← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

٧ - أحوال الأخوات لأب: النصيب من التركة ... الحالة إذا كانت منفردة عن مثلها وعن الأخ لأب وعن الأخت الشقيقة. للاثنتين فأكثر ... إذا كانت معها أخرى أو أكثر ولم يكن معها من سبق ذكرهم. إذا كان معها أخت شقيقة منفردة. تعصيب بالغير ... إذا كان مع الواحدة أو الأكثر أخ لأب فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين. تعصب مع الغير ... إذا كانت مع الواحدة أو الأكثر بنت أو بنت أبن ويكون الباقي للأخوات لأب بعد فرض البنت وبنت الابن. لا ترث ... إذا كان معها واحد ممن يأتي: ١ - الابن أو ابن الابن وإن نزل ٢ - الأب ٣ - الأخ الشقيق ٤ - الأخت الشقيقة التي صارت عصبة بأخيها ٥ - الاثنتان فأكثر من الأخوات الشقيقات (إلا إذا وجد معها أخ لأب عصبها فيكون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين). ٨، ٩ أحوال الجدَّة لأم أو أب: والمراد بالجدة هنا: الجدة الصحيحة وهي التي لا يتخلل في نسبتها إلى الميت جد فاسد، والجد الفاسد هو من يتخلل في نسبته إلى الشخص أنثى كأب الأم. وللجدات الصحيحات ثلاث حالات:

стр. 1507

النصيب من التركة ... الحالة سواء كانت واحدة أو أكثر، وسواء كانت جدة لأب أو لأم فيقسم بينهن السدس. لا ترث ... مع وجود الأم، فالأم تحجب جميع الجدات سواء كن من جهتها أو من جهة الأب. لا ترث ... مع وجود الجدة الأقرب منها، فمثلًا أم أم تحجب أم أم الأم وتحجب أيضًا أم أبي الأب. وفرض الجدة ليس في كتاب الله، لكن أعطاها رسول الله ﷺ السدس فثبت ميراثها (١) وقد أجمع العلماء على أن الجدة ترث إذا لم يكن للميت أم كما تقدم. ١٠ - المرأة المُعتِقة للميت: وهي ترث بالتعصيب (٢)، لكن بشرط أن تنعدم العصبات من النسب. أمثلة بسيطة في تقسيم الميراث: مثال ١: توفي رجل عن: زوجة، وابن، وبنت ابن. الحل: ١ - نبحث أولًا عن أصحاب الفروض، فنجد: الزوجة وبنت الابن. ٢ - ننظر هل يُحجَب أحدهما، فنرى أن بنت الابن تحجب بوجود الابن، فبقى من أصحاب الفروض: الزوجة، وبما أن للميت ابنًا، فيكون نصيب الزوجة (ثمن) كما هو موضح في جدول رقم (٤) من الوارثات من النساء. ٣ - يبقى الابن، وهو يرث تعصيبًا كما تقدم فيكون له الباقي. ويمكن تمثيل المسألة بالصورة المقابلة ونعني بأصل المسألة: المضاعف المشترك

стр. 1508

الأدنى لمقامات الفروض، والأصول المتفق عليها (٢، ٣، ٤، ٦، ٨، ١٢، ٢٤). وهنا لا يوجد إلا فرض الثمن فنجعل أصل المسألة = ٨. مثال ٢: توفي رجل عن: بنت، وأب. الحل: نلحظ أن كلًّا من البنت والأب من أصحاب الفروض فتأخذ البنت النصف (جدول - ١ - وارثات). ويأخذ الأب السدس (جدول - ١ - وارثون). ونلحظ أن الأب عصبة بنفسه، فيأخذ الباقي بالإضافة إلى السدس، تعصيبًا. وتكون صورة المسألة كالآتي: لاحظ أن المضاعف المشترك الأدنى لـ (٢، ٦) هو (٦) فهو أصل المسألة، ويكون سهم البنت نصفه (٣)، وسهم الأب (بالفرض) = ١، وسهم بالتعصيب هو الباقي (٦ - ٣ - ١) = ٢فيكون مجموع سهم الأب = ٣ (ثلاثة أجزاء من ستة). مثال ٣: توفي رجل عن: زوج، وبنت، وبنت ابن، وابن ابن ابن. للزوج: لوجود فرع وارث. للبنت: لانفرادها وعدم معصِّب. لبنت الابن: (جدول - ٢ - وارثات). لابن ابن الابن: الباقي، لأنه أولى رجل ذكر. مثال ٤: توفي رجل عن: أم، وأخت شقيقة، وعمٍّ. للأم:، لعدم الفرع والجمع بين الأخوة (جدول - ٣ - وارثات).

стр. 1509

للشقيقة: (جدول - ٥ - وارثات). للعم: الباقي، تعصيبًا. (جدول - ١١ - وارثون). مثال ٥: توفي رجل عن: أم، وأب، وابن، وأخ شقيق. للأم: (جدول - ٣ - وارثات). للأب: (جدول - ١ - وارثون). للابن: الباقي تعصيبًا لأنه أولى رجل ذكر (٥ - وارثون). الأخ الشقيق: لا يرث، لأنه يُحجب بوجود ابن الميت (جدول - ٧ - وارثون). مثال ٦: توفي رجل عن: ابنين، وابن ابن، وأب، وجدّ، وجدة. لاحظ أن ابن الابن يحجب بابني الميت، فلا يرث وكذلك الجدُّ يحجب بالأب، ويكون أصحاب الفروض: الأب له: لأن للميت أبناء ذكورًا (جدول - ١ - وارثون). الجدة لها: لعدم وجود الأم (جدول - ٨ - وارثات). والابنان لهما: الباقي بالتساوي بينهما تعصيبًا. مثال ٧: توفي رجل عن: أب، وبنت، وابن، وعم، وجد، وبنت ابن. نلاحظ أن كلًّا من العم والجد وبنت الابن محجوبون بوجود الأب والابن، فلا يرثون. ويكون للأب: فرضًا.

стр. 1510

ويكون الباقي للابن والبنت للذكر مثل حظ الاثنين. ويلاحظ أن البنت كانت سترث (نصف) إذا لم يكن للميت ابن، فلما وجد الابن حجبها - حجب نقصان - ونقلها من الإرث بالفرض إلى الإرث بالتعصيب، فصار سهمها (١) من (٦) أسهم لولا الابن لكان سهمها (٣) من ستة، وانظر (جدول - ١ - وارثات). مثال ٨: توفي رجل عن: بنت، وأخت لأب، وابن أخ لأب، وأخ لأم. نلاحظ أن ابن الأخ محجوب بالأخت لأب التي صارت عصبة مع الغير، فلا يرث، انظر (جدول - ١٠ - وارثون). وكذلك يُحجب الأخ لأم، لوجود الفرع الوارث (جدول - ٤ - وارثون). ويكون للبنت: فرضًا. وتأخذ الأخت لأب الباقي تعصيبًا مع الغير (جدول - ٧ - وارثات). مثال: ٩: (الأخ المبارك): توفي عن: بنتين، وبنت ابن، وابن ابن. للبنتين: فرضًا (جدول - ١ - وارثات). ولبنت الابن وابن الابن: الباقي تعصيبًا. يلاحظ: أنه لولا وجود ابن الابن لسقط ميراث أخته (بنت الابن) لاستكمال الصُّلبيتين الثلين (جدول - ٢ - وارثات)، ولذلك يسمى هذا الأخ بالأخ المبارك، لأنه لولاه لسقطت أخته. فائدة: «الأخ المبارك يُعصِّب بنات الابن حتى وإن كان أنزل منهن، بشرط استغراق من فوقهن الثلثين».

стр. 1511

مثال: ١٠: (الأخ المشئوم): توفيت امرأة عن: زوج، وأخت شقيقة، وأخ لأب، وأخت لأب. للزوج: نصف لعدم الفرع (جدول - ٣ - وارثون). الأخت الشقيقة: فرضًا أيضًا (جدول - ٥ - وارثات). ولم يبق للعصبة شيء لاستغراق الفروض أصل المسألة. ويلاحظ: أنه لولا الأخ لأب لأخذت الأخت لأب السُّدس تكملة للثلثين وعالت المسألة (وسيأتي معنى العول قريبًا)، أما وجوده معها فقد أضرَّ بها، ولذا يسمى (الأخ المشئوم) لأنه لولاه لورثت أخته. مثال ١١، ١٢: «المسألتان العمريَّتان»: وهما الحالتان اللتان يختلف فيهما الجد عن الأب لو كان مكانه. الأولى: توفيت امرأة عن زوج، وأب، وأم. للزوج: نصف لعدم وجود الفرع (جدول - ٣ - وارثون). للأم: ثلث الباقي (جدول - ٣ - وارثات) لأنها عمريَّة. للأب: الباقي بعد ما تقدم، لأنه ليس للميت فرع مطلقًا (جدول - ١ - وارثون). ويلاحظ: أنه لو كان الجد في هذه المسألة مكان الأب، كان للزوج (نصف)، وللأم (ثلث) وللجد الباقي. الثاني: توفي رجل عن: زوجة، وأم، وأب للزوجة: نصف لعدم الفرع (جدول - ٤ - وارثات). وللأم: ثلث الباقي (جدول - ٣ - وارثات) وللأب: الباقي بعد ما تقدم.

стр. 1512

ولو كان الجد مكان الأب هنا، لأخذت الزوجة (ثلث). والأم (ثلث)، والجد (الباقي) فافترق عن الأب في هذه الحالة والتي قبلها. العَوْل: وهو زيادة في السهام، ونقص في الأنصباء. في بعض المسائل يكون مجموع سهام الورثة زائدًا على أصل المسألة، ولا يحصل هذا في جميع الأصول، وإنما يكون العول في أصول ثلاثة: ٦، ١٢، ٢٤. (أ) الأصل (٦): وقد يعول إلى (٧، ٨، ٩، ١٠) فمثلًا: لو توفيت امرأة عن: زوج، وأم، وأخت شقيقة. فللزوج (نصف)، وللشقيقة (نصف)، والأم (ثلث) فأصل المسألة من ٦ أسهم ونلاحظ أن عدد السهام للورثة ثمانية فتعول إلى ثمانية، بمعنى: أن نصيب الزوج سيكون = بدلا من ونصيب الأم = =، بدلًا من ونصيب الشقيقة = بدلًا من. وهذا شيء منطقي وكلُّ ما حصل أننا وزَّعنا النقص في التركة على الورثة كلٌّ بحسب نسبة ميراثه. فائدة: أول من قضي في العَوْل عمر بن الخطاب ﵁، ثم كان الإجماع على ذلك. (ب) الأصل (١٢): وقد يعول إلى (١٣، ١٥، ١٧) فمثلًا: لو توفي رجل عن: زوجة وشقيقتين، وأختين لأم، وجدة. فللزوجة: (ربع)، وللشقيقتين (ثلثان)، وللأختين لأم (ثلث) وللجدة (سدس)، وأصل المسألة من (١٢) وتعول إلى (١٧) وعلى هذا يكون نصيب الأم = من التركة والشقيقتين =، والأختين لأم =، وللجدة =.

стр. 1513

(جـ) الأصل (٢٤): وقد يعول إلى (٢٧)، فمثلًا: لو توفي عن: زوجة، وبنت، وبنت ابن، وأم، وأب. للزوجة (ثمن)، وللبنت (نصف)، ولبنت الابن (سدس) تكملة للثلثين، وللأم (سدس)، وللأب (سدس+الباقي تعصيبًا) فأصل المسألة من (٢٤) لأنه المضاعف المشترك الأدنى لـ (٨، ٢، ٦) ثم تعول المسألة إلى (٢٧). لاحظ أن الأب لا يبقى له شيء من طريق التعصيب، لأن مسائل العول تأول إلى استغراق الفروض للسهام فلا يبقى للتعصيب شيء من التركة، وهذا واضح. فائدة: إذا ساوت سهام أصحاب الفروض - في المسألة - أصل المسألة سميت المسألة: «عادلة». وإذا نقصت سهام أصحاب الفروض عن أصل المسألة سميت المسألة: «ناقصة». وإذا زادت سهام أصحاب الفروض عن أصل المسألة سميت المسألة: «عائلة» أو «زائدة». الرَّدُّ (١): تقدَّم أن العول هو زيادة في السهام ونقص في الأنصباء، وفي بعض الحالات يحصل عكس هذا، أي: زيادة في الأنصباء ونقص في السهام، فهذا يسمَّى: «الرَّد» وهو يحصل إذا لم يوجد عصبة، ولم تستغرق الفروض المسألة، فيردُّ الزائد على أصحاب الفروض بنسبة فرض كلٍّ منهم ما عدا الزوجين، فإنه لا يُردَّ عليهما. مسائل الرَّد على حالتين: إما أن يكون مع الورثة أحد الزوجين، أو لا يكون معهم أحدهما.

стр. 1514

١ - إذا لم يكن مع الورثة أحد الزوجين: فلا يخلو من ثلاث صور: (أ) أن يكون صاحب الفرض شخصًا بمفرده فيأخذ المال جميعًا فرضًا وردًّا. (ب) أن يكونوا أكثر من واحد لكنهم صنف واحد، فالمال بينهم بالسوية. (جـ) أن يكون الورثة - أصحاب الفرض - من صنفين أو أكثر فنحل المسألة كالعادة ثم نردُّ أصل المسألة إلى مجموع سهام الورثة. مثال: توفي رجل عن: جدة، وأخت لأم، وأخ لأم. نلاحظ أن أصل المسألة من (٦)، ومجموع السهام (٣) فقط فنردُّ أصل المسألة إلى (٣). فيزيد نصيب كل واحد، فمثلًا تأخذ الجدة (ثلث) بدلًا من (سدس) وهكذا. ٢ - إذا كان مع الورثة أحد الزوجين: ولها ثلاث صور كالأولى: (أ) أن يكون مع أحد الزوجين صاحب فرض واحد. (ب) أن يكون مع أحد الزوجين أكثر من واحد من صنف واحد. ففي هاتين الصورتين نجعل أصل المسألة من فرض صاحب الزوجية ونعطيه سهمه، ثم نجعل الباقي لمن يُردُّ عليه، وكأنهم عصبة. فمثلًا: لو ماتت امرأة عن زوج، وبنت. (جـ) أن يكون مع أحد الزوجين أصناف مختلفة ممن يُردُّ عليهم، فهنا نتبه المراحل التالية: ١ - نجعل المسألة من مقام فرض صاحب الزوجية، ونعطيه فرضه، ونجعل الباقي مشتركًا بين جميع الورثة الذين يردُّ عليهم. ٢ - نجعل مسألة صغيرة خاصة لمن يُردُّ عليهم، ونجعلها تمامًا كما لو لم يكن معهم أحد الزوجين ونردُّ أصل المسألة إلى مجموع سهامهم.

стр. 1515

٣ - ننظر بين مرد مسألة أهل الرد والسهم المشترك بينهم في المسألة الأولى، فنخرج القاسم المشترك الأعظم، فنقسم مردَّ المسألة الصغيرة عليه، ونضع الناتج فوق أصل المسألة الأولى (كجزء السهم) ثم نقسم السهم المشترك بين من يرد عليهم على القاسم أيضًا، ونضع الناتج فوق مردّ المسألة الصغيرة كجزء السهم. ٤ - نضرب وفق مرد المسألة في أصل المسألة الأولى ونضعه في شباك على يسار المسألة الأولى، ويسمى الناتج: جامعة الرَّد، ونضرب سهم صاحب الزوجية في وفق المسألة أيضًا ونضعه مقابله تحت الجامعة، ثم نأتي إلى المسألة الصغيرة فنضرب سهم كل وارث في جزء السهم، ونضعه مقابل الوارث في المسألة الأولى الكبيرة، وبذلك نكون قد رددنا على الورثة ما عدا صاحب الزوجية، ويمكن تنفيذ هذه الخطوات في المسألة التالية: ماتت امرأة عن: زوج، وبنت، وبنت ابن. قلت: إذا استصعبتَ هذه الطريقة فيمكن حل المسألة بطريقة «جبرية» بحتة، فنقول: للزوج١/ ٤ = ٦/ ٢٤، وللبنت (١/ ٢) =١٢/ ٢٤، ولبنت الابن (١/ ٦) = ٤/ ٢٤ فيبقى من التركة - فنزيد تقسيمه على كل من البنت وبنت الابن بحسب سهم كل منهما ويبقى نصيب الزوج كما هو (٦/ ٢٤ = ١/ ٤). فنرى أن نسبة نصيب البنت إلى نصيب بنت الابن هو ١٢: ٤ أي ٣: ١. ومعنى هذا أننا نريد تقسيم الزائد (٢/ ٢٤) إلى أربعة أجزاء، تأخذ البنت (٣) أجزاء وبنت الابن (١) جزء، فيكون كل جزء مساويًا (٠.٥/ ٢٤) فيتحصل أن نصيب البنت يساوي (١٣.٥/ ٢٤) ونصيب بنت الابن (٤.٥/ ٢٤)، ونصيب الزوج كما هو (٦/ ٢٤) ومجموع هذه الأنصبة =٢٤/ ٢٤ = ١ = التركة بتمامها، فإذا ضُرب كل كسر منها في القيمة الكلية للمال الموروث، كان الناتج نصيب كل وارث، والله أعلم.

стр. 1516

ملاحظة: لاحظ أنك لو جعلت المقام في الكسور السابقة (١٦) لحصلت على نفس الأسهم الناتجة من الحل السابق: ٤/ ١٦، ٩/ ١٦، ٣/ ١٦، فتأمل!! ميراث الحمل (الجنين): الحمل (الجنين) من جملة الورثة إذا تحقق شرطان: ١ - أن يعلم أنه كان موجودًا في البطن عند موت المورِّث، ويُعرف هذا بأن تلده لأقل من ستة أشهر منذ موت الموروث، إذا كان النكاح قائمًا بين الزوجين. ٢ - أن ينفصل كله حيًّا حياة مستقرة: ويُعرف ذلك باستهلاله صارخًا أو عطسه أو بكائه ونحو ذلك. فعن جابر والمسور بن مخرمة قالا: قال رسول الله ﷺ : «لا يرث الصبي حتى يستهلَّ صارخًا» (١). ما يُفعل بالميراث إذا تحقق وجود الحمل في بطن أمه (٢): ١ - إذا كان الحمل غير وارث أو كان محجوبًا بغيره - على جميع الاعتبارات - فإنه لا يوقف له شيء من التركة، وتوزَّع على الورثة من غير انتظار. ٢ - إذا كان الحمل وارثًا، ولم يكن معه وارث أصلًا، أو كان معه وارث محجوب به، ومات من يرثه، فقد اتفق الفقهاء على أن توقف التركة كلها لأجله إلى ولادته، ليتبين أمره. ٣ - إذا كان الحمل وارثًا، ومعهُ ورثة غير محجوبين به، ورضوا جميعًا صراحة أو ضمنًا بعدم قسمة التركة حتى يولد، ولم يطالبوا بالقسمة، فإن التركة توقف - كذلك - حتى يولد. ٤ - إذا طالب الورثة بحقوقهم، فذهب الجمهور إلى التفصيل التالي: (أ) من لا يرث مع الحمل ولو على بعض التقادير، لا يُعطى شيئًا، كأخي الميت، فإنه على تقدير أن الحمل ذكر لا يرث. (ب) من لا يختلف نصيبه - على أي تقدير - يُعطى له نصيبه، ويوقف الباقي، كالأم والزوجة، مع ابن وحمل من الميت، فإن الأم لا تنقص عن السدس، والزوجة لا تنقص عن الثمن سواء ولد الحمل حيًّا أو ميتًا.

стр. 1517

(جـ) من يختلف نصيبه - وهو من أصحاب الفروض - يُعطى له أقل النصيبين كالزوجة مع الحمل دون ولده سواه، فإن نصيبها على تقدير وجود الحمل الثُّمن، وعلى تقدير عدمه الربع، فإن ولد حيًّا وكان يستحق النصيب الأوفر أخذه وإن لم يكن يستحق إلا النصيب الأقل، أخذه ورد الباقي إلى الورثة، وإن نزل ميتًا لم يستحق شيئًا ووزعت التركة كلها على الورثة دون اعتبار للحمل. اهـ. قلت: ينبغي - في الحالة الأخيرة - أن نقدِّر تقديرات الحمل - وهي في الغالب لا تخرج عن ست حالات: ١ - أن ينزل الحمل ميتًا. ٢ - أن ينزل حيًّا ذكرًا. ٣ - أن ينزل حيًّا أنثى. ٤ - أن ينزل حيًّا ذكرًا وأنثى. ٥ - أن ينزل حيًّا ذكرين. ٦ - أن ينزل حيًّا أنثتين. فنحل المسألة على كل تقدير من هذه التقديرات، فنوقف النصيب الأكبر للحمل، ونعطي بقية الورثة الأنصباء المقابلة له، فإن ظهر الحمل كما قدَّرنا أعطيناه الموقوف، وإلا أعدناه إلى بقية الورثة حسب استحقاقهم. ميراث الغرقى والحرقى والهدمى: إذا مات متاورثان أو أكثر في أحد حوادث الموت المفاجئ الجماعي، كغرق سفينة بهم، أو انهدام بيت أو حريق ونحو ذلك، فلهم خمس حالات: ١ - أن يُعلم تقدم موت بعضهم على بعض، فيرث المتأخر - ولو لوقت يسير - من المقدَّم إجماعًا. ٢ - أن يتحقق من موتهما معًا في آن واحد، فلا توارث بينهما إجماعًا. ٣ - أن يُجهل الحال، فلا يُعلم، أماتوا معًا أم سبق أحدهم الآخر. ٤ - أن يُعرف سبق أحدهم من غير يقين. ٥ - أن يُعلم السابق على التعيين، ثم يُنسى لطول مدة أو غير ذلك.

стр. 1518

ففي الحالات الثلاث الأخيرة، للعلماء قولان (١): الأول: لا توارث بينهم: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي، واتفق عليه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵃، ووجه هذا القول: أن سبب استحقاق كل منهما ميراث صاحبه غير معلوم يقينًا، والاستحقاق ينبني على السبب، فما لم يتيقن السبب لا يثبت الاستحقاق. الثاني: أن يرث كل واحد منهم الآخر إلا فيما ورثه من صاحبه: بمعنى أنه يرثه في ماله القديم وأما المال الذي ورثه من صاحبه - الذي مات معه - فلا يقسم إلا على الورثة الأحياء لكل واحد. وهو مذهب أحمد - عند تنازع الورثة واختلافهم - وهو مروي عن عليٍّ وابن مسعود. ووجه هذا القول: أن سبب استحقاق كل واحد منهم ميراث صاحبه معلوم، وهو حياته، وسبب الحرمان مشكوك فيه، فيجب التمسك بحياته حتى يأتي بيقين آخر، وسبب الحرمات موته قبل موت صاحبه مشكوك فيه، فلا يثبت الحرمان بالشك إلا فيما ورث كل واحد منهما من صاحبه لأجل الضرورة، والله أعلم بالصواب. ميراث ولد الزنى (٢): يثبت نسب ولد الزنى من أمه، ويرث من جهتها، لأن صلته بها حقيقة مادية لا شك فيها، أما نسبه إلى الزاني، فقال الجمهور: لا يثبت - ولا يتوارثان - ولو أقرَّ ببنوَّته له من الزنى، لأن النسب نعمة، فلا يترتب على الزنى - الذي هو جريمة - فإذا لم يُصرِّح بأنه ابنه من الزنى، وكانت أم الولد غير متزوِّجة، وتحققت شروط الإقرار ثبت نسبه منه، حملًا على الصلاح وعملًا بالظاهر، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر. وذهب إسحاق وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما إلى ثبوت نسب ولد الزنى من الزاني بغير صاحبة فراش الزوجية، لأن زناه حقيقة ثابتة، فكما ثبت نسبه من الأم يثبت نسبه من الزاني، كي لا يضيع نسب الولد، ويصيبه الضرر والعار بسبب جريمة لم يرتكبها والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة ورز أخرى﴾ (٣). ومقتضى هذا القول أن يثبت التوارث بينهما، لأن التوارث فرع ثبوت النسب.

стр. 1519

ميراث ولد اللعان والمتلاعنين: تقدم في «اللعان» أنه لا توارث بين ولد اللعان وبين المُلاعِن لأنه قد انقطع نسب الولد من جهة أبيه وأُلحق بأمِّه، كما في حديث سهل بن سعد - في قصة المتلاعنين - وفي آخره: «... فكان بعدُ يُنسب لأمه» (١). وأما الملاعنة فيثبت التوارث بينها وبين ولدها الذي لا عنت عليه، لما في حديث سهل: «... وكان ابنها يُدعى لأمِّه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فرض الله له» (٢) وهذا يحتمل أنه من قول سهل أو من قول الزهري. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الملاعنة تقوم مقام الأب في ميراثها ابنها فهي عصبته وعصباتها أيضًا عصبته فإذا مات حازت ميراثه، وهو قول ابن عباس وابن مسعود، ورُوي عن عليٍّ، ويشهد له حديث واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لا عنت عليه» (٣) وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأُمِّه ولورثتها من بعدها» (٤). وانظر ما تقدم في «آثار اللعان». ميراث ذوي الأرحام: المراد بذوي الأرحام - عند الفرضيين -: «كل قريب ليس بذي فرض مقدَّر في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع الأمة، ولا عصبة تحرز المال عند الانفراد» (٥) فإذا لم يوجد أحد من أصحاب الفروض ولم يكن هناك عصبة، فاختلف العلماء: هل يورث ذوو الأرحام أم لا، على قولين (٦): الأول: لا يرثون مطلقًا: ويُردُّ الإرث إلى بيت المال، وهو مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد وأهل الظاهر، وهو قول زيد بن ثابت، وابن عباس في رواية عنه ﵃، وحجتهم:

стр. 1520

١ - أن الله تعالى نص في آيات المواريث على بيان أصحاب الفروض والعصبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئًا ﴿وما كان ربك نسيا﴾ (١). ٢ - ما رُوي أن رسول الله ﷺ سئل عن ميراث العمة والخالة، فقال: «نزل جبريل ﵇ وأخبرني ألا ميراث للعمة والخالة» (٢) وهو ضعيف. الثاني: يورثون، وينزلون منزلة من أدلوا به: فينزل الخال والخالة منزلة الأم، والعمة منزلة الأب، وهكذا. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد ومتأخري المالكية والشافعية، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عمر وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء ﵃، وحجتهم: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (٣). فإذا انعدم الوصف الخاص، وهو كونهم أصحاب فروض أو عصبات، استحقوا بالوصف العام وهو كونهم ذوي رحم، ولا منافاة بين الاستحقاق بالوصف العام والاستحقاق بالوصف الخاص، فلا يكون ذلك زيادة على كتاب الله. ٢ - ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له» (٤). ٣ - وما يُروى عن المقداد أن النبي ﷺ قال: «الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه» (٥). قلت: الذي يظهر أن القول بتوريثهم أولى لا سيما عند عدم عدل السلطان أو عدم بيت المال أصلًا!! والله أعلم. تنبيه: إذا وجد أصحاب فروض - وإن لم يستغرقوا التركة - فإنه يُقدَّم الردّ كما تقدم، وإذا وجد عصبة للميت جازوا التركة كذلك، فلا يُورَّث ذوو الأرحام على كلا القولين.

стр. 1521

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة أعده أبو مالك كمال بن السيد سالم مع تعليقات فقهية معاصرة فضيلة الشيخ / ناصر الدين الألباني فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن باز فضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين الجزء الرابع

стр. 1522

١٣ - كتاب الحدود

стр. 1523

الحدود تعريف الحدود (١): الحدود لغةً: جمع حدٍّ، وهو المنع، ويُطلق على الحاجز بين الشيئين، أو ما يميِّز الشيء عن غيره. والحدُّ شرعًا: «عقوبة مقدَّرة في الشرع، وحبستًا لأجل حق الله على ذنب - كما في الزنا - أو اجتمع فيها حق الله وحق العبد كالقذف». فخرج بقولنا (مقدَّرة) التعزير، لعدم تقديره شرعًا، وخرج كذلك القصاص لأنه حق خالص للآدمي. هذا هو الحد في اصطلاح الفقهاء، وهو موضوع هذا الكتاب، وإن كان الحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يُراد به هذه العقوبة تارة، ويُراد به نفس الجنابة تارة كقوله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (٢)، ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدَّرة، فقوله ﷺ «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٣) فالمراد بالحد فيه: ما حَرُم لحق الله. سبب تسمية العقوبات المقدَّرة حدودًا (٤): لا خلاف في أن العقوبات المقدرة إنما سميت حدودًا لعلَّة المنع، وإنما حصل الخلاف في تعليل مورد المنع في ذلك على أقوال ثلاثة هي: ١ - لأن هذه العقوبات تمنعه المعاودة في مثل ذلك الذنب وتمنع غيره أن يسلك مسلكه. ٢ - لأنها عقوبات مقدرة من الشارع، تمتنع الزيادة فيها أو النقصان. ٣ - لأنها زواجر عن محارم الله. وليس هناك ما يمنع التعليل بها مجتمعة لاشتمالها على هذه المعاني الثلاثة.

стр. 1524

حكم إقامة الحدود: إقامة الحدود فرض على وليِّ الأمر أو نائبه، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. (أ) فأما الكتاب: فمنه: ١ - قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٢). ٣ - وقال سبحانه في حد القاذف: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (٣). (ب) وأما السنة فمنها: ١ - حديث عائشة: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عله إلا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ ؟! فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» ثم قام فاختطب فقال: «يا أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤). ٢ - حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» (٥). ٣ - وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم» (٦).

стр. 1525

(جـ) وقد أجمع علماء الأمة على وجوب إقامة الحدود على من ارتكب مسبباتها، ولم يخالف أحد في ذلك. (ر) وأما المعقول: فلما كانت طبيعة البشر مائلة إلى اقتناص الملاذِّ، وتحصيل مقصودها، من شرب وزنا وقذف وسفك للدماء، اقتضت حكمة الله تعالى شرع هذه الحدود حسمًا للفساد، وزجرًا عن ارتكابه، لأن إخلاء المجتمع عن إقامة الرادع يؤدي إلى انحرافه، فالمقصد الأصلي من شرع الحدود الانزجار عما يتضرر به العباد (١). فضل إقامة الحدود: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إقامةُ حدٍّ بأرض، خير لأهلها من مطر أربعين صباحًا» (٢) وهو مختلف فيه. لا تجوز الشفاعة في الحدود: لا تجوز الشفاعة في الحدود بعد وصولها للحاكم، والثبوت عنده؛ لأنه طلب ترك الواجب، فإن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد - كما تقدم - حين شفع في المخزومية التي سرقت، وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟!» (٣). وقال ابن عمر ﵄: «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله تعالى، فقد ضادَّ الله في خلقه» (٤). وأما قبل الوصول إليه، فتجوز - عند الجمهور - الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه؛ لأن وجوب الحدِّ قبل ذلك لم يثبت، فالوجوب لا يثبت بمجرد الفعل (٥).

стр. 1526

قلت: ويؤيد هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» (١). وعن صفوان بن أمية قال: «كنتُ نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، فأتى به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه، وأنسئه ثمنها، قال ﷺ : «فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به»؟ (٢). من يقيم الحدود (٣): إن أمر الحدود موكول إلى الحاكم المسلم أو من ينوب عنه، وليس لأفراد الناس إقامة الحدود على من ارتكبوا أسبابها، وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بإقامة الحدود خطابًا مطلقًا، لكن قد عُلم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرًا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، والقدرة هي السلطان، فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونُوَّابه، ولأنه لم يُقم حدٌّ على حُرٍّ على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق الله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف، فلم يجز بغير إذن الإمام. وقد أناب النبي ﷺ في إقامة الحدود، فقال لأنيس: «واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (٤). فائدة: الحدود لا تسلم إلى السلطان إذا كان مُضيِّعًا لها أو عاجزًا عنها (٥). وهل يقيم الرجل الحدَّ على أَمَته أو عبده؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة، وأكثر أهل العلم - خلافًا لأبي حنيفة!! - على أنه يجوز للسيد إقامة الحد على مملوكه دون السلطان، لحديث أبي هريرة قال:

стр. 1527

سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا زَنَتْ أمةُ أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحدَّ، ولا يثرِّب عليها، ثم إن زنتْ فليجلدها الحدَّ ولا يُثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبيَّن له زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر» (١). وعن عليٍّ قال: ولدت أمة بعض نساء النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أقم عليها الحد». قال: فوجدتها لم تجف من دمها، فذكرت له ذلك، فقال: «إذا جفَّت من دمها، فأقم عليها الحد» ثم قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢). وعن نافع: «أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدًا له زنا، من غير أن يرفعهما إلى الوالي» (٣). ما تسقط به الحدود: ١ - الرجوع عن الإقرار (في حق المقرِّ بها على نفسه) (٤): ذهب الجمهور (أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول لمالك) إلى أنه يُقبل من المُقِرِّ الرجوع عن الإقرار، ويسقط عنه الحد، وأنه يُترك إذا هرب لعلَّه يرجع. لحديث أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردَّد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: «أبك جنون؟!» (٥) ... الحديث، فلقَّنه رسول الله ﷺ الرجوع، فلو لم يكن محتملًا للسقوط بالرجوع ما كان للتلقين فائدة، ولأنه يورث الشبهة. وفي رواية: «فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحَرُّة فرجم بالحجارة، فلما رأى مسَّ الحجارة فرَّ يشتد حتى مرَّ برجل معه لَحْيُ جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ... فقال ﷺ : «هلا تركتموه» (٦).

стр. 1528

وذهب أبو ثور - وهو الرواية الأخرى عن مالك والشافعي - إلى أنه لا يُقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات، واستدلوا بما ورد في حديث جابر في قصة ماعز بنحو حديث أبي هريرة، وفيه قوله ﷺ : «فهلا تركتموه وجئتموني». قال جابر: «ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما ترك حدٍّ فلا» (١). قلت: والأوَّل أرجح. ٢ - الشبهة، فلا يجب الحد بالتُّهم ولا بالظن (٢): اتفق الفقهاء - خلافًا لابن حزم وأصحابه - على أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والشبهة: ما يشبه الثابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطىء امرأة ظنَّها خليلته، أو في المحل: بأن يكون للواطىء فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة المشتركة، أو في الطريق: بأن يكون حرامًا عند قوم، حلالًا عند غيرهم، والأصل في هذا: ١ - حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته» فقال شداد بن الهاد: هي المرأة التي قال رسول الله ﷺ : «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها» قال: لا، تلك امرأة أعلنت (٣). ٢ - ما يُروى مرفوعًا: «ادرءوا الحدود بالشبهات» (٤). ٣ - وما يُروى عن عائشة مرفوعًا: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (٥) وهما ضعيفان، وفي الباب عن أبي هريرة وغيره وفيه ضعف، لكن الأمة تلَّقت معنى هذه الأحاديث بالقبول. ٤ - وعن ابن مسعود قال: «ادرءوا الجلد عن المسلمين ما استطعتم» (٦).

стр. 1529

٥ - وعن عمر بن الخطاب أنه قال: «لأن أعطِّل الحدود بالشبهات أحب إليَّ من أن أقيمها في الشبهات» (١). وأما أبو محمد بن حزم فضعَّف حديثي أبي هريرة وعائشة -؟؟ كذلك - وقال: «إن لم يثبت الحد لم يحلَّ أن يُقام بشبهة، وإذا ثبت الحدُّ لم يحلَّ أن يُدرأ بشبهة» (!!)» اهـ. قلت: نعم، الحديثان ضعيفان من جهة السند، إلا أن معناهما يتفق مع قواعد الشرع التي تقضي بأن لا يقام حدٌّ إلا بعد اليقين، رحمة بالإنسان ودفعًا لإلحاق الضرر به بظنٍّ مجرَّد، ولذا تلقت الأمة هذا الحكم بالقبول، وعمل له أصحاب النبي ﷺ ، على أن في حديث ابن عباس المتقدم أن الحدَّ لا يقام إلا ببينة، والله أعلم. أثر التوبة في الحدود (٢): أثر التوبة في الحدود درءًا وإيجابًا يكون على حالتين: الأولى: أن تكون توبته بعد القدرة عليه: فهذه التوبة لا تُسقط الحدَّ بالاتفاق. الثانية: أن تكون توبته قبل القدرة عليه: فأثر التوبة في سقوط الجريمة الحدِّية في هذه الحالة ينقسم إلى قسمين: محلُّ اتفاق، ومحل اختلاف. (أ) محلُّ الاتفاق: لا خلاف بين الفقهاء في أن حدَّ قطاع الطريق (حدّ الحرابة) والرِّدَّة يسقطان بالتوبة إذا تحققت توبة القاطع قبل القدرة عليه، وكذلك حدُّ ترك الصلاة - عند من اعتبره حدًا، لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفقوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ (٣).

стр. 1530

(ب) محل الاختلاف: واختلفوا في بقية الحدود إذا تاب مرتكب الجريمة الحدِّية قبل المقدرة عليه على قولين: الأول: تسقط هذه الحدود بالتوبة قبل المقدرة عليه كذلك: وهو قول في مذهب الحنفية وقول للشافعية، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة، واختارها ابن القيم، واستدل لها بما يلي: ١ - قوله تعالى - في سياق الكلام عن فاحشة الزنى - ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه بعد ذكر حد السرقة: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ (٢). ٣ - حديث أنس قال: «كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقمه عليَّ، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة فصلَّى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ قام إليه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأل عنه، قال: «أليس قد صليت معنا؟» قال: نعم، قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك» (٣) وفي بعض الروايات أنه قال: «إني زنيت». قال الحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٣٤): «قد يتمسك به من قال: إنه إذا جاء تائبًا سقط عنه الحد» اهـ. ٤ - حديث وائل بن حُجْر ﵁: (أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وه تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها: فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله ﷺ ، فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبت هو الذي وقع علي، فقال النبي ﷺ : «انطلقوا به

стр. 1531

فارجموه». فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ : الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك. وقال للذي أغاثها: قولًا حسنًا فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله ﷺ فقال: لأنه قد تاب إلى الله) (١). قال ابن القيم: «ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشية من الله وحده، وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدوا ذاك الداء، وكانت القوة الصالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك، فأيُّ حكم أحسن من هذا الحكم؟ وأشد مطابقة للمرحلة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق» اهـ (٢). ٥ - حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٣). فدلَّ على أنه لا عقاب على التائب مما يوجب حدًّا إذا تاب قبل القدرة عليه لتمحُّض صدقه في توبته. ٦ - أن الشارع اعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره قبل القدرة عليه بطريق الأولى، فإنه إذا دفعت عنه توبته حدَّ حرابة مع شدَّة ضررها وتعدِّيه، فلأن تدفع التوبة عنه ما دون حدِّ الحرابة بطريق الأولى والأحرى، وقد قال الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٤). القول الثاني: أن التوبة في هذه الحدود - قبل القدرة عليه - لا تُسقط الحدَّ: وهو مذهب المالكية والأظهر عند الحنفية والشافعية، والرواية الأخرى عند الحنابلة واستدلوا بما يلي: ١ - عموم آيات إقامة الحدود في القرآن، قالوا: وهي عامة في التائبين وغيرهم (!!).

стр. 1532

وأجيب: بأن هذا من العموم المخصَّص بالسنة كما تقدم في أدلة الفريق الأول. ٢ - الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ أقام الحدَّ على من جاء تائبًا يطلب التطهير بإقامة الحد عليه كماعز والغامدية ﵄. قالوا: فلو كانت التوبة قبل القدرة مسقطة للحدِّ لم يحدَّهم ﷺ . وأجيب: بأن الحدَّ مطهَّر والتوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحدِّ على التطهير بالتوبة، وأبيا إلا أن يُطهَّرا بالحدِّ، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز: «هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه» (١) ولو تعيَّن الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مُخيَّر بين أن يتركه - كما قال لصاحب الحد الذي اعترف: «اذهب فقد غفر الله لك» (٢) - وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختار إقامته، وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردَّهما النبي ﷺ مرارًا، وهما يأبيان إلا إقامته عليهما. وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم (٣). قلت: وهو الأرجح، والأقرب إلى روح الشريعة، وهو مقتضى رحمة رب العالمين واتساعها للعفو عن المذنبين، ورفع العقاب عن التائبين، فليس للإمام أن يقيم الحدَّ على من تاب توبة صادقة وجاء بنفسه فاعترف قبل أن تقوم البينة عليه ويؤتى به إلى الإمام، لكن إذا طلب هو إقامة الحد عليه أُقيم وإلا فلا، على أنه ينبغي أن ينتبه إلى أنَّ من قامت عليه البينة وأتى به إلى الإمام ليقيم عليه الحد، ثم أظهر التوبة لم يُقبل منه ذلك، فإن كان تائبًا في الباطن كان الحد مكفِّرًا، وكان مأجورًا على صبره (٤) والله أعلم. شروط وجوب الحدِّ: يشترط فيمن يرتكب جريمة حدِّية ليجب عليه الحد - عمومًا - ما يلي:

стр. 1533

١ - التكليف (البلوغ، والعقل): فلا خلاف بين الفقهاء في أن الحد لا يجب إلا على مكلَّف، وهو البالغ العاقل، فلا يُحدُّ الصغير ولا المجنون، ويؤيد هذا: (أ) حديث ابن عباس قال: أُتي عمر بمجنونة قد زَنتْ فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمر أن تُرجم، فمر بها على عليِّ بن أبي طالب فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: راجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم قد رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بال هذه تُرجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرْسِلْها، قال: فأَرْسَلَها، فجعل يكبِّر (١). (ب) وفي حديث أبي هريرة - في قصة اعتراف ماعز بالزنا -: ... فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: «أبك جنون»؟ ... الحديث (٢). فدلَّ على أنه لو كان به جنون ما أقام عليه الحدَّ. ٢ - الاختيار وعدم الإكراه: فلا حدَّ على من أُكره على أمر من الأمور، قال الله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله﴾ (٣). وقال النبي ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤). ٣ - العلم بالتحريم: فلا يجب إلا على من عُلِم التحريم، وبهذا قال عامة أهل العلم، لأن النبي ﷺ راجع ماعزًا فقال له: «هل تدري ما الزنا؟» (٥). وقد رُوي عن عمر وعثمان ﵄ أنهما قالا: «لا حدَّ إلى على من علمه» (٦) وأسانيده ضعيفة.

стр. 1534

فإن ادعى الزاني - مثلًا - الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهلهُ كحديث العهد بالإسلام، قُبل منه؛ لأنه يجوز أن يكون صادقًا، وإن كان ممن لا يخفى عليه كالمسلم الناشئ بين المسلمين لم يُقبلْ منه؛ لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك. هذا، وهناك شروط أخرى لوجوب كل حدٍّ، يأتي الكلام عليها في موضعها - إن شاء الله. تنبيه: يشترط لإقامة الحد العلم بالتحريم وليس العلم بالعقوبة، فإن علم أن الزنا مثلًا محرَّم، لكن لم يَدْرِ أنه يُرجم، أقيم عليه الحد، بلا خلاف. هل يقام الحد على المريض ونحوه؟ (١) مرتكب الجريمة الحدِّية إذا كان مريضًا عند القدرة، فله حالتان: (أ) أن يكون مرضه مما يُرجى بُرْؤه: ففيه قولان للعلماء: الأول: يقام عليه الحدُّ ولا يؤخر، وبه قال إسحاق وأبو ثور وهو رواية عن أحمد، وحجة هذا القول: ١ - أن عمر ﵁ أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يُؤَخِّرهُ (٢)، وانتشر ذلك في الصحابة، فلم ينكروه، قالوا: فصار إجماعًا (!!). ٢ - أن الحد واجب على الإمام إقامته، فلا يؤخَّر بغير حجة. الثاني: يؤخر الحد حتى يبرأ من عليه الحدُّ من مرضه، وهو مذهب الجماهير من الأئمة الأربعة وغيرهم، وحجتهم: ١ - عن أبي عبد الرحمن ﵁ قال: خطب عليٌّ ﵁ فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحدَّ، من أحصن منهم، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيتُ إن أنا جلدتُها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «أحسنتَ» وزاد في رواية: «اتركها حتى تماثل» (٣).

стр. 1535

قلت: وقد يستدل لهم كذلك: ٢ - بحديث الغامدية لما جاءت فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردَّها، فلما كان من الغد، قالت: يا رسول الله، لم تردُّني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحُبلى، قال: «أما الآن، فاذهبي حتى تلدي» فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدتُ، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ...» الحديث (١). وهو أصل تأخير الحد لعارض يترتب عليه مصلحة للمحدود، والله أعلم. ولا شك أن فعل النبي ﷺ وإقراره يقدَّم على فعل عمر وغيره، والله أعلم. (ب) أن يكون مرضه مما لا يُرجى بُرؤه (٢): فيقام عليه الحدُّ في الحال، ولا يؤخَّر، فإن كان حدُّ مائة جلدة مثلاً، فإنه يقام عليه بسوط يؤمن معه التلف، فإن خيف عليه جُمع عُثكول فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وبه قال الشافعي. وأنكره مالك؛ لأن هذه ضربة واحدة والله تعالى يقول: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٣). وقول الشافعي أظهر، لحديث سعيد بن سعد بن عبادة ﵁ قال: كان في أبياتنا رُويجل ضعيف، فخبث بأمة من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﷺ فقال: «اضربوه حدَّهُ» فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك، فقال: «خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ، ثم أضربوه به ضربة واحدة»، ففعلوا (٤). فهذا في حال العذر أولى من ترك حدِّه بالكلية، وأولى من قتله بما لا يوجب القتل. قلت: وقد قال الله تعالى - في شأن أيوب ﵇ لما أقسم أن يضرب امرأته مائة ضربة -: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ (٥).

стр. 1536

هل تُقام الحدود على المسلم في دار الحرب؟ (١) إذا أصاب المسلم - في أرض العدو - حدًّا من سرقة أو شرب خمر أو نحوهما من موجبات الحدود فقد اختلف أهل العلم في إقامة الحدِّ عليه على ثلاثة أقوال: الأول: يقام عليه الحد سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، وهو مذهب المالكية، وحكاه البيهقي وغيره عن الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وحجتهم: ١ - أن الأدلة الآمرة بإقامة الحدود مطلقة، في كل مكان وزمان، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٢). ٢ - حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر». الثاني: لا حدَّ عليه في دار الحرب، لا إذا رجع، وهو مذهب أبي حنيفة على ما نقله ابن قدامة وابن القيم عنه - وقيَّده الحنفية بعدم وجود خليفة المسلمين ف دار الحرب، فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبَّس بها ولا تؤخَّر، فإن لم يكن معهم سقط الحد، واحتجوا بحديث: «لا تقام الحدود في دار الحرب» (٣) ولا أصل له. ويستدل لهم بان سعد بن أبي وقاص ﵁ أسقط الحد - حدَّ الخمر - عن أبي محجن، فخلَّى سبيله، وقال: «والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم» (٤). الثالث: لا يقام عليه الحد في أرض الحرب، ولا يسقط عنه بالكلية، بل يؤخَّر حتى يرجع إلى أرض الإسلام: وهو مذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي، واستدلوا بما يلي:

стр. 1537

١ - حديث بسر بن أبي أرطأة: «أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو» (١) وفي لفظ «في السفر». قال ابن القيم: «فهذا حدٌّ من حدود الله وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عله ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضبًا كما قال عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم ...» اهـ (٢). فإن قيل: ظاهر الحديث سقوط الحد لا تأخيره، والحال يقتضي البيان؟! قيل: الحديث نهى عن إقامة حد القطع في (غير واضح ص ١٨) وهو الغزو وليس إسقاطًا له، ويوضحه فعل الصحابة ﵃. ٢ - فرُوي عن عمر أنه «كتب إلى الناس: أن لا يجلدون أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غازٍ حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار» (٣). ٣ - ورُوى عن أبي الدرداء: «أنه كان ينهي أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم» (٤). ٤ - وعن علقمة بن قيس قال: «كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم؟! وقد دَنَوْتُم من عدوكم فيطمعون فيكم» (٥). وفيه أن حذيفة لم يسقط الحد عنه وإنما استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء.

стр. 1538

٥ - قال ابن قدامة: وهو إجماع الصحابة ﵃ (!!) والظاهر أن مراده الإجماع السكوتي. ٦ - انه قد ثبت تأخير الحدِّ لمصلحة المحدود (كالحامل والمرضع) فتأخيره لما فيه مصلحة المسلمين وحاجتهم إليه أولى. قلت: وهذا الأخير أظهر والله أعلم. لا تُقام الحدود في المساجد (١): اتفق الفقهاء على أنه تحرم إقامة الحدود في المساجد، لحديث حكيم بن حزام ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن إقامة الحد في المساجد» (٢) وعن طارق بن شهاب قال: أُتي عمر برجل في شيء فقال: «أخرجاه من المسجد واضرباه» (٣). ولأن تعظيم المسجد واجب، وفي إقامة الحدود فيه ترك تعظيمه. ولا خلاف في إقامتها في الحرم على من ارتكب موجب الحد فيه، أما من ارتكبه خارج الحرم ولجأ إليه، فقد اختلف الفقهاء: فذهب الجمهور إلى أنه لا يُستوفى فيه حدٌّ لقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ (٤). ولحديث أبي شريح أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» (٥) يريد: مكة. قالوا: يُقاطع ويضيَّق عليه حتى يخرج فيستوفى منه الحد. وذهب المالكية والشافعية إلى أنه تستوفى الحدود في الحرم، لحديث أنس: «أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه مغفر، فلما نزع المغفر، جاءه رجل فقال: ابن خطيل متعلِّق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (٦).

стр. 1539

التلف بسبب الحدود (١): لا خلاف بين الفقهاء في أن الحدود إذا أُتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة، أنه لا يضمن من تلف بها، وذلك لأنه فعلها بأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فلا يؤاخذ به، ولأنه نائب عن الله تعالى، ومأمور بإقامة الحد، وفعل المأمور لا يتقيَّد بشرط السلامة، وإن زاد على الحد فتلف وجب الضمان بغير خلاف. الحدود كفارات للذنوب: ذهب الجمهور - خلافًا للحنفية - إلى أن الحدَّ المقدَّر في ذنب كفارة لذلك الذنب، ويدلُّ على هذا حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلس، فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها -، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عاقبه» (٢). وقال الحنفية: الحد غير مُطهِّر، بل المطهر التوبة، فإذا حُدَّ ولم يتب يبقى عليه إثم المعصية - عندهم - كما قال تعالى في حدِّ قطاع الطريق: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (٣). استحباب الستر على المسلم: من عايَنَ ارتكاب مسلم لجريمة حدِّية، فهو مخيِّر بين أداء الشهادة حسبةً لله تعالى القائل ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ (٤). وبين الستر على أخيه المسلم، وهو الأولى، لاسيما على من كان ظاهره الستر ولم يكن مجاهرًا بمعصيته، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» (٥). ويستحب كذلك أن يستر العبد على نفسه، لقوله ﷺ : «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله

стр. 1540

عليه، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عليه» (١). الجرائم الحَدِّيَّة: وقد ثبت بالكتاب والسنة أن الجرائم التي يجب الحد (العقوبة المقدَّرة) على مرتكبها هي: الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسَّرقة، والمحاربة، والرِّدة. وإليك هذه الحدود وأهم ما يتعلق بها من أحكام: (١) حَدُّ الزِّنا تعريف الزنا (٢): الزنا لغةً: يطلق على عدة معان منها: الفجور، ومنها: الضيق، يقولون زنى زناء، أي: دخل وضاق، ويطلق كذلك على ما دون مباشرة الأجنبية، كما قال ﷺ : «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (٣). ويطلق الزنا ويراد به: وطء المرأة من غير عقد شرعي، وهذا هو المراد في عامة النصوص المتعلقة بالزنا مما سيأتي بعضه. فالزنا اصطلاحًا، قد تعددت تعريفات العلماء له، وكلها متقاربة، ولعل أمثلها أن يقال: «الزنا: هو الوطء في قُبُل خالٍ عن ملك أو شبهة». ذم الزنا والترهيب منه: الزنا من أكبر الكبائر، وقد ثبتت حُرمته بالكتاب والسنة والإجماع. (أ) فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (٤).

стр. 1541

٢ - قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ (١). ٣ - وقوله سبحانه: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (٢). ٤ - وقوله سبحانه: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ (٣). ٥ - قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٤). (ب) ومن السنة: ١ - حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» قلت: إن ذلك لعظيم، قال: ثم قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (٥). ٢ - وفي حديث سمرة بن جندب - الطويل في رؤيا النبي ﷺ أنه قال: «... فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: أحسب أنه يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضووا، قال: قلت لهما - أي الملكين - ما هؤلاء؟ ... قالا: وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني ...» الحديث (٦).

стр. 1542

وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١). ومعناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. ٤ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظُّلَّة، فإذا انقلع رجع إليه الإيمان» (٢). ٥ - وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم [ولا ينظر إليهم] ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذَّاب، وعائل مستكبر» (٣). (جـ) وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في أن الزنا محرم قطعًا، وتحريمه مما علم من الدين بالضرورة. سدُّ الذرائع الموصَّلة إلى الزنا (٤): قاعدة التشريع التي لا تنخرم أن الله إذا حرم شيئًا حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سدًّا للذريعة وكفًّا عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرذائل والطرائق الموصلة إليها حتى يلقى الله تعالى وهو على هدى من الله وصراط مستقيم. ولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل قاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كلّ لحظة وآن، تلك هي: قاعدة (سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات). وابن القيم - رحمه الله تعالى - قرر هذه القاعدة، واستدل لها من وجوه الأدلة بما يقارب مائة وجه من الكتاب والسنة، وبيّن أن قاعدة سد الذرائع، أحد أرباع التكليف، فإنه وجه ذلك فقال: (وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما

стр. 1543

يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين). وفي خضم هذا المبحث ذكر ضروبًا ووجهًا مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا، وعرضها بأسلوبه العلمي الأخاذ الخالي من التعقيد والجفاف وبيانها على ما يلي: ١ - نهي النساء عن الضرب بالأرجل: قال - رحمه الله تعالى -: قال الله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾. فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن). وهذا المنهي عنه - من وسائل الإغراء والإشارة - هو نهي تحريم كما فهمه ابن القيم وهو محال اتفاق عن علماء التفسير. وابن القيم في مقام دلالة النص على قاعدة سد الذرائع، وإلا فإن الآية تفيد أيضًا النهي عن كلّ حركة من شأنها أن تثير الغريزة وتلهب داعي الشهوة، وفي ذلك المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن﴾ (١) إلى آخره). ٢ - وهذا الأمر بغض البصر: وهذا أمر مطلوب من الجنسين الرجال والنساء لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ (٢) الآية. وابن القيم - رحمه الله تعالى - قد أبدى في هذه الذريعة عجبًا فأبدى كلامًا يزغ الأبصار الخائنة، والأعين الفاجرة عن غوايتها إن كان لديها بقية من إيمان

стр. 1544

واستجابة لداعي الرحمن. وقد أكثر اللهج برعاية حرمات الله، وأنا في هذا المقام أسوق للقارئ شذرة من كلامه المنثور والمنظوم إذ يقول: (أما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وقال النبي ﷺ : «لا تتبع النظرة النظرة، إنما لك الأولى وليست لك الأخرى». وفي المسند عنه ﷺ : «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه» هذا معنى الحديث. وقال: «غضّوا أبصاركم واحفظوا فروجكم» وقال: «وإياكم والجلوس على الطرقات» قالوا يا رسول الله مجالسنا، ما لنا بدّ منها، قال: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام». والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل «الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده». قال الشاعر: كلّ الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه. قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا، أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه، فإن قوله: «لا كله أنت قادر عليه» نفي لقدرته على الكلّ الذي لا ينفى إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد.

стр. 1545

وكم من أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلًا كما قيل: يا ناظرًا، ما أقلعت لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا ولي من أبيات: ملّ السلامة فاغتدت لحظاته وقفًا على طلل يظن جميلًا ما زال يتبع أثره لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكانًا من قلب الناظر، ولي من قصيدة: يا راميًا بسهام اللحظ مجتهدًا أنت القتيل بما ترمي فلا تصب يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له أحبس رسولك، لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرحًا على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضًا في هذا المعنى: ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كلّ مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل: أن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. ٣ - النهي عن الخلوة بالأجنبية: وفي ذلك يقول - رحمه الله تعالى -: (أنه ﷺ حرّم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن). وقال أيضًا: (نهى ﷺ الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة). وهذا محل إجماع ولو في باب من أبواب الخير والرشاد كإقراء القرآن وتعليم العلم، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظان ابن حجر والشوكاني. ٤ - النهي عن سفر المرأة بلا محرم: قال - رحمه الله تعالى -: (ونهى ﷺ عن السفر بلا محرم وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها).
следующие страницы →