← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال مجاهد: للنساء طهران: طهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: إذا اغتسلن ولا تحل لزوجها حتى تغتسل، يقول: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ من حيث يخرج الدم فإن لم يأتها من حيث أمر الله فليس من التوابين ولا من المتطهرين» (١). وقد أطبق أهل العلم على أن المرأة لا يأتيها زوجها -وإن رأت الطهر- حتى تغتسل، خلافًا لابن حزم. وهنا سؤال: إذا كانت زوجة المسلم كتابية فهل تجبر على الاغتسال أم لا؟ والجواب: أنها تجبر على الاغتسال ولا يجوز لزوجها أن يقربها إلا بعد أن تغتسل لأن الآية لم تخص مسلمة من غيرها (٢). ٤ - على الحائض أن تمتنع من زوجها إذا أراد جماعها، لكن إذا غلبت على أمرها فلا شيء عليها، وتستغفر الله (٣). ٥ - الطواف: وهو حرام على الحائض بالإجماع، لحديث عائشة أنها لما حاضت في الحج قال لها النبي ﷺ : «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٤). وسيأتي مزيد بيان لهذا في أبواب الحج، إن شاء الله تعالى. أمور لا بأس بها للحائض: ١ - ذكر الله وقراءة القرآن: تقدم أنه يجوز للحائض والجنب -على الراجح- وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد (٥). قال ابن حزم في المحلى (١/ ٧٧، ٧٨): قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعالُ خير، مندوب إليها مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كُلِّف أن يأتي بالبرهان. اهـ.

стр. 212

٢ - السجود إذا سَمِعَتْ أية سجدة: فليس هناك مانع من سجود المرأة الحائض إذا سمعت السجدة، فليست السجدة بصلاة، ولا يشترط لها الطهارة. فقد ثبت في صحيح البخاري (٤٨٦٢) أن النبي ﷺ تلا سورة النجم فسجد فيها وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. ومن البعيد أن يقال إن الجميع كانوا على وضوء، ثم إن سجدة التلاوة ليست بصلاة، وبنحو هذا قال الزهري وقتادة كما في مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٢١) (١). ٣ - مس المصحف: ولا نعلم دليلاً صريحًا يمنع الحائض من مس المصحف، وإن كان أكثر أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الحائض لا يجوز لها أن تمس المصحف، وقد تقدم تحريره. ٤ - قراءة الرجل القرآن وهو في حجر امرأته الحائض: لحديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يقرأ القرآن ورأسه في حِجري وأنا حائض» (٢). ٥ - شهود العيدين: وهذا لا بأس به، بل إنه يستحب للحُّيض أن يخرجن لشهود العيد لكن يعتزلن الصلاة. فقد قال النبي ﷺ : «يخرج العواتق وذوات الخدور والحُيَّض وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلى» (٣). ٦ - دخول المسجد: وفي هذا الأمر خلاف واسع بين العلماء قد تقدم مفصلاً (٤) والحاصل أننا لم نقف على دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، والأصل الإباحة حتى يوجد المانع ومع هذا فإن المرء لا يزال يستخير الله في هذه المسألة. ٧ - مؤاكلة ومشاربة الزوج للحائض: فعن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه

стр. 213

على موضع فيَّ» (١). ٨ - خدمة المرأة الحائض لزوجها: كأن تغسل رأسه أو تُرجِّله وتُسرِّحه، فعن عائشة قالت: «كنت أُرجِّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض» (٢). ٩ - نوم الحائض مع زوجها في لحاف واحد: فعن أم سلمة قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي. قال: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٣). قال النووي في شرح مسلم (١/ ٩٥٤): فيه جواز النوم مع الحائض والاضطجاع معه في لحاف واحد ... اهـ. دم النفاس النفاس: هو الدم الخارج بسبب الولادة. ١ - توقيت النفاس: ليس لأقل مدة للنفاس حَدٌّ: وقد أجمع العلماء (٤) على أنها متى رأت الطهر -ولو قبل الأربعين- أنها تغتسل وتصلى ويأتيها زوجها. أما أقصى مدة تنتظرها المرأة إذا استمر بها الدم، فذهب الجمهور إلى أن أقصى مدة النفاس أربعون يومًا ثم تغتسل وتصلي، واستدلوا بحديث أم سلمة قالت: «كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلة» (٥).

стр. 214

٢ - أجمع العلماء على أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب (١). ٣ - يختلف النفاس عن الحيض في أن العدة لا تحصل به، لأن العدة تنقضي بوضع الحمل قبله (٢). دم الاستحاضة الاستحاضة: جريان الدم في غير أوقات الحيض والنفاس، أو متصلاً بهما، وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، إنما هو عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرؤ منه (٣). وحكمه: تكون المراة طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع العلماء. توقيت الاستحاضة: إذا خرج هذا الدم في غير وقت الحيض والنفاس غير متصل بهما، فلا إشكال في هذا. أما إذا كان جريان هذا الدم متصلاً، فكيف تصنع؟ فنقول: هذه المرأة لا تخلو من أربع حالات: ١ - إما أن تكون ذات عادة معروفة، تعرف قدر حيضتها، فهذه تنتظر قدر حيضتها ثم تغتسل وتصلي وما زاد على حيضتها فهو دم استحاضة ليس بحيض. فعن عائشة قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي» (٤). ٢ - وإما أن تكون المرأة لا تعرف حيضتها، لكن تستطيع تمييز دم الحيض من الاستحاضة فتنظر إلى دم حيضها فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي بعد إدباره. فعن عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك

стр. 215

عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» (١). ٣ - وإما أن تكون المرأة مبتدأة، بمعنى أنها لم يسبق لها الحيض، فهي غير مميزة لدم الحيض عن غيره من الدماء، فهذه تبنى على حال أغلب النساء، فإن كان الغالب من حال النساء حولها أن يحضن مثلًا في الشهر ستة أو سبعة أيام، فإنها تنتظر من ابتداء حيضتها ستة أو سبعة أيام وتعتبرها أيام حيض، وبعدها تغتسل ولا عبرة بالدم بعد ذلك فإنه استحاضة. وقد ورد أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين وأيامهن، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطُهرن» (٢). ٤ - وأما أن تكون المرأة ناسية لعادتها قدرًا ووقتًا ولا تستطيع تمييز الحيض من الاستحاضة (٣): فللعلماء في هذه أقوال: أظهرها أنها كالمبتدأة غير المميزة التي تقدم حكمها والله أعلم. أحكام المستحاضة: ١ - المستحاضة في حكم الطاهرة فلا يحرم عليها شيء مما يحرم بالحيض. ٢ - المستحاضة تصوم وتصلي وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتسجد للتلاوة وللشكر وغيرها كالطاهرة بالإجماع. ٣ - لا يلزم للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ما لم تُحدث لأن الراجح ضعف الأخبار الواردة في ذلك (٤)، والأفضل أن تتوضأ أو تغتسل لكل صلاة لحديث عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة (٥).

стр. 216

٤ - يجوز للمستحاضة أن يجامعها زوجها ما دام في غير وقت الحيض وإن كان الدم جاريًا، وهو قول أكثر العلماء (١). ٥ - يجوز للمستحاضة أن تعتكف في المسجد، فعن عائشة قالت: «اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي» (٢). وقد نقل النووي في شرح مسلم (١/ ٦٣١) الإجماع على أن المستحاضة في الاعتكاف كالطاهرة.

стр. 217

٢ - كتاب الصلاة

стр. 218

تعريف الصلاة (١): الصلاة لغةً: الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه، وبهذا قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق. قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). أي: ادع لهم. وقال ﷺ : «إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ ...» (٣) أي: ليدعُ لصاحب الطعام. والصلاة في الاصطلاح: التعبدُّ لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مُفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، مع النية، بشرائط مخصوصة. منزلتها من الدين: ١ - الصلاة آكد الفروض بعد الشهادتين وأفضلها، وأحد أركان الإسلام، فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان والحج» (٤). ٢ - وشدد الشارع النكير على تاركها حتى نسبه رسول الله ﷺ إلى الكفر، فقال: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة» (٥). وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٦). وقال عبد الله بن شقي (تابعي): «كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفر غير الصلاة» (٧). ٣ - والصلاة عمود الدين لا يقوم إلا به، كما قال ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٨).

стр. 219

٤ - وهي أول ما يحاسب عليه العبد، قال رسول الله ﷺ : «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر». ٥ - كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ في حياته، فقد قال ﷺ : «وجعلت قرة عيني في الصلاة». ٦ - وقد كانت الصلاة آخر وصية وصىَّ بها رسول الله ﷺ أمته عند مفارقته الدنيا، إذ قال ﷺ : «الصلاة وما ملكت أيمانكم». ٧ - وهي العبادة الوحيدة التي لا تنفكُ عن المكلَّف، وتبقى ملازمة له طول حياته لا تسقط عنه في أية حال. ٨ - وللصلاة من المزايا ما ليس لغيرها من سائر العبادات ومن ذلك: (أ) أن الله تولىَّ فرضيتها على رسول الله ﷺ بمخاطبته له ليلة المعراج. (ب) أنها أكثر الفرائض ذكرًا في القرآن الكريم. (جـ) أنها أول ما أوجب الله على عباده من العبادات. (د) أنها فرضت في اليوم والليلة خمس مرات بخلاف بقية العبادات والأركان. الصلاة قسمان: فرض وتطوُّع: ١ - فالفرض: هو الذي من تركه عامدًا كان عاصيًا لله ، وهو نوعان: (أ) فرض عين: متعين على كل بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر وعبد، ك الصلوات الخمس . (ب) فرض كفاية: إذا قام به بعض الناس سقط عن سائرهم، كالصلاة على الجنازة. ٢ - والتطوع: هو ما لا يكون تاركه عمدًا عاصيًا لله تعالى، كالسنن الراتبة والوتر وغيرها مما سيأتي، لكن يستحب أداء صلاة التطوع، ويكره تركها. أولاً: الصلوات الخمس حكم تارك الصلاة: تارك الصلاة له حالتان: إما تركها جاحدًا لفرضيَّتها منكرًا لوجوبها، وإما أن يتركها تهاونًا وكسلاً وهو مُقرٌّ بوجوبها عليه:

стр. 220

[١] تارك الصلاة جحودًا (١): من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، أو جحد وجوبها ولم يترك فعلها في الصورة، فهو كافر مرتدٌّ بإجماع المسلمين. ويستتيبه الإمام، فإن تاب وإلا قتله بالردَّة، ويترتب عليه جميع أحكام المرتدين، هذا إذا كان قد نشأ بين المسلمين، فأما إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة من المسلمين بحيث يجوز أن يخفى عليه وجوبها، فلا يُكفَّر بمجرد الجحد، بل نعرفه بوجوبها، فإن جحد بعد ذلك كان مرتدًّا. [٢] تارك الصلاة تكاسلاً وتهاونًا من غير جحدها: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا [من غير عذر شرعي] من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة (٢). ثم اختلف أهل العلم في حكمه على قولين: الأول: أنه فاسق عاصٍ مرتكب لكبيرة، وليس بكافر: وبه قال الأكثرون، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي -في المشهور عنه- وأحمد في إحدى الروايتين (٣). الثاني: أنه كافر خارج عن ملة الإسلام: وهو مذهب سعيد بن جبير والشعبي والنخعي والأوزاعي وابن المبارك وإسحاق وأصح الروايتين عن أحمد، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، وحكاه ابن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة (٤).

стр. 221

من أدلة الفريقين: [١] المانعون من تكفيره: قالوا: قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه، فلا نخرجه عنه إلا بيقين، ثم استدلوا على عدم خروجه بما يلي: (١) الأدلة التي تفيد أن الله تعالى يغفر جميع الذنوب عدا الشرك: ١ - كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (١). قالوا: فتارك الصلاة داخل تحت المشيئة فليس بكافر. وأجاب المكفِّرون: بأن الآية لا تنافي كفر تارك الصلاة، فإن النبي ﷺ قال: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٢) فيكون تارك الصلاة داخلاً في عموم الآية من جهة الدلالة على أن ذلك مما لا يغفره الله تعالى، لأنه مشرك بنص الحديث. ولو فرض أن الثابت له وصف الكفر دون الشرك وأن الآية إنما أفادت مغفرة ما دون الشرك، فإنه ليس فيها دلالة على أن الله لا يغفر الكفر الذي ليس من الشرك، بل يكون غاية ما فيها أن الله يغفر ما دون الشرك، وأما ما سوى الشرك مما هو كفر (كتكذيب الله ورسوله أو سبِّهما) فليس في الآية نص على غفرانه، بل ذلك مناقض لصريح الكتاب والسنة، فعلى كلا التقديرين لا وجه للاستدلال بالآية (٣). (ب) الأدلة التي تفيد أن من قال: (لا إله إلا الله) دخل الجنة ولم يشترط الصلاة، ومن ذلك: ٢ - حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرَّمه الله على النار» (٤). ٣ - حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٥).

стр. 222

٤ - حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة» (١). ٥ - حديث عتبان بن مالك وفيه أن النبي ﷺ قال: «إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (٢) قالوا: فلم يشترط الصلاة لنجاته من النار ودخوله الجنة. وأجاب المكفرِّون: بأن هذه النصوص وما في معناها على قسمين: إما عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة، وإما مطلق مقيدة بما لا يمكن معه ترك الصلاة كما هو واضح في قوله ﷺ : «... يبتغي بذلك وجه الله»، «صدقًا من قلبه» ونحوها، فتقيد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب، يمنعه من ترك الصلاة، لأن إخلاصه وصدقه يحملانه على الصلاة ولابد (٣). (جـ) أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط (٤): ٦ - ففي حديث أبي سعيد في الشفاعة، وبعد ذكر شفاعة المؤمنين لإخوانهم إخراجهم من النار: «... فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير!! قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار ناسًا لم يعملوا الله خيرًا قط، قد احترقوا حتى صاروا حممًا، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال لها (الحياة) فُيصب عليهم، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ...» الحديث (٥). وأجاب المكفِّرون: بأن الصلاة ليست داخلة في عموم قوله ﷺ : «لم يعملوا خيرًا قط» وكيف يتصور دخول تارك الصلاة في زمرة هؤلاء، وقد هلك مع الهالكين ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٦). ثم إن الأخبار الصحيحة قد دلت على أن كل من يخرج من النار من الموحدين إنما يُستدل عليه بعلامة آثار

стр. 223

السجود، ففي حديث أبي هريرة مرفوعًا «... حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج [برحمته] من النار من أراد أن يُخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرَّم الله على الناس أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا فيُصيب عليهم ماء يقال له ماء الحياة ... ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ... فيصرف وجهه عن النار» قال أبو هريرة: وذلك آخر أهل الجنة دخولاً (١). قالوا: والحديث ظاهر في أن من يخرجهم الله تعالى برحمته، إنما يعرفهم الملائكة بآثار السجود فهم مصلُّون بلا شك، وأما قول المؤمنين -في حديث أبي سعيد- «فلم يبق في النار أحد» فهذا باعتبار علمهم بالدليل أن الله قال لهم -كما في حديث أبي سعيد-: «فأخرجوا من عرفتم منهم» وإلا ففي النار من المصلين من هذه الأمة ومن الأمم السابقة -وقد كانوا مطالبين بالصلاة- من لم يعلمهم إلا الله، فأخرجهم برحمته، وأما غير المصلين فلا يخرجون منها (٢). (د) أدلة مفهومها أن ترك الصلاة لا يخرج من الملة، ومنها: ٧ - حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئًا لقيه وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لقيه بهن وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن لقيه ولا عهد له إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (٣). قالوا: فهو يدل على أن تارك بعض الصلوات ليس بكافر لدخوله تحت المشيئة. وأجاب المكفِّرون: بأن الحديث لا يصح حمله على ترك بعض الصلوات، فإنه أثبت الإتيان بالصلوات الخمس مع الانتقاص من واجباتها، ففيه «ومن لقيه بهنَّ وقد انتقص منهن شيئًا ...». ٨ - حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يحاسب به الناس من أعمالهم الصلاة، فيقول ربنا للملائكة -وهو أعلم-: انظروا عبدي أتمها

стр. 224

أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان قد انتقص منها شيئًا، قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم» (١) قالوا: نقص الفرائض يكمل من التطوع، وهذا النقص يشمل النقص في الفريضة نفسها ويشمل النقص في عدد الفرائض. وأجاب المكفِّرون: بأن الحديث لا يصح مرفوعًا، وله طرق ضعيفة وفي أقواها: «فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» وقوله (صلحت) يعني أنها مكتملة الأركان صحيحة، فلا يصح حمل قوله «وإن كان قد انتقص منها شيئًا» على ترك الأركان والشروط، فوجب حمل الانتقاص على ترك ما دون ذلك، فلا يَسْلم الاستدلال به. ٩ - حديث عائشة مرفوعًا: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله تعالى يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء ... الحديث» (٢). وأجاب المكفِّرون: بأن الحديث بزيادة (من صوم يوم تركه أو صلاة) ضعيف (!!). ١٠ - حديث نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم «أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن يصلي صلاتين فقبل منه» (٣) قالوا: قد قبل النبي ﷺ من الرجل الإسلام مع علمه بأنه لن يصلي إلا صلاتين فقط من الخمس؟! وأجاب المكفِّرون: بأنه ليس في الحديث أن الصلوات كانت إذ ذاك خمسًا (!!). والظاهر أن هذا كان في الوقت الذي كان الفرض فيه صلاتين وقبل فرض الخمس، أو أن يكون هذا من باب قبول إسلام الرجل مع الشرط الفاسد -وهذا مذهب أحمد- وهذا خاص بالنبي ﷺ فليس ذلك لأحد بعده.

стр. 225

(هـ) حملوا الأحاديث المصرِّحة بكفر تارك الصلاة على الأصغر: ١١ - قالوا: كما حملنا الكفر في كثير من النصوص على الكفر الذي لا يخرج من الملة كحديث: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» و «اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» والأحاديث التي فيها «ليس منا من فعل كذا ...» فكذلك هنا. وأجاب المكفِّرون: هذا لا يصح هنا لأمور (١): الأول: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حدًّا فاصلاً بين الكفر والإيمان وبين المؤمنين والكفار، والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر. الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام فوصف تاركها بالكفر يقتضي الخروج من الملة، لأنه هدم ركنًا، بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلاً من أفعال الكفر. الثالث: أن هناك نصوصًا أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرًا مخرجًا من الملة فيجب حمل الكفر على ما دلت لتتلائم النصوص وتتفق. الرابع: أن الكفر في الأحاديث التي ساقوها جاء (نكرة) أو بلفظ الفعل فيدل على أنه من الكفر أو أنه كفر في هذه الفعلة، فلا يخرج من الملة بخلاف التعبير في ترك الصلاة فإنه عبَّر بـ (ال) الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر. (و) ١٢ - حملوا أحاديث كفر تارك الصلاة على من تركها جحودًا: وأجاب المكفرِّون: أن في هذا الحمل محذورين: الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به وهو الترك لا الجحود، والثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطًا للحكم، فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه، سواء صلى أم ترك، فتبين أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها غير صحيح (٢). (ز) (١٣) قالوا: إننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة

стр. 226

ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ولا منع ميراثه ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام (١). [٢] القائلون بكفر تارك الصلاة، ومنها: ١ - حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٢). ٢ - حديث بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٣). وأجاب المانعون من تكفيره: بما تقدم من حملها على من جحد فرضيتها أو حملها على أن المراد الكفر الذي لا يخرج من الملة. ٣ - ما رُوي عن أنس مرفوعًا: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر جهارًا» (٤). وأجاب المانعون: بأنه ضعيف لا يحتج به، ولو صح فالقول فيه كالقول فيما قبله. ٤ - حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منها فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان» (٥) وأجاب المانعون بأنه ضعيف مرفوعًا، فلا يكون فيه حجة، ولو صح فيحمل الكفر فيه على غير المخرج من الملة، ويحمل قوله (حلال الدم) على أنه يقتل حدًّ لا كفرًا. (ب) أدلة دلَّ مفهومها على كفر تارك الصلاة، ومن ذلك: ٥ - قول الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٦). قالوا: فاشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين: أن يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا انتفى أحد هذه الشروط انتفت الأخوة، والأخوة لا تنتفي بالفسوق ولا بالكفر الذي هو دون الكفر وإنما بالخروج من الملة.

стр. 227

وأجاب المانعون: بأن الأدلة التي ساقوها في إثبات أن تارك الصلاة ليس بكافر مقدمة على الآية فتحمل على كمال الأخوة لا على أصل الأخوة، كما أخرجنا مانع الزكاة من الكفر بحديث «... ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١) وهذا بعد ذكر عقوبة مانع الزكاة. ٦ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ... إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٢). قالوا: فقوله (إلا من تاب وآمن) دليل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات لم يكونوا مؤمنين. وأجاب المانعون: بأن قوله تعالى (وآمن) إما المراد به: داوم على إيمانه، أو المراد: دخل في الإيمان الكامل بشروعه في الصلاة. ٧ - قوله تعالى في أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... الْيَقِينُ﴾ (٣). قالوا: فإما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين، فالدلالة ظاهرة، وإما أن يكون مجموعها، فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتضٍ لعقوبة إذ لا يجوز أن يُضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها. وأجاب المانعون: بأن الآية فيها أنهم دخلوا النار وليس فيها مدة إقامتهم أو خلودهم فيها فلا تكون حجة، لكن تبقى الحجة في جعل تارك الصلاة من المجرمين، والمجرمون في كتاب الله الكفار، فنحمله على الإجرام غير المخرج من الملة (!!) ويعكِّر على هذا الحمل أن الله تعالى قد جعل المسلمين مقابلين للمجرمين ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٤). فلا يصح أن يكون المعنى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» وهذا واضح. ٨ - قول النبي ﷺ : «ومن صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا» (٥).

стр. 228

٩ - حديث محجن بن الأدرع الأسلمي: أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن بالصلاة فقام النبي ﷺ ثم رجع، ومحجن في مجلسه، فقال له: «ما يمنعك أن تصلي، ألست برجل مسلم؟» قال: بلى، ولكني صليت في أهلي، فقال ﷺ : «إذا جئت فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت» (١). ١٠ - حديث معاذ مرفوعًا: «من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فقد برئت منه ذمة الله» (٢). قالوا: ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. وأجاب المانعون عن هذه الأحاديث وما في معناها: بأنه بعد ثبوت ما دلَّ على أنه غير خارج من الملة تكون محمولة على كمال الإسلام لا أصله، جمعًا بين الأدلة (!!). (جـ) الأدلة التي تفيد إباحة دم من لا يصلي، ومنها: ١١ - حديث أبي سعيد -في قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : اتق الله- وفيه: «فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي ...» (٣) قالوا: فجعل الصلاة مانعًا من قتله لما هَمَّ الصحابة بقتله لما رأوا فيه من احتمال كفره. وأجاب المانعون: بأنه يحتمل أن يكون إباحة قتل تارك الصلاة حدًّا لا لأجل الكفر!! وأجيبوا بأن من يقتل حدًّا بنص رسول الله ﷺ : «الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٤) وليس تارك الصلاة بزان ولا قاتل لنفس فبقي أنه تارك لدينه، ولهذا ليس كل من قال إن تارك الصلاة لا يَكفر، قال إنه يقتل، كما سيأتي. (د) الأدلة التي تفيد المنع من منابذة ولاة الأمر إلا إذا لم يقيموا الصلاة، ومنها: ١٢ - حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي

стр. 229

وتابع» فقالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» (١) قالوا: وقد ثبت أنه لا يباح قتالهم إلا إذا كفروا كفرًا ظاهرًا بواحًا، كما في حديث عبادة في ذكر مبايعتهم للنبي ﷺ وفيه: «وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (٢) فعُلم أن ترك الصلاة من الكفر الأكبر البواح. (هـ) أن كفر تارك الصلاة هو قول جمهور الصحابة بل حكى غير واحد إجماعهم عليه: ١٣ - قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (٣). وقال عمر بن الخطاب: «نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة» (٤). وقال ابن مسعود: «من لم يصلِّ فلا دين له» (٥). وقال أبو الدرداء: «لا إيمان لمن لا صلاة له» (٦). وأجاب المانعون: بأن قول جمهور الصحابة ليس بحجة ما لم ينعقد إجماعهم عليه والإجماع غير مسلَّم، لأن ابن حزم إنما نقل هذا القول عن عمر بن الخطاب ومعاذ وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم، وقوله بعد ذلك: لا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة لا يدل على عدم وجود المخال!! الترجيح: بعد ذكر طرف من أدلة كل فريق، وشيء من مناقشتهم، فإن الناظر فيما تقدم، يرى أن كلا القولين مما تحتمله الأدلة الواردة في المسألة، وليس يسهل هنا القطع بصواب أحدهما وخطأ الآخر - على أن ترجيح مثلي لن يعطى قولاً زيادة قوة- لكن الأرجح في نظري من جهة الأصول: القول بكفره، لا سيما إذا استتابه الإمام، لأن من كان مقرًّ بالصلاة في الباطن، معتقدًا وجوبها، يمتنع أن يصرَّ على تركها حتى يقتل، إذ لا يعقل أن يُدعى تارك الصلاة على رءوس الملأ، وهو

стр. 230

يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وتعصب عيناه، ويقال له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدًا، ثم يكون بعد ذلك مسلمًا (؟!!) (١). تنبيه: المقصود بتارك الصلاة المحكوم بكفره، من كان مُصرًّا على تركها لا يصلي قط مع ادعائه الإيمان بأنها واجبة، وأما أكثر الناس الذين يصلون تارة ويتركونها تارة، فهؤلاء غير محافظين عليها، وهم تحت الوعيد لكن لا يحكم بكفرهم (٢). فليس مناط التكفير في ترك الصلاة هو مطلق الترك، وإنما مناطه الترك المطلق، الذي هو بمعنى ترك الصلاة من حيث الجملة، الذي يتحقق بترك الصلاة بالكلية أو بالإصرار على عدم إقامتها، أو بتركها في الأعم الأغلب بحيث يصدق على من تركها أن يقال: إنه قد ضيَّع الصلاة وتولى عن إقامتها، وهذا المناط يفهم من قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٣). فجعل التوليِّ هو مناط الكفر، ومعلوم أنه ليس كل من ترك الصلاة أو بعض صلوات يكون متوليًا عن أداء الصلاة من حيث الجملة (٤)، والله أعلم. الأحكام الدنيوية لتارك الصلاة: ما تقدم ذكره هو الأحكام الأخروية لتارك الصلاة، وأما ما يترتب على ترك الصلاة من الأحكام في الدنيا، فعلى ما يأتي: [١] عند القائلين بأنه فاسق وليس بكافر: تارك الصلاة -عند هؤلاء- فاسق عاصٍ، فهو كغيره من عصاة المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، لكنهم اختلفوا فيما يفعله الإمام تجاهه على قولين: (أ) أنه يقتل حدًّا: فعند المالكية والشافعية يطالب بأداء الصلاة إذا ضاق الوقت، ويتوعد بالقتل إن أخرها عن الوقت، فإن أخر حتى خرج الوقت استوجب القتل، ولا يقتل حتى يستتاب في الحال، فإن أصر حدًّا وقيل يمهل ثلاثة أيام. وعند بعض الحنابلة -الذين لا يكفرون منهم- يُدعى ويقال له: صلِّ وإلا قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله، ولا يقتل حتى يحبس ثلاثًا، ويُدعى

стр. 231

في وقت كل صلاة، فإن صلى وإلا قتل حدًّ، واختلفوا في كيفية قتله، فقال جمهورهم: يضرب عنقه بالسيف. وعند هؤلاء جميعًا، إذا قتل فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويورث. (ب) أنه لا يقتل وإنما يُعزَّر ويحبس حتى يموت أو يتوب: وهو مذهب الزهري وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وداود الظاهري والمزني وابن حزم، واستدلوا بحديث «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: ...» الحديث وقد تقدم، وبما في معناه، كحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (١). [٢] عند القائلين بكفره: فتجرى عليه أحكام الكافر المرتد، ومن ذلك (٢): ١ - سقوط ولايته فلا يتولى ما يشترط فيه الولاية فلا يزوج أحدًا من بناته، ولا يولى على القاصرين من أولاده ونحو ذلك. ٢ - لا يرث ولا يورث لقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٣). ٣ - يُحرم من دخول مكة. ٤ - تحرم ذبيحته، بخلاف المسلم والكتابي. ٥ - لا يُصلى عليه بعد موته ولا يُدعى له بعد موته. ٦ - تحريم زواجه بالمسلمات لأنه كافر، والكافرة كذلك يحرم على الرجل المسلم نكاحها، وإذا ارتد أحد الزوجين انفسخ العقد عند الأئمة الأربعة. وأما الإمام: فيدعو تارك الصلاة ويقول له: صلِّ وإلا قتلناك، فإن تاب وصلَّى وإلا قتله ردَّةً، ليس ذلك لأحد من عامة الناس وإنما للحاكم فقط فلينتبه!! على من تجب الصلاة؟ تجب الصلاة على كل عاقل، بالغ، ذكر أو أنثى حر أو عبد. ١ - فأمل العقل: فهو شرط لوجوب الصلاة على المرء، فلا تجب على المجنون

стр. 232

إجماعًا، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر (وفي رواية: يحتلم) وعن المجنون حتى يعقل» (١). واختلف العلماء فيمن تغطىَّ عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح، والصحيح أن المغمى عليه ونحوه ممن زال عقله لا يعقل ولا يفهم، فالخطاب عنه مرتفع، وإذا كان غير مخاطب في وقتها، فلا يجب عليه أداؤها في غير وقتها، فإن أفاق وعقل في وقت يدرك فيه -بعد الطهارة- الدخول في الصلاة لزمه أداؤها. وأما من سكر أو نام عن الصلاة أو نسيها حتى خرج وقتها، فهؤلاء -خاصة- يجب أن يصلوُّا ما فاتهم، للنص: قال الله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلي حتى يعلم ما يقول، فإن أفاق صلاها. وقال ﷺ : «إذا نسي أحكم صلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها (٣). بهذا قال المالكية والشافعية [إلا أنهم فرقوا بين السكر المتعدِّي به والسكر بلا تعدٍّ!!] وبه قال ابن حزم (٤) واختار العلامة ابن عثيمين ﵀ أنه إن زال عقله بفعله واختياره بتناول البنج أو الدواء المخدر فعليه القضاء، وإن كان بغير اختياره فلا قضاء عليه. ٢ - وأما البلوغ: فهو شرط لوجوب الصلاة بلا خلاف، فلا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ، للأدلة الدالة على رفع قلم التكليف عن الصبي، وقد تقدم الحديث فيه. تعليم الصبي الصلاة وأمره بها: الصبي وإن كان لا تجب عليه الصلاة، إلا أنه يجب على وليِّه أن يأمره بها إذا بلغ سبع سنين، ويضربه عليها -تأديبًا له- إذا بلغ عشرًا ليعتادها إذا بلغ لقوله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة ابن سبع سنين، واضربوا عليها ابن عشر» (٥) وهذا

стр. 233

مذهب الجمهور: الحنفية والشافعية والحنابلة، أما المالكية فحملوا الأمر في هذا الحديث على الندب والاستحباب (١)، وهذا لو صح لهم في قوله (مروهم) لم يصح لهم في قوله (واضربوهم) لأن الضرب إيلام الغير وهو لا يباح للأمر المندوب. والظاهر أنهم استشكلوا أمر الصبي بالصلاة وضربه عليها وهو غير مكلف؟!! والجواب: أن ذلك إنما يلزم لو اتحد المحل وهو هنا مختلف، فإن محلَّ الوجوب الولي -وهو مكلف- ومحل عدمه ابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصغير عدمه على الولي، فيجب على الولي ضربه عليها (٢)، لكن الصبي لا يأثم بترك الصلاة والله أعلم. تنبيه: جعل بعض الفقهاء الإسلام شرطًا لإيجاب الصلاة على المرء، قالوا: فلا تجب على الكافر الأصلي، قالوا: فلهذا لا يؤمر الكافر إذا أسلم بقضائها. وعدم إيجابها على الكافر مخالف لما صحَّ في الأصول أن الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة، فهي واجبة عليهم وهم معاقبون على تركها في الآخرة (٣). على أن الشافعية والحنابلة (٤) قد صرَّحوا بأن الصلاة لا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة بها في الدنيا لعدم صحتها منه، لكن يعاقب على تركها في الآخرة زيادة على كفره، لتمكنه من فعلها بالإسلام. فعلى هذا يكون الخلاف معهم لفظيًّا، فالصلاة واجبة على الكافر لكنها لا تصح منه، فكان الإسلام شرط صحة لا شرط وجوب، والله أعلم. قلت: وأما كون الكافر لا يؤمر بقضائها إذا أسلم فللنص -وسيأتي- ولأنه لم يعتقد وجوبها ولأنه تعمد إخراج الصلاة عن وقتها -وقد وجبت عليه- بغير عذر فلا يقدر على قضائها كما سيأتي تحقيق هذا. عدد الفرائض: الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر (٥).

стр. 234

وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، وهي معلومة من الدين بالضرورة، يكفر جاحدها (١). ١ - عن أبي رزين قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال ابن عباس: نعم، ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٢). ٢ - عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني ما فرض الله عليَّ من الصلوات؟ فقال: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تَطَوَّع» (٣). ٣ - عن أنس بن مالك: أن الصلاة فرضت على النبي ﷺ ليلة أُسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسًا، ثم نودي: «يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين» (٤). عدد الركعات: قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣١٨): «أجمع أهل العلم على أن صلاة الظهر أربع ركعات يُخافت فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في ل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة العصر أربعًا كصلاة الظهر لا يجهر فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة المغرب ثلاثًا يجهر في الركعتين الأوليين منها بالقراءة ويُخافت في الثالثة، ويجلس في الركعتين الأوليين جلسة للتشهد وفي الآخرة جلسة، وأن عدد صلاة العشاء أربعًا يجهر في الركعتين الأوليين منها بالقراءة ويُخافت في الأُخريين، ويجلس فيها جلستين كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة الصبح ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ويجلس فيها جلسة واحدة للتشهد، هذا

стр. 235

فرض المقيم، فأما المسافر ففرضه ركعتين إلا صلاة المغرب فإن فرض المسافر في صلاة الغرب كفرض المقيم» اهـ. مواقيت الصلاة اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا لابد أن تؤدى فيها، والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (١) وإليك تحديد هذه الأوقات وبيان معالمها: [١] صلاة الظهر: الظهر: ساعة الزوال ووقته، والمراد بالزوال: ميل الشمس عن كبد السماء إلى المغرب (٢). وصلاة الظهر هي التي تجب بدخول وقت الظهر، وتسمى صلاة الظهر -أيضًا- (الأولى) لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ ، وتسمى (الهجيرة) فعن أبي برزة قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العجيرة التي يدعونها: الأولى حين تدحض الشمس أو تزول» (٣). أول وقت الظهر: هو زوال الشمس، أي: ميلها عن وسط السماء جهة الغرب، وقد أجمع العلماء على ذلك لثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه صلى الظهر حين زالت الشمس، كما في حديث أبي برزة السابق. وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَّر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» (٤). آخر وقت الظهر: اختلف أهل العلم فيه، وأصح الأقوال: أن آخره أن يصير

стр. 236

ظل الشيء مثله سوى مقدار الظل حين الزوال (١)، وهو وقت دخول العصر، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فعنده: آخره أن يكون ظل الشيء مثليه سوى فيء الزوال (٢). واستدل الجمهور بما يلي: ١ - حديث ابن عمر السابق: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ...». ٢ - حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك وظل الرجل، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى من الغد الظهر حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه قدر ما يسير الراكب سير العنق إلى ذي الحليفة، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك زيد- ثم صلى الفجر فأسفر» (٣). وهو محمول على أنه ﷺ فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما (٤). ولا يقال: إنه إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداء، كما قال بعضهم (٥)، ويؤيد ما ذكرنا حديث أبي قتادة عن رسول الله ﷺ قال: «إنما التفريط على من لم يصلِّ صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٦) قلت: فتعيَّن الحمل المتقدم.

стр. 237

فائدة: يمكن معرفة وقت الظهر بطريقة الحساب بالساعات، وذلك بأن يُحسب الوقت بين طلوع الشمس إلى غروبها، فيكون وقت الظهر في منتصفه تمامًا. يستحب تعجيل الظهر في أول الوقت: لحديث جابر بن سمرة قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس» (١) أي: مالت عن وسط السماء جهة المغرب. ونحوه حديث أبي برزة، وقد تقدم قريبًا. ويُستحب تأخيرها إذا اشتد الحرُّ: لحديث أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البر بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٢). وحديث أبي ذر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: «أبرد» مرتين أو ثلاثًا، حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: «شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٣). وحدُّ الإبراد: الصحيح فيه أنه يختلف باختلاف الأحوال بشرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت. [٢] صلاة العصر: العصر: يطلق على العشى إلى احمرار الشمس، وهو آخر ساعات النهار. وصلاة العصر هي التي تجب بدخول وقت العصر، وتسمى الصلاة الوسطى. أول وقت العصر: إذا صار ظل الشيء مثله - عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في المشهور عنه فقد جعل أوله أن يصير ظل الشيء مثليه (!!) - والأدلة المتقدمة غب وقت الظهر تدل على قول الجمهور (٤). آخر وقت العصر: تعارضت ظواهر الأحاديث في آخر وقت العصر.

стр. 238

ففي حديث جابر في إمامة جبريل للنبي ﷺ : «أنه صلى العصر في اليوم الأول عند مصير ظل الشيء مثله، واليوم الثاني عند مصير ظل الشيء مثليه .... ثم قال: الوقت بين هذين الوقتين» (١) وبه قال الشافعي [لكن هذا عند وقت الاختيار] ومالك في إحدى الروايتين (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «... وقت العصر ما لم تصفَّر الشمس» (٣) وبه قال أحمد وأبو ثور ورواية عن مالك (٤)، ونحوه حديث أبي موسى في قصة السائل عن مواقيت الصلاة وفيه: «أن النبي ﷺ صلى في اليوم الأول العصر والشمس مرتفعة، وفي اليوم الثاني آخر العصر فانصرف منها والقائل يقول: احمرَّت الشمس ... الحديث» (٥). وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٦) فقال إسحاق وأهل الظاهر (٧): آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة. قلت: والذي تجتمع عليه هذه الأدلة كلها وغيرها أن يُحمل حديث جبريل على بيان وقت الاختيار، وحديث ابن عمرو على وقت الجواز، وحديث أبي هريرة على وقت العذر والاضطرار، فنقول: آخر الوقت المختار مصير ظل الشيء مثليه -بعد اطراح فيء الزوال- ويمتد إلى اصفرار الشمس، ويكره التأخير إلى ما بعد ذلك لغير عذر، لحديث أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلاً» (٨). فإذا كان هناك عذر أو ضرورة جاز أداؤها -من غير كراهة- قبل غروب الشمس بمقدار ركعة. والله أعلم.

стр. 239

ويستحب التبكير بالعصر: ١ - لحديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة» (١) وبعض العوالي على أربعة أميال من المدينة. ٢ - وعن رافع بن خديج قال: «كنَّا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم ننحر الجزور فنقسم عشر قِسَم، ثم نطبخ فنأكل لحمه نضيجًا قبل مغيب الشمس» (٢). ويتأكد تعجيلها في يوم الغيم: لأنه مظنة التباس الوقت، فإذا وقع التراخي، فربما خرج الوقت أو اصفرَّت الشمس قبل الصلاة، فعن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (٣). الترغيب في المحافظة على صلاة العصر، والترهيب من تفويتها: ١ - قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). والصلاة الوسطى هي صلاة العصر -على الصحيح- لقول النبي ﷺ لما شغله الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر» (٥). ٢ - وعن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمص، فقال: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» (٦) والشاهد: النجم. ٣ - عن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني: الفجر والعصر (٧). ٤ - وتقدم حديث بريدة مرفوعًا: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».

стр. 240

قال ابن القيم (١): «والذي يظهر في الحديث -والله أعلم بمراد رسوله- أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدًا، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين، فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين، فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ (٢). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٣). قلت: هذا فيمن تركها مضيعًا لها، متهاونًا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها، والله أعلم. ٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» (٤) أي: فكأنما سُلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها (٥) على النحو الذي تقدم. أو يقال: المعنى: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. [٣] صلاة المغرب: المغرب في الأصل: مِن غربت الشمس: إذا غابت وتوارت، ويطلق في اللغة على وقت الغروب ومَكانه، وعلى الصلاة التي تؤدى في هذا الوقت (٦). ويطلق على المغرب كذلك العشاء، لكن يكره هذا لقوله ﷺ -كما في الصحيحين-: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب» وتقول الأعراب: هي العشاء. أول وقت المغرب: إذا غربت الشمس وغابت وتكامل غروبها، بالإجماع. وهذا ظاهر في الصحاري، ويعرف في العمران بزوال الشعاع من رءوس الجبال وإقبال الظلام من المشرق، وطلوع النجم (٧).

стр. 241

آخر وقت المغرب: اختلف فيه العلماء على قولين: الأول: أن للمغرب وقتًا واحدًا، بعد الغروب بقدر ما يتطهر المصلي ويستر عورته ويؤذن ويقيم للصلاة، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي (١)، وحجتهم حديث إمامة جبريل -وقد تقدم- وفيه أنه صلى في اليوم الأول والثاني المغرب حين غربت الشمس وقتًا واحدًا وبما رواه سويد بن غفلة قال سمعت عمر ابن الخطاب يقول: «صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، يعني المغرب» (٢). الثاني: آخره إلى أن يغيب الشفق: وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي وصححه النووي واختاره ابن المنذر (٣)، وهو الصحيح، والدليل عليه: ١ - حديث ابن عمرو مرفوعًا: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ...» الحديث، وقد تقدم. ٢ - حديث أبي موسى في السائل عن مواقيت الصلاة، وفيه «أن النبي ﷺ صلى في اليوم الأول المغرب حين وقبت (أي: غربت) الشمس، وفي اليوم الثاني آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ...» وقد تقدم تخريجه، ومثله في حديث بريدة (٤). ٣ - حديث زيد بن ثابت أنه قال لمروان: ما لك تقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصَّل؟ و «قد كان رسول الله ﷺ يقرأ بطولي الطوليين»؟ يعني: الأعراف (٥). وقد كانت صلاة النبي ﷺ مبينة حرفًا حرفًا بترتيل مع إتمام ركوع وسجود، فهذا يدل على أن وقت المغرب ممتد إلى غياب الشفق. ٤ - حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قُدِّم العشاء، فابدءوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجَّلُوا عن عشائكم» (٦) وفي لفظ من حديث عائشة «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء» (٧) وهو صريح في جواز تأخير صلاة المغرب إلى ما بعد الطعام بعد دخول وقته.

стр. 242

٥ - حديث معاذ «أنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم» (١). يستحب تعجيل المغرب: ١ - فعن رافع بن خديج قال: «كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله» (٢). ٢ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (٣). [٤] صلاة العشاء: العشاء: اسم لأول الظلام من المغرب إلى العتمة، وسميت الصلاة بذلك لأنها تفعَل في هذا الوقت. ويقال للصلاة أيضًا: (العشاء الآخرة) كما في قوله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (٤). ويقال لها كذلك: (العتمة) كما في قوله ﷺ : «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوًا» (٥) لكن قد ورد كراهية ذلك في حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل» (٦) والتحقيق أن إطلاق العتمة على العشاء خلاف الأَولى لهذا الحديث كما ذهب إليه مالك والشافعي واختاره ابن المنذر ورجَّحه ابن حجر. أول وقت العشاء: أجمع أهل العلم -إلا من شذ منهم- على أن أول وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق. لكنهم اختلفوا في الشفق (٧)؟! فالجمهور على أنه: الحُمرة، وأبو حنيفة وزفر والأوزاعي قالوا: هو البياض بعد الحمرة.

стр. 243

قلت: والأول هو الصواب، لأن الثابت أن النبي ﷺ صلَّى حين غاب الشفق، وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول (١)، وقد ثبت في حديث عائشة أنهم: «كانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» (٢) فصح يقينًا أن الشفق: الحمرة لا البياض، والله أعلم. آخر وقت العشاء: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال مشهورة: الأول: آخره إلى ثلث الليل: وبه قال الشافعي في الجديد [إلا أن هذه عنده وقت الاختيار، هذا المذهب، لكن الذي صرَّح به في «الأم» أنه إذا مضى الثل فهي فائتة] وأبو حنيفة والمشهور من مذهب مالك (٣) وحجتهم: حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ ، وفيه «أنه صلاها بالنبي ﷺ في اليوم الثاني ثلث الليل». الثاني: آخره نصف الليل: وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في القديم [إلا أنه عند أصحاب الرأي يجزئ بعده مع الكراهة وعند الشافعي: هو وقت الاختيار وأنه لا يفوته إلى الفجر] وابن حزم. وحجتهم: حديث عبد الله بن عمرة -الذي تقدم كثيرًا- وفيه: «ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ...» وحديث أنس قال: «أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ...» (٤)، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «... وأن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإن أخَّرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين» (٥). الثالث: آخره طلوع الفجر الصادق (ولو لغير اضطرار»: وهو قول عطاء وطاوس وعكرمة وداود الظاهري، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة، واختاره ابن المنذر (٦) وحجتهم:

стр. 244

١ - حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (١). ٢ - قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى شطر الليل» (٢). قالوا: هو دليل على أنه لا حرج على من أخرها إلى شطر الليل، وإذا كان خروجه إليهم بعد انتصاف الليل، فصلاته بعد شطر الليل، وإن كان كذلك ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر (٣). ٣ - حديث عائشة قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» (٤). الترجيح: أقوى الأحاديث السابقة دلالة على تحديد آخر وقت العشاء هو حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ...» ورجَّحه الشوكاني لكنه جعله آخر وقت الاختيار، وأما وقت الجواز فممتد إلى الفجر مستدلاًّ بحديث أبي قتادة المتقدم، وقال: «فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع» اهـ. قلت (٥): أما الاستدلال بحديث أبي قتادة على أن وقت العشاء ممتد إلى طلوع الفجر، ففيه نظر، إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق لأجل ذلك، وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا سواء كان يعقبها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر، وهم نائمون في سفرهم، واستعظم الصحابة ﵃ وقوع ذلك منهم، فذكره، فلو كان المراد ما ذهبوا إليه من امتداد كل صلاة إلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد ذهبوا إليه من امتداد كل صلاة إلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد

стр. 245

وقت الصبح إلى وقت الظهر وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بيَّنا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال، لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصح استثناؤها؟! فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد، بل لإنكار إخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا. اهـ. قلت (أبو مالك): وأما حديث عائشة «حتى ذهب عامة الليل ....» فالمراد بعامة الليل: كثير منه وليس المراد أكثرهُ، ولابد من هذا التأويل لقوله ﷺ : «إنه لوقتها» ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل (١). فلا يبقى عند القائلين بامتداد وقت العشاء إلى الفجر (سواء للاختيار أو الضرورة) إلا حديث أنس: «أخَّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلَّى ...» (٢) فإن صح حمله على أنه انتهى من الصلاة نصف الليل، ويكون قوله (ثم صلَّى) من تصرَّف الرواة، وإلا فالقول قولهم، والله أعلم. ويستحب تأخير العشاء: قد ورد في تأخير العشاء أخبار كثيرة صحاح، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين (٣)، ومن ذلك: قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (٤) والحكمة فيه أنه أنفع في تصفية الباطن من الأشغال المُنْسية لذكر الله تعالى، وأقطع لمادة السمر بعد العشاء، لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة، وتنفير القوم، فلهذا: «كان النبي ﷺ يؤخِّر العشاء أحيانًا، وأحيانًا يعجِّل: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر ...» (٥). ويكره النومُ قبلها والحديثُ بعدها: لحديث أبي برزة «أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها» (٦) والعلة في كراهة النوم قبل صلاة

стр. 246

العشاء خشية أن يذهب به النوم فيفوته وقتها، أو يترخَّص الناس في ذلك فيناموا عن إقامة جماعتها (١). وأما كراهة الحديث بعدها، فلأنه ربما يؤدى إلى سهر يفوت به الصبح، أو لئلا يقع في كلامه لغو، فلا ينبغي ختم اليقظة به، أو لأنه يفوت به قيام الليل لمن له به عادة، ولتقع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله، والنوم أخو الموت، وربما مات في نومه (٢). وهذا إذا كان الحديث مما لا فائدة فيه، فإن كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، أو لما يعود على صاحبه بفائدة أو إلى مصالح المسلمين، فهذا لا بأس به، فقد «كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر وعمر في أمر من أمور المسلمين» (٣). وفي حديث ابن عابس أن النبي ﷺ تحدث مع أهله -ميمونة- ساعة ثم رقد ...» (٤). [٥] صلاة الفجر: الفجر في الأصل: هو الشفق، والمراد به ضوء الصباح، والفجر في آخر الليل كالشفق في أوله. والفجر اثنان (٥): الفجر الأول (الكاذب) وهو البياض المستطيل الذي يبدو في ناحية من السماء -وهو ما يسمى عند العرب بذنب السرحان (الذئب) - ثم ينكتم فيعقبه الظلام. والفجر الثاني (الصادق): وهو البياض المستطير المعترض في الأفق، ولا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس، وفي الحديث: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق» (٦). وهذا الفجر الثاني هو الذي تتعلق الأحكام كلها به، لا الأول الكاذب. ويطلق الفجر على صلاة الفجر لأنها تؤدى في هذا الوقت، وتسمى صلاة الصبح والغداة.

стр. 247

أول وقت الفجر: أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح: طلوع الفجر الصادق. آخر وقت الفجر: وأجمعوا على أن آخر وقتها طلوع الشمس. يستحب التبكير بصلاة الصبح (التغليس): ذهب جمهور العلماء منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١)، إلى أن أداء صلاة الفجر بغلس أفضل من الإسفار بها (٢)، وهو روي عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وحجتهم: (أ) أن الأخبار قد دلَّت على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بغَلس، ومن ذلك: ١ - حديث عائشة قالت: «كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر، متلفعات بمروطهنَّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحدٌ من الغَلَس» (٣). ٢ - حديث أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح ثم ينصرف، وما يعرف الرجل منا جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة» (٤). ٣ - حديث أنس عن زيد بن ثابت قال: «تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قُمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية» (٥). والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأنه صلاها في أول وقت الصبح. ٤ - حديث أبي مسعود الأنصاري «أن رسول الله ﷺ صلىَّ صلاة الصبح مرةً بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر» (٦).

стр. 248

(ب) أن التبكير بها داخل في عموم الأدلة على استحباب تعجيل الصلوات في أول أوقاتها، وسيأتي بعضها قريبًا. (جـ) أن التبكير بها هو فعل الخلفاء الراشدين ﵃ (١). (د) أن بعض العلماء -كالشافعي وأحمد- يحملون معنى الإسفار على تيقن طلوع الفجر وتبيينُّه، فلما احتمل الإسفار المعنيين كانت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا أولى. وذهب الثوري وأبو حنيفة وصاحباه إلى أن الإسفار أفضل (٢)، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٣) وأجاب ابن حبان عنه فقال: «أراد النبي ﷺ بقوله (أسفروا) في الليالي المقمرة التي لا يتبين فيها وضوح طلوع الفجر، لئلا يؤدي المرء صلاة الصبح إلا بعد التيقُّن بالإسفار بطلوع الفجر، فإن الصلاة إذا أُديت كما وصفنا كان أعظم للأجر من أن تُصلىَّ على غير يقين من طلوع الفجر» اهـ (٤). ٢ - حديث ابن مسعود في صلاة النبي ﷺ بمزدلفة وفيه: «وصلىَّ الفجر يومئذ قبل ميقاتها [بغلس] ....» الحديث. قالوا: فاعتبروا صلاته ﷺ الفجر بغلس قبل وقتها المعروف عند ابن مسعود، فيكون وقتها المعهود الإسفار. قلت: وهذا ليس صريحًا في الدلالة، فكونه صلى الفجر بغلس قبل موعده المعهود، لا ينافي أن يكون المعهود الغلس كذلك لكن متأخر عن هذا، ثم إنه يحتمل أن يكون قوله (قبل ميقاتها) على ظاهره!! وقد جمع الطحاوي ﵀، وهو حنفي- بين أدلة التغليس والإسفار بأن يدخل في الصلاة مغلسًا، ويطول القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا (٥). قلت: وهذا فعل حسن، لكن يقوى مذهب الجمهور بتفضيل تعجيلها بغلس إذ الخلاف في وقت الدخول في الصلاة لا الخروج منها والله أعلم.

стр. 249

مسائل تتعلق بمواقيت الصلاة [١] الوقت أوكد فرائض الصلاة: فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (١). ولهذا لم يَجُزْ تأخير الصلاة عن وقتها، ولو لجنابة أو حدث أو نجاسة في الثوب، ولا لفقدان ما تُستر به العورة، ولا غير ذلك، -على الصحيح- بل يصلى في الوقت بحسب حاله (٢). وقد امتدح الله تعالى المحافظين على مواقيت الصلاة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤). قال ابن مسعود: «ذلك على مواقيتها» (٥). بل جعل الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأحبها إليه سبحانه، فعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ (وفي رواية: أفضل؟) قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٦). وحذَّر النبي ﷺ من متابعة الأمراء على تأخير الصلاة -عن وقتها المختار- فعن أبي ذرِّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُميتون الصلاة (أو يؤخرون الصلاة عن وقتها)؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة» (٧). وبيَّن أنس بن مالك ﵁ أن تأخير الصلاة عن وقتها المختار [لغير عذر] خلاف هدي النبي ﷺ وأنه تضييع للصلاة، فعن الزهري قال: دخلت على أنس

стр. 250

ابن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا مما أدركت [يعني: في عهد النبي ﷺ ] إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ» (١). قلت: فَحَرِيٌّ بمن لنفسه عنده قَدْرٌ وقيمة أن يحافظ على مواقيت الصلاة، وأن يؤديها في أول وقتها -إلا العشاء إذا لم تكن مشقَّة- عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢). وقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٣). واقتداءً بسنة نبينا محمد ﷺ ، والله المستعان. [٢] بمَ تُدرك الصلاة في الوقت؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان: الأول: تُدرك بتكبيرة الإحرام: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور من مذهب أحمد (٤)، وحجتهم: ١ - أن إدراك جزء من الصلاة -وهو تكبيرة الإحرام- كإدراك الكل لأن الصلاة لا تتبعَّض (٥). ٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها» (٦). قالوا: والسجدة جزء من الصلاة، فيقاس عليها تكبيرة الإحرام. الثاني: تُدرك بإدراك ركعة كاملة في الوقت: وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام (٧)، وهو الراجح، لما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٨) وجملة (من أدرك ...) شرطية ومفهومها أن من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك، فالإدراك معلق بالركعة الكاملة فعدم اعتبارها إلغاء لما اعتبره الشارع، وتعليق الإدراك بالتكبيرة اعتبار لما ألغاه الشارع.
следующие страницы →