← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وبهذه الكيفية أخذ مالك وصَاحَبا أبي حنيفة (١). وقد رجَّح بعض العلماء تربيع التكبير (الكيفية الثالثة) في حديث أبي محذورة بأنها زيادة مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها، ولموافقتها لرواية «علمَّه الأذان تسع عشرة كلمة ...». ثم رجَّحوها على الكيفية الأولى (التي ليس فيها الترجيع) بأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث ابن زيد في أول الأمر، وبأن عمل أهل مكة والمدينة على الترجيع (٢). بينما ذهب آخرون إلى أن هذه الكيفيات كلها مباحة يخيَّر بين فعل أيٍّ منها، وهو قول أحمد (وإن اختار الأولى) وإسحاق، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، ولعلَّه أولى من الترجيح لأن القاعدة أن «العبادات الواردة على وجوه متنوعة فالأولى فعلها على هذه الوجوه» والله أعلم. التثويب في أذان الفجر: التثويب هو أن يقول المؤذن (الصلاة خير من النوم) مرتين بعد الحيعلتين (٤) في أذان الفجر، وهو سنة عند الجمهور (٥) لحديث أبي محذورة المتقدم وفيه: «... فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» وفي لفظ «في الأولى من الصبح» (٦). وقد ورد التثويب في الفجر من حديث بلال، وسعد القرظ، وأبي هريرة، وابن عمر، ونعيم النحام، وعائشة، وأبي محذورة، وفي أسانيدها مقال، وأفضلها الثلاثة الأخيرة، وهي بمجموعها تثبت مشروعية التثويب في أذان الفجر.

стр. 282

التثويب في الأذان الأول دون الثاني: الأحاديث المشار إليها آنفًا منها ما ذكر التثويب دون تحديد بكونه في الأذان الأول أو الثاني، ومنها ما نص على أنه في الأول، وليس فيها حديث واحد نص على أنه في الثاني، فدلَّ على أن مشروعية التثويب إنما هي الأذان الأول لأنه لإيقاظ النائم -كما تقدم- وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. ومعلوم أن النبي ﷺ كان له مؤذنان للفجر أحدهما بلال -وورد عنه التثويب- والثاني ابن أم مكتوم، وكان أذان بلال هو الأول ولم يَرد أن ابن أم مكتوم كان يثوب في أذانه، والله تعالى أعلم (١). فائدة: أجاز بعض الحنفية والشافعية التثويب في العشاء، قالوا: لأنها وقت غفلة ونوم كالفجر (!!) وأجاز بعض الشافعية التثويب في جميع الأوقات!! وهذه بدعة مخالفة للسنة، وقد أنكرها عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل يصلي في مسجد فسمع رجلاً يثوِّب في أذان الظهر فخرج، فقيل له: أين؟ فقال: «أخرجتني البدعة» (٢). المستحبات في الأذان: ١ - الأذان على طهارة: لعموم الأدلة على استحباب ذكر الله على طهارة -وقد تقدمت في الوضوء- وقد رُوي حديث: «لا يؤذن إلا متوضئ» ولا يصح. فإذا أذَّن وهو محدث الحدث الأصغر أجزأ عند جميع الفقهاء، وكذلك إن كان جنبًا على الصحيح لعدم الدليل على المنع ولأن الجنب ليس بنجس، وقد منعه أحمد وإسحاق (٣). ٢ - الأذان قائمًا: لم يختلف أهل العلم في أن من السنة أن يؤذن وهو قائم إلا من علة، فإن كانت به علة فله أن يؤذن جالسًا، وكره مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي الأذان قاعدًا مطلقًا (٤).

стр. 283

وقد تقدم في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قُم يا بلا فنادِ بالصلاة» (١). وفي حديث عبد الله بن زيد: «رأيت في المنام كأن رجلاً قائمًا ... فأذن مثنى وأقام مثنى» (٢). ٣ - استقبال القبلة: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن تُستقبل القبلة بالأذان (٣)، وقد رُوي فيه أحاديث فيها مقال منها ما في بعض روايات حديث ابن زيد أن الملك الذي رآه يؤذن استقبل القبلة (٤). ٤ - إدخال إصبعيه في أذنيه: لحديث أبي جحيفة قال: «رأيت بلالاً يؤذن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه» (٥). ٥ - جمع المؤذن بين كل تكبيرتين: لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله ... الحديث» (٦) وسيأتي بتمامه، ففيه إشارة ظاهرة إلى أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين، وأن السامع يجيبه كذلك (٧)، لا كما يفعله بعض المؤذنين من إفراد كل تكبيرة من الأربع بِنَفَس (!!) ٦ - الالتفات بالرأس يمينًا عند قوله: حي على الصلاة، ويسارًا عند قوله: حي على الفلاح: لحديث أبي جحيفة «أنه رأى بلالاً يؤذن، قال: «فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان» (٨). فيسنُّ أن يلتفت برأسه، وبدنُه مستقبل القبلة، وبه قال الجمهور

стр. 284

خلافًا لمالك فقد أنكره!! وقيَّده أحمد وإسحاق بمن يؤذن على المنارة يريد أن يسمع الناس (١). ٧ - التثويب في الأذان الأول للفجر: وقد تقدم الكلام عليه. ما يستحب لمن سمع الأذان: ١ - الترديد سرًّا خلف المؤذن: فعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٢). فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة، وحي على الفلاح، فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة» (٣). وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص الحيعلتين بهذا الحديث من عموم حديث أبي سعيد المتقدم، ولأن الحيعلتين خطاب، فإعادته عبث. إذا قال المؤذن (الصلاة خير من النوم) بم يجيب؟ يجيب السامع بقوله: (الصلاة خير من النوم) على عموم حديث أبي سعيد المتقدم، وأما قو لبعضهم: (صدقت وبررت) فلا يثبت فيه حديث صحيح، فلا يجوز التعبد به، والله أعلم. فائدة: يكفي في إجابة المؤذين بالشهادتين أن يقول: (وأنا) أو (وأنا أشهد) ونحو ذل لحديث سهل بن حنيف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵁ وهو جالس على المنبر، أَذَّن المؤذن، قال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: قال: الله أكبر الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين قال: «أيها الناس إني سمعت

стр. 285

رسول الله ﷺ على هذا المجلس -حين أذن المؤذن- يقول ما سمعتم مني من مقالتي (١). ٢ - الصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة له بعد فراغ المؤذن: فعن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلَّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاة، صلى الله بها عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، فأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (٢). وعن جابر قال: قال النبي ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يومَ القيامة» (٣). ٣ - الشهادة بالوحدانية والرسالة والرضا بالله ورسوله وبدينه: فعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمجمد ﷺ رسولاً، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). ٤ - الدعاء بين الأذان والإقامة: لأن الدعاء حينئذ مستجاب، فعن أنس أن النبي ﷺ قال: «الدعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة [فادعوا]» (٥). وعن عبد الله بن عمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : «قل كما يقولون، فإذا انتهيت، فَسَلْ تُعْطَهْ» (٦). النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان: فعي أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام

стр. 286

رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (١). قال النووي: «فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر» (٢) اهـ. قلت: ولا يخرج إلا لضرورة كالوضوء أو الغسل ونحوه، وقد خرج النبي ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة وعدِّلت الصفوف فاغتسل ثم رجع، وسيأتي في «الإقامة»، قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٤٣): يلحق بالجنب: المحدث والراعف والحاقن ونحوهم، وكذا من يكون إمامًا لمسجد آخر ومن في معناه. اهـ. بعض الأخطاء والبدع فيما يتعلق بالأذان (٣): الأذان عبادة، فالأصل فيه التوقيف على النص ومورده، فلا يشرع فيه إلا ما شرعه الله ورسوله، وقد فشت في مجتمعاتنا كثير من المخالفات والأخطاء فيما يتعلق بالأذان، وأذكر من ذلك على سبيل الاختصار. (أ) من أخطاء المؤذنين: ١ - التمطيط والتطريب والتلحين الزائد في الأذان. ٢ - زيادة لفظة (سيدنا) عند الشهادة في الأذان. ٣ - التسابيح والتواشيح ونحو ذلك قبل الأذان. ٤ - الجهر بالصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان. ٥ - عدم الالتزام بسنن الأذان التي تقدم ذكرها. ٦ - ترك الأذان الأول للفجر، وترك التثويب فيه. (ب) من أخطاء مستمعي الأذان: ١ - عدم الالتزام بالسنن التي تقدم ذكرها. ٢ - قولهم: (الله أعظم والعزة لله) عند سماع التكبير. ٣ - إقسام بعضهم بحق الأذان.

стр. 287

٤ - زيادة بعضهم (والدرجة العالية الرفيعة) و (إنك لا تخلف الميعاد) في الدعاء بعد الأذان. ٥ - قولهم: لا إله إلا الله، إذا كبَّر المؤذن التكبير الأخير، فيسبقون بهذا المؤذن. (جـ) من الأخطاء عند إقامة الصلاة: ١ - عدم إجابة المقيم. ٢ - قولهم (أقامها الله وأدامها) عند قول المقيم: قد قامت الصلاة. ٣ - قولهم بعد الإقامة: (اللهم أحسن وقوفنا بين يديك). ثانيًا: الإقامة تعريفها: تقدم أن الإقامة: إعلام بالقيام إلى الصلاة، بألفاظ مأثورة على صفة مخصوصة. صفة الإقامة: الثابت عن النبي ﷺ في صفة الإقامة كيفيتان: الأولى: إحدى عشرة جملة: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله). وهذه الكيفية هي الواردة في حديث عبد الله بن زيد الذي تقدم في الأذان، وعليها يُحمل ما ثبت عن أنس قال: «أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» (١). لأن بلالاً إنما كان يؤذن على ما علَّمه عبد الله بن زيد، وعلى هذا جماهير أهل العلم من السلف والخلف. الثانية: سبع عشرة جملة: (الله أكبر أربعًا، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، قد قامت الصلاة مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله). وهذه الكيفية ثابتة في حديث أبي محذورة المتقدم في الأذان. ومن ألزم نفسه -في الأذان- بحديث ابن زيد لزمه أن يلتزم في الإقامة

стр. 288

بالكيفية الأولى، ومن ألزمها بحديث أبي محذورة لزمه الثانية، ومن رأى التخيير فهو كذلك في الإقامة، وهو الأَوْلى، والله أعلم. هل يلزم أن يقيم من أذَّن؟ الأَوْلى أن يقيم من أذَّن، لأن بلالاً ﵁ كان يتولى الأذان والإقامة -كما سيأتي- وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، ولو أذَّن رجل وأقام آخر فهو جائز، وأما حديث زيد الصدائي مرفوعًا: «يقيم أخو الصداء، فإن من أذَّن فهو يقيم» (١) فلا يصح وكذلك حديث عبد الله بن زيد أنه أقام بعد أن أذَّن بلال (٢) ضعيف. هل يردد خلف من يُقيم؟ يُشرع لمن سمع الإقامة أن يقول مثلما يقول المقيم، لعموم قوله ﷺ : «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثلما يقول المؤذن» (٣) والإقامة نداء وأذان، كما قال ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» (٤) يعني: الأذان والإقامة. وقيل: لا يشرع الإجابة إلا في الأذان، قلت: والأمل أرجح والأمر واسع. ماذا يقول إذا قال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة؟ السنة أن يقول كما سمع (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) لعموم الحديث المتقدم، وأما ما يُروى من أنه يقول: «أقامها الله وأدامها» (٥) فلا يثبت الحديث فيه. متى يقيم الصلاة؟ ١ - الأصل أن لا يقيم إلا إذا رأى الإمام، فعن جابر بن سمرة ﵁، قال: «كان بلال يؤذِّن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حتى يراه» (٦). ٢ - ويشرع أحيانًا أن يقيم قبل أن يخرج الإمام، إذا رآه من بعيد أو علم بقرب خروجه كما في حديث أبي هريرة «أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهَّم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه» (٧).

стр. 289

متى يقوم الناس للصلاة؟ ١ - إذا لم يكن الإمام معهم في المسجد، فالسنة ألا يقوموا حتى يروه، أقام المؤذن أو لم يقم، وهذا قول الجمهور، لحديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني» (١). ٢ - إذا كان الإمام معهم في المسجد: فذهب الشافعي والأكثرون أنهم لا يقومون إلا بعد الفراغ من الإقامة، وقال مالك: إذا اخذ في الإقامة، وقال أحم: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وقال أبو حنيفة: يقومون إذا قال: حي على الصلاة (٢). قلت: والذي يظهر لي أنهم يقومون إذا رأوا الإمام قد قام، فإن قيام الإمام إلى مقامه في معنى خروجه على المصلين، وقد قال ﷺ : «فلا تقوموا حتى تروني» والله أعلم. تنبيه: رأى بعض الفضلاء المعاصرين أنه لا يشرع الإقامة للصلاة باستعمال مكبِّر الصوت وإسماع من في خارج المسجد!! وعزا هذا القول إلى العلامة الألباني، ﵀. قلت: لعل مستند هذا القول أن المقصود من الإقامة الإعلام بالدخول في الصلاة والإحرام بها، وليس الإعلام للصلاة والتهيؤ لها والدعاء إليها كما في الأذان، ومع هذا فليس هناك ما يمنع من إسماع الإقامة لمن في الخارج، بل قد ثبت عن ابن عمر: «أنه قد سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع إلى المسجد» (٣). شروط صحة الصلاة الشرط هو: ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة مثلًا فإن عدمها يلزم منه عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من طهارته وجوب الصلاة، ومن شروط الصلاة التي لا تصح إلا بها -مع القدرة ما يأتي: [١] العلم بدخول الوقت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (٤).

стр. 290

وقد حددت السُّنة مواقيت الصلوات -كما تقدم-، والصلاة عبادة مؤقتة بوقت محدد الطرفين، فلا يصح فعلها قبل وقتها -بالإجماع- ولا يصح فعلها بعد وقتها إلا لعذر على الراجح كما تقدم تحريره. وقد اتفق الفقهاء على أنه يكفي في العلم بدخول الوقت غلبة الظن (١). [٢] الطهارة من الحَدَثَيْن مع القدرة: وهي شرط لصحة الصلاة لما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٤). ٤ - حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٥). وهما صريحان في الشرطية، ولا تصح الصلاة إلا بتحقيق الطهارة من الحدث، إلا من أصحاب الأعذار الشرعية كصاحب سلس البول وتفلت الريح والمستحاضة فهؤلاء يصلون وإن أحدثوا في الصلاة، وكذلك فاقد الطهورين (الماء والتراب) كالمسجون ونحوه فإنه يصلي على حالته. والله أعلم. هل يشترط الطهارة من النجس في البدن والثوب والمكان؟ أما البدن: فيجب تطهيره من النجاسة لما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٦). وإذا وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى.

стр. 291

٢ - أحاديث الاستنجاء والاستجمار -التي تقدمت في «الطهارة» - تدل على وجوب تطهير البدن من النجاسة. ٣ - أمر النبي ﷺ بغسل الذكر من المذي. ٤ - أمر النبي ﷺ بالاستتار من البول، وإخباره عن الرجلين اللذين يعذبان في قبرهما أن أحدهما كان لا يستتر (أو يستنزه) من البول. وكل هذه الأدلة تقدمت في «كتاب الطهارة». وأما الثوب فيجب تطهيره واجتناب النجاسة فيه، لما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١). ٢ - قوله ﷺ في الثوب يصيبه دم الحيض: «تحتُّه، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه» (٢). خلعُ النبي ﷺ نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل بأن فيهما خبثًا (٣)، يدل على وجوب التخلي من النجاسة حال الصلاة في الثوب. وأما المكان: فيجب تطهير المكان الذي يصلى فيه، لما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤). ٢ - أمر النبي ﷺ بإهراق ذنوب من ماء على بول الأعرابي في المسجد (٥). قلت: (أبو مالك): ولأهل العلم تجاه هذه النصوص السابقة مسلكان: الأول: عند الصلاة، وأنه إذا صلَّى مباشرًا للنجاسة أو حاملاً لها أو ملاقيًا لها فهو آثم لكن صلاته صحيحة، لأن هذه النصوص ليس فيها ما يفيد نفي ذات الصلاة أو صحتها، بخلاف الطهارة من الحدث، ولا يستلزم الواجب أن يكون شرطًا (٦).

стр. 292

الثاني: أن هذه النصوص فيها الأمر باجتناب النجاسة، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي الفساد، فاستدل بذلك على الشرطية، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء (١). والذي يظهر: القول الأول، نعم يصح الاستدلال على الشرطية بالنهي الذي يدل على الفساد المرادف للبطلان، لكن هذا إذا كان النهي عن ذلك الشيء لذاته أو لجزئه، لا لأمر خارج عنه، والنهي هنا خارج عن جنس الصلاة كما لا يخفى، والله أعلم. من صلَّى وعليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة، هل يعيدها؟ (٢). اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: صلاته باطلة، وعليه الإعادة إذا علم بالنجاسة في الوقت، ولا إعادة بعد الوقت: وهو مذهب ربيعة ومالك والحسن (٣). الثاني: صلاته باطلة، وعليه الإعادة ولو بعد الوقت: وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد (٤). قالوا: لأنه فقد شرطًا من شروط صحة الصلاة فبطلت ولزمه الإعادة. الثالث: صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه: وبه قال ابن عمر وعطاء وابن المسيب ومجاهد وأبو ثور وإسحاق والشعبي والنخعي والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر (٥) وحجتهم: ١ - أنه لم يعلم بالنجاسة، وقد قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (٦). وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: «قد فعلت» (٧).

стр. 293

٢ - حديث أبي سعيد في قصة خلع النبي ﷺ نعليه لما أخبره جبريل أن فيهما أذى، فإنه ﷺ لم يكن يعلم بوجود الأذى وقد أتم صلاته، ولو كانت باطلة لاستأنفها من أولها. قلت: لو قلنا باشتراط اجتناب النجاسة فيلزمنا القول ببطلان الصلاة وإلا فيلزم منه أن من تذكر أنه صلى صلاة بغير وضوء أنه لا يعيدها!! وهم لا يقولون بهاذ، ففيه هدم للقواعد التي منها أن الشروط والأركان لا تسقط بالنسيان. وأما حديث خلع النعلين فهو دليل لنا على عدم اشتراط اجتناب النجاسة في الصلاة، فهو يقوى ترجيحنا للوجوب دون الشرطية والله أعلم. الأماكن المنهي عن الصلاة فيها: الأصل أن الأرض كلها مسجد، تجوز الصلاة في أي بقعة منها، لقول النبي ﷺ : «فَضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ: .. وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا ...» (١). لكن يستثنى من هذا العموم أماكن قد ثبت النص بالنهي عن الصلاة فيها، ومن ذلك: ١ - مبارك الإبل (معاطنها): هي المواضع التي تقف فيها الإبل عند ورودها الماء وتبرك، والتي تأوي إليها وتبيت فيها، وعن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (٢). وأقرب ما يقال في علة النهي، قوله ﷺ : «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» (٣) فلا يبعد أن تصحبها الشياطين وتكون مباركها مأوى للشياطين فمنعت الصلاة فيها لأجل ذلك، كما امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة في المكان الذي غفلوا فيه عن صلاة الصبح، وعلل ذلك بقوله: «ذلك مكان حضرَنا فيه الشيطان» (٤). ٢ - المقبرة: فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» (٥).

стр. 294

وعن أبي مرثد أن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلَّوا إليها» (١). وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) فكأن العلَّة في النهي عن الصلاة في المقبرة سد ذريعة عبادة القبور أو التشبه بالكفار. ويستوي في هذا أن تكون مقبرة مسلمين أو مقبرة كفار، فإذا نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازة الصلاة فيها. ويستثنى من النهي: الصلاة على الجنازة بعد دفنها -لمن لم يصلِّ عليها قبل- لحديث ابن عباس «أن رسول الله ﷺ صلَّى على قبر بعد ما دفن فكبَّر عليه أربعًا» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سأل عمن كان يَقُمُّ المسجد، فقالوا: مات يا رسول الله، قال: «أفلا آذنتموني؟» فقالوا: إنه كان كذا وكذا -قصته- قال: فحقروا شأنه، قال: «فدلوني على قبره» فأتى قبره فصلى عليه (٤) وفيه مشروعية الصلاة على القبر خلاف وقد أجازها الجمهور، ومنعها مالك وأبو حنيفة وسيأتي في «الجنائز». ٣ - الحمَّام: وهو مكان الاغتسال -لا مكان قضاء الحاجة كما يطلق عليه العوام- ولا تجوز الصلاة فيه لحديث أبي سعيد المتقدم «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». ومكان قضاء الحاجة: ويسمى الحُشَّ والكنيف والمرحاض، ولا تجوز الصلاة فيه كذلك، لنجاسته ولأنه مأوى الشياطين: فعن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه الحُشوش محتضَرَة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث» (٥). هل تجوز الصلاة فوق البلاعة (بيارة الصرف)؟ الصحيح أن سطح البلاعة ليس تابعًا لها، ولا يدخل في مسمىَّ (الحُش) فيجوز الصلاة فوقها ما لم يكن على سطحها نجاسة، والله أعلم.

стр. 295

ما حكم الصلاة في الثوب المغصوب أو المُحَرَّم والأرض المغصوبة؟ لأهل العلم في هذه المسألة ونظائرها قولان: الأول: لا تصح الصلاة: وهو المشهور من مذهب أحمد وابن حزم واختاره شيخ الإسلام (١) وحجتهم: ١ - ما رُوى عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم تقبل له صلاة ما دام عليه» (٢) وهو ضعيف. ٢ - أن اللباس متعلق بركن العبادة وشرطها فيؤثر فيها، بخلاف ما إذا كان أجنبيًّا عنها، فإنه لا يؤثر كما فيمن توضأ من آنية الذهب، فالإناء أجنبي عن الصلاة فلا يؤثر فيها. الثاني: تصح صلاته، وإن أثم بلبسه: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (٣) وهو الراجح لأن النص لم يأت بالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب أو المحرَّم وإنما أتى في النهي عن الغصب وعن اللبس مطلقًا فتصح الصلاة ويثبت الإثم وتسمى هذه «قاعدة انفكاك الجهة» (٤) وأما الحديث الذي استدلوا به فلا يصح، على أن نفس القبول لا يستلزم نفي الصحة. قلت: وربما يؤيد ما رجَّحناه حديث عقبة بن عامر قال: «أُهدى إلى رسول الله ﷺ فرُّوج حرير فلبسهُ، ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعهُ نزعًا عنيفًا شديدًا كالكاره لهُ، ثم قال «لا ينبغي هذا للمتقين» (٥) فقد كان النبي ﷺ لبسه قبل التحريم ثم أخبره جبريل بتحريم الحرير (كما في رواية مسلم عن جابر) في الصلاة وخارجها، ولم يُعِد النبي ﷺ الصلاة. [٣] ستر العورة، مع القدرة: اتفق أهل العلم -إلا نَزْرًا يسيرًا- على أن ستره العورة شرط لصحة الصلاة لمن قدر على ذلك لما يأتي:

стр. 296

١ - قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) أي: استروا عوراتكم إذا أردتم الصلاة، فإنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة فنزلت الآية (كما في صحيح مسلم). ٢ - حديث سلمة بن الأكوع قال: قلت يا رسول الله، إنا نكون في الصيد، أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وليَزرُرْهُ ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة» (٢). ٣ - حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الصلاة صلاة حائض إلا بخمار» (٣). ٤ - حديث جابر في قصة صلاته إلى جانب النبي ﷺ مشتملاً بثوب، وفيه قال ﷺ : «فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِر به» (٤) فلا يجزئ أقل من الائتزار (ستر أسفل البدن) فدلَّ على وجوب ستر العورة في الصلاة، وهو نهي عن ضده فيقتضي الفساد، فكان فيه معنى الشرطية عند الجمهور. ٥ - حكى ابن عبد البر الإجماع على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو قادر على الاستتار، وكذا نقل شيخ الإسلام، وإن كان قد نقُل عن بعض المالكية أنه لا تبطل الصلاة بترك ستر العورة، وكذا اختار الشوكاني أنه واجب على قاعدته التي تقدمت في اشتراط طهارة الثوب والبدن والمكان (٥)، والذي يظهر لي أن الأمر هنا يختلف لمن أمعن النظر. ٦ - أن ستر العورة حال القيام بين يدي الله تعالى من باب التعظيم (٦).

стр. 297

ما يجب ستره في الصلاة: ليُعلم ابتداءً أن التحقيق (١): أنه لا ارتباط بين عورة النظر والعورة في الصلاة لا طردًا ولا عكسًا، بل إن مصطلح (ستر العورة) الذي يعتبره الفقهاء شرطًا في صحة الصلاة، ليس من ألفاظ رسول الله ﷺ ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة، بل قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). وعورة النظر إنما هي لأجل الشهوة، وأما أخذ الزينة في الصلاة فلحق الله تعالى، فليس لأحد أن يطوف بالبيت أو يصلي عريانًا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع وهذا نوع. وحينئذ فقد يستر المصلى في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدى في الصلاة ما يسترهُ عن الغير: فالأول: مثل المنكبين، فقد «نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» (٣) فهذا لحَقِّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، وكذلك المرأة تختمر في الصلاة، وهي لا تختمر عند زوجها ولا ذوي محارمها. وعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على [أصح] القولين، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها إبداء الوجه والكفين في الصلاة عند الجمهور، فكذلك القدم عند أبي حنيفة، وهو الأقوى .. ، إذا عُلِم هذا فنقول: ما يجب أن يستره الرجل في صلاته: - «نهى النبي ﷺ أن يطوف بالبيت عريانًا» (٤) فالصلاة أولى. - وقال في الثوب الواحد: «إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به» (٥) فلم يجزئ أقل من الاتزار وهو ستر أسفل البدن. - وقال ﷺ : «ما بين السُّرة والركبة عورة» (٦).

стр. 298

وعن بريدة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء» (١) فدلَّ على وجوب ستر القسم الأعلى من البدن في الصلاة. - و «نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء» (٢). فدلَّ هذا على أن الرجل يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ وغيره حتى على القول بان الفخر ليس بعورة وأن العورة القبل والدبر فقط (وهذا مرجوح كما سيأتي في موضعه ولو صلى وحده في بيته ولم يره أحد لزمه ذلك. وأما من بنى على أن العورة السوأتان [على إحدى الروايتين عن أحمد، وابن حزم] أنه يجوز الصلاة كاشفًا فخذيه، فقد غلظ ولم يقل به أحمد ﵀ كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين، فكيف يبيح له كشف الفخذين؟! والحاصل أن الرجل مأمور -في الصلاة- بستر بدنه من الكتفين حتى الركبتين، إلا أن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا ضيقًا فله أن يتزر به ويكشف أعلى بدنه كما في حديث جابر المتقدم. فائدة: يجب ستر ما يلزم ستره في الصلاة بثوب لا يصف البشرة، بمعنى لا يصف لونها من بياض أو حمرة أو سواد، وأما إذا كان كثيفًا لكنه ضيق يصف حجم العض لا لونه، فيكره وصلاته صحيحة (٣). ما يجب أن تستره المرأة في الصلاة (٤): ١ - إذا صلت بحضرة الأجانب فعليها أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين عند الجمهور (٥). ٢ - إذا ظهر منها شيء -مما يجب ستره- بحضرة الأجانب فهي آثمة لكن لا تبطل صلاتها -على الصحيح من أقوال العلماء- إذا لا دليل على بطلان الصلاة بذلك.

стр. 299

٣ - أما إذا كانت المرأة تصلي منفردة أو يحضرها الزوج أو المحارم فإنه: يجوز لها كشف وجهها وكفيها في الصلاة وهو قول أكثر العلماء. وبالنسبة لشعر المرأة في الصلاة، فقد ورد حديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) وهو وإن كان ضعيفًا، إلا أن الترمذي قال عقبه: «والعمل عليه عند أهل العلم: أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها، وهو قول الشافعي، قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف» اهـ. (لكن إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها فصلاتها صحيحة وليس عليها الإعادة -عند كثير من العلماء- وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وإن انكشف شيء كثير أعادت الصلاة في الوقت عند عامة العلماء، الأئمة الأربعة وغيره) (٢). أما قدم المرأة في الصلاة: فقد ورد حديث أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها» لكنه ضعيف (٣). وقد قال الشافعي في «الأم» (١/ ٧٧): وكل المرأة عورة -يعني في الصلاة- إلا وجهها وكفيها وظهر قدميها ... اهـ. ونقل عنه الترمذي قوله: وقد قيل إن كان ظهر قدميها مكشوفًا فصلاتها جائزة. اهـ. وهذا مذهب أبي حنيفة كما نقله ابن تيمية في الفتاوى (٢٢/ ١٢٣). وذهب مالك وأحمد إلى أن المرأة عورة كلها بل قال أحمد: المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها. اهـ. قلت: والذي يترجح لي جواز الصلاة مع كشف ظاهر القدم في غير حضرة الأجانب وإن كان الأحوط سترهما والله أعلم. ٤ - يستحب أن تصلي المرأة في الثياب التي تستر بدنها، فما كان فيه زيادة في التستر فهو الأفضل.

стр. 300

ولذا قال الشافعي: قد اتفق عامتهم على الدرع والخمار (١)، وما زاد فهو خير وأستر، ولأنه إذا كان عليها جلباب فإنها تجافيه راكعة وساجدة لئلا تصف ثيابها فتبين عجيزتها ومواضع عورتها (٢). ٥ - أما المرأة إذا كانت أَمَةً (ليست حرة) فهي كالحرة إلا أنه يجوز لها أن تصلي كاشفة شعرها باتفاق العلماء إلا الحسن وعطاء. ٦ - البنت الصغيرة التي لم تحض لا يجب عليها الاختمار (تغطية الشعر) أثناء الصلاة، فعند عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ١١٣) بسند صحيح عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الجارية التي لم تحض وهي تصلي؟ قال: حسبها إزارها. فوائد: (أ) من انكشفت عورته في الصلاة بلا قصد، هل تبطل؟ ذهب الجمهور إلى أن مَن انكشف من عورته شيء في الصلاة -ولو بلا قصد- تبطل صلاته إذا لم يسترها في الحال، وقيده الحنفية بانكشاف ربع عضو، قدر أداء ركن (٣) (!!) بينما ذهب الحنابلة إلى أنه لا تبطل الصلاة بانكشاف عورته لزمن قصير، كما لو أطارت الريح ثوبه عن عورته، وكذلك لو بدا يسير من العورة ولو طال زمن الانكشاف (٤). لحديث عمرو بن سلمة قال: «انطلق أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه فعلمهم الصلاة، فقال: يؤمكم أقرؤكم، وكنت أقرأهم لما كانت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم وعليَّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت انكشفت عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصًا عمانيًّا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به» (٥) ولم يرد أن النبي ﷺ أنكر ذلك ولا أحد من الصحابة. قلت: وهذا هو الصحيح، لكن يجب عليه إذا علم بانكشاف عورته أن يواريها إن استطاع.

стр. 301

(ب) صلاة العاجز عن ستر العورة (١): لا تسقط الصلاة عمن لم يجد ما يستر به عورته بالاتفاق، واختلفوا في كيفية صلاته؟ فذهب الجمهور إلى أنه إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو ثوب حرير (للرجل) فيجب عليه لبسه، فإن لم يجد شيئًا: قالوا يصلي عريانًا لقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). ثم قال الحنفية والحنابلة: هو مخيَّر بين أن يصلي قاعدا أو قائمًا، واستحبوا أن يومئ في الركوع والسجود لأنه أستر، وقال المالكية والشافعية يجب أن يصلي قائمًا ولا يجوز الجلوس، وهل يعيد إذا وجد ما يستره؟ الصحيح أن لا يعيد كما قال الشافعية والحنابلة، والله أعلم. (جـ) التزين والتجمل للصلاة: يجوز الصلاة في ثوب واحد -كما تقدم- لكن يستحب أن يصلي المرء في أكثر من ثوب وأن يأخذ زينته ويتجمل ما أمكن لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزيَّن له ...» (٣). [٤] استقبال القبلة مع القدرة: وهو شرط لصحة الصلاة بإجماع (٤) العلماء، لما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥). ٢ - حديث ابن عمر قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة» (٦). ٣ - حديث المسيء صلاته المشهور، عن أبي هريرة:

стр. 302

أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ «وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل» فقال في الثانية أو في التي بعدها علمني يا رسول الله فقال «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تستوي قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا ثم ارفع حتى تستوي قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١). الاستقبال على وجهين: فالمصلى إما أن يكون مشاهدًا للكعبة أو لا: ١ - من كان مشاهدًا للكعبة: فالواجب أن يستقبل عينها بكل بدنه، ولا يجزئه -وهو في الحرم مشاهد للكعبة- أن يستقبل جزءًا من المسجد غير الكعبة. ٢ - من لم يكن مشاهدًا للكعبة: فالواجب عليه أن يستقبل جهتها لا عينها، لأن هذا غاية مقدوره، وقد قال النبي ﷺ : «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط، ولكن شرقوا أو غرِّبوا» (٢) فدلَّ على أن كل ما بين المشرق والمغرب يعتبر قبلة لأهل المدينة، وعليه يكون اتجاه القبلة لأهل مصر ما بين المشرق والجنوب. ويمكن الاستدلال على القبلة بالمحاريب التي في مساجد المسلمين، أو باستخدام (البوصلة) وغير ذلك. متى يسقط استقبال القبلة؟ قد علمت أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولكن يستثنى من ذلك حالات تصح فيها الصلاة بدون استقبال القبلة. [١] العاجز عن استقبال القبلة: كالمريض الذي لا يستطيع الحركة وليس معه من يوجهه للقبلة، فهو معذور لقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. [٢] من خفيت عليه القبلة فاجتهد، فصلى إلى غيرها: من خفيت عليه القبلة وجب عليه أن يسأل من يدلُّه، فإن لم يجد، اجتهد في تحديدها، فإن اجتهد وصلى ثم تبيَّن خطؤه أثناء الصلاة: وجب عليه أن يستدير إليها في الصلاة كما في حديث ابن عمر المتقدم قريبًا وفيه: «فاستداروا إلى الكعبة».

стр. 303

وإذا تبين خطؤه بعد فراغه من الصلاة فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه على الراجح، لحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) (٢). وهو مذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. [٣] عند شدة الخوف من عدو ونحوه: قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (٣). وفي حديث ابن عمر في صلاة الخوف: «... فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلَّوا على أقدامهم أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها» (٤). وقال ﷺ : «إذا اختلطوا، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس» (٥). [٤] في صلاة النافلة للراكب في السفر: فيجوز للمسافر أن يصلي النافلة وهو راكب دابته (السيارة أو الطائرة أو السفينة) ولا يلزمه استقبال القبلة إن تعذَّر عليه، فعن ابن عمر أنه كان يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيثما كان وجهه، وقال: «كان رسول الله ﷺ يسبح [يعني: يصلي] على الراحلة قِبل أي وجه توجَّه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» (٦). وعن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبِّح: يومئ برأسه قبل أي وجه توجَّه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» (٧). وعن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (٨).

стр. 304

لكن .. إن استطاع أن يبتدئ صلاته مستقبلاً القبلة ثم يتوجه مع راحلته حيث توجهت فهو أفضل، لما ورد «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع على ناقته استقبل بها القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجَّهه ركابه» (١). مسألة: إذا ركب المسافر السيارة -التي لا يقودها هو- بعد صلاة الظهر، وعلم أنه لا يصل إلا بعد المغرب، فهل له أن يصلي العصر في السيارة؟ أو يصليها مع المغرب؟ الأظهر أنه لابد أن يصلي العصر في وقته -في السيارة- ولو قائدًا ولو إلى غير القبلة، لأن الوقت هو آكد فروض الصلاة -كما تقدم- فيتقدَّم على اشتراط استقبال القبلة والله أعلم. [٥] النيَّة: النية: هي العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى، فلا تصح الصلاة بدونها بحال، ولا تسقط النية بحال، لأنها لا تسقط إلا بذهاب العقل، وحينئذ يسقط التكليف لأن العقل مناط التكليف. وقد انعقد الإجماع على اعتبار النية شرطًا في صحة الصلاة (٢)، والأصل فهيا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤). مما لا خلاف فيه: ١ - أن محل النية القلبُ دون اللسان في جميع العبادات التي منها الصلاة. ٢ - أنه لو تكلَّم بلسانه سهوًا بخلاف ما نوى في قلبه، كان الاعتبار بما نوى بقلبه، وذلك كمن قصد بقلبه الظهر، لكن جرى لسانه بالعصر سهوًا. ٣ - أنه لو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه، لم يجزئه ذلك. ٤ - أن «الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو

стр. 305

بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول ﷺ وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم ... وقائل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه ..» (١). يضاف إلى هذا ما في الجهر بالنية من التشويش على المصلين، وهو حرام. والتلفظ بالنية -ولو سرًّا- بدعة: قال شيخ الإسلام (٢): «لم ينقل مسلم -لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه- أنه قد تلفظ قبل التكبير بلفظ النية، لا سرًّا ولا جهرًا، ولا أنه أمر بذلك، ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان ذلك، وأنه يمتنع على أصل التواتر -عادة وشرعًا- كتمانُ نقل ذلك، فإذا لم ينقله أحد، عُلم قطعًا أنه لم يكن .... فزيادة هذا وأمثاله في صفة الصلاة بمنزلة سائر الزيادات المحدثة في العبادات، كمن زاد في العيدين الأذان والإقامة، ومن زاد في السعي صلاة ركعتين على المروة وأمثال ذلك» اهـ. ثم النية أيسر من أن يتلفظ بها، فمن قام ليتوضأ ثم خرج إلى المسجد عالمًا بمراده من ذلك فقد حقق النية، ولذا قال شيخ الإسلام: «النية تتبع العلم، فمن علم ما أراد فعله فقد نواه» (٣) إذ لا يمكن عمل بلا نية. تعيين الصلاة: ولابد في النية من تعيين الصلاة التي يصليها: هل هي فرض أم نافلة؟ وهل هي ظهر أو عصر؟ والمقصود استحضار هذا في القلب. موضع النية: ١ - لا خلاف بين العلماء أن النية إذا كانت مقارنة للتكبير -بأن أعقبها مباشرة- فهي مجزئة، بل هذا هو الأصل والأفضل. ٢ - لا خلاف بينهم في أن النية بعد التكبير لا تجزئ. ٣ - إذا نوى الصلاة ثم تشاغل ثم صلاها صحت صلاته -في أصح القولين- لأن نيَّته مستصحبة للحكم ما لم ينو فسخها (٤) والله أعلم. قلب النية وتغييرها أثناء الصلاة (٥): الانتقال من نية إلى نية في الصلاة له صور متعددة، ومن ذلك:

стр. 306

[١] من فرض إلى نفل مطلق: لا يجوز لمن يصلي الظهر -مثلًا- منفردًا ثم رأى جماعة قد حضروا أن يقلب فرضه نفلاً ثم يصلي معهم جماعة. [٢] من فرض إلى فرض آخر: فلا يجوز، ويبطل الفرضان، فالأول لأنه قطعه، والثاني لعدم النية قبل البدء فيه، وصورة هذا: أن يتذكر وهو يصلي العصر أنه لم يصلِّ الظهر، فلا يجوز أن يقلبها ظهرًا. [٣] من نفل إلى فرض: فلا يجوز كذلك للعلة السابقة. [٤] من نفل معين إلى نفل مطلق: يجوز، لأن النفل المعين يتضمن نية النفل المطلق، ومثاله: أن ينوي صلاة أربع ركعات سنة الظهر، ثم يرى الجماعة، فيقلبها ركعتين لإدراك الجماعة. [٥] من نفل معين إلى نفل معين: لا يجوز، كما لو نوى تحية المسجد، ثم قلبها -أثناء الصلاة- سنة الفجر، فبطل الأول بقطعه والثاني بعدم النية في أوله. [٦] من نفل مطلق إلى نفل معين: لا يصح لما سبق. [٧] من نية إمام إلى مأموم: فيجوز، لحديث عائشة في قصة صلاة أبي بكر بالناس وفيه: «فلما دخل [رسول الله ﷺ ] المسجد سمع أبو بكر حسَّه، ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» (١). [٨] من مؤتم بإمام إلى مؤتم بإمام آخر: فيجوز لحديث عائشة السابق، فقد كان الناس مؤتمين بأبي بكر ثم بالنبي ﷺ . وفي قصة مقتل عمر بن الخطاب ﵁ قدَّم عبد الرحمن بن عوف فأكمل بهم الصلاة (٢). [٩] من مأموم إلى إمام: فيجوز، كما إذا حدث للإمام عذر في الصلاة، فيستخلف أحد المأمومين لحديث عمر المتقدم. [١٠] من منفرد إلى إمام: فيجوز، كأن يصلي الرجل منفردًا فيأتي إليه آخر فيأتم به، فيكمل الصلاة به إمامًا: لحديث ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي فقام

стр. 307

النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأسني عن يمينه» (١). ولا فرق في هذا بين النفل والفرض على الصحيح. [١١] من إمام إلى منفرد: لا يجوز إلا لعذر، كأن يحدث للمأموم عذر فيترك الإمام وحده، فحينئذ يجوز وصلاته صحيحة. [١٢] من مأموم إلى منفرد: فقيل: يجوز لعذر شرعي كتطويل الإمام فوق السُّنَّة وكأن يطرأ على المأموم وجع ونحوه مما يحتاج معه إلى الانفراد والتخفيف والانصراف، ويستدل لهم بقصة الرجل الذي صلى خلف معاذ بن جبل فأطال القراءة فانفرد الرجل وصلى وحده وشكى إلى النبي ﷺ فلم يأمره بالإعادة (٢). وقيل: بل ليس له الانفراد وإنما إذا طرأ عليه شيء فله أن يقطع الصلاة ثم يصليها وحده، وأجابوا بأن الظاهر من حديث معاذ أن الرجل خرج من صلاته ثم صلاها وحده، كما في رواية مسلم (٤٦٥): «فانحرف رجل فسلَّم ثم صلى وحده». قلت: والأول أظهر (٣) -حتى على الرواية الأخيرة- ففعل الرجل لا يدل على عدم جواز الانفراد، ثم إن الذي يظهر لي أن الإمام والائتمام (الجماعة) وصف زائد على أصل الصلاة، فلا تأثير لنيَّتها في صحة الصلاة، وإن كانت قد تُؤثر في تحصيل ثواب الجماعة، كما يدل على هذا مجموع الأحاديث السابق ذكرها فيما يتعلق بنية الإمام والمأموم، والله تعالى أعلم. اختلاف نية الإمام والمأموم (٤): لا خلاف في مشروعية ائتمام المصلي بإمام مع توافقهما في النية، فرضًا كانت الصلاة أو سنة. ثم اختلف أهل العلم فيما إذا اختلفت نية الإمام والمأموم؟ والصحيح أنه لا يشترط أن توافق نية المأموم نية الإمام، وهو مذهب الشافعي وابن حزم (٥). والدليل على ذلك: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

стр. 308

قال ابن حزم: «فنصَّ ﵇ نصًّا جليًّا على أن لكل أحد ما نوى، فصحَّ يقينًا أن للإمام نيتَّه، ولا تعلق لإحداهما بالأخرى ...» اهـ. وأما حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه ...» (١) فالمراد به: لا تختلفوا عليه في الأفعال الظاهرة، بدليل قوله في الحديث نفسه: «.. فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين» فلا تعلَّق للحديث باختلاف النيات، ويدل على هذا اتفاق عامة أهل العلم على جواز ائتمام المتنفل بالمفترض مع اختلاف نيتهما -كما سيأتي- وكذلك سائر الأدلة التي تأتي في صور اختلاف النيَّتين، وهي: [١] صلاة المتنفل خلف المفترض: وهي جائزة عند عامة أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم لما يأتي: (أ) حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها فإن أَدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة» (٢). (ب) حديث يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف، إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عليَّ بهما»، فجيء بهما تَرْعُدُ فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلوا، إذا صلَّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة» (٣). [٢] صلاة المفترض خلف المتنفِّل: وهو جائز لما يلي: (أ) حديث جابر بن عبد الله: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» (٤) زاد بعضهم: «هي له تطوع ولهم فريضة» (٥).

стр. 309

قال الحافظ: واستُدلَّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفِّل، بناء على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل. اهـ. ثم استدل بالزيادة المشار إليها. قلت: ويدلُّ على ما ذكره الحافظ أنني وجدت في رواية الحديث الأخرى -في قصة الرجل الذي شكا معاذًا -قوله: «... وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة ... الحديث» (١) ففيه أن الصلاة التي صلاها معاذ مع رسول الله ﷺ فرض العشاء. (ب) حديث أبي بكرة قال: «صلى النبي ﷺ في خوف الظهر، فصفَّ بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فانطلق الذين صلَّوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصفوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا ولأصحابه ركعتين ركعتين» (٢). قال الشافعي في «الأم» (١/ ١٧٣): والآخرة من هاتين للنبي ﷺ نافلة، وللآخرين فريضة اهـ. وعلى هذا: فيجوز لمن أتى الجماعة وهم يصلون التراويح -ولم يكن صلى العشاء- أن يدخل معه بنيَّة العشاء، فإذا سلَّم الإمام من ركعتين قام فأتم صلاته منفردًا، أو قام لباقي صلاته فإذا قام الإمام إلى الركعتين بعدهما ائتم به ثم يسلم معه، والأُولى أَوْلى والله أعلم. [٣] صلاة المفترض خلف من يصلي فرضًا آخر: وهذا له ثلاث حالات: (أ) أن يكون عدد ركعات الفرضين متفقًا: كأن يصلي ظهرًا مقضية خلف من يصلي العصر أو العشاء، وهذا جائز لعموم ما تقدم. (ب) أن يكون عدد ركعات فرض المأموم أكثر من الإمام: كمن يصلي لظهر خلف صبح أو مغرب فجائز لما سبق من عدم وجوب اتفاق النيتين، وقياسًا على صلاة المسبوق والمقيم خلف من يقصر الصلاة.

стр. 310

(جـ) أن يكون عدد ركعات فرض المأموم أقل من الإمام: وهذا غير جائز، كمن يصلي الصبح خلف الظهر، أو المغرب خلف العشاء، لأنه هنا لابد له من مخالفة إمامه في الأفعال الظاهرة: إما بمفارقة إمامه لأجل أن يسلم أو لأجل انتظاره للتسليم معه، أو أنه يقوم مع إمامه ليحقق المتابعة، فيزيد في ركعات صلاته عمدًا وهذا يبطلها. لكن هل يقال: إنه ينتظر حتى يبقى للإمام من صلاته ما يساوي عدد ركعات فرضه فيدخل معه ويسلم معه؟ فهذا موضع نظر واجتهاد، والله تعالى أعلم. [٤] صلاة المتم خلف من يَقْصر: وهذا جائز، ويجب على المتم أن يأتي ببقية الصلاة بعد سلام إمامه، بلا خلاف بين أهل العلم. وقد روى عن عمران بن حصين ﵁ قال: «غزوتُ مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: يا أهل البلد: صلوا أربعًا، فإنا قوم سَفْر» (١) وهو ضعيف، إلا أن العمل عليه، لأن الصلاة تجب على المتم أربعًا، فلم يجز له ترك شيء من ركعاتها كما لو لم يأتم بمسافر. فائدة: لا تشترط نية القصر لمن أراد قصر الصلاة (٢): وهو قول عامة السلف، لأنه لم ينقل قطُّ أحد عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه، لا بنية قصر ولا نية جمع، ولا كان خلفاؤه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم، مع أن المأمورين -أو أكثرهم- لا يعرفون ما يفعله الإمام، فإن النبي ﷺ لما خرج في حجته، صلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين (٣)، وخلفه أمم لا يُحصى عددهم إلا الله، كلهم خرجوا يحجون معه، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر، إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، ولا سيما النساء. ومما يدل على أنه ﷺ كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر: حديث ذي اليدين أن النبي ﷺ سلَّم من ركعتين في صلاة الظهر أو العصر ناسيًا، فقال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» فقال: «لم أنس ولم تقصر» قال: بلى قد نسيت ...» (٤).

стр. 311

فلم يقل له: لو قصرت لأعلمتكم حتى تنووا القصر. قلت: وفائدة هذا أن المسافر إذا صلى خلف إمام ببلدة فرآه قصر الصلاة فله أن يسلم معه ولا يشترط أن يكون قد نوى القصر قبل الصلاة. [٥] صلاة من يقصر خلف المتم: وهذا جائز، لكن يُلزم المأموم حينئذ أن يتم صلاته أربعًا، حتى ولو كان اقتداؤه بإمامة لحظة: - فعن موسى بن سلمة قال: «كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ » (١). - وعن ابن عمر «أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين» (٢). - وعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم [يعني المقيمين] أتجزيه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: «يصلي بصلاتهم» (٣). لا يجوز الائتمام بمن يصلي صلاة يختلف فعلها عن فعل صلاته: كأن يصلي الظهر خلف من يصلي جنازة أو كسوفًا ونحوه، لأنه يفضي إلى مخالفة الإمام في الأفعال الظاهرة وهو لا يجوز. أركان الصلاة أركان الصلاة: أقوال وأفعال تتركب منها حقيقة الصلاة وماهيتها، فإذا تخلف واحد من هذه الأركان لم تتحقق الصلاة ولم يعتد بها شرعًا، ولا يُجبر بسجود السهو. ترك الركن في الصلاة (٤): من ترك الركن في الصلاة فلا يخلو من كونه: (أ) تركه عمدًا: من ترك ركنًا من أركان الصلاة عمدًا بطلت صلاته، ولم تصح بالاتفاق.

стр. 312

(ب) تركه سهوًا أو جهلاً: فإن أمكن تداركه والإتيان به وجب بالاتفاق، فإن لم يمكن تداركه فسدت صلاته عند الحنفية، وعند الجمهور: تُلغى الركعة التي ترك منها الركن فقط، إلا أن يكون نسي تكبيرة الإحرام، فإنه يستأنف من جديد لأنه لم يدخل في الصلاة أصلاً. وأركان الصلاة هي: [١] القيام في الفرض للقادر عليه: (أ) لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). (ب) وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب» (٢). (جـ) وقد أجمع العلماء على أن القيام ركن في صلاة الفرض لمن قدر على ذلك، وأجمعوا على أن المريض يسقط عنه القيام إذا لم يستطعه، فيصلي جالسًا، وكذلك يسقط القيام عمن يمكنه لكن يشق عليه مشقة شديدة أو يخشى به زيادة مرضه أو تباطؤ برئه: فعن أنس بن مالك قال: «سقط النبي ﷺ عن فرس فجُحِش (٣) شقُّه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًان فصلينا وراءه قعودًا» (٤). قال ابن قدامة: «والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية لكن لما شقَّ عليه القيام سقط عنه، فكذلك يسقط عن غيره» اهـ (٥). فوائد: (أ) تجوز صلاة النافلة على الراحلة في السفر مطلقًا سواء كان السفر طويلاً أم قصيرًا، ولا تجوز في الحضر وقد تقدم هذا في «شرط استقبال القبلة». (ب) تجوز صلاة النافلة جالسًا -ولو من غير عذر- لكن ثواب القائم أكبر، فصلاة القاعد أجرها على النصف من صلاة القائم:

стр. 313

فعن عمران بن حصين ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال ﷺ : «إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد» (١). قال الخطابي: المراد به: «المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده» اهـ. قال الحافظ (٢): «وهو حمل متجه» اهـ. قلت: ووجه هذا الحمل قوله (ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد) ولا تجوز الصلاة للمضطجع من غير عذر -عند الجمهور- ولو في نافلة، لأنه لا يعرف أن أحدًا قطُّ صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح، ولو كان هذا مشروعًا لفعله المسلمون على عهد نبيِّهم ﷺ أو بعده، ولفعله النبي ﷺ ولو مرةً لتبيين الجواز (٣). وقد قال أنس: «خرج رسول الله ﷺ على ناس وهم يصلُّون قعودًا [من مرضٍ] فقال: «إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» (٤). قلت: هكذا حمل الخطابي حديث عمران على صلاة الفريضة واستحسنه الحافظ، وحمله الأكثرون على صلاة النافلة، فاستوى فيه المعذور وغيره، لأنه يدل على أن القيام في النافلة ليس ركنًا بل مستحب ... ويؤيده أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة في السفر على راحلته دون الفريضة، وأما حديث أنس فلا معارضة فيه، لأن عموم إباحة الجلوس في النافلة لا تمنع ما كان فيه زيادة وصف المرض ولا يخصص به كما لا يخفى، والله أعلم. ويؤيد هذا العموم ما ثبت من أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة جالسًا كحديث عائشة: «أن النبي ﷺ لما بدَّن وثَقُل كان أكثر صلاته جالسًا» (٥) وكذا ما ثبت من أنه ﷺ كان يستفتح صلاة الليل قائمًا ثم يقعد، وسيأتي قريبًا.

стр. 314

فائدتان: الأولى: صلاة الجالس بعذر لا ينقص ثوابها: لأنه كان من عادته أن يصلي قائمًا وقد منعه المرض ونحوه فيكون له الأجر كاملاً لقوله ﷺ كما في البخاري (٢٩٩٦): «من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». الثانية: من خصائص النبي ﷺ أنه لا ينقص ثوابه إن صلى النافلة من غير عذر قاعدًا (١): لحديث عبد الله بن عمرو قال: حُديْثُ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة» قال: فأتيتُه فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: «ما لك يا عبد الله بن عمرو؟» قلت: حُدِّثتُ يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدًا! قال: «أجل، ولكني لست كأحد منكم» (٢). (جـ) يجوز أن يستفتح القراءة في النافلة قاعدًا ثم يقوم باتفاق العلماء، لحديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك» (٣). (د) ويجوز أن يستفتح النافلة قائمًا ثم يقعد: للحديث السابق. (هـ) صفة الجلوس: من صلى جالسًا فالأفضل أن يجلس على هيئة جلوسه للتشهد، ويفترش في حال القيام والركوع، لإطلاق حديثي عمران وعائشة المتقدمين، إذا المتبادر أن المراد بالجلوس: المعهود في الصلاة. وإن كان يجوز «التربُّع» في الصلاة لا سيما لأجل العذر، فقد جاء هذا عن النبي ﷺ (٤) وعن بعض أصحابه (٥). أما مدُّ الرجلين في الجلوس في الصلاة فلا يجوز إلا لعذر. (و) تجوز صلاة المضطجع لعذر: سواء في الفرض أو النفل إن لم يستطع

стр. 315

القعود، وأما في النافلة من غير عذر فقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يُشرع لأنه لم يُنفل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه فعله ولو مرة، قلت: ولو تمسك أحد بظاهر حديث عمران المتقدم «ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد» فهل يسعه؟ الصحيح أن له ذلك، وهو مذهب ابن حزم في المحلى (٣/ ٥٦) ورجَّحه ابن عثيمين في «الممتع» (٤/ ١١٣). (ز) صفة الاضطجاع: من صلى مضطجعًا، فيستحب أن يكون ذلك على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه القبلة، لأنه السنة في النوم، ولحديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ مستقبلاً بوجهه القبلة، لأنه السنة في النوم، ولحديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله» (١). فإن كان لا يستطيع الاضطجاع إلا على هيئة معينة، فهو المتعين له، والله أعلم. القيام في الفريضة في الطائرة والسفينة: من كان في طائرة أو سفينة فيجب عليه القيام -في صلاة الفريضة- إن استطاع، فإن خاف السقوط أو الغرق ونحو ذلك فهو غير مستطيع للقيام، فله أن يصلي جالسًا إيماءً بركوع وسجود، وقد سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ فقال: «صلِّ فيها قائمًا، إلا أن تخاف الغرق» (٢). الاعتماد على شيء في القيام: من صلى وهو متكئ على حائط أو عصًا ونحو ذلك، فإن كان لعذر، فهذا مما اتفق العلماء على جوازه، لدعاء الحاجة إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣). وعن أم قيس بنت محصن: «أن رسول الله ﷺ لم أسنَّ وحمل اللحم، اتخذا عمودًا في مصلاَّه يعتمد عليه» (٤). إذا صلى خلف إمام جالسٍ لعذر: فيصلي جالسًا على الأصل كما سيأتي تحريره في «صلاة الجماعة». [٢] تكبيرة الإحرام: وهي ركن من أركان الصلاة باتفاق عامة أهل العلم لما يأتي:

стр. 316

١ - قول النبي ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ...» (٢). ٣ - وفي لفظ لحديث المسيء صلاته: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر» (٣). ٤ - وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير» (٤). «والتكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلاً ضروريًّا خلفًا عن سلف عن نبيِّها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة (الله أكبر) لا يقول غيره، ولا مرة واحدة» (٥). فلا يجزئ للدخول في الصلاة غير قوله (الله أكبر)، وهذا مذهب الثوري ومالك وأحمد والشافعي [إلا أنه أجاز قوله: الله أكبر] وهو مروي عن ابن مسعود، وخالف أبو حنيفة فقال: تنعقد الصلاة بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم مثل: الله العظيم أو الكبير أو الجليل، أو سبحان الله، أو الحمد لله ونحو ذلك قال: فالجميع ذكر (!!) وقياسًا على الخطبة حيث لم يتعيَّن لفظها (!!) ولا شك أنه قياس في مقابل النص وهو فاسد، والصحيح مذهب الجمهور (٦). لا يصح بغير العربية للقادر عليها: لا يصح التكبير بغير العربية للقادر عليها لأن النبي ﷺ إنما كان يكبِّر بالعربية ولم يعدل عن ذلك أبدًا، وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). وأما غير القادر على التكبير بالعربية، فالواجب عليه تعلُّمه -وهو يسير- فإن

стр. 317

خاف خروج الوقت قبل أن يتعلمه، أو لم يحسن التكبير بالعربية مطلقًا، فإنه يكبِّر بلغته. والله أعلم. [٣] قراءة الفاتحة في كل ركعة: قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من كل صلاة فرضًا أو نفلاً، جهرية كانت أو سرية، وإليه ذهب الثوري ومالك والشافعي وأحمد في المشهور منه، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص (١). والدليل على هذا: ١ - حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢). ٢ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، هي خداج، هي خداج، غير تمام» (٣) والصلاة لناقصة لا تسمى صلاة حقيقة، ومما يدل على أن النقص المراد هنا الذي لا تجزئ الصلاة معه في تمام هذا الحديث عند مسلم: قال أبو السائب: قلت لأبي هريرة: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: فغمز أبو هريرة ذراعي وقال: «اقرأ بها في نفسك». ٣ - في رواية رفاعة بن رافع لحديث «المسيء صلاته» قال له النبي ﷺ : «.. ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت ... ثم اصنع ذلك في كل ركعة» (٤). وذهب أبو حنيفة -وهو رواية عن أحمد- إلى أن الفاتحة لا يتعيَّن قراءتها، وأنه تجزئ قراءة آية من القرآن، وحجة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ .... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٥). وأجيب: بأن الآية الكريمة تحتمل أن المراد بها: الفاتحة وما تيسر معها،

стр. 318

ويحتمل أنها نزلت قبل نزول الفاتحة، لأنها نزلت بمكة والنبي ﷺ بقيام الليل، فنسخه الله تعالى عنه بها. ٢ - في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته قال ﷺ : «ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن» (١). وأجيب بأن قوله (ما تيسَّر): مجمل مبيَّن، أو مطلق مقيد، أو مبهم مفسَّر برواية (اقرأ بأم القرآن) [إن صحت!!] لأن الفاتحة كانت هي المتيسِّرة لحفظ المسلمين لها، وقيل: إن المراد بـ «ما تيسر» فيما زاد على الفاتحة جمعًا بين الأدلة. ٣ - أن الفاتحة لو كانت ركنًا لوجب تعلمها ولما عدل النبي ﷺ عنها -عند التعذر- إلى بدلها كما في لفظ لحديث المسيء صلاته: «فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله ...» (٢). وأجيب بأن هذا فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن كما في حديث ابن أبي أوفى: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: «قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٣). قلت: ولا شك أن مذهب الجمهور أقوى، وهو الذي يتعين المصير إليه، فلا تصح الصلاة التي لا يقرأ فيها بالفاتحة لمن استطاع حفظها، لحديث عبادة المتقدم ولا يعكِّر عليه شيء مما تقدم، لأنه -على أقل تقدير- تضمن حكمًا زائدًا على الآية وحديث المسيء فيتحتم الأخذ به. ثم إن ظواهر هذه الأحاديث إذا ضُمت إلى حديث أبي قتادة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» (٤) ومع حمل قوله ﷺ في حديث «المسيء صلاته»: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» على أن المراد في كل ركعة، دلَّ ذلك كله على ركنية قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم وبين إسرار الإمام وجهره على ما سيأتي تحريره.

стр. 319

قراءة البسملة في أول الفاتحة: اختلف أهل العلم في حكم قراءة البسملة في أول الفاتحة، تبعًا لاختلافهم في مسألة: هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة أم لا؟ والصحيح أن البسملة آية من القرآن قبل كل سورة إذ أُثبتت في المصحف، وإن كانت -على الأرجح- ليست آية من الفاتحة، فيجب قراءتها قبل الفاتحة كما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. من لم يستطع حفظ الفاتحة: قال الخطابي (١): «الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لأن أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن، وإن كان ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن، لعجز في طبعه، أو سوء في حفظه، أو عُجْمة في لسانه، أو عاهة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل ...» اهـ. قلت: وهو قوله ﷺ لمن لم يستطع حفظ الفاتحة: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٢). [٤]، [٥] الركوع: والطمأنينة فيه: الركوع ركن في كل ركعة من الصلاة بإجماع أهل العلم (٣)، ومستنده: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ...﴾ (٤). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا» (٥). ٣ - مواظبة النبي ﷺ عليه في كل ركعة من كل صلاة، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦).

стр. 320

وأقل ما يجزئ في الركوع: أن ينحني بحيث تمس يداه ركبتيه، وقيل: أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام. وأما الطمأنينة: فلقوله ﷺ : «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا». ولقوله: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (١). وهي ركن في الركوع -والسجود- عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٢). وتتحقق الطمأنينة: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... ثم يركع ويضع يديه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي» (٣) وقيل: بمقدار الذكر الواجب في الركوع. [٦، ٧] الاعتدال بعد الركوع والطمأنينة فيه: لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «... ثم ارفع حتى تطمئن رافعًا». وفي حديث أبي حميد -في صفة صلاة النبي ﷺ : «فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقارٍ مكانه» (٤) وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». ويدخل في ركن الاعتدال: الرفع من الركوع لاستلزامه له. [٨، ٩] السجود، والطمأنينة فيه: والسجود في كل ركعة مرتين من أركان الصلاة بالإجماع، ومستنده: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٥). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا». ٣ - قوله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (٦).
следующие страницы →