← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عقوبة القتل العمد: أجمع أهل العلم على أن عقوبة القتل العمد العدوان هي القود (القصاص). ١ - قال الله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (١). ٢ - وقال سبحانه ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب﴾ (٢). ٣ - وقال : ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (٣). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودى، وإما أن يُقاد» (٤). ولأولياء المقتول أن يعفو عن القصاص ويقبلوا الدية، ولهم أن يصالحوا على غير ذلك كما سيأتي بيانه في: «ما يسقط به القصاص». شروط وجوب القصاص: يشترط لوجوب القصاص شروط، وهي: ١ - وجود العمد، وهو القصد إلى المقتول بما يقتله من محدد أو ما يقتل به غالبًا. ٢ - أن يكون القاتل مكلفًا: أي بالغًا عاقلًا، فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه، وقد تقدمت أدلة هذا مرارًا. ٣ - وهل يشترط الاختيار وعدم الإكراه؟ (٥) ذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد - وهو قول للشافعي - إلى أن المُكْرَه على القتل لا قصاص عليه، لحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٦).

стр. 1717

قالوا: ولأن المكرَه آلة في يد المُكرِه، وهو إكراه ملجئ، فهو كما لو رمى به عليه فقتله. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وهو قول ثان للشافعي وزفر من أصحاب أبي حنيفة إلى أن المكره يجب عليه القصاص، وحجتهم: أن المكره قتله عمدًا ظلمًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله، أي كمن اختار قتله على قتل نفسه. أما قول الأولين: إنه إكراه ملجئ، فغير صحيح، فإنه متمكن من الامتناع، ولديه خيار بين قتل نفسه وقتل غيره، فلا يقال: لا اختيار لديه. قلت: وهذا الأخير أظهر، فإن محل الإكراه القول لا الفعل، ويؤيد هذا المذهب كذلك عندي حديث سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: «كن كابن آدم» (١) فمنعه أن يبسط يده ليقتل من يريد قتله، فلأن يُمنع من قتل غيره - الذي لم يعتد عليه - إذا أكره عليه من باب أولى، ومثله وصية النبي ﷺ لأبي ذر أن يعتزل الناس إذا قتل بعضهم بعضًا ولا يأخذ سلاحه حتى قال له: «... ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمه وإثمك» (٢). ٤ - أن يكون المقتول معصوم الدم: فلو كان حربيًّا، أو زانيًا محصنًا، أو مرتدًّا، فإنه لا ضمان على قاتله لا بقصاص ولا بدية، وقد قال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣). ٥ - أن لا يكون القاتل أصلًا (أبًا أو جدًّا) للمقتول: فلو قتل رجل ابنه أو حفيده (من ولد البنين أو ولد البنات) فإنه لا يقتل به، وبهذا يقول أكثر أهل العلم

стр. 1718

منهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو منقول عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال ربيعة والثوري والأوزاعي (١)، وحجتهم: ١ - حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقتل والد بولده» (٢). ٢ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كانت لرجل من بني مُدلج جارية فأصاب منها ابنًا فكان يستخدمها، فلما شبَّ الغلام دعى بها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال الغلام: لا تأتيك، حتى متى تستأمر أمي؟ قال: فغضب أبوه فحذفه بسيفه، فأصاب رجله أو غيرها فقطعها، فنزف الغلام فمات، فانطلق في رهط من قومه إلى عمر بن الخطاب ﵁ -فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقادُ الأب بابنه» لقتلتك، هلم ديته، قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فتخير منها مائة فدفعها إلى ورثته وترك أباه» (٣). ٣ - ولأن الأب كان سبب حياته، فلا يكون الولد سببًا في موته، وفي حُكم الوالد هنا كل الأصول من الذكور والإناث مهما بعدوا، فيدخل في ذلك الأم والجدات وإن علون من الأب كُنَّ أَمْ من الأُم، كما يدخل الأجداد وإن علوا من الأب كانوا أو من الأم لشمول لفظ الوالد لهم جميعًا. وهذا كله في الوالد النَّسبي، أما الوالد من الرضاع، فقال الحنابلة: يقتل بولده من الرضاع لعدم الجزئية الحقيقية. ٦ - أن يكون بين القاتل والمقتول تكافؤ في الدين، والحرية والرق: وهذا يعني أمرين: (أ) لا يقتل المسلم بكافر (٤): اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص على المسلم إذا قتل الكافر الحربي ومن لا

стр. 1719

عهد له ولا ذمة، وأكثر أهل العلم على عدم قتله بأي كافر كان سواء كان حربيًّا أو ذميًّا، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية ﵃ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن وغيرهم من السلف. ١ - واحتجوا بحديث أبي جحيفة قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيء من الوحي ليس في القرآن؟ وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر» (١). ٢ - وبحديث عليٍّ مرفوعًا: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (٢). وخالف أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والنخعي، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي خاصة (!!) واحتجوا بما يلي: ١ - ما روي عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي قال: قتل رسول الله ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتلة غيلة، وقال: «أنا أولى وأحق من أوفى بذمته» (٣). وأجيب: بأنه ضعيف لا يحتج به. ٢ - أوَّلوا قوله ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» بأن المراد: الكافر الحربي دون من له عهد وذمة من الكفار جمعًا بين الخبرين (!!). ٣ - حديث: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهد ...» (٤) قالوا: فالكلام فيه تقدير، وهو: (لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي) قالوا: وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي. وأجيب: بأن هذا مفهوم صفة، والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة

стр. 1720

الأصول، والحنفية من جملة القائلين بعدم العمل به، فكيف يصح احتجاجهم به؟! كما أن الجملة المعطوفة «ولا ذو عهد في عهده» لمجرد النهي عن قتل المعاهد بعد كلام تام مستقل بنفسه وهو «لا يقتل مؤمن بكافر» فلا تقدير فيها أصلًا. ٤ - واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (١). وأجيب: بأنه قد خصصه حديث عليٍّ المتقدم. فالحاصل: أنه لا يُسلَّم بما قاله الحنفية من صرف ظاهر الحديث، فعُلم أن الحق مذهب الجمهور من عدم قتل المسلم بكافر حربيًّا كان أو ذميًّا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (٢) ولو كان للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل، وقد نفى الله تعالى أن يكون له عليه سبيل نفيًا مؤكدًا، وقد ثبت عن ابن عمر: أن رجلًا مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا، فرفع ذلك إلى عثمان، فلم يقتله وغلظ عليه الدية مثل دية المسلم: ألف دينار (٣). فائدتان: ١ - ذهب مالك وأحمد في رواية إلى أن هذا التكافؤ لا يشترط في القتل بالحرابة، فيقتل فيها المسلم بالذمي، وهو اختيار شيخ الإسلام، قال: وهو أعدل الأقوال، وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب، فإن القتل فيها (أي: في المحاربة) حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة. اهـ. ووجهه - كما يقول المالكية - أن هذا قتل يسقط بالعفو فلم يسقط بعدم التكافؤ، وأصل ذلك القتل بالردة، ولأنه ليس بقتل قصاص، وإنما هو حق لله تعالى أو أنه حق للآدميين تغلَّظ بحق الله تعالى (٤). وأما مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: فلا يقتل المسلم بالكافر بحال، وعند أبي حنيفة: يقتل به بكل حال على ما تقدم (٥).

стр. 1721

٢ - لا يعني عدم قتل المسلم بالذمي أنه يجوز له قتله، بل إن ذلك إثم عظيم: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا» (١). وعن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل معاهدًا في غير كنهِهِ حرَّم الله عليه الجنة أن يجد ريحها» (٢). وما يوجد ببلاد المسلمين من اليهود والنصارى ليسوا أهل ذمة، وربما انطبق على بعضهم أنهم مستأمنون، وقد يؤدي قتلهم إلى مفاسد كثيرة (٣). (ب) لا يُقتل حُرٌّ بعبد: وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على نحو اختلافهم في قتل المسلم بالكافر، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحر إذا قتل عبدًا فلا قصاص عليه، لأن الأعلى لا يُقتل بالأدنى، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلًا قتل عبده متعمدًا، فجلده النبي ﷺ ونفاه سنةَ، ومحا سهمه من المسلمين، [ولم يَقُدْهُ به، وأمره أن يعتق رقبة]» (٤) وهو ضعيف. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد» (٥) وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة. وخالف أبو حنيفة ومن معه، وداود، فقالوا: يقتل الحرًّ بالعبد، محتجِّين بعمومات الآيات والأخبار الواردة في القصاص: ١ - كقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (٦).

стр. 1722

٢ - وكقوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (١). وأجيب: بأن هذه العمومات مخصوصة بأدلة الأولين، والخاص مقدم على العام. ٣ - واستدلوا كذلك بما رُوي من طريق الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (٢). وأجيب: بأن الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته فيمكن أن يخرج مخرج التحذير، وقيل: هو منسوخ، لا سيما وأن الحسن كان يُفتى بخلافه (!!). والذي يترجح هنا: قول الجمهور، ويمكن أن يُستدل له كذلك بمفهوم خطاب قوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ (٣) فإن قيل: فيلزم على مقتضى هذا أن لا يُقتل العبد بالحر؟! قلنا: قتل العبد بالحر مجمع عليه، فلا يلزم التساوي بينهما في ذلك، والله أعلم. هل يُقتل الجماعة بالواحد؟ إذا اشترك جماعة في قتل مسلم حر، ففعل كل منهم فعلًا لو انفرد به لكان كافيًا في قتله، فذهب الجماهير من أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، إلى أنهم يقتلون جميعًا به، وهو مروي عن عمر وعليٍّ وابن عباس والمغيرة بن شعبة، وبه قال ابن المسيب والحسن وعطاء وقتادة والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وحجتهم: ١ - أن عمر بن الخطاب قال - في غلام قُتل غيلة -: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا» (٤). ٢ - وعن عليٍّ ﵁ أنه «قتل ثلاثة قتلوا رجلًا» (٥). ٣ - وعن ابن عباس أنه قال: «لو أن مائة قتلوا رجلًا، قُتلوا به» (٦). قالوا: وهذا فعل من الصحابة لا يفعلونه إلا بتوقيف، كما أنه لم يظهر لهم مخالف فكان إجماعًا أو مثله.

стр. 1723

٤ - ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، لأدَّى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر. ومنع بعض أهل العلم من قتل الجماعة بالواحد، فقال بعضهم: تجب عليهم الدية فقط وهو رواية ثانية في مذهب أحمد، وبه قال ربيعة وأبو داود وابن المنذر، وحُكي عن ابن عباس (!). وقال بعضهم: يقتل واحد منهم ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، وهذا مروي عن معاذ بن جبل وابن الزبير، وبه قال ابن سيرين والزهري. واحتجوا جميعًا: ١ - بقوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾ وبقوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (١) قالوا: ومقتضاهما أن لا يزاد على النفس الواحدة بنفس. ٢ - ولأن كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد. والراجح: القول الأول القائل بقتل الجماعة بالواحد لأن الآيتين إنما بيَّنتا القتل العمد في أقل صوره، ولم تتعرض لحكم اشتراك الجماعة فبيَّنه فعل الصحابة ﵃، ولعله يتأيد هذا المذهب بما ثبت في قصة العرنيين إذ قتلهم النبي ﷺ لما اجتمعوا على قتل الرعاة (٢). وإذا شارك في القتل من لا قصاص عليه: كأن يشترك والد المقتول مع أخيه في قتل ابنه، فللعلماء في هذه المسألة قولان (٣): الأول: تجب الدية على عاقلة من لا قصاص عليه وفي ماله عتق رقبة، ويقتص من الآخرين: وهذا مذهب مالك، وقول للشافعي، ورواية في مذهب أحمد، وهو مروي عن قتادة والزهري وحماد، وحجتهم: أن القصاص عقوبة تجب عليهم جزاءً لفعلهم، فمتى كان فعلهم عمدًا عدوانًا

стр. 1724

وجب القصاص عليهم، دون النظر إلى فعل الشريك بحال، لكن يسقط القصاص عن هذا لمانع فيه هو، ككونه والدًا للمقتول، أو كونه غير مكلف. الثاني: لا قصاص على أحد منهم، وتجب الدية: وهو مذهب أبي حنيفة، وقول ثانٍ للشافعي، والمشهور من مذهب أحمد، وبه قال الحسن والأوزاعي وإسحاق، وحجتهم: ١ - أنه شارك من لا مأثم عليه في فعله فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطئ. ٢ - ولأن الصبي والمجنون - مثلًا - لا قصد لهما صحيح، ولهذا لا يصح إقرارهما فكان حكم فعلهما حكم الخطأ. قلت: والأول أظهر، والله أعلم. وإذا أمسك رجلًا وقتله الآخر (١): فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الممسك للمقتول حال قتل القاتل له لا يلزمه القود، ولا يعدُّ فعله مشاركة حتى يكون ذلك من باب قتل الجماعة بالواحد، بل الواجب حبسه فقط، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٢). ٢ - ما يُروي عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا أمسك الرجلُ الرجلَ، وقتله الآخر يُقتل الذي قتل، ويُحبس الذي أمسك» (٣) وهو ضعيف. ٣ - ما روي عن علي ﵁ أنه قضى في رجل قتل رجلًا متعمدًا، وأمسكه آخر، قال: «يُقتل القاتل، ويُحبس الآخر في السجن حتى يموت» (٤). وذهب مالك والليث إلى أن الممسك يُقتل كالمباشر للقتل لأنهما شريكان، إذ لولا الإمساك لما حصل القتل. قلت: والأول أرجح - رغم ضعف الأثرين - لأن الصحابة قدَّموا المباشرة على السبب، فقد قضي عمر ﵁ في أعمى كان يقوده بصير، فوقعا في بئر، فوقع

стр. 1725

الأعمى على البصير فمات البصير، «قضي عمر ﵁ بعقل البصير على الأعمى» (١). فعُلم أنه لا حكم للسبب مع المباشرة، ما لم يكن فعل المشارك - إذا انفرد - مؤديًا إلى القتل، وقيل: ما لم يكن المشارك (الممسك) متواطئًا على القتل، فإن كان مريدًا قتله قُتل هو الآخر وهو قول متجه قوي. ٧ - اتفاق أولياء المقتول على طلب القصاص (٢): إذا مات المجني عليه من غير عفو عن قاتله، صار القصاص والمطالبة بدمه حقًّا لجميع الورثة على سبيل الاشتراك بينهم، يستوي فيهم - عند الجمهور - العاصب وصاحب الفرض، والذكر والأنثى، والصغير والكبير (٣)، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضي رسول الله ﷺ أن يعقل المرأة عصبتُها من كانوا، ولا يرثوا منها شيئًا، إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، فهم يقتلون قاتلها» (٤). والمراد بالعصبة هنا: الذين يرثون الميت عن كلالة من غير والد ولا ولد. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «وعلى المقتتلين أن ينحجزوا، الأول فالأول، وإن كان امرأة» (٥). والمراد بالمقتتلين: أولياء المقتول الطالبين القود، وينحجزوا: أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة، وقوله «الأول فالأول» أي: الأقرب فالأقرب. وذهب مالك إلى أن استيفاء القصاص لعصبة المجني عليه الذكور فقط (٦)، سواء كانوا عصبة بالنسب كالابن، أو بالسبب كالولاء، فلا دخل فيه لزوج ولا أخ لأم أوجد لأم (!).

стр. 1726

فإذا طلب الورثة القصاص أجيبوا إليه إذا طلبوه جميعًا، فإذا أسقطه أحدهم سقط القصاص؛ لأنه لا يتبعَّض، ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية كلٌّ حسب حصته في التركة. فوائد: ١ - إذا كان أحد الأولياء غائبًا: فإنه تنتظر عودته باتفاق الفقهاء؛ لأن له العفو فيسقط به؛ ولأن القصاص للتشفي فحقه التفويض إلى خيرة المستحق فلا يحصل باستيفاء غيره من حاكم أو بقية الورثة. ٢ - وإذا كان من بين الأولياء ناقص الأهلية (١): (أ) فينتظر الصغير حتى يكبر والمجنون حتى يفيق، عند الشافعية والحنابلة والصاحبين من الحنفية، قالوا: لأنه ربما يعفو فيسقط القصاص ولأن القصاص للتشفي كما تقدم، فيحبس القاتل حتى البلوغ والإفاقة. (ب) وعند أبي حنيفة - وهو الصحيح في المذهب - أن حق القصاص يكون لكاملي الأهلية فقط (٢) فلا ينتظر. (جـ) وذهب المالكية إلى أنه لا ينتظر صغير لم يتوقف الثبوت عليه، ولا ينتظر مجنون مطبق لا تعلم إفاقته، بخلاف من يفيق أحيانًا فتنتظر إفاقته. ٣ - إذا لم يكن للمقتول وارث ولا عصبة (٣): فيكون حد استيفاء القصاص للسلطان عند الجمهور لولايته العامة. وقال المالكية: حق القصاص للسلطان، وليس له أن يعفو. وقال أبو يوسف: لا ولاية للسلطان في استيفاء القصاص إذا كان المقتول في دار الإسلام.

стр. 1727

ما يسقط به القصاص: ١ - موت القاتل (١): إذا مات القاتل قبل أن يقتص منه سقط القصاص لفوات محله؛ لأنه القتل لا يرد على ميت، وسواء في ذلك أن يكون الموت قد حصل حتف أنفه أو بقتل له بحق كالحد، وتجب الدية في تركته عند الشافعية والحنابلة. أما إذا قُتل هذا القاتلُ عمدًا عدوانًا: فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة - في المذهب - إلى سقوط القصاص مع وجوب الدية في مال القاتل الأول. وذهب المالكية - وهو رواية عند الحنابلة - إلى أن الواجب القصاص على القاتل الثاني لأولياء المقتول الأول (!). ٢ - عفو الأولياء عن القصاص: فإن القصاص حق لأولياء الدم - كما تقدم - ولهم الحق في العفو فإن عفوا سقط القصاص بالاتفاق لأنه عقد لهم فيسقط بعفوهم، ولهم الدية. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودى، وإما أن يقاد» (٢). وقال ابن عباس: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ (٣): قتل بعد قبول الدية» (٤). وعن ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قتل متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حُقَّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل» (٥) والعقل: الدية.

стр. 1728

وهذه الدية ليست هي الواجبة بالقتل، بل هي بدل عن القصاص ولو بغير رضا الجاني، ولذا فإن لهم أن يصالحوا على غيرها كما سيأتي في «الديات». والعفو عن القصاص مندوب إليه شرعًا، لقوله تعالى: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ (١) وقوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ (٣). وقال النبي ﷺ : «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» (٤). وقد رُوي عن أنس قال: «ما رأيت النبي ﷺ رُفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو» (٥). فإن عفا بعض الأولياء دون بعض: سقط القصاص عن القاتل، لأنه سقط نصيب العافي بالعفو، فيسقط نصيب الآخر في القود ضرورة، لأنه لا يتجزأ، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض وفي هذه الحالة يبقى للآخرين نصيبهم من الدية فعن زيد بن وهب: أن رجلًا قتل امرأته، استعدى ثلاثة إخوة لها عليه عمر بن الخطاب ﵁ فعفا أحدهم، فقال عمر للباقين: «خُذا ثلثي الدية، فإنه لا سبيل إلى قتله» (٦). ٣ - الصلح على القصاص (٧): اتفق الفقهاء على جواز الصلح بين القاتل وولي القصاص على إسقاط القصاص بمقابل بدل يدفعه القاتل للولي من ماله، ولا يجب على العاقلة؛ لأن العاقلة لا تعقل العمد، ويسمى هذا البدل: بدل الصلح عن دم العمد. ويجوز أن يكون بدل الصلح هو الدية أو أقل منها أو أكثر منها من جنسها أو غير جنسها، حالًا أو مؤجلًا؛ لأن الصلح معاوضة، فيكون على بدل يتفق عليه الطرفان بالغًا ما بلغ.

стр. 1729

وقد تقدم قوله ﷺ : «من قتل متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حُقَّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» وذلك لتشديد العقل (١). استيفاء القصاص ١ - زمان الاستيفاء (٢)؟ إذا ثبت القصاص بشروطه، جاز للولي استيفاؤه فورًا من غير تأخير؛ لأنه حقُّه، لكنه لا يكون مستحقًّا له حتى يموت المجني عليه، فإذا جُرح جرحًا نافذًا لم يُقتص من الجاني حتى يموت المجني عليه؛ لأنه ربما شفي فلا يُقتل الجاني. وقد نصَّ الفقهاء على أن القاتل إذا كان امرأة حاملًا: يؤخر القصاص حتى تلد، حفاظًا على سلامة الجنين وحقه في الحياة، بل إنها تُنظر إلى الفطام أيضًا إذا لم يوجد غيرها لإرضاعه. ٢ - مكان الاستيفاء (٣): ليس للقصاص في القتل مكان معين، لكن إذا التجأ الجاني إلى الحرم فقد اختلف الفقهاء فيه: فذهب المالكية والشافعية - وأبو يوسف من الحنفية - إلى أنه يخرج منه ويُقتل خارجه. وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يخرج منه ولا يُقتل فيه، لكن يمنع عنه الطعام والشراب حتى يخرج من الحرم بنفسه ويقتص منه. هذا إذا كانت جنايته قد وقعت خارج الحرم أصلًا، وأما إذا وقعت جنايته - في الأصل - داخل الحرم، جاز الاقتصاص منه في الحرم وخارجه باتفاق الفقهاء. قلت: صحَّ عن ابن عباس ﵄ قال: «من قتل أو سرق في الحل، ثم دخل الحرم، فإنه لا يجالس، ولا يكلم، ولا يؤذي، ويناشد حتى يخرج، فيقام عليه،

стр. 1730

ومن قتل أو سرق فأخذ في الحل فأدخل الحرم، فأرادوا أن يقيموا عليه ما أصاب، أُخرج من الحرم إلى الحل، وإن قتل في الحرم أو سرق أقيم عليه في الحرم» (١). ٣ - إذن الإمام في القصاص (٢): ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز استيفاء القصاص إلا بإذن الإمام فيه لخطره، ولأن وجوبه يفتقر إلى اجتهاد، لاختلاف الناس في شرائط الوجوب والاستيفاء، ويسن عند الشافعية حضور الإمام القصاص. وذهب الحنابلة إلى أنه لا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان أو نائبه، فإذا استوفاه الولي بنفسه دون إذن السلطان جاز، ويُعزَّر لافتئاته على الإمام. ٤ - كيفية القصاص (٣): ذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين واختارها شيخ الإسلام إلى أن القاتل يُقتص منه بمثل الطريقة والآلة التي قتل بها، فمن قتل بخنق أو إغراق أو بتجريع سمٍّ ونحو ذلك، يُفعل به كما فعل، ما لم يكن هذه الطريقة محرمة لذاتها كالقتل بتجريع خمر أو اللواط به أو إحراقه ونحو ذلك، واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٤). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٥). ٣ - وقوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (٦). ولا شك أن تمام المقاصة أن يُفعل به كما فعل. ٤ - حديث أنس ﵁ «أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان أو فلان حتى سُمِّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف فأمر به النبي ﷺ فَرُضَّ رأسه بحجرين» (٧).

стр. 1731

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهو الأشبه بالكتاب والسنة والعدل» اهـ. بينما ذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى - وهي المذاهب - والثوري وعطاء، إلى أن القصاص لا يكون إلا بالسيف، والمراد به - عند الحنابلة - أن يكون القصاص في العنق مهما كانت الآلة والطريقة التي قتل بها، فيجوز عندهم بالسكين والخنجر ونحوه، وحجة هذا المذهب: ١ - حديث: «لا قود إلا بالسيف» (١) وأجيب بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به. ٢ - حديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» (٢). وأجيب بأن إحسان القتلة إنما يكون بموافقة الشرع، وقد جاءت نصوص الشرع بقتل الجاني بمثل ما قتل، كما تقدم. فالراجح: القول الأول، فيفعل بالجاني مثل ما فعل، بشرط أن لا تكون الطريقة محرمة لذاتها، فإن ثبت القتل بتجريع خمر مثلًا أو بلواط أو سحر فيقتص بالسيف عند الجمهور، وفي قول - هو مقابل الأصح عند الشافعي - في الخمر: يُجرع مائعًا كالخل أو الماء، وفي اللواط: يُدس بخشبة قريبة من آلته ويقتل بها (!!) والأول أوجه، والله أعلم. القسم الثاني: القتل شبه العمد تعريفه (٣): (أ) ذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن قتل شبه العمد هو: أن يضرب الشخص عدوانًا بما لا يقتل غالبًا كالسوط والعصا الصغيرة، فيؤدي إلى موته؛ لأن هذا الفعل يقصد به غير القتل من التأديب ونحوه.

стр. 1732

(ب) وعرَّفه أبو حنيفة بأنه: أن يتعمد ضرب شخص بما لا يفرق الأجزاء كالعصا واليد والحجر، وما ليس بسلاح. والأصل في اعتبار هذا النوع من القتل قول النبي ﷺ : «ألا وإن قتل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا [والحجر] مائة من الإبل» (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «عقل شبه العمد مغلَّظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزغ الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح» (٢). وعن ابن مسعود ﵁ «أن شبه العمد: الحجرُ والعصا» (٣). وعلى اعتبار هذا القسم الجماهير من الصحابة والتابعين منهم الأوزاعي والثوري وإسحاق وأبو ثور والأئمة الثلاثة. (جـ) وأما المالكية فلم يُعرِّفوه؛ لأنهم لم يثبتوا هذا القسم، إذ القتل عندهم عمد وخطأ (٤)، ووافقهم الليث وأبو محمد بن حزم ﵏، قالوا: إنما نصُّ القرآن على أن القتل إما عمد وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ (٥)، وإما قتل خطأ كما في قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئا ...﴾ (٦). قلت: وهم محجوبون بثبوت هذا النوع في السنة كما تقدم، والله أعلم. فائدة: هذا القسم يسمى كذلك: عمد الخطأ، وخطأ العمد. حكمه: القتل شبه العمد حرام إن كان نتيجة لضرب متعمد عدوانًا، والعدوان محرم، قال الله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٧).

стр. 1733

وقد تضافرت نصوص الشريعة الغراء في سد الأبواب المؤدية إلى قتل المسلم، فنهت عن مجرد الإشارة بالسلاح إليه، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يديه فيقع في حفرة من النار» (١). وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢). بل ثبت عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى أن يتعاطى السيف مسلولًا» (٣). وعنه أن رجلًا مرَّ بسهام في المسجد فقال له رسول الله ﷺ : «أمسك بنصالها» (٤). هذا فيمن لا يقصد الإيذاء والتعدي، فكيف بالمعتدى؟!! من صور قتل شبه العمد (٥): ١ - أن يقصد ضربه عدوانًا بما لا يقتل غالبًا كعصا أو سوط أو حجر صغير، فيموت. ٢ - أن يقصد ضربه تأديبًا بسوط صغير ونحوه، ويسرف في الضرب، فيفضي إلى قتله. ٣ - أن يحبسه في مكان ويمنع عنه الطعام والشراب مدةً لا يموت في مثلها غالبًا، فهذا من شبه العمد عن الشافعية، وهو عمد الخطأ عند الحنابلة. فإن كانت هذه المدة مما يموت مثله فيها غالبًا فهو قتل عمد عند الشافعية والحنابلة، وعند أبي حنيفة: هذا لا يعتبر قتلًا أصلًا (!!) لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش، ولا صنع لأحد في ذلك (!!) وقد خالفه الصاحبان فقالوا: عليه الدية. ٤ - أن يحفر بئرًا: أو ينصب حجرًا أو سكينًا تعديًا في ملك غيره بلا إذنه، ويقصد به الجناية، فهو قتل شبه عمد عند الحنابلة، وقد يقوى فيلحق بالعمد،

стр. 1734

وعند المالكية: إن قصد هلاك شخص معين فهلك فعلًا، فهو عمد فيه القصاص وإن هلك غير المعين ففيه الدية (أي: خطأ). وأما الحنفية فهذا عندهم: (قتل بسبب) وموجبه عندهم الدية على العاقلة، وهو قسم مستقل من أقسام القتل الخمسة عندهم. عقوبة القتل شبه العمد (١): ١ - الدِّية: لا خلاف بين الفقهاء - القائلين باعتبار شبه العمد - أنه موجب للدية، وهي في شبه العمد مغلظة لقوله ﷺ : «ألا وإن قتيل شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائة من الإبل، أرْبَعون في بطونها أولادها» (٢). وتجب هذه الدية على عاقلة الجاني عند جمهور القائلين بشبه العمد، لحديث أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضي رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها» (٣). وإنما وجبت الدية على العاقلة لشبهة عدم القصد، فأشبه قتل الخطأ. وهل يشترك الجاني في الدية؟ قال الشافعية والحنابلة: لا يشترك فيها، وقال الحنفية: يشترك فيها كما في القتل الخطأ، قلت: وعلى الأول يدلُّ حديث أبي هريرة، والله أعلم. وقال ابن سيرين والزهري وقتادة وأبو ثور: تجب الدية على القاتل في ماله، لأنها موجب فعلٍ قَصَدَهُ، فلم تحمله العاقلة، كالعمد المحض، لكن الحديث بحجة عليهم. ٢ - الكفارة: وهي عتق رقبة مسلمة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، قال الله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ (٤) وهي منصوصة في قتل الخطأ كما هو ظاهر الآية الكريمة،

стр. 1735

لكن ذهب الشافعية والحنابلة - والكرخى من الحنفية - إلى وجوب الكفارة في قتل شبه العمد؛ لأنه يشبه قتل الخطأ من جهة عدم قصد القتل. وذهب الحنفية إلى أنها لا تجب فيه؛ لأن هذه جناية مغلظة والمؤاخذة فيها ثابتة. القسم الثالث: القتل الخطأ تعريفه وصوره (١): القتل الخطأ هو ما وقع دون قصد الفعل والشخص، أو دون قصد أحدهما، ومن صوره: ١ - أن لا يقصد الضرب ولا القتل، مثل أن يرمي صيدًا أو هدفًا فيصيب إنسانًا. ٢ - أن ينقلب وهو نائم على إنسان فيقتله. ٣ - أن يقتل - في دار الحرب - من يظنه كافرًا، فيتبين مسلمًا. ٤ - أن يضربه على سبيل اللعب، فيقتله. ما يترتب عليه: يترتب على القتل الخطأ ما يلي: (أ) وجوب الدية والكفارة (٢): وهذا يجب على من قتل مؤمنًا خطأً أو كافرًا معاهدًا باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٣) (٤). وتكون الدية على العاقلة، والكفارة من ماله. (ب) وجوب الكفارة فقط (٥): وتجب بالاتفاق، على من قتل مؤمنًا في بلاد الكفار أو حروبهم وهو يظنه كافرًا؛ لأنه رآه يعظم آلهتهم أو كان عليه زي الكفار ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿فإنه كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٦).

стр. 1736

ولا قصاص عليه بالإجماع، وليس في الآية ذكر الدية في هذه الحالة فلا تجب؛ ولأنه أسقك حرمة نفسه بمقامه في دار الكفر التي هي دار الإباحة وهو قول جمهور الفقهاء منهم أبو حنيفة وهو الرواية المشهورة في مذهب أحمد، والأظهر عند الشافعية، وبه قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وقتادة، والأوزاعي، والثوري وأبو ثور. وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في قول - وهو مقابل الأظهر عند الشافعية - إلى أنه تجب الدية في هذه الحالة مع الكفارة؛ لأنه قتل مسلمًا خطأ فوجبت ديته، كما لو كان في دار الإسلام. قلت: والأول أرجح، والله أعلم. ثانيًا: الجناية على ما دون النفس تعريفها (١): الجناية على ما دون النفس: كل فعل محرم وقع على الأطراف أو الأعضاء سواء كان بالقطع أم بالجرح أم بإزالة المنافع. الجناية على ما دون النفس قسمان: جناية موجبة للقصاص، وجناية موجبة للدية وغيرها. أ - الجناية الموجبة للقصاص: يشرع القصاص في الجناية على ما دون النفس - إذا توفرت شروط معينة يأتي ذكرها - والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. (أ) فأما الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٣). (ب) وأما السنة: فعن أنس ﵁ قال: كسرت الرَّبيّع - وهي عمة أنس بن مالك - ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر - عم أنس بن مالك -: لا، والله لا تكسر

стр. 1737

سنها يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَّره» (١). (جـ) وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن (٢). (ر) وأما المعقول: فلأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه لأنه خُلق وقاية للنفس فشرع الجزاء صونًا له (٣). شروط وجوب القصاص: ١ - أن يكون الفعل عمدًا: وهو شرط باتفاق الفقهاء: وأما شبه العمد - فيما دون النفس - وهو أن يقصد الضرب بما لا يفضي إلى الجرح غالبًا فيجرحه، فلا قصاص فيه عند الجمهور. وذهب الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنه ليس فيما دون النفس شبه عمد أصلًا، فما كان شبه العمد في النفس، فهو عمد فيما دونها، لأن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون آلة عادة، فاستوت الآلات كلها في الدلالة على القصد، فكان الفعل عمدًا محضًا، ووجب القصاص (٤). ٢ - أن يكون الفعل عدوانًا: فإن لم يكن الجاني متعديًا في فعله، فلا يقتص منه، كأن لا يكون مكلفًا (ليس أهلًا للعقوبة) أو ارتكب هذا الفعل بحق، كمن يقيم حدًّا أو تعزيرًا أو كان طبيبًا ونحو ذلك. ٣ - أن يكون الجاني مكافئًا للمجني عليه: وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله، كالحر المسلم مع الحر المسلم، فأما من لا يُقتل بقتله، فلا يقتص منه فيما دون النفس له، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد، والأب مع ابنه؛ لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه، فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن (٥).

стр. 1738

وبهذا يقول الجمهور خلافًا للحنفية، على نحو ما تقدم في القصاص في القتل. ٤ - أن يتماثل محل الجناية ومحل القصاص: فلا يُؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله، فلا تؤخذ اليد إلا باليد، ولا رجل إلا بالرجل، ولا إصبع ولا عين وأذن ولا غيرها إلا بمثلها من الجاني، فلا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء، وعلى هذا اتفاق الفقهاء (١). واختلفوا في قطع الشلاء بالصحيحة، فأجاز الجمهور قطعها، ونص الحنابلة والشافعية - في الصحيح - على أنها تقطع إذا قال أهل الخبرة بأنه ينقطع الدم، وإلا لم تقطع وتجب الدية وقال المالكية وهو وجه عند الشافعية: لا تقطع الشلاء بالصحيحة، لأن الشرع لم يرد بالقصاص فيها وعليه الدية. واختلفوا في قطع الشلاء بالشلاء (٢): فمنعه الحنفية والمالكية والشافعية في وجه، وأجازه الحنابلة والشافعية في الصحيح لديهم إن استويا في الشلل أو كان شلل يد الجاني أكثر من يد المجني عليه بشرط أن لا يخاف نزف الدم. وإذا قلع الأعور عين صحيح العينين (٣): فقال أبو حنيفة والشافعي: يقتص منه، ويترك أعمى، وبه قال مسروق والشعبي وابن سيرين والثوري وابن المنذر، وحجتهم: عموم قوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ (٤). وقال مالك: يخيَّر بين القصاص وبين أخذ دية كاملة. ومذهب أحمد أنه لا قصاص عليه وعليه دية كاملة؛ لأنه روِّي ذلك عن عمر وعثمان ﵄ ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فصار إجماعًا، ولأنه لم يذهب بجمع بصره فلم يجز له الاقتصاص منه بجميع بصره، كما لو كان ذا عينين. قلت: الظاهر أنه لا مانع من القصاص إذا أراد المجني عليه، والله أعلم. وإذا قلع صحيحٌ العين السالمة من الأعور (٥): فاتفقوا على أن للمجني عليه القصاص، ثم اختلفوا هل يجب على الصحيح شيء زائد عن القصاص؟ فذهب

стр. 1739

الحنابلة في المذهب إلى أن له القصاص بمثلها ويأخذ نصف الدية، لأنه ذهب جميع بصره، وأذهب الضوء الذي بدله دية كاملة، وقد تعذر استيفاء جميع الضوء، إذ لا يمكن أخذ عينين بعين واحدة، فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء. وذهب المالكية - وهو وجه لدى الحنابلة - إلى أنه ليس له زيادة على القصاص. قلت: وهذا الأخير أقرب إلى النصوص، والله أعلم. ٥ - إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة: وهو شرط لوجوب القصاص في الجراح والأطراف، وتحقق هذا بأن يكون القطع من مفصل، فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف (١). وقد رُوي عن نمر بن جابر عن أبيه: أن رجلًا ضرب على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي ﷺ ، فأمر له بالدية، قال: إني أريد القصاص، قال: «خذ الدية بارك الله لك فيها» (٢) ولم يقض له بالقصاص. وهذا ما لم يرض المجني عليه بالقطع من مفصل أدنى من محل الجنابة. أنواع الجناية: الجناية على ما دون النفس إما أن تكون بالقطع والإبانة، أو بالجرح الذي يشق، أو بإزالة منفعة بلا شق ولا إبانة. (أ) الجناية بالقطع والإبانة: يجب القصاص بالجناية على الأعضاء والأطراف إذا أدت إلى قطع العضو أو الطرف بشروط معينة، وقدت قدمت. (ب) الجناية بالجرح: والجراح إما أن تقع على الرأس والوجه، وتسمى «الشجاج» وإما أن تقع على سائر البدن. أولًا: الشجاج: الشجاج أقسام، أشهرها عشرة: ١ - «الحارصة»: وهي التي تشق الجلد قليلًا، نحو الخدش، ولا يخرج الدم، وتسمى «الحرصة» كذلك.

стр. 1740

٢ - «الدامية»: وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، وتسمى عند بعض الفقهاء «البازلة» لأنها تبزل الجلد أي تشقه. ٣ - «الباضعة»: وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تقطعه، وقيل التي تقطع الجلد. ٤ - «المتلاحمة»: وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم، وتسمى أيضًا «اللاحمة». ٥ - «السمحاق»: وهي التي تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، وقد تسمى عند بعضهم «الملطاة أو اللاطئة». ٦ - «الموضحة»: وهي التي تخرق السمحاق، وتوضح العظم. ٧ - «الهاشمة»: وهي التي تهشم العظم (أي: تكسره) سواء أوضحته أم لا عند الشافعية. ٨ - «المنقَّلة»: وهي التي تكسر العظم وتنقله من موضع إلى موضع سواء أوضحته وهشمته أم لا. ٩ - «المأمومة»: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به ويقال لها: «الآمة». ١٠ - «الدامغة»: وهي التي تخرق الخريطة وتصل إلى الدماغ. والتسميات السابق ذكرها تكاد تكون محل اتفاق بين المذاهب، وإن كان هناك خلاف يسير في ترتيبها، فمردُّه الاختلاف في تحديد المعنى اللغوي (١). حكم هذه الشِّجَاج (٢): الأصل وجوب القصاص في كل الجراح، لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ (٣) لكن لما كان من هذه الأقسام ما لا يمكن اعتبار المساواة فيه، وضبط ذلك للاستيفاء بالمثل، فقد رأى بعض أهل العلم أنه لا قصاص فيه: ١ - فاتفقوا على أنه لا قصاص فيما فوق الموضحة (الهاشمة والمنقلة والأمة)،

стр. 1741

لأنه لا يمكن المساواة في كسر العظم وتنقله، قلت: قد ورد عن العباس ﵁ مرفوعًا: «لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة» (١) وهو حديث ضعيف لا يثبت. ٢ - واتفقوا على وجوب القصاص في الموضحة؛ لأنه يتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، إذ يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة. ٣ - واختلفوا فيما دون الموضحة: فذهب الحنفية والمالكية - وهو رواية عند الشافعية - إلى أن فيها القصاص، وذهب الشافعية - في المذهب - والحنابلة إلى عدم القصاص فيما دون الموضحة. قلت: والذي فهمته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن القصاص يكون في كل شيء حتى في اللطمة والضربة والسُّبة، استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٢). وبعمل النبي ﷺ بالقود في الطعنة والجبذة، وكذلك الصحابة. وردًّا على شبهة تعذُّر المماثلة في ذلك يقول: «... والعدل في القصاص بحسب الإمكان، ومن المعلوم أن الضارب إذا ضُرب مثل ضربته، أو قريبًا منها كان هذا أقرب إلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط، فالذي يمنع من القصاص خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرَّ منه، فعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل ...» اهـ. ثانيًا: الجراح الواقعة على سائر البدن (٣) وهي نوعان: ١ - الجائفة: وهي التي تصل إلى الجوف، سواء نفذت إليه من الصدر أو الظهر أو البطن أو الجنبين أو الدبر. وقد ورد حديث العباس مرفوعًا: «لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة» (٤) ولا يصح، لكن اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة.

стр. 1742

٢ - غير الجائفة: وهذه اختلف أهل العلم في القصاص فيها على ثلاثة أقوال: الأول: فيها القصاص، وهو مذهب المالكية. الثاني: ليس فيها قصاص، بل حكومة عدل إذا أوضحت العظم وكسرته، وإذا بقي أثر، وإلا فلا شيء فيها، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف. الثالث: أن ما لا قصاص فيه إذا كان على الرأس والوجه، فلا قصاص فيه إذا كان على غيرهما، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. حكم القصاص قبل اندمال الجروح (١): اختلف أهل العلم في جواز القصاص في الجرح أو الطرف قبل برئه واندماله على قولين: الأول: لا يقتص حتى يبرأ المجني عليه: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك وأحمد في مشهور مذهبه، والنخعي والثوري وإسحاق، وأبو ثور وعطاء والحسن وابن المنذر، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث جابر «أن رجلًا جُرح فأراد أن يستقيد، فنهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح» (٢). ٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: «حتى تبرأ» ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: أفدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله، عرجت، قال: «قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عَرَجُك» ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جُرح حتى يبرأ صاحبه (٣). قالوا: فقوله: «ثم نهى أن يقتص ...» يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال، لأن لفظ «ثم» يقتضي الترتيب، فيكون النهي الواقع بعدها ناسخًا للإذن الواقع عليها.

стр. 1743

٣ - ولأن الجرح لا يدري أقتل هو أم ليس بقتل؟ فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه. القول الثاني: يجوز أن يقتص قبل البرء، وهذا مذهب الشافعي ورواية أخرى عن أحمد، وحجتهما: ١ - إذن النبي ﷺ للرجل بالقصاص قبل البرء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم، وأجيب بأن قوله ﷺ فيه: «نهيتك فعصيتني» يدل على أن القصاص قبل البرء معصية، ثم إن قوله في آخره «ثم نهى ...» يدل على نسخ الإذن كما تقدم. ٢ - قالوا: ولأن القصاص لا يسقط بالسراية، فوجب أن يملكه في الحال كما برئ، وأجيب بأن هذا ممنوع وهو مبني على الخلاف في مسألة السراية (١). ثالثًا: إزالة المنفعة من غير شق ولا إبانة: إذا ترتَّب على الاعتداء بالضرب أو الجرح زوال منفعة العضو مع بقائه سليمًا، كمن يلطم شخصًا في وجهه أو يجرحه في رأسه، فيؤدي إلى ذهاب السمع أو البصر، فهل يجب فيه القصاص؟ ذهب الجمهور إلى وجوب القصاص في ذلك، لأن لهذه المنافع محال مضبوطة، ولأهل الخبرة طرق في إبطالها. وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز القصاص إلا في زوال البصر دون سواه (٢). إذا وقعت الجناية على المجني عليه بسبب مناد: كمن عضَّ يد رجل فانتزعها فسقطت ثنيته، فذهب الجمهور - خلافًا لمالك - إلى أنه لا قصاص فيه ولا دية بشرط أن لا يتمكن المعضوض من إطلاق يده بما هو أيسر من ذلك، وأن يكون ذلك العض بما يتألم به، واحتجوا: ١ - بحديث عمران بن حصين: أن رجلًا عضَّ يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: «يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك» (٣). ٢ - حديث يعلى بن أمية قال: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعضَّ أحدهما

стр. 1744

صاحبه، فانتزع أصبعه فأندر ثنيته فسقطت، فانطلق إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: «أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل» (١). ٣ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ أن إنسانًا جاءه - وعضَّه إنسان فانتزع يده فذهبت ثنيته - فقال أبو بكر: «تَعَدَّت ثنيتُه» (٢). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اطلَّع عليك رجل في بيتك فرميته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (٣). وفي رواية: «فلا دية ولا قصاص» (٤). ٢ - الجناية على ما دون النفس الموجبة للدية: إذا كانت الجنابة على ما دون النفس خطأ، أو لم يتوفر فيها شرط من شروط وجوب القصاص المتقدمة، أو تصالح الخصمان وعفا المجني عليه عن الجاني، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية أو حكومة عدل، على حسب الأحوال. وقد اتفق الفقهاء على أن كل عضو لم يخلق الله تعالى في بدن الإنسان منه إلا واحدًا كاللسان، والأنف، والصلب، والذكر، وغيرها، ففيه دية كاملة؛ لأن إتلاف كل عضو من هذه الأعضاء كإذهاب منفعة الجنس، وهو كإتلاف النفس. وما خُلق في الإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين، والعينين والأذنين، والشفتين، والأنثيين، والثديين والأليتين، وغيرها، ففيهما الدية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية، لما روي أن رسول الله ﷺ كتب لعمرو بن حزم في كتابه: «وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية» (٥). وسيأتي في «الديات» مقادير هذه الديات وما يتعلق بها من مسائل، إن شاء الله. ٣ - الجناية على الجنين: وتكون بأن تُضرب حاملٌ فتلقي جنينًا ميتًا، فلا خلاف بين الفقهاء في أنه

стр. 1745

تجب فيه الغُرَّة، وهي نصف عشر الدية، وسيأتي دليل ذلك وتفصيل المسألة في «الديات» إن شاء الله. ما تثبت به الجناية: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجنايات تثبت على مرتكبيها بطريق من الطرق الثلاثة الآتية: ١ - الإقرار: وهو في الاصطلاح: الإخبار عن حق، أو الاعتراف به. وقد دلَّ على ثبوت الجناية بالإقرار الكتاب والسنة والإجماع: (أ) قال الله تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ (١). (ب) وقال سبحانه: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ (٢). (جـ) وعن وائل بن حجر ﵁ قال: إني لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بِنِسْعَة فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي، فقال رسول الله: «أقتلته؟» فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم، قتلتهُ، قال: «كيف قتلته؟» قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبَّني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته، فقال له النبي ﷺ : «هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟» قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي، قال: «فترى قومك يشترونك؟» قال: أنا أهون على قومي من ذاك، فرمى إليه بنسعته وقال: «دونك صاحبك» ... الحديث (٣). واستدل بالحديث على أنه يثبت القصاص على الجاني بإقراره، قال الشوكاني: «وهو مما لا أحفظ فيه خلافًا، إذا كان الإقرار صحيحًا متجردًا عن الموانع» اهـ (٤). ٢ - الشهادة: وهي الطريق المعتاد لإثبات الجرائم، وأغلب الجرائم تثبت عن طريقها، وقد دلَّ على ثبوت الجناية على الجاني بالشهادة ما يلي:

стр. 1746

١ - حديث رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولًا، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: «لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟» فقالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، قد يجترئون على أعظم من هذا، قال: «فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم» فوداه النبي ﷺ من عنده (١). ٢ - وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ابن مُحيِّصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته» ... الحديث (٢). واستدل بهما على أن القتل يثبت بشهادة شاهدين. وهل تقبل فيه شهادة المرأتين مع الرجل؟ الأكثرون على أنه لا يُقبل في القصاص شهادة النساء، لأنه إراقة دم عقوبة على جناية، فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود (٣). ٣ - القَسامة: وهي الطريقة الثالثة لإثبات الجناية (القتل خاصة) على الجاني. تعريفها (٤)؟ والقسامة لغة: مصدر أقسم قسمًا وقسامة، ومعناه: حلف حلفًا. وفي اصطلاح الفقهاء: الأيمان المكررة في دعوى القتل، يقسم بها أولياء القتيل لإثبات القتل على المتهم، أو يقسم بها المتهم على نفي القتل عنه. مشروعيتها: وقد كانت القسامة من طريق الإثبات في الجاهلية، فأقرها الإسلام، فعن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: «أن النبي ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية» (٥). وعن سهل بن أبي حثمة: أن عبد الله بن سهل ومُحيِّصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، ثم

стр. 1747

أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حُويِّصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيِّصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله ﷺ لمحيِّصة: كبِّر كبِّر (يريد: السن) فتكلم حُويِّصة ثم تكلم محيِّصة، فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب» فكتب رسول الله ﷺ إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» قالوا: لا، قال: «فتحلف لكم يهود؟» قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم رسول الله ﷺ مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء (١). وفي رواية: فقال: «تبرئكم يهود بخمسين، يحلفون أنهم لم يقتلوه ولم يعلموا قاتلًا؟» فقال: كيف نرضى بأيمان قوم مشركين؟ قال: «فقسم منكم خمسون أنهم قتلوه؟» قالوا: كيف نحلف ولم نر؟ فوداه رسول الله ﷺ من عنده فركضتني بكرة منها (٢). وقد ذهب جمهور الفقهاء - منهم الصحابة والتابعون وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية - إلى مشروعية القسامة لهذه النصوص وغيرها، وأنه يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة، إذا توفرت شروطها. بينما ذهب جماعة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز - في رواية عنه - إلى عدم الأخذ بالقسامة وعدم العمل بها، لأنها - عندهم - مخالفة لأصول الشرع المجمع عليها، ومنها: أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعًا أو شاهد حسًّا، وهنا أولياء الدم يقسمون وهم لم يشاهدوا، واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (٣). قالوا: وليس في الأحاديث حكم بالقسامة، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية فتلطف بهم النبي ﷺ ليريهم كيف بطلانها (!!).

стр. 1748

وأجاب الشوكاني: «بأن القسامة أصل من أصول الشريعة مستقل، لورود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين، ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقًا، فإنه ﷺ قد عرض على المتخاصمين اليمين، وقال: «إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب» كما في رواية متفق عليها، وهو لا يعرض إلا ما كان شرعًا، وأما دعوى أنه قال ذلك للتلطف بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية فباطلة، وكيف وفي حديث أبي سلمة المذكور في الباب أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية؟!» اهـ (١). شروط القسامة: ١ - دعوى القتل، فلا قسامة في غير القتل اتفاقًا، وأن يوجد قتيل فعلًا بلا شك. ٢ - أن يكون المدعي عليه معينًا: فلو كانت الدعوى على أهل بلد - مثلًا - أو على واحد غير معين لم تجب القسامة عند الجمهور (٢). ٣ - أن يكون هنا لوث: واللوث قرينة تثير الظن، وتوقع في القلب صدق المدعى، كعداوة ظاهرة بين القاتل ومن مات في أرضهم وكأن يجتمع جماعة في بيت ثم يتفرقوا عن قتيل، أو أن يشهد عدل واحد على أن فلانًا قتله، أو أن يشهد جماعة من العبيد والنساء - متفرقين بحيث يؤمَن تواطؤهم - أن فلانًا قتله، ونحو ذلك، وهو شرط للقسامة عند الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وبه قال ابن المنذر (٣)، واحتج لهم بما يلي: (أ) في حديث سهل بن أبي حثمة ما يدل على وجود عداوة بين الأنصار ويهود خيبر فقد قالوا: «ما لنا عدو بخيبر إلا يهود» (٤).

стр. 1749

(ب) حديث ابن عباس مرفوعًا: «لو أعطى الناس بدعاواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (١). (جـ) وبأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته، ولم يظهر كذبه، فكان القول قوله كسائر الدعاوى، ولا تكون قسامة. (ر) ولأنه مدعى عليه فلم تلزمهُ اليمين (أي: القسامة). وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يشترطوا اللوث في القسامة، وحجتهم أن رجلًا وجد قتيلًا بين حيين، فحلفهم عمر ﵁ خمسين يمينًا، وقضى بالدية على أقربهما - يعني أقرب الحيين - فقالوا: والله ما وَفَتْ أيماننا أموالنا، ولا أموالنا أيماننا، فقال عمر: «حقنتم بأموالكم دماءكم» (٢). وأجيب: بأن الأثر لا يثبت، ثم هو محتمل أن يكونوا اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد مثلًا، أو أن عمر ﵁ وجد من القرينة ما يقوى شبهة المدعي. ٤ - اتفاق الأولياء في الدعوى: فإن ادعى بعضهم وأنكر بعضهم لم تثبت القسامة وهل للنساء أن يدخلن في القسامة إذا كن من أولياء المقتول؟ فيه ثلاثة أقوال (٣): (أ) لا يستحلف النساء فإن كانوا أقل من خمسين كررت الأيمان حتى تبلغ خمسين يمينًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وبه قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي، قالوا: لأنها حجة تثبت قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة هي القتل ولا مدخل للنساء في إثباته. قلت: وقد يحتج لهم بظاهر ما صحَّ عن سعيد بن المسيب قال: «القسامة في الدم لم تنزل عن خمسين رجلًا، فإن نقصت قسامتهم أو نكل منهم رجل واحد ردت قسامتهم ...» (٤). (ب) يحلف النساء في قسامة الخطأ دون العمد، وهو مذهب مالك. (جـ) تدخل النساء في القسامة إذا كن وارثات، وهو مذهب الشافعي، فلو كان للقتيل ورثة وزعت الأيمان بحسب الإرث وجبر المنكسر، ولا فرق في ذلك بين الذكور والإناث، ودليله القياس على سائر ما يستخلف فيه.

стр. 1750

٥ - ألا تتناقض دعوى المدعين: فإن قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمدًا، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، وكذلك لو ادعوا على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعوا على آخر أنه شريك لم تسمع الدعوى الثانية لمناقضتها الأولى وتكذيبها. وتمت شروط أخرى اشترطها بعض أهل العلم وهي مختلف فيها، كأن تكون الدعوى مفصلة، وأن يكون بالقتيل أثر قتل، وأن يوجد القتيل في محل مملوك لأحد، وكإسلام المقتول وغير ذلك، وقد ذكرنا أهم ما اشتُرط. كيفية القسامة (١)؟ ١ - ذهب جمهور أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأحمد وربيعة والليث وغيرهم: إلى أن الأيمان في القسامة توجه إلى المُدَّعين، فيُكَلَّفون حلفها ليثبت مدعاهم ويحكم لهم به، فإن نكلوا عنها، وُجهت إلى المدعى عليهم، فيحلف أولياء القتيل خمسين يمينًا، فإن حلفوا ثبت مدعاهم، وحكم لهم إما بالقصاص أو الدية - على الخلاف في موجب القسامة - فإذا لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ، فيقول: والله، ما قتلته ولا شاركت في قتله ولا تسببت في قتله. فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه برئ المتهمون، وكانت دية القتيل من بيت المال، عند الحنابلة خلافًا للمالكية والشافعية. قلت: وهذا موافق لحديث سهل. وإن نكل المدعى عليهم عن اليمين: فقال الشافعية: ترد الأيمان على المدعين، فإن حلفوا عوقب المدعى عليهم، وإن لم يحلفوا فلا شيء لهم. وقال المالكية: يحبسون حتى يحلفوا أو يموتوا، وقيل: يجلدون ويحبسون عامًا. وقد استدل للجمهور في البدء في القسامة بتحليف المدعين، بحديث سهل بن أبي حثمة المتقدم. ٢ - بينما ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري والنخعي إلى أنه يُبدأ بتوجيه الأيمان إلى المدعى عليهم، فإن حلفوا لزم أهل المحلة الدية، وهذا مروي من قضاء عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 1751

واستدلوا بحديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه ولا علمنا قائلًا، فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال «الكُبْرَ الكُبْرَ» فقال لهم: «تأتوني بالبينة على من قتله؟» قالوا: ما لنا بينة، قال: «فيحلفون» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة. قالوا: فأول ما طلب في دعوى القسامة البينة من جهة المدعى كسائر الدعاوى، فإن لم يكن ثم بينة للمدعى، وجهت الأيمان الخمسون إلى المدعى عليهم، فإن حلفوا برئوا وانتهت الخصومة وغرموا الدية (!!). قلت: وقول الجمهور أرجح، إذ لا مانع أن يكون طلب من المدعين البينة قبل تحليفهم، جمعًا بين الروايات، على أن من أهل العلم من اعتبر ذكر البينة - دون التحليف - وهمًا، لا سيما إن سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين في خيبر، والله أعلم. وأما قول الحنفية: «أن المدعى عليهم يحلفون ويغرمون الدية»!! فقال العلماء (١): ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة، أو الاستحقاق على مذهب من قال باليمين مع الشاهد. ثانيًا: الديات التعريف (٢): الديات: جمع دِيَة وهي لغةً: مصدر ودي القاتل القتيل، يَديِه دِيَةً: إذا أعطى وليه المال الذي هو بدَل عن النفس أو ما دونها. وفي الاصطلاح هي: المال الواجب أداؤه إلى المجني عليه أو وليه بسبب الجناية عليه في نفس أو فيما دونها. وتسمى كذلك «العَقْل» لوجهين: أحدهما: أنها تعقل الدماء أن تراق، والثاني: أن الدية كانت إذا وجبت وأخذت من الإبل تجمع فتعقل، ثم تساق إلى ولي الدم.

стр. 1752

ويطلق غالبًا على الدية في الجناية على ما دون النفس: «الأرش» فهو أخص من الدية بهذا المعنى، وربما يطلق «الأرش» على بدل النفس، فيكون بمعنى الدية. مشروعيتها: الأصل في مشروعية الدية الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها» (٢) وثمت أحاديث أخرى في هذا الباب تأتي في موضعها. وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة، والحكمة في وجوبها: هي صون بنيان الآدمي عن الهدم، ودمه عن الهدر (٣). لا تجب الدية إلا لمعصوم الدم: وعلى هذا اتفاق الفقهاء، فإذا كان المجني عليه مهدر الدم، كأن كان حربيًّا أو مستحق القتل حدًّا أو قصاصًا فلا تجب الدية بقتله لفقد العصمة. وأما الإسلام فليس شرطًا لوجوب الدية لا في القاتل ولا المقتول، فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلمًا أو ذميًّا أو مستأمنًا. وكذلك لا يشترط العقل والبلوغ، فتجب الدية بقتل الصبي والمجنون اتفاقًا، كما تجب في مالهما. الأصل في تقدير الدية شرعًا: أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل بنفسها في الدية، فلو دُفعت الدية منها قبلت، ولم يكن للمجني عليه أو وليه المطالبة بغيرها. ثم اختلفوا في غير الإبل، هل يكون أصلًا في الدية بنفسه، أو مقوَّمًا بالإبل، على أقوال: الأول: الأصل في الدية: الإبل، لا غير. وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد - وظاهر كلام الخرقى من الحنابلة - وابن المنذر وابن حزم (٤)، وحجتهم:

стр. 1753

١ - قوله ﷺ : «ألا إن دية قتيل الخطأ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» (١). ٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور ...» (٢) الحديث. ٣ - كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن - وبعث به مع عمرو بن حزم - وفيه: «... وأن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعِب جدعه الدية ...» (٣). ٤ - ولأن النبي ﷺ فرَّق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل. ٥ - ولأنه بدل متلف وجب حقًّا لآدمي، فكان متعينًا كعوض الأموال. قلت: وعلى هذا المذهب: فمن وجبت عليه الدية - وله إبل - فليس له ولا للولي العدول عنها إلا بالتراضي، ولو عُدمت - حسًّا - فيعدل إلى الذهب أو الفضة إما مقدرًا (ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم) وهو قول الشافعي الجديد، وأما ما يعادل قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها. وهو قول الشافعي القديم. القول الثاني: يعتبر الذهب والفضة أصلًا: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد (٤)، قالوا: الدراهم والدنانير مقدرة في الديات (ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم - عند الجمهور - أو عشرة آلاف درهم عند الحنابلة) يجوز أخذها مع وجود الإبل، وحجتهم ما يلي: ١ - رواية لكتاب النبي ﷺ الذي بعث به عمرو بن حزم: إلى أهل اليمن، وفيه: «أن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار» (٥).

стр. 1754

٢ - ما رُوي عن ابن عباس ﵄: «أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته: اثنى عشر ألفًا» (١). ٣ - أن عمر قام خطيبًا فقال: «ألا أن الإبل قد غلت، فتقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حُلَّة» (٢). القول الثالث: أصول الدية خمسة: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم: وهو مذهب أحمد والصاحبين من الحنفية (وفي رواية عن أحمد - وهو قول الصاحبين -: والحُلل (الثياب) فتكون الأصول ستة) وهذا قول عمر وعطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة وابن أبي ليلى (٣)، وحجتهم أثر عمر المتقدم. وعلى قولهم، يجزئ في الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار من الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم (وعند الحنفية: عشرة آلاف!! ولا أصل لقولهم هذا) أو مائتان من البقر، أو ألفا شاة، فأي شيء أحضره من عليه الدية من ذلك لزم المستحق أن يأخذه وليس له المطالبة بغيره. الترجيح: الذي يترجَّح لديَّ أن الأصل في تقدير الدية: الإبل، وما ورد في تقديرها بغير ذلك إنما هو على سبيل التقويم بالإبل، والخلاف إنما هو في كونها أصلًا أو لا، ويدلُّ على ذلك أثر عمر فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل، ولو كانت أصولًا بنفسها لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى، ويؤيد هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتِل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور» قال: «وكان رسول الله ﷺ يقوِّمها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقوِّمها على أهل الإبل: إذا غلت رفع قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق، قال: وقضي رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في

стр. 1755

الشاة ألفي شاة، وقضي رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، فما فضل فاللعصبة، وقضي رسول الله ﷺ أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منه شيئًا إلا ما فضل من ورثتها، وإن قُتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها» (١). فالحاصل: أن الأصل في تقدير الديات شرعًا الإبل، ولا يعني هذا أنها تتعين فلا تؤخذ قيمتها من غير الإبل، بل تؤخذ - في كل بلد - مما يناسبها مقدَّرة بقيمة الإبل، والله أعلم. أسباب وجوب الدية ومقاديرها: أولًا: القتل: وقد تقدم في «الجنايات» تعريفه، وأنه على ثلاثة أقسام: خطأ، وعمد، وشبه عمد. ١ - الدية في القتل الخطأ: تقدم في «الجنايات» أنه لا قصاص في القتل الخطأ - باتفاق الفقهاء - وإنما تجب الدية والكفارة، لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٣). مقدار دية المسلم: ولا خلاف بين أهل العلم أن دية المسلم الذكر الحر هي: مائة من الإبل أو ما يقوم مقامها على ما سبق بيانه، وقد تقدمت أدلة هذا في ثنايا الكلام على أصول الدية. وأما الأنثى: فديتها نصف دية الذكر الحر المسلم بإجماع أهل العلم، وقد ورد من حديث معاذ مرفوعًا: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» (٤) وهو ضعيف، لكن صحَّ معناه عن جماعة من الصحابة، فعن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر: «أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك: فدية المرأة على النصف من دية الرجل» (٥). وفي الباب عن عليٍّ وابن مسعود بإسناد صحيح (٦).
следующие страницы →