعة، فإنه يجزئ عنهما غسل واحد إذا نواهما معًا، وهو قول أكثر أهل العلم (٣). إذا أجنبت المرأة ثم حاضت قبل أن تغتسل: فأصلح أقوال العلماء أنه لا يلزمها أن تغتسل للجنابة وإنما يلزمها إذا طهرت أن تغتسل للجنابة والحيض معًا وتنويهما جميعًا، وهذا مذهب أحمد (٤) وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمها الغسل للجنابة ثم إذا زالت الحيضة اغتسلت للحيض، وهو مذهب عطاء والنخعي والحسن، وقال بعضهم: يلزمها غسل فرجها ثم إذا طهرت تغتسل، ولا حجة لأحد هذين القولين، والصواب الأول. ولا ينفي هذا أنها إذا أرادت أن تغتسل للجنابة أو أن تغسل فرجها ثم تغتسل إذا طهرت - فعلت ولا حرج عليها، وإنما لا يلزمها. يجوز غُسل الرجل بفضل ماء المرأة: وقد تقدم تحريره في «أحكام المياه». يجوز للرجل الاغتسال مع زوجته: ويجوز لكل منهما أن ينظر لعورة الآخر من غير كراهة، فعن عائشة قالت: «وكنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد [فيبادرني حتى أقول: دع لي دع] كلانا جنب» (٥). لا يجوز الاغتسال عريانًا أمام الناس: فإن استتر عن نظر الناس فلا بأس، وقد تقدم في حديث ميمونة «وضعت للنبي ﷺ ماءً للغسل [وسترته] فغسل يديه .... الحديث».

стр. 181

وقد ثبت عن النبي ﷺ أن موسى ﵇ اغتسل عريانًا (١) وكذلك أيوب ﵇ (٢) وهذا في الخلوة. من أَحْدَثَ أثناء الغُسل: الجنب إذا أحدث قبل أن يتم غُسله فإنه يتمُّه ولا يعيده، لأن الحدث لا ينافي الغسل، فلا يؤثر وجوده فيه كغير الحدث، وإنما عليه أن يتوضأ، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم: عطاء والثوري ويشبه مذهب الشافعي واختاره ابن قدامة وابن المنذر (٣). مسائل تتعلق بالجُنُبِ: يجوز للجُنب تأخير الغُسل: ولا يجب عليه أن يغتسل فور حصول الجنابة، وإن كان الأفضل والأزكى المبادرة بالغسل. فعن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، فانخنس منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سبحان الله، إن المسلم لا ينجس» (٤). وعن أنس أن النبي ﷺ : «كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة» (٥). ثم إن التعجيل بغسل الجنابة إنما هو للصلاة بالدرجة الأولى، وقد كان النبي ﷺ ربما نام قبل أن يغتسل كما سيأتي. يجوز للجنب أن ينام قبل أن يغتسل، إذا توضأ: فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة» (٦).

стр. 182

وسألها عبد الله بن قيس قال: «كيف كان يصنع النبي ﷺ في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ فقالت: «كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام» فقال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة» (١). وقال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب -لما سأله عن الجنابة تصيبه من الليل-: «توضأ، واغسل ذكرك، ثم نَمْ» (٢). لا حرج على الجنب في قراءة القرآن ومس المصحف: وقد تقدم تحريره في «الوضوء» فليراجع. هل يجوز للحائض والجنب دخول المسجد والمكث فيه؟ ذهب جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم -خلافًا للظاهرية- إلى تحريم مكث الحائض والنفساء والجنب في المسجد، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود من الصحابة (٣). واستدل المانعون بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا ...﴾ (٤). قالوا: المراد بالصلاة: مواضع الصلاة وهي المساجد، ففي الآية منع الجنب من دخولها إلا في حالة كونه مسافرًا، ثم قاسوا الحائض والنفساء على الجنب!! وأجاب المبيحون: بأن هذا أحد تأويلي السلف لمعنى الآية، والتأويل الآخر أن المراد الصلاة ذاتها لا المسجد فيكون المعنى: ولا تقربوا الصلاة جنبًا إلا بعد أن تغتسلوا إلا في حال السفر فصلُّوا بالتيمم ولذا قال بعدها: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. ثم في قياس الحائض على الجنب نظر، لأن الحائض معذورة ولا يمكن أن تغتسل قبل أن تطهر ولا تملك رفع حيضتها، بخلاف الجنب فيمكنه الاغتسال.

стр. 183

٢ - حديث جسرة بنت دجاجة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إني لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب» (١). وأجاب المبيحون: بأن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به، فإن مداره على جسرة وهي لا تحتمل التفرد. ٣ - حديث أم عطية: «أن النبي ﷺ أمر بإخراج العواتق وذوات الخدور، والحيض في صلاة العيد ليشهدن الخير، ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصُلَّى» (٢). قالوا: فإذا كان هذا في شأن مصلى العيد فالمسجد أولى بالمنع. وأجاب المبيحون: بأن المراد بالمصلى في الحديث: الصلاة، فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون العيد في الفضاء لا في المسجد، والأرض كلها مسجد ولا يجوز أن يخص المنع بعض المساجد دون البعض. ثم قد رُوى الحديث نفسه بلفظ «فأما الحيض فيعتزلن الصلاة» وهي في صحيح مسلم وغيره. ٤ - حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصغى إليَّ رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجِّله وأنا حائض» (٣) قالوا: فامتنعت من ترجيله في المسجد لأنها حائض. وأجاب المبيحون: بأنه ليس صريحًا فيما استدلوا به، فقد يكون عدم دخولها لعلة أخرى غير الحيض كأن يكون بالمسجد رجال ونحو ذلك. ثم استدل المبيحون لدخول الحائض والجنب المسجد بما يأتي: ١ - البراءة الأصلية، فحيث لم يصح النهي فالأصل الإباحة وقد أبيح للمسلم أن يصلي في أي مكان أدركته فيه الصلاة. ٢ - أنه قد ثبت أن المشركين دخلوا المسجد وقد حبسهم النبي ﷺ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤).

стр. 184

وأما المسلم فهو طاهر على كل حال لقوله ﷺ : «إن المسلم لا ينجس» (١) فكيف يمنع المسلم دخوله ويباح للكافر؟! وأجاب المانعون: بأن الشرع فرَّق بين المسلم والكافر، فقام الدليل على تحريم مكث الجنب والحائض (!!) وثبت حبس الكفار فيه، فإذا فرَّق الشرع لم يجز التسوية، فهذا قياس مع النص وهو فاسد (!!) قلت: هذا إذا ثبت النص كما لا يخفى! ٣ - حديث عائشة: «أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب، فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد» (٢). قالوا: فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ ، والمعهود من النساء الحيض، فلم يمنعها ﷺ من ذلك ولا أمرها أن تعتزله في حيضتها. وأجاب المانعون: الظاهر أن هذه المرأة لم يكن لها أهل ولا مأوى سوى المسجد فكان مقامها فيه اضطرارًا، فلا يقاس عليها غيرها وهذه واقعة حالة خاصة فلا يعارض بها الدليل الصريح (!!) في المنع. ٤ - حديث أبي هريرة «في المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد وماتت فسأل عنها رسول الله ﷺ ....» (٣). فهذه امرأة غير مضطرة تقم المسجد في كل وقت ولم ينهها النبي ﷺ عن اعتزال المسجد في الحيض. ٥ - حديث أبي هريرة في مبيت أهل الصفة في المسجد على عهد رسول الله ﷺ (٤). وأجاب المانعون: بأن أهل الصفة لم يكن لهم أهل ولا مال كما هو واضح في نص الحديث. ٦ - ثبت في الصحيح «أن ابن عمر كان ينام في المسجد وهو شاب عزب لا أهل له» (٥).

стр. 185

والشاب يعتريه الاحتلام كثيرًا ولم يُنه عن المكث في المسجد حال الجنابة. وأجاب المانعون: بأنه لم يُذكر أن النبي ﷺ اطلع على هذا منه وأقره!! وردَّ المبيحون: بأنه لو خفى هذا على رسول الله ﷺ فلا يخفى على الله تعالى فكان ينبغي أن يخبره الوحي بذلك فينهاه، وأجيب: بأنه لا يلزم أن ينزل الوحي معلمًا بكل خطأ من حصابي، فكم وقع الصحابة في مخالفات لعدم علمهم بالدليل الوارد في المسألة في عهد النبي ﷺ . ٧ - أن عائشة ﵂ لما حاضت في الحج فأجاز لها ما يفعل الحاج ولم ينهها إلا عن الطواف بالبيت (١)، فدلَّ على جواز دخولها المسجد، لأن الحاج له ذلك. وأجاب المانعون: أنه إنما أراد أن يعلمها أنه يجوز للحائض أن تقوم بكل مناسك الحج إلا الطواف، وأما حكم دخولها المسجد فمعلوم عندها أنه ممنوع إذ هي رواية الحديث، ثم إنه لم ينهها عن الصلاة وهي حائض -والحجاج يصلون- فهل يقال: إن لها أن تصلي وهي حائض؟!! قلت: وهذا جواب متجه لكن إذا ثبت حديث النهي وهو ضعيف. ٨ - حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخمرة من المسجد» فقلت: إني حائض، قال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٢) وهذا مشعر أن الخمرة كانت في المسجد فأصرَّ على دخولها المسجد لمناولته الخمرة. وأجاب المانعون: بأن الحديث ورد بلفظ آخر: «بينما رسول الله في المسجد فقال: «يا عائشة ناوليني الثوب» فقالت: إني حائض، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٣). وهو صريح أن النبي ﷺ كان في المسجد وكانت عائشة والخمرة خارجه. فأمرها بإدخال يدها لا بأن تدخل بنفسها. قلت: هذا الحديث محتمل فينبغي إسقاطه من أدلة الفريقين. ٩ - أثر عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد، وهم مجنبون، إذا توضأوا وضوء الصلاة» (٤).

стр. 186

قلت: بعد هذا العرض لحجج المانعين والمبيحين لمكث الجنب والحائض والنفساء في المسجد، فالذي يظهر أن أدلة المانعين لا ترقى للقطع بالحُرمة، وإن كنت أتوقف في هذه المسألة، والله أعلم بالصواب. التيمُّم (١) التيمم لغة وشرعًا (٢): التيمم لغة: القصد، يقال: (تيممت فلانًا ويممته وتأممته وأممته، أي: قصدته). قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٣). وشرعًا: القصد إلى الصعيد (وجه الأرض) للتطهير لاستباحة ما يبيحه الوضوء والغسل. مشروعية التيمم: ثبتت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٤). ٢ - ومن السنة: -قول النبي ﷺ : «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وعنده طهوره» (٥). -وحديث عمران بن حصين قال: صلى رسول الله ﷺ ثم رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ مع القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك ألا تصلي مع القوم؟» فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» فلما حضر الماء أعطى النبي ﷺ هذا الرجل إناء من ماء فقال: «اغتسل به» (٦). ٣ - وأما الإجماع: فقال: ابن قدامة في «المغنى (١/ ١٤٨):

стр. 187

«وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة» اهـ. عَمَّ يجزئ التيمم؟ التيمم بدل عن الوضوء والغسل عند انعدام الماء أو تعذُّر استعماله، قال النووي: هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (١) وإبراهيم النخعي التابعي، فإنهم منعوه [يعني: منعوا التيمم عن الحدث الأكبر] قال ابن الصباغ وغيره: وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا. واحتج أصحابنا والجمهور بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعًا .... اهـ (٢). قلت: وثمة دليل آخر على مشروعية التيمم من الحدث الأكبر، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٣). فالمراد بالملامسة في الآية: الجماع، على قول فريق من أهل العلم منهم ابن عباس ﵄ (٤). ثم قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على إجزاء التيمم عن الجنابة ومن ذلك: ١ - حديث عمران بن حصين المتقدم وفيه قول النبي ﷺ لمن أصابته جنابة: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٥). ٢ - حديث عمار بن ياسر قال: أجنبت فتمعَّكْت في التراب، فأخبرت

стр. 188

النبي ﷺ بذلك، فقال: «إنما كان يكفيك هكذا: وضرب يديه على الأرض، ومسح وجهه وكفيه» (١). هل يُيَّمَّم الميت إذا عُدم الماء؟ يُيمم الميت كالحي إذا عدَم الماء، لأن غسله فرض، وقد تقدم أن التراب طهور إذا لم يوجد الماء، وهذا عام لكل طهور واجب ولا خلاف في أن كل غسل طهور (٢). الأحوال التي يباح فيها التيمم يُباح التيمم في حالتين: ١ - عند انعدام الماء سواء في السفر أو الحضر. ٢ - عند تعذُّر استعماله، ولهذا صور تأتي، إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣). لا يشترط أن يكون السفر طويلاً حتى يشرع للمسافر التيمم. للمسافر -إذا عدم الماء- أن يتيمم سواء كان سفره طويلاً أو قصيرًا في أصح قولي العلماء (٤)، لإطلاق السفر في الآية الكريمة. ويشهد لذلك: ١ - حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام النبي ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء .... فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ...» (٥).

стр. 189

٢ - وعن ابن عمر: «أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة» (١). قال الشافعي: (الجرف) قريب من المدينة. الصحيح أن المسافر يتيمم في سفره -إذا عدم الماء- سواء سافر لطاعة أو لمعصية، لأن التيمم عزيمة فلا يجوز تركه بخلاف بقية الرخص، ولأنه حكم لا يختص بالسفر فأبيح في سفر المعصية كمسح يوم وليلة (٢). قلت: ولأنه لا يسقط عنه فرض فلزمه أن يحقق شرط صحتها (التيمم) ويبقى في حقه الإثم لأجل سفر المعصية. والله أعلم. من كان معه ماء لا يكفي إلا لبعض أعضائه: فلأهل العلم في هذه المسألة مذهبان: الأول: أنه يغسل ما استطاع من أعضاء ويتيمم عن الباقي: وهو مذهب أحمد، وأحد القولين للشافعي، وبه قال ابن حزم (٣) وحجتهم: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤). وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٥). قال ابن حزم: وهذا مستطيع لأن يأتي ببعض وضوئه أو ببعض غسله، غير مستطيع على باقيه، ففرض عليه أن يأتي من الغسل بما يستطيع في الأول من أعضاء الوضوء وأعضاء الغسل حيث بلغ، فإذا نفد لزمه التيمم لباقي أعضائه ولابد، لأنه غير واجد للماء في تطهيرها، فالواجب عليه تعويض التراب كما أمره الله تعالى ... اهـ. الثاني: أنه يتيمم ابتداء: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين عند الشافعية، وبه قال جماعة من السلف (٦).

стр. 190

قالوا: لأنه لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم، إما هذا وإما هذا، واحتج ابن المنذر لهذا المذهب فقال (١): «قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية، فأوجب على الجنب الاغتسال بالماء، فإن لم يجد تيمَّمَ، وأوجب على المُظاهر رقبة، فإن لم يجد صام شهرين، فلما كان الواجد بعض رقبة في معنى من لا يجد، وفرضه الصوم، كان الواجد من الماء ما يغسل به بعض بدنه في معنى من لا يجد، وفرضه الصوم، كان الواجد من الماء ما يغسل به بعض بدنه في معنى من لا يجد وفرضه التيمم، والجواب في المتمتع يجد بعض ثمن الهدى، والحانث في يمينه يجد ما يطعم أقل من عشرة مساكين، حكم من ذكرنا، فأما أن يفرض على بعض من ذكرنا فرضين فغير جائز» اهـ. قلت: ولعل الأظهر أنه يتيمم ابتداءً، لعدم الجمع بين الأصل والبدل، ولأنه لو لم يكن معه ما يكفي جميع أعضاء الوضوء أو الغسل، فاستعمل البدل (التيمم) فإنه يكون أتى ما استطاع من أمر الله ورسوله كذلك، على أن الذي يظهر لي أن هذا الذي يتيمم بعد غسل بعض الأعضاء إنما حصلت له الطهارة بالتيمم وحده لا بمجموع الغسل والتيمم، فلم يكن لغسل بعض الأعضاء -مع تيقن عدم كفاية الماء - معنى والله أعلم. من كان معه ماء، إلا أنه يخاف على نفسه أو رفيقه أو دابته العطش إن استعمله: قال ابن المنذر (٢): «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار يتطهر به من الماء، أنه يُبقى ماءه للشرب ويتيمم» اهـ. وقال ابن قدامة (٣): «والخائف على بهائمه خائف من ضياع ماله فأشبه ما لو وجد ماء بينه وبينه لص أو سبع يخافه على بهيمته أو شيء من ماله، وإن وجد عطشان يخاف تلفه لزمه سقيه وتيمم» اهـ.

стр. 191

[مسألة]: إذا اجتمع ميِّتٌ، وجنبٌ، وحائضٌ، ومن على بدنِه نجاسةٌ، والماءُ لا يكفي إلا أحدَهم فمن أحق به؟ ١ - إذا كان الماء ملكًا لأحدهم فهو أحق به، وبهذا قطع الجمهور (١). ٢ - وإذا كان الماء مباحًا لهم، فعلى ما يأتي: (أ) الميت أحق به من أصحاب الأحداث، كما قال الشافعي وأحمد (٢) وذلك لعلتين، إحداهما: أنه خاتمة أمره فخُصَّ بأكمل الطهارتين، والأحياء سيجدون الماء، والثانية: أن القصد من غسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتراب، والقصد من طهارة الأحياء استباحة الصلاة، وهي حاصلة بالتيمم. (ب) صاحب النجاسة أحق بالماء من أصحاب الأحداث، وبه قال الشافعية والحنابلة (٣)، قال النووي: لأنه لا بدل لطهارته. اهـ. (جـ) الحائض أحق بالماء من الجنب، لغلظ حدثها، ولأنها تقضي حق الله تعالى وحق زوجها في إباحة وطئها. وفي المسألة خلاف: فعند الحنابلة والشافعية وجهان وعند الشافعية وجه ثالث وهو أنهما يستويان ويقرع بينهما (٤). (ء) إذا اجتمع الجنب والمحدث: فالعبرة بالماء الموجود فإن كان يكفي للاغتسال فالجنب أحق به وإلا فالمحدث (٥). (هـ) إذا اجتمع الميت ومن على بدنه نجاسة، ففيه خلاف (٦)، فمن اعتبر العلة التي ذكرناها في تقديم الميت على المحدث قال: الماء من حق الميت. ومن اعتبر أن من على بدنه نجاسة لا بدل لطهارته، قال: هو الأحق. تيمم المريض الذي يخشى على نفسه الهلاك من استعمال الماء: ذهب جمهور العلماء (أبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم) إلى أن

стр. 192

المريض إذا خشي على نفسه الهلاك من استعمال الماء، فيجوز له أن يتيمم، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ..... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). قال مجاهد: «وهي للمريض تصيبه الجنابة إذا خاف على نفسه فله الرخصة في التيمم مثل المسافر إذا لم يجد الماء» (٢). ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٣). بينما منع عطاء (٤) والحسن تيمم المريض إلا عند فقد الماء، لظاهر الآية. والجواب عن هذا: أن الآية حجة لنا وتقديرها: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء، أو كنتم على سفر فلم تجدوا ماءً، فتيمموا) (٥). إذا خاف المريض -باستعماله الماء- زيادة المرض أو تأخر البرؤ فهل يتيمم؟ ذهب الجمهور (٦) (أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد القولين وابن حزم) إلى أنه لا يشترط خوف الهلاك حتى يتيمم المريض، بل من كان الوضوء يزيد مرضه أو يؤخر برؤه، فإنه يتيمم، لعموم آية المائدة. ولعموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧). قال ابن حزم: فالحرج والعسر ساقطان -ولله الحمد- سواء زادت علته أو لم تزد، وكذلك إن خشي زيادة علته فهو أيضًا عسر وحرج. اهـ. ورُوى عن أحمد والشافعي في أحد قوليه: أنه يشترط خوف الهلاك لإباحة التيمم، ومذهب الجمهور أصح والله أعلم. من كانت به جراح، فماذا يفعل؟ هذه المسألة تتفرع على أصل وهو: (هل يُجمع بين الأصل والبديل أي الوضوء -أو الغسل- والتيمم أم لا؟) وقد تقدم تحريره (٨).

стр. 193

فمن منع الجمع بينهما -كأبي حنيفة ومالك وهو ما رجَّحناه قريبًا- ذهب إلى اتباع الأقل للأكثر، بحيث إذا كان أكثر جسده جريحًا تيمم دون غسل باقي الأعضاء الصحيحة، وإن كان أكثر صحيحًا غسل جسده وترك موضع الجرح (١). ومن أجاز الجمع بين الغسل والتيمم قال: يغسل الصحيح من الجسد ويتيمم عن المجروح، وهو قول الشافعي وأحمد، وكأنه اختيار شيخ الإسلام (٢). قلت: والظاهر أن الأول أصح -كما تقدم- ولا يصح في هذا الباب شيء من رسول الله ﷺ . لكن يُروى حديث جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، قال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم [ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده]» (٣). وهو حديث ضعيف ضعَّفه البيهقي وابن حزم وغيرهما وهو كذلك، وإن كان قد حسنه -بدون ما بين المعكوفتين- الألباني بما لا يُسَلَّم. وقد رُوى عن ابن عمر قال: «إذا لم تكن على الجرح عصائب، غسل ما حوله، ولم يغسله» (٤). وقد صح عن عبيد بن عمير في رجل أصابته جنابة وبه جراحة: «ليغسل ما حوله ولا يقرب جراحته الماء» (٥). وهذا موافق لمذهب أبي حنيفة ومالك، وهو الراجح والله أعلم.

стр. 194

هل يجوز لمن خشي على نفسه برودة الماء أن يتيمم للجنابة؟ يجوز لمن خشي على نفسه الموت بسبب برودة الماء أن يتيمم، لأنه بمنزلة المريض، وهذا مذهب جماهير العلماء (١)، وحجتهم في هذا: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢). ٢ - ما رُوى عن عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرودة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنب؟» فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾. فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا» (٣). وهذا حديث مختلف فيه، والراجح ضعفه، إلا أن قواعد الشرع تشهد له، ويؤيد هذا المذهب كذلك قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ (٤). وذلك بعد ذكر التيمم، فكأنه أشار إلى أن التيمم يشرع عند وجود الحرج في استعمال الماء، ولا شك أن شدة البرودة من هذا الحرج، لكن ينبغي أن ينبه على أن التيمم لا يُشرع -في هذه الحالة- إلا بعد العجز عن تسخين الماء، والله أعلم. من ضاق عليه الوقت بحيث لو استعمل الماء فات وقت الصلاة، فهل له أن يتيمم؟ في هذه المسألة قولان للعلماء: الأول: لا يجوز له التيمم وإن فات الوقت: وبه قال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف (٥)، وحجتهم ما يلي:

стр. 195

١ - قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). قالوا: فجعل فقدان الماء شرطًا لإباحة التيمم. ٢ - حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). ٣ - حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (٣). فهو مأمور باستعمال الماء فإن أدرك الصلاة فبها، وإن فاتت -بكسبه وتكاسله- فهو الذي سعى إلى هذه النتيجة. الثاني: يشرع له التيمم والصلاة قبل خروج الوقت: وبه قال أهل الرأي والأوزاعي ومالك وابن حزم واختاره شيخ الإسلام (٤)، وقيده الأحناف بأنه يجوز إذا كانت الصلاة التي تفوت لا بدل لها كالجنازة (٥). وحجة القائلين بهذا القول: ١ - حديث أبي جهيم الأنصاري قال: «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٦). قالوا: فهذا أصل في جواز التيمم لخوف فوات الواجب. ٢ - قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ١٧١): فكل من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة كان له أن يتيمم إن كان مريضًا أو مسافرًا بالنص، وإن كان حاضرًا صحيحًا فبالمعنى، والله تعالى أعلم. اهـ. ٣ - قال شيخ الإسلام: وأصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته

стр. 196

كالجنازة وصلاة العيد وغيرهما مما يخاف فوته، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة ... اهـ. وقال وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة إلا بالتيمم، فإنه يصليها بالتيمم. اهـ. قلت: ولعل الأظهر أنه يتيمم حتى يدرك الصلاة، لأن التيمم إنما شرع لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته، محافظة على الوقت، والله أعلم. من استيقظ من نومه وقد ضاق وقت الصلاة، فهل يتيمم لإدراك الوقت؟ في هذه المسألة مذهبان (١) كالذين في المسألة التي قبلها: الأول: يتيمم ويصلي في الوقت: وبه قال مالك والأوزاعي والثوري وابن حزم. الثاني: يغتسل ويصلي ولو بعد خروج الوقت: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأحد القولين عن مالك، واختاره شيخ الإسلام. وهو الراجح، لأن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، فقد قال ﷺ : «أما إنه ليس في نوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه بها» (٢) قال ابن تيمية (» / ٣٥): وإذا كان كذلك فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها، فقد صلى الصلاة في وقتها ولم يفوتها، بخلاف من استيقظ في أول الوقت فإن الوقت في حقه قبل طلوع الشمس فليس له أن يفوت الصلاة ... اهـ. ما الصعيد الذي يجوز التيمم به؟ لأهل العلم في «الصعيد» الذي يجوز التيمم به رأيان: الأول: وجه الأرض مطلقًا سواء الحصباء والجبل والرمل والتراب: وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك واختاره شيخ الإسلام، وكذا ابن حزم لكنه اشترط فيما إذا كان وجه الأرض -من غير التراب- أن يكون متصلاً بها (٣).

стр. 197

ومما احتج به هؤلاء: ١ - قوله تعالى: ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ (١). وقوله: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ (٢). قال في الاستذكار (٣/ ١٥٨): و (الجرز) الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئًا. اهـ. ٢ - قوله ﷺ : «... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣). ٣ - قوله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على صعيد واحد» (٤) أي: أرض واحدة. ٤ - قوله ﷺ : «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره» (٥). ٥ - حديث أبي الجهيم: «أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الجدار فتيمم على الرجل السلام» (٦). ٦ - ما رُوى عن ابن عباس أنه قال: «أطيب الصعيد الحرث وأرض الحرث» (٧). الثاني: أن الصعيد هو التراب ولا يجزئ غيره: وهذا مذهب الشافعي والحنابلة وأبي ثور وإليه جنح ابن المنذر (٨) ومما احتجوا به: ١ - زيادة وردت في حديث «جعلت لي الأرض مسجدًا، [وجعلت تربتها لي طهورًا]» (٩). قالوا: فهذه الرواية مخصصة لرواية: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». ٢ - ما رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء:

стр. 198

نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم» (١). قلت: والذي يترجح -عندي- هو القول الأول بأنه يجوز التيمم بكل ما يطلق عليه اسم الأرض، أو حمل شيئًا من الأرض كالغبار ونحوه. وأما القول الثاني ففيه نظر من وجهين: الأول: أنه لا يثبت شيء مما استدلوا به كما رأيت. الثاني: أنهم حملوا معنى التربة في الحديث على التراب، وفيه نظر، ففي حديث أبي هريرة -عند مسلم- قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين ....» الحديث قال في «لسان العرب»: (خلق الله التربة يوم السبت): يعني الأرض. اهـ. قلت: وهذا المعنى واضح من الحديث ولله الحمد. فاقد الطهورين: أصح قولي العلماء فيمن فقد الطهورين (الماء والصعيد) أنه يصلي على حاله في الوقت ولا إعادة عليه. وهو مذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما وابن حزم واختاره ابن تيمية (٢) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤). وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٥). قالوا: فهذا قد فعل ما في استطاعته من الصلاة، وسقط عنه ما لم يطقه من التطهر، فهو بذلك مؤدٍّ ما أمر به، ومن أدى ما أمر به فلا قضاء عليه. قلت: ولعله أن يتأيد هذا المذهب بحديث عائشة قالت: «بعث رسول الله

стр. 199

أسيد بن الحضير -وأنا سامعة- في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم» (١). والشاهد أن النبي ﷺ أقرهم -عند فقد الماء- على الصلاة بغير وضوء ولم يأمرهم بالإعادة، فإذا فقدوا الصعيد كذلك فالحكم هو هو. والله أعلم. هذا، وقد ذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي ومالك والأوزاعي إلى أنه لا يصلى حتى يقدر على الوضوء أو التيمم وإن خرج الوقت (٢). مسائل تتعلق بالنية في التيمم: تجزئ نية رفع الحدث عن استباحة الصلاة: أصح أقوال العلماء أن التيمم يقوم مقام الماء مطلقًا، يستباح به ما يستباح بالماء، ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده، وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة، والعكس، وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لمالك، ﵀ (٣). قال شيخ الإسلام (٤): وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار، فإن الله جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، فقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ (٥) ..... فمن قال: إن التراب لا يطهر من الحدث، فقد خالف الكتاب والسنة، وإذا كان مطهرًا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيًا مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم من الحدث، فالتيمم رافع للحدث، مطهر لصاحبه، لكنه رفع مؤقت إلى أن يقدر على استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء، فهو مطهر ما دام الماء متعذرًا ... اهـ. قلت: فالتيمم يشرع لأجل الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف وغير ذلك مما يشرع له الوضوء والغسل ما دام الماء متعذرًا. ومن نوى بالتيمم رفع الحدث، أبيح له كل ما يستباح بالوضوء والغسل، والله أعلم.

стр. 200

من تيمم بنية رفع الجنابة فهل يجزئه عن الحدث؟ من تيمم بنية رفع الجنابة أجزأه ذلك عن الحدث في أصح قولي العلماء كأبي حنيفة والشافعي (١)، وهذا لأمرين: ١ - أن طهارتهما واحدة فسقطت إحداهما بفعل الأخرى كالبول والغائط. ٢ - أن التيمم بدل عن استعمال الماء، فيأخذ حكمه، والراجح أن الغسل يغني عن الوضوء للحدث، فكذلك التيمم. وأما إجزاء من نوى التيمم للحدث الأصغر عن الجنابة فمحل نظر، فمن نظر إلى العلة الأولى قال بالإجزاء، ومن نظر إلى أنه بدل عن الماء منعه. وذهب مالك وأبو ثور والحنابلة وابن حزم (٢) إلى أنه لا يجزئ نية أحدهما عن الآخر لعموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣). الكيفية الصحيحة للتيمم: الكيفية الصحيحة للتيمم التي صحت عن رسول الله ﷺ أن: (يضرب على الصعيد باليدين ضربة واحدة، ثم ينفخهما فيمسح بهما وجهه وكفَّيه) وهذا مذهب الحنابلة وابن حزم، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن تيمية (٤) ويدل على هذا: ١٢ - حديث عمار بن ياسر وفيه: فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك» هكذا وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٥). ٢ - ويشهد له حديث أبي هريرة قال: «لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع فأتيت النبي ﷺ فلم أجده فانطلقت أطلبه فاستقبلت فلما رآني عرف الذي جئت له، فبال، ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه» (٦).

стр. 201

هذا، وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وبه قال الثوري والليث، وهو مروي عن ابن عمر، والشعبي والحسن البصري وغيرهم (١) وحجتهم: ١ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (٢). ٢ - حديث ابن عمر في قصة رجل مر على النبي ﷺ وهو على حاجته فسلم عليه وفيه: «ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام ....» (٣). ٣ - ما في رواية لحديث أبي جهيم وفيه: «... حتى قام إلى جدار فحتَّه بعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ السلام» (٤). ٤ - حديث عمار «أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (٥). قلت: والراجح أن التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الرسغين كما تقدم، وذلك لأمرين: ١ - أن أدلة المخالفين كلها ضعيفة لا يثبت منها حديث مرفوع. ٢ - أن حكم التيمم معلق على مطلق اليدين، فلم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق، ويدل على هذا احتجاج ابن عباس على تحديد مكان القطع في السرقة المنصوص عليه، بقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ (٦). وكانت السنة في القطع من الكفين.

стр. 202

نواقض التيمم كل حدث ينقض الوضوء، فإنه ينقض التيمم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام (١). مسائل تتعلق بالتيمم: هل تصح الصلاة بالتيمم إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة؟ قال ابن عبد البر (٢): وأجمع العلماء على أن من تيمم بعد أن طلب الماء فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة - أن تيممه باطل لا يجزيه أن يصلى به، وأنه عاد بحاله قبل التيمم. اهـ. من تيمم وصلى، ثم حضر الماء وهو في الصلاة فهل يتم صلاته أو يقطعها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: الأول: يقطع الصلاة ويلزمه استعمال الماء ثم يستأنف الصلاة من أولها: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وبه قال الثوري وابن حزم (٣) وحجتهم: ١ - قوله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٤). قالوا: وهذا واجد للماء. ٢ - قالوا: ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة. ٣ - قالوا: ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها. الثاني: يمضي في صلاته ولا يقطعها: وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية ثانية عن احمد، وقيل: إنه رجع عنها، وبه قال أبو ثور، وداود، وابن المنذر (٥)، وحجتهم:

стр. 203

١ - قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) قالوا: قالوا: فلا يجوز له أن يخرج من الصلاة لذلك. ٢ - أن للطهارة وقتًا، وللصلاة وقتًا، وهو حينئذ غير متعبد بفرض الطهارة -بعد التلبس بالصلاة- فقد تيمم كما أُمر وخرج من فرض الطهارة بالتكبير، ولا يجوز نقض طهارة قد مضى وقتها، وإبطال ما صلى من الصلاة كما فرض عليه فأمر به إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع. قلت: والأظهر -عندي- أنه يمضي في صلاته، لعدم ثبوت ما يوجب قطع الصلاة بعد الدخول فيها، كما أن الصائم -صيام كفارة- إذا شرع في صومه ثم وجد رقبة، فإنه لا يلغي صومه، والله أعلم. من صلى بالتيمم، ثم حضر الماء وهو في الوقت فهل يعيد الصلاة؟ من صلى بالتيمم ثم حضر الماء وهو في الوقت فليس عليه إعادة الصلاة -في أصح قولي العلماء- كما ذهب إليه مالك والثوري والأوزاعي والمزني والطحاوي، وأحمد في إحدى الروايتين، وبه قال ابن حزم (٢). بينما قال أبو حنيفة والشافعي (٣): عليه الإعادة عند القدرة على الماء. وردَّ عليهما ابن حزم فقال: «أما قول أبي حنيفة والشافعي فظاهر الفساد، لأنه لا يخلو أمرهما له بالتيمم والصلاة من أن يكونا أمراه بصلاة هي فرض الله تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها الله تعالى عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن قال مقلدهما: أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فلم يعيدها بعد الوقت إن كان قد أدى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة ليست فرضًا عليه، أقر بأنهما ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ». اهـ. قلت: نعم، لا يجب عليه الإعادة، لكن يستحب أن يعيدها ما دام في الوقت -وحضر الماء- دون إيجاب: لحديث أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد

стр. 204

أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١). الحيض والنفاس (٢) الدماء الطبيعية الخارجة من المرأة، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - دم الحيض. ٢ - دم النفاس. ٣ - دم الاستحاضة. دم الحيض (٣): ودم الحيض: هو الدم الأسود الخاثر [يعني: الغليظ] الكريه الرائحة الذي يجري من المرأة من موضع مخصوص في أوقات معلومة. والحيض شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم جميعًا، كما قال ﷺ لعائشة -كما في الصحيحين-: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ...» الحديث. بل إن ابتداء الحيض كان مع حواء ﵍ أيضًا، فقد عزاه الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٠) إلى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: «إن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة». ولا حدَّ لأقل الحيض ولا لأكثره، وإنما مرد ذلك إلى العادة: لأنه لم يرد عن النبي ﷺ دليل صحيح يوضح أقل الحيض ولا أكثره. قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٣): وأما الذين يقولون: أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله الشافعي وأحمد ويقولون أقله يوم -كما يقوله الشافعي وأحمد- أو لا حد له كما يقوله مالك، فهم يقولون: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة كما قلنا والله أعلم (٤).

стр. 205

إقبال المحيض وإدباره (١): ١ - يُعَرف «إقبال المحيض» بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض وهو دم أسود ثخين منتن. ٢ - أما إدبار المحيض: أي انتهاء الحيض، فيعرف بانقطاع الدم والصفرة والكدرة، وهذا يتحقق بأحد شيئين: (أ) الجفوف: وهو أن يخرج ما يُحتشى به الرحم جافًّا، بمعنى أن المرأة تضع في فرجها شيئًا (قماشة أو قطنة) فيخرج جافًا. (ب) القَصَّة البيضاء: وهي ماء أبيض يخرج من الرحم عند انقطاع دم الحيض. وقد ورد عن مولاة عائشة أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة [أي: الخرقة] فيها الكُرسف [أي: القطن] فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة (٢). ما حكم الصُّفرة والكُدرة بعد الطهر عن المحيض؟ الصفرة والكدرة هو الماء الذي تراه المرأة كالصديد ويعلوه اصفرار. وهذا إذا رأته المرأة بعد انقطاع الدم أو بعد الجفوف، فلا يعد حيضًا وهي طاهرة فتصلي وتصوم ويأتيها زوجها. وذلك لحديث أم عطية ﵂ قالت: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة [بعد الطهر] شيئًا» (٣).

стр. 206

فوائد: ١ - إذا رأت المرأة الطهر ولم تجد ماءً للغُسل، فإنها تتيمم ويأتيها زوجها، وبهذا قال عدد كبير من أهل العلم (١). ٢ - إذا استمر الدم بالمرأة أكثر من عادتها، ماذا تفعل؟ فمثلاً إذا كانت امرأة تحيض عادة ستة أيام كل شهر، فزادت في شهر وأصبح سبعة أو ثمانية أو عشرة، ماذا تصنع؟ فنقول: هذه المرأة لا يخلو حالها من أمرين: أن تكون ممن تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره. فهذه تنظر إلى هذا الدم فإن كان لونه ورائحته وطبيعته كحال دم الحيض، فإنها تبقى ممتنعة من الصلاة والصيام والجماع كما كانت، لأنه لا يوجد حد معين لتوقيت الحيض كما تقدم، وإن وجدته مخالفًا لدم الحيض فإنها تغتسل وتصلي. أما إذا كانت ممن لا يستطيع تمييز الدم -وهذا موجود في بعض النساء- فإنها تبقى لا تصلي ولا تصوم ولا يأتيها زوجها حتى تتطهر لأنه ليس هناك حد لأكثر الحيض (٢). ٣ - إذا كان الدم في أيام العادة الشهرية يأتي يومين -مثلًا- ثم ينقطع في الثالث ثم يأتي في الرابع وهكذا. فالصواب أن انقطاع الدم في أيام الحيض المعروفة يعد حيضًا لا عبرة بانقطاع الدم، وإنما العبرة برؤية علامة الطهر وهي: القصة البيضاء التي تعرفها النساء (٣). ٤ - هل تحيض الحامل؟ (٤) للعلماء في هذا وجهان: فذهب أكثر العلماء إلى أن الحامل لا تحيض، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «لا توضأ حامل [حتى تضع] ولا غير حامل حتى تحيض حيضة» (٥).

стр. 207

فقالوا: إن استبراء الأمة اعتبر بالمحيض لتحقق براءة الرحم، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض. وذهب بعضهم -منهم الشافعي- إلى أن الحامل تحيض. والصواب في هذا أن يقال: إن الأصل والقاعدة العامة الغالبة أن الحامل لا تحيض، لكن قد تشذ امرأة فينزل بها دم وهي حامل فينظر في هذا الدم، فإن كان كدم الحيض لونًا ورائحة وطبيعة وفي وقت الحيض فإنه يُعدُّ حيضًا تترك له الصلاة والصوم ويعتزلها زوجها، لكن هذا الحيض، لا يعتد به في مسألة العدة لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) أما إذا كان الدم النازل على الحامل يخالف طبيعة دم الحيض وفي غير أوانه فلا يكون دم حيض وليس له اعتبار، كدم الاستحاضة. ما يحرم على الحائض والنفساء: ١ - الصلاة: أجمع العلماء على أنه يحرم على الحائض والنفساء الصلاة: فرضها ونفلها، وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة فلا تقضيه إذا طهرت (٢). عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها» (٣). وعن معاذة أن امرأة قالت لعائشة: «أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت؟». فقالت: أحرورية (٤) أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله» (٥). فوائد: ١ - إذا حاضت المرأة قبيل العصر -مثلًا- ولم تكن صلت الظهر، فهل يلزمها قضاء الظهر إذا طهرت؟ إذا أتى المرأة الحيض قبيل العصر مثلًا ولم تصل الظهر، فإذا طهرت فإنها

стр. 208

تقضي تلك الصلاة التي وجبت عليها قبل العادة (وهي الظهر) عند الجمهور، فقد ثبتت الصلاة في حقها ولزمها أن تقضيها، ما دام قد دخل وقتها وهي طاهرة بمقدار الركعة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (١) وهناك قول آخر أنه لا يلزمها قضاء الظهر، ويستدل القائلون به، بأن النساء على عهد رسول الله ﷺ كُنَّ يحضن في كل الأوقات ولم يرد أن النبي ﷺ أمر امرأة بعد طهرها أن تصلي صلاة فاتتها قبل نزول الحيض عليها، قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٢٣/ ٢٣٥): «والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنها لا يلزمها شيء لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيرًا جائزًا غير مفرطة، وأما النائم أو الناسي وإن كان غير مفرط أيضًا فإن ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر ...» اهـ. ٢ - إذا طهرت الحائض قبيل العصر -مثلًا- فلما اغتسلت دخل وقت العصر، فهل يلزمها أن تصلي الظهر؟ والجواب أنه يلزمها إذا طهرت -من حيض أو نفاس- قبل غروب الشمس أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، وكذلك إذا طهرت قبل طلوع الفجر لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حالة العذر. قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢/ ٣٣٤): «ولهذا كان مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعًا، وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب والعشاء جميعًا، كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة وابن عباس، لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باق فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باقٍ في حال العذر فتصليها قبل العشاء ...» اهـ. والله أعلم. ٢ - الصيام: وقد انعقد الإجماع على أن الحائض والنفساء تدع الصيام، ولكنها تقضي صيام رمضان. فقد قالت عائشة ﵂: «كان يصيبنا ذلك [تعني: الحيض] فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٢).

стр. 209

فوائد: ١ - إذا طهرت الحائض قبل الفجر ولم تغتسل فهل تصوم؟ والجواب: أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر ونوت الصيام صح صومها ولا يتوقف صحة الصيام على الغُسل بخلاف الصلاة وهو قول الجمهور (١). ٢ - إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس فهل تصوم باقي النهار؟ والجواب: لا يلزمها أن تمسك بقية النهار فهي قد أفطرت في أوله وستقضي يومًا عنه فلا داعي للإمساك باقي اليوم. فعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: المرأة تصبح حائضًا ثم تطهر في بعض النهار أتتمه؟ قال: لا، هي قاضية (٢). ٣ - الجماع: (الوطء في الفرج) وطء الحائض في الفرج [الجماع] لا يجوز باتفاق الأئمة (٣)، كما حرم الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٤). وقال ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٥). قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٢١/ ٦٢٤): ووطء النفساء كوطء الحائض حرام باتفاق الأئمة. اهـ. فوائد: ١ - «لو اعتقد مسلم حِلَّ جماع الحائض في فرجها -صار كافرًا مرتدًّا-، ولو فعله إنسان غير معتقد حله: فإن كان ناسيًا أو جاهلاً بوجود الحيض أو جاهلاً بتحريمه أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا كفارة. وإن وطئها عامدًا عالمًا بالحيض والتحريم مختارًا فقد ارتكب معصية كبيرة وتجب عليه التوبة» (٦).

стр. 210

وهل عليه حينئذ كفارة؛ قال الجمهور -خلافًا لأحمد- ليس عليه كفارة، قلت: وهو الصواب، وأما حديث ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض أنه قال: «يتصدق بدينار أو نصف دينار» (١) فالراجح ضعفه، والأصل في أموال المسلمين الحرمة فلا يحل مال المسلم إلا بنص. ٢ - الذي يمنع من الاستمتاع بالحائض هو الفرج فقط (٢)، فللزوج أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء ما عدا الإيلاج في الفرج، والدليل على هذا حديث أنس أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣). قال النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٤). وعن بعض أزواج النبي ﷺ : «كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا» (٥). قلت: وأقوى ما يتأيد به هذا القول حديث مسروق أنه قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي! فقالت: إنما أنا أمُّك وأنت ابني، فقال: ما للرجل ما امرأته وهي حائض؟ قالت: «له كل شيء إلا فرجها» (٦). ولا شك أن عائشة من أعلم الناس بحكم هذه المسألة لأنها زوجة النبي ﷺ . تنبيه: هناك قول آخر للعلماء: أن ما يجوز للرجل الاستمتاع به من امرأته الحائض هو كل شيء ما عدا ما بين السرة إلى الركبة ولهذا القول أدلته (٧) لكن القول الأول أرجح والله أعلم. ٣ - إذا طهرت المرأة من الحيض فلا يحل لزوجها أن يجامعها إلا إذا اغتسلت. فقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٨).

стр. 211

قال مجاهد: للنساء طهران: طهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: إذا اغتسلن ولا تحل لزوجها حتى تغتسل، يقول: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ من حيث يخرج الدم فإن لم يأتها من حيث أمر الله فليس من التوابين ولا من المتطهرين» (١). وقد أطبق أهل العلم على أن المرأة لا يأتيها زوجها -وإن رأت الطهر- حتى تغتسل، خلافًا لابن حزم. وهنا سؤال: إذا كانت زوجة المسلم كتابية فهل تجبر على الاغتسال أم لا؟ والجواب: أنها تجبر على الاغتسال ولا يجوز لزوجها أن يقربها إلا بعد أن تغتسل لأن الآية لم تخص مسلمة من غيرها (٢). ٤ - على الحائض أن تمتنع من زوجها إذا أراد جماعها، لكن إذا غلبت على أمرها فلا شيء عليها، وتستغفر الله (٣). ٥ - الطواف: وهو حرام على الحائض بالإجماع، لحديث عائشة أنها لما حاضت في الحج قال لها النبي ﷺ : «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٤). وسيأتي مزيد بيان لهذا في أبواب الحج، إن شاء الله تعالى. أمور لا بأس بها للحائض: ١ - ذكر الله وقراءة القرآن: تقدم أنه يجوز للحائض والجنب -على الراجح- وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد (٥). قال ابن حزم في المحلى (١/ ٧٧، ٧٨): قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعالُ خير، مندوب إليها مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كُلِّف أن يأتي بالبرهان. اهـ.

стр. 212

٢ - السجود إذا سَمِعَتْ أية سجدة: فليس هناك مانع من سجود المرأة الحائض إذا سمعت السجدة، فليست السجدة بصلاة، ولا يشترط لها الطهارة. فقد ثبت في صحيح البخاري (٤٨٦٢) أن النبي ﷺ تلا سورة النجم فسجد فيها وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. ومن البعيد أن يقال إن الجميع كانوا على وضوء، ثم إن سجدة التلاوة ليست بصلاة، وبنحو هذا قال الزهري وقتادة كما في مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٢١) (١). ٣ - مس المصحف: ولا نعلم دليلاً صريحًا يمنع الحائض من مس المصحف، وإن كان أكثر أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الحائض لا يجوز لها أن تمس المصحف، وقد تقدم تحريره. ٤ - قراءة الرجل القرآن وهو في حجر امرأته الحائض: لحديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يقرأ القرآن ورأسه في حِجري وأنا حائض» (٢). ٥ - شهود العيدين: وهذا لا بأس به، بل إنه يستحب للحُّيض أن يخرجن لشهود العيد لكن يعتزلن الصلاة. فقد قال النبي ﷺ : «يخرج العواتق وذوات الخدور والحُيَّض وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلى» (٣). ٦ - دخول المسجد: وفي هذا الأمر خلاف واسع بين العلماء قد تقدم مفصلاً (٤) والحاصل أننا لم نقف على دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، والأصل الإباحة حتى يوجد المانع ومع هذا فإن المرء لا يزال يستخير الله في هذه المسألة. ٧ - مؤاكلة ومشاربة الزوج للحائض: فعن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه

стр. 213

على موضع فيَّ» (١). ٨ - خدمة المرأة الحائض لزوجها: كأن تغسل رأسه أو تُرجِّله وتُسرِّحه، فعن عائشة قالت: «كنت أُرجِّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض» (٢). ٩ - نوم الحائض مع زوجها في لحاف واحد: فعن أم سلمة قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي. قال: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٣). قال النووي في شرح مسلم (١/ ٩٥٤): فيه جواز النوم مع الحائض والاضطجاع معه في لحاف واحد ... اهـ. دم النفاس النفاس: هو الدم الخارج بسبب الولادة. ١ - توقيت النفاس: ليس لأقل مدة للنفاس حَدٌّ: وقد أجمع العلماء (٤) على أنها متى رأت الطهر -ولو قبل الأربعين- أنها تغتسل وتصلى ويأتيها زوجها. أما أقصى مدة تنتظرها المرأة إذا استمر بها الدم، فذهب الجمهور إلى أن أقصى مدة النفاس أربعون يومًا ثم تغتسل وتصلي، واستدلوا بحديث أم سلمة قالت: «كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلة» (٥).

стр. 214

٢ - أجمع العلماء على أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب (١). ٣ - يختلف النفاس عن الحيض في أن العدة لا تحصل به، لأن العدة تنقضي بوضع الحمل قبله (٢). دم الاستحاضة الاستحاضة: جريان الدم في غير أوقات الحيض والنفاس، أو متصلاً بهما، وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، إنما هو عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرؤ منه (٣). وحكمه: تكون المراة طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع العلماء. توقيت الاستحاضة: إذا خرج هذا الدم في غير وقت الحيض والنفاس غير متصل بهما، فلا إشكال في هذا. أما إذا كان جريان هذا الدم متصلاً، فكيف تصنع؟ فنقول: هذه المرأة لا تخلو من أربع حالات: ١ - إما أن تكون ذات عادة معروفة، تعرف قدر حيضتها، فهذه تنتظر قدر حيضتها ثم تغتسل وتصلي وما زاد على حيضتها فهو دم استحاضة ليس بحيض. فعن عائشة قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي» (٤). ٢ - وإما أن تكون المرأة لا تعرف حيضتها، لكن تستطيع تمييز دم الحيض من الاستحاضة فتنظر إلى دم حيضها فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي بعد إدباره. فعن عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك

стр. 215

عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» (١). ٣ - وإما أن تكون المرأة مبتدأة، بمعنى أنها لم يسبق لها الحيض، فهي غير مميزة لدم الحيض عن غيره من الدماء، فهذه تبنى على حال أغلب النساء، فإن كان الغالب من حال النساء حولها أن يحضن مثلًا في الشهر ستة أو سبعة أيام، فإنها تنتظر من ابتداء حيضتها ستة أو سبعة أيام وتعتبرها أيام حيض، وبعدها تغتسل ولا عبرة بالدم بعد ذلك فإنه استحاضة. وقد ورد أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين وأيامهن، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطُهرن» (٢). ٤ - وأما أن تكون المرأة ناسية لعادتها قدرًا ووقتًا ولا تستطيع تمييز الحيض من الاستحاضة (٣): فللعلماء في هذه أقوال: أظهرها أنها كالمبتدأة غير المميزة التي تقدم حكمها والله أعلم. أحكام المستحاضة: ١ - المستحاضة في حكم الطاهرة فلا يحرم عليها شيء مما يحرم بالحيض. ٢ - المستحاضة تصوم وتصلي وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتسجد للتلاوة وللشكر وغيرها كالطاهرة بالإجماع. ٣ - لا يلزم للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ما لم تُحدث لأن الراجح ضعف الأخبار الواردة في ذلك (٤)، والأفضل أن تتوضأ أو تغتسل لكل صلاة لحديث عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة (٥).
следующие страницы →