← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

العشاء خشية أن يذهب به النوم فيفوته وقتها، أو يترخَّص الناس في ذلك فيناموا عن إقامة جماعتها (١). وأما كراهة الحديث بعدها، فلأنه ربما يؤدى إلى سهر يفوت به الصبح، أو لئلا يقع في كلامه لغو، فلا ينبغي ختم اليقظة به، أو لأنه يفوت به قيام الليل لمن له به عادة، ولتقع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله، والنوم أخو الموت، وربما مات في نومه (٢). وهذا إذا كان الحديث مما لا فائدة فيه، فإن كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، أو لما يعود على صاحبه بفائدة أو إلى مصالح المسلمين، فهذا لا بأس به، فقد «كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر وعمر في أمر من أمور المسلمين» (٣). وفي حديث ابن عابس أن النبي ﷺ تحدث مع أهله -ميمونة- ساعة ثم رقد ...» (٤). [٥] صلاة الفجر: الفجر في الأصل: هو الشفق، والمراد به ضوء الصباح، والفجر في آخر الليل كالشفق في أوله. والفجر اثنان (٥): الفجر الأول (الكاذب) وهو البياض المستطيل الذي يبدو في ناحية من السماء -وهو ما يسمى عند العرب بذنب السرحان (الذئب) - ثم ينكتم فيعقبه الظلام. والفجر الثاني (الصادق): وهو البياض المستطير المعترض في الأفق، ولا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس، وفي الحديث: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق» (٦). وهذا الفجر الثاني هو الذي تتعلق الأحكام كلها به، لا الأول الكاذب. ويطلق الفجر على صلاة الفجر لأنها تؤدى في هذا الوقت، وتسمى صلاة الصبح والغداة.

стр. 247

أول وقت الفجر: أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح: طلوع الفجر الصادق. آخر وقت الفجر: وأجمعوا على أن آخر وقتها طلوع الشمس. يستحب التبكير بصلاة الصبح (التغليس): ذهب جمهور العلماء منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١)، إلى أن أداء صلاة الفجر بغلس أفضل من الإسفار بها (٢)، وهو روي عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وحجتهم: (أ) أن الأخبار قد دلَّت على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بغَلس، ومن ذلك: ١ - حديث عائشة قالت: «كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر، متلفعات بمروطهنَّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحدٌ من الغَلَس» (٣). ٢ - حديث أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح ثم ينصرف، وما يعرف الرجل منا جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة» (٤). ٣ - حديث أنس عن زيد بن ثابت قال: «تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قُمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية» (٥). والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأنه صلاها في أول وقت الصبح. ٤ - حديث أبي مسعود الأنصاري «أن رسول الله ﷺ صلىَّ صلاة الصبح مرةً بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر» (٦).

стр. 248

(ب) أن التبكير بها داخل في عموم الأدلة على استحباب تعجيل الصلوات في أول أوقاتها، وسيأتي بعضها قريبًا. (جـ) أن التبكير بها هو فعل الخلفاء الراشدين ﵃ (١). (د) أن بعض العلماء -كالشافعي وأحمد- يحملون معنى الإسفار على تيقن طلوع الفجر وتبيينُّه، فلما احتمل الإسفار المعنيين كانت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا أولى. وذهب الثوري وأبو حنيفة وصاحباه إلى أن الإسفار أفضل (٢)، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٣) وأجاب ابن حبان عنه فقال: «أراد النبي ﷺ بقوله (أسفروا) في الليالي المقمرة التي لا يتبين فيها وضوح طلوع الفجر، لئلا يؤدي المرء صلاة الصبح إلا بعد التيقُّن بالإسفار بطلوع الفجر، فإن الصلاة إذا أُديت كما وصفنا كان أعظم للأجر من أن تُصلىَّ على غير يقين من طلوع الفجر» اهـ (٤). ٢ - حديث ابن مسعود في صلاة النبي ﷺ بمزدلفة وفيه: «وصلىَّ الفجر يومئذ قبل ميقاتها [بغلس] ....» الحديث. قالوا: فاعتبروا صلاته ﷺ الفجر بغلس قبل وقتها المعروف عند ابن مسعود، فيكون وقتها المعهود الإسفار. قلت: وهذا ليس صريحًا في الدلالة، فكونه صلى الفجر بغلس قبل موعده المعهود، لا ينافي أن يكون المعهود الغلس كذلك لكن متأخر عن هذا، ثم إنه يحتمل أن يكون قوله (قبل ميقاتها) على ظاهره!! وقد جمع الطحاوي ﵀، وهو حنفي- بين أدلة التغليس والإسفار بأن يدخل في الصلاة مغلسًا، ويطول القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا (٥). قلت: وهذا فعل حسن، لكن يقوى مذهب الجمهور بتفضيل تعجيلها بغلس إذ الخلاف في وقت الدخول في الصلاة لا الخروج منها والله أعلم.

стр. 249

مسائل تتعلق بمواقيت الصلاة [١] الوقت أوكد فرائض الصلاة: فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (١). ولهذا لم يَجُزْ تأخير الصلاة عن وقتها، ولو لجنابة أو حدث أو نجاسة في الثوب، ولا لفقدان ما تُستر به العورة، ولا غير ذلك، -على الصحيح- بل يصلى في الوقت بحسب حاله (٢). وقد امتدح الله تعالى المحافظين على مواقيت الصلاة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤). قال ابن مسعود: «ذلك على مواقيتها» (٥). بل جعل الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأحبها إليه سبحانه، فعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ (وفي رواية: أفضل؟) قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أيُّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٦). وحذَّر النبي ﷺ من متابعة الأمراء على تأخير الصلاة -عن وقتها المختار- فعن أبي ذرِّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُميتون الصلاة (أو يؤخرون الصلاة عن وقتها)؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة» (٧). وبيَّن أنس بن مالك ﵁ أن تأخير الصلاة عن وقتها المختار [لغير عذر] خلاف هدي النبي ﷺ وأنه تضييع للصلاة، فعن الزهري قال: دخلت على أنس

стр. 250

ابن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا مما أدركت [يعني: في عهد النبي ﷺ ] إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ» (١). قلت: فَحَرِيٌّ بمن لنفسه عنده قَدْرٌ وقيمة أن يحافظ على مواقيت الصلاة، وأن يؤديها في أول وقتها -إلا العشاء إذا لم تكن مشقَّة- عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢). وقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٣). واقتداءً بسنة نبينا محمد ﷺ ، والله المستعان. [٢] بمَ تُدرك الصلاة في الوقت؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان: الأول: تُدرك بتكبيرة الإحرام: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور من مذهب أحمد (٤)، وحجتهم: ١ - أن إدراك جزء من الصلاة -وهو تكبيرة الإحرام- كإدراك الكل لأن الصلاة لا تتبعَّض (٥). ٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها» (٦). قالوا: والسجدة جزء من الصلاة، فيقاس عليها تكبيرة الإحرام. الثاني: تُدرك بإدراك ركعة كاملة في الوقت: وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام (٧)، وهو الراجح، لما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٨) وجملة (من أدرك ...) شرطية ومفهومها أن من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك، فالإدراك معلق بالركعة الكاملة فعدم اعتبارها إلغاء لما اعتبره الشارع، وتعليق الإدراك بالتكبيرة اعتبار لما ألغاه الشارع.

стр. 251

٢ - أما حديث «من أدرك سجدة ..» فالمراد بها: الركعة الكاملة من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه، يدل على هذا أنه قال مرة: «من أدرك ركعة ...» ومرة: «من أدرك سجدة ...» فدلَّ على أن المراد واحد وهو الركعة الكاملة، وقد قال ابن عمر: «حفظت من رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها» (١) يعني: ركعتين، والله أعلم. من أدرك جزءًا من الوقت ثم جاءه عذر: إذا طرأ عذر -بعد دخول الوقت- كالجنون والإغماء والحيض والنفاس ونحو ذلك، فهنا حالتان: ١ - أن يكون مضى من وقت الصلاة دون قدر الفرض (ما يسع لأقل من ركعة كاملة) فلا يجب عليه القضاء بعد زوال العذر (٢). ٢ - أن يكون مضى من وقت الصلاة ما يتسع لركعة كاملة، ففي إلزامه بالقضاء قولان تقدما في أبواب «الحيض» (٣)، واختار شيخ الإسلام أنه لا يلزمه القضاء، لأنه قد طرأ عليه العذر في وقت يجوز له تأخير الصلاة إليه، وهو غير مفروط ولا مُعتد، ولأنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر امرأة بقضاء صلاة حاضت في وقتها مع كثرة حدوثه، وهذا قوي وإن كان الأحوط قضاؤها والله أعلم. [٣] الأعذار لتأخير الصلاة عن وقتها: ١، ٢ - النوم والنسيان: فمن نام عن الصلاة -أو نسيها- حتى خرج وقتها، فهو معذور، ويجب عليه أداء هذه الصلاة إذا استيقظ من نومه أو ذكرها، لحديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤). ونام النبي ﷺ وأصحابه -في سفر- فما أيقظهم إلا حر الشمس- وقد طلعت -فقال النبي ﷺ : «ليس في نوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها،

стр. 252

فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها ...» الحديث (١). وفعل الصلاة في وقت الاستيقاظ أو ذكر الصلاة المنسية هو في الحقيقة أداء لا قضاء لأنه في الوقت الذي لا وقت لها سواه (٢). تنبيه: قول النبي ﷺ في حديث أبي قتادة المتقدم: «... فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها» اضطربت أقوال العلماء في معناه، والصحيح الذي عليه المحققون ما ذكره النووي «أن معناه: أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، وليس معناه أنه يقضي الصلاة الفائتة مرتين، مرة في الحال ومرة في الغد» (٣) اهـ. ٣ - الإكراه: فمن أكره على ترك الصلاة، ومُنع من الإيماء بها، أو أكره على التلبس بما ينافيها، فهو معذور (٤)، [ويقضي إذا زال عذره] وأما إذا أمكنه الإيماء برأسه فتجب عليه الصلاة في الوقت، وليس عليه إعادتها على الصحيح. والله أعلم. ٤ - الجمع بين الصلاتين لمن يجوز له الجمع: فمن جمع الصلاتين جمع تأخير فإنه يصلي الأولى في وقت الثانية، وهو في الحقيقة لا يقال: إنه (أخرها عن وقتها) إلا في الصورة، وإلا فإن وقتيهما في هذا الحالة وقت واحد، وسيأتي طرف من أحكام جمع الصلاتين، إن شاء الله تعالى. ٥ - شدة الخوف: بحيث لا يتمكن من الصلاة بوجه من الوجوه ولا يقلبه، فلا حَرَج عليه حينئذ إذا فاته الوقت -في أحد قولي العلماء- لأنه لو صلى حينئذ لم يَدْر ما يقول وما يفعل لا سيما عند شدة منابذة العدو، وعليه يحمل تأخير النبي ﷺ صلاة العصر في غزوة الخندق حتى غربت الشمس (٥).

стр. 253

وقد ورد عن أنس: «أنه اشتدت الحرب غداة فتح تُسْتَر، فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس» (١). [٤] من صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها: إذا بلغ الصبي، أو عقل المجنون، أو أفاق المغمى عليه، أو طهرت الحائض والنفساء، قبل خروج وقت الصلاة بمقدار ركعة أو أكثر، لزمهم أداؤها، وهل يلزمهم أداء ما يجمع إليها قبلها؟ يتضح بالمثال الآتي: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر: فلأهل العلم في شأنها ثلاثة أقوال: الأول: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الظهر والعصر، وإن طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء: وهو مروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبي هريرة وهو مذهب طاوس والنخعي ومجاهد وربيعة ومالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور وإسحاق، وهم الجمهور (٢)، وحجتهم: ١ - ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف قال: «إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صَلَّت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلَّتْ المغرب والعشاء» (٣). ٢ - ما رُوى عن ابن عباس قال: «إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء» (٤) ونُقل نحوه عن أبي هريرة.

стр. 254

٣ - أن الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يجمعان في حال العذر في وقت إحداهما، فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باقٍ فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باقٍ في حال العذر فتصليها قبل العشاء (١). الثاني: إذا طهرت في وقت العصر لزمها العصر وليس عليها الظهر: وهو مذهب الحسن وقتادة والثوري وأبي حنيفة (٢)، وحجتهم: ١ - قوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» قالوا: و (ال) في قوله (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما التي قبلها فلم يدرك من وقتها شيئًا، وقد مضى وقتها ولم يكن أهلاً للوجوب، فكيف نلزمه؟! (٣). ٢ - أنه لا خلاف أن التارك للصلاتين حتى إذا كان قبل غروب الشمس بركعة ذهب ليجمع بينهما فصلى ركعة قبل غروب الشمس وسبع ركعات بعد ما غربت عاصٍ لله تعالى مذموم، إذا كان قاصدًا في غير حال عذره، فغير جائز أن يُجعلَ حكُم الوقت الذي أبيه فيه الجمع بين الصلاتين حكم الوقت الذي حُظر فيه الجمع بينهما (٤). ٣ - أننا متفقون على أنه لو أدرك ركعة من صلاة الظهر ثم وجد مانع التكليف، لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر حال العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟! فإن قالوا: فرقنا للآثار عن الصحابة، فيقال: آثارهم -إن صحت- محمولة على سبيل الاحتياط فقط خوفًا من أن يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم الحائض بطهرها إلا بعد مدة من طهارتها (٥). الثالث: إذا طهرت قبل الغروب بوقت يتسع للصلاتين صلت الظهر والعصر، وإن لم يتسع إلا لواحدة لزمها العصر فقط: وهو قول مالك والأوزاعي (٦).

стр. 255

الراجح: الذي يظهر لي أن القول الثاني هو الأقوى، والأول أحوط، ولابد من المصير إلى الثالث إذا ضاق الوقت والله أعلم. [٥] إذا لم يصلِّ الصلاة حتى خرج وقتها بغير عذر: ففي حكم قضاء هذه الصلاة قولان للعلماء: الأول: أنه يجب عليه قضاؤها: وهو مذهب جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، حتى ادَّعى النووي الإجماع عليه (١) -ولا يصح- وجملة ما استدلوا به: ١ - الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي، قالوا: يُستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد من باب أولى. وأُجيبَ عنه: بأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالاً من الناسي، بل إن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط عنه الإثم فلا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثًا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهم الشارع بذلك، وصرَّح بأن القضاء كفارة لهما، لا كفارة لهما سواه (٢). ثم إن القياس إنما هو قياس الشيء على نظيره، لا على ضده، وهذا لا خلاف فيه، والعمد ضد النسيان، والمعصية ضد الطاعة، فكيف تقاس عليها؟! (٣). ٢ - قوله ﷺ في قضاء النائم والناسي: «لا كفارة لها إلا ذلك»، قالوا: يدل على أن العامد مراد بالحديث، لأن النائم والناسي لا إثم عليهما، فالمراد بالناسي التارك. وأُجيب عنه: بأن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على النائم والناسي لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به، والأحاديث الصحيحة صرَّحت بوجوب ذلك عليهما!! ثم إن الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، وهذا واضح. ٣ - القياس على وجوب القضاء على من أفطر عمدًا في رمضان كالمجامع في نهار رمضان.

стр. 256

وأجيب: بأن ثبوت القضاء على المجامع في نهار رمضان ضعيف، وقد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث بدون زيادة: «وصم يومًا مكان ما أصبت» (١) وهي ضعيفة لا تثبت. ٤ - وقد يستدل لهم [ولم يستدلوا هم به] بحديث: «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). فيقال: سمى النبي ﷺ العبادات (الحج والصيام) دينًا. ويُجاب عنه: بأنه يلزم من هذا أن يجيزوا الصلاة قبل وقتها!! فإن أداء الديون جائز قبل حلول أجلها، وسيأتي مزيد إيضاح في أدلة الفريق الآخر. الثاني: أنه لا يجب عليه قضاؤها، بل ولا تصح منه: وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود [قال ابن حزم: ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة] والقاسم بن محمد وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرِّف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز، وداو الظاهري وابن حزم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ثم العلامة الألباني وابن عثيمين (٣) وهو الراجح، ومما يدل عليه: ١ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (٤). فالصلاة عبادة مؤقتة بوقت محدود الطرفين، له أول وله آخر، فلا يجوز أداؤها قبل الوقت ولا بعد خروجه، لا فرق بينهما، إلا بنص يتضمن أمرًا جديدًا، كما في النائم والناسي وسائر أصحاب الأعذار، كالحج وصيام رمضان تمامًا. ومعلوم أنه إذا صلاها قبل الوقت متعمدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، فكذلك لو صلاها بعد وقتها. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٥).

стр. 257

٣ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ (١). فلو كان العامد لترك الصلاة مدركًا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل، ولا لقي الغي، كما لا ويل ولا غَيَّ لمن أخرَّها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركًا لها. ٤ - حديث: «من نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها ...» (٢) دليل على أن العامد لا يقضي الصلاة -تمسكًا بدليل الخطاب- فإن (من نسي) شرط، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم أن من لم ينس لا يصلي. ٥ - أن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز إلا لله على لسان رسوله ﷺ ، ولا يجب القضاء إلا بأمر جديد -على الصحيح في الأصول- ولا دليل على الأمر بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا على العامد لترك الصلاة حتى يخرج وقتها، لما أغفل الله تعالى ولا رسوله ﷺ ذلك ولا نسياه ولا تعمدا إعناتًا بترك بيانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٣). ٦ - حديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله» (٤) فصحَّ أن ما فات فلا سبيل إلى إدراكه، ولو أدرك أو أمكن أن يُدرك لما فات كما لا تفوت الصلاة المنسية أبدًا، ولو أمكن قضاء المتروكة عمدًا لكان القول بأنها فاتته كذبًا وباطلاً!! ٧ - يقال لمن أوجب قضاءها على العامد: هذه الصلاة التي تأمره بِفعلها، أهي التي أمره الله تعالى بها؟ أم هي غيرها؟ فإن قال: هي هي، قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصيًا لأنه فعل ما أمره الله تعالى ولا إثم على قولكم (!!) ولا ملامة على من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها (!!) وهذا لا يقوله مسلم. وإن قال: ليست هي التي أمره الله بها، قلنا: صدقت، وفي هذا كفاية إذا أقروا بأنهم أمروه بما لم يأمره به الله تعالى (٥). قلت: وهذا القول هو الراجح، وليس مع المخالف ما يصلح للتعويل عليه، والله أعلم.

стр. 258

من ضيَّع الصلاة سنوات من عمره: يتفرَّع على القول بأن من ترك الصلاة متعمدًا لغير عذر حتى خرج وقتها، لا يجب عليه قضاؤها ولا تصح منه، أن من ضيَّع الصلاة زمانًا من عمره، ثم تاب إلى الله تعالى واستقام على دينه، فإنه لا يصلي ما فاته، سواء قلنا بكفره حال تركها أو لا، خلافًا للجمهور (١) فإنهم يوجبون عليه قضاء جميع الصلوات التي فاتته (!!!). وماذا على تاركها متعمدًا؟ إن الحكم على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها من غير عذر، بعدم قضائها ليس تخفيفًا عليه، وإنما هو في الحقيقة تنكيل به وسخط لفعله، فالإثم لا يسقط عنه وإن صلاَّها ألف مرة بعد وقتها، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره، فهذا الذي يلزمه: التوبة والاستغفار، والإكثار من فعل الخير وصلاة التطوع، لقوله ﷺ : «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضة شيئًا قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (٢). قضاء الصلوات الفائتة القضاء لغة: الحكم والأداء، واصطلاحًا: فعل الواجب بعد وقته (٣). والفائتة: الصلاة التي خرج وقتها المحدد لها. وقد حققنا أنه لا يُقضى من الصلوات إلا ما خرج وقتها بعذر، خلافًا لجمهور العلماء الذين يقولون بأن العبادات المحددة بوقت تفوت بخروج الوقت المحدد لها من غير أداء، وتتعلق بالذمة إلى أن تقضي، من غير تفريق بين المعذور وغيره. هل يجب قضاء الفائتة على الفور؟ يجب على من فاتته الصلاة [بعذر شرعي] أن يقضيها على الفور، لقول النبي ﷺ في النائم والناس: «فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» فهذا أمر

стр. 259

وهو للوجوب الفوري، والمراد بالفور: الفور العادي بحيث لا يُعَدُّ مفرطًا، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (١). وذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الفور وجواز التراخي في القضاء (٢)، واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه لما استيقظوا من النوم بعد طلوع الشمس، لم يصلوا إلا بعد ارتحالهم إلى مكان آخر؟! وأُجيب: بأن النبي ﷺ قد علَّلَّ ذلك بقوله: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ...» (٣). فكان المانع من الصلاة أنه مكان حضره الشيطان، فلا يدل على مشروعية التراخي في القضاء. وعلى هذا، فلو استيقظ شخص بعد طلوع الشمس، فلا يجوز له أن يعاود النوم حتى يصلي فإنه وقتها، والله أعلم. الترتيب في قضاء الفوائت: عن جابر بن عبد الله «أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كِدْتُ أصلِّي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : «والله ما صلَّيْتُها» فتوضأ وتوضأنا، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلَّى بعدها المغرب» (٤). وعن أبي سعيد قال: حُبسْنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهويٍّ من الليل كُفينا، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (٥). قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالاً، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أره فأقام المغرب فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (٦).

стр. 260

وفيهما أن النبي ﷺ قضى الفوائت مرتبة، فقال الجمهور (١) يجب الترتيب في قضاء الفوائت على اختلاف بينهم في تفاصيل، واستدلوا بفعل النبي ﷺ ، وبأن توقيت المقضية بوقت الذكر أضيق من توقيت المؤداة، فيجب تقديم ما تضيق. وقال الشافعي (٢): يستحب ولا يجب، لأن فعل النبي ﷺ بمجرده لا يدل على الوجوب. ما يسقط به الترتيب. ١ - ضيق وقت الصلاة الحاضرة (٣): فإنه يُسقط الترتيب، لأن فرض الوقت آكد من فرض الترتيب، فيصلي الصلاة الحاضرة ثم يقضي الفائتة، وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وبه قال ابن المسيب والحسن والأوزاعي والثوري وإسحاق، وعند الشافعي لا يجب الترتيب أصلاً كما تقدم. وأما المالكية -ورواية عن أحمد وعطاء والليث- فقالوا: يرتب وإن خرج وقت الحاضرة؟!! قلت: والأول أظهر، لا سيما وأن إيجاب الترتيب أصلاً منازع فيه. ٢ - فوات الجماعة: فمن فاتته الظهر -مثلًا- فخشي إن قضاها أن تفوته جماعة العصر، سقط الترتيب فيصلي مع الجماعة العصر، ثم يقضي الظهر بعدها، وهذا رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام (٤). وله أن يدخل معهم في جماعة العصر بنية الظهر -بناء على جواز اختلاف نية المأموم عن الإمام وسيأتي تحريره- ثم يصلي بعدها العصر، ولعلَّ الأول أظهر والله أعلم. ٣ - فوات ما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجمعة: فلو ذكر أن

стр. 261

عليه فائتة بعد إقامة صلاة الجمعة، فإنه يقدِّم الجمعة، لأنه لا يستطيع أن يقضي الجمعة، فيكون فواتها كفوات الوقت، وهو رواية عن أحمد (١). ٤ - النسيان: فلو صلى الفوائت بغير ترتيب ناسيًا، فلا شيء عليه، لعموم قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (٢). وفي الحديث أن الله تعالى قال: «نعم» (٣) وفي رواية «قد فعلت». ولحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤). وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب خلافًا لمالك ورواية عن أحمد (٥). ٥ - الجهل: فمن جهل وجوب الترتيب فصلى غير مرتبة، فلا شيء عليه، لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا رواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام، وبه قال الحنفية (٦). قضاء الصلاة الفائتة على صِفَتِها: ذهب الحنفية والمالكية -وقول عند الشافعية- وأبو ثور وابن المنذر (٧) أن الاعتبار في صفة الصلاة المقضية بوقت الفائتة، ليكون القضاء على وفق الأداء. فمن نسي صلاة العشاء -وهي جهرية- فلم يذكرها إلا نهارًا، قضاها جهرًا على أصلها. والعكس، ويستدل لهم بحديث أبي سعيد المتقدم في قصة الخندق، وفيه: «فأقام الظهر فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ....» (٨) الحديث وقد كان هذا بعد المغرب. وأما الحنابلة، والصحيح عند الشافعية أن الاعتبار بوقت القضاء! وإذا نسي الصلاة في الحضر فذكرها في السفر: فإنه يصليها تامة غير مقصورة

стр. 262

على أصلها، على المذهب الأول، ووافقهم على هذا -هنا- الشافعي وأحمد (١)، وخالفا في عكسه فقالا: إذا نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر صلاَّها تامة كذلك. قضاء السنن الرَّواتب: يُشرع قضاء السنن الرواتب إذا فات وقتها في أصح أقوال العلماء، وهو مروي عن ابن عمر، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والمزني وغيرهم (٢)، وسيأتي بيانه مفرقًا في مواضعه في «صلاة التطوع» إن شاء الله تعالى. الأذان والإقامة، والجماعة في الفائتة: يُشرع لمن فاتته صلاة وأراد قضاءها أن يؤذن ويقيم، وإن فاتت جماعة أن يصلوا المقضية جماعة، لحديث أبي قتادة -في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس- وفيه قوله ﷺ لبلال: «قُم فأذن الناس بالصلاة» فلما طلعت الشمس وابيضتَّ، قام فصلى بهم رسول الله ﷺ (٣). وفي لفظ حديث ابن مسعود: «فأمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام فصلَّى بنا» (٤). وهذا مذهب جمهور العلماء. الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ١، ٢ - صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس: فقد ثبت النهي عن صلاة التطوع في هذين الوقتين، والأصل في هذا: (أ) حديث ابن عباس قال: «شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عند عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (٥).

стр. 263

(ب) حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (١). ٣ - وقت الزوال (عند قائم الظهيرة): لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف (٢) الشمس للغروب حتى تغرب» (٣). علة النهي: وقد بيَّن النبي ﷺ علة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بقوله لعمرو بن عبسة: «صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تُسجَّر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤). ما يستثنى من النهي: [١] عند الظهيرة يوم الجمعة: فإنه يستحب للمرء التنفل مطلقًا قبل صلاة الجمعة حتى يخرج الإمام، فإذا خرج امتنع من صلاة التطوع، قال ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، فيتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهن، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام -إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٥). وبهذا قال الشافعي ﵀ مستدلاًّ بهذا الحديث وبحديث أبي هريرة:

стр. 264

«أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة» (١) لكنه ضعيف ويغني عنه ما ذكرت ولله الحمد. وللعلماء قولان آخران: الأول: أنه لا يكره الصلاة نصف النهار مطلقًا في الجمعة وغيرها على سواء، وهو مذهب مالك، وحجته عمل أهل المدينة، وهو مردود بالأحاديث المتقدمة. والثاني: أنه يكره الصلاة نصف النهار مطلقًا في الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد. ومذهب الشافعي أرجح، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢). [٢] صلاة ركعتي الطواف بالبيت الحرام: فلا مانع من إيقاع ركعتي الطواف في أوقات النهي المتقدمة لما يأتي: (أ) حديث جبير بن مطعم ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعواأحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى في أي ساعة شاء من الليل أو النهار» (٣). (ب) أنه فعله ابن عباس والحسن والحسين وبعض السلف. (جـ) أن ركعتي الطواف تابعتان له، فإذا أبيح المتبوع ينبغي أن يباح التبع. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وهو مروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس وأبي ثور (٤). [٣] قضاء الفوائت في أوقات النهي: وقد اختلف أهل العلم في حكم قضاء الفائتة في أوقات النهي على قولين: الأول: لا يجوز في أوقات النهي: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي (٥) وحجتهم: ١ - «أن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس أخرَّها حتى ابيضت الشمس» (٦).

стр. 265

٢ - أنها صلاة، فلم تجوز في هذه الأوقات كالنوافل. ٣ - ما رُوي عن أبي بكرة ﵁ «أنه نام في دالية، فاستيقظ عند غروب الشمس، فانتظر حتى غابت الشمس ثم صلاها» (١). ٤ - ما رُوي عن كعب بن عجرة: «أن ابنه نام حتى طلع قرن الشمس فأجلسه، فلما أن تعالت الشمس قال له: صلِّ الآن» (٢). الثاني: يجوز قضاء الفوائت في أوقات النهي وغيرها: وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور الصحابة والتابعين (٣)، وحجتهم: ١ - قول النبي ﷺ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤). ٢ - حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إنما التفريط في اليقظة على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» (٥). ففيهما الأمر بالصلاة حين ذكرها أو الاستيقاظ لها من غير استثناء لأوقات النهي. قلت: وهذا هو الراجح، وأما تأخير النبي ﷺ الصلاة حتى ابيضَّت الشمس فهم لم يوقظهم إلا حر الشمس أصلاً، وقد تقدم أنه ﷺ بيَّن أن العلة أنه «مكان حضر فيه الشيطان» فجعل المانع من الصلاة المكان لا الزمان، والله أعلم. [٤] قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي: يجوز قضاء السنن الرواتب ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لما يأتي: (أ) حديث أم سلمة أنها رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال: «يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، فإنه أتاني أناس من بني عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٦). (ب) ما روي عن قيس بن عمرو قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر، فقال: «ما هاتان الركعتان يا قيس؟» قلت: يا

стр. 266

رسول الله، لم أكن صليت ركعتي الفجر، قال: «فسكت عنه» (١) وفي رواية «فلم ينكر ذلك عليه». (جـ) لعموم قوله ﷺ : «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ...» وهذا مذهب مالك والشافعي (٢). [٥] الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر: أجمع العلماء على جواز الصلاة على الجنازة بعد صلاة الصبح والعصر (٣). ثم اختلفوا في إيقاعها في الأوقات المذكورة في حديث عقبة بن عامر: حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وعند قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب، على قولين: الأول: لا تجوز صلاة الجنازة في هذه الأوقات الثلاثة: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم (٤)، لحديث عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا ... فذكرها» (٥). الثاني: يجوز صلاة الجنازة في جميع أوقات النهي: وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد (٦) وحجة الشافعي أنها صلا ذات سبب فتستثنى من النهي. قلت: الأظهر أنها لا تجوز في هذه الأوقات الثلاثة لأجل النص، لأن فيه مع النهي عن الصلاة، النهي عن الدفن فيها فيتناول النهي عن الصلاة على الجنازة فيها، فيمنع استثناءها من النهي، ثم إن هذه الأوقات الثلاثة قصيرة وليس في الانتظار حتى تفوت ما يخشى منه والله أعلم. [٦] الصلوات التي لها سبب: كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الكسوف ونحوها فهذه اختلف فيها العلماء على قولين:

стр. 267

الأول: لا تجوز في أوقات النهي: وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد (١). الثاني: يجوز، وهو مذهب الشافعي (٢) والرواية الثانية عن أحمد، وحجتهم: ١ - أنه ثبت جواز ركعتي الطواف في كل وقت، وقد تقدم. ٢ - ثبت جواز الصلاة عقيب الوضوء في أي وقت، كما في حديث بلال وسؤال النبي ﷺ له: أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام .... فقال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (٣). ٣ - قوله ﷺ في الكسوف: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة» (٤). ٤ - أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٥). ٥ - ثبوت صلاة النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر كما تقدم. ٦ - الإجماع على جواز الصلاة على الجنازة بعد الصبح والعصر. قالوا: فهذه كلها صلوات ذوات سبب وجاز فعلها مطلقًا، فتستثنى من النهي. قلت: ويُستدل لهذا المذهب كذلك بما يلي: ٧ - حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر، كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة (أو قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها» قلت: فبما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة» (٦). وفي حديث ابن مسعود موقوفًا: «ستكون أمراء يسيئون الصلاة يخنقونها إلى شَرَق الموتى، (يعني: إلى آخر النهار) ...» (٧) وذكر نحو حديث أبي ذر، فأجاز النافلة في وقت الكراهة للسبب المذكور.

стр. 268

٨ - حديث يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حجَّته، فصليتُ معه صلاة الصبح في مسجد الخيف من منى، فلما قضى صلاته إذا رجلان في آخر الناس لم يصليا، فأُتي بهما ترعُد فرائضهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: يا رسول الله، كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (١) قال الخطابيُّ: وفي قوله: (فإنها نافلة) دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب. اهـ (٢). قلت: وعلى ما تقدم فإن النهي عن الصلاة في الأوقات الواردة في النصوص خاص بمطلق التنفل من غير سبب، وبمن قصد تحرى الصلاة فيها، ويؤيده حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتحرَّى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها» (٣). فائدة: أوقات النهي المتقدمة إنما هي ما كان النهي فيها متعلقًا بالأوقات الأصلية، وهناك أوقات أخرى نهى عن الصلاة فيها لتعلقها بأمر خارج عن أصل الوقت، وستأتي مفرقة في مواضعها في «صلاة التطوع» إن شاء الله. الأذان والإقامة التعريف (٤): الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٥). أي: أَعْلمِهم به. وشرعًا: التعبد لله تعالى للإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص. والإقامة لغة: مصدر (أقام) من أقام الشيء إذا جعله مستقيمًا، ولها معان منها: الاستقرار والإظهار والنداء، وشرعًا: التعبد لله بالقيام للصلاة والشروع فيها لذكر مخصوص.

стр. 269

أولاً: الأذان من فضائل الأذان: ١ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نوُدي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قُضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» (١). ٢ - عن أبي سعيد الخدري قال لابن أبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» قال أبو سعيد سمعته من رسول الله ﷺ (٢). ٣ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٣). ٤ - عن معوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال ﵁: «المؤذِّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» (٤). ٥ - عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعجب ربُّكم من راعي غنم في رأس شَظيَّة بجبل يؤذِّن بالصلاة، ويصلى فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة» (٥). ٦ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الإمام ضامن، والمؤذِّن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذِّنين» (٦).

стр. 270

٧ - الأذان أفضل من الإمامة: للأحاديث المتقدمة في فضل الأذان، ولأن «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، وإنما لم يتولَّ النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون التأذين، لأن الإمامة كانت متعيِّنة عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، لضيق وقتهم عنه، وانشغالهم بما هو أهم كتدبير شئون المسلمين، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل. وهذا مذهب الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد واختاره أكثر أصحابه والمالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١). بدء مشروعية الأذان: شُرع الأذان بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، على الأصح، للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، ومن ذلك حديث ابن عمر: كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال قم فناد بالصلاة» (٢). حكم الأذان: اتفقت الأمة الإسلامية على مشروعية الأذان، والعمل به جارٍ منذ عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا بلا خلاف. ثم اختلف أهل العلم في حكمه، هل هو واجب؟ أو سنة مؤكدة؟ والصحيح الذي لا ينبغي التردد فيه في مثل هذه العبادات العظيمة أن الأذان فرض كفاية، فليس لأهل مدينة أو قرية أن يدعوا الأذان والإقامة، ويستدل على ذلك بأمور: ١ - أن الأذان عبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالم الدين، وقد وقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله سبحانه إلى أن مات رسول الله ﷺ في ليل ونهار وسفر وحر، ولم يسمع أنه وقع الإخلال بها أو الترخيص في تركها.

стр. 271

٢ - أن النبي ﷺ قد جعله علامة للإسلام ودلالة على التمسك به والدخول فيه، فعن أنس أن النبي ﷺ «كان إذا أغزى بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم» (١). ٣ - أن النبي ﷺ قد أمر به، فعن مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال له ولأصحابه: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبركم» (٢). ٤ - عن أنس بن مالك قال: «أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويُوتر الإقامة» (٣). ٥ - في حديث عبد الله بن زيد في رؤياه الأذان، قال النبي ﷺ : «إنها رؤيا حق، إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين» (٤). ٦ - قوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «... واتَّخِذْ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» (٥). ٧ - عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة [لا يؤَذَّن] ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» (٦) وهو دالٌّ على وجوب الأذان لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنُّبه. وقد ذهب إلى وجوب الأذان: مالك -في قول، وخصَّ الفرضية بمساجد الجماعات- وأحمد، وهو وجه عند الشافعية، وبه قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود وابن حزم، واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧). بينما ذهب أبو حنيفة والشافعي، وهو قول عن مالك، إلى أنه سنة مؤكدة!! قلت: ولا شك أن الأول أرجح، ثم إن الحنفية -القائلين بأنه سنة- قد صرَّحوا بأنها كالواجب في لحوق الإثم (٨)، فكأَّن الخلاف معهم لفظي والله أعلم.

стр. 272

فوائد: ١ - الأذان على المسافرين: يجب الأذان على المسافرين إذا أرادوا الصلاة، كالحاضرين، لعموم الأدلة، وملازمة النبي ﷺ لذلك في الحضر والسفر، ولأن أمره ﷺ لمالك بن الحويرث وأصحابه بالأذان كان وهم مسافرون إلى أهليهم، وهذا هو الصواب خلافًا لمذهب الحنابلة والجمهور. ٢ - الأذان للصلاة الفائتة: يجب الأذان للصلوات الخمس، سواء كانت مؤدَّاة أم مقضيَّة، وقد تقدم حديث نوم النبي ﷺ وأصحابه -في سفرهم- عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأمر النبي ﷺ بلالاً بالأذان والإقامة، ويدل عليه كذلك عموم قوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم ...». لكن ... لو نام جماعة عن الصلاة -في بلدة- حتى خرج وقتها، وقد أُذِّن في هذه البلدة، لم يجب عليهم الأذان اكتفاءً بالأذان العام في هذه البلدة، وسقطت به فريضة الأذان عنهم (١). ٣ - حكم أذان النساء وإقامتهن (٢) لا يجب على النساء أذان ولا إقامة، عند جماهير السلف والخلف، من الأئمة الأربعة والظاهرية، وقد ورد عن أسماء مرفوعًا: «ليس للنساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ...» (٣). وهو ضعيف لا يصح، لكن لم يرد كذلك أمر النساء بالأذان أو الإقامة. ولا يجوز -بل لا يجزئ- أذان المرأة للرجال عند الجمهور خلافًا للحنفية، لأن الأذان للإعلام ويشرع له رفع الصوت، ولا يشرع للمرأة رفع صوتها، ولم يُسمع في أيام النبوة ولا في الصحابة ولا فيمن بعدهم أنه وقع التأذين المشروع الذي هو الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الصلاة من امرأة قط. ثم اختلفوا في أذان النساء وإقامتهن إذا كُنَّ منفردات عن الرجال: فقيل: يُكرهان وقيل: يباحان، وقيل: يستحبان، وقيل: تستحب الإقامة دون الأذان.

стр. 273

والذي يظهر أن النساء إذا كنَّ منفردات عن الرجال، فإذا أَذَّنَّ وأقَمْنَ فحسن، لأنهما ذكر لله تعالى، ولم يرد ما يمنع منهما، ولذا سئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: «أَنْهى عن ذكر الله؟!!» (١). وعن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: كنا نسأل أنسًا: هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: «لا، وإن فعلن فهو ذكر» (٢). وهذا قول الشافعي ورواية عن أحمد، وإليه ذهب ابن حزم (٣)، قال الشافعي: «ولا تجهر المرأة بصوتها، تؤذن في نفسها، وتسمع صواحباتها إذا أذَّنت، وكذلك تقيم إذا أقامت ...» اهـ. ٤ - أذان المنفرد، والجماعة بمسجد صَلَّى فيه أهله: من صلى منفردًا ببلده أُذِّن بها، فإن اكتفى بأذانهم أجزأه، وإن أذَّن وأقام فقد أحسن لإدراك فضيلة الأذان، ولحديث أبي سعيد وعقبة بن عامر المتقدمين في «فضائل الأذان». وكذلك إذا فاتته الجماعة، وحضر في مسجد قد صلَّى فيه أهله، فإن اكتفى بأذانهم أجزأه، والأولى أن يؤذِّن ويقيم، كذا فعل أنس بن مالك: فعن أبي عثمان قال: أتانا أنس بن مالك في مسجد بني ثعلبة، فقال: قد صليتم؟ - وذلك صلاة الغداة - فقلنا: نعم، فقال لرجل: أذِّن، فأذَّن وأقام ثم صلى في جماعة (٤). وبذا قال الشافعي وأحمد، وقال مالك والأوزاعي: يقيم ولا يؤذن، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤذن ولا يقيم (٥). ٥ - الأذان للصلاتين المجموعتين: إذا جُمعت صلاتان في وقت إحداهما كجمع العصر مع الظهر في وقت الظهر بعرفة، وكجمع المغرب مع العشاء بمزدلفة، فإنه يكتفي بأذان واحد، ويقام

стр. 274

لكل صلاة بإقامة، كما فعل النبي ﷺ -وسيأتي في «الحج» - وبهذا قال الجمهور خلافًا للمشهور عند المالكية من أنه يؤذن لكل منهما!! (١). ٦ - ما يُشرع له الأذان من الصلوات: اتفق أهل العلم على أن الأذان إنما شُرع للصلوات الخمس المفروضة، ولا يؤذن لصلاة غيرها كالجنازة والوتر والعيدين وغير ذلك، لأن الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة، والمكتوبات هي المخصصة بأوقات معينة، والنوافل تابعة للفرائض، فجعل أذان الأصل أذانًا للتبع تقديرًا، أما صلاة الجنازة فليست بصلاة على الحقيقة، إذ لا قراءة فيها ولا ركوع ولا سجود. ومما ورد في ذلك حديث جابر بن سمرة قال: «صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (٢). كيف يُعلن عن الصلوات التي لا أذان لها؟ ذهب الشافعي إلى أنه يُنادى لكل صلاة لا يؤذن لها بقوله: «الصلاةُ جامعة» ووافق الحنابلة في صلاة العيد والكسوف والاستسقاء، والحنفية والمالكية في الكسوف فقط (٣)، قلت: والصواب أن يوقف في هذا مع النص فما ثبت فيه النص بالنداء بـ «الصلاة جامعة» استحب فعله وإلا لم يُشرع، وسيأتي بيانه مفرَّقًا في مواضعه، إن شاء الله تعالى. شروط الأذان: [١] دخول وقت الصلاة (عدا الفجر): يشترط للأذان أن يدخل وقت الصلاة المفروضة، فلا يصح الأذان قبل دخول الوقت -إلا في الفجر على ما سيأتي- ويستحب إذا دخل الوقت أن يؤذن في أوله، ليعلم الناس فيأخذوا أهبتهم للصلاة، فعن جابر بن سمرة قال: «كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يَخْرمُ (٤)، ثم لا يقيم حتى يخرج إليه النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام حين يراه» (٥).

стр. 275

وأما الفجر ... فذهب مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن حزم إلى أنه يُشرع الأذان للفجر قبل الوقت (قبل طلوع الفجر الصادق) (١) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» [قال: وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت] (٢). فيكون هذا الأذان (الأول) لأجل إيقاظ النائم ليتأهب للصلاة، ولردِّ القائم المجتهد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطًا، وليتسحَّر إن كان له حاجة إلى الصيام، كما في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا يمنعنَّ أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويُوقظ نائمكم» (٣). وقد استحب الجمهور الأذان الثاني عند دخول الوقت، ورأوا أنه يجوز الاكتفاء به للصلاة!! والصحيح ما ذهب إليه ابن المنذر وابن حزم من أنه لابد من الأذان الثاني الذي في الوقت لأنه الأصل، وقد قال ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» وهذا عام لا يستثنى منه شيء ولا يعارضه حديث «إن بلالاً يؤذن بليل» لأن هذا الأذان ليس لصلاة الفجر كما تقدم. بينما ذهب الثوري وأبو حنيفة (٤) إلى أنه لا يؤذن للفجر إلا بعد طلوع الفجر الصادق، قياسًا على سائر الصلوات، ولما يُروى عن شداد مولى عياض بن عامر أن النبي ﷺ قال لبلال: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر» (٥) وهو ضعيف لا يصح. ولما يُروى عن ابن عمر أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد نام» (٦) وهو معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة.

стр. 276

فأما قياسهم فهو في مقابل النصوص السابقة في إثبات الأذان قبل الفجر، وهي دالة على دوام ذلك من بلال، وقد أقره النبي ﷺ ولم ينهه فثبت جوازه بل استحبابه. وأما الأحاديث التي استدلوا بها فمعلولة لا تقوم بها حجة فضلاً عن أن تردَّ بها السنن الثابتة الصحيحة، والله أعلم. [٢] نية الأذان: يشترط لصحة الأذان النية كسائر العبادات، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١) فلو أخذ شخص في ذكر الله بالتكبير ثم بدا له عقب ما كبَّر أن يؤذن، فإنه يبتدئ الأذان من أوله ولا يبني على ما قال، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (٢). [٣] أداؤه باللغة العربية (٣): فيشترط كون الأذان باللفظ العربي، ولا يصح الإتيان به بأي لغة أخرى ولو علم أنه أذان، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ونحوه مذهب الشافعية إلا أنهم قالوا: إن لم يوجد منهم من يحسن العربية أجزأهم بغيرها. [٤] خلو الأذان من اللحن الذي يغيِّر المعنى (٤): كمدِّ همزة (أكبر) أو بائه وغير ذلك مما يغير المعنى، وكذلك التمديد الزائد عن المطلوب في الأذان، فإن أحال المعنى أبطل الأذان وإلا كُره عند الجمهور خلافًا للحنفية. [٥] ترتيب كلمات الأذان (٥): فيشترط أن يأتي المؤذن بكلمات الأذان على نفش النظم والترتيب الوارد في السنة -والذي يأتي قريبًا- دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى، فإن فعل المؤذن ذلك استأنف الأذان من أوله -عند الجمهور خلافًا للحنفية- لأن ترك الترتيب يخل بالإعلام المقصود، ولأنه ذكر يعتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، وقد قال ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٦).

стр. 277

[٦] الموالاة بين ألفاظ الأذان (١): وهي المتابعة بين ألفاظه بدون فصل بقول أو فعل، فإن كان الفصل يسيرًا كأن يعطس المؤذن في أثنائه فيبنى على ما مضى عند الجمهور، وأما لو طال الفصل بين كلمات الأذان بكلام كثير أو إغماء ونحوه فيبطل الأذان ويجب استئنافه من أوله، ولا يجوز أن يبنى غيره على أذانه، بل يستأنف. [٧] إسماع غير الحاضرين (٢): إما برفع الصوت أو باستعمال مكبِّر الصوت، ليحصل المقصود للأذان، فإن كان يؤذن لنفسه فلا يشترط رفع الصوت إلا بقدر ما يسمع نفسه أو يسمع الحاضر معه، وقد تقدم في حديث أبي سعيد: «.. فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٣). وقال ﷺ لعبد الله بن زيد: «علِّمه بلالاً فإنه أندى وأمدُّ صوتًا منك» (٤). وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وقول عند الحنفية، وهو سنة عند المالكية والراجح عند الحنفية. هل يجزئ عرض الأذان من المذياع؟ (٥) عرض الأذان من المذياع أو المسجل غير صحيح، لأنه عبادة، وقد سبق أنه أفضل من الإمامة، وكما أنه لا يصح أن يقتدي الناس في صلاتهم بصلاة مسجلة، فكذلك الأذان. والله أعلم. هل يجوز الكلام أثناء الأذان والإقامة؟ اختلف أهل العلم في حكم كلام المؤذن أثناء التأذين على أقوال (٦): الأول: يجوز الكلام في الأذان مطلقًا: وبه قال الحسن وعطاء وقتادة وأحمد (إلا أنه منعه في الإقامة) وهو مروي عن سليمان بن صرد (من الصحابة) وعروة ابن الزبير، واحتجوا بما يلي: ١ - أن ابن عباس أمر مناديه يوم الجمعة في يوم مطير، لما بلغ: حي على

стр. 278

الصلاة، أن يقول: «الصلاة في الرحال، فقيل: ما هذا، قال: فعله من هو خير مني» (١). ٢ - عن موسى بن عبد الله بن زيد أن سليمان بن صرد -وكانت له صحبة- «كان يؤذن في العسكر فيأمر غلامه بالحاجة وهو في أذانه» (٢). الثاني: يكره الكلام أثناء الأذان والإقامة: وبه قال النخعي وابن سيرين والأوزاعي ومالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة. الثالث: لا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في أذانه إلا كلامًا من شأن الصلاة نحو (صلوا في رحالكم)، وهو قول إسحاق واختاره ابن المنذر. الرابع: إن تكلم في الإقامة أعادها: وهو قول الزهري. صفات المؤذن: يستحب أن يتصف المؤذن بما يلي: ١ - أن يبتغي بأذانه وجه الله: فلا يأخذ أجرة على أذانه وإقامته، لأنَّ الاستئجار على الطاعة لا يجوز، وقد قال ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» (٣). فإن لم يوجد متطوع، رَزَق الإمام (جعل راتبًا) من بيت المال من يقوم به، لحاجة المسلمين إليه. ٢ - أن يكون عدلاً أمينًا: لأن «المؤذن مؤتمن» (٤) أي: أمين على مواقيت الصلاة، وليؤمن نظره إلى العورات، ويصح أذان الفاسق مع الكراهة عند الجمهور، واختار شيخ الإسلام عدم إجزاء أذان ظاهر الفسق، لمخالفته لأمر النبي ﷺ ، وهو وجه عند الحنابلة (٥).

стр. 279

٣ - أن يكون صيِّتًا (حسن الصوت) (١): لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد «فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى صوتًا منك» (٢). وعليه فيستحب استخدام أجهزة الصوتيات الحديثة لتحسين الصوت وإبلاغه، هذا مع كراهة التمطيط والتطريب. ٤ - أن يكون عالمًا بالوقت: ليتمكن من الأذان في أوله، ويؤمن خطره، ويجوز لمن لا يعلم الوقت بنفسه -كالأعمى- أن يؤذن إذا كان معه من يخبره به، فقد «كان ابن أم مكتوم -وهو أعمى- لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت» (٣). صفة الأذان: وردت ألفاظ الأذان عن رسول الله ﷺ على ثلاث كيفيات: الأولى: خمس عشرة جملة (تربيع التكبير، وتثنية بقية الألفاظ، ما عدا كلمة التوحيد الأخيرة فإنها منفردة): وهذه الكيفية ثابتة في حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة أطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس فقال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به للصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. فلما أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إن هذا رؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك. فقمت مع بلال فجعلت ألقنه عنه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر

стр. 280

ابن الخطاب ﵁ وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي أُرى، فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد (١). وبهذه الكيفية أخذ أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه (٢). الثانية: تسع عشرة جملة (كالسابقة مع زيادة الترجيع في الشهادتين): والترجيع هو: أن يخفض صوته بالشهادتين -مع إسماعه الحاضرين- ثم يعود فيرفع صوته بهما. وهذه الكيفية ثابتة في حديث أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله» ثم قال: «ارجع فامدد من صوتك» ثم قال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ...» الحديث (٣). وفي رواية عنه: «أن النبي ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة». وبهذه الكيفية أخذ الشافعي (٤). الثالثة: سبع عشرة جملة (كالسابقة لكن بتثنية التكبير في أوله لا تربيعه): وهي رواية أخرى لحديث أبي محذورة السابق: «أن نبي الله علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة -مرتين- حي على الفلاح -مرتين- الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» (٥). لكن هذه الرواية معلولة لا تصح، إنما الصحيح تربيع التكبير كما تقدم.

стр. 281

وبهذه الكيفية أخذ مالك وصَاحَبا أبي حنيفة (١). وقد رجَّح بعض العلماء تربيع التكبير (الكيفية الثالثة) في حديث أبي محذورة بأنها زيادة مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها، ولموافقتها لرواية «علمَّه الأذان تسع عشرة كلمة ...». ثم رجَّحوها على الكيفية الأولى (التي ليس فيها الترجيع) بأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث ابن زيد في أول الأمر، وبأن عمل أهل مكة والمدينة على الترجيع (٢). بينما ذهب آخرون إلى أن هذه الكيفيات كلها مباحة يخيَّر بين فعل أيٍّ منها، وهو قول أحمد (وإن اختار الأولى) وإسحاق، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، ولعلَّه أولى من الترجيح لأن القاعدة أن «العبادات الواردة على وجوه متنوعة فالأولى فعلها على هذه الوجوه» والله أعلم. التثويب في أذان الفجر: التثويب هو أن يقول المؤذن (الصلاة خير من النوم) مرتين بعد الحيعلتين (٤) في أذان الفجر، وهو سنة عند الجمهور (٥) لحديث أبي محذورة المتقدم وفيه: «... فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» وفي لفظ «في الأولى من الصبح» (٦). وقد ورد التثويب في الفجر من حديث بلال، وسعد القرظ، وأبي هريرة، وابن عمر، ونعيم النحام، وعائشة، وأبي محذورة، وفي أسانيدها مقال، وأفضلها الثلاثة الأخيرة، وهي بمجموعها تثبت مشروعية التثويب في أذان الفجر.

стр. 282

التثويب في الأذان الأول دون الثاني: الأحاديث المشار إليها آنفًا منها ما ذكر التثويب دون تحديد بكونه في الأذان الأول أو الثاني، ومنها ما نص على أنه في الأول، وليس فيها حديث واحد نص على أنه في الثاني، فدلَّ على أن مشروعية التثويب إنما هي الأذان الأول لأنه لإيقاظ النائم -كما تقدم- وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. ومعلوم أن النبي ﷺ كان له مؤذنان للفجر أحدهما بلال -وورد عنه التثويب- والثاني ابن أم مكتوم، وكان أذان بلال هو الأول ولم يَرد أن ابن أم مكتوم كان يثوب في أذانه، والله تعالى أعلم (١). فائدة: أجاز بعض الحنفية والشافعية التثويب في العشاء، قالوا: لأنها وقت غفلة ونوم كالفجر (!!) وأجاز بعض الشافعية التثويب في جميع الأوقات!! وهذه بدعة مخالفة للسنة، وقد أنكرها عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل يصلي في مسجد فسمع رجلاً يثوِّب في أذان الظهر فخرج، فقيل له: أين؟ فقال: «أخرجتني البدعة» (٢). المستحبات في الأذان: ١ - الأذان على طهارة: لعموم الأدلة على استحباب ذكر الله على طهارة -وقد تقدمت في الوضوء- وقد رُوي حديث: «لا يؤذن إلا متوضئ» ولا يصح. فإذا أذَّن وهو محدث الحدث الأصغر أجزأ عند جميع الفقهاء، وكذلك إن كان جنبًا على الصحيح لعدم الدليل على المنع ولأن الجنب ليس بنجس، وقد منعه أحمد وإسحاق (٣). ٢ - الأذان قائمًا: لم يختلف أهل العلم في أن من السنة أن يؤذن وهو قائم إلا من علة، فإن كانت به علة فله أن يؤذن جالسًا، وكره مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي الأذان قاعدًا مطلقًا (٤).

стр. 283

وقد تقدم في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قُم يا بلا فنادِ بالصلاة» (١). وفي حديث عبد الله بن زيد: «رأيت في المنام كأن رجلاً قائمًا ... فأذن مثنى وأقام مثنى» (٢). ٣ - استقبال القبلة: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن تُستقبل القبلة بالأذان (٣)، وقد رُوي فيه أحاديث فيها مقال منها ما في بعض روايات حديث ابن زيد أن الملك الذي رآه يؤذن استقبل القبلة (٤). ٤ - إدخال إصبعيه في أذنيه: لحديث أبي جحيفة قال: «رأيت بلالاً يؤذن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه» (٥). ٥ - جمع المؤذن بين كل تكبيرتين: لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله ... الحديث» (٦) وسيأتي بتمامه، ففيه إشارة ظاهرة إلى أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين، وأن السامع يجيبه كذلك (٧)، لا كما يفعله بعض المؤذنين من إفراد كل تكبيرة من الأربع بِنَفَس (!!) ٦ - الالتفات بالرأس يمينًا عند قوله: حي على الصلاة، ويسارًا عند قوله: حي على الفلاح: لحديث أبي جحيفة «أنه رأى بلالاً يؤذن، قال: «فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان» (٨). فيسنُّ أن يلتفت برأسه، وبدنُه مستقبل القبلة، وبه قال الجمهور

стр. 284

خلافًا لمالك فقد أنكره!! وقيَّده أحمد وإسحاق بمن يؤذن على المنارة يريد أن يسمع الناس (١). ٧ - التثويب في الأذان الأول للفجر: وقد تقدم الكلام عليه. ما يستحب لمن سمع الأذان: ١ - الترديد سرًّا خلف المؤذن: فعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٢). فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة، وحي على الفلاح، فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة» (٣). وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص الحيعلتين بهذا الحديث من عموم حديث أبي سعيد المتقدم، ولأن الحيعلتين خطاب، فإعادته عبث. إذا قال المؤذن (الصلاة خير من النوم) بم يجيب؟ يجيب السامع بقوله: (الصلاة خير من النوم) على عموم حديث أبي سعيد المتقدم، وأما قو لبعضهم: (صدقت وبررت) فلا يثبت فيه حديث صحيح، فلا يجوز التعبد به، والله أعلم. فائدة: يكفي في إجابة المؤذين بالشهادتين أن يقول: (وأنا) أو (وأنا أشهد) ونحو ذل لحديث سهل بن حنيف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵁ وهو جالس على المنبر، أَذَّن المؤذن، قال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: قال: الله أكبر الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين قال: «أيها الناس إني سمعت

стр. 285

رسول الله ﷺ على هذا المجلس -حين أذن المؤذن- يقول ما سمعتم مني من مقالتي (١). ٢ - الصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة له بعد فراغ المؤذن: فعن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلَّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاة، صلى الله بها عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، فأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (٢). وعن جابر قال: قال النبي ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يومَ القيامة» (٣). ٣ - الشهادة بالوحدانية والرسالة والرضا بالله ورسوله وبدينه: فعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمجمد ﷺ رسولاً، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). ٤ - الدعاء بين الأذان والإقامة: لأن الدعاء حينئذ مستجاب، فعن أنس أن النبي ﷺ قال: «الدعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة [فادعوا]» (٥). وعن عبد الله بن عمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : «قل كما يقولون، فإذا انتهيت، فَسَلْ تُعْطَهْ» (٦). النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان: فعي أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام
следующие страницы →