← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فأنى للمسلم وهو الذي يتمتع بالأفق الواسع، والعقل الراجح، فلا تستخفه شهوة، ولا يمد عينيه إلى متاع الدنيا وزهرتها إلى حدود المباح المعقول أن يغرق نفسه في الديون التي يعلم أنه سيؤديها ولو بعد حين، وأن يقع تحت وهم سهولة الحصول على السلعة عاجلًا. ٣ - أن هذا النوع من البيع يدفع التاجر إلى رفع سعر السلع حتى يواجه احتمال إعسار المشترى وبخاصة في أوقات الانكماش الاقتصادى (١). ويجاب عن هذا، بأن التاجر الذي يرتضي لنفسه هذا النوع من التعامل لابد أن يكون على علم بطبيعته ومقتضاه، ويدرك أن سيقتضي إثمان السلع التي يبيع مؤجلة، ولأجل هذه الاعتبارات رخَّص له الشرع بأن يزيد من ثمن السلعة عن الثمن المعجل تعويضًا له عن حرمانه من استثمار ثمنها بسبب التأجيل، ولكن على أن تكون الزيادة في الحدود المقبولة شرعًا وإلا انقلب إلى الربح الفاحش الذي يحرمه الشرع. علاوة على أن إغلاء السعر لا يختص بالبيع بالتقسيط، فقد يربح التاجر ربحًا فاحشًا وإن كان يبيع بثمن حال، متى غابت من ضميره رقابة الله ، وفقدت من قلبه الرحمة بعباده. ٤ - أن البيع بالتقسيط يتضمن خطرًا بالنسبة للبائع، لأن المبيع تنقل ملكيته إلى المشترى ويصبح البائع دائنًا بالثمن في حين يكون للمشترى التصرف في المبيع. ولذلك أجاز القانون المدني للبائع أن يتطلب فسخ البيع واسترداد المبيع في حالة امتناع المشترى عن الوفاء بباقي الأقساط (٢) ويقال جوابًا عن هذه السلبية: إن الضمانات التي منحها الشرع للبائع في حالة حدوث مثل هذا الخطر المتوقع تكفل التغلب على المشكلة وعلاجها. ٥ - أنه في حالة إفلاس المشترى لا يحق للبائع وفق القانون التجارى طلب الفسخ والاسترداد لسلعته ويقتصر أمره على أن يكون دائنًا عاديًا يدخل بالباقي من الثمن في التفليسة، ويخضع لقسمة الغرماء تحقيقًا للمساواة بينهم (٣). ويجاب عن ذلك: بأن ما للبائع بالتقسيط من مال في ذمة المشترى لا يختلف

стр. 1892

عن سائر الديون التي يتحملها لغيره من الغرماء، فلا معنى لتمييزه، لاسيما وأنه أقدم على هذا الضرب من التعامل بمحض اختياره فهو بالتالى مهيئًا لتحمل نتائجه والتعامل معها بصورة إيجابية. من هنا نرى أن سلبيات البيع بالتقسيط -إن وجدت أو وجد شىء منها- فهي طفيفة ضئيلة إزاء المزايا والإيجابيات التي ذكرناها له، كما أنها في أكثرها مبالغ فيها، مما يعزز ما ذهبنا إليه من القول بمشروعية البيع بالتقسيط وحِلِّ التعامل به -إن شاء الله تعالى-. سادسًا: رأى القانون في جواز البيع بالتقسيط: علمنا مما تقدم أن القول بجواز البيع بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال مقسطًا كان أو غير مقسط هو ما ذهبت الجمهرة العظمى من الفقهاء إليه (١). والقانون الوضعي يتفق مع الحكم الشرعى في هذا الاتجاه: جاء في الوسيط "يقع كثيرًا أن يبيع شخص عينًا بثمن مقسط ... وأكثر ما يقع ذلك في بيع السيارات والآلات الميكانيكية .. وفي بيع المحلات التجارية والأراضي والدور .. فيجمع إلى أصل الثمن فوائده، ويقسم المجموع أقساطًا على عدد المشهور أو السنين، إذا وفاها المشترى جميعها خلصت له ملكية المبيع" (٢). فقد ذكر أنه مضاف إلى الثمن الحال فوائده ... وإذا كانت الفوائد هى ما تستعمله القوانين الوضعية من اصطلاح للتعبير عن الفرق بين الثمن المعجل والمؤجل لأنها تقر مبدأ الفائدة الربوية ... فإن ما يقابل ذلك في اصطلاح الشرع هو زيادة الثمن بالنسيئة عنه في النقد مقابل الأجل. فإذا كان الشرع لا يوافق القانون في التسمية والحكم، فلا ريب أن القانون يوافق الشرع على أصل الفكرة وهي زيادة الثمن نظير الأجل. على أننا ينبغي أن نلاحظ أنه إن كان المراد بالفائدة -الزيادة- مع اختلاف الجنسين, كأن يبيع شخص لآخر شقة مثلًا بعشرين ألف دينار يدفع عشرة آلاف حالًا ويدفع العشرة المتبقية مع زيادة مقدار (كذا) على كل قسط لقاء الأجل فإن من العلماء من يرى جواز ذلك:

стр. 1893

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف جواب عن سؤال نصّه: إذا اشترى إنسان ألف متر من الأرض للبناء مثلًا بألفي جنيه على أن يدفع في الحال ربع ثمنها والباقي يدفعه أقساطًا سنوية لمدة خمس عشرة سنة كل قسط مائة جنيه على أن يدفع المائة مائة وخمسة أو ستة فأجاب: بعض المسلمين قالوا هذا حرام لأن هذه الخمسة فائدة وهي ربا محرم، وأنا أخالف في هذا وأقرر أن هذه الخمسة أو الستة ليست ربا الفضل الوارد بالسُّنة وإنما هى حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين سعر المبيع إذا بيع بثمن حال وسعره إذا بيع بثمن مؤجل. ويقول "وزارة الأوقاف تبيع الأرض في مدينة الأوقاف على هذه الصورة: يدفع المشترى في الحال خُمس الثمن ويدفع الباقي على خمسة عشر قسطًا، منها عشرة أقساط يدفع المشترى فوق كل قسط ثلاثة أو أربعة في المائة منه، وسمتها فائدة ولهذا اعترض عليها بعض المسلمين فسمتها بدل بيع، وأخيرًا صرحت بالحقيقة وجعلت في وقت للمزايدة سعرين: سعرًا للمتر لمن يدفع الثمن كله في الحال، وسعرًا أعلى للمتر لمن يدفع بعض الثمن في الحال وباقيه على آجال. والفرق يساوى مجموع ما كان يضاف على الأقساط" (١). ويبدو لي أن ما ذهب إليه الشيخ خلاف ﵀ من جواز إفراد الزيادة على القسط الشهرى بالذكر أو غير مستساغ شرعًا، بخلاف ما لو أُدمجت الزيادة التي تقابل الأجل مع المبلغ الإجمالي للسلعة ولم تتميز، كما لو قال البائع للمشترى: أبيعك هذه الشقة بعشرين ألفًا، تدفع نصفها فورًا ويقسط الباقي على أشهر معلومة، وكان قد أضاف الزيادة التي تقابل التأجيل إلى العشرين ألفًا فإن البيع يجوز. في حين لو قال له: رأس مالها خمسة عشر ألفًا وتدفع كذا فورًا والباقي على أقساط، ويضاف إلى كل قسط زيادة مقدارها كذا -وهي الصورة التي أفردها الشيخ- فإن ذلك لا يجوز، لأن هذه الزيادة لا معنى لها حينئذ إلا الربا المحرم. والله تعالى أعلم. المبحث الرابع: أحكام بيع التقسيط: المطلب الأول: شروط البيع بالتقسيط: من المعلوم أن لعقد البيع المطلق شروطًا

стр. 1894

فصلتها كتب الفقه الإسلامي، غير أن البيع بالتقسيط يختص ببعض الشروط المرتبطة بطبيعته أهمها ما يأتي: أولًا: أن يكون الأجل أو الآجال فيه معلومة: فلما كان الأجل عنصرًا أساسيًا في بيع التقسط لأنه قسيم البيع المطلق أو الحال الذي يدفع الثمن فيه فورًا، فسنتكلم عن العلم بالأجل من حيث الاعتبارات التالية: ١ - معناه: من اللازم أن يكون أجل دفع كل قسط في هذا البيع معلوم الوقت عند كلا العاقدين, لأن جهالته تفضى إلى النزاع فيفسد البيع. والظاهر من عبارة جمهور الفقهاء أن أجل الدفع إذا كان مجهولًا فإن البيع يفسد سواء أكان الجهالة يسيرة أم فاحشة، فإذا حدد دفع كل حصة بآخر الشهر مثلًا صح فاتفاق نظرًا للعلم النافي للجهالة، أما إن كان وقت الدفع مجهولًا جهالة فاحشة كما لو حدده بنزول المطر مثلًا فهذا باطل باتفاق. أما إن كانت الجهالة يسيرة كالتحديد بالحصاد فالبيع باطل عند الجمهور أيضًا, لأن الفاحشة فيها غرر الوجود والعدم، واليسيرة مما يتقدم الأجل قيس ويتأخر؛ فيؤدى إلى المنازعة فيوجب فساد البيع. وقال بعض الحنفية بالجواز إن كانت الجهالة ليست فاحشة نظرًا وإن الحصاد لا يكون في كل وقت بل في مدة من الزمن محدودة يتردد وقوعها بين أولها وآخرها (١). وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح في المذهب إلى أن تأجيل الثمن إلى أجل مجهول يبطل العقد (٢) وذهب الحنفية إلى أن البيع لا يبطل بالجهالة اليسيرة كقدوم الحاج والحصاد (٣). وذهب أحمد في رواية عنه، وهو قول ابن شبرمة إلى أن العقد صحيح ويبطل التأجيل (٤).

стр. 1895

دليل الجمهور: إن هذا شرط فاسد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة، وأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة (١). دليل الحنفية: أن الجهالة مانعة من لزوم العقد، وليست في صُلبه، بل في أمر خارج هو الأجل، فإذا زال المانع قبل وجود ما يقتضي الفساد وهو المنازعة عند المطالبة الحاصلة عند مجىء الوقت ظهر محل المقتضى وهو انقلابه صحيحًا (٢). دليلُ رواية الحنابلة الثانية قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم"، ولأن الأجل مجرد وصف للعقد لا ركن فيه فيلغى ويصح العقد، ولأن الفساد للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره (٣) والراجح ما ذهب إليه الجمهور من القول ببطلان هذا العقد، لأن المفسد هو الشرط وهو مقترن بالعقد، ولأن العقد لا يخلو عن أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، فإذا كان صحيحًا مع وجود الأجل لم يفسد باشتراطه، وإن كان فاسدًا لم ينقلب صحيحًا كما لو باع درهمًا بدرهمين ثم حذف أحدهما. جاء في المادة (٢٤٦) من مجلة الأحكام العدلية: يلزم أن تكون المدة معلومة في البيع بالتقسيط والتأجيل، وفي المادة (٢٤٧): إذا عقد البيع على تأجيل الثمن إلى كذا يومًا أو شهرًا أو سنة أو إلى وقت معلوم عند العاقدين كيوم قاسم ويوم النيروز صح البيع إذا كان قاسم أو النيروز معلومًا عند المتبايعين، أما لو كان مجهولًا عندهما أو عند أحدهما فقط فلا يصح. وفي المادة (٢٤٨): تأجيل الثمن إلى مدة غير معينة كأمطار السماء يفسد البيع (٤) أما القانون الوضعى ففى المادة (٤٨٣) من القانون الأردني: الثمن في البيع المطلق يستحق معجلًا ما لم يتفق على أو يتعارف على أن يكون مؤجلًا أو مقسطًا لأجل معلوم وفي المادة (٥٧٤) مدنى عراقى "يصح البيع بثمن حال إلى أجل معلوم". وهاتان المادتان وإن ذكرتا الأجل في ظاهر النص، وأوجبنا أن يكون أجل ثمن

стр. 1896

المبيع معلومًا، إلا أنه ليس فيهما ما يدل على أن عدم ذكره يبطل العقد. فلم يقصد بهما مخالفة القواعد القانونية العامة، ومن ثم يفسر النص على أنه ذكر حكم البيع بثمن مؤجل إلى أجل معلوم، وسكت عن حكم البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول، فيرجع إلى القواعد القانونية العامة وهي تجيز البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول. ومن هنا نرى أن الاتجاه القانوني يخالف الاتجاه الفقهي الإسلامي من حيث تحديد أجل معلوم للثمن، ففى حين يشترط الفقه ذلك، ويتشدد فيه، ويبطل العقد عند انعدامه، فإن القوانين المدنية تسمح بقدر من الغرر لا تسمح به الشريعة الإِسلامية. ولا ريب أن نظرة الفقه الأكثر سدادًا وهي الأحق بالعمل بها (١). وهذا هو قول أبى حنيفة. وقال الصاحبان: الحالان سواء، ولا يعطى المشترى أجلًا في الحالة الثانية لأن السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل، فإذا مضت انتهى الأجل، كما لو عين الأجل نصًّا (٢). وإلى هذا ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة حيث اعتبروا ابتداء الأجل من وقت العقد (٣). وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية برأى أبي حنيفة. ففى المادة (٢٥٠) يعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط المذكورين من وقت تسليم المبيع (٤). كما نصت المادة (٤٨٤) من القانون الأردني على أنه إذا كان الثمن مؤجلًا أو مقسطًا فإن الأجل يبدأ من تاريخ تسليم المبيع، وفي المادة (٥٧٤) من القانون العراقي يعتبر ابتداء الأجل والقسط المذكورين فيعقد البيع وقت تسليم المبيع ما لم يتفق على غير ذلك" (٥). وما قلناه من ابتداء الأجل من وقت التسليم عند أبي حنيفة مشروط بما إذا لم يكن للمشترى خيار فإن كان في البيع خيار الشرط لهما أو لأحدهما فابتداء الأجل من حين وجوب العقد وهو وقت سقوط الخيار لا حين وجوده لأن تأجيل الثمن

стр. 1897

هو تأخيره عن وقت وجوبه ووقت وجوبه هو وقت العقد وانبرامه لا قبله. وهذا قول أبي حنيفة. وبه قال إمام الحرمين من الشافعية، لأن الخيار يمنع من المطالبة بالثمن كالأجل فكان قريبًا والخيار تأجيل لإلزام الملك أو نقله والأجل تأخير المطالبة، فكان في معناه ولا سبيل إلى جمع المثلين (١). وقال الشافعية والحنابلة ابتداء الأجل ومن وقت العقد -على الراجح من مذهبهم (٢). وإلى هذا المعنى ذهبت المادة (٢٥٠) من المجلة. ٣ - انتهاء الأجل؛ إذا باع رجل لآخر سلعة بثمن مؤجل أو مقسط، فإن الأجل يحل في الحالات التالية: (أ) حلول الأجل: فإذا باع السلعة على أن يدفع المشترى مقدارًا معينًا من الثمن في نهاية كل شهر مثلًا، فإن الأجل ينتهى لكل قسط بانقضاء الشهر. وقبل ذلك لا يحق للبائع أن يطلب المشترى بالثمن لأن رضاه بالتأجيل رضي بتأخير حقه إلى الموعد المضروب. (ب) موت المشتري وإفلاسه: فإذا توفي المشترى حل الثمن المؤجل، ولا يحل بموت البائع، لأن الأجل يبطل بموت المدين دون الدائن، ووجه ذلك: أن فائدة التأجيل تظهر في أن يتجر المشترى فيؤدى الثمن من نماء المال، فإذا مات تعين المال الذي تركه لقضاء الدين فلا يجدى التأجيل (٣). وإذا أفلس المشتري في البيع المؤجل وعجز عن أداء الثمن فلا يفسخ العقد، لأنه يجوز للشخص أن يشترى سلعة بقرض حالًا وإن لم يكن في ملكه، نعرف أن وجوب تسليم الثمن ليس من حكم العقد، والعجز عن تسليم الثمن إذا طرأ بالإفلاس لا يكون أقوى من العجز عن تسليم الثمن إذا اقترن بالعقد (٤). ٣ - شروط التأجيل: يشترط لصحة التأجيل والتقسيط ما يأتي: (أ) أن يكون الثمن من نوع الديون، فإذا أجل تسليم المبيع المثلى إلى الثمن

стр. 1898

المعين بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا فالبيع باطل. لأن التأجيل إنما جاز لضرورة عدم وجود الثمن لدى المشترى وتمكينًا له من اكتسابه في مدة الأجل، ولا ضرورة في الأعيان، فكان التأجيل فيها تغييرًا لمقتضى العقد فأوجب فساده (١). (ب) أن لا يكون الثمن بدل صرف، ولا ثمن مسلم فيه في بيع السلم، لأنه يشترط فيهما قبض الثمن في المجلس، فلا يمكن التأجيل سدًّا لذريعة الربا (٢). (جـ) أن لا يكون في السعر غبن فاحش: فعلى البائع أن يقتصر على الربح الذي جرت به العادة وأن لا يستغل ظروف المشترى الحرجة ليبيعه بأضعاف مضاعفة, لأن هذا من الجشع والطمع والإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل (٣). (د) العلم بالثمن الأول إذا كان البيع بالتقسيط يقع في نطاق بيوع الأمانة كبيع المرابحة والتولية أو المواضعة، فإذا لم يكن معلومًا فالبيع فاسد لجهالة الثمن (٤). (هـ) أن لا يشترط في عقد البيع بالتقسيط أنه إذا عجل المشتري الثمن فإن البائع يسقط من المطلوب قدرًا معينًا. ويحق للبائع إسقاط بعض الثمن دون اتفاق مسبق ويكون ذلك من قبيل تمليك الدين ممن هو عليه، ومن باب حسن الاقتضاء (٥). (و) لا يجوز في عقد البيع بالتقسيط أن يشترى البائع على المشترى -سواء عند العقد أم بعده- أن يزيد في الثمن أو الربح عندما يتأخر المدين عن الوفاء بالدين (٦).

стр. 1899

(ز) أن يكون غرض المشتري من شراء السلعة بثمن مؤجل أعلى من المعجل سد حاجته إليها، أو الاتجار بها، أما إذا كان يقصد من ذلك بيعها لحاجته الماسة إلى مبلغ من المال لقضاء بعض مصالحه، وهي ما تعرف بمسألة عدم الجواز، لما روى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ سئل عن التورق فقال: هو أخية الربا (١). وهناك بعض الشروط التي انفرد القانون الوضعى بذكرها لبيع التقسيط: ١ - أن يكون البائع تاجرًا، ومعتادًا على بيع السلعة بالتقسيط، أو يشكل البيع بالتقسيط أحد أعماله الأساسية (٢). ٢ - أن لا يقل رأس ماله عن خمسة آلاف جنيه مصرى أو ما يعادلها لغرض إكسابه مركزًا ماليًا يمنعه من التعسف (٣). ٣ - أن يتوفر لديه سجل خاص لقيد العمليات المتعلقة بهذا البيع، وفق النموذج الذي تقره وزارة التجارة (٤). ٤ - أن يكون عقد البيع محررًا على نسختين، وذلك حسمًا لمادة النزاع الذي ربما ثار بين المتعاقدين (٥). ٥ - أن يستوفى البائع ما لا يقل عن ٢٥% من ثمن السلعة نقدًا عند التسليم بقصد حماية المشترى (٦). ٦ - أن لا يقل القسط عن جنيه شهريًا، وأن لا تزيد مدة التقسيط المتبقى من ثمن البيع عن سنتين من تاريخ العقد (٧). ٧ - أن تكون أقساط الثمن متساوية في المقدار، وأن تكون منتظمة وتؤدى خلال فترة معقولة (٨). وهذه الشروط لا تأباها نصوص الشريعة وقواعدها العامة كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ وقوله ﷺ : "المسلمون على

стр. 1900

شروطهم .. " وقاعدة: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار: الضرر يزال، كما أشار ابن عابدين في حاشيته إلى بعض هذه الشروط (١). المطلب الثاني: مقتضى البيع بالتقسيط وتبعاته: مقتصى عقد البيع انتقال ملكية المبيع للمشترى، وملكية الثمن للبائع. ولما كان الثمن في البيع بالتقسيط مؤجلًا، فعليه لا يتم قبضه عند التعاقد، غير أن ذلك لا يعطى البائع حق الامتناع من تسليم البيع. جاء في المجموع شرح المهذب (قال أصحابنا: للمشترى الاستقلال بقبض المبيع بغير إذن البائع إذا كان دفع الثمن، أو كان مؤجلًا. ..) (٢). وقال في موضع آخر "ولو باع بشرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفى الثمن، فإن كان الثمن مؤجلًا بطل العقد، لأنه يجب تسليم المبيع في الحال، فهو شرط مناف لمقتضاه" (٣). ومعلوم أن مقتضى العقد هو تملك المبيع بمجرد تمامه. وقال الكاساني في عداد حديثه عن الشروط الفاسدة في عقد البيع .. ومنها شرط الأجل في المبيع العين والثمن العين، وهو أن يضرب لتسليمها أجل، لأن القياس يأبى التأجيل أصلًا، لأنه تغيير مقتضى العقد، لأنه عقد معاوضة تمليك وتسليم بتسليم. والتأجيل ينفى وجوب التسليم المال فكان مغيرًا لمقتضى العقد. وإنما جاز التأجيل لصاحب الأجل لضرورة العدة ترفيهًا وتمكينًا له عن اكتساب الثمن في المدة المضروبة، ولا ضرورة في الأعيان فيبقى الأجل فيها تغييرًا محضًا لمقتضى العقد فيوجب فساد العقد (٤). وقال في موضع آخر ومن آثار عقد البيع: ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن في الثمن الحال، فإن كان مؤجلًا لا يثبت حق الحبس، لأن ولاية الحبس تثبت حقًّا للبائع لطلبه المساواة عادة، ولما باع بثمن مؤجل نقدًا سقط حق نفسه فبطلت الولاية، وكذا الحكم لو كان الثمن حالًا فأجله البائع بعد العقد (٥). ويقول

стр. 1901

"إذا أخر -البائع- الثمن بعد العقد بطل حق الحبس، لأنه أخر حق نفسه في قبض الثمن فلا يتأخر حق المشترى في قبض المبيع وكذا لو قبض المشترى المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض" (١). وجاء في المبسوط "إذا لم يصل إلى البائع جميع الثمن يبقى له الحق في حبس المبيع إلا أن يكون الثمن مؤجلًا، فحينئذ ليس له أن يحبس المبيع قبل حلول الأجل، ولا بعد حلول الأجل, لأنه قبل حلول الأجل ليس له أن يطالب بالثمن، وإنما بحبس المبيع بما له أن يطالبه من الثمن، وأما بعد حلول الأجل فلأن حق الحبس لم يثبت له بأصل العقد فلا يثبت بعد ذلك تبعًا بهذا الحق ما كان له من استحقاق إليه قبل البيع، فإذا لم يبق ذلك بعد العقد، لا يثبت ابتداء بحلول الأجل (٢). وجاء في المدونة: (قلت) أرأيت لو أني اشتريت من رجل ثوبًا بعينه بعشرة دراهم إلى أجل، فافترقنا قبل أن أقبض الثوب منه، أيجوز هذا في قول مالك؟ (قال): نعم والبيع جائز، وللمشترى أن يأخذ ثوبه، ولا يفسد البيع افتراقهما، لأنه لم يمنع من أخذه منه، لأن الثمن إلى أجل، وليس للبائع أن يحبس الثوب ويقول لا أدفعه حتى آخذ الثمن (٣). وفيها أيضًا: (قلت) أرأيت لو اشتريت منه سلعة بعينها بدين إلى أجل فافترقنا قبل أن أقبض، أيجوز هذا في قول مالك أم لا؟ (قال) لا بأس بذلك في قوله وليقبض سلعته، لأن مالكًا كره أن يشترى الرجل الطعام كيلًا بدين إلى أجل والطعام بعينه، ثم يؤخر كيل الطعام إلى الأجل البعيد (٤). وفي المغني: ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع وبغير اختياره، لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن .. (٥) وهذا في حال كون الثمن معجلًا، ففى المؤجل أولى. وفيه أيضًا: "وإن اختلفا في التسليم فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض

стр. 1902

الثمن. وقال المشترى: لا أسلم حتى أقبض المبيع، والثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع .. " ويقول: وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع على الإطلاق (١) يعني سواء اكان في الذمة أم عينًا، مؤجلًا أم معجلًا. وفي الدر المختار: وفي بيع سلعة بمثلها أو ثمن بمثله سلما معًا ما لم يكن أحدهما دينًا كسلم وعن مؤجل، وقال صاحب رد المختار: للبائع حبس المبيع إلى قبض الثمن ... ويسقط بتأجيل ثمن (٢). ويقول ابن أمين الحجاج "المبيع المؤجل فيه الثمن سبب في الحال، لأن الأجل دخوله على الثمن ليقيد تأخير المطالبة قبل الأجل لا على البيع، فلا معنى لمنعه من الانعقاد ولا لحكمه الذي هو ثبوت الملك في البيع وثبوت الثمن في الذمة إذ لا وجه لتأثير الشىء فيما لا يدخل عليه. ومعنى هذا أن البيع المؤجل فيه الثمن ينعقد صحيحًا نافذًا لازمًا إلا فيما دخل عليه الأجل (٣). ومن هذه العبارات يظهر بجلاء أن الملكية تنتقل بمجرد العقد وأنه ليس لأجل الإضافة في الفقه الإسلامي أثر على وجود الالتزام وأن البائع لا يجوز أن يمتنع من تسليم السلعة إذا قبضها المشترى بإذنه، أو كان الثمن مؤجلًا قبض شيئًا من الثمن أو لم يقبضه كله، لأنه أسقط حق نفسه باختياره، فلا يثبت له ما ينافى مقصود الشرع من العقد. وكما أن المبيع ينتقل إلى المشترى كمقتضى للعقد، فإن ينتقل إلى البائع بمقتضاه أيضًا، ويكون هذا الانتقال فوريًا إن كان الثمن حالًا، وعند حلول الأجل إن كان الثمن مؤجلًا. وفي القانور الوضعي من المقرر كذلك أنه لا ارتباط من انتقال الملكية وبين أداء الثمن، فالملكية تنتقل إذا كان المبيع منقولًا معينًا بالذات فعقد البيع ينشىء التزامًا بنقل الملكية وإذا جرى الاتفاق على تأجيل الثمن أو على أقساط تستحق بعد فترة من إبرام العقد فيتوجب على البائع أن يسلم المبيع فور الانتهاء من إبرام البيع، ولكن انتقال الملكية كما نصت على ذلك المادة (٢٨٦) و (٢٦٩) و (٣٧٤) من مجلة

стр. 1903

الأحكام وإلى هذا أشارت المادة (٣٤٦) من القانون المدني المصري و (٣٥٦) مدني عراقي و (٣٩٧) مدني كويتي (١). ولكن انتقال الملكية يتم تلقائيًا في المبيع المعين بالذات الذي يملكه البائع، والإفراز في المبيع المنقول المعين بالنوع، وبالتسجيل في العقار ويتم انتقال الملكية مقابل التزام المشترى بالثمن سواء دفعه المشترى حين العقد، أم بقى دينًا في ذمته مستحق الأداء أم كان مؤجلًا أم مقسطًا. وهذا ما نصت عليه المواد (٢٠٤، ٢٠٥) مدني مصرى، (٣٩٣، ٣٩٤) مدني لبناني، (٢٣١) مدني عراقي، (٢٠٥، ٢٠٦) مدني سوري و (٤٩٤) مدني أردني (٢). ومما تقدم يظهر أنه فيما يتعلق بالمنقول المعين بالذات أن ملكيته تنتقل إلى المشترى فور إبرام العقد، ويستوى في ذلك حكم الشرع ومجلة الأحكام والقوانين الوضعية (٣). ونظرًا لطبيعة بيع التقسيط التي تيسر للمشترى الحصول على السلعة بشروط سهلة تغريه بالشراء فيثقل بذلك كاهلة ويعجزه عن الوفاء بدينه، مما ينعكس أثره على البائع إضاعة لحقوقه، وإضعافًا لمركزه المالي مع من يحصل على بضائعه منهم، لذا اقتضى الأمر أن يقوم المشرع القانوني ببعض الترتيبات بغرض الحفاظ على حقوق كل من البائع والمشترى في هذه المعاملة وكان أبرز هذه الإجراءات ما يأتي: أولًا: فيما يتعلق بالمحافظة على حقوق البائع: وتحقيقًا لهذا الغرض منح الضمانات التالية: ١ - حق حبس المبيع والامتناع من تسليمه للمشترى في حالة إفلاس المشترى أو إعساره أو ضعف التأمينات التي قدمها لكفالة الثمن. ٢ - حق استرداد المبيع فيما إذا أحل المشترى بتنفيذ التزامه بسداد ثمن المبيع بعد مضى الأجل المحدد في بيع التقسيط.

стр. 1904

٣ - الاحتفاظ بالملكية: فيجوز للبائع أن يشترط في العقد تعليق انتقال الملكية على شرط واقف يتمثل بدفع الثمن المقسط كله. ٤ - الرهن والكفالة. ٥ - إيقاع بعض الجزاءات على المشتري إذا امتنع عن تسلم المبيع كالغرامة التهديدية، أو إيداع المبيع عند ثالث، أو المطالبة بالفسخ. وتطبق على هذه الضمانات أحكامها العامة كما أوردتها كتب الفقه والقانون في مظانها. ولقد رتب قانون التجارة على المشترى عقوبات شديدة في هذه الحالة منها بيع السلعة بالمزاد العلني بعد مضى مدة معقولة يحددها البائع ويخطر بها المشترى بسرعة، أو أن يبيعها في السوق إن كان لها سعر معلوم على يد سمسار، ومن ثم يودع حصيلة البيع خزانة المحكمة مع الاحتفاظ بحقه في خصم الثمن ومصروفات البيع (١). ثانيًا: في جانب المشتري: قلنا أن البيع إذا تم صحيحًا مستوفيًا لأركانه وشروطه لزم البائع أن يقوم بتسليم المبيع للمشترى سواء كان الثمن حالًا أم مؤجلًا برضا البائع، ويلتزم البائع في مقابل ذلك بتسليم الثمن للبائع إذا كان حالًا، أو عند حلول أجل الأقساط إذا كان مقسطًا. وتحدثنا فيما تقدم عن الضمانات الشرعية والقانونية التي تحفظ من البائع في مواجهة المشترى سواء من حيث الامتناع من تسليم المبيع، أو فسخ العقد واسترداد السلعة، أو الاحتفاظ بملكية المبيع، أو الإيجاز السائر للبيع، أو أخذ رهن أو كفيل. وسنتكلم الآن عن الضمانات التي منحها الشرع والقانون للمشترى من أجل المحافظة على حقوقه وأهمها: ١ - تسليم العين المبيعة: وينطبق على التسليم من حيث كيفيته وطرقه، والحالة التي يسلم عليها المبيع، وجزاء الإخلال به من التنفيذ العيني جدًّا، وفسخ العقد، وضمان عدم التعرض والاستحقاق والعيوب الخفية أحكام تسليم المبيع والثمن -بوجه عام- على البيع بالتقسيط.

стр. 1905

٢ - حق حبس الثمن: فإذا كان تنفيذ البائع لالتزامه بتسليم المبيع مؤجلًا إلى وقت لاحق محدد ومتفق عليه بين الطرفين، وكما دفع الثمن مقسطًا كذلك، فلم يقم البائع بتسليم المبيع في الزمن المحدد، فإن للمشترى الحق في التوقف عن دفع الأقساط اللاحقة، لأنه لا يمكنه المطالبة بإبطال البيع في هذه الحالة، ولا ممارسة دعوى الضمان فيكون له الامتناع عن الوفاء بالثمن (١). ويملك المشترى هذا الحق سواء كان لم يتسلم المبيع بعد، أم تسلمه لكنه عاد إلى البائع لسبب فاحتفظ به (٢)، ومن جهة أخرى يملك المشترى حبس الثمن عن البائع إذا تهدد حق المشترى في ملكية المبيع الذي تسلمه فعلًا كما لو تعرض أحد للمشترى مطالبًا بالمبيع إلى حق سابق على البيع، أو إذا حكم على المبيع أن ينزع من المشترى لظهوره مستحقًا بدين أو رهن، أو كان به عيب خفي يبرر رده، وقد جاء في المادة (٣٩٢) من المجلة أنه لا يجوز بأى وجه كان للمشترى أن يحبس الثمن الحال بعد قبض في المبيع إلا إذا استحق المبيع -وقد نص القانون على جواز المبيع كما في المواد (٤٥٧) مصرى، (٤٤٦) ليبي، (٤٢٥) سوري، (٤٣٠) لبناني، (٥٧٦) عراقي. ويثبت حق المشترى في التعرض ولو لم ينص عليه في البيع كما في (٤٤٥) مصري، (٤٣٤) ليبي، (٤١٣) سوري، (٥٧٦) عراقي (٣). وكذلك يملك نزع المبيع من يد المشتري لأسباب جدية كما لو طالب الشفيع بالمبيع بحق الشفعة، ودفع الثمن للبائع، أو كما لو كان البائع قد اشترى المبيع ولم يدفع ثمنه، الأمر الذي يهدد بفسخ عقد البيع واسترداد المالك الأصلي للمبيع. ولو ظهر في المبيع عيب خفي يستوجب ضمان البائع كان للمشترى أن يحبس الثمن (٤). وفي الحالات السابقة يتوقف حق حبس الثمن على ما إذا كان لم يدفع الثمن. أما إذا كان قد دفعه فليس أمامه إلا دعوى الفسخ أو دعوى الضمان (٥).

стр. 1906

ويسقط حقه في الحبس في تلك الحالات إذا زال سبب الحبس أو تنازل المشتري له عن حق الحبس أو قدم البائع للمشتري كفيلًا بالثمن (١). ٣ - حماية المشتري بالتطبيق للقواعد العامة: فيستطيع المشتري بموجب القواعد العامة المنظمة لإبرام العقود اللجوء إلى القواعد المتعلقة بعيوب الإرادة بصفة خاصة، كالغلط والتدليس والإكراه والاستغلال، كما يستطيع اللجوء إلى نظرية الظروف الطارئة التي تسمح للقاضي إذا ظهرت حوادث استثنائية لم يكن بالإمكان توقعها على حدوثها إرهاق المدين وتهديده، بخسارة فادحة بأن يتدخل لتعديل آثار العقد لصالح المشتري وخفض الجزء المؤجل دفعه من الثمن (٢). ٤ - حماية المشتري بنصوص تشريعية خاصة: فنظرًا لعدم كفاية القواعد العامة على توفير الحماية اللازمة للمشتري، فقد وضع الشرع عددًا من الأنظمة التشريعية الخاصة بهدف الوقوف إلى جانب المشتري ومنها: حماية سابقة على التعاقد: وذلك بإلزام كل من يقوم بالنشر أو الإعلان عن سلعة لإغراء المستهلك بشرائها بالتقسيط ببعض البيانات سواء الشخصية المتعلقة بشخصية البائع وطبيعة المبيع ومدة الدفع، أو المتعلقة ببيان ثمن السلعة الحقيقي، وبذا يكون المشتري على بينة من الأمر، فلا يتعرض للغش أو الخداع من قبل البائع (٣). حماية في مرحلة التعاقد: وذلك عن طريق إصدار الأنظمة التي تلزم بأن يتم عقد البيع الآجل كتابة، وإعلام المشتري بشروط التعاقد، وتحديد شروط التعاقد من حيث بيان الحد الأدنى الذي يدفع مقدمًا، ومدة الأجل والحد الأقصى للزيادة في الثمن مقابل الأجل، وعدم إعطاء البائع الحق في استحقاق الأقساط المتبينة إذا عجز المشتري عن أداء بعض الأقساط (٤).

стр. 1907

خلاصة البحث تتمثل أهم النتائج التي توصلت إليها بعد إعداد البحث بما يأتي: ١ - أن البيع بالتقسيط يعني أن يعرض البائع على المشتري سلعة بثمن يدفعه في وقت لاحق لإتمام العقد، وبصورة دفعات متفرقة تدفع في أزمان يتفق المتعاقدان عليها، مع ملاحظة وجود زيادة في ثمن السلعة عن ذاك الذي تباع به لو كان الدفع للثمن حاضرًا عند العقد. ٢ - أن مظان مسألة البيع بالتقسيط تكمن في ثنايا البيوع الفاسدة أو البيوع المنهي عنها في كتب الحديث النبوى والفقه الإسلامي لاسيما "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة" و"نهيه عن صفقتين في صفقة" و"نهيه عن شرطين في بيع أو سلف وبيع"، وذلك لأن من أبرز معاني هذه الأحاديث كما ذكرتها عبارات شراح الحديث والفقهاء: أن يقول البائع للمشتري أبيعك هذه السلعة بكذا حالًا أو بكذا مؤجلًا. وهي أقرب الصورة إلى معنى بيع التقسيط والبيع بأجل. ٣ - أن البيوع المذكورة باطلة أو فاسدة عند جمهور العلماء وعلة بطلانها أو فسادها كون الثمن مجهولًا، ولكونها ذريعة إلى الربا المحرم وعليه، بينت عبارات العلماء بصورة صريحة أو عن طريق الدلالة أنه إذا انتفت هذه العلة بأن اختار المشتري أحد الثمنين وعينه قبل التفرق من المجلس، ولم يكن البائع قد ألزمه بالبيع قبل الاختيار فإن العقد يكون صحيحًا، بل إن الفساد يزول عند الحنفية لو عين الثمن المراد بعد العقد من منطلق قولهم بأن الفساد يرتفع بزوال المفسد. ٤ - بناء على ما تقدم، ولما كان بيع التقسيط يتضمن اختيار المشتري برضاه وإرادته للثمن الآجل مع الزيادة قبل التفرق من المجلس، وبناء على ما أقامه جمهور الفقهاء من أدلة تنفى التشابه بين الزيادة في الثمن عند البيع بالتقسيط وبين الزيادة في الربا وهو المستند الرئيسي للمانعين من القول بصحة بيع التقسيط، بالإضافة إلى أدلتهم القوية الأخرى، ومناقشتهم الدقيقة لأدلة القائلين بالبطلان مما جعلها لا تنتهض بها حجة، كل ذلك كان مرجحًا ومعزرًا للقول بصحة التعامل ببيع التقسيط، وأنه لا أثم ولا حرمة فيه ولا شبهة. ٥ - أن فتاوى وأقوال جل العلماء القدامى والمعاصرين جاءت تعلن القول بصحة بيع التقسيط.

стр. 1908

٦ - أن علماء القانون المدني الوضعي قد وافقوا علماء الشريعة في القول بصحة البيع بالتقسيط. ٧ - أن علماء الشريعة ورجال القانون قد أحاطوا عقد البيع بالتقسيط؛ بسياج من الشروط التي تضمن تحقيق هدفه في تيسير معاملات الناس، وتسهيل حصولهم على حاجاتهم من خلال الدفع الميسر المريح، مع ملاحظة ترويج بضائع التجار وتنشيط الحركة التجارية دون أن يكتنف ذلك شىء من الاستغلال أو الغبن أو التغرير أو الخداع وإضاعة الحقوق أو المماطلة والتسويف أو اتخاذ الحلال ذريعة إلى الحرام. ٨ - أن الأحكام الفقهية والنصوص القانونية قد أوضحت بصورة جلية حدود العلاقة بين البائع والمشترى، وما يترتب لكل واحد منهما أزاء الآخر من حقوق والتزامات، ووضعت القيود، ومنحت كلًا منهما الضمانات التي تكفل له حقه وتصونه من العبث والإهدار، فيبقى التعامل بين المسلمين نقيًّا لا يشوبه لبس، ولا يفضي إلى خصومة، بل يكون سبيلًا إلى تحقيق مقصود الشارع الحكيم في المحبة والتعاون والتراحم بين العباد.

стр. 1909

ثالثًا: البيوع المحرمة بسبب الضرر والخداع ١ - بيع الرجل على بيع أخيه: • عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له" (١). • عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" (٢). • عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (٣). • عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر" (٤). • قال النووى ﵀: أما البيع على بيع أخيه: فمثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: أفسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، يحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو هذا. • وأما السوم على سوم أخيه: فهو أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن. وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد ليس بحرام (٥). • قال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء. وهو مجمع عليه (٦).

стр. 1910

والحرمة لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، والنهي يقتضي الفساد (١). وهذا بالإضافة إلى التدابر والتقاطع والتحاسد والبغضاء. ٢ - بيع النَّجْشُ: النجش لغة: الإثارة. يقال: نجش الطائر: إذا أثاره من مكانه. ومعناه اصطلاحًا: أن يزيد الرجل في ثمن السلعة، وليس قصده أن يشتريها، بل ليرغب غيره، فيوقعه فيه، أو يمدح البيع بما ليس فيه ليروجه. وسمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك. وقال ابن قتيبة: النجش: الختل والخديعة (٢). • عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن النجش" (٣). • قال الإِمام البخاري: قال ابن أبي أوفى "الناجش آكل ربا خائن" وهو صراع باطل لا يحل (٤). • قال الحافظ ابن حجر: أطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير فاشتركا في الحكم لذلك وكونه آكل ربا بهذا التفسير (٥). • ومذهب جمهور الفقهاء: أن بيع النجش حرام، وذلك لثبوت النهي عنه، ولما فيه من خديعة المسلم، وهي حرام (٦). ٣ - بيع تلقي الجَلَب أو الركبان أو السلع: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُتلقى الجَلَبُ" (٧).

стр. 1911

• عن عبد الله ﵁ قال: "كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى يُبلغ به سوق الطعام" (١). • وعن ابن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ نهى أن تُتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق" (٢). • عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن تلقى البيوع" (٣). • التلقى: هو الخروج من البلد التي يجلب إليها القوت ونحوه. • والجلب: بمعنى الجالب، أو هو بمعنى المجلوب، وهو ما يجلب من بلد لبلد. • والركبان: جمع راكب والتعبير به جرى على الغالب، والمراد القادم ولو واحدًا أو ماشيًا. • ومعنى ذلك أن يقوم بعض الناس أو التجار بتلقى السلع الواردة إليهم وذلك قبل ورودها السوق، وقبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر السوق فيخبروهم أن السعر ساقطة والسوق كاسدة والرغبة قليلة حتى يخدعوهم عما في أيديهم ويبتاعوه منهم بالوكس من الثمن، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك لما فيه من الضرر. • ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع التلقي محرم لثبوت النهي عنه ولما فيه من تغرير وخداع أصحاب السلع، والإضرار بالعامة. • وقال الإِمام البخاري: باب النهي عن تلقي الركبان وأن بيعه مردود. لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالمًا، وهو خداع في البيع، والخِّداع لا يجوز (٤). ٤ - بيع الحاضر للباد: معناه: أن يخرج الحضري وهو السمسار إلى جالب السلعة سواء كان من أهل البادية أم من الحاضرة. وهو غريب عن البلد ويريد بيع سلعته بسعر الوقت في الحال، فيقول له هذا السمسار: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلَقُّوا الركبان، ولا يبع

стр. 1912

حاضر لباد" قال طاوس: فقلت لابن عباس: ما قوله لا يبع حاضر لباد؟ قال: "لا يكون له سمسارًا" (١). • السمسار: هو متولى البيع والشراء لغيره. • عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَبع حاضر لبادٍ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٢). وهذا من البيوع المحرمة للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد وكذلك للإضرار بالمسلمين فالبادي يقدم على البلد ويبيع سلعته بما يعود عليه بالكسب الحلال ويقضي الناس حوائجهم، لكن إذا تولى التسعير له سمسار يعرف حاجة الناس وفاقتهم زاد في السعر بربح قد يصل أضعافًا مضاعفة وهذا مخالف لسماحة الإِسلام ويسر الشارع الكريم، ولهذا جاء في الحديث: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٣). • قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النهي فالجمهور أنه على التحريم بشرط العلم بالنهي وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع؛ وتعقب الحافظ ابن حجر الفقرة الأخيرة فقال: فأما اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك فلا يقوم لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه، فإن الضرر الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه (٤). ٥ - بيع فضل الماء: • عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء" (٥). • عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (٦).

стр. 1913

• قال الإِمام النووى ﵀: أما النهي عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ فمعناه أن تكون لإنسان بئر مملوكة له بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن أصحاب المواشى رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض، لأنه إذا منع بذله امتنع الناس من رعى ذلك الكلأ، خوفًا على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعًا من رعى الكلأ (١). إذًا في منع الماء الزائد عن حاجة الإنسان فيه الضرر على الحرث والنسل والمواشي، وقد نهينا عن الضرر. ولذلك توعد الله من فعل ذلك بأنه يمنع من فضل الله يوم القيامة ولا يكلمه. • عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل مائه فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك". وفي رواية: "رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل" (٢). ٦ - بيع المحتكر: عن معمر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطئ" (٣). • قال النووى ﵀: قال أهل اللغة: الخاطئ: هو العاصي الآثم. وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار. قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاء من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره أو ابتاعه في

стр. 1914

وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال. • قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره، أُجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس (١). • أما ما ذكر عن سعيد بن المسيب ومعمر راوى الحديث أنهما كانا يحتكران: فهذا محمول على احتكار ما لا يضر بالناس كالزيت والأدم، أما احتكار ما يضر بالناس فلا. إذ لا يظن بالصحابي أن يروى الحديث ثم يخالفه، وكذلك سعيد بن المسيب لا يظن به في فضله وعلمه أن يروى الحديث ثم يخالفه إلا أن يحمل الحديث على بعض الأشياء التي لا تعتبر من القوت كالزيت (٢). ٧ - البيع الذي فيه غش ومكر وخديعة: • عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس؟ من غش فليس مني" (٣). • عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ مر برجل يبيع طعامًا فقال: "كيف تبيع؟ ". فأخبره، فأُوحى إليه أن أدخل يدك فيها فأدخل، فإذا هو مبلول، فقال له رسول الله ﷺ : "ليس منا من غشنا" (٤). • عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المكر والخديعة في النار" لكنت من أمكر الناس (٥).

стр. 1915

• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار" (١). • قال ابن العربي: الغش حرام بإجماع الأمة, لأنه نقيض النصح، وهو من الغشش وهو الماء الكدر، فلما خلط السالم بالمعيب وكتم ما لو أظهره لما أقدم عليه المبتاع (٢). • وقال البغوي: والتدليس في البيع حرام مثل أن يخفى العيب (٣). • وقال ابن حجر الهيتمي: كل من علم بسلعته عيبًا وجب عليه وجوبًا متأكدًا بيانه للمشتري، وكذلك لو علم العيب غير البائع كجاره وصاحبه ورأى إنسانًا يريد أن يشترى ولا يعرف ذلك العيب وجب عليه أن يبينه له كما قال ﷺ : "لا يحل لأحد يبيع شيئًا إلا بيَّن ما فيه ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه" (٤). وكثير من الناس لا يهتدون لذلك أو لا يعلمون (٥). • فاعلم يرحمك الله تعالى أن التدليس والغش والخداع منهي عنه شرعًا باتفاق العلماء. وقد يكون هذا التدليس والغش والخداع بالفعل والقول وكتمان الحقيقة. • بالفعل: كإحداث فعل في المعقود عليه ليظهر بصورة غير ما هو عليه في الواقع، أي أنه تزوير الوصف المعقود عليه أو تغييره بقصد الإيهام كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بوضع الجيد في الأعلى، وطلاء الأثاث والمفروشات القديمة والسيارات، لتظهر أنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة، لتظهر بأنها قليلة الاستعمال. • ومن أشهر أمثلته الشاه المصراة: وهي التي يحبس اللبن في ضرعها بربط الثدى، مرة يومين أو ثلاثة ليجتمع لبنها ويمتلئ إيهامًا للمشتري بكبر ضرعها وغزارة لبنها.

стр. 1916

• وبالقول: كالكذب الصادر من أحد العاقدين أو ممن يعمل لحسابه حتى يحمل العاقد الآخر على التعاقد ولو بغبن، كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر: هذا الشىء يساوى أكثر، ولا مثيل له في السوق، أو دفع لي فيه سعر كذا فلم أقبل، ونحو ذلك من المغريات الكاذبة. • أما كتمان الحقيقة: كأن يكتم البائع عيبًا في المبيع، كتصدع في جدران الدار وطلائها بالدهان أو الجص، وكسر في محرك السيارة، ومرض في الدابة المبيعة، أو يكتم المشتري عيبًا في النقود ككون الورقة النقدية باطلة التعامل (مزورة) أو زائلة الرقم النقدى المسجل عليها. وحكم هذا أنه جزم شرعًا باتفاق الفقهاء (١). ٨ - بيع التلجئة: التلجئة في اللغة: الإكراه والاضطرار. وهي من الإلجاء، كأنه قد ألجأك إلى أن تأتي أمرًا باطنه خلاف ظاهره، وأحوجك إلى أن تفعل فعلًا تكرهه (٢). وفي الاصطلاح: فيرجع معناها إلى معنى الإلجاء وهو الإكراه التام أو الملجى، كتهديد شخص لغيره بإتلاف نفس أو عضو أو ضرب مبرح إذا لم يفعل ما يطلبه منه. أو: هو المضطر إلى البيع لتهريب أمواله من وجه ظالم. أو: هو كتابه عقد، والتظاهر بالبيع من غير نية أو صيغة. وبيعه فاسد عند الحنفية، باطل عند الحنابلة (٣). ففي هذا النوع ضرر للبائع حيث يكره على البيع وهو لا يريد وقد نهانا الله عن ذلك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).

стр. 1917

• عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (١). • قال الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله تعالى-: يشترط التراخي من البائع والمشتري, لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضًا فكل إنسان يرغب في سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول له اشتريتها منك بكذا، وهذا يؤدى إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء. فلا يصح البيع من مكره للاحق. • والمكره هو الملجأ إلى البيع: أي المغصوب على البيع، فلا يصح من المكره إلا بحق، فلو أن سلطانًا جائرًا أرغم شخصًا على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها فإن البيع لا يصح، لأنها صدرت عن غير تراض، ومثل ذلك ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلًا فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء ﵏: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل، لأن هذا وإن لم يصرح بأنه غير راضي، لكن دلالة الخال على أنه غير راض. أما إذا كان الإنسان مكرهًا على البيع بحق فإن هذا إثبات للحق وليس ظلمًا وعدوانًا. • مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه وحل الدين فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أبي، ففى هذا الحال يجبر الراهن على بيع بيته، لأجل أن يستوفى صاحب الحق حقه فيرغم على ذلك (٢). رابعًا: البيوع المحرمة لذاتها • وهذا النوع من البيوع يشمل كل ما لم تكن له قيمة في الشرع وقد حرمها الله تعالى وحرمها رسوله ﷺ . ومن أمثلة ذلك: • (١) و (٢)، و (٣) و (٤): بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام: • قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ...﴾ الآية (٣).

стр. 1918

• وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). • عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه" (٢). • عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: "لا، هو حرام". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (٣). • قال الإِمام البغوي -رحمه الله تعالى-: في تحريم بيع الخمر (٤) والميتة دليل على تحريم بيوع الأعيان النجسة وإن كان منتفعًا بها في أحوال الضرورة. وفيه دليل أن بيع جلد الميتة قبل الدباغ لا يجوز لنجاسة عينه، وأما بعد الدباغ فيجوز عند أكثر أهل العلم، لقوله ﵊: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" وقال مالك: لا يجوز. واختلفوا في عظم ما لا يؤكل لحمه، وفي عظام الميتة، فذهب قوم إلى نجاستها، وتحريم التصرف فيها، وهو قول الشافعي، وذهب قوم إلى أنها لا حياة فيها, ولا يحلُّها الموت، وهي طاهرة بعد زوال الزهومة عنها، وقالوا بطهارة العاج (ناب الفيل) وهو قول أصحاب الرأى. وتحريم بيع الخنزير دليل على هذا أيضًا، وعلى أن ما لا ينتفع به من الحيوانات لا يجوز بيعها مثل الأسد والقرد والدب والحية والعقرب والفأرة والحدأة والرخمة والنسر، وحشرات الأرض ونحوها.

стр. 1919

وفيه دليل على أن من أراق خمرًا لنصراني، أو قتل خنزيرًا له أنه لا غرامة عليه, لأنه لا ثمن لهما في حق الدين. وفي تحريم بيع الأصنام دليل على تحريم بيع الصور المتخذة من الخشب والحديد والذهب والفضة وغيرها، وعلى تحريم بيع جميع آلات اللهو والباطل مثل الطنبور والمزمار والمعازف كلها، فإذا طمست الصور، وغيرت آلات اللهو عن حالتها، فيجوز بيع جواهرها، وأصولها، فضة كانت أو حديدًا أو خشبًا أو غيرها. انتهى باختصار (١). • فقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير. والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حملًا للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته (٢). (٥) و (٦) بيع الكلب والدم والسِّنَّور (القط): • عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (٣). • عن أبي جحيفة "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة ولعن الواشمة والمستوشمة، وأكل الربا وموكله، ولعن المصور" (٤). • قال الحافظ ابن حجر: ظاهر النهي تحريم بيع الكلب، وهو عام في كل كلب معلمًا كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور. والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقًا وهي قائمة في المعلم وغيره (٥).

стр. 1920

• وقوله "نهى عن ثمن الدم": قال الحافظ ابن حجر: المراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير، وهو حرام إجماعًا أعنى بيع الدم وأخذ ثمنه" (١). • وقال الإِمام أحمد ﵀: بيع الدم لا يجوز, لأنه نجس (٢). • وقال ابن حزم ﵀: وقد حرم الله تعالى الخنزير والخمر، والميتة، والدم فحرم ملك كل ذلك وشربه والانتفاع به وبيعه، ولا يحل بيع كلب أصلًا لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه وهو حلال للمشتري حرام على البائع ينتزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظلم (٣). • أما بالنسبة للسنور أو الهر أو القط فقد جاء النهي عن بيعه أيضًا. • عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور؟ قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (٤). • عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسَنَّور" (٥). قوله (زجر): قال ابن حزم ﵀: الزجر: أشد النهي. ولا يحل بيع الهر فمن اضطر إليه لأذى الفأر فواجب على من عنده منها فضل عن حاجته أن يعطيه منها ما يدفع به الله تعالى عنه الضرر (٦). ٧ - بيع الصُّوَر: • عن سعيد بن أبي الحسن قال: "كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: "من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها

стр. 1921

أبدًا" فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهُهُ. فقال: "ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شىء ليس فيه روح" (١). • عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الذين يصنعون هذه الصُّوَر يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (٢). • عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون" (٣). • عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير" (٤) وفي رواية: "كلب ولا صورة" (٥). • قال الإِمام النووي: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان (أو ذى الروح) حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر, لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير غير ذى الروح كالشجر فليس بحرام. هذا حكم نفس التصور، وأما اتخاذ المصور وفيه صورة ذى روح فإن كان معلقًا في حائط أو ثوب مما لا يمتهن فهو حرام، وإن كان في بساط يداس أو مخدة ونحوهما مما يمتهن فليس بحرام ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة هذا البيت؟ والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث. والله أعلم. انتهى باختصار (٦). • وقال ابن حزم ﵀: لا يحل بيع الصور إلا للعب الصبايا فقط. وحرام علينا تنفير الملائكة عن بيوتنا وهم رسل الله والمتقرب إليه بقربهم (٧). انتهى باختصار.

стр. 1922

٨ - بيع آلات اللهو والمعازف والطرب: • من المعلوم لكل من اطلع على كتب الأئمة، اتفاقهم على تحريم الغناء الذي تصحبه آلات الطرب والمعازف، ولا عبرة بقول من شذ وخالف. وإليك بعض الأدلة في ذلك. • قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). • قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -وهو أحد السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة والمفتين فسر هذه الآية بالغناء، كما روى ذلك عنه أبو الصهباء البكرى أنه سمع عبد الله بن مسعودِ وهو يُسأل عن هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فقال عبد الله: "الغناء، والذي لا إله إلا هو" يرددها ثلاث مرات (٢). • عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعرى أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخَمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم -جبل- يروح عليهم بسَارحة لهم -أي ماشية- يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" (٣). • في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ أنه سيكون أقوام من أمته "يستحلون الحِرَ" وهو الفرج، وهو كناية عن الزنا، والحرير والخمر والمعازف، وقوله "يستحلون" صريحة في أن المذكورات ومنها "المعازف" هى في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم. ثم إن النبي ﷺ قرن المعازف مع المقطوع بحرمته وهو "الزنا والخمر" ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها، ثم أخبر عن أقوام من هؤلاء المستحلين لهذه المحرمات أنهم ينزلون إلى "جنب علم" وهو: الجبل العالي، وعندهم الراعي يسرح

стр. 1923

بمواشيهم، فيأتيهم الفقير ذو الحاجة فيقولون له: ارجع إلينا غدًا ليعطوه "فيبيتهم الله" أي يهلكهم ليلًا، ويوقع الجبل ويدكه عليهم، ويمسخ أقوامًا منهم قردة وخنازير، أعاذنا الله من ذلك والمسلمين. • عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف"، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت القينات (المغنيات) والمعازف وشربت الخمور" (١). • عن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات (المُغَنِّيات) ولا تستروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) (٣). • ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع آلات اللهو المحرمة والمعازف إلا ما جاز استعماله منها وصرحوا بعدم صحة بيعها (٤). خامسًا: البيوع المحرمة لغيرها ١ - البيع عند أذان الجمعة: • أمر الله تعالى بترك البيع عند النداء (الأذان) يوم الجمعة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). • والأمر بترك البيع نهى عنه. • ولم يختلف الفقهاء في أن هذا البيع محرم لهذا النص. • قال صديق حسن خان: والمراد بالآية ترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل لهم: بادروا تجارة

стр. 1924

الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شىء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير. قال في الكشاف: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب الفساد، لأن البيع لم يحرم لعينه بل لما فيه من التشاغل عن الصلاة فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة (١). • قيود تحريم هذا البيع: ١ - أن كون المشتغل بالبيع ممن تلزمه الجمعة، فلا يحرم البيع على المرأة والصغير والمريض. ٢ - أن يكون المشتغل بالبيع عالمًا بالنهى. ٣ - انتفاء الضرورة للبيع، كبيع المضطر ما يأكله، وبيع كفن من خيف تغيره بالتأخير. ٤ - أن يكون البيع بعد الشروع في أذان الخطبة (٢). ٢ - البيع في المسجد: • عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد (وفي رواية) عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحِلق يوم الجمعة قبل الصلاة" (٣). • عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (٤). • قال الشوكاني: الحديثان يدلان على تحريم البيع والشراء، وإنشاد الضالة، وإنشاد الأشعار والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (٥). • عن عطاء بن يسار: "كان إذا مر عليه من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه، قال: عليك بسوق الدنيا، وإنما هذا سوق الآخرة" (٦).

стр. 1925

• قال الشيخ عبد الله البسام حول الحديث الثاني: حديث أبى هريرة ما يؤخذ من الحديث: ١ - إنه يجب على من سمع من يبيع أو يشترى في المسجد أن يقول له جهرًا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن للبيع والشراء. ٢ - تحريم البيع والشراء في المسجد. ٣ - المساجد إنما بنيت لطاعة الله وعبادته، فيجب أن تجتنب أحوال الدنيا (١). انتهى باختصار. وقال الخطابي: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد: من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد (٢). ٣ - بيع المصحف للكافر: • اتفق الفقهاء على أن اليبع ممنوع وصرح جمهورهم بالحرمة، لأن فيه امتهان حرمة الإِسلام بملك المصحف. وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣). وأصل هذا التعليل يرجع إلى ما روى في الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" (٤). • ونهى النبي ﷺ عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فلا يجوز تمكينهم منه. ولأنه يمنع الكافر من استدامة الملك عليه، فمنع من ابتدائه كسائر ما لا يجوز بيعه، ولما في ملك الكافر للمصحف ونحوه من الإهانة (٥). • قال النووى: قوله "نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو"

стр. 1926

وفي الرواية الأخرى "مخافة أن يناله العدو" (١)، وفي الرواية الأخرى: "فإني لا آمن أن يناله العدو" (٢). فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ لعدم العلة، هذا هو الصحيح (٣). ٤ - بيع السلاح في الفتنة: • ولقد بوب الإِمام البخاري في صحيحه (باب: بيع السلاح في الفتنة وغيرها) وذكر تحته حديثًا. • عن أبي قتادة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فبعت الدرع فابتعت به مَخْرَفًا (٤) في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته (٥) في الإِسلام" (٦). • قال الحافظ ابن حجر ﵀ تعليقًا على باب بيع السلاح في الفتن المراد بالفتنة: ما يقع في الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغى فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم. • وقال الحافظ أيضًا: ويحتمل أن المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السلاح في الفتنة لمن لا يخشى منه الضرر لأن أبا قتادة باع درعه في الوقت الذي كان القتال فيه قائمًا بين المسلمين والمشركين وأقره النبي ﷺ على ذلك، والظن به أنه لم يبعه ممن يعين على قتال المسلمين، فيستفاد منه جواز بيعه في زمن القتال لمن لا يخشى منه (٧).

стр. 1927

• وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يصح بيع سلاح في فتنة بين المسلمين، فلو حصل فتنة، وقتال بين المسلمين، وجاء رجل يشترى منك سلاحًا، وغلب على ظنك أنه اشترى منك السلاح ليقاتل المسلمين فإنه يحرم عليك أن تبيعه إياه. فإن قال صاحب السلاح: لعله اشتراه لأجل أن يصطاد به صيدا مباحًا فما الجواب؟ نقول: لا نمنع إلا إذا غلب على ظنك أنه اشتراه من أجل أن يقاتل المسلمين. وكذلك لو اشترى رجل سلاحًا ليصطاد به صيدًا في الحرم بأن تعرف أن هذا الرجل من أهل الصيد، وهو الآن في الحرم واشترى منك السلاح لأجل أن يصطاد به صيدًا في الحرم، فهذا حرام ولا يصح البيِع لأنه من باب التعاون علي الإثم والعدوان، وتأمل القرآن الكريم في قوله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). يدخل فيها آلاف المسائل لأنها كلمة عامة تشمل التعاون على الإثم والعدوان في العقود والتبرعات والمعاوضات والأنكحة وغير ذلك، فكل ما فيه التعاون على الإثم والعدوان فإنه حرام (٢). ٥ - تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرًا وكل بيع أعان على معصية: • عن بريدة الأسلمى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرًا فقد تقحم النار على بصيرة" (٣). • قال الصنعانى ﵀: والحديث دليل على تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرًا لوعيد البائع بالنار وهو مع القصد محرم إجماعًا وأما مع عدم القصد فقال الهادوية يجوز البيع مع الكراهة ويؤول بأن ذلك مع الشك في جعله خمرًا وأما إذا علمه فهو محرم ويقاس على ذلك ما كان يستعان به في معصية وأما ما لا يفعل إلا لمعصية كالمزامير والطنابير

стр. 1928

ونحوها فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعًا وكذلك بيع السلاح والكراع من الكفار والبغاة إذا كانوا يستعينون بها على ضرب المسلمين فإنه لا يجوز (١). • قال موسى بن أحمد الحجاوي القدسي صاحب "زاد المستقنع": "ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا". • وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ شرحًا لهذه الفقرة فقال: قوله "ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا" (ممن) أي على من، فلا يصح بيع العصير على إنسان يريد أن يتخذه خمرًا، والعصير معروف كعصير عنب أو تين أو برتقال أو غيره اشتراه إنسان وهو عصير طازج، لأجل أن يخمره، ويتخذه خمرًا فإن البيع لا يصح. والدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢). فإن قال قائل: ما الذي يدريني أن هذا الرجل اشترى العصير ليتخذه خمرًا أو ليشربه في الوقت الحاضر؟ نقول: إذا غلب على ظنك أن هذا من القوم الذين يشترون العصير ليتخذوه خمرًا كفى ذلك وصار هذا حرامًا، لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله قد نهى عن ذلك. وإلا فالأصل الصحة، وعدم المنع. وكذلك لا يصح بيع أواني لمن يستقي بها الخمر: بأن أعرف أن صاحب هذا المطعم يأتيه الناس يشربون الخمر عنده، وأتى إليَّ ليشتري أواني يسقي بها الخمر، فهذا غير جائز، لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان (٣). • قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: ولا يصح بيع ما قصد به الحرام، كعصير يتخذه خمرًا إذا علم ذلك، كمذهب أحمد وغيره، أو ظن، وهو أحد القولين، ويؤيده أن الأصحاب قالوا: لو ظن المؤجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية، كبيع الخمر ونحوه، لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة، والبيع والإجارة سواء (٤).

стр. 1929

سادسًا: بيوع مختلف في حرمتها ١ - بيع التورق: • وصورته: أن يقوم المشتري بشراء السلعة مؤجلة بمبلغ مائة جنيهٍ مثلًا من البائع ثم يبيعها بأقل من غير بائعها الأول وليكن بمبلغ ثمانين جنيهًا ويقبض ثمنها. • قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: مسألة التورق فيها خلاف بين العلماء، وفيها روايتان عن الإِمام أحمد. • فمن العلماء من قال: هى جائزة، لأن هذه السلعة قد يشتريها الإنسان لغرض مقصود بعين السلعة، كرجل اشترى سيارة من أجل أن يستعملها، أو يكون الغرض قيمة السيارة، فاشتراها لأجل أن يبيعها ويتوسع بالثمن فهذا الغرض كالغرض الأول، لكن الغرض الأول أراد الانتفاع بعينها وهذا أراد الانتفاع بقيمتها فلا فرق. ولهذا قالوا إنها جائزة. • القول الثاني: إنها حرام وهي رواية عن الإِمام أحمد، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (١)، وهو المروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ (٢). • ووجه ذلك: أن مقصود الذي اشترى السيارة هو الدراهم، فكأنه أخذ دراهم قدرها ثمانون بدراهم قدرها مائة إلى أجل، فيكون حيلة، وقد نص الإِمام أحمد أن (مسألة التورق) من مسائل العينة. ولكن على القول بأنها حلال لابد أن يكون الباعث لها الحاجة، فلو كان الباعث لها الزيادة والتكاثر فإن ذلك حرام لا يجوز، لأنه إذا لم يكن حاجة فلا وجه لجوازها، إذ إنها حيلة قريبة على الربا. • قال ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) (٣): إن شيخنا ﵀ كان يراجع فيها كثيرًا لعله يحللها, ولكنه ﵀ يأبى ويقوم هل حرام، والحيل لا تزد المحرمات إلا خبثًا. • ثم قال الشيخ ابن عثيمين: لكن أنا أرى أنها حلال بشروط هي: الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السلم أي: أن يتعذر الحصول على المال

стр. 1930

بطريق مباح، والقرض في وقتنا الحاضر الغالب أنه متعذر، ولاسيما عند التجار إلا من شاء الله، والسلم أيضًا قليل، ولا يعرفه الناس كثيرًا، والسلم هو: تعجيل الثمن وتأخير المبيع أي: آتي للشخص وأقول أنا محتاج عشرين ألف ريال، وأعطني عشرة آلاف ريال أعطيك بدلها بعد سنة سيارة صفتها كذا، وكذا أو أعطيك بدلها بُرًّا أو أرزًا، ويصفه فهذا يسمى السلم، ويسمى السلف، وهو جائز فقد كان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك السنة والسنتين في الثمار فقال النبي ﷺ : "من أسلف في شىء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١). الشرط الثاني: أن يكون محتاجًا لذلك حاجة بيِّنة. الشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع، فإن لم تكن عند البائع فقد باع ما لم يدخل في ضمانه، وإذا كان النبي ﷺ "نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله" (٢). فهذا من باب أولى، لأنها ليست عنده، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة، فأرجو ألا يكون بها بأس، لأن الإنسان قد يضطر أحيانًا إلى هذه المعاملات (٣). ٢ - بيع العربون: • صفته: أن يشترى السلعة، ويدفع إلى البائع درهمًا أو أكثر، على أنه إن أخذ السلعة، احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فهو للبائع (٤). • والفقهاء مختلفون في حكم هذا البيع. • فجمهورهم، من الحنفية والمالكية والشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، يرون أنه لا يصح، وهو المروى عن ابن عباس ﵄ والحسن كما يقول ابن قدامة، وذلك: للنهي عنه في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع العربان" (٥). ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل، وفيه غرر ولأن فيه شرطين مفسدين: شرط الهبة للعربون، وشرط رد المبيع بتقدير أن لا يرضى.
следующие страницы →