← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ليشترى له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح (١) فيه"، وبدعائه له بالبركة وفيه: أن شراء الشاة الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي ﷺ وهو عمل فضولى جائز بدليل إقراره ﷺ . ٤ - وبحديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ بعثه ليشترى له أضحية بدينار، فاشترى أضحية، فأربح فيها دينارًا، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضحِّ بالشاة وتصدق بالدينار" (٢) فهذا رسول الله ﷺ أجاز هذا البيع ولو كان باطلًا لرده وأنكر على من صدر منه. ٥ - وبحديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار أن النبي ﷺ قال: "قال الثالث: اللهم استأجرتُ أجراء فأعطيتهم" (٣). الثاني: عدم جوازه، وإن أجازه صاحب الشأن بعد وقوع البيع: وهذا هو قول الشافعية والحنابلة والظاهرية وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد واستدلوا: ١ - بأن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه منهى عنه شرعًا، والنهى يقتضى عدم المشروعية، وذلك في قوله ﷺ لحكيم بن حزام "لا تبع ما ليس عندك" (٤) أي ما ليس مملوكًا لك، وسبب النهى اشتمال العقد على الغرار الناشيء عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع. قلت: وحديث حكيم لا حجة فيه من وجوه: (أ) أن صفة بيع حكيم تختلف عن صفة بيع الفضولي فالأول: يأتيه المشترى ويطلب منه سلعة معينة ليست عنده فيقوم بكتابة العقد ثم يذهب يشترى له السلعة من السوق، وأما الثاني: فهو يشترى فقط من غير أن يطلب منه. (ب) أن حكيم يشترى بماله أو بمال صاحب السلعة إن كان أعطاه ثمنها، وأما الفضولي فهو يشترى بمال غيره أو يبيع.

стр. 1787

(جـ) أن حكيم له حالان في الصفقة الواحدة (بائع ومشترى) بخلاف الفضولي وعلى هذا فبيع الفضولي خلاف بيع حكيم تمامًا والله أعلم. ٢ - وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (١). وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٢). وأجابوا: عن حديث عروة البارقى أو حكيم بن حزام "إنه محمول على أنه كان وكيلًا مطلقًا عن النبي ﷺ ويدل عليه أنه باع الشاة وسلمها". ٣ - وعن حديث ابن عمر -قصة أصحاب الغار- أن ذلك كان فيمن قبلنا ولا تلزمنا شرائعهم. قلت: وهذا ليس فيه مخالفة لشرعنا والقول الصواب في هذه المسألة -إن شاء الله- أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه. ٤ - وعن احتجاجهم بالآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ليس هذا من البر والتقوى، بل هو من الإثم والعدوان. ٥ - وعن حديث حكيم بجوابين: الأول: أنه حديث ضعيف للجهالة في سند أبى داود وللانقطاع في سند الترمذي. والثاني: أنه محمول على أنه كان وكيلًا للنبى ﷺ وكالة مطلقة. يدل على أنه باع الشاة وسلمها واشترى. وبمثله أجابوا عن حديث عروة. وأجاب من قال بالجواز: بأن النهى الوارد في حديث حكيم "لا تبيع ما ليس عندك" محمول على بيعه لنفسه لا لغيره. قالوا: والدليل على ذلك أن النهى إنما ورد في حكيم بن حزام وقضيته مشهورة، وذلك أنه كان يبيع لنفسه ما ليس عنده. قلت (أبو الحسن): سنسلم جدلًا أن هذا خاص بحكيم فهل ما ورد في حديث عمرو بن شعيب (ولا بيع إلا فيما تملك) خاص به أيضًا إن القول بالخصوصية -دون دليل- بعيد تمام البعد لأن الخصوصية لا تكون إلا بدليل وليس ثمَّ، وسيأتى أن الراجح -وهو قول الجمهور- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من باع مثل بيع حكيم فهو داخل في حديثه والله أعلم.

стр. 1788

قلت: ويجاب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ قال القرطبي: قال علماؤنا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا بدليل قوله في نفس الآية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .. اهـ. • سببُ اختلافهم: قال ابن رشد: وسبب الخلاف المسألة المشهورة: هل إذا ورد النهىُ على سبب حمل على سببه، أو يعم؟ قلت: وذهب الجمهور: "أن اللفظ العام إذا ورد على سبب خاص فهو على عمومه حتى يدل الدليل على إرادة القصر على السبب. فكل آية نزلت جوابًا لسؤال أو فصلًا في واقعة وكذا كل حديث ورد على نحو ذلك فلا تأثير لذلك السبب في إجراء الحكم على كل ما أفاده لفظ العموم، وذلك كنزول آيات اللعان في قصة عويمر العجلانى وهلال بن أمية، فحكمها عام للأمة بناء على هذا الأصل" (١). وعلى هذا فحديث النهى عن بيع ما لا يملكه المرء عام فيشمل بيع الفضولي وغيره. • القول الراجح في بيع الفضولي: بعد العرض لأدلة الفريقين -القائلين بالجواز والقائلين بعدمه- يتبين لنا أن بيع الفضولي جائز مع وقوف نفاذه على إجازه المالك. والله أعلم. القول في شراء الفضولي (٢) اختلف العلماء في شرائه على ثلاثة أقوال: الأول: شراؤه صحيح إن رضي المشترى له، وإلا لم يصح وبه قال مالك. الثانى: أنه غير صحيح وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. الثالث: أنه لا يصح إلا إن اشترى في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه فيصح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا وهذا قول الحنابلة. قلت: وهذا خارج عن بيع الفضولي لأنه لا يدل على أنه تصرف في ملك غيره. اهـ.

стр. 1789

قلت: هذا حاصل أقوالهم في الجملة والذي يتبين لي أنه لا فرق بين البيع والشراء لأنه لا فرق بينهما لأن كلاهما يطلق ويراد به الآخر. ٣ - التراضى منهما، فلا يصح بيع المكره بغير حق (١): وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة. قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (٣). • بيع المكره: تعريف الإكراه (٤): لغة: حمل الإنسان على شيء يكره. شرعًا: فعل يوجد من المكْرَه فيُحدث في المحل معنى يصير به مدفوعًا إلى الفعل الذي طلب منه. • حُكْمه (٥): الإكراه نوعان: (أ) إكراه بحق: وهذا ينعقد، كما لو أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه، فإن هذا إكراه بحق. (ب) إكراه بغير حق: وبه لا ينعقد البيع سواء كان إكراهًا ملجئًا أو غير ملجىء. لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وقال ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ما استكرهوا عليه" (٧). وقال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٨). والإغلاق: الإكراه.

стр. 1790

وذهب إلى القول بعدم انعقاد بيع المكره وتصرفاته وبطلانها أئمة المذاهب الأربعة: • بيع المضطر (١): ومعناه: اضطرار شخص إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشترى إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش وكذلك في الشراء منه. • حكمه على ثلاثة أقوال: ١ - بيعه وشراؤه فاسد وبه قالت الحنفية واستدلوا: بحديث علي: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر (٢). ٢ - أنه صحيح مع كراهية شرائه على الصحيح من مذهب الحنابلة. ٣ - أجازه فقهاء آخرون للضرورة منهم الخطابى قال: "إن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جائز في الحكم، ولا يفسخ إلا أن سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يباع على هذا الوجه وأن لا يقتات عليه بماله، ولكن يعاون ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له ذلك بلاغ اهـ. بتغير يسير. • وممن قال بصحة بيع المضطر ابن حزم واستدل: ١ - وجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللباس، فإنه مضطر إلى ابتياعه بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يصيب القوت من ضيعته، وهذا باطل بلا خلاف، ... وقد ابتاع النبي ﷺ أصواعًا من شعير لقوت أهله، ومات ﵇، ودرعه مرهونة في ثمنها (٣)، فصح أن بيع المضطر إلى قوته وقوت أهله، وبيعه ما يبتاعه به القوت بيع صحيح لازم. ٢ - أنه بيع عن تراض ولم يجبره أحد عليه فهو صحيح بنص القرآن. وغير ذلك. • القول الراجح: قلت: لما كان الدافع للمضطر هو الحاجة لا الإكراه دل ذلك على أن بيعه صحيح لحصول التراضي والله أعلم.

стр. 1791

• بيع التلجئة (١): وسماه الشافعية: (بيع الأمانة). وهو يشبه (بيع الهازل) كما في البدائع. • تعريفه لغة: تأتى بمعنى الإكراه والاضطرار. واصطلاحًا: يرجع معناها إلى معنى الإلجاء وهو الإكراه التام أو الملجئ. • وصورته: أن يظهرا بيعًا لم يرداه باطنًا بل خوفًا من ظالم (ونحوه) وفعاله. (كأن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فرارًا منه، ويتم العقد مستوفيًا أركانه وشروطه). • حكمه: اختلف فيه على قولين: الأول: أنه عقد باطل غير صحيح. لأن العاقدين ما قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين وبه قالت الحنابلة وأبو يوسف ومحمد. الثاني: أنه بيع صحيح، لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتى باللفظ مع قصد واختيار خاليًا عن مقارنة مفسد، فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط، وأما عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا يقع، لا أثر له لخطأ ظنه. وبه قالت الحنفية والشافعية. • بيع الهازل (٢): • تعريفه: هو الذي يتكلم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته. • الفرق بينه وبين بيع التلجئة: أن بيع التلجئة الدافع فيه الإكراه. • وجه الاتفاق بينهما: أن كلاهما يتلفظ بصيغة البيع، وهو في الحقيقة لا يريد البيع. • حكمه: للعلماء فيه أقوال: • لا ينعقد بيعه لأنه لم يقصد بيعًا وهذا أحد قولى الشافعية والحنابلة وبه قالت الحنفية

стр. 1792

• ينعقد عملًا باللفظ، ولا مبالاة بالقصد والله أعلم وهو القول الثاني للشافعية والحنابلة • يقبل بقرينة وهو قول في مذهب أحمد • القول الراجح: أقول: الظاهر انعقاده عملًا باللفظ، ولا مبالاة بالقصد، لأننا لا ندرى أهو صادق في قصده أم لا. والله أعلم. ثانيًا: الشروط المتعلقة بالمعقود عليه (١): ١ - أن يكون المبيع -المعقود عليه- موجودًا ليتمكن البائع والمشترى من معرفته: لأن بيع المعدوم لا ينعقد لما فيه من الجهالة، والجهالةُ غرر، والغرر منهى عنه وبه قالت الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية. ومن أمثلته: بيع الحمل، وبيع الثمر قبل انعقاد شيء منه على الشجرة، وبيع اللبن في الضرع. وغير ذلك من البيوع المنهي عنها كما سيأتى. ٢ - أن يكون المعقود عليه في البيع من ثمن ومثمن مقدور التسليم عند العقد: لأن ما لا يقدر على تسليمه لا يصح بيعه لأنه معدوم. وبه قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية ومن أمثلته: بيع الحيوان الشارد، وبيع الطير في الهواء، والسمك في البحر. ٣ - أن يكون مما يباح الانتفاع به لغير ضرورة: وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية: فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به؛ كالخمر، والخنزير، وآلة اللهو، والميتة وغير ذلك مما سيأتى. وقلنا (لغير ضرورة): احترازًا من الميتة والمحرمات التي تباح في حال الضرورة.

стр. 1793

٤ - أن يكون البيع مقبوضًا إن كان قد استفاده بمعاوضة: عن جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه" (١). وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ : "أن يشتري الطعام ثم يباع حتى يستوفى" (٢). وعن ابن عمر مرفوعًا: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" (٣). وعن ابن عباس مرفوعًا "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه". قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (٤). وبه قالت: الحنفية. ٥ - أن يكون المعقود عليه خاليًا من موانع الصحة: (سيأتى في شروط الصحة): كالبيوع الربوية والاشتراط في البيع والبيع بعد نداء الجمعة وغير ذلك وبه قالت الحنابلة. • تنبيهات: واشتراط طهارة المعقود عليه فلا حاجة لاشتراطه لدخوله في شرط الانتفاع. مسائل تتعلق بما سبق • كتابة عقد البيع (٥): ابتداء لا يستحب كتابة الأشياء القليلة الخطر -كحوائج البقال والعطار- لأن العقود فيها تكثر، فيشق الإشهاد عليها، وتقبح إقامة البينة عليها، والترافع إلى الحاكم من أجلها. إلا أن يكون البيع إلى أجل: فيستحب كتابته مطلقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (٦).

стр. 1794

وأما الأشياء العظيمة الخطر: فيستحب كتابة عقدها وذلك لما أخرجه أبو داود والترمذي. عن عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: بلى فأخرج لي كتابًا: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد بن هوذة من محمَّد رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء ولا غائلة ولا خُبثه، بيعَ المُسلمُ المسلمَ" (١) وقال بهذا: أبو بكر بن العربى. • هل يجب الإشهاد على عقد البيع (٢): اختلف الناس في الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) هل هو للوجوب أو للندب على قولين: • الأول: أنه للوجوب، وبه قال أبو موسى الأشعرى وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر، وعطاء وإبراهيم النخعى وجابر بن زيد ورجحه ابن جرير وانتصر له ابن حزم واستدلوا: بظاهر الأمر، ولأنه عقد معاوضة فوجب الإشهاد عليه كالنكاح. • الثاني: أن الأمر للندب: وبه قال أبو سعيد الخدرى وأبو أيوب والحسن والشعبي والشافعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وزعم ابن العربى بأنه قول الكافة وصححه وكذا القرطبي. واستدلوا: ١ - بأن النبي ﷺ باع ولم يشهد كما في حديث العداء بن خالد المتقدم. ٢ - وبأنه ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه (٤) ولو كان الإشهاد واجبًا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة واشترى من أعرابي فرسًا فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت (٥)، ولم ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك. ٣ - أنه ﷺ أمر عروة بن الجعد أن يشترى له أضحية ولم يأمره بالإشهاد، وأخبره عروة أنه اشترى شاتين فباع إحداهما ولم ينكر عليه ترك الإشهاد (٦).

стр. 1795

٤ - لأن الناس ما زالوا يتبايعون حضرًا وسفرًا وبرًا وبحرًا وسهلًا وجبلًا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو كان واجبًا ما تركوا النكير على تاركه. ٥ - ولأن المبايعة تكثر بين الناس في أسواقهم وغيرها، فلو وجب الإشهاد في كل ذلك لأفضى إلى الحرج المحطوط عنهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). ٦ - أن الأمر في الآية (وأشهدوا) للإرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم، كما أمر بالرهن والكتابة وليس ذلك بواجب وهو الراجح إن شاء الله تعالى. • تنبيه: حديث "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: .. ومنهم: رجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه" ضعيف. • أصل الأمر بالكتابة والشهود: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه: يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملإ منهم جلوس، فسلم عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية بَنِيك بينهم، وقال الله -جل وعلا- ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترتَ يمين ربى وكلتا يدي ربى يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريتهُ فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان مكتوب عُمُره بين عينيه، فإذا فيهم رجل أضوؤهم -أو من أضوئهم- لم يكتب له إلا أربعون سنة، قال: يا رب ما هذا؟ قال: هذا ابنك داود وقد كتبت له عمره أربعين سنة، قال: أي رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له، قال: فإنى جعلتُ له من عمرى ستين سنة، قال: أنت وذاك اسكن الجنة، فسكن الجنة ما شاء الله، ثم أُهبط منها. وكان آدم يعُدُّ لنفسه، فأتاه ملكُ الموت، فقال له آدم: قد عجلتَ، قد كُتِبَ لي ألف سنة؟ قال: بلى، ولكنك قد جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد فجحدت ذريته، ونسى فنسيت ذريته، فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود" (٢) ابن حبان الموارد (٢٠٨٢).

стр. 1796

• هل يجب على الكاتب أن يكتب أم يستحب له ذلك (١): في المسألة أقوال ثلاثة: ١ - يجب على الكاتب إذا أُمِر أن يكتب وهو قول الطبري والربيع. ٢ - يجب عليه أن يكتب إذا لم يوجد كاتب غيره، لأنه إن امتنع ألحق الضرر بصاحب الدين وهو قول الحسن. ٣ - يجب عليه في حال فراغه وهو قول السدي وقال ابن العربي: والصحيح أنه أمر إرشاد وقال القرطبي بعدم الوجوب: ولعل القول الثاني هو المتعين لما فيه من دفع الضرر عن الغير والله أعلم. • هل يأخذ الكاتب أجرًا على كتابة العقد (٢): قال القرطبي: ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كَتْب الوثيقة. وقال ابن العربى: .. لا يكتب حتى يأخذ حقه. • من يدفع أجرة الكاتب؟ البائع أم المشتري؟ (٣) قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع، قال مالك: قالوا ليوسف (فأوف لنا الكيل) فكان يوسف هو الذي يكيل وكذلك الوزان والعداد وغيرهم اهـ. وكذلك مؤونة إحضاره إلى محل العقد إذا كان غائبًا العلماء متفقون على ذلك. • السمسرة (٤): • تعريفها: الوساطة بين البائع والمشترى لإجراء البيع والسمسرة نوعان: (أ) سمسرة في بيع الحاضر: وهذه جائزة، وأجر صاحبها حلال وشرط فيها الجمهور: أن تكون أجرة السمسار معلومة. ولم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسًا (٥).

стр. 1797

وقال ابن عباس: لا بأس أن يقول بيع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك (١). وقال ابن سيرين: إذا قال بعه بكذا، فما كان من ربح فلك أو بيني وبينك، فلا بأس به (٢). وقال بجوازها: البخاري، ونقل ابن المنذر القول بكراهتها عن الكوفيين. (ب) سمسرة الحاضر للبادي: صورتها: أن يتولى الحضري بيع سلعة البدوي، بأن يصير الحاضر سمسارًا للبادى البائع وبها قال الجمهور والحنفية. حكمها: جمهور الفقهاء على التحريم. وسيأتى تفصيل القول في هذه المسألة في البيوع المحرمة. • الاستثناء من المبيع (٣): إذا كان الذي استثناه معلومًا ولا يفضى إلى جهالة المبيع -نحو أن يستثنى واحدة من الأشجار -أو منزلًا من المنازل- صح بالاتفاق، وبه قال شيخ الإِسلام. وإذا كان الذي استثناه مجهولًا نحو أن يستثنى شيئًا غير معلوم لم يصح البيع - لما يتضمنه من الغرر مع الجهالة. عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ نهى عن الثُّنْيَا إلا أَنْ تُعْلَم (٤). • ضابط التمييز بين ما يجوز استثناؤه وما لا يجوز: "أن كل ما يجوز بيعه منفردًا يجوز استثناؤه، وما لا يجوز إيقاع البيع عليه بانفراده لا يجوز استثناؤه. • فعلى الأولى: يجوز بيع الحائط واستثناء شجرة معينة منه. • وعلى الثاني: لا يجوز استثناء الحمل من بيع الدابة، لأنه لا يجوز إفراده بالبيع فكذا استثناؤه.

стр. 1798

• بيع الأصول (١): المراد بالأصول: الأرض والدور والبساتين والحيوان، وما يتبع هذه الأصول في البيع وما لا يتبعها. • القواعد التي ينبنى عليها الأصول: ١ - أن كل ما هو متناول اسم المبيع عرفًا دخل في البيع وإن لم يذكر صريحًا. ٢ - أن ما كان متصلًا بالمبيع اتصال قرارٍ كان تابعًا له في الدخول. • بيع الأرض: من باع أرضًا دخل فيها الغراس والبناء لاتصالها بها اتصال قرارٍ، وهي من حقوقها وهذا في جميع المذاهب وكذا الحجارة المخلوقة والمثبتة فيها. • بيع الدور: ومن باع دارًا دخل في البيع بناؤها وفناؤها وما فيها من شجر مغروس، وما كان متصلًا بها لمصلحتها كسلالم ورفوف مستمره وأبواب وغير ذلك، ولا يتناول ما فيها من كنز مدفون ولا ما هو منفصل عنها كحبل ودلو ولا ما ينقل كحجر وخشب. • بيع الشجر: ومن باع شجرًا أتبعه الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجر. وإن كان في الشجر أو النخل ثمر فالمؤبر للبائع، إلا أن يشترط ذلك المشترى لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" (٢). أما إذا لم تكن مؤبرة فهي للمشترى ... وهذا عند الجمهور (٣) وخالف أبو حنيفة والأوزاعى فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وقبله. وأجابوا عن حديث ابن عمر بأن المراد بالتأبير فيه ظهور الثمرة واستدلوا على ذلك بما رواه عكرمه عن ابن عمر مرفوعًا "أيّما رجل باع نخلًا قد أينعت فثمرتها لربها الأول إلا أن يشترط المبتاع" (٤) والشاهد من الحديث أنه قيد النخل فيه بالإيناع وهو وقت استحقاق البائع للثمرة ..

стр. 1799

ومعنى كلامهم: أنه إذا بيع النخل في وقت تؤبر هى فيه فسواء أبرت أو لم تؤبر فثمرته للبائع .. • قال ابن حجر: ولا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند القائلين به. اهـ. • بيع الحيوان: ومن باع حيوانًا تبعه ما جرى العرف بتبعيته له كاللجام والمقود والسرج، وفرق الشافعية بين ما هو متصل بالحيوان (كالنعل المسمر) فهذا داخل في البيع وأما اللجام والسرج والمقود فلا يدخل في بيع الحيوان اقتصارًا على مقتضى اللفظ. وهو الظاهر لأن هذه الأشياء ليست جزءًا من حقيقة المبيع وإنما هى خارجة عنه. والله أعلم. يجوز باتفاق الفقهاء بيع الثمار وحدها منفردة عن الشجر بشرط بدو صلاحها. ثانيًا: شروط صحة البيع (١) وهي نوعان: عامة، وخاصة: • الشروط العامة: وهذه الشروط يجب توافرها في كل أنواع البيع لتعتبر صحيحة شرعًا، وتنحصر هذه الشروط في خلو البيع من عدة عيوب هى (الجهالة، الإكراه، التوقيت، الشرط). ١ - الغرر (الجهالة) وهو نوعان: - غرر الوصف: كجهالة وصف الثمن والمثمون -المبيع- أو قدره أو أجله إن كان هناك أجل. - غرر الوجود: (وهو ما كان المبيع فيه محتملًا للوجود والعدم) - كبيع نَتَاج النتاج، وبيع الحمل وغير ذلك. ٢ - الإكراه: وهو يؤثر في البيع سواء كان ملجئ -تام- أو غير ملجئ -ناقص-. ٣ - التوقيت: وهو أن يوقت البيع بمدة كما لو قال: بعتك هذا الثوب شهرًا أو سنة، فيكون البيع فاسدًا، لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت، ولأن مقتضى البيع الملكية على الدوام. ٤ - الشروط المفسدة: وهي كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين إذا لم يكن قد

стр. 1800

ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه. مثل أن يبيع سيارة على أن يستخدمها شهرًا بعد البيع. • الشروط الخاصة: وهي التي تختص ببعض أنواع البيع دون بعض. ثالثًا: شروط النفاذ ١ - الملك أو الولاية: • فالملك: هو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادرًا وحده على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعى. • والولاية: سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ وهي نوعان: (أ) ولاية أصلية: ومعناها: أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه. (ب) ولاية نيابية: ومعناها: أن يتولى الشخص أمور غيره من ناقصي الأهلية إما بإنابة المالك كالوكيل أو بإنابة الشارع كالأولياء. ٢ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع: فلا ينفذ بيع الراهن للمرهون، ولا بيع المؤجر للمأجور وإنما يكون البيع موقوفًا على إجازة المرتهن أو المستأجر. وليس فاسدًا وهو الصحيح عند الحنفية. • تقسيم البيع من حيث النفاذ والوقف: البيع قسمان: ١ - البيع النافذ: وهو ما توافر فيه ركن العقد وشروط الانعقاد والنفاذ. ٢ - البيع الموقوف: وهو كالبيع النافذ إلا أنه فقد شرط النفاذ (الملك أو الولاية). • شرط النفاذ: - يكون إما في المبيع: كما في بيع الفضولي شيئًا لغيره. - وإما في التصرف: كما في بيع الصغير أو المعتوه أو شرائهما. رابعًا: شروط اللزوم (١) • يشترط للزوم البيع: - خلوه من أحد الخيارات التي لا تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد مثل خيار الشرط والوصف والنقد والتعيين، والرؤية وغير ذلك.

стр. 1801

وعليه: فإذا وجد في البيع شيء من هذه الخيارات منع لزومه في حق من له الخيار. فكان له أن يفسخ البيع أو أن يقبله، إلا إذا حدث مانع من ذلك. الثمن وأحكامه • تعريف الثمن (١): هو ما يبذله المشترى من عوض للحصول على المبيع، وهو أحد جزئي العقود عليه -الثمن والمثمن- وهما من مقومات عقد البيع. • الفرق بين الثمن والقيمة (٢): القيمة: هى ما يساويه الشيء في تقويم المقوِّمين -أهل الخبرة-. أما الثمن: فهو كل ما يتراضى عليه المتعاقدان، سواء كان أكثر من القيمة أم أقل منها أم مثلها. فالقيمة هى الثمن الحقيقي للشيء، أما الثمن المتراضى عليه فهو الثمن المسمى. • التسعير (٣): • تعريفه: هو تحديد أسعار بيع السلع من قبل السلطان، مع منع الناس من البيع بزيادة عليها أو أقل منها. والسعر: الثمن المقدر للسلعة. • حكمه: ذهب الجمهور إلى أن الأصل عدم التسعير، لأنه مظلمة، والظلم حرام. واستدلوا: بحديث أنس بن مالك قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت. فقال: "إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعِّرُ، وإنى لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبنى أحد بمظلمة ظلمتَها إياه، في دَمٍ ولا مال" (٤). وقالوا: ليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس

стр. 1802

نظره في مصلحة المشترى برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين البائع والمشترى من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). • وأجاز المالكية والحنفية للإمام التسعير دفعًا للضرر عن الناس إذا تعدى أصحاب السلعة عن القيمة المعتادة تعديًا فاحشًا. فلا بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأى والبصر رعاية لمصالح المسلمين. واستدلوا بفعل عمر بن الخطاب ﵁ حين مَرَّ بحاطب في السوق فقال له: "إما أن ترفع السعر وإما أن تدخل بيتك فتبيع كيف شئت" (٢). ٢ - وبالقاعدة الفقهية (الضرر يزال) وبالأخرى (يتحمل الضرر لمنع الضرر العام). وأجاب من قال بالمنع: ١ - بأن عمر ﵁ رجع عن قوله لحاطب - كما في سنن سعيد بن منصور ومسند الشافعي وسنن البيهقي "أن عمر لما رجع حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال: إن الذي قلتُ لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردتُ به الخير لأهل البلد" (٣). قلت: ولكنَّ هذه الزيادة في أثر عمر ضعيفة لورودها من طريق القاسم بن محمَّد بن أبي بكر عن عمر وهو لم يسمع من عمر. ثم إن المتأمل فيما صحح من قول عمر لحاطب يجد أنه لم يسعر، وإنما أمر حاضبًا بأن يرفع سعره خشية أن يلحق الضرر بأهل السوق. والله أعلم. قلت: ويجاب عن الثاني: بأن النبي ﷺ كان أولى بإزالة الضرر حين شكى إليه المسلمون غلاء السعر فلما لم يفعل ذلك دل على عدم جواز التسعير مع تحقق الضرر والله أعلم. القول الراجح: عدم جواز التسعير مطلقًا لكن على السلطان أن يعزر من يتعمد زيادة السعر.

стр. 1803

• من أضرار التسعير: أنه يؤدى إلى اختفاء السلع وذلك يؤدى إلى ارتفاع الأسعار مما ينزل الضرر بالفقراء. • على السلطان أن يُجبر من يبيع السلعة بسعر دون سعر جمهور الباعة لما في ذلك من الإضرار بهم كما فعل عمر ﵁ مع حاطب ﵁. • أن التسعير لا يجوز مطلقًا دون تفريق بين سلعة وأخرى أو وقت وآخر. • أن مَنْ وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه، فهنا يؤمر بما وجب عليه، ويعاقب على تركه بلا ريب. • كل ما صلح أن يكون مبيعًا صلح أن يكون ثمنًا والعكس صحيح كما يفهم من كلام الجمهور. • كل من العوضين -الثمن والمثمن- ثمن للآخر، وقيل الثمن ما دخلت عليه -الباء-. • إذا تنازع المتعاقدان فيمن يسلم أولًا، فإنه يجب تسليم الثمن أولًا قبل تسليم المبيع. • إبهام الثمن في بلد فيه أنواع مختلفة من الدنانير ومتساوية في الرَّواج يفسد العقد -بجهالة مقدار الثمن- أما إذا كان بعضها أروج فالعقد صحيح، وينصرف إلى الأروج -الأشهر-. أحكام الجوائح (١) • هلاك المبيع وأحكامه: • تعريف الجائحة: هى كل آفة لا صنع للآدمي فيها -كالريح الشديدة، والبرد القارس، والجراد، ونحو ذلك من الآفات السماوية. • وأما ما كان من فعل الآدميين: فلا يُسمى جائحة لقوله ﷺ : "أرأيت إن منع الله الثمرة".

стр. 1804

وفي هذه الحالة يكون المشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد وطالب البائع بالثمن، وإن شاء أمسك وطالب الجانى. • وإذا كان التالف يسيرًا لا ينضبط: فإنه يفوت على المشترى، ولا يكون من مسؤولية البائع لأن هذا مما جرت به العادة ولا يسمى جائحة - كما لو أكل منه الطير أو تساقط في الأرض ونحو ذلك. • محل الجوائح من المبيعات: ومحل الجوائح هى: الثمار والبقول. • أما الثمار فلا خلاف فيها عند المالكية. • وأما البقول: ففيها خلاف والأشهر فيها الجائحة قال القرطبي: وهو الصحيح وما الفرق بين البقول والثمار أليس كلاهما يدخل في مسمى الثمرة: قال ابن حزم: وأما قول مالك في الجوائح فإنه لا يعرف عن أحد قبله مما ذكرنا عنه من التقسيم بين الثمار والقاثي وبين البقول والموز ولا يعضد قوله في ذلك قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة أصلا، ولا قول أحد من السلف ولا قياس (١). - أما في الثمار: فقيل: الثلث وبه قالت المالكية. - وأما في البقول: فقيل: لا فرق بين القليل والكثير، وقيل: في الثلث وبه قالت المالكية أيضًا. والظاهر: أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها وبه قال ابن عبد البر وابن قدامة وابن حزم ورجحه الشوكاني. وهو المعين إن شاء الله تعالى لأن الأحاديث الواردة عامة ولم تخصص بثلث ولا بغيره. • الجائحة وصلاح الثمرة: اختلف العلماء فيما توضع فيه الجوائح من الثمار على قولين: الأول: أنه لا فرق بين بدو صلاح الثمرة وعدمه فتسقط في كل منهما. لعموم قوله ﷺ : "بم تأخذ مال أخيك بغير حق" (٢). وأمره ﷺ : بوضع الجوائح (٣).

стр. 1805

ثانيًا: التفريق بين بدو الصلاح وعدمه. فتوضح قبل بدو الصلاح ولا توضح بعد بدو الصلاح. وهو قول الجمهور لكن اشترطوا القطع، وقول أبى حنيفة وغيره من الكوفيين والليث. واختاره ابن حزم. أدلتهم: ١ - عن أنس: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يزهى قالوا: وما يزهى؟ قال: "تحمر أرأيت إذا منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك" (١). ٢ - عن أبي سعيد الخدرى قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ : "لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" (٢). فدل هذين الخبرين على أن الجوائح التي أمر رسول الله ﷺ بوضعها هى التي تصيب ما بيع من الثمر قبل أن يزهى، وأن الجائحة التي لم يسقطها وألزم المشترى مصيبتها، وأخرجه عن جميع ماله بها هى التي تصيب الثمر المبيع بعد بدو صلاحه. وأجاب المخالفون: بأن حديث أنس يجاب عنه بأن التنصيص على الوضع مع البيع قبل الصلاح لا ينافى الوضع مع البيع بعده ولا يصلح مثله لتخصيص عادل على وضع الجوائح ولا لتقييده. وعن حديث أبى سعيد بأنه غير صالح للاستدلال به على محل النزاع، لأنه لا تصريح فيه بأن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية، وأن عدم نقل تضمين بائع الثمرة لا يصلح للاستدلال به لأنه قد نقل ما يشعر بالتضمين على العموم فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة. قلت: وليس فيه أيضًا ما يدل على بدو صلاح الثمرة. القول الراجح: يتعلق بمسألة جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أو عدم جوازه. • الحكم التكليفي لوضع الجائحة: على ثلاثة أقوال:

стр. 1806

(أ) أن وضعها مستحب وبه قال الجمهور. (ب) أنه واجب لقوله ﷺ : "لا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك" فإنه صريح في وجوب الوضع لا في استحبابه وبه قال الشوكاني. (جـ) الكراهة وهو قول أبى حنيفة وأصحابه وحملوا النهى في قوله (لا يحل) على الكراهة. • وقوع الجائحة: الأصل في ذلك: اشتراط القبض في صحة البيع. فمن اشترطه في كل شيء جعل الضمان على البائع ومن لم يشترطه جعل الضمان على المشترى. • إذا وقعت الجائحة قبل القبض: اختلف العلماء في الضمان على من يكون في الجائحة على قولين: الأول: ما أهلكته الجائحة فهو من ضمان البائع وهذا مذهب مالك، وقديم قولي الشافعي، ومذهب أحمد وسائر أصحاب الحديث وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أهل الظاهر. • أدلتهم: واستدلوا بما يأتى: (أ) عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (١). (ب) وعنه ﵁ مرفوعًا: "إن بعت من أخيك شيئًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، لِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق" (٢). وفي لفظ: "من باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم". ووجه الاستشهاد منها: الصراحة في الحكم ولا يعدل عنه إلا لدليل أقوى. الثاني: تكون من ضمان المشترى: وهذا مذهب أبى حنيفة والجديد عند الشافعي: أدلتهم:

стр. 1807

(أ) حديث عمرة عن عائشة أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن ابني اشترى ثمرة فلان، فأذهبتها الجائحة فسألته أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل، فقال النبي ﷺ : "تألى فلان أن يفعل خيرًا" (١). قالوا: فلو كان من ضمان البائع لأجيره عليه لأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلق بها الضمان كالنقل والتحويل. (ب) القياس على حالة إتلاف الآدمى فإن البائع لا يضمنه، فكذلك هاهنا يجامع أن الكل إتلاف لغيره. (جـ) قول الشافعي: "لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعْدُه ولو كنتُ قائلًا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير". • وأجاب أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - حديثهم لا حجة لهم فيه، فإن فعل الواجب خير فإذا تألَّى أن لا يفعل الواجب فقد تألى أن لا يفعل خيرًا. ٢ - أن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلف بعطش عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الإجارة. ٣ - قياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. • القول الراجح: أن الضمان على البائع لثبوت النص بذلك والله أعلم. • إذا وقعت الجائحة بعد القبض: إذا هلاك المبيع بعد القبض سواء كان ذلك بآفة سماوية أو بفعل المشترى أو بفعل البائع أو بفعل أجنبى فلا ينفسخ البيع، ويكون هلاكه على ضمان المشترى، لأن المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض المشترى ويُرجع بالضمان على الأجنبى حال كون الاعتداء منه. • فوائد: تضمين الإمام مالك البائع ما أصاب الرقيق في ثلاثة أيام بعد البيع استنادًا إلى حديث "عهدة الرقيق ثلاثة أيام" فيه بعدٌ لضعف ما استدل به (٢).

стр. 1808

- إذا استأجر أرضًا فزرعها: فتلف الزرعُ فلا شيء على المؤْجر. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا. - أجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع؛ لأن عليه تقبيض المبيع للمشترى، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان على البائع. - نقل المنقولات، وما أشبه، فهو على المشتري، لأنه لا يتعلق به حق توفية. - علل العلماء تضمين البائع جائحة الثمرة. بأن قبض الثمرة على رؤوس الشجر بالتخلية قبض غير تام، فهو كما لو لم يقبضها. • آثار الجائحة على عقد البيع من حيث النفاد والبطلان: ١ - إذا هلك المبيع. قبل قبض المشترى للسلعة بآفة سماوية أو بفعل المبيع نفسه، أو بفعل البائع ينفسخ العقد. وإذا هلك بفعل المشترى لا ينفسخ وعليه الثمن - وإذا هلك بفعل البائع انفسخ وسقط الثمن عن المشترى. وإذا وقعت بفعل أجنبى لا ينفسح البيع ويكون المشترى بالخيار إن شاء فسخ، وإن شاء أمضاه ودفع الثمن وطالب الأجنبى بالضمان. ٢ - وإذا هلك المبيع قبل القبض فالعقد نافذ لا ينفسخ. • الآثار المترتبة على البيع: أولًا: انتقال الملك: يملك المشترى المبيع، ويملك البائع الثمن، ويكون ملك المشترى للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان وسيأتى تفصيل القول في بيع ما لم يقبض في البيوع الفاسدة. ثانيًا: أداء الثمن الحالّ: الأصل في الثمن الحلول، وهذا متفق عليه بين الفقهاء في الجملة قال ابن عبد البر: الثمن أبدأ حالّ، إلا أن يذكر المتبايعان له أجلًا فيكون إلى أجله. ثالثًا: تسليم المبيع: قال ابن رشد: أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع عقد الصفقة.

стр. 1809

البيوع المحرمة • إن الله تعالى قد أحل لنا البيع وهو من مستلزمات الحياة. • والبيع كما يقول أهل العلم حلال بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. • قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). • عن رافع بن خديج قال: قيل يا رسول الله، أىُّ الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكُلُّ بيع مبرور" (٢). • والإجماع: وقع إجماع الأمة على أن البيع حلال. • والمعقول: ما دام كل إنسان في حاجة أخيه لأنه لا يستطيع أن يحصل كل ما يريد إلا بالبيع والشراء فكان مصلحة له. • وفي القاعدة الشرعية: أن الأصل في المعاملات وأنواع التجارات والمكاسب الحل والإباحة فلا يمنع منها إلا ما حرمه الله ورسوله (٣). • فهذا أصل عظيم، يستند إليه في المعاملات والعادات. • فمن حرم شيئًا من ذلك، فهو مطالب بالدليل، لأنه على خلاف الأصل، وبهذا يعلم سماحة الشريعة وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتطورها حسب مقتضيات البشر، ومصالح الناس. • وهي قاعدة مبناها العدل والقسط ومراعاة مصالح الطرفين. • ولا تخرج المعاملة عن هذا الأصل العظيم، من الإباحة إلى التحريم، إلا لما يقترن بها من محذور، يرجع إلى ظلم أحد الطرفين، كالربا، والغرر، والجهالة، والخداع، والتغرير، وغير ذلك. فهذه معاملات عند تأملها تجدها تعود إلى ظلم أحد الطرفين. والمعاملات المحرمة ما حرمت إلا لمفاسدها وظلمها. • بعض التعريفات التي تحتاج إليها في البيوع المحرمة: • تعريف الربا (٤): لغة: الزيادة.

стр. 1810

شرعًا: زيادة في شيء مخصوص. • حكمه: محرم بالكتاب والسنة والإجماع. • أقسامه: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - ربا الفضل: هو بيع ربوى بمثله مع زيادة في أحد المثلين. ٢ - ربا النسيئة: هو بيع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنس آخر مع زيادة في الكيل أو الوزن في نظير تأخير القبض. ٣ - ربا القرض: وهو أن يقرضه شيئًا مما يصح قرضه، ويشترط عليه منفعة مقابل القرض كسكنى داره أو ركوب دابته. وقسمه ابن القيم إلى خفي وجلي: الخفى: حرام لأنه وسيلة إلى الجلي، فتحريمه من باب تحريم الوسائل إلى المقاصد، وهذا ربا الفضل، ذلك أنه إذا بيع درهم بدرهمين تدرج به إلى الربح المؤجل، وهو علة ربا النسيئة فمن حكمة الله أن سد عليهم هذه الذريعة وهي حكمة معقولة. الجلي: هو ربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، والغالب أنه لا يفعله إلا محتاج فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، حتى ترهقه الديون، فمن رحمة الله بخلقه أنه حرمه. • تعريف الغرر (١): هو ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا. • تعريف الجهالة (٢): يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله، وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالإستناد إلى الجهالة، كما لو باع إنسان شاة من قطيع. • تعريف الضرر (٣): يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا بإدخال ضرر على البائع، فيما

стр. 1811

سوى المبيع من ماله. كما لو باع جذعًا معينًا في سقف مبنى، أو ذراعًا من ثوب يضره التبعيض، فإن التنفيذ يقضى بهدم ما حول الجذع وتعطيل الثوب. • تعريف الميسر (١): الميسر: هو القمار، واشتقاقه من اليُسر بمعنى السهولة، لأنه كسب بلا مشقة ولا كد، أو من اليسار وهو الغنى، لأنه سببه للرايح، أو من اليَسَر بمعنى التجزئة والاقتسام. وقيل كل شيء فيه خطر فهو من الميسر. البيوع المحرمة قد يكون التحريم بسبب الغرر والجهالة، وقد يكون بسبب الربا، وقد يكون بسبب الضرر، وغير ذلك. وإليك بعض الأمثلة: أولًا: البيوع المحرمة بسبب الغرر والجهالة: وقد سبق تعريف الغرر والجهالة. عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر وبيع الحصاة" (٢). وزيادة في معنى الغرر. قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: أصل الغرر هو ما طوى عنك علمه وخفى عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك طويت الثوب على غرة أي على كسْرِ الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه، غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل أن يبيعه سمكًا في الماء أو طيرًا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدًا آبقًا (٣)، أو جملًا شاردًا أو ثوبًا في جراب لم يره ولم ينشره، أو طعامًا في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجر لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدرى هل تكون أم لا؟ فإن البيع فيها مفسوخ.

стр. 1812

وإنما نهى ﷺ عن هذه البيوع تحصينًا للأموال أن تضيع وقطعًا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها. وأبواب الغرر كثيرة وجماعها ما دخل في المقصود منه الجهل (١). وقال النووى -رحمه الله تعالى-: أما النهى عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق (٢) والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهمًا (٣)، وبيع ثوب من أثواب، وشاه من شياه (٤)، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل، لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر بيعًا إذا دعت إليه حاجة كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها لبن، فإنه يصح للبيع، لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها. واعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وعسب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هى داخلة في النهى عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها لكونها من بياعات الجاهلية الشهورة. والله أعلم انتهى باختصار (٥). ومن أمثلة البيوع المحرمة بسبب الغرر والجهالة ما يأتى: ١ - بيع المنابذة: هو أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل ويقول كل واحد منهما هذا بهذا. أو: كأن يقول البائع للمشترى أي ثوب نبذته إليك فسعره بثلاثين جنيهًا مع أن الأسعار داخل المحل مختلفة وكذلك إذا قال المشترى للبائع أي ثوب نبذته إلىَّ فسعره كذا. فهذا كله منهى عنه لما جاء في الحديث الصحيح.

стр. 1813

- عن أبي سعيد الخدرى ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه (١). فهذا بيع محرم للنهى عنه كما في الحديث السابق، وللجهالة، وأدائه إلى معنى القمار، ولعدم الرؤية، أو للشرط الفاسد، والغرر. ٢ - بيع الملامسة: هو: أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، ولا يتبين ما فيه، أو يبتاعه ليلًا ولا يعلم ما فيه. - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين ولبستين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة أن ينبذ الرَّجُل إلى الرَّجُل بثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ" (٢). - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "نُهى عن لبستين: أن يحتبي الرَّجُل في الثوب الواحد، ثم يرفعه على منكبه، وعن بيعتين: اللماس، والنباذ" (٣). - عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة" (٤). - فهذا البيع كسابقه منهى عنه كما بالحديث بالإضافة إلى الجهل والغرر في المعقود عليه، فأحد العاقدين تحت الخطر إما غانمًا أو غارمًا فيدخلان في باب الميسر المنهى عنه. ٣ - بيع الحصاة: هو أن يلقى البائع أو المشتري بحصاة فأى ثوب وقع عليه كان هو المبيع بلا تأمل ولا روية ولا خيار بعد ذلك. - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" (٥).

стр. 1814

٤ - بيع حَبَلُ الحَبَلَة: وهو: البيع بثمن مؤجل ولد ولد الناقة بمعنى تلد الناقة، ثم ينظر حتى تحبل المولودة وتلد. • عن ابن عمر ﵄ قال: "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، قال: وحَبَل الحَبَلة أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نُتجت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك" (١). • وهذا البيع باطل: لأنه بيع بثمن إلى أجل مجهول، ولأنه بيع معدوم ومجهول وغير مملوك للبائع وغير مقدور على تسليمه، وبيع غرر، وبيع ما لم يخلق، وقد أجمع العلماء: أن هذا لا يجوز في بيوع المسلمين (٢). (٥) و (٦) بيع المضامين والملاقيح: والمضامين: هى ما في البطون وهي الأجنة. والملاقيح: هى ما في أصلاب الفحول. • عن سعيد بن المسيب قال: "لا ربا في الحيوان وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة والمضامين بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال" (٣). • فهذا البيع لا يجوز أيضًا للأسباب السابقة في حبل الحبلة. ٧ - بيع عسب الفحل: • عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل" (٤). • عن جابر بن عبد الله ﵄: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل" (٥). • عسب الفحل: هو ضراب الذكر من كل حيوان فرسًا كان أو جملًا أو تيسًا أو غير ذلك. • والمراد من النهى هو: الأجر الذي يأخذ على ضرابه. فلو استأجر فحلًا بلا

стр. 1815

نزاء لا يجوز، لما فيه من الغرر لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح، وقد ذهب إلى تحريمه أكثر الصحابة والفقهاء، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وهو قول مالك قال: لأنه من باب المصلحة ولو منع منه، لانقطع النسل، وهو كالاستئجار للإرضاع، وتأبير النخل، وما نهت السنة عنه، فلا يجوز المصير إليه بطريق القياس. أما إعارة الفحل للإنزاء وإطراقه فلا بأس به، ثم لو أكرمه المستعير بشيء يجوز له قبول كرامته: فقد رُوي أن النبي ﷺ سئل ما حق الإبل؟ قال: "حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها" (١). وروى عن أنس بن مالك: "أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل، فنكرم، فرخص له في الكرامة" (٢). قال معمر عن قتادة: إنه كره عسب الفحل لمن أخذه ولم ير به بأسًا لمن أعطاه (٣) انتهى. • وقال الحافظ ابن حجر عن عسب الفحل ما نصه: وعلى كل تقدير فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية والحنابلة تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن وابن سيرين ورواية عن مالك، وحمل النهى على ما إذا وقع لأمد مجهول، وأما إذا استأجره مدة معلومة فلا بأس كما يجوز الاستئجار لتلقيح النخل، وتعقب بالفرق لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف التلقيح، ثم النهى عن الشراء والكراء إنما صدر لما فيه من الغرر. وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازه، فإن أهدى للمعير هدية من المستعير بغير شرط جاز، وللترمذي (٤) من حديث أنس: "أن رجلًا من كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة" (٥) انتهى.

стр. 1816

• وقال ابن العربى: فإن أجره على الطرق ليس بحمل. دخله الفساد من وجهين: أحدهما: جهالة الإجارة. والثانية: جهالة الأجل. فإن يستأجره وقضى حاجته فيه جاز قبول الكرامة بإزائه، لأنّ المكارمات بقضاء الحاجات ومقابلتها بالمشاركات والمعاوضة جائزة شرعًا، وتدخل في هبة الثواب التي استثناها الشرع من الأعواض المجهولة (١). انتهى باختصار. ٨ - بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها (المعاومة والمخاضرة): • عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" (٢). • عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن تباع الثمرة حتى تُشْقَحَ. فقيل: وما تُشْقَح؟ قال: تَحْمَارُّ وتَصْفَارُّ ويُؤكَلُ منها" (٣). • عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة" (٤). • عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو (ثمرة النخل حتى تزهو) وعن السُّنْبُل حتى يَبْيَضَّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (٥). • عن أبي البخترى قال: سألت ابن عباس عن بيع النخل؟ فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يَأكُلَ منه أو يُؤْكَل، وحتى يوزن. قال فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحزر (يحرز) " (٦).

стр. 1817

• ومعنى يحرز: أي يحفظ ويصان (١). • ومعنى يحزر: أي يوزن أو يخرص (٢). • وفائدة ذلك: معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيه المالك (٣). • عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر" (٤). • عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة (قال أحدهما (٥): بيع السنين هى المعاومة) وعن الثُّنْيَا (٦) ورخص في العرايا (٧) " (٨). • عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض (٩)، وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب" (١٠). • عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمزابنة" (١١). • عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، فقيل له: وما تُزْهَى؟ قال حتى تحمر. فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". • وفي رواية: "إن لم يثمرها الله، فبم يستحل أحدكم مال أخيه" (١٢). • عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع ثَمَر التمر حتى يزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، أرأيت إن منع الله الثمر بم تستحل مال أخيك" (١٣).

стр. 1818

• معنى المخاضرة: هى بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها (١). • ومعنى المعاومة: هى بيع الثمار سنين، وهي ما يسميه الزراع فلان يشترى حديقة فلان سنوات وهي خشب. • وفي ذلك يقول الإمام النووى ﵀: وأما النهى عن بيع المعاومة وهو بيع السنين، فمعناه أن يبيع ثمر الشجرة عامين أو ثلاثة أو أكثر فيسمى بيع المعاومة، وبيع السنين، وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لهذه الأحاديث، ولأنه بيع غرر، لأنه بيع معدوم من مجهول غير مقدور على تسليمه وغير مملوك للعاقد. والله أعلم (٢). • وقال المازرى: المعاومة: هى في العرف بيع الثمر سنين. وعلة المنع أنه من بيع الثمار قبل بدو صلاحها. ولأنه إذا باع سنين فمعلوم أن ما في السنة الثانية لم يوجد. وإذا منع بيعها بعد الوجود وقبل بدو الصلاح، فكيف إذا لم توجد؟ (٣). • وقال أبو عمر ابن عبد البر: قوله في الحديث "حتى تحمر" يدل على أن الثمار إذا بدا فيها الاحمرار وكانت مما تطيب إذا احمرت مثل ثمر النخل وشبهها حل بيعها، وقبل ذلك لا يجوز بيعها، إلا على القطع في الحين. وقوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة" أي إذا بعتم الثمرة قبل بدو طيبها ومنعها الله كنتم قد ركبتم الغرر وأخذتم مال المبتاع بالباطل، لأن الأغلب في الثمار أن تلحقها الجوائح قبل ظهور الطيب فيها، فإذا طابت أو طاب أولها أمنت عليها العاهة في الأغلب وجاز بيعها، لأنّ الأغلب من هذا كله السلامة (٤). • وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: فيه بيان أن في ذلك أكلًا للمال بالباطل، حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض مضمون وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هى كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل

стр. 1819

الأموال بالباطل: فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها (١). • وقال ابن قدامة: لا تخلو الثمرة المباعة من أن يكون قد بدا صلاحها أو لم يبد فإن بدا صلاحها جاز البيع مطلقًا بدون خلاف. أما إذا لم يبد صلاحها فلا تخلو حالة الشراء من ثلاثة أوجه: الأول: أن يشترط المشترى بقاءها إلى الحصاد والجز. فهذا لا يجوز ودليله الإجماع المنعقد على ذلك، وسنده أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" (٢). وحكى ابن المنذر إجماع العلماء على هذا. الثاني: أن يشترط البائع على المشترى القطع في الحال، وحكمه الجواز لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. وقد روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، قال: "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه" (٣). وليس فيها غرر، فهو يدخل على بصيرة، وإن كان البيع قبل بدو الصلاح مع شرط القطع لا فائدة فيه غالبًا, ولهذا فحصول مثل هذا نادر أَوْ لا يكاد يقع لأن الإنسان إنما يشترى ما ينفعه والثمرة قبل بدو صلاحها لا نفع فيها في الغالب. الثالث: أن يبيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط، وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا البيع على قولين: القول الأول: هذا البيع باطل. وهذا مذهب مالك والشافعى وأحمد. وحجتهم ما سبق من حديث أنس ﵁. القول الثاني: يجوز مثل هذا البيع، ويقطع في الحال. وهذا مذهب أبى حنيفة. وحجته: أن إطلاق العقد يقتضى القطع فهو كما لو اشترطه، وفسر عن البيع بأنه بيعها مدركة قبل إدراكها بدلالة قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه" (٤).

стр. 1820

وحاصل قوله يرجع إلى النتيجة التي ذهب إليها الجمهور وهي المنع من البيع بشرط البقاء، لأنه أجاز البيع بشرط القطع. • واختار ابن قدامة ﵀ القول الأول وهو عدم الجواز (١). جمهور الفقهاء -بوجه عام- على أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، غير جائز ولا صحيح (٢). ٩ - بيع المجهول: • عن ابن عباس ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا صوف على ظهر، ولا سمن في لبن، ولا لبن في ضرع" (٣). ١٠ - بيع الثنيا (أو استثناء المجهول في البيع): عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة وعن الثنيا ورخص في العرايا" (٤). ومعنى الثنيا: الاستثناء، وهي في البيع: أن يبيع شيئًا ويستثنى بعضه، فإن كان المستثنى معلومًا، كشجرة معلومة من أشجار بيعت صح البيع. وإن كان مجهولًا كبعض الأشجار، لم يصح. لما فيه من الجهالة والغرر وأكل مال الناس بالباطل. ١١ - بيع ما ليس عندك والرخصة في بيع السلم أو السلف: • عن حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتينى الرجل يسألنى من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك" (٥). • عن حكيم بن حزام قال: "نهانى رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي" (٦).

стр. 1821

قوله: "أبتاع له من السوق ثم أبيعه". مقصود السائل أنه هل يبيع ما ليس عنده ثم يشتريه من السوق ثم يسلمه للمشترى الذي اشترى له منه. "قال لا تبع ما ليس عندك" أي شيئًا ليس في ملكك حال العقد (١). • قال الخطابى: قوله: "لا تبع ما ليس عندك" يريد بيع العين دون بيع الصفة ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جَمَلُه الشارد، ويدخل في ذلك كل شىء ليس بمضمون عليه مثل أن يشترى سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها، ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك لأنه يبيع ما ليس عنده ولا في ملكه يجيزه وهو غرر لأنه لا يدرى هل يجيزه صاحبه أم لا؟ والله أعلم (٢). • أما بيع السلم أو السلف فهو بمعنى واحد وسمى السلم سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسمى سلفًا لتقديمه قبل أوان استلام المبيع. • ومعنى بيع السلم أو السلف: هو بيع آجل بعاجل، أو بيع شىء موصوف في الذمة أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المثمن لأجل، وبعبارة أخرى: هو أن يسلم عوضًا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل. مثاله: كأن يقول صاحب السلم: اشتريت منك طِنًّا من الأرز صفته كذا إلى أجل كذا بسعر خمسمائة جنيهًا ويعطيه الثمن حالًا. وقبل المسلم إليه (صاحب الأرز). وهذا النوع جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣). قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه" (٤).

стр. 1822

• عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، قال: من أسلف في شىء ففى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١). أما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم أو على الزرع ونحوها حتى تنضج، فجوز لهم السلم دفعًا للحاجة. • وقد استثنى عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم، لما فيه من تحقيق مصلحة اقتصادية، ترخيصًا للناس، وتيسيرًا عليهم، وصرح في المدونة بأن السلم رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه. • وقال زكريا الأنصارى: السلم عقد غرر جُوِّز للحاجة (٢). • قال القرافى: السلف رخَّص فيه صاحب الشرع لمصلحة المعروف بين العباد فاستثناه لذلك (٣). ظن بعض العلماء خروجه عن القياس وعده من "باب بيع ما ليس عندك" المنهى عنه في حديث حكيم بن حزام. ولكن هذا الظن بعيد عن الصواب وليس بشىء، فإن حديث حكيم بن حزام يراد به بيع عين معينة ليست في ملك البائع حينما أجرى عليها العقد، وإنما يشتريها من صاحبها فيسلمها للمشترى الذي اشتراها منه قبل دخولها في ملكه، وهذا هو صريح الحديث وقصته. فأما السلم فهو متعلق بالذمة لا العين، فهو بيع موصوف في الذمة، لذا فهو على وفق القياس، والحاجة داعية إليه (٤). • وقال ابن القيم ﵀: وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور

стр. 1823

له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه. فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع" (١). ثانيًا: البيوع المحرمة بسبب الربا: • وقد سبق تعريف الربا: لغة وشرعًا. • وهي زيادة في شىء مخصوص. بمعنى (٢): ليس كل زيادة ربا في الشرع، وليس كل زيادة في بيع ربا، فإذا كان المبيعات مما تجوز فيه الزيادة فلا بأس، فلو بعت سيارة بسيارتين فلا بأس، وكتابًا بكتابين فلا بأس، لأنه ليس كل زيادة تكون ربا. بل الزيادة التي تكون ربا هى: ما إذا وقع العقد بين شيئين يحرم بينهما التفاضل كالذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، ويقاس عليها ما يماثلها في العلة. • وقد اختلف العلماء في العلة: • فمذهب الحنفية والحنابلة: أن العلة في الأصناف الأربعة: الكيل، وفي الذهب والفضة: الوزن. • وعند المالكية: العلة في الأصناف الأربعة: الاقتيات والادخار، وفي الذهب والفضة: العلة فيهما غلبة الثمنية، أو جوهر الثمنية، فالعلة قاصرة على الذهب والفضة. • وعند شيخ الإِسلام في الاختيارات: العلة في الأصناف الأربعة: الطعم مع الكيل أو الوزن، وفي الذهب والفضة، مطلق الثمنية، وعليه فإن العلة متعدية إلى غيرهما كالفلوس والأوراق النقدية. • وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -: وأقرب شىء أن يقال: إن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواءً كانا نقدين أو غير نقدين، والدليل على أن الربا يجرى في الذهب والفضة، وإن كانا غير نقدين: حديث القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد "أنه اشترى قلادة فيها

стр. 1824

ذهب وخرز باثنى عشر دينارًا ففصلها فوجد فيها أكثر، فنهى النبى ﷺ أن تباع حتى تفصل" (١). • ومعلوم أن القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجرى الربا في الذهب والفضة مطلقًا سواء كانتا نقدًا، أم تبرا (٢) أم حليًّا على أي حال كانت، ولا يجرى الربا في الحديد والرصاص والصفر (النحاس) والماس وغيرها من أنواع المعادن. • أما العلة في الأربعة: كونها مكيلة مطعومة، يعني أن العلة مركبة من شيئين الكيل والطعم، إذ هذا هو الواقع فهي مكيلة مطعومة ويظهر أثر الخلاف في الأمثلة: فإذا باع صاعًا من دقيق بصاعين منه فإذا قلنا: إن العلة الكيل فلا يجوز، وإن قلنا: إن العلة الطعم جاز، وإن قلنا: العلة الكيل مع الطعم جاز أيضًا. • وإذا باع فاكهة بجنسها متفاضلة فإن قلت: العلة الطعم فلا يجوز، وإن قلنا: العلة الكيل جاز، وإن قلنا: العلة الكيل مع الطعم جاز، فالأمثلة تبنى على الخلاف في تحديد العلة. • فإن قال قائل: سلمنا أنها مطعومة في البر والشعير والتمر، لكن ما القول في الملح؟ أجاب عنه شيخ الإِسلام: بأن الملح يصلح به الطعام فهو تابع له، ولهذا يقال: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" فالملح من توابع الطعام، وبناءً على هذا التعليل يجرى الربا في التوابل التي يصلح بها الطعام، لأنها تابعة له. انتهى. • وليس القصد هنا ذكر أحكام الربا وشروطه ومسائله، بل القصد هنا التعرف على أحكام بعض البيوع الربوية، وهي التي ورد النهى عنها في السنة. • ومن هذه البيوع ما يلي: ١ - بيع العينة: العينة لغة: السلف. وشرعًا: هو أن يبيع البائع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلم إلى المشترى ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل مما باع به وينقده الثمن. ومثاله: قول القائل أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، فهذا بيع نسيئة، ثم إنى اشتريتها من هذا الرجل بثمانية عشر ألفًا.

стр. 1825

فهذا حرام لا يجوز، لأنه حيلة واضحة، لأن الرجل أعطى عينًا وأخذ عينًا، والعين النقد. وهي محرمة لقول النبى ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١). إذًا هو محرم، بل من كبائر الذنوب (٢). • من مسائل العينة في زماننا: • قال الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله تعالى -: ومن مسائل العينة أو من التحيل على الربا ما يفعله بعض الناس اليوم، يحتاج إلى سيارة، ويذهب إلى تاجر، ويقول أنا أحتاج السيارة الفلانية في المعرض الفلانى، فيذهب التاجر ويشتريها من المعرض بثمن، ثم يبيعها بأكثر من الثمن على هذا الذي احتاج السيارة إلى أجل، فهذا حيلة ظاهرة على الربا, لأن حقيقة الأمر أنه أقرضه ثمن السيارة الحاضرة بزيادة، لأنه لولا طلب هذا الرجل ما اشتراها ولا قرب إليها، وهذه حيلة واضحة، وإن كان مع الأسف كثير من الناس انغمس فيها, ولكن لا عبرة بعمل الناس، العبرة بتطبيق الأحكام على النصوص الشرعية. وكذلك أيضًا انتشرت حيلة سابقة: يأتى الفقير إلى شخص فيقول أنا أحتاج ألف ريال، فيذهب التاجر إلى صاحب دكان عنده أكياس رز أو أي شىء فيشترى التاجر الأكياس من صاحب الدكان مثلًا بألف ريال، ثم يبيعها على المحتاج بألف ومائتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يباع قبل قبضه، فكيفية القبض عندهم أن يمسح على الأكياس بيده، مع أن النبى ﷺ "نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوذها التجار إلى رحالهم" (٣) فهل هذا قبض؟ هذا يسمى عَدًّا ولا يسمى قبضًا، لكن كانوا يفعلون هذا، بعد ذلك يأتى الفقير إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه الأكياس، ويبيعها عليه بأقل مما اشتراها من التاجر، لأن الفقير يريد دراهم ولا يريد أكياس طعام، فمثلًا يبيعها على صاحب الدكان بألف إلا مائة ريال، فيؤكل
следующие страницы →