← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قوله: "أبتاع له من السوق ثم أبيعه". مقصود السائل أنه هل يبيع ما ليس عنده ثم يشتريه من السوق ثم يسلمه للمشترى الذي اشترى له منه. "قال لا تبع ما ليس عندك" أي شيئًا ليس في ملكك حال العقد (١). • قال الخطابى: قوله: "لا تبع ما ليس عندك" يريد بيع العين دون بيع الصفة ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جَمَلُه الشارد، ويدخل في ذلك كل شىء ليس بمضمون عليه مثل أن يشترى سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها، ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك لأنه يبيع ما ليس عنده ولا في ملكه يجيزه وهو غرر لأنه لا يدرى هل يجيزه صاحبه أم لا؟ والله أعلم (٢). • أما بيع السلم أو السلف فهو بمعنى واحد وسمى السلم سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسمى سلفًا لتقديمه قبل أوان استلام المبيع. • ومعنى بيع السلم أو السلف: هو بيع آجل بعاجل، أو بيع شىء موصوف في الذمة أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المثمن لأجل، وبعبارة أخرى: هو أن يسلم عوضًا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل. مثاله: كأن يقول صاحب السلم: اشتريت منك طِنًّا من الأرز صفته كذا إلى أجل كذا بسعر خمسمائة جنيهًا ويعطيه الثمن حالًا. وقبل المسلم إليه (صاحب الأرز). وهذا النوع جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣). قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه" (٤).

стр. 1822

• عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، قال: من أسلف في شىء ففى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١). أما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم أو على الزرع ونحوها حتى تنضج، فجوز لهم السلم دفعًا للحاجة. • وقد استثنى عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم، لما فيه من تحقيق مصلحة اقتصادية، ترخيصًا للناس، وتيسيرًا عليهم، وصرح في المدونة بأن السلم رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه. • وقال زكريا الأنصارى: السلم عقد غرر جُوِّز للحاجة (٢). • قال القرافى: السلف رخَّص فيه صاحب الشرع لمصلحة المعروف بين العباد فاستثناه لذلك (٣). ظن بعض العلماء خروجه عن القياس وعده من "باب بيع ما ليس عندك" المنهى عنه في حديث حكيم بن حزام. ولكن هذا الظن بعيد عن الصواب وليس بشىء، فإن حديث حكيم بن حزام يراد به بيع عين معينة ليست في ملك البائع حينما أجرى عليها العقد، وإنما يشتريها من صاحبها فيسلمها للمشترى الذي اشتراها منه قبل دخولها في ملكه، وهذا هو صريح الحديث وقصته. فأما السلم فهو متعلق بالذمة لا العين، فهو بيع موصوف في الذمة، لذا فهو على وفق القياس، والحاجة داعية إليه (٤). • وقال ابن القيم ﵀: وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور

стр. 1823

له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه. فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع" (١). ثانيًا: البيوع المحرمة بسبب الربا: • وقد سبق تعريف الربا: لغة وشرعًا. • وهي زيادة في شىء مخصوص. بمعنى (٢): ليس كل زيادة ربا في الشرع، وليس كل زيادة في بيع ربا، فإذا كان المبيعات مما تجوز فيه الزيادة فلا بأس، فلو بعت سيارة بسيارتين فلا بأس، وكتابًا بكتابين فلا بأس، لأنه ليس كل زيادة تكون ربا. بل الزيادة التي تكون ربا هى: ما إذا وقع العقد بين شيئين يحرم بينهما التفاضل كالذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، ويقاس عليها ما يماثلها في العلة. • وقد اختلف العلماء في العلة: • فمذهب الحنفية والحنابلة: أن العلة في الأصناف الأربعة: الكيل، وفي الذهب والفضة: الوزن. • وعند المالكية: العلة في الأصناف الأربعة: الاقتيات والادخار، وفي الذهب والفضة: العلة فيهما غلبة الثمنية، أو جوهر الثمنية، فالعلة قاصرة على الذهب والفضة. • وعند شيخ الإِسلام في الاختيارات: العلة في الأصناف الأربعة: الطعم مع الكيل أو الوزن، وفي الذهب والفضة، مطلق الثمنية، وعليه فإن العلة متعدية إلى غيرهما كالفلوس والأوراق النقدية. • وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -: وأقرب شىء أن يقال: إن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواءً كانا نقدين أو غير نقدين، والدليل على أن الربا يجرى في الذهب والفضة، وإن كانا غير نقدين: حديث القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد "أنه اشترى قلادة فيها

стр. 1824

ذهب وخرز باثنى عشر دينارًا ففصلها فوجد فيها أكثر، فنهى النبى ﷺ أن تباع حتى تفصل" (١). • ومعلوم أن القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجرى الربا في الذهب والفضة مطلقًا سواء كانتا نقدًا، أم تبرا (٢) أم حليًّا على أي حال كانت، ولا يجرى الربا في الحديد والرصاص والصفر (النحاس) والماس وغيرها من أنواع المعادن. • أما العلة في الأربعة: كونها مكيلة مطعومة، يعني أن العلة مركبة من شيئين الكيل والطعم، إذ هذا هو الواقع فهي مكيلة مطعومة ويظهر أثر الخلاف في الأمثلة: فإذا باع صاعًا من دقيق بصاعين منه فإذا قلنا: إن العلة الكيل فلا يجوز، وإن قلنا: إن العلة الطعم جاز، وإن قلنا: العلة الكيل مع الطعم جاز أيضًا. • وإذا باع فاكهة بجنسها متفاضلة فإن قلت: العلة الطعم فلا يجوز، وإن قلنا: العلة الكيل جاز، وإن قلنا: العلة الكيل مع الطعم جاز، فالأمثلة تبنى على الخلاف في تحديد العلة. • فإن قال قائل: سلمنا أنها مطعومة في البر والشعير والتمر، لكن ما القول في الملح؟ أجاب عنه شيخ الإِسلام: بأن الملح يصلح به الطعام فهو تابع له، ولهذا يقال: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" فالملح من توابع الطعام، وبناءً على هذا التعليل يجرى الربا في التوابل التي يصلح بها الطعام، لأنها تابعة له. انتهى. • وليس القصد هنا ذكر أحكام الربا وشروطه ومسائله، بل القصد هنا التعرف على أحكام بعض البيوع الربوية، وهي التي ورد النهى عنها في السنة. • ومن هذه البيوع ما يلي: ١ - بيع العينة: العينة لغة: السلف. وشرعًا: هو أن يبيع البائع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلم إلى المشترى ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل مما باع به وينقده الثمن. ومثاله: قول القائل أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، فهذا بيع نسيئة، ثم إنى اشتريتها من هذا الرجل بثمانية عشر ألفًا.

стр. 1825

فهذا حرام لا يجوز، لأنه حيلة واضحة، لأن الرجل أعطى عينًا وأخذ عينًا، والعين النقد. وهي محرمة لقول النبى ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١). إذًا هو محرم، بل من كبائر الذنوب (٢). • من مسائل العينة في زماننا: • قال الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله تعالى -: ومن مسائل العينة أو من التحيل على الربا ما يفعله بعض الناس اليوم، يحتاج إلى سيارة، ويذهب إلى تاجر، ويقول أنا أحتاج السيارة الفلانية في المعرض الفلانى، فيذهب التاجر ويشتريها من المعرض بثمن، ثم يبيعها بأكثر من الثمن على هذا الذي احتاج السيارة إلى أجل، فهذا حيلة ظاهرة على الربا, لأن حقيقة الأمر أنه أقرضه ثمن السيارة الحاضرة بزيادة، لأنه لولا طلب هذا الرجل ما اشتراها ولا قرب إليها، وهذه حيلة واضحة، وإن كان مع الأسف كثير من الناس انغمس فيها, ولكن لا عبرة بعمل الناس، العبرة بتطبيق الأحكام على النصوص الشرعية. وكذلك أيضًا انتشرت حيلة سابقة: يأتى الفقير إلى شخص فيقول أنا أحتاج ألف ريال، فيذهب التاجر إلى صاحب دكان عنده أكياس رز أو أي شىء فيشترى التاجر الأكياس من صاحب الدكان مثلًا بألف ريال، ثم يبيعها على المحتاج بألف ومائتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يباع قبل قبضه، فكيفية القبض عندهم أن يمسح على الأكياس بيده، مع أن النبى ﷺ "نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوذها التجار إلى رحالهم" (٣) فهل هذا قبض؟ هذا يسمى عَدًّا ولا يسمى قبضًا، لكن كانوا يفعلون هذا، بعد ذلك يأتى الفقير إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه الأكياس، ويبيعها عليه بأقل مما اشتراها من التاجر، لأن الفقير يريد دراهم ولا يريد أكياس طعام، فمثلًا يبيعها على صاحب الدكان بألف إلا مائة ريال، فيؤكل

стр. 1826

المسكين الفقير من الجانبين، من جانب التاجر الأول ومن صاحب الدكان، فصاحب الدكان أخذ منه مائة ريال، والتاجر أخذ مائتين زائدًا على الألف، وهذه سماها شيخ الإسلام ﵀ الحيلة الثلاثية، لأنها مكونة من ثلاثة أشخاص، ومسائل الربا لا تحل بالحيل (١). انتهى. قلت (فؤاد): ومن مسائل العينة في عصرنا أيضًا ما يسميه بعض التجار "الحرق" أي حرق السلعة بمعنى أنه يبيع مثلًا الثلاجة للمشترى بمبلغ ١٥٠٠ جنيه مؤجلًا على أقساط، ويشتريها منه نقدًا بمبلغ ١٠٠٠ جنيه. • ومنهم من يقوم ببناء البيت لشخص ما فيتكلف عليه عشرون ألفًا، ويبدأ يقبض من صاحب البيت مؤجلًا ثلاثين ألفًا، أو يعمل له عمرة للسيارة وغير ذلك من الحيل الربوبية، فانتهوا أيها المرابون حتى لا تصيبكم حرب الله تعالى، واعلم أن رزقك الذي كتب لك سوف يأتيك فاطلبه بالحلال ولا تستعجل فتطلبه بالحرام، ولو صبرت لجاءك بالحلال. • قال الشيخ ابن العثيمين ﵀: واعلم: أنه كلما احتال الإنسان على محرم لم يزدد إلا خبثًا، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه صار أخبث، لأنك جمعت بين حقيقة المحرم وبين خداع الرب ، والله لا تخفى عليه خافية "وإنما الأعمال بالنيات" (٢) ولولا الزيادة الربوية ما عرفت هذا الرجل، والعجيب أن الشيطان يغر ابن آدم فيقول: نحن نفعل هذا رحمة بالفقير من أجل أن تتيسر أحواله، ولولا هذا ما تيسرت، لكن أقول لكم كلما كان أفقر صارت الزيادة عليه أكثر، فهذه نقمة وليست رحمة، فمثلًا: يأتى إنسان متوسط الحال يستدين من هذا الرجل فيبيع عليه ما يساوى ألفًا بألف ومائتين، ويأتى إنسان آخر يستدين من أجل أن يأكل هو وأهله فيبيع عليه ما يساوى ألفًا بألف وخمسمائة، فيقول: لأن هذا لا يفى، ومتى يفى؟ فأين الرحمة؟ ولو كان غرضه الرحمة بالفقير لكان هذا الثاني أولى بالرحمة من الأول المتوسط الحال، لكن الشيطان يلعب على ابن آدم (٣). انتهى.

стр. 1827

• وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فيا سبحان الله! أيعود الربا الذي عظَّم الله شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحله، ولعن آكله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجىء في غيره إلى أن يستحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفة فيها أصلًا إلا بصورة عقد هى عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها؟ (١). ٢ - بيع المزابنة والرخصة في العرايا: المزابنة: مأخوذة من الزَبْن. وهو في اللغة: الدفع لأنها تؤدى إلى النزاع والمدافعة. وفي الاصطلاح الفقهى: المزابنة: هى كل شىء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، ابتيع بشىء مسمى من الكيل، والوزن، والعدد ظنًا وتقديرًا، وذلك بأن يقدر مثلًا الرطب على النخل بمقدار مائة صاع، فيبيع بقدره من التمر. • عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطة، إن كانت نخلًا، بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا، أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا، أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله" (٢). • عن جابر بن عبد الله ﵄: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة" (٣). • عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر (بالتمر) وقال: "ذلك الربا، تلك المزابنة" إلا أنه رخص في بيع العريَّة النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت يخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا" (٤). • والعريَّة: مفرد العرايا. • وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض. • اتفق العلماء على تحريم بيع المزابنة لأنها ربا، لأنه بيع مكيل بمكيل من جنس مع عدم المساواة بينهما بالكيل أو لعدم العلم بالمماثلة فيهما. • قال صديق حسن خان ﵀:

стр. 1828

والذي أخبرنا بتحريم الربا، ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا، والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعام ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأى، وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة: كما روى عن أبي حنيفة ﵀ ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر (١). فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك (٢). • قال ابن المنذر: ادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه ﷺ من بيع الثمر بالتمر وهذا مردود لأن الذي روى النهى عن بيع الثمر بالتمر هو الذي روى الرخصة في العرايا فأثبت النهى والرخصة معًا (٣). • وعند الحنابلة: (لا تجوز العريَّة إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشترى إلى الرطب. والله أعلم) (٤). ٣ - بيع المحاقلة: المحاقلة في اللغة: مأخوذة من الحقل: وهو الحرث، وموضع الزرع. • وفي الاصطلاح: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية بالظن والتقدير. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة" (٥). • قال النووى ﵀: اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربا، وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع العنب بالزبيب، وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة (٦).

стр. 1829

• ولا يختلف الفقهاء في أن بيع المحاقلة غير جائز، وهو فاسد عند الحنفية، باطل عند غيرهم، وذلك لحديث جابر السابق ذكره، ولأنه بيع مكيل بمكيل من جنسه، فلا يجوز خرصا (ظنًّا وتقديرًا) لأن فيه شبهة الربا الملحقة بالحقيقة في التحريم. ولعدم العلم بالمماثل، والجهل بالتساوى كالعلم بالتفاضل وأيضًا تزيد المحاقلة -كما قال الشافعية على المزابنة- فإن المقصود من المبيع فيها مستور بما ليس من صلاحه فانتفت الرؤيا أيضًا (١). ٤ - بيع اللحم بالحيوان: عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (٢). • قال أبو عمر ابن عبد البر: وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث وفي معناه، فكان مالك يقول: المراد من هذا الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد، وهو عنده من باب المزابنة والغرر, لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر. • وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلًا، فكذلك بيع الحيوان باللحم إذا كانا من جنس واحد، والجنس الواحد عنده. الإبل والبقر والغنم وسائر الوحش وذوات الأربع المأكولات، هذا كله عنده جنس واحد؛ لا يجوز بيع لحمه بلحمه إلا مثلًا بمثل. • ولحوم الطير كلها صنف واحد: الإوز، والبط، والدجاج، والحمام واليمام، ولا يجوز لحم شىء منه بشىء من الجنس المذكور، إلا مثلًا بمثل، ويجوز على التحرى. قال ابن عبد الحكم: لا يجوز التحرى إلا فيما قل مما يدرك ويلحقه التحرى، وأما ما كثر، فلا يجوز فيه التحرى، لأنه لا يحاط بعلمه انتهى باختصار (٣).

стр. 1830

٥ - بيع الأشياء بجنسها وبينهما فضل، أو بغير جنسها نسيئة كان ربا: عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر يدًا بيد كيف شئتم، وأما نسيئة فلا" (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" (٢). عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: جاء بلال إلى النبى ﷺ بتمر بَرْنىٍّ، فقال له النبى ﷺ : "من أين هذا؟ " قال بلال: كان عندي تمر ردىء، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبى ﷺ . فقال النبى ﷺ عند ذلك: "أوّه، أوّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشترى فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به" (٣). • قال ابن عبد البر: الربا عند جماعة العلماء في المصنف الواحد يدخله من جهتين، وهما: النساء والتفاضل، فلا يجوز شىء من الأنواع الستة بمثله إلا يدًا بيد مثلًا بمثل على ما نص عليه الرسول ﷺ ، فإذا اختلف الجنس جاز فيه التفاضل، ولم يجيز فيه النساء. وقاسوا عليها ما أشبهها وما كان في معناها (٤). • قال الإِمام البغوي - عن حديث "لا تبيعوا الذهب بالذهب" الحديث. - في الحديث بيان تحريم الفضل والنساء في الصرف عند اتفاق الجنس. - وفي الحديث دليل على أنه لو باع حُليًّا من ذهب بذهب لا يجوز إلا متساويين في الوزن، ولا يجوز طلب الفضل للصنعة، لأنه يكون بيع ذهب بذهب مع الفضل. وفيه دليل على أنه لو باع مال الربا بجنسه ومعهما، أو مع أحدهما شىء آخر، مثل أن باع درهمًا ودينارًا بدينارين أو بدرهمين، أو باع درهمًا وثوبًا بدرهمين، أو بدرهم وثوب، لا يجوز، لأن اختلاف الجنس في أحد شقى الصفقة

стр. 1831

يوجب توزيع ما في مقابلتهما عليهما باعتبار القيمة وعند التوزيع يظهر الفضل، أو يوجب الجهل بالتماثل حالة العقد، والجهل بالتماثل في بيع مال الربا بجنسه بمنزلة يقين التفاضل في إفساد البيع، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب النبى ﷺ ، وهذا قول شريح، وابن سيرين، وإبراهيم النخعى، وإليه ذهب ابن المبارك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق (١). • ومن ذلك لا يجوز إبدال الذهب القديم بالجديد مع إعطاء الفرق بمعنى أن المرأة تعطى الصائغ ١٠٠ جم من الذهب القديم وتستبدله بوزن ٢٠٠ جم وتدفع الفرق من الجنيهات مثلًا. وهذه صورة من صور الربا المحرم. • وقد سئل الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله تعالى - عن ذلك فقال: لا يجوز أن تبدل ذهبًا رديئًا بذهب طيب وتعطى الفرق. هذا محرم ولا يجوز ويدل لذلك ما يثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة بلال ﵁: جاء إلى النبى ﷺ بتمر جيد فقال له: "من أين هذا" قال بلال: كان عندنا تمر ردىء فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبى ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "أوه لا تفعل عين الربا عين الربا" (٢). فبين الرسول ﷺ أن زيادة ما يجب فيه التساوى من أجل اختلاف الوصف أنها هى عين الربا وأنه لا يجوز للمرء إن يفعله ولكن سول الله ﷺ كعادته أرشده إلى الطريق المباح فأرشده النبى ﷺ إلى أن يبيع الردىء بدراهم ثم يشترى بالدراهم تمرًا جيدًا وعلى هذا فنقول إذا كان لدى المرأة ذهب ردىء أو ذهب ترك الناس لبسه فإنها تبيعه بالسوق ثم تأخذ الدراهم وتشترى بها ذهبًا طيبًا تختار هذه الطريقة التي أرشد إليها نبينا ﷺ (٣). ومن الأخطاء أيضًا بيع الذهب بالأجل، فلابد أن يكون يدًا بيد أي خذ وهات بمعنى ادفع الثمن حالًا وخذ ذهبك وزنًا أما إذا أخذ الذهب ودفع نصف المبلغ أو تبقى من المبلغ شىء لو يسيرًا أعطاه بعد يوم أو أكثر فهذا لا يجوز لقوله ﷺ في الحديث السابق: "بيعوا الذهب بالذهب ... يدًا بيد كيف شئتم، وأما نسيئة فلا".

стр. 1832

والنسيئة هى التأخير عن الدفع حالًا. وكذلك لا يجوز بيع الذهب بالشيكات، وذلك لأن الشيكات ليست قبضًا، وإنما هى وثيقة حوالة فقط (١). وكذلك لا يجوز بيع العملة بأجل، فتأخير أحدهما من ربا النسأ، وهو حرام مطلقًا (٢). ولا يجوز بيع العملات من الجنس الواحد متفاضلة فمثلًا نجد بعض الناس يشترى فئة عشرة جنيهات القديمة بفئة عشرين جنيهًا، بزعم قد أصبحت عُملة أثرية. فهذا لا يجوز للحديث السابق ذكره. "الدينار بالدينار لا فضل بينها ... ". إذ الجنس الواحد لابد فيه من التقابض والتساوى في بيع بعضه ببعض، وهذا المعنى لا يقتصر على العملات الورقية فقط، بل كل الأجناس الربوية تأخذ نفس الحكم لعموم الأدلة السابقة. ٦ - بيع الكالئ بالكالئ (الدَّين بالدين): عن ابن عمر ﵄ أن النبى ﷺ : "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني الدَّين بالدَّين" (٣). على ضعف هذا الحديث. أجمعت الأمة على عدم جواز بيع الدين بالدين. • وفي ذلك يقول الإِمام أحمد ﵀: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين (٤). • وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز (٥).

стр. 1833

• ومعنى الكالئ بالكالئ: أي النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشترى الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شىء، فيبيعه منه ولا يجرى بينهما تقابض (١). - وهذه الصورة محرمة بإجماع الأمة، لما فيها من الربا الحرام تطبيقًا لقاعدة "زدنى في الأجل وأزيدك في القدر". ولكن لبيع الدين صور أخرى منها ما هو جائز ومنها ما هو حرام. فمثلًا: بيع الدين على الغير: فلا يجوز أن يباع بالدين بل ولا بالعين. مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مائة صاع بُر فجعل هذا الرجل يطلبه يقول أعطنى يا فلان وهو يماطل به، فقيل للرجل الذي له الحق نعطيك عنها مائة درهم، ونحن نأخذها من المطلوب فلا يجوز، حتى وإن كان بعين فإنه لا يجوز، فلو قيل: لهذا الرجل الذي له مائة صاع في ذمة فلان سوف نعطيك عنها مائة ريال تأخذها نقدًا فإنه لا يجوز، لأنه يشبه أن يكون غير مقدور على تسليمه، وإذا كان كذلك فإنه يكون فيه غرر إذ إن المطلوب قد يوفى كاملًا وقد لا يوفى فلا يصح. لكن لو كان الذي اشترى دين فلان قادرًا على أخذه منه كرجل له سلطة يستطيع أن يأخذ هذا المال الذي في ذمة الرجل في ساعة فالصحيح: أنه يجوز، لأن العلة عن نهى بيع ما في الذمم إنما هى الخوف من الغرر، وعدم الاستلام فإذا زالت العلة زال المعلول وزال الحكم. ولكن إذا قلنا يجوز إذا كان قادرًا على أخذه لابد أن يكون المدين قد أقر بالدين، أما إذا كان منكرًا، وجاء إنسان وقال أنا أريد أن أشترى دين فلان الذي هو لك وهو منكر ولم يقر، ولكن قال أخاطر فأشتريه وأطالبه عند القاضى فلا يجوز، لأنه مخاطرة، لكن كلامنا فيما إذا باع دينًا في ذمة مقر على شخص قادر على استخراجه، فالصواب أنه جائز. ومن صوره بيع الدين على من هو في ذمته. مثاله: أنا أطلب شخصًا مائة صاع بُر فجاء إلىَّ وقال: أنا ليس عندي بُر، ولكن أنا أعطيك عن المائة صاع مائتى ريال، فهنا بيع دين بدين ففيه تفصيل. إن كان باعه بسعر وقته فلا بأس وإن باعه بأكثر فإنه لا يجوز.

стр. 1834

والدليل: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم" فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شىء" (١) فاشترط النبى ﷺ شرطين: الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها. الشرط الثاني: أن لا يتفرقا وبينهما شىء. فالعلة في الشرط الأول: إذ إنه إذا أخذها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه. وقد نهى النبى ﷺ : "عن ربح ما لم يضمن" (٢). مثاله: الدينار يساوى عشرة فقال: أنا آخذ منك: بأحد عشر فهذا لا يجوز، لأن الذي أخذ بأحد عشر بدل الدينار ربح درهمًا فربح في شىء لم يدخل في ضمانه، لأن الدنانير في ضمان من هو في ذمته، ولم يدخل عليه إلى الآن. والمعنى: أن ربح ما لم يضمن: هو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها نهى من ضمان البائع الأول ليس من ضمانه فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه فيكون في ضمانه. أما العلة في الشرط الثاني: لأنه سيأخذ عن الدنانير دراهم وبيع الدنانير بالدراهم لابد فيها من القبض في مجلس العقد، وحينئذ لو لم يقبض لبطل العقد، كما لو باع دنانير بدراهم ولم يقبض فإنه يبطل العقد (٣). والخلاصة: أن الأصل عدم جواز بيع الدين في الصرف، لأنه يؤدى إلى الربا. وأما في غير الصرف والسلم فبيع الدين إذا كان من المدين نفسه فجائز في أكثر صوره لحصول القبض من قبل، وإذا كان لغير المدين فإن كان بثمن عين فيجوز في أكثر صوره، بشرط كون الدين مستقرًا، وكون المدين مليا ومقرا، لإمكان التسليم والقبض، وعدم الغرر والضرر، وأما بيع الدين لغير المدين بالدين

стр. 1835

فإنه لا يجوز في أكثر صوره، لما فيه من الغرر والجهالة والنهى الوارد في ذلك من عدم جواز بيع الكالئ بالكالئ (١). ٧ - بيعتين في بيعة وهل يلحق بهذا النوع البيع بالتقسيط؟ • عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة" (٢). • عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبى ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (٣). • واختلف العلماء في معنى بيعتين في بيعة: قال الترمذى ﵀: والعمل على هذا عند أهل العلم. وقد فسَّر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما، فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما. قال الشافعي: ومن معنى نهى النبى ﷺ عن بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك دارى هذه بكذا. على أن تبيعنى غلامك بكذا. فإذا وجب لي غلامك وجب لك دارى، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدرى كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته (٤). • قال الخطابى ﵀ في معالم السنن تعليقًا على حديث "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا": لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين، إلا شىء يحكى عن الأوزاعى وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل. انتهى. • وتعقبه الشوكانى ﵀ في نيل الأوطار فقال: ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث، لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به. انتهى.

стр. 1836

• وقال أيضًا الخطابى في معالم السنن باختصار: وإنما المشهور عن أبي هريرة عن النبى ﷺ : "أنه نهى عن بيعتين في بيعة" فأما على الوجه الذي ذكره أبو داود، (المقصود حديث ... فله أوكسهما أو الربا) فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شىء بعينه، كأنه أسلفه دينارًا في قفيزين إلى شهر، فهذا بيع ثانٍ قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مُرْبيين. ثم قال: وتفسير ما نهى عنه من بيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما: أن يقونا بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة ونسيئة بخمسة عشر، فهذا لا يجوز لأنه لا يدرى أيهما الثمن الذي يختاره منهما فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع. والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين دينارًا على أن تبيعنى جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضًا فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارًا وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا ألزمه سقط بعض ثمنه، وإذا سقط بعضه صار الباقي مجهولًا. - ومن هذا الباب أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينارين على أن تعطينى بهما دراهم صرف عشرين أو ثلاثين بدينار، فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب، أو عبد وثوب فهذا جائز وليس من باب البيعتين بالبيعة الواحدة، وإنما هى صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم وعقد البيعتين في بيعة واحدة على الوجهين اللذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد. انتهى. - وقوله: "فله أوكسهما" قال الشوكانى ﵀: يدل على أنه باع الشىء الواحد بيعتين، بيعة بأقل وبيعة بأكثر. وقيل في تفسير ذلك هو أن يسلفه دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعنى القفيز الذي لك علىَّ إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة، لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول. كذا في شرح السنن لابن رسلان (١).

стр. 1837

- وفسره الحنابلة بأن يشترط أحد المتبايعين على الآخر عقدًا آخر، كسلف وقرض، وبيع وإجارة وشركة ونحو ذلك، كقول البائع للمشترى: بعتك كذا بكذا على أن تؤجرنى دارك بكذا ونحو ذلك، فهذا الشرط يبطل العقد عندهم من أصله. وحكمه البطلان، لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما يقابله من الثمن، وهو مجهول فيصير الثمن مجهولًا. وفسره بعضهم بأن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بألفين نسيئة، وبألف نقدًا، فأيهما شئت أخذت به. • أما ابن القيم فيقول: (البيعتان في بيعة) أن يبيعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم يشتريها منه بثمانين حالة، فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا. وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا, ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى. أما أخذه بمائة مؤجلة أو بثمانين حالة، فليس في هذا ربا ولا جهالة، وإنما خيره بأى الثمنين شاء. • قال الشيخ عبد الرحمن السعدى: الذي يدخل في النهى عن بيعتين في بيعة مسألة العينة وعكسها، لأن فيه محذور الربا وحيلة الربا. - وأما تفسير الحديث بأن يقول: بعتك هذا البعير بمائة على أن تبيعنى الشاة بعشرة، فلا تدخل لأنه لا محذور في ذلك (١).

стр. 1838

باب في حكم البيع بالتقسيط وهل يلحق ببيعتين في بيعة (١)؟ وفيه مباحث: المبحث الأول: معنى بيع التقسيط لغةً وشرعًا: أولًا: في اللغة: يطلق التقسيط في اللغة على معانٍ منها: ١ - التفريق وحمل الشىء أجزاء، يقال: قسط الشىء أي فرّقه وجعله أجزاء، والدّين جعله أجزاء معلومة تؤدى في أوقات معينة (٢). ٢ - الاقتسام بالسّويّة: يقول الليث: تقسطوا الشىء بينهم أي اقتسموه بالسوية. وفي العباب على القسط والعدل. وفي اللسان على العدل والسواء (٣). فهو بهذا المعنى تجزئة الشىء إلى أجزاء متماثلة، كتأجيل دين بخمسمائة دينار إلى خمسة أسابيع على أن يدفع منه مائة دينار كل أسبوع (٤). ٣ - التقتير، يقال: قسط على عياله النفقة تقسيطًا إذا قترها عليهم. وقال الطرماح: كفاه كف لا يرى سبيها ... مقسطًا رهبة إعدامها (٥)

стр. 1839

٤ - والقسط الحصة والنصيب: يقال: تقسطنا الشىء بيننا أي أخذ كل حصته ونصيبه. ويقال: وفاه قسطه أي نصيبه وحصته (١). ومن خلال استعراضنا لهذه المعانى يظهر أن المعنيين الأول والثانى هما أقربها إلى المعنى الشرعى الاصطلاحى لبيع التقسيط. فهما يفيد أن تفريق الشىء إلى أجزاء على وجه من العدل والمساوة، وإذا كان الشىء المقسط هو الدّين فالمراد جعله أجزاء معلومة تؤدى في أوقات معينة. ثانيًا: في الاصطلاح الشرعى: من المعانى التي يمكن اعتبارها بيانًا للمراد ببيع التقسيط في المفهوم الشرعى: "أن يبيع التاجر السلعة مدفوعة الثمن فورًا بسعر، ومؤجلة أو مقسطة الثمن بسعر أعلى" (٢). "التقسيط: تأجيل أداء الدّين مفرقًا إلى أوقات معينة" (٣). "الثمن المقسط هو ما اشترط أداؤه أجزاء معلومة في أوقات معينة" (٤). ويبدو للناظر في هذه المعانى أن بيع التقسيط من المنظور الشرعى هو بيع السلعة بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال، على أن يكون دفع ذلك الثمن مفوقًا إلى أجزاء معينة، وتؤدى في أزمنة محددة معلومة. • بين التأجيل والتقسيط: لما وضح لنا في ضوء المعنى الشرعى لبيع التقسيط أن عامل الأجل عنصر أساسى فيه ناسب المقام أن نبين العلاقة بين التأجيل والتقسيط. فالتأجيل هو تأخير دفع ثمن السلعة إلى زمن مستقبل سواء كان ذلك الزمن شهرًا أم عامًا، وسواء أكان البائع يقبض الثمن جملة واحدة أم على دفعات. أما التقسيط فهو تأجيل دفع الثمن على أن يقبضه المشتري على دفعات.

стр. 1840

وعليه، يمكن القول بأنه يوجد بين التأجيل والتقسيط علاقة عموم وخصوص مطلق، ففى كل تقسيط تأجيل، فالتأجيل هو العموم المطلق، وقد يكون في التأجيل تقسيط وقد لا يكون. فالتقسيط أخص من التأجيل (١). المبحث الثاني: صورة المسألة: أن بيع التقسيط يحقق مصلحة تعود على كل من البائع والمشترى، إذ تتمثل مصلحة البائع في تيسير السبل وفتح الأبواب لنفاق (*) سلعته وواجبها، أما المشترى فتظهر مصلحته في حصوله على السلعة التي تمس حاجته إليها, ولا يملك ثمنها في الحال، بأن يدفع ذلك الثمن مؤجلًا على دفعات تتناسب وقدراته المالية، علاوة على ما يعطيه الأجل من فرصة لإنماء المال أو كسبه فيدفع الثمن دون عنت أو إرهاق. وعلى هذا، فصورة بيع التقسيط -والذي أخذ طابعًا من الشيوع والانتشار في عصرنا -تتم بأن يقصد المستهلك- لاسيما صاحب الدخل المحدود، والذي يحتاج إلى سلعة تسد حاجة من حاجاته أو توفر له أسباب العيش الكريم، أو تجلب له الكسب والنماء أحيانًا من غسالة أو ثلاجة أو سيارة وغير ذلك من الأدوات والآلات الكهربائية والميكانيكية والأثاث -يقصد- التاجر الذي يبيع هذه المواد بالتقسيط فيخبره بثمنها إذا أراد أن يدفع حالًا وثمنها إذا أراد أن يدفع مقسطًا، وهو طبيعة الحال أعلى من الثمن الحال، فإذا ما اختار المشترى الثمن المؤجل المقسط وتم الاتفاق على ذلك كانت تلك صورة بيع التقسيط الذي نحن بصدد الحديث عنه. المبحث الثالث: مظان مسألة البيع بالتقسيط وأصولها: لم يكن اصطلاح البيع بالتقسيط معروفًا عند علماء الشريعة والفقه الإسلامى قبل القرن الحالى، حيث عرف وشاع هذا النوع من البيع، ومن البديهى والأمر كذلك أن لا يكون للمصطلح وجود في كتب الحديث النبوى وهي إحدى المصادر الرئيسية التى يستقى منها الفقه أحكامه. ولما كان الأمر كذلك، اقتضى أن نبين المواطن وأن نشير إلى المظان التي فيها جذور هذه المسألة وأصولها في مصادر الحديث والفقه.

стр. 1841

ففى كتب الحديث نجد أصل هذا النوع من البيع قد ورد في المواطن التالية: أولًا: حديث نهى النبى ﷺ عن بيعتين في بيعة. ثانيًا: حديث نهى النبى ﷺ عن صفقتين في صفقة بألفاظه المختلفة. ثالثًا: الأحاديث التي تتضمن نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في بيع، أو بيع وشرط، أو بيع وسلف. فقد ورد في شروح هذه الأحاديث ما يفيد أن من الصور التي تعنيها هذه الأحاديث: أن يبيع الرجل السلعة نقدًا بكذا، ونسيئة بكذا ... وهذا المعنى يعتبر أصل مسألة بيع التقسيط. أما في كتب الفقه الإسلامى فنجد أصل مسألة بيع التقسيط يرد تحت عنوان "البيوع الفاسدة" أو "البيوع المنهي عنها" في كتب البيوع. أو في باب بيوع الآجال. فقد تناولت تلك الكتب في عداد حديثها عن البيوع المنهى عنها، البيوع التى ذكرت آنفًا في كتب الحديث وبيان الفقهاء لمعانى تلك الأحاديث، والتي تتضمن الصورة التي أسلفت وهي أن يقول البائع للمشترى: هذه السلعة حالًا بكذا، ومؤجلًا بكذا، ومن ثم، فإن إعطاء المسألة حقها من الوضوح والجلاء يستوجب الخطوات التالية: ١ - ذكر الأحاديث النبوية الشريفة التي تعتبر أهم مظان مسألة بيع التقسيط مع تخريجها بألفاظها المختلفة، وبيان درجتها من الصحة. ٢ - إثبات عبارات أمهات كتب الحديث التي تناولت هذه الأحاديث بالبيان والشرح. ٣ - إيراد عبارات الفقهاء في شرحهم لهذه الأحاديث عند كلامهم على البيوع المنهى عنها. ٤ - استخلاص علة تحريم هذه البيوع كما وردت صريحة في عبارات علماء الفقه والحديث، مما يعني أن وجود العلة يقتضى المعلول وهو الحرمة، وانتفاءها يقتضى انتفاءه فتكون جائزة. ٥ - الانتهاء إلى نتيجة مفادها أن بيع التقسيط جائز على ضوء تلك المقدمات أم غير جائز. وبيان الأمور السالفة الذكر بصورة وافية يحتاج إلى بلورتها على النحو التالى:

стр. 1842

المطلب الأول: نص الأحاديث النبوية وتخريجها: الحديث الأول: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (١). الحديث الثاني: ما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (٢). الحديث الثالث: ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : "لا يحل سلف وبيع" ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما لم يضمن "ولا بيع ما ليس عندك" (٣). المطلب الثاني: معنى الأحاديث النبوية: لما كنت بصدد التماس أصول مسألة البيع بالتقسيط والوقوف على مظانها، ألفيت ذلك مسوغًا لبيان ما تحمله عبارات العلماء -سواء شراح الحديث النبوى، أم مبينو معانيه من الفقهاء- من معان، حتى أتمكن في ضوئها من التعرف على تلك الأصول والمظان. ومما هو جدير بالتنبيه عليه في هذا المجال أن لتلك الأحاديث الشريفة معانٍ

стр. 1843

عديدة، بسطتها كتب الحديث والفقه، ولما كان ميدان هذا البحث هو بيع التقسيط فسوف أقتصر على المعنى الوثيق الصلة به منها، تحاشيًا للإطالة والإطناب، ونظرًا لكون تلك المعانى بعيدة أو عديمة الارتباط بموضوع البحث، هذا، مع العلم بأن تلك المعانى قد أشارت إليها المصادر التى سأعتمد عليه في القضية موضع البحث في نفس المكان لمن رغب في الوقوف عليها. أولًا: معنى هذه الأحاديث عند علماء الحديث: ١ - حديث نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. قال الترمذى في بيان معناه: وقد فسر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، ونسيئة بعشرين, ولا يفارقه على أحد البيعتين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما. قال الشافعى: ومن معنى نهى النبى ﷺ عن بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك دارى هذه بكذا على أن تبعنى غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجب لك دارى، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدرى كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته (١). وبهذا المعنى فسره صاحب معالم السنن (٢)، وصاحب بذل المجهود (٣) وصاحب عون المعبود (٤) وصاحب نصب الراية (٥) وصاحب سبُل السلام (٦)، وصاحب نيل الأوطار (٧) وصاحب فتح العلام (٨).

стр. 1844

وجاء في الموطأ وشرح الزرقانى عليه: قال مالك في رجل اشترى من رجل سلعة بدينار نقدًا أو بشاة موصوفة إلى أجل، حال كونه قد وجبت عليه -أى لزمه- بأحد الثمنين: أن ذلك مكروه لا ينبغى لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا من بيعتين في بيعة فيمنع لذلك (١). وقال النسائي: باب بيعتين في بيعة، هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة دينار نقدًا، وبمائتى دينار نسيئة (٢) وبمثله فسره البيهقى (٣) والمناوى (٤). ما تقدم يتبين لنا بجلاء أن أكثر المعانى شيوعًا لهذا الحديث هو أن يذكر البائع للمشترى ثمنين أحدهما عاجل وآخر أكثر منه مقدارًا، وهذه الصورة هى الأساس لبيع التقسيط، وسيتضح ذلك ببيان علتاه. ٢ - حديث نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة. إن المتتبع لعبارات شراح الحديث لمعنى صفقتين في صفقة يجد أنها قد اقتصرت على تفسير سماك له، فقد روى أسود عن شريك عن سماك أنه قال: الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنساء (*) بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا. وهذا المعنى هو الذي أورده أحمد في مسنده مع الفتح الربانى (٥) كما نقله صاحب عون المعبود (٦)، وصاحب منتقى الأخبار (٧)، وصاحب نصب الراية (٨).

стр. 1845

وقال ابن أبي شيبة: أن يقول الرجل إن كان نقدًا فبكذا، وإن كان نسيئة فبكذا (١). ٣ - حديث "شرطان في بيع"، "سلف وبيع"، "بيع وشرط": أما "شرطان في بيع" فقد قال صاحب المنتقى شرح الموطأ في بيان معناه: أن يقول: بعت هذه السلعة نقدًا بكذا، وبكذا نسيئة (٢)، وبمثله فسره النسائي (٣)، كما نقل كل من صاحب عون المعبود (٤) ونيل الأوطار (٥) تفسير البغوي له بهذا المعنى، وبه فسره الإمام زيد (٦) وصاحب فيض القدير (٧). أما صاحب سبل السلام (٨) وصاحب فتح العلام (٩) فقد أورد كل منهما تفسيرين أحدهما المتقدم، والثانى أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعنى السلعة الفلانية بكذا. أما "سلف وبيع" فقد فسره صاحب فتح العلام: بأن يريد الشخص أن يشترى سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء، وعنده أن ذلك لا يجوز فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة (١٠). وبمثله فسره صاحب سبل السلام (١١) وصاحب نيل الأوطار إلا أنه علق على هذا المعنى بقوله: والأولى تفسير الحديث بما تقتضيه الحقيقة الشرعية أو اللغوية أو العرفية أو المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة، لا بما هو معروف في بعض المذاهب غير معروف في غيره (١٢).

стр. 1846

مما تقدم من معانٍ أوردتها كتب الحديث لمعنى "بيعتين في بيعة"، "صفقتين في صفقة"، "شرطين في بيع"، يظهر لنا أن نتفق في معنى واحد وهو أن يبيع التاجر سلعته بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحاضر. ثانيًا: معنى الأحاديث النبوية عند علماء الفقه: وردت عن فقهاء مختلف المذاهب الإسلامية معانٍ للأحاديث الثلاثة المتقدمة، سأحاول فيما يأتى بيانها بالقدر الذي يسمح به المقام. ١ - في الفقه الحنفى: قال صاحب المبسوط: وصفة الشرطين في بيع أن يقول: بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا (١). وبمثل هذا المعنى فسره صاحب تحفة الفقهاء (٢)، وصاحب بدائع الصنائع (٣)، وصاحب الفتاوى البزازية (٤)، وصاحب حاشية الشلبى على الكنز (٥) وصاحب فتح القدير (٦) كما أن صاحب كتاب "اختلاف الفقهاء" قد أورد هذا المعنى عن أبي حنيفة وأصحابه (٧). ٢ - في الفقه المالكى: جاء في الموطأ: قال مالك في رجل اشترى من رجل سلعته بدينار نقدًا أو

стр. 1847

بشاة موصوفة إلى أجل، وقد وجبت عليه بأمر الثمنين أن ذلك مكروه لا ينبغى لأن رسول الله ﷺ قد نهى عن بيعتان في بيعة، وهذا بيعتين في بيعة (١). وبمثل هذا المعنى ورد تفسير الحديث في بداية المجتهد (٢) والقوانين الفقهية (٣) والكافى (٤). وجاء في مختصر خليل في ذكر البيوع المنهى عنها: وكبيعتين في بيعة يبيعها بإلزام بعشرة نقدًا أو أكثر لأجل. وقد بينه صاحب "جواهر الإكليل" بقوله: (وكبيعتين فى بيعة) أي عقد واحد، في الموطأ نهى ﷺ عن بيعتين في بيعة، ومحمله عند مالك على صورتين أشار المصنف لإحداهما بقوله (يبيعها) أي مالك السلعة المعينة، (بشرط إلزام) للمشترى أو للبائع بالشراء، وأنه ليس له تركه على وجه يتردد فيه، ويحصل به الغرر كبيعها (بعشرة) من الدراهم مثلًا (نقدًا) أى حالة (أو) بـ (أكثر) منها كعشرين (لأجل) كشهر، ومفهوم بإلزام أنه لو كان بالخيار في الأخذ والترك جاز له ذلك (٥). وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الدردير في الشرح الكبير والدسوقى في حاشيته عليه (٦) وصاحب التاج والإكليل (٧)، وصاحب مواهب الجليل (٨)، كما أورد صاحب كتاب اختلاف الفقهاء هذا المعنى عن الإمام مالك (٩).

стр. 1848

٣ - في الفقه الشافعى: قال الإمام الشافعى فيما رواه المزنى في المختصر عنه في معنى بيعتين في بيعة، وهما وجهان، أحدهما: أن يقول بعت هذا العبد بألف نقدًا أو بألفين نسيئة، قد وجب لك بأيهما شئت أنا، أو شئت أنت، فهذا بيع الثمن فيه مجهول، وثانيهما: أن يقول: قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعنى دارك بألف (١)، والحديث بهذا المعنى ذكره صاحب المهذب (٢) والتنبيه (٣)، والنووى في المجموع (٤)، والروضة (٥) وشارحو المنهاج، كصاحب مغنى المحتاج (٦) وصاحب نهاية المحتاج (٧) وصاحب تحفة المحتاج (٨) وشارحو المنهج، كصاحب فتح الوهاب (٩) وحاشية البجيرمى (١٠) وحاشية سليمان الجمل (١١). وقال الغزالى: أن يقول: بعتك بألفين نسيئة، وبألف نقدًا فخذ بأيهما شئت (١٢).

стр. 1849

٤ - في الفقه الحنبلى: يقول صاحب "المغنى" وقد روى أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة". ... مثل أن يقول: بعتك دارى هذه على أن أبيعك دارى الأخرى بكذا، أو على أن تبيعنى دارك، أو على أن أؤجرك ... فهذا كله لا يصح " .. وقد روى في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر نسيئة .. وهو أيضًا باطل" (١). وبمثل هذا المعنى فسره صاحب الفروع (٢) وصاحب حب الإنصاف (٣) وصاحب المقنع (٤)، وصاحب التنقيح المشبع (٥). ٥ - تفسير علماء السلف وأصحاب المذاهب الأخرى للأحاديث: لقد ورد عن علماء السلف الصالح من الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- ما يفيد أن هذه الأحاديث تعنى أن يقول: هو بنقدٍ كذا، وبنسيئةٍ كذا، فقد ورد هذا المعنى عن علي ﵁ (٦) وابن عباس ﵄ (٧) وابن مسعود ﵁ (٨)، كما نقل مثله عن الأوزاعى وعطاء والثورى (٩) والقاسم بن محمد (١٠) والشعبى وابن سيرين ﵃ أجمعين (١١).

стр. 1850

وبهذا المعنى أيضًا فسره الظاهرية (١) والأباضية (٢) والشيعة الزيدية (٣). مما تقدم من أقوال العلماء في معنى الأحاديث النبوية الشريفة الثلاثة يظهر أن هذه الأحاديث تفيد معنيين: الأول: وهو أرجحهما، وأكثرهما ورودًا عند العلماء هو أن يقول البائع للمشترى بعتك هذه السلعة بسعر معجل بكذا، وبمؤجل كذا -وهو أصل مسألة بيع التقسيط. الثاني: أن يقول للمشترى أبيعك كذا على أن تبيعنى أو تؤجرنى أو تقرضنى كذا. المطلب الثالث: علة التحريم في البيوع المذكورة: من خلال الحديث عن معنى "بيعتين في بيعة" و"صفقتين في صفقة" و"شرطين في بيع" و"بيع وسلف" تبين أن هذه الأنواع بمعانيها التي ذكرت منهى عنها بصريح وصحيح السنة النبوية، ولما كانت هذه البيوع تقع في إطار المعاملات المالية، فإن البحث عن علة التحريم يعتبر أمرًا مقبولًا شرعًا, ولما كانت القاعدة الشرعية تذهب إلى أن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإن وقوفنا على تلك العلة يوضح لنا في أي الأحوال تكون تلك البيوع في دائرة الحظر -حال وجود العلة- وفي أي الأحوال تكون في إطار الإباحة -حال انتفاء العلة- وهذا ما سنحاوله فيما يأتى: أولًا: علة النهى عند علماء الحديث: أن المتتبع لعبارات كتب الحديث النبوى وشروحها العديدة يجد أن تحريم البيعتين في بيعة وما إليها من البيوع موضوع البحث مرده إلى جهالة الثمن الذي تم به البيع.

стр. 1851

يقول الترمذى في سننه تعقيبًا على حديث النهى عن بيعتين في بيعة: وفسره بعضى أهل العلم، أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحدهما (١). فهذا القول يفيد أن علة النهى هى جهالة المتعاقدين بالثمن، إذ يقبض المشترى السلعة ويفارق البائع دون أن يعين ما إذا كان الثمن المعجل أو المؤجل هو الذي تم به البيع، أما إذا انتفت العلة بأن حدد المشترى أي الثمنين يختار لإتمام العقد به فإن العقد يصح لانتفاء الجهالة المفضية إلى المنازعة. وهذه العلة هى التي نص عليها الخطابى (٢) والصنعانى (٣) والشوكانى (٤) وصاحب بذل المجهود (٥) وفتح العلام (٦). ثانيًا: علة النهى عند الفقهاء: قال السرخسى في شأن علة النهى "وإذا اشترى شيئًا إلى أجلين وتفرق على ذلك لم تجز ... وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما وأمضى البيع عليه جاز" (٧) وقال في موضع آخر بعد بيان معنى بيعتين في بيعة .. فهو فاسد لأنه لم يقاطعه على ثمن معلوم .. فإن كانا يتراضيان بينهما ولم يفترقا حتى قاطعه على ثمن معلوم، وأتما العقد عليه فهو جائز، لأنهما ما افترقا إلا بعد تمام شروط الصحة" (٨). وهذا ظاهر في أن علة النهى عن بيعتين في بيعة وفي معناها هى عدم العلم بالثمن الذي تم عليه العقد، مما يعني أنه إذا انتفت العلة المذكورة وعلم الثمن يصح البيع. وما ذهب إليه السرخسى هو ما ذهب إليه غيره من فقهاء الحنفية كعلاء الدين

стр. 1852

السمرقندى (١) وعلاء الدين الكاسانى (٢) والسلبى في حاشيته على الكنز (٣) والكمال بن الهمام (٤). ٢ - في الفقه المالكى: ويبين علة النهى عندهم ما قاله الدسوقى في هذا الصدد: وهي أن يبيع السلعة بتًّا بعشرة أو أكثر لأجل معين، ويأخذها المشترى على السكوت، ولم يعين أحد الأمرين، ويختار بعد أخذها أحد الثمنين المعجل أو المؤجل، وإنما منع للجهل بالثمن حال البيع" (٥). وفي مواهب الجليل على مختصر خليل يقول في بيان العلة: (وكبيعها بالإلزام) أي بالإلزام للمتبايعين أو لأحدهما، فلا يجوز إلا إذا كان لهما الخيار معًا ... ويقول تعقيبًا على قول الدردير: وإنما قال بالإلزام احترازًا مما إذا باع ذلك على خيار لهما أو إحداهما فإن ذلك يجوز ويقول: شرط الجواز أن ينتفى الأمران أعنى اللزوم لهما أو لأحدهما" (٦). ومن خلال هذه العبارات يظهر لنا أن علة النهى عند المالكية تتراوح بين الجهل بالثمن وبين سد ذريعة الربا, ولذا اشترطوا أن لا يكون هناك إلزام للبائع أو المشترى وذلك لاحتمال أن يكون من له الخيار قد وقع في نفسه أن يختار الشراء بالثمن المعجل وعندها يلزمه ما اختاره، ولما كان شأن الإنسان أن يقع في التردد إذا كان أمامه فرصته للتأمل والاختيار فربما يخطر له أن يختار المؤجل بعد ذلك، فكأنه قد باع ما هو معجل بالمؤجل وبينهما فارق في الثمن، وهو ما يمكن أن يكون ذريعة إلى الربا، وهو ما عناه الإمام مالك بتعليله منع هذا البيع حين قال: لأنه إن أخر العشرة كانت خمسة عشر إلى أجل، وإن قصد العشرة كان إنما اشترى بها الخمسة عشر إلى أجل" (٧).

стр. 1853

وهذه العلل أوردها غير من ذكرنا من فقهاء المالكية كالزرقانى (١) وابن جزى (٢) والموّاق (٣). ٣ - في الفقه الشافعى: المتتبع لعبارات فقهاء المذهب الشافعى يجد أنها تكاد تطبق على اعتبار الجهل بالثمن وإبهامه وعدم استقراره هى علة تحريم الأنواع التي نحن بصددها من البيوع سواء بطريق الصراحة أو الدلالة. فأبو إسحاق الشيرازى يقول بعد بيان معنى بيعتين في بيعة .. فالبيع باطل لأنه لم يعقد على ثمن بعينه (٤). ويقول النووى: .. وهو باطل، أما لو قال: بعتك بألف نقدًا وبألفين نسيئة فيصح العقد (٥) وإلى مثل هذا ذهب الشافعى (٦) وابن الرفعة (٧) والشيخ زكريا الأنصارى (٨) والبجيرمى (٩) وسليمان الجمل (١٠) والخطيب الشربينى (١١) والرملى (١٢) وجلال الدين المحلى (١٣) وغيرهم. ٤ - في الفقه الحنبلى: إن علة النهى عن بيعتين في بيعة وغيرها من البيوع التي اعتبرناها أصولًا لمسألة البيع بالتقسيط تتمثل عند علماء الحنابلة بالجهل في الثمن وما يصاحبه من غرر أو مقامرة وما إليها .. يقول العبدري في شأن تلك العلة " .. لم يصح ما لم

стр. 1854

يتفرقا على أحدهما -الثمن المعجل والمؤجل- وهو المذهب نص عليه -يعني الإمام أحمد- وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم" (١). ويقول ابن القيم "وليس هاهنا ربًا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شىء من المفاسد .. " (٢). وإلى هذه العلة ذهب ابن قدامة في المغنى (٣) والمقنع (٤) وابن مفلح المقدسى (٥) والبهوتى (٦) وغيرهم. ٥ - العلة عند السلف من الصحابة والتابعين، والمذاهب الأخرى، وبعض المعاصرين: لقد ذهب كثير من علماء السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم- إلى أن علة النهى عن بيعتين في بيعة وما إليها من البيوع المنهى عنها هى الجهل بالثمن الذي تم عليه العقد -صراحة أو دلالة- يقول ابن عباس ﵄: "لا بأس أن يقول للسلعة هى بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا, ولكن لا يفترقان إلا عن رضى" (٧)، أى بأحد الثمنين. ويقول الأوزاعى: "لا بأس بذلك -بيعتين في بيعة- ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد الثمنين" (٨) وإلى مثل هذا ذهب أبو عبيد والثورى (٩) والزهرى وطاوس وقتادة وسعيد بن المسيب (١٠) والحكم وحماد (١١).

стр. 1855

وبهذا المعنى علله فقهاء الشيعة (١) والأباضية (٢) وصاحب الروضة الندية (٣) وصاحب كتاب "المعاملات في الإسلام" (٤)، و"منهاج المسلم" (٥). وفي ضوء ما ذكرنا من أقوال علماء المذاهب الفقهية المختلفة في تقصى علة عدم جواز البيعتين وما إليها، ظهر لنا بكل جلاء أن العلة عندهم -على تفاوت عباراتهم- لا تخرج عن جهل الثمن الذي تم العقد عليه، أو سد ذريعة الربا كما عند المالكية. وعليه، فإذا ارتفعت هذه العلة من بيع التقسيط بحيث يذكر البائع للمشترى ثمنين: أحدهما عاجل والآخر آجل أكثر منه، فيختار المشترى واحدًا منهما بعينه قبل التفرق من مجلس العقد فإن هذا البيع يكون جائزًا شرعًا. المطلب الرابع: حكم البيعتين فى بيعة: لقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى أن بيعتين في بيعة باطل أو فاسد (٦) ولم يشذ عن القول ببطلانه إلا نفر من الفقهاء كطاوس والحكم وحماد، وقد نقلنا عن غير واحد من العلماء قوله أن كلامهم

стр. 1856

محمول على ما إذا جرى بين المتعاقدين بعد العقد ما يدل على الاتفاق على أحد الثمنين، فكأن المشترى قال للبائع بعد ذكر الثمنين: اخترت المعجل أو المؤجل، فقال البائع: أجزت أو رضيت، وحينئذ فلا خلاف بين الجمهور وبين هذه الطائفة من العلماء في القول بصحة العقد. جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية تحت عنوان: الاعتياض عن الأجل بالمال؛ الصورة الأولى: صدور إيجاب مشتمل على صفقتين إحداهما بالنقد والأخرى بالنسيئة مثل أن يقول: بعتك هذا نقدًا بعشرة، وبالنسيئة بخمسة عشر. يرى جمهور الفقهاء أن هذا البيع إذا صدر بهذه الصيغة لا يصح لأن النبى ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وجاء في الشرح الكبير (كذا فسره مالك والثورى وإسحاق وهذا قول أكثر أهل العلم, لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولأن الثمن مجهول فليس يصح كالبيع بالرقم المجهول) وقد روى عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل أنه جرى بينهما بعد ما يجرى في العقد فكأن المشترى قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال: خذه أو قال: قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدًا كافيًا، فيكون قولهم كقول الجمهور " ... فعلى هذا إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح, لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابًا" (١). ما تقدم هو حكم البيعتين في بيعة من حيث الحل والحرمة والصحة والبطلان، ولما كان هذا البيع حرامًا باطلًا كان واجب الفسخ، ولا يترتب عليه أثره، ولكن لو تفرق البائع والمشترى وقد قبض المشترى السلعة، فما هو الأثر المرتب على ذلك فيما لو هلكت العين البيعية أو استهلكت أو تغيرت؟ والجواب على هذا السؤال نجده في ثنايا حديث نبوى شريف أخرجه أبو داود في سننه -وقد مر بنا نصه وتخريجه عند التعرض للأحاديث النبوية التي تصلح مناطا لبيع التقسيط- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الرِّبا".

стр. 1857

فمن العلماء من أخذ بظاهر الحديث ورتب على هذه الصورة من البيع أثرًا: فقد روى عن الأوزاعى أنه قال وقد سئل عن معنى بيعتين في بيعة -وهو أن يقول هو نقدًا بكذا ونسيئة بكذا-: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد المعنيين. فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين فقال: هى بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين (١). وروى عن محمد بن سيرين أنه قال: شرطين في بيع، أبيعك إلى شهر بعشرة، فإن حبسته شهرًا فتأخذ بعشرة قال شريح: أقل الثمنين وأبعد الأجلين أو الربا (٢). وبه قال طاوس: فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه قال: أخبرنا معمر وابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: إذا قال بكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين (٣). ومن جهة أخرى، فقد قال الإمام الذهبي إن محمد بن عمرو -راوى الحديث- شيخ مشهور، أخرج له الشيخان متابعة، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس (٤). وقد أجاب جمهور العلماء عن الحديث الذي استدل به القائلون بأنه إذا تم البيع بصورة بيعتين في بيعة أن للبائع أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين بأجوبة منها: ١ - أن في صحة الحديث مقالًا، قال المنذرى: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور من رواية الدراوردى ومحمد بن عبد الله الأنصارى "أن النبى ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة" (٥). ٢ - أن الحديث على فرض صحته فعنه أجوبة منها: (أ) يجاب عما قاله الأوزاعى بما قاله الخطابى وغيره: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحيح البيع بأوكس الثمنين إلا شىء يحكى

стр. 1858

عن الأوزاعى. وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل" (١). وأما قول شريح فيجاب عنه بأنه محمول على معنى آخر ذكره ابن حزم فقال: فإن حبسته شهرًا آخر فتأخذ عشرة أخرى (٢). (ب) ما ذكره الخطابى وغيره: أن ما رواه يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود يشبه -يحتمل- أن يكون ذلك في حكومة في شىء بعينه: كأنه أسلفه دينارًا في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له: بعنى القفيز الذي لك على بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما -أقلهما- وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتقابضا -قبل فسخ البيع الأول- كانا مربيين (٣). فهذا القول يفيد أن الربا هو من باب بيع الدين بالدين، لأن البائع باع المشترى الدَّين الذي له عليه بثمن أكثر وهو منهى عنه، لأنه من باب بيع "الكالئ بالكالئ" وقد نهى عنه ﷺ لما فيه من الربا. (جـ) أن الحديث من باب بيع الدين بالدين كما يفهم من قول ابن الأثير في النهاية حيث فسر الحديث بقوله: أن يستلف الرجل من الرجل مالًا فيعطيه سلعة إلى أجل، فإذا حل الأجل وطالب بالوفاء قال: بعنى تلك السلعة إلى أجل آخر وأزيدك، ولا يجرى بينهما تقابض، فصار بذلك بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وهذا هو بيع الدَّين بالدَّين، كأنه أسلفه دينارًا في صاع بر مثلًا إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعنى الصاع بصاعين إلى شهرين فهذا بيع ثان ودخل في الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أقلهما وهو الصاع، وإلا كان الثاني ربا للتفاضل، أو كأنه باعه دينًا بدين وهو الكالئ بالكالئ المنهى عنه (٤). (د) أن الحديث محمول على ما إذا استهلك المشترى للبيع كله أو بعضه: ففى بذل المجهود: وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه -

стр. 1859

الخطابى ﵁ قوله: من باع بيعتين ... ظاهره مخالف للمذاهب كلها إلا أن يقال فى معناه: أن من باع شيئًا على أنه بخمسة إن كان ناجزًا، أو بعشرة إن كان نسيئة ثم افترقا من غير أن يتعين أحدهما فهذا البيع فاسد لكونهما افترقا قبل تعيين الثمن، ولأنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وكان الحكم فيه الفسخ، إلا أن المشترى استهلك المبيع أو أكله فلا يجب فيه إلا المثل أو القيمة؛ وهو أوكس عادة من الثمن المتعين بينهما في البيعتين معًا، فصار المعنى أنه من باع بيعتين كذلك ثم لم يبق المبيع حتى يفسخ البيع فله أن يأخذ القيمة أو المثل ويأخذ الثمن لأنه أخذ الثمن كان إبقاء للبيع وهو مأمور بفسخه، وأما إذا أخذ الثمن ولم يفسخ فقد أربى لكونه عقد عقدًا فاسدًا، والعقود الفاسدة كلها داخلة في حكم الربا (١). ويؤيد حمل الحديث على هذا المعنى ما نقله ابن جرير الطبرى عن الثورى أنه قال: إن بعت بيعًا فقلت: هذا بالنقد بكذا. وبالنسيئة بكذا فذهب المشترى فهو بالخيار في البيعتين، وإن لم يكن وقع بيعك على أحدهما فهو مكروه وهو بيعتان إلى بيعة، وهو مردود وهو الذي ينهى عنه، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته وإن قد استهلك ذلك فلك أوكس الثمنين وأبعد الأجلين (٢). وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر بعد أن ذكر قول طاوس الذي تقدم قبل قليل أنه قال: وهذا إذا كان المبتاه قد استهلكه (٣). (هـ) ما قاله صاحب نيل الأوطار في معرض رده على المبطلين للبيع مؤجلًا مع زيادة الثمن لأجل التأجيل: لأن ذلك التمسك هو الرواية الأولى من حديث أبى هريرة: "من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا" وقد عرفت ما في راويها من المقال، ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهى عن بيعتين في بيعة ولا نتيجة فيه على المطلوب. ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوى صالحة للاحتجاج لكن احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان -أبيعك كذا شريطة أن تبيعنى كذا- قادحًا في الاستدلال بها على التنازع فيه على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة -وهي أن يقول نقدًا بكذا ونسيئة بكذا- إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة

стр. 1860

بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى (١). (و) ما قاله ابن حزم الظاهرى: هذا الخبر صحيح إلا أنه موافق لمعهود الأصل، وقد كان الربا وبيعتان في بيعة والشروط في البيع كل ذلك مطلقًا غير حرام إلى أن حرم كل ذلك، فإذا حرم كل ما ذكرنا فقد نسخت الإباحة بلا شك، فهذا خبر منسوخ بلا شك بالنهى عن البيعتين في بيعة، فموجب إبطالهما معًا لأنهما عمل منهى عنه (٢). (ز) ما قاله ابن القيم أن الحديث لا يحمل على الصورة المعروفة وهي أن تكون السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا حيث يقول: "أنه ﷺ ، نهى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوكس البيعتين أو الربا في الحديث الربا. وذلك سدًا لذريعة الربا، فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها بمائتين حالة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ الثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهو من أعظم الذرائع عن الربا، وأبعد كل البعد عن حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة" (٣). ويبدو أن المالكية لهم رأى آخر في المسألة وهو أن المشترى إذا قبض المبيع في صورة البيعتين في بيعة، فإن البائع يعطى قيمة المبيع نقدًا, ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين. فقد نقل عن مالك قوله: من باع سلعة بدينار نقدًا أو بدينارين إلى شهر فسخ ذلك، وردت إلى قيمتها نقدًا, ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين (٤). وقال صاحب الكافى: "وإن قبضت السلعة وفاتت، رد قابضها قيمتها يوم قبضها بالغة ما بلغت واتبع ذلك بقوله: وهذا كله قول مالك وأصحابه" (٥). ووجه ما قاله المالكية: أن السلعة لم يقع شراؤها على شىء بعينه بقطع أو بخيار، وإنما إذا وقع على مالًا يدرى أى السلعتين يختار، وقد وجبت إحداهما، فحيث قبضها وتعذر ردها وجبت قيمتها.
следующие страницы →