محمول على ما إذا جرى بين المتعاقدين بعد العقد ما يدل على الاتفاق على أحد الثمنين، فكأن المشترى قال للبائع بعد ذكر الثمنين: اخترت المعجل أو المؤجل، فقال البائع: أجزت أو رضيت، وحينئذ فلا خلاف بين الجمهور وبين هذه الطائفة من العلماء في القول بصحة العقد.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية تحت عنوان: الاعتياض عن الأجل بالمال؛ الصورة الأولى: صدور إيجاب مشتمل على صفقتين إحداهما بالنقد والأخرى بالنسيئة مثل أن يقول: بعتك هذا نقدًا بعشرة، وبالنسيئة بخمسة عشر.
يرى جمهور الفقهاء أن هذا البيع إذا صدر بهذه الصيغة لا يصح لأن النبى ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وجاء في الشرح الكبير (كذا فسره مالك والثورى وإسحاق وهذا قول أكثر أهل العلم, لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولأن الثمن مجهول فليس يصح كالبيع بالرقم المجهول) وقد روى عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل أنه جرى بينهما بعد ما يجرى في العقد فكأن المشترى قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال: خذه أو قال: قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدًا كافيًا، فيكون قولهم كقول الجمهور " ... فعلى هذا إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح, لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابًا" (١).
ما تقدم هو حكم البيعتين في بيعة من حيث الحل والحرمة والصحة والبطلان، ولما كان هذا البيع حرامًا باطلًا كان واجب الفسخ، ولا يترتب عليه أثره، ولكن لو تفرق البائع والمشترى وقد قبض المشترى السلعة، فما هو الأثر المرتب على ذلك فيما لو هلكت العين البيعية أو استهلكت أو تغيرت؟
والجواب على هذا السؤال نجده في ثنايا حديث نبوى شريف أخرجه أبو داود في سننه -وقد مر بنا نصه وتخريجه عند التعرض للأحاديث النبوية التي تصلح مناطا لبيع التقسيط- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الرِّبا".
стр. 1857
فمن العلماء من أخذ بظاهر الحديث ورتب على هذه الصورة من البيع أثرًا:
فقد روى عن الأوزاعى أنه قال وقد سئل عن معنى بيعتين في بيعة -وهو أن يقول هو نقدًا بكذا ونسيئة بكذا-: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد المعنيين. فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين فقال: هى بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين (١).
وروى عن محمد بن سيرين أنه قال: شرطين في بيع، أبيعك إلى شهر بعشرة، فإن حبسته شهرًا فتأخذ بعشرة قال شريح: أقل الثمنين وأبعد الأجلين أو الربا (٢).
وبه قال طاوس: فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه قال: أخبرنا معمر وابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: إذا قال بكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين (٣).
ومن جهة أخرى، فقد قال الإمام الذهبي إن محمد بن عمرو -راوى الحديث- شيخ مشهور، أخرج له الشيخان متابعة، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس (٤).
وقد أجاب جمهور العلماء عن الحديث الذي استدل به القائلون بأنه إذا تم البيع بصورة بيعتين في بيعة أن للبائع أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين بأجوبة منها:
١ - أن في صحة الحديث مقالًا، قال المنذرى: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور من رواية الدراوردى ومحمد بن عبد الله الأنصارى "أن النبى ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة" (٥).
٢ - أن الحديث على فرض صحته فعنه أجوبة منها:
(أ) يجاب عما قاله الأوزاعى بما قاله الخطابى وغيره: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحيح البيع بأوكس الثمنين إلا شىء يحكى
стр. 1858
عن الأوزاعى. وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل" (١).
وأما قول شريح فيجاب عنه بأنه محمول على معنى آخر ذكره ابن حزم فقال: فإن حبسته شهرًا آخر فتأخذ عشرة أخرى (٢).
(ب) ما ذكره الخطابى وغيره: أن ما رواه يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود يشبه -يحتمل- أن يكون ذلك في حكومة في شىء بعينه: كأنه أسلفه دينارًا في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له: بعنى القفيز الذي لك على بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما -أقلهما- وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتقابضا -قبل فسخ البيع الأول- كانا مربيين (٣).
فهذا القول يفيد أن الربا هو من باب بيع الدين بالدين، لأن البائع باع المشترى الدَّين الذي له عليه بثمن أكثر وهو منهى عنه، لأنه من باب بيع "الكالئ بالكالئ" وقد نهى عنه ﷺ لما فيه من الربا.
(جـ) أن الحديث من باب بيع الدين بالدين كما يفهم من قول ابن الأثير في النهاية حيث فسر الحديث بقوله: أن يستلف الرجل من الرجل مالًا فيعطيه سلعة إلى أجل، فإذا حل الأجل وطالب بالوفاء قال: بعنى تلك السلعة إلى أجل آخر وأزيدك، ولا يجرى بينهما تقابض، فصار بذلك بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وهذا هو بيع الدَّين بالدَّين، كأنه أسلفه دينارًا في صاع بر مثلًا إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعنى الصاع بصاعين إلى شهرين فهذا بيع ثان ودخل في الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أقلهما وهو الصاع، وإلا كان الثاني ربا للتفاضل، أو كأنه باعه دينًا بدين وهو الكالئ بالكالئ المنهى عنه (٤).
(د) أن الحديث محمول على ما إذا استهلك المشترى للبيع كله أو بعضه:
ففى بذل المجهود: وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه -
стр. 1859
الخطابى ﵁ قوله: من باع بيعتين ... ظاهره مخالف للمذاهب كلها إلا أن يقال فى معناه: أن من باع شيئًا على أنه بخمسة إن كان ناجزًا، أو بعشرة إن كان نسيئة ثم افترقا من غير أن يتعين أحدهما فهذا البيع فاسد لكونهما افترقا قبل تعيين الثمن، ولأنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وكان الحكم فيه الفسخ، إلا أن المشترى استهلك المبيع أو أكله فلا يجب فيه إلا المثل أو القيمة؛ وهو أوكس عادة من الثمن المتعين بينهما في البيعتين معًا، فصار المعنى أنه من باع بيعتين كذلك ثم لم يبق المبيع حتى يفسخ البيع فله أن يأخذ القيمة أو المثل ويأخذ الثمن لأنه أخذ الثمن كان إبقاء للبيع وهو مأمور بفسخه، وأما إذا أخذ الثمن ولم يفسخ فقد أربى لكونه عقد عقدًا فاسدًا، والعقود الفاسدة كلها داخلة في حكم الربا (١).
ويؤيد حمل الحديث على هذا المعنى ما نقله ابن جرير الطبرى عن الثورى أنه قال: إن بعت بيعًا فقلت: هذا بالنقد بكذا. وبالنسيئة بكذا فذهب المشترى فهو بالخيار في البيعتين، وإن لم يكن وقع بيعك على أحدهما فهو مكروه وهو بيعتان إلى بيعة، وهو مردود وهو الذي ينهى عنه، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته وإن قد استهلك ذلك فلك أوكس الثمنين وأبعد الأجلين (٢).
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر بعد أن ذكر قول طاوس الذي تقدم قبل قليل أنه قال: وهذا إذا كان المبتاه قد استهلكه (٣).
(هـ) ما قاله صاحب نيل الأوطار في معرض رده على المبطلين للبيع مؤجلًا مع زيادة الثمن لأجل التأجيل: لأن ذلك التمسك هو الرواية الأولى من حديث أبى هريرة: "من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا" وقد عرفت ما في راويها من المقال، ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهى عن بيعتين في بيعة ولا نتيجة فيه على المطلوب. ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوى صالحة للاحتجاج لكن احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان -أبيعك كذا شريطة أن تبيعنى كذا- قادحًا في الاستدلال بها على التنازع فيه على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة -وهي أن يقول نقدًا بكذا ونسيئة بكذا- إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة
стр. 1860
بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى (١).
(و) ما قاله ابن حزم الظاهرى: هذا الخبر صحيح إلا أنه موافق لمعهود الأصل، وقد كان الربا وبيعتان في بيعة والشروط في البيع كل ذلك مطلقًا غير حرام إلى أن حرم كل ذلك، فإذا حرم كل ما ذكرنا فقد نسخت الإباحة بلا شك، فهذا خبر منسوخ بلا شك بالنهى عن البيعتين في بيعة، فموجب إبطالهما معًا لأنهما عمل منهى عنه (٢).
(ز) ما قاله ابن القيم أن الحديث لا يحمل على الصورة المعروفة وهي أن تكون السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا حيث يقول: "أنه ﷺ ، نهى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوكس البيعتين أو الربا في الحديث الربا. وذلك سدًا لذريعة الربا، فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها بمائتين حالة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ الثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهو من أعظم الذرائع عن الربا، وأبعد كل البعد عن حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة" (٣).
ويبدو أن المالكية لهم رأى آخر في المسألة وهو أن المشترى إذا قبض المبيع في صورة البيعتين في بيعة، فإن البائع يعطى قيمة المبيع نقدًا, ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين.
فقد نقل عن مالك قوله: من باع سلعة بدينار نقدًا أو بدينارين إلى شهر فسخ ذلك، وردت إلى قيمتها نقدًا, ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين (٤).
وقال صاحب الكافى: "وإن قبضت السلعة وفاتت، رد قابضها قيمتها يوم قبضها بالغة ما بلغت واتبع ذلك بقوله: وهذا كله قول مالك وأصحابه" (٥).
ووجه ما قاله المالكية: أن السلعة لم يقع شراؤها على شىء بعينه بقطع أو بخيار، وإنما إذا وقع على مالًا يدرى أى السلعتين يختار، وقد وجبت إحداهما، فحيث قبضها وتعذر ردها وجبت قيمتها.
стр. 1861
وخلاصة الأمر في حكم بيعتين أنها من البيوع المنهى عنها المحكوم ببطلانها واستحقاقها الفسخ إذا وقعت بالصورة التي لا يعلم فيها الثمن، وهذا رأى عامة الفقهاء.
أما من حيث حكمها إذا حدث قبض بموجبها فجمهور الفقهاء يرون أن البيع الباطل لا ينتج أثرًا، وأنه لا يصح الأخذ بظاهر حديث أبى داود, لأن العمل بظاهره يفيد أن البيع صحيح إذ هو الذي ينتج آثارًا ويرتب حقوقًا, ولذلك وجهوا إلى الحديث المطاعن التي ذكرنا في صحته من جهة، وفي صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب، والتمسوا له التأويلات التي تقدمت على فرض صحته انسجامًا مع الحقيقة الشرعية التي تأبى أن ترتب على العقد الباطل آثارًا، وتمكينًا للبائع من الوصول إلى حقه الذي ذهب بتعذر استرداد العين التي باعها بموجب عقد البيعتين في بيعة المنهى عنه شرعًا.
وقد نازع بعض الفقهاء في هذه الحقيقة بناء على ثبوت الحديث عندهم، وعملهم بظاهر معناه.
وبعد النظر في أدلة الفريقين، وما صوّبه الجمهور إلى أدلة مخالفيهم من طعون عملت على إيهانها، وعجزها عن الانتهاض للاحتجاج بها على مدعاهم، أرى أن الحق فيما قال الجمهور، والله تعالى أعلم.
المبحث الرابع: حكم البيع بالتقسيط:
تمهيد: بعد أن تتبعنا أقوال العلماء في بيان معنى الأحاديث الثلاثة وعلتها انتهينا إلى النتائج التالية:
١ - أن تلك الأحاديث تصلح أن تكون موطنًا مناسبًا ومظان ملائمة للبحث في مشروعية البيع بالتقسيط. وذلك لأنها تشترك من حيث معناها في صورة هى أصل ذلك البيع والمتمثلة بقول البائع للمشترى أبيعك هذه السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا.
٢ - أن تحريم هذه البيوع يستند إلى علة تتمثل في جهل المتعاقدين بالثمن، وسد ذريعة أن يكون هذا البيع طريقًا إلى الربا المحرم.
فالقول بعدم صحة هذه البيوع مجردة إلى أن الصيغة الصادرة مشتملة على صيغتين في آن واحد، فلم يجزم البائع ببيع واحد، وأن الثمن مجهول، هل هو
стр. 1862
المعجل أم المؤجل؟ وإذا كان الإيجاب غير جازم لا يصلح، ويكون عرضًا، فإذا قبل الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين كان إيجابًا موجهًا إلى الطرف الأول فإن قبل تم العقد، وإلا لم يتم العقد (١).
في ضوء ما تقدم كنا نتوقع أن يكون البت في الحكم الشرعى لبيع التقسيط أمرًا ميسورًا يكفى فيه التثبت من وجود العلة المذكورة، فيحكم بالجواز في الحالة الأولى وبالبطلان في الحالة الثانية.
ولكن حكمة الله ورحمته بعباده التي كان اختلاف عقول البشر عامة وعلماء الفقه خاصة مظهرًا من مظاهرها اقتضتا أن تعمل تلك العقول -التي تحررت من قيود الخوف والرهبة، فانطلقت تلتمس الحقيقة في هدى نور الله- فيما بين يديها من النصوص تأملًا وترديد فكر، فيكون نتاج ذلك ثمرات خيرة من الأفكار والآراء والأحكام المتباينة في خط سيرها المتفقة في هدفها ألا وهو نشدان مرضاة الله ، والتمكين لشريعته في الأرض .. وإذا بنا نتيجة لذلك أمام آراء لا رأى، وبصدد أحكام لا حكم واحد في هذه المسألة، وأبرز تلك الأحكام:
١ - أن بيع التقسيط غير جائز شرعًا.
٢ - أن بيع التقسيط جائز شرعًا.
٣ - رأى وسط يذهب إلى عدم القول بجوازه أو عدم جوازه مطلقًا بل يرى أنه مكروه، وشبهة الأولى اتقاؤها.
وممن قال بعدم الجواز، وأنه لا يصح زيادة الثمن في مقابل تأجيل قبض الثمن: زين العابدين، علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى، وأبو بكر الرازى الجصاص الحنفى (٢).
أما القول بجواز بيع التقسيط، وبأن أخذ زيادة في السعر مقابل التأجيل أمر
стр. 1863
يقره الشارع فهو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وبه قال زيد بن علي والمؤيد بالله والمهدى والمفتى من شيعة آل البيت (١).
أما القول الثالث الذي اتخذ موقفًا وسطًا بين القولين السابقين فهو ما ذهب إليه د. رفيق المصري في كتابه "مصرف التنمية الإسلامى" (٢).
وقد لخص الشيخ أبو زهرة سبب الخلاف بين المجيزين والمانعين بقوله "ويعود سبب الخلاف لأجل الزيادة، أتعد الزيادة في مقابل الأجل كالزيادة في الدين في نظير الأجل أم لا تعد؟ فالذين قاسوا الزيادة في مقابل الأجل على الزيادة في الدين في نظير الأجل وجعلوهما صورة واحدة قالوا بالحرمة، وأما الذين فرقوا بينهما فقالوا بالحل" (٣).
المطلب الأول: أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط:
استدل القائلون بأن بيع التقسيط لا يصح شرعًا بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والمعقول، فمن القرآن الكريم استدلوا بقوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤) فهي تفيد تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل لدخولها في عموم كلمة الربا (٥).
كما استدلوا بقوله عز شأنه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).
стр. 1864
فقد جعلت الآية الرضا شرطًا لحل الكسب والربح في المبادلات التجارية، وإلا كان ذلك الكسب حرامًا وأكلًا لأموال الناس بالباطل، وعامل الرضا غير متوفر في البيع بالتقسيط, لأن البائع مضطر للإقدام عليه ترويجًا للسلعة، والمشترى مضطر له رغبة في الحصول على السلعة التي تمس حاجته إليها ولا يملك ثمنها حالًا، فيرغم على دفع الزيادة مقابل الأجل (١).
أما من السنة النبوية فاستدلوا بأحاديث منها:
نهى رسول الله ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁ عن صفقتين في صفقة وقد مر معنا ما رواه أحمد عن سماك في تفسير الحديث بقوله: هو الرجل يبيع الرجل فيقول: هو بنساء كذا، وهو بنقد بكذا وكذا.
وقد علق الشوكانى على ذلك بقوله: وفي هذا التفسير متمسك لمن قال "يحرم بيع الشىء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء" (٢).
كما استدلوا بقوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁، من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وهذا يعني أن من باع يأخذ زيادة مقابل الأجل يكون قد دخل في الربا المحرم إذا لم يأخذ الثمن الأقل.
وهذا يفيد أنه لا يجوز للبائع أن يبيع سلعته بأكثر من سعر يومها تجنبًا للوقوع في ربا النسيئة (٣).
قال صاحب الروضة الندية: فالحديثان -حديث ابن مسعود وحديث أبى هريرة- قد دلا على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة، ولهذا قال: فله أوكسهما أو الربا "والأعيان التي هى غير ربوية داخلة في عموم الحديثين" (٤).
واستدلوا كذلك بما أخرجه أبو داود في سننه عن محمد بن عيسى بن هشيم عن صالح بن عامر -كذا قال محمد- قال: حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا على أو قال: قال على: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك (٥).
стр. 1865
قالوا: وبيع التقسيط من بيع المضطر، لأنه لا يقبل بالزيادة لأجل المدة إلا المضطر في الغالب. ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (١) وهو يفيد أن البيع الجائز شرعًا ما توفر فيه عنصر الرضا من التعاقدين بإجراء العقد، ولا رضا مع الاضطرار والإكراه فيكون البيع باطلًا. وعليه، فالبائع بأجل والمشترى إلى أجل كلاهما مضطر للبيع ولا يصدق عليهما قوله سبحانه ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراض".
أما من المعقول فاستدلوا بأمور منها:
أن الزيادة في الثمن المؤجل هى من باب الربا واستدلوا لقولهم هذا بما يأتى:
١ - أن الزيادة في الثمن هى في نظير الأجل والتأخير، إذ لم يقابلها إلا المدة والتنفيس بالأجل فقط، ومتى كانت الزيادة كذلك فهي زيادة من غير عوض، فتنطبق عليها كلمة (الربا)، وتتناولها أدلة تحريم الربا وتندرج تحتها (٢).
٢ - أن القول ببطلان البيع بأكثر من الثمن إلى أجله خشية أن يكون ذريعة إلى الربا، فيكون بمنزلة جارية نقدًا وعشرة دنانير إلى شهرين بعشرين دينار إلى شهرين (٣).
٣ - أن الزيادة مقابل الأجل هى من باب الشرطين في بيع وسلف وبيع: وصفة الشرطين في بيع كما تقدمت: أن يقول المبيع بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا وذلك غير جائز. والبيع مع السلف أن يبيع منه شيئًا ليقرضه أو يؤجله أو الثمن ليعطيه على ذلك ربحًا.
يقول د. عبد السميع المصرى بعد أن نقل التفسيرين المتقدمين عن المبسوط "وظاهر مما تقدم عن صاحب المبسوط أن العلة في عدم الجواز في الصورتين عند الأحناف -الحنفية- هى الربا، لأنه في الصورة الأولى جعل الأجل في الثمن مقابلًا بالزيادة فيه صراحة فهي زيادة في الدَّين بغير عوض، وهي معنى الربا. وفي الصورة الثانية يحتال على الربا في القرض ببيع شيئًا مع المحاباة في ثمنه بمقابل القرض" (٤).
стр. 1866
ويتابع قائلًا: "ولا شك عندي في أن هذا هو روح الشريعة الإسلامية، وهو الغاية من تحريم الربا في الإسلام، لأن الزيادة في الثمن هى مقابل الأجل في التقسيط أى مقابل استغلال حاجة المشترى الضعيف بينما الإسلام دين الرحمة والإخاء والتعاون، يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١).
وإذا لم يتعادل سعر النقد والتقسيط فقد ذهبت عدالة التوزيع ... ولم يستطع ذو الدخل الصغير أن ينال حظه من الرفاهية ... " (٢).
٤ - القياس على إنقاص الدين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، إذ لا فرق بين إنقاص الثمن مقابل إنقاص المدة، وبين زيادة الثمن مقابل زيادة المدة، أولًا فرق بين أن نقول سدد الدين أو نزد في نظير الأجل، وأن تبيع بزيادة في الثمن لأجل التأجيل، فالمعنى فيهما أن الأجل له عوض وهو بمعنى الربا (٣).
وبيان ذلك كما قاله أبو بكر الجصاص "أنه لو كان لرجل على آخر ألف درهم دين مؤجلة فصالحه منها على خمسمائة حالة فلا يجوز، لما روى عن ابن عمر أنه سئل عن الرجل يكون له على الرجل الدَّين إلى أجل فيقول له: عجل لي وأضع عنك فقال: هو ربا. وروى عن زيد بن ثابت أيضًا النهى عن ذلك، وهو قول سعيد بن جبير والشعبى والحكم، وقول أصحابنا وعامة الفقهاء. ومما يدل على بطلانه تسمية ابن عمر إياه ربا، وأسماء الشرع توقيف. ولأنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضًا مؤجلًا بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلًا من الأجل فأبطله الله وحرمه وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤).
وقال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٥)، حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله، فإنما جعل الحط مقابل الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله على تحريمه.
ولا خلاف أنه لو كان له عليه ألف درهم حالة فقال له: أجلنى وأزيدك فيها مائة درهم لا يجوز، لأن المائة عوض عن الأجل، كذلك الحط في معنى الزيادة،
стр. 1867
إذ جعله عوضًا من الأجل. وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الإبدال عن الآجال" (١).
وجاء في حاشية ابن عابدين "أنه إذا بيع الشىء بثمن مؤجل ثم وجب الأداء معجلًا فإنه ينقص من الثمن بمقدار التعجيل" وبذلك يتبين أن الفقهاء أباحوا الزيادة في نظير الأجل، وأى فرق بينها وبين الربا" (٢).
٥ - أن أبا حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبًا فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدًا فلك نصف درهم، إن الشرط الثاني باطل, فإن خاطه غدًا فله أجر مثله، لأنه جعل الحط مقابل الأجل، والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم لأنه بمنزلة بيع الأجل" (٣).
مما تقدم يتبين لنا أن عمدة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط هو أن ذلك ضرب من الربا المحرم، ومستندهم الرئيسى في ذلك أن الزيادة في الثمن هى في مقابل الأجل، والأجل ليس بالشىء الذي يستحق عوضا فتكون زيادة بلا عوض وهو عين الربا الذي نهى الشرع عنه وحرمه.
المطلب الثانى: أدلة القائلين بجواز بيع التقسيط:
استدل القائلون بجواز بيع التقسيط بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع والعرف والمعقول.
فمن القرآن الكريم استدلوا بما يأتى:
عموم الأدلة القاضية بالجواز كقوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤).
وهو نص عام يشمل جميع أنواع البيع، ويدل على أنها حلال، إلا الأنواع التي ورد نص بتحريمها، فإنها تصبح حرامًا بالنص مستثناة من العموم، ولم يرد نص يقضى بتحريم جعل ثمنين للسلعة ثمن معجل وثمن مؤجل، فيكون حلالًا أخذًا من عموم الآية (٥).
стр. 1868
وقوله ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فالزيادة في الثمن مقابل الأجل داخله في عموم النص، إذ إن أعمال التجارة تنبنى على البيع نسيئة، ولابد أن تكون لهم ثمرة، وتلك الثمرة داخلة في باب التجارة وليست داخلة في باب الربا. فالثمن في البيع الآجل هو للسلعة مراعى فيه الأجل، وهو من التجارة المشروعة المعرضة للربح والخسارة (١).
ومن جهة أخرى، فالرضا ثابت في هذا البيع، لأن من يفعل ذلك من التجار إنما يجعله طريقًا إلى ترويج تجارته. فهو إجابة لرغبته.
كما أن الذي تسلم العين دون دفع ثمن حاله قد تسلم العين منتفعًا بها مغلة، موضع إتجار، وهذا لا ينافى رضاه (٢).
واستدلوا كذلك بقوله عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣).
وبيع السلعة بثمن مؤجل مع الزيادة مما تنتظمه هذه الآية، لأنها من المداينات الجائزة فتكون مشروعة بنص الآية (٤).
أما من السنة النبوية والآثار:
فقد ورد فيها ما يدل على أن الشارع قد سوغ جعل المدة عوضًا عن المال، وأنه يجوز أن يختلف الثمن المؤجل عن الثمن المعجل بزيادة في المؤجل، وأن هذه الزيادة مباحة ومن ذلك:
ما روى "أن رسول الله ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا، فكان يشترى البعير بالبعيرين إلى أجل" (٥)، وهو دليل واضح على جواز أخذ زيادة على الثمن نظير الأجل.
стр. 1869
وما روى عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير جاء ناس منهم إلى النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا, ولنا على الناس ديون لم تحل؟ فقال ﵊: "ضعوا وتعجلوا" (١).
والحديث دليل على أنه لو بيع شىء ما بالنسيئة، واضطر المشترى للسداد قبل الاستحقاق يجوز تخفيض الثمن بمقدار يتكافأ مع المدة التي تفصل تاريخ السداد الفعلى عن تاريخ الاستحقاق، فإذا جاز التخفيض لقاء التعجيل فلابد عقلًا من جواز الزيادة لقاء التأجيل وهو ما قال به ابن عابدين (٢).
ومن الآثار الدالة على جواز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من المعجل، وجواز زيادة الثمن في الشراء بالأجل. ما نقله الشيخ أبو زهرة عن كتاب المجموع والروض النضير في الفقه الزيدى الشيعي عن أبي خالد قال: سألت زيد بن علي عن رجل اشترى سلعة إلى أجل ثم باعها مرابحة والمشترى لا يعلم أنه اشتراها إلى أجل ثم علم بعد ذلك؟ فقال: هو بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء رد. وقد عقب على هذا القول بأنه يفيد حكمًا بالنص وآخر بالالتزام: أما الحكم الذي استفيد بالنص فهو أن عدم ذكر الأجل في المرابحة إذا كان البائع قد اشترى إلى أجل يعد خيانة في المرابحة، وهي خيانة لا يمكن تقديرها كالخيانة في الزيادة بالثمن، وأن الحكم في هذه الحالة هو أن المشترى بالخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه. والحكم الالتزامي هو أنه يجوز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن المعجل، ويتبين ذلك من خلال أن ترك ذكر البائع للأجل في المرابحة خيانة، لأن شأن التجارة أن يكون الثمن العاجل أقل من الثمن الآجل، وترك ذكر الأجل والبيع بثمن عاجل غش، لأنَّه لم يتبين ما استفاده بالتأجيل، والربح مع هذا التأجيل يكون على غير أساس سليم .. " (٣).
قال صاحب الروض النضير: "واعلم أنه يؤخذ من كلام الإِمام -زيد بن علي- أن بيع الشىء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء جائز، ولهذا ثبت للمشترى الآخر الخيار، إذ لولا زيادة الثمن في شراء الأجل لم يظهر لإثبات الخيار وجه" (٤).
стр. 1870
والإجماع يدل على أن البيع بالتقسيط لا بأس به، فالمسلمون لا يزالون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها (١).
كما أن العرف قد جرى على أن النقد الحال أعلى قيمة من النقد المؤجل، وطالما أن العقد ابتداء لم ينص على سعرين فهو حلال (٢).
أما عن القياس والمعقول فاستدلوا بما يأتي:
• أن البيع إلى أجل مع زيادة الثمن هو بيع بثمن معلوم من المتبايعين بتراضيهما فوجب الحكم بصحة البيع كالبيع بثمن حال (٣).
• القياس على السلم: فالبيع إلى أجل من جنس بيع السلم، وذلك أن البائع في السلم يبيع في ذمته حبوبًا أو غيرها مما يصح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به في وقت السلم فيكون المسلم فيه مؤجلًا والثمن معجلًا، فهو عكس مسألة البيع بالتقسيط، وهو جائز بالإجماع، والحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى السلم، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم، وتأخير تسليم الثمن في البيع إلى أجل (٤).
• القياس على بيع المرابحة: فإذا كان الأجل معلومًا في البيع بأجل صح البيع ولا شىء فيه لأنه من قبيل المرابحة، وهي نوع من أنواع البيوع الجائزة شرعا التي يجوز فيها إشتراط الزيادة في السعر في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالًا حقيقة إلا أنه في باب المرابحة احتراز عن شبهة الخيانة، بشرط أن لا تكون الزيادة فاحشة، وإلا كانت أكلًا لأموال الناس بالباطل (٥).
• لأن للأجل حصة من الثمن: ولهذا تزاد قيمة ما يباع بثمن مؤجل على ما يباع بثمن حال. فما دام البائع قد حدد الثمن وعينه لمن يشترى بثمن حال، وحدد الثمن وعينه لمن يشترى بثمن مؤجل، وقد اختار المشترى الشراء بأحد الثمنين، فالبيع صحيح شرعًا, ولا شبهة للربا فيه.
стр. 1871
فالزيادة التي تضاف على الأقساط هى حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين ثمن السلعة إذا بيعت بثمن حال وقيمتها إذا بيعت بثمن مؤجل، والشريعة الإِسلامية شريعة معان وحقائق لا شريعة ألفاظ وأسماء، تحرم الشر إذا سمى باسم، وتبيحه إذا سمى بآخر (١).
• أن الأصل في الأشياء والعقود والشروط عند الفقهاء الإباحة متى كانت برضا المتعاقدين الجائزى الأمر فيما تبايعا, ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه أو نسخه أو تقييده أو تخصيصه بنص أو قياس. ولما لم يرد دليل قطعي الثبوت والدلالة على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، بل قد ورد في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهى عن الغرر ونقض العهود والخيانة، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به، علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العقود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة (٢).
المطلب الثالث: في دليل الرأى الوسط
خلاصة هذا الرأي -الذي ذهب إليه د. رفيق المصري- أن البيع إلى أجل مع زيادة الثمن مقابل ذلك ليس حرامًا على الإطلاق ولا حلالًا على الإطلاق بل هو مكروه، وما كان كذلك فيخضع لحكم الشبهة التي نص رسول الله ﷺ على موقف الشرع منها في حديثه المشهور "أن الحلال بين، وأن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه .. " (٣).
ويرى أن تأمين قروض مجانية للمستهلكين يخفف من ظاهرة اللجوء إلى البيع بثمن أجل مقسط، كما يؤدى إلى الحد من زيادة الثمن (٤).
стр. 1872
المطلب الرابع: مناقشة الأدلة والترجيح
أولًا: مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط:
ناقش جمهور الفقهاء أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط على النحو التالى: أجابوا عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، بأن الآية نص عام، يشمل جميع أنواع البيع، ويدل على أنها حلال إلا ما خصه الدليل، ولم يقم نص يدل على حرمة جعل ثمنين للسلعة مؤجل ومعجل فيبقى حلالًا عملًا بعموم الآية (١).
ومن جهة أخرى، فإن آية الربا لا تتناول محل النزاع، لأن الحديث في البيع بثمن مؤجل إنما يقع على السعر (الثمن)، وليس للسعر استقرار لما فيه من التفاوت بحسب الغلاء والرخص، والرغبة في البيع وعدمها، فلم يكن أصلًا يرجع إليه في تعليق الحكم به، وحيث خرجت آية الربا عن أن تكون داخلة في محل النزاع، انتفت الحاجة إلى النظر فيما يعارضها، وما يترتب عليه (٢).
وأما استدلالهم بقوله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وأن عنصر الرضا مفقود في البيع بالتقسيط فيكون باطلًا فيجاب عنه:
بأن الرضا ثابت, لأن من يبيع بثمن مؤجل له سلطة تامة، ويتمتع بكامل الحق في تحديد السعر الذي يريد بحسب حالة البيع من تعجيل أو تأجيل، وهو إذ يطلب ثمنًا مؤجلًا فإنما يفعل ذلك وسيلة من وسائل ترويج بضاعته، فهو يلبي لديه رغبة في الحصول على الثمن الأعلى نظير تأخير الدفع، وما كان كذلك فلا اضطرار فيه. وأما المشترى فإنه كذلك بالخيار في الامتناع عن الشراء أو البحث عن تاجر آخر أو سلعة بديلة، أو أن يقترض قرضًا حسنًا ليدفع بالثمن المعجل، ومع ذلك فقد حصل على السلعة التي يريد دون أن يدفع ثمنًا في الحال وهي للسلعة محل انتفاع وله فيها مصلحة (٣).
стр. 1873
وأما استدلالهم بحديث النهى عن صفقتين في صفقة وتفسير سماك له بما يفيد منعه فيجاب عنه:
أن هذا الحديث يحتمل أكثر من تفسير، فكما يحتمل أن يكون المراد به أبيعك هذه السلعة بألف نقدًا أو بألفين نسيئة، يحتمل أن يراد به بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا. أو أن يسلف دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علىّ إلى شهرين بقفيزين فصار بيعتين في بيعة واحتمال الحديث لتفسير خارج عن محل النزاع يقدح في الاستدلال به على المتنازع فيه.
على أن غاية ما في الحديث من دلالة هو المنع من البيع إذا رفع على صورة أبيعك نقدًا بكذا ونسيئة بكذا لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك، فالدليل أخص من الدعوى.
ومن جهة أخرى، فالنهى في الحديث محله فيما إذا قبل المشترى على الإبهام ولم يعين أي الثمنين، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو بألفين نسيئة صح ذلك (١).
أما استدلالهم بقوله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا". وأنه يفيد أن من باع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال فعليه أن يأخذ بالأقل منهما وإلا دخل في الربا المحرّم فجوابه:
أن في إسناده محمَّد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور عنه أنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٢).
وعلى فرض صحته، فهو لا يقيد تحريم البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال، بل يفيد أن المتبايعين إذا تفرقا دون تحديد وتعيين أحد الثمنين، فما يستحقه البائع هو أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين كى لا يقعا في الربا المحرم بصورة قطعية (٣).
كما يجاب عنه بما قاله الشوكاني في حديث الصفقتين في صفقة المتقدم.
стр. 1874
ومن جهة أخرى، فإن ابن القيم قد فسر الحديث بأن يبيع الرجل السلعة بمائة مؤجلة ثم يشتريها منه بمائتين حالة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهو من أعظم الذرائع إلى الربا.
وأنه لا يعني النهى عن البيع بخمسين حالة أو بمائة مؤجلة فهي ليست قمارًا ولا جهالة ولا غررًا ولا شيئًا من المفاسد، فإن البائع خير المشترى بين أي الثمنين شاء وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والأمضاء ثلاثة أيام (١).
أما حديث النهى عن بيع المضطر وقولهم بأنه لا يقدم على دفع ثمن أعلى مع تأخير الدفع إلا المضطر فيجاب عنه بالآتي:
أنه جاء في سند الحديث: رواه أبو داود عن محمَّد بن عيسى عن هشيم عن صالح بن عامر كذا قال محمَّد قال: حدثنا شيخ من تميم .. قال في عون المعبود: قال الشيخ في إسناد الحديث رجل مجهول لا ندرى من هو وقال ابن مفلح: صالح لا يعرف، تفرد عنه هشيم، والشيخ لا يعرف أيضًا, ولأبي يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول، قد بلغني عن حذيفة أنه قال: قال ﷺ .. فذكر الحديث وفيه: "ألا إن بيع المضطرين حرام"، الكوثر ضعيف بإجماع، قال أحمد: أحاديثه بواطيل ليس بشىء (٢).
أما قولهم بأن الزيادة في الثمن المؤجل من باب الربا، واستدلالهم على ذلك بأنها زيادة في نظير الأجل، ولا يقابلها عِوض فتكون محرمة فالجواب عنه:
بأن القول بتحريمها لكون الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط، فلا يخفى أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل والمسألة محتملة للبحث والمناقشة (٣).
وأما القول بأن الزيادة لا يقابلها عوض فمردود، وذلك لأن البائع حين رضى بتسليم السلعة إلى المشترى بثمن مؤجل إنما فعل ذلك من أجل انتفاعه بالزيادة، والمشترى إنما رضي بدفع الزيادة من أجل المهلة، وعجزه عن تسليم الثمن نقدًا. فكلاهما منتفع بهذه المعاملة, فلا يصدق القول بأن الزيادة بغير مقابل (٤).
стр. 1875
وأما قولهم ببطلان البيع بثمن مؤجل يزيد على الحال خشية أن يكون ذريعة إلى الربا، فيكون بمنزلة جارية نقدًا وعشرة دنانير إلى شهر، بعشرين دينارًا إلى شهرين فيجاب عنه: بأنه لو رأى رجل جارية ثيِّبًا عند رجل فأعجبته، فسأله أن يزوجها إياه، فاشتراها منه بمائة دينار إلى سنة، فقبضها فوطئها فلم ينتقصها ذلك شيئًا ثم باعها منه بخمسين دينارًا إلى ذلك الأجل، فتكون قد رجعت له جاريته وبقى له خمسون دينارًا إلى ذلك الأجل، إنما ينبغي أن تبطل هذه الصورة ويجعل كأنه استأجرها بخمسين الدينار الزيادة ليطأها، وقد قال المخالفون بجوازها، فأجازوا ما ينبغي أن يبطل، وأبطلوا ما هو جائز من الزيادة مقابل الأجل (١).
وأما قولهم بأن الزيادة مقابل الأجل هى من باب الشرطين في بيع وسلف وبيع وقد نص صاحب المبسوط على عدم جوازهما لأنهما من باب الربا, لأن الزيادة مقابل الأجل فالجواب عنه:
أن قول صاحب المبسوط محمول على ما إذا ذكر ثمنين عاجلًا وآجلًا ولم يجدد أحدهما، والقول بالبطلان في هذه الحالة قول عامة الفقهاء بسبب الجهالة، وسدًا لذريعة الربا. ولقد جاء في كتاب المبسوط ما يدل صراحة على جواز زيادة الثمن مقابل الأجل إذا كان ذلك معلومًا للمتعاقدين حيث يقول: "وإذا اشترى شيئًا إلى أجلين وتفرقا عن ذلك لم يجز لنهيه ﷺ عن الشرطين في بيع، وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما، وأمض البيع عليه جاز .. " (٢).
وأما القول بأن زيادة الثمن المؤجل من الحال في البيع بالتقسيط هى مقابل استغلال حاجة المشترى فتنتفي الرحمة والعدالة، فيرد عليه بأن العلماء حين قالوا بجواز بيع التقسيط قد قيدوا ذلك بشروط سنأتي على ذكرها، ومنها أن لا تتضمن الزيادة غبنًا فاحشًا للمشترى، علمًا بأن هذا الغبن ليس مقصورًا على البيع بالتقسيط بل قد يكون بالنقد، ولكن عند ضعف الوازع الديني، وغياب الحس الإيماني.
وبالإضافة إلى ما تقدم فهناك فروق جوهرية بين الربا والبيع بالنسيئة أبرزها ما يأتي:
١ - أن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر، ولا تساوى بين الشىء وثمنه مع اختلاف جنسهما، فلا يصح تحريم الزيادة في البيع بثمن مؤجل لكونها ربا (٣).
стр. 1876
٢ - أن البيع في حالة البيع سلعة لها منافع ولها غلات، وإن كانت مما ينتفع به باستهلاكه فإن أسعارها تختلف باختلاف الأزمان، وإن كانت مما ينتفع به بسعر، فإذا احتاط البائع لنفسه فباعها بثمن مؤجل مرتفع ومعجل غير مرتفع فلأن موضوع المعاملة يقبل الارتفاع والانخفاض في الأزمان، وله غلات بنفسه، أما النقود في حالة الربا فهي وحدة التقدير، فالمفروض أن لا يؤثر فيها الزمان، وينبغي أن تكون كذلك دائمًا، لأنها ليست سلعًا ترتفع وتنخفض (١).
وعليه، فما يأخذه البائع بثمن مؤجل فرقًا بين العاجل والآجل إنما يأخذه ثمن غلة، بخلاف الديون التي تجرى في النقدين، فإن من يتسلمها يتسلم عينًا لا تختلف فيها الأسعار باختلاف الأزمنة، لأنها مقوِّمة الأسعار، وهي لا تغل بنفسها، بل تغل بالاتجار وتنقلها من الأيدى ببضائع تعلو وتنخفض، فالبضائع هى التي تغل وليست هى موضع الدين (٢).
٣ - أن هناك فرقًا بين أن يكون الأجل مراعى عند تقدير ثمن السلعة في البيع بثمن مؤجل، وبين أن يكون الأجل قد خصص له جزء معين من المال بالإضافة إلى المقدار الذي جعل بدلًا في المعاوضة.
إن فرقًا بين أن يبيع شخص سلعة تساوى في السوق الحاضرة مائة بمائة وخمسة مؤجلة، وبين أن يقترض شخص من آخر إلى أجل معين على أن يردها إليه عند حلول الأجل مائة وخمسة، فإن الأول جائز ولا شىء فيه من الربا، فإن المقدار كله المائة والخمسة قد جعل ثمنًا للسلعة، والسلعة التي كان سعرها في السوق الحاضرة مائة يمكن أن تباع مع تأجيل الثمن وعدم تأجيله بمائة وبمائة وخمسة وبمائة إلا خمسة، على حسب الظروف والأحوال واختلاف الرغبات. وأما الثاني فغير جائز لأنه من ربا النساء الذي جعل فيه الزمن مقصودًا قصدًا أصليًا في العقد مفروضًا له قدر معين من الثمن يتزايد هذا المقدار عادة إذا حل الأجل ولم يوف المدين بأداء الدين.
والخلاصة أن المائة والخمسة في صورة البيع بها إلى أجل وقعت كلها ثمنًا للسلع التي كان يمكن أن تباع بذلك الثمن حالًا، وأما المائة والخمسة في صورة
стр. 1877
اقتراض المائة بمائة وخمسة فإنها وقعت بدلا لشيئين: المائة بدل المائة، والخمسة بدل الزمن وثمن له خاصة، وهذا لا شك أنه الربا الممنوع (١).
٤ - أن البيع بالتقسيط فيه تخيير للمشترى بين الشراء نقدًا بثمن أقل أو بثمن أكثر مؤجلًا، بخلاف الربا فإنه لا تخيير فيه.
كما أن الربا استغلال للناس ومص للدماء، وخيانة للمجتمع، وظلم للطبقة الكادحة من قبل أخذ الطمع والجشع. أما البيع بالتقسيط فهو تيسير لمعاملات الناس وتخفيف عنهم (٢).
٥ - أن البيع بثمن مؤجل لا تحدث فيه زيادة في الثمن حتى ولو ماطل المشترى في الدفع عند حلول أجل الوفاء، فليس للبائع إلا ما اتفق عليه، وذلك بخلاف عقد الربا حيث يستمر المقترض في دفع الفوائد في حالة عدم تسديد القرض حتى يتضاعف بشكل كبير إذ في الغالب قد تكون الفائدة بسعر أعلى من السعر العادى عند التأخير في الدفع (٣).
٦ - أن البيع بالتقسيط يترتب على من يتعامل به مختلف آثار ومقتضيات البيع بالطرق الشرعية ولاسيما ما يتعلق بالخيارات، وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بالقرض بفائدةٍ ربويةٍ (٤).
٧ - أن الثمن في البيع بالأجل هو للسلعة مراعى فيه الأجل وهو من التجارة المشروعة المعرض للربح والخسارة. وأما الزيادة في الربا فهي بلا مقابل وهو الذي حرَّمه الله تعالى ورسوله ﷺ لأخطاره وأضراره (٥).
٨ - أنه في حالة البيع بثمن مؤجل يفترض أن تكون العلاقة بين البائع والمشترى علاقة تكافؤ -في الأعم الأغلب، ولا عِبرة للحالات الشاذة- لأن القدرة على المساومة والتفاوض مفتوحة لكلا الطرفين على قدم المساواة. أما في حالة القرض الربوى فيفترض عدم التكافؤ إذ إن طرفًا فيها يعاني من حالة صعبة بالنسبة للطرف الآخر (٦).
стр. 1878
٩ - أن التبادل في حالة الربا يتم على أشياء مثلية، في حين أن التبادل في حالة البيع يتم على أشياء مختلفة؛ سلعة مقابل نقد، وهذا الاختلاف في الأشياء المتبادلة هو الذي ينشىء النشاط التجارى المفيد المنتج في البيع بالمقارنة مع النشاط الربوى (١).
أما القول المانعين من بيع التقسيط بأن الزيادة في البيع بالنسيئة هى مقابل الزمان فقد ناقشه جمهور الفقهاء على النحو التالي:
١ - أن الزيادة في الثمن المؤجل لا تتعين عِوضًا عن الزمان، بدليل أن بعض الناس يبيع آجلًا بأقل مما اشترى لحاجته إلى البيع وتصريف السلع أو لتوقعه انخفاض الأسعار في المستقبل، ومن التجار من يبيع بأقل من القيمة الحقيقية بثمن حال أو مؤجل، فلا تتعين الزيادة للزمان، بل الزيادة في أكثر الأحيان غير متعينة (٢).
٢ - أننا لو سلّمنا بجعل الزيادة مقابل التأخير والزمن كما دلت على ذلك بعض الأحاديث والآثار, فإنما منع الشارع منها إذا كانت ابتداءً كما كان عليه أمر الجاهلية في قولهم: "أما أن تقضي وأما أن تُربي" (٣).
وأما استدلالهم يكون الزيادة في مقابل الأجل بالقياس على إنقاص الدَّين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، وهو غير جائز بدليل تسمية ابن عمر ﵄ له ربا ونهى زيد بن ثابت وغيره عنه، وبدليل إبطال أبي حنيفة لشرط التعجيل في خياطة الثوب مقابل زيادة الأجرة، وبدليل عدم جواز زيادة الدين الحال مقابل تأجيل صاحبه مدة. فالجواب عنه:
١ - أن ابن أبي شيبة قد أخرج من مصنفه أن ابن عباس ﵄ سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل فيقول له: عجِّل لي وأضع عنك كذا فقال: "لا بأس في ذلك، إنما الربا أن يقول المدين أخر لي وأنا أزيدك، وليس عجّل وأنا أضع عنك" وفي رواة أخرجها البزار عن عبد الله بن عمرو، وأخرجها الطبراني بنحوها: "إنما الذي فيه نهى أن يقول المدين أعجّل لك كذا، وتضع عنه البقية" (٤).
стр. 1879
وليس قول ابن عمر وغيره بأولى من قول ابن عباس، لاسيما أن لقوله سندًا من الحديث وهو قوله ﷺ : "ضعوا وتعجلوا".
٢ - وأما قول أبي حنيفة فيقع في إطار اشتراط منفعة محددة في المعقود عليه لمصلحة العاقد، وهذا النوع من الشروط مما أبطله الحنفية والشافعية في المعتمد من مذهبهم والظاهرية بعدم جوازه وقال المالكية والحنابلة في الراجح من مذهبهم والزيدية والأباضية والإمامية بجوازه.
وقد استدل القائلون بعدم الجواز بحديث نهيه ﷺ عن بيع وشرط، وهو حديث ضعيف، أنكره أحمد، وقال لا نعرفه مرويًا في مسنده وقال النووى عنه، أما الحديث فغريب، وضعفه ابن تيمية، وقال ابن حجر في إسناده مقال. وقال ابن القيم لا يعلم له إسناد يصح (١).
٣ - وأما القياس على زيادة الدين الحال مقابل زيادة الأجل فمع الفارق وهو أن المقيس عليه منصوص على عدم جوازه فهو بيع الدين بالدين، وقد نهى ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ.
ومن جهة أخرى، فإن إنقاص الثمن مقابل تقصير المدة غرضه التيسير على المدين وتسهيل الدفع وقضاء الدين عليه، أما الزيادة مقابل زيادة الأجل فغرضها التضييق على المدين فلا وجه للقياس.
٤ - أن القول بإنقاص الثمن إذا أدى المدين الثمن المؤجل معجلًا بمقدار ما يعادل الأجل يرتكز على مبدأ سبق بيانه وهو أن الأساس هو السلعة لا النقد المجرد. لأن السلعة هى التي يتغير سعرها تبعًا للظروف والأحوال والرغبة فيها، أما النقد فهو مقوِّم السلع وهو ثابت لا يتغير، لأنها ليست سلعًا ترتفع وتنخفض (٢).
٥ - أن العقود في الشريعة الإِسلامية ينظر إليها غير موازنة ببعضها، فالعقد مع تأجيل الثمن عقد قائم بذاته ينظر إليه من حيث سلامة العقد، وكونه غير شامل للربا بأنواعه من نظر إلى غيره. وهذه النظرة تجعل العقد صحيحًا في ذاته، وكون المبيع معجلًا بعقد آخر بثمن أقل لا يؤثر في العقد الأول، لأنهما عقدان متغايران يتميز كل واحد منهما عن صاحبه (٣).
стр. 1880
ثانيًا: مناقشة أدلة القائلين بالجواز:
لقد تناول القائلون بعدم جواز البيع بثمن مؤجل يفوق الثمن الحال بعض أدلة القائلين بالجواز بالمناقشة، وذلك على خلاف ما قام به الجمهور من تفنيد جميع أدلة المانعين بصورة شاملة وافية، مما يعد مؤشرًا على قوة حجّتهم (١).
فقد ناقش المانعون قول الجمهور في استدلالهم بالآية الكريمة ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ على حل البيع عملًا بعموم النص حيث لم يرد صحيح يخصصه بقولهم:
إن الآية تفيد تحريم البيع بزيادة الثمن مقابل الأجل، لأنها داخلة في عمومِ كلمة الربا التي تعنى الزيادة، كما أنها تفيد الإباحة في قوله سبحانه ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فإن العقود الربوية مقيدة لهذه الإباحة. وإذا قيل بأن البيوع بأثمان مؤجلة داخلة في معنى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إذ هى بيع، يقال إنها تحتمل أن تكون داخلة في عموم البيع أو الربا، وعند الاحتمال من غير ترجيح يقدم احتمال الحظر على احتمال الإباحة وخصوصًا أن إحلال البيع ليس على عمومه بل خرجت منه البيوع وهذا منها (٢).
ومن جهة أخرى، فإن قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وليس مجملًا بدليل أن الله وضحه بأنه كل زيادة على رأس المال مقابل الأجل ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ وقد أجمع العلماء على تفسير الربا في هذه الآية بأنه الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية وهو ما كان يحصل عليه الدائن من زيادة لرأس ماله عندما يعجز بدينه عند حلول الأجل فيقول له: "إما أن تقضي ديني وأما أن تربي" أي تزيدني في الدين نظير الأجل فدل على أن كل زيادة في مقابل الأجل ربا، والأجل لا يعد مالًا لعدم إمكان حيازته والاستئثار به وادخاره لوقت الحاجة، فلم يكن جائزًا أن يأخذ مالا عوضًا عنه، ومن ثم كانت زيادة ثمن السلعة المؤجل عن الثمن المال زيادة خالية عن العوض، وهذا هو الربا (٣).
أما استدلال الجمهور بحديث: "ضعوا وتعجلوا" فالجواب عنه:
стр. 1881
أن في إسناده مسلم بن خالد وهو سيئ الحفظ ضعف، وهو كما قال الدارقطني؛ ثقة إلا أنه سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث (١).
ومن جهة أخرى، فإن الزمن في الحديث كان للحط من الدَّين لا للزيادة، بخلاف البيع المؤجل فإنه للزيادة في الثمن لا للنقص منه، وفرق ما بين الزيادة والنقص كفرق من يداين ويزيد لأجل الزمن، ومن يعفو عن بعض الدين ليسهل على المدين الدفع، ولذلك لا يصلح الحديث دليلًا في الموضوع (٢).
ويضاف إلى ذلك أن القول بجواز إنقاص الثمن مقابل تعجيل دفع الثمن المؤجل لم يرد إلا في الدر المختار حيث نسبه ابن عابدين لبعض المتأخرين، وقال: أن أبا السعود ارتضاه، ولعل أبا السعود العمادى ارتضاه لأنه كان يسهل على سليمان القانوني ما يريد من إدخال الأفكار الأوروبية في بلاده، ولذلك لم يعتبر علماء الأتراك فتاويه، بل قد نص بعضهم كأبي بكر الرازى على أن ذلك من الربا الذي نص عليه تحريمه (٣).
وأخيرًا قالوا: أن من يقول بجواز السلف إذا قال عجل لي وأضع عنك من الجائز أنهم أجازوه إذا لم يجعل ذلك شرطًا في العقد، وذلك بأن يقوم البائع بحط بعض الثمن عن المشترى بغير شرط، فيقوم المشترى بحط بتعجيل الدين المتبقي بغير شرط (٤).
أما عن استدلال الجمهور بأن المشترى قد رضي بالزيادة مقابل الأجل، والرضا هو شرط صحة التجارة وتوفر كان العقد صحيحًا أجابوا:
بأن رضا المشترى بزيادة السعر المؤجل عن السعر الحال، لا عبرة به إذا اعتبرنا هذه الزيادة ربا، لأن تراضي البائع والمشترى على الربا لا يجعله حلالًا (٥).
أما عن القول بأن الأسعار تتفاوت ارتفاعًا وانخفاضًا لأن السلعة لها سعر نقدى معين بخلاف النقود فالجواب عنه:
أنه إذا كان للبائع أن يبيع ابتداء بثمن مؤجل أكثر من سعر السوق، فذلك
стр. 1882
يختلف عن تخيير المشترى بين الشراء بثمن حال أو ثمن مؤجل أكثر من ذلك الثمن الحال. فالبيع الأول يمكن أن يقال فيه بأن الأسعار تتفاوت كما أن للمشترى مطلق الحرية في قبوله، وإذا كانت الشريعة الإِسلامية تنهى عن الربح غير المعقول في التجارة. أما البيع الثاني وهو موضوع البحث فإنه يتميز بأن للسلعة ثمن حال معروف، وزاد هذا الثمن بسبب التأجيل. وهنا لا يمكن القول بأن الأسعار تتفاوت وتزيد وتنخفض لأن السلعة تحدد لها سعر نقدى معين ولم يقصد البائع إلى زيادة الثمن المؤجل إلا بسبب الأجل (١).
وأخيرًا يقترح د. عبد الناصر العطار -وهو من القائلين بأن الثمن المؤجل عن السعر الحال أمر لا يتفق مع قواعد الشرع، ويعتبره ربا أو شبهة ربا- يقترح علاجًا بديلا لبيع التقسيط يتمثل فيما عرفته بعض النظم الاقتصادية من وسائل مشروعة يتم فيها تأجيل ثمن المبيع دون زيادة بعض السلع بسعرها اليومي وتأجيل ثمنها مع دفعه أقساطًا تخصم من الراتب. وفي إمكان غير الموظفين تطبيق هذا النظام عن طريق النقابات والجمعيات التعاونية، ولا شك أن هذا النظام لا غبار عليه في الإِسلام، كما أن بعض التجار يعلن عن بيع سلعة بالتقسيط وبدون فوائد أي بذات السعر الفوري (٢).
ثالثًا: مناقشة الرأى الثالث:
لقد رأينا أن خلاصة هذا الرأى تتمثل في القول بأن البيع بالتقسيط ليس مباحًا على الإطلاق ولا محرَّمًا على الإطلاق وذلك اتقاء للشبهات واستبراء للدّين والعرض والجواب على ذلك:
١ - أن صاحب هذا الرأى قد قال صراحة "ومع ذلك فإننا نعتقد أن البيع بالنسيئة بزيادة الثمن لقاء التأجيل إنما هو مشروع .. " وفي هذا تناقض مع القول بأنه ليس مباحًا ولا حرامًا، فأبسط درجات المشروعية هى الإباحة.
٢ - أن الشبهة هى ما اجتمع فيها جانب يؤيد الحل وآخر يؤيد الحرمة، ولقد ورد في حديث صاحب هذا الرأى ما يقطع بمشروعية البيع بالتأجيل مع زيادة الثمن، وصال وجال في بيان فروق أساسية بينه وبين الربا المحرم، فأى وجه للاشتباه بعدئذ؟
وهذا كانت هذه الشبهة والحرص على الاستبراء للدِّين تغيب عمن كانوا
стр. 1883
يدعون سبعين بابًا من الحلال مخافة أن يقعوا في باب الحرام، ومع ذلك لم نجد في عباراتهم أدنى تحفظ عند صدور عباراتهم بجواز هذا البيع، مراعيًا للشروط الشرعية.
٣ - أما دعوة صاحب هذا الرأى من يتعاملون ببيع التقسيط إلى الاقتراض الحسن تقليلًا لتداول هذا البيع، واتهامه لهم بالهجوم على هذا النوع من البيع مع عدم مسيس حاجتهم إليه، دون محاولة الحصول على القرض الحسن، فأظنه كلامًا مبالغًا فيه، وهل أبواب القروض الحسنة مشرعة لمن يلجها ونحن في عصر أصبح الفرد فيه يضن بالدرهم والدينار على أمه وأبيه وصديقه وأخيه؟ ثم إذا توفر هذا القرض الحسن ليغطى شراء سلعة يسيرة الثمن، فأنى له أن يتوفر لشراء عربة يكتسب منها صاحبها قوته وقوت من يعول؟ أو شراء شقة يسكنها؟ فما أرتأه من تبنى هذه الفكرة ليس إلا حلمًا جميلًا صدر عن حسن ظن ونية -إن شاء الله-.
وعليه ففى ظني، أن هذا الرأى يعوزه الدليل المقنع، ويفتقر إلى الموضوية، وينقصه عامل الانسجام، بين ما طرحه صاحبه من أفكار، وبالتالي لا يقوى على النهوض مذهبا ثالثًا إلى جانب المذهبين الرئيسيين المتقدمين من الناحية الحقيقية -اللهم إلا من باب عرضه باعتباره وجهة نظر تمثل رأى صاحبها فحسب- فاقتضى التنويه إليها.
• الترجيح:
بعد أن عرضنا لأقوال من أجاز بيع التقسيط من الفقهاء، ومن قالوا بعدم جوازه ووقفنا على المناقشات والردود التي وجهها جمهور الفقهاء إلى كافة أدلة القائلين بمنع البيع بثمن مؤجل مع الزيادة على الثمن الحال، ورأينا أنه لم يسلم دليل منها من الطعن الذي يضعف من حجيته وصلاحيته للاستدلال به، وفي حين أن أدلة الجمهور قد سلمت لهم في غالبيتها وما وجه إلى بعضها من نقاش لا يقلل من أهميتها, ولا يلغي فاعليتها فقولهم مثلًا بأن آية ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ تتضمن النهى عن كل زيادة وتعتبرها ربا، ففيها إباحة البيع وتحريم الربا، وعند اجتماع الحظر والإباحة يقدم الحظر، فهذا القول يصدق لو لم يوجد ما يرجِّح كفة الحكم بالإباحة وقد اتضح ذلك الرجحان من خلال الفروق الهامة التي تقدمت بين البيع والربا.
ونقول للمعترضين -كما قال الشيخ أبو زهرة- مقالة الله لمن اعترض مثل اعتراضهم، إذ قالوا بأن البيع مثل الربا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
стр. 1884
وأما الأحاديث والآثار في جواز إنقاص الثمن مقابل تعجيل الوفاء بالدين. فعل ما فيها من مقال في سندها، إلا أن مفهومها، وما يسندها من أدلة تقدمت في موضعها يجعل من معانيها ودلالتها أمرًا مستساغًا شرعًا.
مما يجعلنا نخلص إلى القول بأن صحة بيع التقسيط وجواز التعامل به هو الأولى بالأخذ به والمصير إليه، والله تعالى أعلم.
رابعًا: فتاوى العلماء القائلين بجواز البيع بالتقسيط:
بعد أن وصلنا إلى نتيجة مفادها أن القول بجواز بيع التقسيط هو الأولى بالأخذ به نظرًا لقوة أدلته، ولأنه يتفق مع روح الشريعة في تحقيق مصلحة المتعاقدين، وتيسير معاملات الناس وحل مشكلاتهم.
وزيادة في التأكيد، والتماسًا لترسيخ هذه الحقيقة نسوق طائفة من فتاوى علماء المسلمين القدامى والمعاصرين والتي جاءت مصرحة بجواز البيع بالتقسيط:
١ - فتوى شيخ الإِسلام ابن تيمية:
سئل عن رجل عنده فرس شراه بمائة وثمانين درهمًا، فطلبه منه إنسان بثلاثمائة درهم إلى مدة ثلاثة شهور، فهل يحل ذلك؟
فأجاب: الحمد لله، إن كان الذي يشتريه لينتفع به، أو يتجر به، فلا بأس ببيعه إلى أجل، لكن المحتاج لا يربح عليه الربح المعتاد، لا يزيد عليه لأجل الضرورة.
وأما إذا كان محتاجًا إلى دراهم، فاشتراه ليبيعه في الحال، ويأخذ ثمنه، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء (١).
٢ - فتوى في كتاب "جواهر الفتاوى"
السؤال: هل يجوز لأصحاب الأموال بيعها حالًا بثمن، ومؤجلًا بأجل معلوم بثمن أعلى منه أو لا يجوز كما يقول البعض بحجة أي قرض جر نفعًا فهو ربا، ولما في المنهاج من نهى عن بيعتين في بيعة، كأن يقول البائع بعتك نقدًا بكذا أو مؤجلًا بكذا فخذ بأيهما شئت؟ .. أجيبونا مأجورين:
الجواب: أن كل الكتب المعتمدة متفقة على جواز البيع المذكور بالوجهين، وأن المال الذي قيمته مائة فلس نقدًا يجوز بيعه مؤجلًا إلى شهر بمائة وعشرة أفلس.
стр. 1885
ولا ربا في ذلك، فإنما هو -الربا- بيع النقود بالنقود، والمطعوم بالمطعوم إذا اتفق النوعان. ففى التحفة دلالة واضحة على أن الأجل يقابله قسط من الثمن وعبارتها في البيع بشرط الأجل وشرطه أن يحدَّد بمعلوم. وأن لا يبتعد بقاء الدين إليه، وإلا بطل البيع للعلم حال البيع بسقوط بعضه، وهو يؤدى إلى الجهالة المستلزم للجهل بالثمن لأن الأجل يقابله قسط منه.
وأن استدلال المانع للبيع المذكور بالأجل "كل قرض جر نفعًا فهو حرام" بالأصل المقرر، لا تقريب له، لأن ذلك إنما هو في القرض وهو عقد مستقل غير البيع، وعبارة عن إعطاء شىء شخصًا على اعتبار رد مثله إليه كأن يعطيه عشرة دراهم قرضًا أو قفيزًا من الحنطة مثلًا على الاعتبار المار. فإنه لا يجوز للمقرض أخذ عشرة دراهم وفلس واحد، ولا قفيز حنطة ومُدٍّ بدل ما أقرضه لكون ذلك ربا، وكلامنا في البيع بغير الجنس نقدًا أو عرضًا حالًا أو مؤجلًا وأين هذا من ذلك؟
وأما ما جاء في المنهاج من النهى عن بيعتين في بيعة، فمنشؤه اشتمال الصيغة على كلمة أو للترديد والتشقيق المستلزمة للجهالة والإبهام، وإلا فلو أن البائع بصفقتين كأن باع كيلو من السكر بدرهم حالًا، وكيلو آخر بستين فلسًا إلى شهر وقَبِل المشترى مع ذلك بلا شبهة (١).
٣ - فتوى الشيخ محمَّد رشيد رضا:
حول شراء السلعة بأكثر من ثمن المثل إلى أجل فيجيب: أن هذا الشراء جائز وليس من الربا المحرم -والله أعلم- (٢).
٤ - فتوى الشيخ عبد الوهاب خلّاف وفيها:
سألني تاجر هل يحل شرعًا بيع الشيء بسعر أعلى لمن يدفع الثمن مؤجلًا؟
فأجبته: نعم، يحل هذا شرعًا, وليس فيه شىء من الربا المحرم. فيحل شرعًا بيع الإردب من القمح بأربعة جنيهات لمن يدفع الثمن حالًا، وبيعه بخمسة جنيهات لمن يدفع الثمن مؤجلًا (٣).
стр. 1886
٥ - فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز:
يقول ... فقد سئلت عن حكم بيع كيس السكر ونحوه إلى أجل بثمن أكبر من الثمن النقدي: والجواب عن ذلك أن هذه المعاملة لا بأس بها، لأن البيع النقد غير بيع التأجيل ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، فكان كالإجماع منهم على جوازها (١).
٦ - فتوى الشيخ بدر متولي عبد الباسط:
سئل عن جواز قيام بيت التمويل الكويتي بشراء السلع والبضائع وبيعها لهم بالأجل وبأسعار أعلى من أسعارها النقدية .. فأجاب بقوله:
إن ما صدر عن طالب الشراء يعتبر وعدًا، ونظرًا لأن الأئمة اختلفوا هل الوعد ملزم -يعني قضاءً- أو لا، فإني أميل إلى الأخذ برأى ابن شبرمة ﵁ الذي يقول: إن كل وعد بالتزام لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، يكون وعدًا ملزمًا قضاء وديانةً وهذا ما تشهد له ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأخذ بهذا المذهب أيسر على الناس والعمل به يضبط المعاملات لهذا ليس هناك من تنفيذ هذا الشرط مانع (٢).
٧ - فتوى "مؤتمر المصرف الإِسلامى الأول بدبي": والذي اجتمع فيه تسعة وخمسون عالمًا من شتى أنحاء العالم الإِسلامي، وقد عرضت على المؤتمر الصورة التالية:
يتطلب المتعامل من الصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها، ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به الصرف، وكذلك الثمن الذي سيشتريها به المتعامل من البنك بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما.
فجاءت توصية المؤتمر:
يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدًا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدًا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقًا لذات الشروط.
стр. 1887
إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقًا لأحكام المذهب المالكي وملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه (١).
٨ - فتوى د. أحمد الشرباصى:
السؤال: هل يعتبر البيع بالتقسيط حرامًا، إذا كان مجموع الثمن المقسط يزيد عن ثمن السلعة إذا بيعت فورًا؟
الجواب: البيع يكون إما بثمن معجل، وإما بثمن مؤجل إلى أجل معين، وقد نص الفقهاء على جواز النوعين، ومن الواضح أن البيع بالتقسيط من قبيل البيع بثمن مؤجل ... وبهذا يعلم أنه يجوز شرعًا بيع السلعة بثمن مؤجل زائد على ثمنها الحالي إذا كان الأجل معلومًا .. فإذا كان الإنسان مثلًا يشترى جوال السماد بمائتين وخمسين قرشًا بثمن معجّل فإنه يصح أن يشتريه بأربعمائة قرش بثمن مؤجل يدفعه بعد أربعة أشهر من تاريخ الشراء ويكون هذا البيع صحيحًا ولا شىء فيه (٢).
٩ - فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: السعودية:
السؤال: أراد رجل الزواج مثلًا، وليس عنده ما يكفى من مبلغ الصداق، فذهب إلى صاحب دكان فقال له أبيعك سيارة بسبعة آلاف ريال سعودى ديْنًا، تدفعها كاملة عند نهاية السنة فهل هذا ربا، مع أن العلم قيمة السيارة نقدًا عشرة آلاف وخمسمائة ريال سعودى فقط، وهذه السيارة هى التي اشترط عليها وهي محور الاشتراط ما بين البائع ومن يريد الزواج.
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من شراء شخص من آخر سيارة لأجلٍ بثمن أكثر مما تباع به نقدًا عاجلًا ليبيعها المشتري إلى من شاء سوى من باعها عليه ومن في الحكمة فليس ربا بل هو عقد بين صحيح وجائز .. (٣).
стр. 1888
١٠ - فتوى صادرة عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء: ردًّا على السؤال التالي:
لدى السائل من يبيع السيارات بأقساط وعلى المبلغ المؤجل فوائد محددة لكنها تزيد بتأخير دفع القسط عن موعد تسديده فهل هذا التعامل جائز أم لا؟
وأجابت بما يلي: إذا كان من يبيع السيارة ونحوها إلى أجل يبيعها بثمن معلوم إلى أجل أو آجال معلومة زمنًا وقسطًا لا يزيد المؤجل من ثمنها حدًّا يتجاوزه فلا شىء، وإن كان المؤجل كما هو مفهوم من السؤال يزيد بتأخر دفع القسط عن موعده المحدد بنسبة معينة فذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لأنه ينطبق عليه ربا الجاهلية (١).
١١ - فتوى صادرة عن الهيئة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف والشئون الإِسلامية بالكويت:
السؤال: ما هو رأى الشرع في البيع بالأجل، هل يسمح الشرع بأن يكون هناك سعر للسلعة في حالة بيعها بالنقد، وسعر آخر لنفس السلعة في حالة بيعها بالأقساط؟
الجواب: أنه لا مانع من أن يكون سعر البيع بالتقسيط أعلى من سعر البيع بالنقد الفورى، وللبائع أن يحتسب الأرباح التي يريدها بأي أسلوب حسابي .. (٢).
١٢ - فتوى الدكتور عبد الحليم محمود وقد جاء فيها:
لقد أباح جمهور الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن المدفوع فورًا، وذلك لأن الثمن المدفوع فورًا يمكن الانتفاع به في معاملات تجارية أخرى. أما الثمن المؤجل فإنه لا يتأتى فيه ذلك. وهذا النوع من المعاملات ليس داخلًا في نطاق الربا ... (٣).
١٣ - فتوى مجلة "منار الإسلام":
أجاب الشيخ موسى صالح شرف على سؤال ورد إلى زاوية "منكم وإليكم"
стр. 1889
بالمجلة بتوقيع -مسلم، المغرب- يقول فيه: أعمل بإحدى الشركات، وتقوم بتوزيع المنازل على من يرغب في شرائها بطريقتين: الأولى أن يدفع الثمن فورًا، والثاني على أقساط تخصم من الراتب، والثمن بهذه الطريقة يفوق الثمن المؤدى فورًا، فهل الزيادة مشروعة أم لا؟
الجواب: يجوز للمسلم أن يشترى ويدفع الثمن فورًا، كما يجوز أن يؤخر دفع الثمن كله أو جزء منه إلى أجل بالتراضي مع الشركة أو صاحب الشىء المباع. وللبائع أن يزيد في الثمن الحالي. بشرط أن لا يستغل المشترى أو يظلمه، والأصل في ذلك الإباحة. لم يرد نص في تحريمه على أن يحدد المشترى إن كان يريد نقدًا أو بالتقسيط منذ البداية وأن لا تكون الشركة تحسب الأقساط على أساس الربا. وأن لا يكون الثمن قابلًا للزيادة فيما لو عجز المشترى عن دفع الأقساط في حينه (١).
خامسًا: مزايا البيع بالتقسيط وسلبياته:
بعد أن استعرضنا أدلة الفقهاء القائلين بجواز بيع التقسيط، والقائلين بعدم جوازه وترجح لدينا أن القول بجوازه هو القول الأقوى دليلًا، والأولى بالترجيح، والأجدر بالعمل به -بعد هذا- أرى إتمامًا للفائدة أن نذكر فوائد هذه المعاملة وإيجابيتها، ومضارها وسلبياتها، فذلك يزيد إلى قناعتنا دليلًا، وإلى يقيننا يقينًا، بصحة القول المختار.
أولًا: مزايا بيع التقسيط:
١ - تقديم الشركات والمؤسسات التجارية والمحلات التجارية التسهيلات لذوى الدخل المحدود، ممن لا تسمح لهم مكاناتهم المادية بدفع أثمان السلع التي يحتاجون بثمن حال، وهذا من شأنه أن يرغبهم في الإقبال على التعامل معها، كما يعمل على ترويج السلع والبضائع كيلا تبقى مكدسة في مخازنهم (٢).
стр. 1890
٢ - التغلب على المشكلة التي تواجه كثيرًا من الناس -لاسيما الفئات ذات المرتبات المتدنية- والمتمثلة في القدرة على التوفير والادخار، لأن ضيق ذات اليد وكثرة المطالب من جهة، وعدم توافر الإرادة التي لا غنى للإنسان عنها للادخار قد تحول دون هذه الغاية (١).
٣ - إرضاء رغبة لدى الإنسان في الحصول على الشىء الذي يريد دون انتظار، فالتعامل بالتقسيط يشجع المشترى على الإقدام على الشراء (٢).
ثانيًا: سلبيات البيع فأبرزها:
١ - ما يقع من مشكلات بين البائع والمشترى تنشأ في حالة عجز المشترى عن سداد الأقساط كليًا أو جزئيًا، وذلك بسبب تعذر استرداد البائع للسلعة، أو حصوله على حقه فالبائع يحوِّل معظم أمواله إلى ديون على الغير لا تتوفر فيها ضمانة جدية فإذا عجز معظم المشترين عن الوفاء بسبب أزمة اقتصادية ضيع أمواله وعجز عن الوفاء لدائنه وانعكس ذلك على الوضع الاقتصادى برمته.
ويجاب عن هذه السلبية: بأن الأحكام التي شرعت بقصد ضبط علاقة البائع بالمشترى في حالة البيع بالأجل، والتي تبين بدورها كل منهما والتزاماته إزاء الآخر من شأنها أن تتغلب على هذه المشكلات. على أن هذه المشكلات ليست قاصرة على البيع بالتقسيط بل قد توجد في البيع المطلق والإجارة وغيرها من العقود.
٢ - أن سهولة الحصول على السلعة والدفع قد تغري المشتري بالشراء لاسيما لسلع قد لا تكون ضرورية مما يثقل كاهله بالدين ويربك ميزانية أصحاب الدخول المحدودة إذا تنوعت الأقساط التي يلتزمون بها، ويكرس روح الاستهلاك في المجتمع، وهذا يتنافى مع توجيهات الإِسلام إلى عدم التوسع في الاستهلاك، والمبالغة في الإنفاق لاسيما في الأمور التحسينية (٣).
ويجاب عن ذلك بأن المسلم في تصرفاته عمومًا ومعاملاته المالية على وجه الخصوص لا يطلق لنفسه العنان كى يسترسل على هواها، بل هو محكوم فيما يأتي ويدع بتوجيهات الشرع وأحكامه التي تدعوه إلى أن يكون معتدلًا في إنفاقه حتى في حالة اليسار ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
стр. 1891
فأنى للمسلم وهو الذي يتمتع بالأفق الواسع، والعقل الراجح، فلا تستخفه شهوة، ولا يمد عينيه إلى متاع الدنيا وزهرتها إلى حدود المباح المعقول أن يغرق نفسه في الديون التي يعلم أنه سيؤديها ولو بعد حين، وأن يقع تحت وهم سهولة الحصول على السلعة عاجلًا.
٣ - أن هذا النوع من البيع يدفع التاجر إلى رفع سعر السلع حتى يواجه احتمال إعسار المشترى وبخاصة في أوقات الانكماش الاقتصادى (١).
ويجاب عن هذا، بأن التاجر الذي يرتضي لنفسه هذا النوع من التعامل لابد أن يكون على علم بطبيعته ومقتضاه، ويدرك أن سيقتضي إثمان السلع التي يبيع مؤجلة، ولأجل هذه الاعتبارات رخَّص له الشرع بأن يزيد من ثمن السلعة عن الثمن المعجل تعويضًا له عن حرمانه من استثمار ثمنها بسبب التأجيل، ولكن على أن تكون الزيادة في الحدود المقبولة شرعًا وإلا انقلب إلى الربح الفاحش الذي يحرمه الشرع.
علاوة على أن إغلاء السعر لا يختص بالبيع بالتقسيط، فقد يربح التاجر ربحًا فاحشًا وإن كان يبيع بثمن حال، متى غابت من ضميره رقابة الله ، وفقدت من قلبه الرحمة بعباده.
٤ - أن البيع بالتقسيط يتضمن خطرًا بالنسبة للبائع، لأن المبيع تنقل ملكيته إلى المشترى ويصبح البائع دائنًا بالثمن في حين يكون للمشترى التصرف في المبيع.
ولذلك أجاز القانون المدني للبائع أن يتطلب فسخ البيع واسترداد المبيع في حالة امتناع المشترى عن الوفاء بباقي الأقساط (٢) ويقال جوابًا عن هذه السلبية: إن الضمانات التي منحها الشرع للبائع في حالة حدوث مثل هذا الخطر المتوقع تكفل التغلب على المشكلة وعلاجها.
٥ - أنه في حالة إفلاس المشترى لا يحق للبائع وفق القانون التجارى طلب الفسخ والاسترداد لسلعته ويقتصر أمره على أن يكون دائنًا عاديًا يدخل بالباقي من الثمن في التفليسة، ويخضع لقسمة الغرماء تحقيقًا للمساواة بينهم (٣).
ويجاب عن ذلك: بأن ما للبائع بالتقسيط من مال في ذمة المشترى لا يختلف
стр. 1892
عن سائر الديون التي يتحملها لغيره من الغرماء، فلا معنى لتمييزه، لاسيما وأنه أقدم على هذا الضرب من التعامل بمحض اختياره فهو بالتالى مهيئًا لتحمل نتائجه والتعامل معها بصورة إيجابية.
من هنا نرى أن سلبيات البيع بالتقسيط -إن وجدت أو وجد شىء منها- فهي طفيفة ضئيلة إزاء المزايا والإيجابيات التي ذكرناها له، كما أنها في أكثرها مبالغ فيها، مما يعزز ما ذهبنا إليه من القول بمشروعية البيع بالتقسيط وحِلِّ التعامل به -إن شاء الله تعالى-.
سادسًا: رأى القانون في جواز البيع بالتقسيط:
علمنا مما تقدم أن القول بجواز البيع بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال مقسطًا كان أو غير مقسط هو ما ذهبت الجمهرة العظمى من الفقهاء إليه (١).
والقانون الوضعي يتفق مع الحكم الشرعى في هذا الاتجاه:
جاء في الوسيط "يقع كثيرًا أن يبيع شخص عينًا بثمن مقسط ... وأكثر ما يقع ذلك في بيع السيارات والآلات الميكانيكية .. وفي بيع المحلات التجارية والأراضي والدور .. فيجمع إلى أصل الثمن فوائده، ويقسم المجموع أقساطًا على عدد المشهور أو السنين، إذا وفاها المشترى جميعها خلصت له ملكية المبيع" (٢).
فقد ذكر أنه مضاف إلى الثمن الحال فوائده ... وإذا كانت الفوائد هى ما تستعمله القوانين الوضعية من اصطلاح للتعبير عن الفرق بين الثمن المعجل والمؤجل لأنها تقر مبدأ الفائدة الربوية ... فإن ما يقابل ذلك في اصطلاح الشرع هو زيادة الثمن بالنسيئة عنه في النقد مقابل الأجل.
فإذا كان الشرع لا يوافق القانون في التسمية والحكم، فلا ريب أن القانون يوافق الشرع على أصل الفكرة وهي زيادة الثمن نظير الأجل.
على أننا ينبغي أن نلاحظ أنه إن كان المراد بالفائدة -الزيادة- مع اختلاف الجنسين, كأن يبيع شخص لآخر شقة مثلًا بعشرين ألف دينار يدفع عشرة آلاف حالًا ويدفع العشرة المتبقية مع زيادة مقدار (كذا) على كل قسط لقاء الأجل فإن من العلماء من يرى جواز ذلك:
стр. 1893
يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف جواب عن سؤال نصّه: إذا اشترى إنسان ألف متر من الأرض للبناء مثلًا بألفي جنيه على أن يدفع في الحال ربع ثمنها والباقي يدفعه أقساطًا سنوية لمدة خمس عشرة سنة كل قسط مائة جنيه على أن يدفع المائة مائة وخمسة أو ستة فأجاب:
بعض المسلمين قالوا هذا حرام لأن هذه الخمسة فائدة وهي ربا محرم، وأنا أخالف في هذا وأقرر أن هذه الخمسة أو الستة ليست ربا الفضل الوارد بالسُّنة وإنما هى حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين سعر المبيع إذا بيع بثمن حال وسعره إذا بيع بثمن مؤجل.
ويقول "وزارة الأوقاف تبيع الأرض في مدينة الأوقاف على هذه الصورة: يدفع المشترى في الحال خُمس الثمن ويدفع الباقي على خمسة عشر قسطًا، منها عشرة أقساط يدفع المشترى فوق كل قسط ثلاثة أو أربعة في المائة منه، وسمتها فائدة ولهذا اعترض عليها بعض المسلمين فسمتها بدل بيع، وأخيرًا صرحت بالحقيقة وجعلت في وقت للمزايدة سعرين: سعرًا للمتر لمن يدفع الثمن كله في الحال، وسعرًا أعلى للمتر لمن يدفع بعض الثمن في الحال وباقيه على آجال. والفرق يساوى مجموع ما كان يضاف على الأقساط" (١).
ويبدو لي أن ما ذهب إليه الشيخ خلاف ﵀ من جواز إفراد الزيادة على القسط الشهرى بالذكر أو غير مستساغ شرعًا، بخلاف ما لو أُدمجت الزيادة التي تقابل الأجل مع المبلغ الإجمالي للسلعة ولم تتميز، كما لو قال البائع للمشترى: أبيعك هذه الشقة بعشرين ألفًا، تدفع نصفها فورًا ويقسط الباقي على أشهر معلومة، وكان قد أضاف الزيادة التي تقابل التأجيل إلى العشرين ألفًا فإن البيع يجوز. في حين لو قال له: رأس مالها خمسة عشر ألفًا وتدفع كذا فورًا والباقي على أقساط، ويضاف إلى كل قسط زيادة مقدارها كذا -وهي الصورة التي أفردها الشيخ- فإن ذلك لا يجوز، لأن هذه الزيادة لا معنى لها حينئذ إلا الربا المحرم. والله تعالى أعلم.
المبحث الرابع: أحكام بيع التقسيط:
المطلب الأول: شروط البيع بالتقسيط: من المعلوم أن لعقد البيع المطلق شروطًا
стр. 1894
فصلتها كتب الفقه الإسلامي، غير أن البيع بالتقسيط يختص ببعض الشروط المرتبطة بطبيعته أهمها ما يأتي:
أولًا: أن يكون الأجل أو الآجال فيه معلومة: فلما كان الأجل عنصرًا أساسيًا في بيع التقسط لأنه قسيم البيع المطلق أو الحال الذي يدفع الثمن فيه فورًا، فسنتكلم عن العلم بالأجل من حيث الاعتبارات التالية:
١ - معناه: من اللازم أن يكون أجل دفع كل قسط في هذا البيع معلوم الوقت عند كلا العاقدين, لأن جهالته تفضى إلى النزاع فيفسد البيع. والظاهر من عبارة جمهور الفقهاء أن أجل الدفع إذا كان مجهولًا فإن البيع يفسد سواء أكان الجهالة يسيرة أم فاحشة، فإذا حدد دفع كل حصة بآخر الشهر مثلًا صح فاتفاق نظرًا للعلم النافي للجهالة، أما إن كان وقت الدفع مجهولًا جهالة فاحشة كما لو حدده بنزول المطر مثلًا فهذا باطل باتفاق. أما إن كانت الجهالة يسيرة كالتحديد بالحصاد فالبيع باطل عند الجمهور أيضًا, لأن الفاحشة فيها غرر الوجود والعدم، واليسيرة مما يتقدم الأجل قيس ويتأخر؛ فيؤدى إلى المنازعة فيوجب فساد البيع. وقال بعض الحنفية بالجواز إن كانت الجهالة ليست فاحشة نظرًا وإن الحصاد لا يكون في كل وقت بل في مدة من الزمن محدودة يتردد وقوعها بين أولها وآخرها (١).
وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح في المذهب إلى أن تأجيل الثمن إلى أجل مجهول يبطل العقد (٢) وذهب الحنفية إلى أن البيع لا يبطل بالجهالة اليسيرة كقدوم الحاج والحصاد (٣).
وذهب أحمد في رواية عنه، وهو قول ابن شبرمة إلى أن العقد صحيح ويبطل التأجيل (٤).
стр. 1895
دليل الجمهور: إن هذا شرط فاسد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة، وأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة (١).
دليل الحنفية: أن الجهالة مانعة من لزوم العقد، وليست في صُلبه، بل في أمر خارج هو الأجل، فإذا زال المانع قبل وجود ما يقتضي الفساد وهو المنازعة عند المطالبة الحاصلة عند مجىء الوقت ظهر محل المقتضى وهو انقلابه صحيحًا (٢).
دليلُ رواية الحنابلة الثانية قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم"، ولأن الأجل مجرد وصف للعقد لا ركن فيه فيلغى ويصح العقد، ولأن الفساد للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره (٣) والراجح ما ذهب إليه الجمهور من القول ببطلان هذا العقد، لأن المفسد هو الشرط وهو مقترن بالعقد، ولأن العقد لا يخلو عن أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، فإذا كان صحيحًا مع وجود الأجل لم يفسد باشتراطه، وإن كان فاسدًا لم ينقلب صحيحًا كما لو باع درهمًا بدرهمين ثم حذف أحدهما.
جاء في المادة (٢٤٦) من مجلة الأحكام العدلية: يلزم أن تكون المدة معلومة في البيع بالتقسيط والتأجيل، وفي المادة (٢٤٧): إذا عقد البيع على تأجيل الثمن إلى كذا يومًا أو شهرًا أو سنة أو إلى وقت معلوم عند العاقدين كيوم قاسم ويوم النيروز صح البيع إذا كان قاسم أو النيروز معلومًا عند المتبايعين، أما لو كان مجهولًا عندهما أو عند أحدهما فقط فلا يصح.
وفي المادة (٢٤٨): تأجيل الثمن إلى مدة غير معينة كأمطار السماء يفسد البيع (٤) أما القانون الوضعى ففى المادة (٤٨٣) من القانون الأردني: الثمن في البيع المطلق يستحق معجلًا ما لم يتفق على أو يتعارف على أن يكون مؤجلًا أو مقسطًا لأجل معلوم وفي المادة (٥٧٤) مدنى عراقى "يصح البيع بثمن حال إلى أجل معلوم".
وهاتان المادتان وإن ذكرتا الأجل في ظاهر النص، وأوجبنا أن يكون أجل ثمن