← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

واستدلوا بحديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه ولا علمنا قائلًا، فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال «الكُبْرَ الكُبْرَ» فقال لهم: «تأتوني بالبينة على من قتله؟» قالوا: ما لنا بينة، قال: «فيحلفون» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة. قالوا: فأول ما طلب في دعوى القسامة البينة من جهة المدعى كسائر الدعاوى، فإن لم يكن ثم بينة للمدعى، وجهت الأيمان الخمسون إلى المدعى عليهم، فإن حلفوا برئوا وانتهت الخصومة وغرموا الدية (!!). قلت: وقول الجمهور أرجح، إذ لا مانع أن يكون طلب من المدعين البينة قبل تحليفهم، جمعًا بين الروايات، على أن من أهل العلم من اعتبر ذكر البينة - دون التحليف - وهمًا، لا سيما إن سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين في خيبر، والله أعلم. وأما قول الحنفية: «أن المدعى عليهم يحلفون ويغرمون الدية»!! فقال العلماء (١): ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة، أو الاستحقاق على مذهب من قال باليمين مع الشاهد. ثانيًا: الديات التعريف (٢): الديات: جمع دِيَة وهي لغةً: مصدر ودي القاتل القتيل، يَديِه دِيَةً: إذا أعطى وليه المال الذي هو بدَل عن النفس أو ما دونها. وفي الاصطلاح هي: المال الواجب أداؤه إلى المجني عليه أو وليه بسبب الجناية عليه في نفس أو فيما دونها. وتسمى كذلك «العَقْل» لوجهين: أحدهما: أنها تعقل الدماء أن تراق، والثاني: أن الدية كانت إذا وجبت وأخذت من الإبل تجمع فتعقل، ثم تساق إلى ولي الدم.

стр. 1752

ويطلق غالبًا على الدية في الجناية على ما دون النفس: «الأرش» فهو أخص من الدية بهذا المعنى، وربما يطلق «الأرش» على بدل النفس، فيكون بمعنى الدية. مشروعيتها: الأصل في مشروعية الدية الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها» (٢) وثمت أحاديث أخرى في هذا الباب تأتي في موضعها. وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة، والحكمة في وجوبها: هي صون بنيان الآدمي عن الهدم، ودمه عن الهدر (٣). لا تجب الدية إلا لمعصوم الدم: وعلى هذا اتفاق الفقهاء، فإذا كان المجني عليه مهدر الدم، كأن كان حربيًّا أو مستحق القتل حدًّا أو قصاصًا فلا تجب الدية بقتله لفقد العصمة. وأما الإسلام فليس شرطًا لوجوب الدية لا في القاتل ولا المقتول، فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلمًا أو ذميًّا أو مستأمنًا. وكذلك لا يشترط العقل والبلوغ، فتجب الدية بقتل الصبي والمجنون اتفاقًا، كما تجب في مالهما. الأصل في تقدير الدية شرعًا: أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل بنفسها في الدية، فلو دُفعت الدية منها قبلت، ولم يكن للمجني عليه أو وليه المطالبة بغيرها. ثم اختلفوا في غير الإبل، هل يكون أصلًا في الدية بنفسه، أو مقوَّمًا بالإبل، على أقوال: الأول: الأصل في الدية: الإبل، لا غير. وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد - وظاهر كلام الخرقى من الحنابلة - وابن المنذر وابن حزم (٤)، وحجتهم:

стр. 1753

١ - قوله ﷺ : «ألا إن دية قتيل الخطأ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» (١). ٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور ...» (٢) الحديث. ٣ - كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن - وبعث به مع عمرو بن حزم - وفيه: «... وأن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعِب جدعه الدية ...» (٣). ٤ - ولأن النبي ﷺ فرَّق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل. ٥ - ولأنه بدل متلف وجب حقًّا لآدمي، فكان متعينًا كعوض الأموال. قلت: وعلى هذا المذهب: فمن وجبت عليه الدية - وله إبل - فليس له ولا للولي العدول عنها إلا بالتراضي، ولو عُدمت - حسًّا - فيعدل إلى الذهب أو الفضة إما مقدرًا (ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم) وهو قول الشافعي الجديد، وأما ما يعادل قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها. وهو قول الشافعي القديم. القول الثاني: يعتبر الذهب والفضة أصلًا: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد (٤)، قالوا: الدراهم والدنانير مقدرة في الديات (ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم - عند الجمهور - أو عشرة آلاف درهم عند الحنابلة) يجوز أخذها مع وجود الإبل، وحجتهم ما يلي: ١ - رواية لكتاب النبي ﷺ الذي بعث به عمرو بن حزم: إلى أهل اليمن، وفيه: «أن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار» (٥).

стр. 1754

٢ - ما رُوي عن ابن عباس ﵄: «أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته: اثنى عشر ألفًا» (١). ٣ - أن عمر قام خطيبًا فقال: «ألا أن الإبل قد غلت، فتقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حُلَّة» (٢). القول الثالث: أصول الدية خمسة: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم: وهو مذهب أحمد والصاحبين من الحنفية (وفي رواية عن أحمد - وهو قول الصاحبين -: والحُلل (الثياب) فتكون الأصول ستة) وهذا قول عمر وعطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة وابن أبي ليلى (٣)، وحجتهم أثر عمر المتقدم. وعلى قولهم، يجزئ في الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار من الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم (وعند الحنفية: عشرة آلاف!! ولا أصل لقولهم هذا) أو مائتان من البقر، أو ألفا شاة، فأي شيء أحضره من عليه الدية من ذلك لزم المستحق أن يأخذه وليس له المطالبة بغيره. الترجيح: الذي يترجَّح لديَّ أن الأصل في تقدير الدية: الإبل، وما ورد في تقديرها بغير ذلك إنما هو على سبيل التقويم بالإبل، والخلاف إنما هو في كونها أصلًا أو لا، ويدلُّ على ذلك أثر عمر فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل، ولو كانت أصولًا بنفسها لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى، ويؤيد هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتِل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور» قال: «وكان رسول الله ﷺ يقوِّمها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقوِّمها على أهل الإبل: إذا غلت رفع قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق، قال: وقضي رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في

стр. 1755

الشاة ألفي شاة، وقضي رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، فما فضل فاللعصبة، وقضي رسول الله ﷺ أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منه شيئًا إلا ما فضل من ورثتها، وإن قُتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها» (١). فالحاصل: أن الأصل في تقدير الديات شرعًا الإبل، ولا يعني هذا أنها تتعين فلا تؤخذ قيمتها من غير الإبل، بل تؤخذ - في كل بلد - مما يناسبها مقدَّرة بقيمة الإبل، والله أعلم. أسباب وجوب الدية ومقاديرها: أولًا: القتل: وقد تقدم في «الجنايات» تعريفه، وأنه على ثلاثة أقسام: خطأ، وعمد، وشبه عمد. ١ - الدية في القتل الخطأ: تقدم في «الجنايات» أنه لا قصاص في القتل الخطأ - باتفاق الفقهاء - وإنما تجب الدية والكفارة، لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٣). مقدار دية المسلم: ولا خلاف بين أهل العلم أن دية المسلم الذكر الحر هي: مائة من الإبل أو ما يقوم مقامها على ما سبق بيانه، وقد تقدمت أدلة هذا في ثنايا الكلام على أصول الدية. وأما الأنثى: فديتها نصف دية الذكر الحر المسلم بإجماع أهل العلم، وقد ورد من حديث معاذ مرفوعًا: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» (٤) وهو ضعيف، لكن صحَّ معناه عن جماعة من الصحابة، فعن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر: «أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك: فدية المرأة على النصف من دية الرجل» (٥). وفي الباب عن عليٍّ وابن مسعود بإسناد صحيح (٦).

стр. 1756

وأما الخنثى: فإن كان المقتول خنثى مشكلًا، فقال المالكية والحنابلة: فيه نصف دية ذكر ونصف دية أنثى، وقال الحنفية: فيه دية أنثى ويوقف الباقي إلى التبيُّن). وقال الشافعية: فيه دية أنثى، لأن زيادته عليها مشكوك فيها (١). وأما الذمي والمستأمن: فاختلف العلماء في مقدارها على ثلاثة أقوال: الأول: دية الذمي على النصف من دية المسلم: وهو مذهب مالك وأحمد، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة وعمرو بن شعيب (٢)، وحجتهم: ١ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضي بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين» (٣). ٢ - وعن ابن عمر مرفوعًا: «أن دية المعاهد نصف دية المسلم» (٤). الثاني: دية الذمي ودية المسلم سواء: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال النخعي والشعبي، وهو مروي عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية - ﵃ (٥)، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾ (٦) قالوا: فأطلق سبحانه القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدلَّ على أن الواجب في الكل واحد. ٢ - ما رُوي من «أن عمرو بن أمية الضمري قتل مستأمنين، فقضي رسول الله ﷺ بدية حُرين من المسلمين» (٧). الثالث: دية الذمي على الثلث من دية المسلم: وهو مذهب الشافعي ورواية

стр. 1757

أخرى في مذهب أحمد، وهو مروي عن عمر وعثمان (!!) وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وإسحاق وأبو ثور (١)، وحجتهم: ١ - ما رُوي عن عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم» (٢) وهو ضعيف. ٢ - ما رُوي عن عمرو بن شعيب «أن رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم» (٣) وهو منقطع (معلَّق). والراجح: الأول، دية الكتابي نصف دية المسلم، لصحة الحديث المرفوع فيه، والله أعلم. فائدة: دية نساء أهل الذمة على النصف من دياتهم، وهذا لا خلاف فيه. على من تكون الدية في قتل الخطأ؟ لا خلاف بين أهل العلم في أن الدية في قتل الخطأ تتحملها «عاقلة» الجاني، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، فاختصموا إلى الرسول ﷺ ، فقضي بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم» (٤). المراد بالعاقلة: اختلف أهل العلم في تعيين العاقلة الذين تلزمهم في قتل الخطأ على قولين: الأول: هم عصبة الجاني، وهم أقرباؤه من جهة الأب وهم: الإخوة وبنوهم، ثم الأعمام وبنوهم، ثم أعمام الأب وبنوهم، ثم أعمام الجد وبنوهم، وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة، وابن حزم (٥) وحجتهم: ١ - حديث المغيرة بن شعبة: «أن رسول الله ﷺ قضي بالدية على العصبة» (٦).

стр. 1758

٢ - حديث أبي هريرة - في قصة المرأتين المقتتلتين - وفيه: «... ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضي رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها» (١). ٣ - حديث جابر قال: «كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، ثم كتب أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه» (٢). قال ابن حزم: فعُلم أنَّ أولياء الجاني الذين هم عصبته ومنتهاهم البطن الذي هو منهم. اهـ. ٤ - ما يُروى أن عمر بن الخطاب ﵁: «قضي على عليٍّ ﵁ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب ﵂» (٣) لأنه ابن أخيها دون ابنها الزبير، قالوا: واشتهر ذلك بينهم. ٥ - ولأن أقاربه أخص، إذ لهم غُنم الإرث فيلزمهم الغُرم. القول الثاني: العاقلة هم أهل الديون إن كان القاتل منهم: وإلا فعاقلته: قبيلته، وهو مذهب أبي حنيفة والليث والثوري، وقريب منه مذهب ابن تيمية ﵀ إذ قرر أن العاقلة هم الذين ينصرون الرجل ويعينونه ويختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، وأنهم غير محددين بالشرع، فقد يكونون من الأقارب أو من غيرهم ممن تحصل بهم النصرة (٤)، وحجتهم: ١ - حديث أبي هريرة: «فقضي رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها» (٥) قال شيخ الإسلام: فالوارث غير العاقلة. ٢ - «أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما دوَّن الدواوين جعل الدية على أهل الديوان» (٦) قالوا: وقد قضي عمر بذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه منكِر فكان إجماعًا (!!).

стр. 1759

فإن قيل: كيف يُظن بهم الإجماع على خلاف ما قضي به رسول الله ﷺ ؟! أجيب: بأن هذا اجتماع على وفاق ما قضي به رسول الله ﷺ ، قضي به على العشيرة باعتبار النصرة، وكان قوة المرء ونصرته يومئذٍ بعشيرته، ثم لما دوَّن عمر ﵁ الدواوين، صارت القوة والنصرة بالديوان. اهـ. قال شيخ الإسلام: وهذا أصح القولين، وأنها تختلف باختلاف الأحوال، وإلا فرجل قد سكن بالمغرب، وهناك من ينصره ويعينه، كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنهم، والميراث يمكن حفظه للغائب ... فالوارث غير العاقلة. اهـ. قلت: لو ثبت فعل عمر ﵁ لكان للقول الثاني وجاهته، لأنه قد يقال في أدلة الأولين أن جعل النبي ﷺ الدية على العصبة باعتبار النصرة لا النسب، لكن الظاهر عدم ثبوته، بل قد ورد عنه خلاف، فقد روُي أن عمر أمر عليًّا - في جناية جناها عمر - «أن يقسم عقله على قريش» يعني: يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ (١)، وسنده ضعيف كذلك، فيترجح قول الجمهور، والله أعلم. وهل يدخل الأب والابن مع العاقلة؟ ذهب المالكية والحنابلة في مشهور المذهب - وهو قول عند الحنفية - إلى أن الأب والابن يدخلان مع العاقلة؛ لأنهم من العصبة، ولأن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله. وذهب الشافعية وهو الرواية الثانية عند الحنابلة وقول عند الحنفية إلى أنهما لا يدخلان مع العاقلة؛ لأنهما أصله وفرعه، فكما لا يتحمل الجاني لا يتحملان. قلت: لعل هذا الأخير يؤيده حديث جابر في قصة اقتتال المرأتين وفيه: «... فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلتها، وبرَّأ زوجها وولدها، قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال ﷺ : «ميراثها لزوجها وولدها» (٢) ففيه التصريح بتبرئة الابن من الدية، ويقاس الأب عليه والله أعلم. والحكمة في وجوب دية الخطأ على العاقلة - مع أن الأصل أن يتحملها الجاني نفسه - أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كبيرة، فإيجابها في مال الجاني

стр. 1760

يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفًا (١). وهل يدخل القاتل في تحمل الدية مع العاقلة؟ ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجاني يتحمل الدية مع العاقلة فيكون كأحدهم لأن الوجوب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره، ولأنهم تحملوا جنايته فكان هو أحق بالتحمل. وقال الشافعية والحنابلة: لا يتحمل الجاني مع العاقلة لأن النبي ﷺ قضي بالدية على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها. قلت: ولعل هذا أرجح لأن الأصل حرمة مال المسلم إلا بنص، وهذا مذهب ابن حزم. أداء الدِّية مؤجلة: قال الترمذي ﵀: وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية. اهـ. وقد قضي عمر وعليٌّ وابن عباس ﵄ بجعل دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، فاتبعهم على ذلك أهل العلم، إلا أن أصحاب المذاهب الفقهية فهموا من هذا وجوب هذا التأجيل (!!) (٢) وكل ما يمكن فهمه من قضاء الصحابة ومن نقل الإجماع أنه يشرع للعاقلة تأدية الدية مؤجلة في ثلاث سنين تخفيفًا عليهم، وهذا حيث تكون المشقة، فإن كانوا مياسر ولا ضرر عليهم في التعجيل فإنها تؤخذ حالًا، فالتأجيل إذن ليس بواجب بل تعجل وتؤجل بحسب الحال والمصلحة كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣). صفة الدية إذا كانت من الإبل (٤): «إذا كانت الدية من الإبل فإنها تؤدي في القتل الخطأ أخماسًا عند الأئمة

стр. 1761

الأربعة وهي: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة (اتفاقًا) واختلفوا في العشرين الباقية: فقال الحنفية والحنابلة: هي من بني المخاض لما ورد عن ابن مسعود مرفوعًا: «في دية الخطأ: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكر» (١). وأما المالكية والشافعية فقالوا في العشرين الباقية، هي من بني اللبون، وهو قول عمر بن عبد العزيز والزهري والليث وربيعة، «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودي الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة» (٢) وليس فيها ابن مخاض. بينما ذهب طاوس إلى أن الدية تكون أرباعًا على نحو ما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من قُتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور ...» (٣). ٢ - الدية في القتل شبه العمد: اتفق القائلون بالقتل شبه العمد على أنه موجب لدية مغلظة لقوله ﷺ : «ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها» (٤). وتجب على العاقلة: عند جمهور القائلين بشبه العمد، لحديث أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضي رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها» (٥). ولشبهة عدم القصد، لوقوع القتل بما لا يُقصد به القتل عادة، أو لا يقتل غالبًا، فكانت كالخطأ. ويشترك الجاني في تحملها عند الحنفية خلافًا للشافعية والحنابلة.

стр. 1762

وتؤدَّى مؤجلة في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثها، على نحو ما تقدم في قتل الخطأ. ولا تغلظ الدية في غير الإبل: عند الفقهاء؛ لأنها مقدرة، ولم يرد النص في غير الإبل، فيقتصر على التوقيف (١). ٣ - الدية في القتل العمد (٢): الأصل أن القتل العمد موجب للقصاص كما تقدم في «الجنايات» لكن إذا سقط القصاص عن الجاني، إما لعفو أولياء القتيل أو غير ذلك مما تقدم، فإنه تجب الدية إما بالصلح (برضا الجاني) كما يقول الحنفية والمالكية، وإما بدلًا عن القصاص (ولو بغير رضا الجاني) كما هو المعتمد عند الشافعية فليست الدية عقوبة أصلية للقتل العمد. وذهب الحنابلة - وهو قول عند الشافعي - إلى أن الدية عقوبة أصلية بجانب القصاص في القتل العمد، فالواجب عندهم أحد شيئين: القود أو الدية، ويخيَّر الولي بينهما، ولو لم يرض الجاني. والدية في قتل العمد مغلظة، سواء أوجب فيه القصاص وسقط بالعفو، أو لشبهة أو نحوهما، أم لم يجب أصلًا كقتل الوالد ولده، واختلفوا في كيفية تغليظها. قلت: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «من قتل متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفَة، وما صولحوا عليه فهو لهم» وذلك لتشديد العقل (٣). فينبغي العمل به، لهم أن يصالحوا على أكثر من ذلك للحديث، والله أعلم. دية العمد تجب من مال القاتل: ولا خلاف في هذا بين أهل العلم فلا تحمله العاقلة، ويؤيد هذا: ١ - حديث أبي رمثة التيمي قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال: ابنك؟ قلت: اشْهَد به، قال: «لا يجني عليك ولا تجني عليه» (٤). ٢ - ولأن العامد لا عذر له، فلم يخفف بحمل العاقلة.

стр. 1763

ولا تؤجل الدية في القتل العمد: وهذا مذهب الجمهور - خلافًا للحنفية - لأن الأصل وجوب الدية حالًا، والتأجيل في الخطأ ثبت معدولًا به عن الأصل، لإجماع الصحابة ﵃، أو معلولًا بالتخفيف على القاتل حتى تحمل عنه العاقلة، وأما العامد فيستحق التغليظ، ولهذا وجب في ماله لا على العاقلة. ثانيًا: الجناية على ما دون النفس: وتجب الدية في الاعتداء على ما دون النفس إذا سقط القصاص أو لم يمكن استيفاؤه، وموجبات الدية ثلاثة أقسام: ١ - دية الأعضاء: اتفق الفقهاء - في الجملة على أن في قطع ما لا نظير له في بدن الإنسان كالأنف واللسان والذكر والحشفة والصلب إذا انقطع المني، ونحو ذلك، دية كاملة. ومن أتلف ما في البدن منه شيئان كالعينين والأذنين واليدين والرجلين والشفتين والثديين والخصيتين ونحو ذلك ففيهما معًا دية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية. ومن أتلف ما في الإنسان منه أربعة أشياء كأشفار العينين والأجفان ففيهما الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية. وما في الإنسان عشرة أشياء كأصابع اليدين والقدمين ففي جميعها الدية كاملة، وفي كل أصبع عُشر الدية، وما في الأصابع من المفاصل ففي أحدها ثلث دية الأصبع، ونصف دية الأصبع فيما فيها مفصلان (وهي الإبهام خاصة). وفي جميع الأسنان دية كاملة، وفي كل سن خَمْس من الإبل، وهذا في الجملة وهناك تفريعات مبثوثة في كتب الفروع (١). والأصل فيما تقدم، ومستند هذا الاتفاق ما ورد في كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن الذي بعث به عمرو بن حزم، وفيه: «... وأن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية،

стр. 1764

وفي المنقلة خمس عشر من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وأن الرجل يُقتل بالمرأة ...» (١). قلت: وإسناده ضعيف إلا أن العمل عليه، وقد صحَّ في بعض ذلك أحاديث: - فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «دية الأصابع اليدين والرجلين سواء، في كل أصبع عشر من الإبل» (٢). - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «في الأصابع عشرٌ، عشرٌ» (٣). - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه وهذه سواء، وهذه وهذه سواء، الخنصر والإبهام، [والضِّرس والثنية]» (٤). ٢ - دية الجروح: (أ) الشجاج (جراح الرأس والوجه): ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو وجه عند الشافعية) إلى عدم وجوب دية (أرش) مقدرة فيما يكون أقل من الموضَّحة، وهي الحارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق (٥)، وإنما يجب في كل من هذه الشجاج حكومة عدل، لأنه ليس فيها أرش مقدر، ولا يمكن إهدارها فتجب الحكومة (٦)، وهي: ما يدفع للمجني عليه من قبل الجاني باجتهاد القاضي أو بتقدير أهل الخبرة. قال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ قوله أن معنى قولهم: «حكومة» أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم: كم قيمة هذا لو كان عبدًا قبل أن يُجرح هذا الجرح؟ أو يضرب هذا الضرب؟ فإن قيل: مائة دينار، قيل: كم قيمته وقد أصابه هذا الجرح وانتهى برؤه؟ فإن قيل: خمسة وتسعون دينارًا، فالذي

стр. 1765

يجب للمجني عليه على الجاني نصف عُشر الدية، وإن قالوا: تسعون دينارًا، ففيه عُشر الدية، وما زاد ونقص ففي هذا المثال. اهـ (١). وأما الموضحة والهاشمة والمنقلة والآمة ففي كلٍّ منها أرش مقدر: الموضحة: اتفق الفقهاء على أن في الموضحة نصف عشر الدية (أي: خمس من الإبل) في الحر الذكر المسلم (٢). فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الأصابع عشر، وفي المواضح خمسٌ خمسٌ» (٣). وتقدم في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الموضحة خمس من الإبل». ويستوي الرجل والمرأة في موضحتهما، فعن ابن مسعود في جراحات المرأة والرجل قال: «يستويان في الموضحة، وفيما سوى ذلك على النصف» (٤). وقد نصَّ على ذلك الحنابلة. الهاشمة (٥): لم يرد في تحديد أرش الهاشمة سنة ولا إجماع، ولذا اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب جمهورهم إلى أن فيها عُشر الدية، وهو عشرة من الإبل، وهو مذهب الحنفية والحنابلة وهو قول الشافعية (إذا كانت مع الإيضاح) وقول عند المالكية، وهو مروي عن زيد بن ثابت وقتادة والثوري. وأما الهاشمة دون الإيضاح ففيها عند الشافعية خمسة أبعرة، وقيل حكومة. وقال ابن المنذر: تجب في الهاشمة الحكومة إذ لا سنة فيها ولا إجماع، فتجب فيها الحكومة كما تجب فيما دون الموضحة، وهو قول آخر للمالكية، وعندهم قول ثالث أن فيها عُشر الدية ونصفه (خمسة عشر من الإبل)!!

стр. 1766

المنقلة (١): ولا خلاف في أنه يجب في المنقلة عُشر الدية ونصفه (خمسة عشر بعيرًا) وقد حكي ابن المنذر الإجماع على ذلك، ومستند الإجماع ما في حديث عمرو بن حزم: «.. وفي المنقلة: خمس عشرة من الإبل» (٢). المأمومة (٣): أو الآمة، ويجب فيها ثلث الدية عند الجمهور: (الحنفية والمالكية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية) لما في حديث عمرو بن حزم: «في المأمومة: ثلث الدية» (٤). وفي قول عند الشافعية نقله النووي عن الماوردي: أن فيها ثلث الدية وحكومة (!!). الدامغة (٥): وهي الشجة التي تتجاوز عن الآمة فتخرق الجلدة وتصل إلى الدماغ وتخسفه، وغالبًا ما يموت المجني عليه بها، ولذا لم يذكرها بعض الفقهاء في بحث الشجاج، وعلى كلٍّ فلو لم يمت المجني عليه بعد الدامغة فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية - في المعتمد - والحنابلة - في المذهب - والشافعية في الأصح) إلى أن فيها ما في المأمومة (ثلث الدية). وفي قول عند الشافعية والحنابلة: تجب ثلث الدية وحكومة، وفي قول عند المالكية: تجب في الدامغة حكومة عدل. (ب) الجراح في غير الوجه والرأس (٦): اتفق الفقهاء على أنه لا يجب أرش مقدَّر في سائر جراح البدن، باستثناء الجائفة، وإنما تجب فيها حكومة، وذلك أنه لم يرد فيها نص من الشرع، ويصعب ضبطها وتقديرها. وأما الجائفة: وهي ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو غير

стр. 1767

ذلك، فاتفقوا على أن فيها ثلث الدية، سواء أكانت عمدًا أم خطأ لما في حديث عمرو بن حزم: «... وفي الجائفة ثلث الدية» (١). كما اتفقوا على أن الجائفة إذا نفذت من جانب لآخر تعتبر جائفتين، فيهما ثلثا الدية. ٣ - دية المنافع والمعاني (٢): الأصل في دية المعاني - فضلًا عما ورد في بعضها من نصوص - أنه إذا فوَّت جنس منفعة على الكمال، أو أزال جمالًا مقصودًا في الآدمي على الكمال يجب كل الدية؛ لأنه فيه إتلاف النفس من وجه، إذ النفس لا تبقى منتفعًا بها من هذا الوجه، وإتلاف النفس من وجه ملحق بالإتلاف من كل وجه في الآدمي تعظيمًا له. وهذا الأصل كما هو معتبر في الأعضاء، مطبَّق كذلك في إذهاب المعاني والمنافع من الأعضاء، وإن كانت باقية في الظاهر، ومما تجب فيه الدية من المعاني: العقل والنطق، وقوة الجماع، والإمناء في الذكر، والحَبَل في المرأة، والسمع، والبصر، والشم والذوق واللمس. وهذا إذا أتلفت المعاني دون إتلاف الأعضاء المشتملة عليها، فإن تلف العضو والمنفعة معًا ففي ذلك دية واحدة، وإن أتلفهما بجنايتين منفردتين تخللهما البرء، فدية كل عضو أو منفعة بحسب الحالة. وتفريعات هذه المسألة وتفاصيلها مبثوثة في كتب الفروع (٣). ثالثًا: دية الجنين: إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه المسلمة، فديته (غرة) سواء انفصل من أمه وخرج ميتًا، أم مات في بطنها، وسواء كانت الجناية عمدًا أم خطأ، ولو من الحامل نفسها أو من زوجها، وسواء كان ذكرًا أو أنثى (٤). والغُرَّة: نصف عُشر الدية، وهي: خمس من الإبل، ولا تختلف بذكورة الجنين وأنوثته، فهي في كليهما سواء (٥).

стр. 1768

- فعن أبي هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى الرسول ﷺ ، فقضي أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضي بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه» (١). - وعن المغيرة بن شعبة أن امرأة ضربتها ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، وهي حُبلى فأتى فيها النبي ﷺ ، فقضي فيها على عصبة القاتلة بالدية في الجنين غُرَّة، فقال عصبتها: أنَدى ما لا طَعِم ولا شرب ولا صاح ولا استهل؟! مثل ذلك يُطَلُّ، فقال رسول الله ﷺ : «سجع مثل سجع الأعراب» (٢). وإن كانت الحامل مُعَاهَدة: كتابية أو ذمية أو مجوسية ممن لهن أمان، ففي جنينها عُشر دية أمه؛ لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعُشر دية أمه، فكذلك جنين الكافرة بالنسبة لأمِّه (٣). إذا ألقت جنينها حيًّا ثم مات: أما إذا ألقته في حياتها حيًّا حياة مستقرة ثم مات نتيجة للجناية، ففيه دية كاملة اتفاقًا، لأنه قتل إنسان حي (٤). وإذا ألقته نتيجة للجناية عليها ميتًا بعد موتها: فاختلفوا فيه (٥): (أ) فقال الحنفية والمالكية: في الأم الدية، ولا شيء في الجنين؛ لأن موتها سبب في موته لأنه يختنق بموتها، واحتمل موته بالضربة، فلا تجب الغرة بالشك!!. (ب) وقال الشافعية والحنابلة: في الأم الدية، وفي الجنين غُرَّة؛ لأنه جنين تلف بجناية وعلم بخروجه فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتها، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه كما لو خرج حيًّا. قلت: وهذا أرجح لظاهر حديث أبي هريرة، والله أعلم.

стр. 1769

١٥ - كتاب البيوع

стр. 1770

كتاب البيوع (*) البيوع: جمع للبيع، والبيع مصدر، والمصادر لا تُجْمع. لكن جُمع لملاحظة اختلاف أنواعه. تعريفه: لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، حيث قد أخذوه من الباع الذي تُمَدُّ [إذْ إنْ كل واحد من المتعاطيين يَمُدُّ باعه إلى الآخر] (١) إما لقصد الصفقة، أو للتقابض على المعقود عليها من الثمن والمثمن (٢). واصطلاحًا (شرعًا): اختلف الفقهاء في تعريفه؛ لكنْ قل أن يسلم تعريف منها. ولعل أجمع تعريف هو: "مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة -كممر في دار بمثل أحدهما- على التأبيد غير ربا وقرض" (٣). فقوله "مبادلة مال": المراد بالمال، كل عين مباحة النفع بلا حاجة (كالذهب والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، والأواني، والعقارات، وغيرها). -وقوله "ولو في الذمة": معناه أن العقد قد يقع على شيء معين، وقد يقع على شيء في الذمة، فإذا قلتُ: بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب فهذا بيع معين بمعين، وإذا قلتُ: بعتُك هذا الكتاب بعشرة ريالات فهذا بيع معين بما في الذمة. وهذا يشمل أيضًا: بيع ما في الذمة بما في الذمة. - وقوله "أو منفعة مباحة": معناه مبادلة مال بمنفعة مباحة -كبيع ممر في دار- خرج به محرمة النفع كآلات المعازف وغيرها. - وقوله "بلا حاجة": احترازًا مما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة: كإباحة الميتة للمضطر، وكلب الصيد للحاجة. - قوله "بمثل أحدهما": معناه مبادلة المال ولو في الذمة أو المنفعة بمثل أحدهما.

стр. 1771

- قوله "على التأبيد": معناه مع أن يكون هذا التبادل على التأبيد وذلك احترازًا من الإجارة. - قوله "غير ربا": الربا لا يسمى بيعًا وإن وجد فيه التبادل لأن الله جعله قسيمًا للبيع، وقسيم الشيء ليس هو الشيء قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. - قوله "وقرض": أى: وغير قرض، لأن القرض لا يسمى بيعًا وإن وجدتْ فيه المبادلة، وذلك أن المقرض والمستقرض لم ينو أحد منهما المفاوضة، إنما قصد المقرض الإرفاق وقصد المستقرض سد حاجته ولهذا صار القرض ليس بيعًا (١). • الحاكم التكليفى للبيع: "اتفق الفقهاء على أن البيع مشروع على سبيل الجواز. دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. • أما الكتاب: ١ - فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). ٣ - وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). • وأما السنة: ١ - فمثل قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٥). ٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبع بعضكم على بيع بعض" (٦). ٣ - وعنه ﵄ أن رجلًا ذكر للنبى ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة"، أي: لا خديعة (٧).

стр. 1772

• وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة. • وأما المعقول: فلأن الحكمة تقتضيه، لتعلق حاجة الإنسان بما في يد صاحبه، ولا سبيل إلى المبادلة إلا بعوض غالبًا ففى تجويز البيع وصول إلى الغرض ودفع للحاجة" (١). الترغيب في كسب الحلال والأكل منه والترهيب من كسب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك: عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبى الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده" (٢). وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم أحبُلَهُ، فيأتى بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكفَّ بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (٣). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلاطيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (٤). • الترغيب في البكور فى طلب الرزق: عن صخر بن وداعة الغامدى -الصحابي- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لأمتى في بكورها" وكان إذا بعث سرية، أو جيشًا بعثهم في أول النهار وكان صخر تاجرًا فكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله (٥).

стр. 1773

• الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والمعيشة: عن عبد الله بن سرجس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "السمت الحسنُ والتؤَدَةُ والاقتصاد جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة" (١). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له فأجملوا في الطلب: أخْذِ الحلال، وترك الحرام" (٢). • الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضى والقضاء: عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى" (٣). • ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف: عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدق البيعان وبيّنا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا، يمحقا بركة بيعهما، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة وممحقة للبركة" (٥). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رجلًا أقام سلعة وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعْطى بها ما لم يُعْط ليُوقع فيها رجلًا من المسلمين. فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٦). • ترغيب التجار في الصدقات تكفيرًا لما قد يقع منهم -كغش أو كتمان عيب أو سوء خلق-: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف،

стр. 1774

فشوبوه بالصدقة" (١) وفي لفظ: "يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة" (٢). • الترغيب في كتابة الدين ومقدار الدين المؤجل والإشهاد على البيع نسيئة الأجل أو على كتابة الدين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣). وعن عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العدَّاء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله ﷺ قال: قلت: بلى فأخرج لي كتابًا: "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم المسلم" (٤). قال التهانوى: "وكتابة البيع مستحبة كالإشهاد عليه .. ويختص ذلك بما له خطر، فأما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبههما فلا يستحب ذلك فيها: لأن العقود فيها تكثر فيشق الإشهاد عليها .. " (٥) اهـ. • الترغيب في الورع وترك الشبهات: عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلال بيِّن والحرام بين، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعى يرعى حول الحمى؛ يوشِك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكل مَلك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" (٦). • الترغيب في ذكر الله تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة: عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيى ويميت، وهو حى لا

стр. 1775

يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف في درجة" (١). • الترهيب من بخس الكيل والوزن: عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك (٢). • الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ومن غشنا فليس منا" (٣). وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ مَرَّ على صُبْرَة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا. فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام" قال: أصابته السماءُ يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا" (٤). • الترغيب في إنظار المعسر: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (٥). • التفقه في الدين قبل الدخول في التجارة: قال ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٦). قال الشوكانى: "التفقه في الدين مأمور به في كتاب الله ، وفي صحيح الأخبار عن رسول الله ﷺ وليس ذلك بخاصٍّ بنوع من أنواع الدين، بل في كل أنواعه، فيندرج تفقه التاجر للتجارة تحت الأدلة العامة ولا شك أن أنواع الدين تختلف باختلاف الأشخاص دون بعض، فمثلًا التاجر المباشر للبيع والشراء، أحوج لمعرفة ما يرجع إلى ما يلابسه من غيره ممن لا يلابس البيع إلا نادرًا .. " اهـ (٧).

стр. 1776

وقال النووى: "يحرم الإقدام عليه (البيع) إلا بعد معرفة شرطه" (١). قلت: لأن إقدامه على البيع والخوض في مضماره دون معرفة ما يستطيع التمييز به بين المباح والحرام ذريعة إلى أكل الحرام، فعلى كل عاقل قبل أن يدخل في هذا المجال أن يتعلم أحكامه. والله أعلم. أركان البيع أو كيفية انعقاده أو صفة العقود • للفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تصح إلا بالصيغة (الإيجاب والقبول) وهو الأصل في العقود، سواء في ذلك البيع والإجارة والهبة والنكاح، والعتق، وغير ذلك. وهذا ظاهر قول الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد وبه قطع الجمهور. والأصل في انعقاد البيع عند أصحاب هذا القول: هو اللفظ، لأن الأصل في العقود -هو التراضى المذكور في قوله: "إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" والمعانى التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب. وعليه: لا تصح عندهم المعاطاة في قليل أو كثير لأنها تحتمل وجوهًا كثيرة. وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا (٢). القول الثاني: أن العقود تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة في المحقرات دون الأشياء النفيسة، وكالوقف في مثل من بني مسجدًا، وأَذِنَ للناس في الصلاة فيه، وكبعض أنواع الإجارة؛ كمن دفع ثوبه إلى غسال، أو خياط يعمل بالأجرة ونحو ذلك، وبه قال أبو حنيفة وابن سريج وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي. وحجتهم: ١ - أن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس. ٢ - أن الناس من لدن النبي ﷺ وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود (٣). القول الثالث: أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل. فكل ما عدَّه الناس بيعًا وإجارة فهو بيع وإجارة؛ وإن اختلف اصطلاح الناس في

стр. 1777

الألفاظ والأفعال، انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا لغة بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس، كما تتنوع لغاتهم. وهذا هو الغالب على أصول مذهب مالك، وظاهر مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وقال به صاحب الشامل والمتولى والبغوى والرويانى من الشافعية وهذا القول هو الراجح. واختاره ابن قدامة وشيخ الإِسلام ابن تيمية ورجحه ابن عثيمين رحم الله الجميع. • فائدة: قال شيخ الإِسلام: وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد - من أنه لا ينعقد (العقد) إلا بهذين اللفظين (الإيجاب والقبول) بعيد عن أصولهما (١). • واستدلوا بأدلة منها: ١ - أن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد من الشرع ما ينقل عن ذلك ولم يرد. ٢ - أن الله تعالى أحل البيع ولم يبين كيفيته؛ فوجب الرجوع فيه إلى العرف: كالقبض المذكور في قوله ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" (٢). ٣ - أن الله تعالى اكتفى بالتراضى في البيع في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وبطيب النفس في التبرع في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤) ولم يشترط لفظًا معينًا، ولا فعلًا معَينًا يدل على التراضي، وعلى طيب النفس، ومعلوم بالاضطرار من عادات الناس أنهم يعلمون التراضى وطيب النفس بطرق متعددة. ٤ - عدم النقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم تحديد صيغة معينة. ٥ - أن البيع والشراء مما تعم به البلوى ويعظم خطره، فلو كان الإيجاب والقبول شرطًا لصحته لبينه ﷺ بيانًا كافيًا لإفضاء إخفاء الحكم إلى أكل أموال الناس بالباطل (٥).

стр. 1778

انعقاد البيع بالمعاطاة • صور بيع المعاطاة: له ثلاث صور: ذكرها شيخ الإسلام ﵀: الأولى: أن يصدر من البائع إيجاب لفظى فقط، ومن المشترى أخْذ، كقوله خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه، وكذلك لو كان الثمن معيّنا؛ مثل أن يقول: خذ هذا الثوب بثوبك فيأخذه. الثانية: أن يصدر من المشترى لفظ، ومن البائع إعطاء، سواء كان الثمن معينًا أو مضمونًا في الذمة أن لا يلفظ واحد منهما؛ بل هناك عُرْف بوضع الثمن وأخذ المثمن" اهـ (١). والمعاطاة: هى إعطاء كل من العاقدين لصاحبه ما يقع التبادل عليه دون إيجاب. ولا قبول: أو بإيجاب دون قبول، أو عكسه. - ويصح بها البيع في القليل والكثير: عند الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية كما تقدم، خلافًا لغيرهم (٢). • القول في شروط صيغة العقد: قلت: مما سبق تبين أن عقد البيع ليس له صيغة معينة وأنه ينعقد بكل ما دل على مقصوده من قول أو فعل، وعلى هذا فما اشترطوه من شروط لصيغة العقد نحو: "١ - اتصال كل منهما بالآخر في المجلس دون أن يحدث بينهما فاصل مضر. ٢ - أن يتوافق الإيجاب والقبول فيما يجب التراضى عليه فلو اختلفا لم ينعقد العقد. ٣ - أن يكون بلفظ الماضي، أو بلفظ المضارع إن أريد به الحال مثل: أبيع وأشترى" (٣). غير مسلّم بها وذلك لوجوه: (أ) عدم قياس الدليل على اعتبارها. (ب) بطلان أصلها (الإيجاب والقبول) ومعلوم أن الأصل إذا بطل لحقه الفرع. والله أعلم.

стр. 1779

انعقاد البيع بالكتابة والمراسلة يصح التعاقد بالكتابة بين حاضرين أو باللفظ من حاضر والكتابة من الآخر، وكذلك ينعقد البيع إذا أوجب العاقد البيع بالكتابة إلى غائب بمثل عبارة: بعتُك دارى بكذا. أو أرسل بذلك رسولًا فقبل المشترى بعد اطلاعه على الإيجاب من الكتاب أو الرسول. وبه قال الشافعية لكنْ اشترطوا: أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب (الفور من القبول). وصرح الحنابلة: بأن التراضى لا يضر في الإيجاب والقبول. لأن التراخى مع غيبة المشترى لا يدل على إعراضه عن الإيجاب (١). وفي فتح القدير: " .. أنه إذا بلغه الكتاب أو الرسالة فقال قبلت أو اشتريت تم البيع بينهما، لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، لأن النبي ﷺ كان يبلغ تارة بالكتاب وتارة بالخطاب وكان ذلك سواء في كونه مبلغا" (٢). قال الشوكانى: "وأما .. صحة البيع بالكتابة فصحيح لأنها من جملة المشعرات بالرضا وطيبة النفس" (٣). انعقاد البيع بالإشارة من الأخرس وغيره الإشارة من الأخرس على نوعين: • إشارة مفهومة وبها ينعقد ولو كان قادرًا على الكتابة وهذا هو المعتمد عند الحنفية لأن كلًا من الإشارة والكتابة حجة. • إشارة غير مفهومة، وهذه لا عبرة بها. وأما الإشارة من الناطق فغير مقبولة عند الجمهور خلافًا للمالكية. وأما منْ طرأ عليه الخرس ففيه خلاف (٤). قلت: والظاهر قبول إشارته حال مرضه إذا كانت مفهومة والله أعلم.

стр. 1780

شروط البيع * يجب أن يتوافر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط حتى يقع صحيحًا وهي: - شروط انعقاد. - شروط صحة. - شروط نفاذ. - شروط لزوم. والقصد من هذه الشروط في الجملة منع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفى الغرر (الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة (١). أولًا: شروط الانعقاد وبتحقق شروط الانعقاد يصير العقد منعقدًا شرعًا وإلا كان باطلًا، وهذه الشروط أربعة: • شروط متعلقة بالعاقد. • وشروط تتعلق بالمعقود عليه. أولًا: الشروط المتعلقة بالعاقد: اثنان: ١ - أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو من جمع صفات أربع (الحرية، والبلوغ، والعقل، والرشد). • أما الحرية: فلقوله ﷺ : "من باع عبدًا له مال فمالُه لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع" (٢) وعليه فلا يصح بيع العبد إلا بإذن سيده، لأنه ملك لسيده وكذا ما في يده. • وأما البلوغ: فلقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) فاشترط الله لرفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد. وقال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (٤). وبهذا خرج الصبى.

стр. 1781

• هل ينعقد بيع الصبي؟ - أما الصبي غير المميز فبيعه غير منعقد إذا باع كما عند الشافعية (والحنفية) (١). - وأما الصبي المميز فبيعه فيه خلاف، حاصله: الأول: لا يصح بيعه سواء أذن له الولى أم لا؛ لأنه غير مكلف فأشبه غير المميز وهذا قول الشافعية وبه قال أبو ثور. الثاني: يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه وبه قال: أحمد وإسحاق وأبو حنيفة والثورى وقيَّد ابن المنذر قول أحمد وإسحاق بالشىء اليسير فقط قال في الإنصاف: وهو الصحيح في الجملة (٢). الثالث: يجوز بغير إذنه. ويقف على إجازة الولي. وهو رواية عن أبي حنيفة. • القول في تصرفات الصبي المميز: تصرفات الصبى المميز -الذي لم يبلغ- على ثلاثة أنواع: ١ - ما فيه منفعة خالصة له -كالهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين وغير ذلك- فهي صحيحة بناء على الأصل في مراعاة منفعته. ٢ - ما فيه ضرر خالص -كأن يهب من ماله وغير ذلك فتصرفه غير صحيح. لأنه ليس أهلًا للتصرف في ماله لقصور عقله، وقد قال الله تعالى لولى مال اليتيم ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣). ٣ - ما تردد بين المنفعة والضرر -كمزاولة البيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة وغير ذلك. فهذا النوع من العقود صحيح منه إذا أذن الولي؛ بإذنه يجبرُ النقص في أهلية الأداء عند الصبي (٤). القول الراجح: قلت الظاهر والله تعالى أعلم أن تصرفات الصبى المميز غير صحيحة. لأن الشارع علق صحة التكليف على البلوغ الدال على وجود العقل وكماله.

стр. 1782

قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وقال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم" والله أعلم اهـ. لكن "إذا كان له ولي وأذن له بالتصرف فالمعتبر هنا هو الإذن الصادر عن الولى لا مجرد تصرف المكلف وقد أمر الله الولي بأن يُملَّ عنه وجعل تصرفاته إليه قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (١). • هل ينعقد بيع السفيه؟ تعريف السفه: هو اختلال في العقل يصير صاحبه مختلطًا، يُشبه حاله أحيانًا حال العُقلاء، وأحيانًا حال المجانين (٢). انعقاد بيعه: اختلف العلماء في ذلك على قولين: (أ) أن بيعه غير صحيح وهو قول الشافعية (٣). (ب) أنه يصح في الشيء اليسير وبغير إذن الولى وعليه أكثر الحنابلة (٤). وأقول: السفيه له حالان: أن يلحق بالمجنون حين تغلب عليه أوصاف الجنون وفي هذه الحالة لا ينعقد بيعه. وأن يلحق بالعاقل حين تغلب عليه أوصاف العقلاء وعليه فبيعه صحيح لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة. . . . وعن المعتوه حتى يعقل" (٥) والله أعلم. • هل ينعقد بيع الأعمى؟ على قولين: الأول: لا يصح بيعه وشراؤه وإجارته ورهنه ومساقاته ونحوها من المعاملات على الصحيح من مذهب الشافعية وذلك لأنه لا طريق له إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب وبه يقول ابن حزم (٦).

стр. 1783

الثاني: يجوز إذا وصفه له غيره، فيقوم وصفه له مقام رؤيته وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد (١). واشترط ابن حزم رؤية السلعة أو وصفها (٢) وقال الشوكانى بصحته لحصول التراضى وطيب النفس اللذان هما المناط لصحة البيع (٣). قلت: والقول الثاني أوجه والله أعلم. • وأما العقل: فلقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: .. وعن المجنون حتى يعقل" (٤)، وخرج به الجنون. • وأما الرشد: فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٥). والرشيد: هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه. وخرج به: السفه (٦) وباشتراطه قالت المالكية والشافعية والحنابلة (٧). وقد تقدم القول في انعقاد بيع السفيه هل ينعقد بيع السفيه؟ ٢ - أن يكون كل من المتعاقدين ومالكًا للمعقود عليه أو قائمًا مقام مالكه (٨): وهو قول المالكية والحنابلة. قال ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" (٩). أى: لا تبع ما ليس في ملكك من الأعيان. قال الوزير: "اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له، وأنه باطل" اهـ. • تنبيه: اشترطت الحنفية أن يكون العاقد متعددًا، فلا ينعقد البيع بشخص

стр. 1784

واحد، بل يلزم أن يكون الإيجاب من شخص، والقبول من شخص آخر، إلا الأب ووصيه والقاضى والرسول من الجانبين، يكون كل منهم بائعًا ومشتريًا بنفسه هذا شرط لا دليل عليه. قال الشوكاني: "وقد عرفناك أن المناط هو الرضا، فيصح أن يتولى ذلك واحد وقد ثبت عنه ﷺ أنه تولى عقد النكاح للزوجين. [فعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ " قال: نعم، وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانًا؟ " قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبهُ. . . . الحديث] (١) والحاصل أن الأصل عدم المانع، فمن ادعى وجوده فعليه البيان (٢). قلت: ونحوه ما علقه البخاري بصيغة الجزم "أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف أنه خطبني غير واحد فزوجني أيهم رأيت، قال: وتجعلين أمرك إليَّ، قالت: نعم. قال: قد تزوجتك" قال ابن أبي ذئب: فجاز نكاحه (٣). بيع الفضولي (*) • تعريف الفضولي: لغة: من يشتغل بما لا يعنيه. اصطلاحًا: هو من لم يكن وليًا ولا أصيلًا ولا وكيلًا في العقد أو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعى خرج به: الوكيل والوصى ونحوهما. ولفظ الفضولى عند الفقهاء: يتناول كل من يتصرف بلا ملك ولا ولاية ولا وكالة، كالغاصب إذا تصرف في المغصوب بالبيع أو غيره ... وكالزوج يبيع ما تملكه زوجته دون إذنها. • حكمه التكليفى: - من قال ببطلانه ذهب إلى القول بحرمة الإقدام عليه.

стр. 1785

- ومن قال بصحته -وهم الحنفية والمالكية- فقد صرح المالكية بحرمته إذا لم يكن لمصلحة، وإن كان لمصلحة -كخوف تلف أو ضياع- فغيرُ حرام، بل ربما كان مندوبًا، وأما الحنفية فلم نجد لهم تصريحًا بحكمه. • ابتداءً اتفق الفقهاء على صحة بيع الفضولي، إذا كان المالك حاضرًا أو أجاز البيع، لأن الفضولي حينئذ يكون كالوكيل واتفقوا أيضًا على عدم صحة بيع الفضولي. إذا كان المالك غير أهل للإجازة كما إذا كان صبيًا وقت البيع. • محل الخلاف: هل يصح بيع الفضولي إذا كان المالك أهلًا للتصرف وبيع ماله وهو غائب، أو كان حاضرًا وبيع ماله وهو ساكت أو لا يصح؟ • هل السكوت يدل على الرضا؟ سيأتي في باب التراضي. • تنقيح أقوال الفقهاء في هذه المسألة: اختلف الفقهاء في بيع الفضولي على قولين من حيث الجملة: الأول: جواز بيعه مع وقوف نفاذه على إجازة المالك وهو مروى عن جماعة من السلف منهم علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وهو قول الحنفية والمالكية وبه قال القرطبي وابن عثيمين وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق والشافعي في القديم والجديد وقواه النووي في الروضة ومال إليه البخاري حيث بوب: باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضى. واستدلوا: ١ - بعموم الأدلة القرآنية الدالة على مشروعية البيع. مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). والفضولي كامل الأهلية، فإعمال العقد أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد. ٢ - وبقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣) وفي هذا إعانة لأخيه المسلم. ٣ - وبحديث عروة بن أبي الجعد البارقى وهو أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا

стр. 1786

ليشترى له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح (١) فيه"، وبدعائه له بالبركة وفيه: أن شراء الشاة الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي ﷺ وهو عمل فضولى جائز بدليل إقراره ﷺ . ٤ - وبحديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ بعثه ليشترى له أضحية بدينار، فاشترى أضحية، فأربح فيها دينارًا، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضحِّ بالشاة وتصدق بالدينار" (٢) فهذا رسول الله ﷺ أجاز هذا البيع ولو كان باطلًا لرده وأنكر على من صدر منه. ٥ - وبحديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار أن النبي ﷺ قال: "قال الثالث: اللهم استأجرتُ أجراء فأعطيتهم" (٣). الثاني: عدم جوازه، وإن أجازه صاحب الشأن بعد وقوع البيع: وهذا هو قول الشافعية والحنابلة والظاهرية وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد واستدلوا: ١ - بأن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه منهى عنه شرعًا، والنهى يقتضى عدم المشروعية، وذلك في قوله ﷺ لحكيم بن حزام "لا تبع ما ليس عندك" (٤) أي ما ليس مملوكًا لك، وسبب النهى اشتمال العقد على الغرار الناشيء عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع. قلت: وحديث حكيم لا حجة فيه من وجوه: (أ) أن صفة بيع حكيم تختلف عن صفة بيع الفضولي فالأول: يأتيه المشترى ويطلب منه سلعة معينة ليست عنده فيقوم بكتابة العقد ثم يذهب يشترى له السلعة من السوق، وأما الثاني: فهو يشترى فقط من غير أن يطلب منه. (ب) أن حكيم يشترى بماله أو بمال صاحب السلعة إن كان أعطاه ثمنها، وأما الفضولي فهو يشترى بمال غيره أو يبيع.

стр. 1787

(جـ) أن حكيم له حالان في الصفقة الواحدة (بائع ومشترى) بخلاف الفضولي وعلى هذا فبيع الفضولي خلاف بيع حكيم تمامًا والله أعلم. ٢ - وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (١). وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٢). وأجابوا: عن حديث عروة البارقى أو حكيم بن حزام "إنه محمول على أنه كان وكيلًا مطلقًا عن النبي ﷺ ويدل عليه أنه باع الشاة وسلمها". ٣ - وعن حديث ابن عمر -قصة أصحاب الغار- أن ذلك كان فيمن قبلنا ولا تلزمنا شرائعهم. قلت: وهذا ليس فيه مخالفة لشرعنا والقول الصواب في هذه المسألة -إن شاء الله- أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه. ٤ - وعن احتجاجهم بالآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ليس هذا من البر والتقوى، بل هو من الإثم والعدوان. ٥ - وعن حديث حكيم بجوابين: الأول: أنه حديث ضعيف للجهالة في سند أبى داود وللانقطاع في سند الترمذي. والثاني: أنه محمول على أنه كان وكيلًا للنبى ﷺ وكالة مطلقة. يدل على أنه باع الشاة وسلمها واشترى. وبمثله أجابوا عن حديث عروة. وأجاب من قال بالجواز: بأن النهى الوارد في حديث حكيم "لا تبيع ما ليس عندك" محمول على بيعه لنفسه لا لغيره. قالوا: والدليل على ذلك أن النهى إنما ورد في حكيم بن حزام وقضيته مشهورة، وذلك أنه كان يبيع لنفسه ما ليس عنده. قلت (أبو الحسن): سنسلم جدلًا أن هذا خاص بحكيم فهل ما ورد في حديث عمرو بن شعيب (ولا بيع إلا فيما تملك) خاص به أيضًا إن القول بالخصوصية -دون دليل- بعيد تمام البعد لأن الخصوصية لا تكون إلا بدليل وليس ثمَّ، وسيأتى أن الراجح -وهو قول الجمهور- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من باع مثل بيع حكيم فهو داخل في حديثه والله أعلم.

стр. 1788

قلت: ويجاب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ قال القرطبي: قال علماؤنا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا بدليل قوله في نفس الآية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .. اهـ. • سببُ اختلافهم: قال ابن رشد: وسبب الخلاف المسألة المشهورة: هل إذا ورد النهىُ على سبب حمل على سببه، أو يعم؟ قلت: وذهب الجمهور: "أن اللفظ العام إذا ورد على سبب خاص فهو على عمومه حتى يدل الدليل على إرادة القصر على السبب. فكل آية نزلت جوابًا لسؤال أو فصلًا في واقعة وكذا كل حديث ورد على نحو ذلك فلا تأثير لذلك السبب في إجراء الحكم على كل ما أفاده لفظ العموم، وذلك كنزول آيات اللعان في قصة عويمر العجلانى وهلال بن أمية، فحكمها عام للأمة بناء على هذا الأصل" (١). وعلى هذا فحديث النهى عن بيع ما لا يملكه المرء عام فيشمل بيع الفضولي وغيره. • القول الراجح في بيع الفضولي: بعد العرض لأدلة الفريقين -القائلين بالجواز والقائلين بعدمه- يتبين لنا أن بيع الفضولي جائز مع وقوف نفاذه على إجازه المالك. والله أعلم. القول في شراء الفضولي (٢) اختلف العلماء في شرائه على ثلاثة أقوال: الأول: شراؤه صحيح إن رضي المشترى له، وإلا لم يصح وبه قال مالك. الثانى: أنه غير صحيح وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. الثالث: أنه لا يصح إلا إن اشترى في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه فيصح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا وهذا قول الحنابلة. قلت: وهذا خارج عن بيع الفضولي لأنه لا يدل على أنه تصرف في ملك غيره. اهـ.

стр. 1789

قلت: هذا حاصل أقوالهم في الجملة والذي يتبين لي أنه لا فرق بين البيع والشراء لأنه لا فرق بينهما لأن كلاهما يطلق ويراد به الآخر. ٣ - التراضى منهما، فلا يصح بيع المكره بغير حق (١): وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة. قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (٣). • بيع المكره: تعريف الإكراه (٤): لغة: حمل الإنسان على شيء يكره. شرعًا: فعل يوجد من المكْرَه فيُحدث في المحل معنى يصير به مدفوعًا إلى الفعل الذي طلب منه. • حُكْمه (٥): الإكراه نوعان: (أ) إكراه بحق: وهذا ينعقد، كما لو أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه، فإن هذا إكراه بحق. (ب) إكراه بغير حق: وبه لا ينعقد البيع سواء كان إكراهًا ملجئًا أو غير ملجىء. لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وقال ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ما استكرهوا عليه" (٧). وقال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٨). والإغلاق: الإكراه.

стр. 1790

وذهب إلى القول بعدم انعقاد بيع المكره وتصرفاته وبطلانها أئمة المذاهب الأربعة: • بيع المضطر (١): ومعناه: اضطرار شخص إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشترى إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش وكذلك في الشراء منه. • حكمه على ثلاثة أقوال: ١ - بيعه وشراؤه فاسد وبه قالت الحنفية واستدلوا: بحديث علي: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر (٢). ٢ - أنه صحيح مع كراهية شرائه على الصحيح من مذهب الحنابلة. ٣ - أجازه فقهاء آخرون للضرورة منهم الخطابى قال: "إن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جائز في الحكم، ولا يفسخ إلا أن سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يباع على هذا الوجه وأن لا يقتات عليه بماله، ولكن يعاون ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له ذلك بلاغ اهـ. بتغير يسير. • وممن قال بصحة بيع المضطر ابن حزم واستدل: ١ - وجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللباس، فإنه مضطر إلى ابتياعه بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يصيب القوت من ضيعته، وهذا باطل بلا خلاف، ... وقد ابتاع النبي ﷺ أصواعًا من شعير لقوت أهله، ومات ﵇، ودرعه مرهونة في ثمنها (٣)، فصح أن بيع المضطر إلى قوته وقوت أهله، وبيعه ما يبتاعه به القوت بيع صحيح لازم. ٢ - أنه بيع عن تراض ولم يجبره أحد عليه فهو صحيح بنص القرآن. وغير ذلك. • القول الراجح: قلت: لما كان الدافع للمضطر هو الحاجة لا الإكراه دل ذلك على أن بيعه صحيح لحصول التراضي والله أعلم.
следующие страницы →