← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١ - قول النبي ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ...» (٢). ٣ - وفي لفظ لحديث المسيء صلاته: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر» (٣). ٤ - وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير» (٤). «والتكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلاً ضروريًّا خلفًا عن سلف عن نبيِّها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة (الله أكبر) لا يقول غيره، ولا مرة واحدة» (٥). فلا يجزئ للدخول في الصلاة غير قوله (الله أكبر)، وهذا مذهب الثوري ومالك وأحمد والشافعي [إلا أنه أجاز قوله: الله أكبر] وهو مروي عن ابن مسعود، وخالف أبو حنيفة فقال: تنعقد الصلاة بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم مثل: الله العظيم أو الكبير أو الجليل، أو سبحان الله، أو الحمد لله ونحو ذلك قال: فالجميع ذكر (!!) وقياسًا على الخطبة حيث لم يتعيَّن لفظها (!!) ولا شك أنه قياس في مقابل النص وهو فاسد، والصحيح مذهب الجمهور (٦). لا يصح بغير العربية للقادر عليها: لا يصح التكبير بغير العربية للقادر عليها لأن النبي ﷺ إنما كان يكبِّر بالعربية ولم يعدل عن ذلك أبدًا، وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧). وأما غير القادر على التكبير بالعربية، فالواجب عليه تعلُّمه -وهو يسير- فإن

стр. 317

خاف خروج الوقت قبل أن يتعلمه، أو لم يحسن التكبير بالعربية مطلقًا، فإنه يكبِّر بلغته. والله أعلم. [٣] قراءة الفاتحة في كل ركعة: قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من كل صلاة فرضًا أو نفلاً، جهرية كانت أو سرية، وإليه ذهب الثوري ومالك والشافعي وأحمد في المشهور منه، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص (١). والدليل على هذا: ١ - حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢). ٢ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، هي خداج، هي خداج، غير تمام» (٣) والصلاة لناقصة لا تسمى صلاة حقيقة، ومما يدل على أن النقص المراد هنا الذي لا تجزئ الصلاة معه في تمام هذا الحديث عند مسلم: قال أبو السائب: قلت لأبي هريرة: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: فغمز أبو هريرة ذراعي وقال: «اقرأ بها في نفسك». ٣ - في رواية رفاعة بن رافع لحديث «المسيء صلاته» قال له النبي ﷺ : «.. ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت ... ثم اصنع ذلك في كل ركعة» (٤). وذهب أبو حنيفة -وهو رواية عن أحمد- إلى أن الفاتحة لا يتعيَّن قراءتها، وأنه تجزئ قراءة آية من القرآن، وحجة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ .... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٥). وأجيب: بأن الآية الكريمة تحتمل أن المراد بها: الفاتحة وما تيسر معها،

стр. 318

ويحتمل أنها نزلت قبل نزول الفاتحة، لأنها نزلت بمكة والنبي ﷺ بقيام الليل، فنسخه الله تعالى عنه بها. ٢ - في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته قال ﷺ : «ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن» (١). وأجيب بأن قوله (ما تيسَّر): مجمل مبيَّن، أو مطلق مقيد، أو مبهم مفسَّر برواية (اقرأ بأم القرآن) [إن صحت!!] لأن الفاتحة كانت هي المتيسِّرة لحفظ المسلمين لها، وقيل: إن المراد بـ «ما تيسر» فيما زاد على الفاتحة جمعًا بين الأدلة. ٣ - أن الفاتحة لو كانت ركنًا لوجب تعلمها ولما عدل النبي ﷺ عنها -عند التعذر- إلى بدلها كما في لفظ لحديث المسيء صلاته: «فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله ...» (٢). وأجيب بأن هذا فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن كما في حديث ابن أبي أوفى: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: «قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٣). قلت: ولا شك أن مذهب الجمهور أقوى، وهو الذي يتعين المصير إليه، فلا تصح الصلاة التي لا يقرأ فيها بالفاتحة لمن استطاع حفظها، لحديث عبادة المتقدم ولا يعكِّر عليه شيء مما تقدم، لأنه -على أقل تقدير- تضمن حكمًا زائدًا على الآية وحديث المسيء فيتحتم الأخذ به. ثم إن ظواهر هذه الأحاديث إذا ضُمت إلى حديث أبي قتادة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» (٤) ومع حمل قوله ﷺ في حديث «المسيء صلاته»: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» على أن المراد في كل ركعة، دلَّ ذلك كله على ركنية قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم وبين إسرار الإمام وجهره على ما سيأتي تحريره.

стр. 319

قراءة البسملة في أول الفاتحة: اختلف أهل العلم في حكم قراءة البسملة في أول الفاتحة، تبعًا لاختلافهم في مسألة: هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة أم لا؟ والصحيح أن البسملة آية من القرآن قبل كل سورة إذ أُثبتت في المصحف، وإن كانت -على الأرجح- ليست آية من الفاتحة، فيجب قراءتها قبل الفاتحة كما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. من لم يستطع حفظ الفاتحة: قال الخطابي (١): «الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لأن أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن، وإن كان ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن، لعجز في طبعه، أو سوء في حفظه، أو عُجْمة في لسانه، أو عاهة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل ...» اهـ. قلت: وهو قوله ﷺ لمن لم يستطع حفظ الفاتحة: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٢). [٤]، [٥] الركوع: والطمأنينة فيه: الركوع ركن في كل ركعة من الصلاة بإجماع أهل العلم (٣)، ومستنده: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ...﴾ (٤). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا» (٥). ٣ - مواظبة النبي ﷺ عليه في كل ركعة من كل صلاة، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦).

стр. 320

وأقل ما يجزئ في الركوع: أن ينحني بحيث تمس يداه ركبتيه، وقيل: أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام. وأما الطمأنينة: فلقوله ﷺ : «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا». ولقوله: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (١). وهي ركن في الركوع -والسجود- عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٢). وتتحقق الطمأنينة: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... ثم يركع ويضع يديه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي» (٣) وقيل: بمقدار الذكر الواجب في الركوع. [٦، ٧] الاعتدال بعد الركوع والطمأنينة فيه: لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «... ثم ارفع حتى تطمئن رافعًا». وفي حديث أبي حميد -في صفة صلاة النبي ﷺ : «فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقارٍ مكانه» (٤) وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». ويدخل في ركن الاعتدال: الرفع من الركوع لاستلزامه له. [٨، ٩] السجود، والطمأنينة فيه: والسجود في كل ركعة مرتين من أركان الصلاة بالإجماع، ومستنده: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٥). ٢ - قوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا». ٣ - قوله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (٦).

стр. 321

٤ - قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب جبينه» (١). ٥ - قوله ﷺ : «أتموا الركوع والسجود، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم» (٢). ولابد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة: الكفان، والركبتان، والقدمان، والجبهة مع الأنف، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرنا أن نسجد على سبع أعظُم: على الجبهة- وأشار بيده على أنفه- واليدين (وفي لفظ: الكفين) والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر» (٣). [١٠، ١١] الجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه: وهو ركن من أركان الصلاة، لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا». وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا» (٤). وبركنيته قال الشافعي وأحمد، ولم ينقل فيه عن مالك شيء، وأما أبو حنيفة فيكفي عنده أن يرفع رأسه مثل حد السيف!! (٥). [١٢، ١٣] التشهد الأخير، والجلوس فيه: وهو ركن من أركان الصلاة تبطل الصلاة بتركه عمدًا أو سهوًا، لما يأتي: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ قال «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل السلام على ميكائيل، فقال النبي ﷺ : «لا تقولوا: السلام على الله، لكن قولوا التحيات لله ... إلى آخره» (٦). وهو دليل على أنه فُرض بعد أن لم يكن مفروضًا.

стр. 322

٢ - حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إذا قعد أحدك في الصلاة فليقل: التحيات لله ...» (١). ٣ - مداومة النبي ﷺ على فعله. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ومذهب مالك أنه سنة وليس بركن إلا الجزء الذي يوقع فيه التسليم (!!) وعند أبي حنيفة الجلوس قدر التشهد ركن، أما التشهد فلا يجب (!!) (٢) ولم يأت القائلون بعدم وجوبه بحجة إلا أن النبي ﷺ لم يعلِّمه للمسيء صلاته، نعم يصلح هذا حجة إذا تقرر أن حديث المسيء متأخر عن إيجاب التشهد، أما إذا كان حديث المسيء متقدمًا فلا مانع من أن يتجدد إيجاب واجبات لم يشتمل عليها، لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط وإهدار الأدلة الواردة بعده -تخيلاً لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده- دالاً على الوجوب- سدٌّ لباب التشريع، وردٌّ لما تجدد من واجبات الصلاة، فإن جهل التاريخ كان القول بالوجوب أرجح لأنه قد وُجِد ما يقضي الوجوب، ولم يتيقن ما يصرفه عن ذلك، فوجب على الموجب عملاً بدليله (٣). صيغة التشهد: عن ابن مسعود ﵁ قال: علَّمني رسول الله ﷺ التشهد كفىَّ بين كفَّيْه، كما يعلِّمني السورة من القرآن: «التحيات لله والصلوات لله والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (٤). وهذا أصح صيغ التشهد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل العلم (٥)، وإن كان العلماء قد اتفقوا على جواز جمع صيغ التشهد الثابتة عن النبي ﷺ وسيأتي بعضها.

стр. 323

فائدة: قد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة في قوله (السلام عليك أيها النبي) بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب، وبين ما بعده فيقال بلفظ الغيبة: (السلام على النبي ...) ففي لفظ عند البخاري (٦٢٦٥) بعد سياق التشهد قال ابن مسعود: «وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام، يعني على النبي» وقواه الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٦٦) فقال: «قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء: «أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي» وهذا إسناد صحيح اهـ. قال العلامة الألباني ﵀: «ولابد أن يكون ذلك بتوقيف منه ﷺ ويؤيده أن عائشة ﵂ كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة» (١) اهـ. [١٤] التسليم: ذهب الجمهور -خلافًا لأبي حنيفة- إلى أن التسليم ركن في الصلاة لما يأتي: ١ - قوله ﷺ : «... وتحليلها التسليم» (٢). ٢ - وعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يختم الصلاة بالتسليم» (٣). ٣ - مداومة النبي ﷺ على التسليم. وقد قيل إن هذه الأدلة لا تنهض للحكم بالركنية، لأنه لم يذكر التسليم في حديث «المسيء» إلا أن يُعلم تأخر حديث على: «تحليلها التسليم» كذا قال الشوكاني (٤). قلت: هو هنا قد خالف ما كان قرره -فيما نقلته عنه في إيجاب التشهد- من أنه إذا لم يُعلم التاريخ كان القول بالوجوب أرجح للنص الموجب، لكن .. الذي يمكن أن يناقش هو صحة حديث على: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» فمن صح عنده لزمه القول بالركنية، والذي يظهر أنه يدل على الركنية كذلك ما يأتي: ٤ - حديث أبي سعدي الخدري أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته

стр. 324

فلم يدْرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليَبْنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١). ٥ - وفي حديث ابن مسعود -في سجود السهو-: «.. فليتحرَّ الذي يرى أنه صواب ثم يُسلِّمْ ثم يسجد سجدتي السهو» (٢). وفيهما أمر النبي ﷺ بالتسليم من كل صلاة حتى التي يسهو فيها، وهذا الأمر مع ما تقدم يشعر بفرضيَّة التسليم، والله أعلم. وأما أبو حنيفة فقال: التسليمتان اختيار، وليس السلام من الصلاة فرضًا، بل إذا قعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته!! واستُدل له برواية لحديث ابن مسعود في تعليم النبي ﷺ له التشهد: «فإذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (٣). وهذه الزيادة مدرجة في الحديث باتفاق الحفاظ، بل الذي صح عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضًا بلفظ: «مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم [إذا سلم الإمام فقم إن شئت]» (٤). هل تجزئ تسليمة واحدة؟ أم تسليمتان؟ (٥) ذهب الشافعية والمالكية وجمهور العلماء إلى أن الركن التسليمة الأولى، أما الثانية فسنَّة، وقال ابن المنذر: وكلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم يجيز صلاة من اقتصر على تسليمة، وأُحب أن يسلم تسليمتين. اهـ. قال النووي: أجمع العلماء الذين يعتدُّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة!! قلت: بل خالف في هذا أحمد بن حنبل -في رواية عنه- فأوجب التسليمتين وهو المذهب عند الحنابلة، وبه قال ابن حزم وأهل الظاهر وبعض المالكية والحسن ابن صالح، واستدلوا بما يلي:

стр. 325

١ - مداومة النبي ﷺ على التسليمتين مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يصح عندهم أنه سلم تسليمة واحدة. ٢ - قوله ﷺ لأصحابه لما رآهم يشيرون بأيديهم عند التسليم: «... إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ويسلم على أخيه من على يمينه وشماله» (١). قالوا: وما دون الكفاية لا يكون مجزئًا. واستدل الجمهور على إجزاء تسليمة واحدة بما يلي: ١ - حديث: «... وتحليلها التسليم» قالوا: وهذا لفظ مطلق يصدق على التسليمة الواحدة. ٢ - حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ وفيه: «فلا يقعد في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعد فيها للتشهد، ثم يقوم ولا يسلم فيصلي ركعة واحدة، ثم يجلس فيتشهد ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا» (٢) ولفظ مسلم (٧٤٦): «... ثم يسلِّم تسليمًا يسمعناه» محتمل للتسليمة والتسليمتين، إلا أن التسليمة الواحدة قد ثبتت عن جماعة من الصحابة منهم أنس وابن عمر. فائدتان: [١] أقل ما يجزئ في التسليم لفظ (السلام عليكم) على الأصح وأكمله وأفضله (السلام عليكم ورحمة الله) يمينًا وشمالاً. [٢] هل يزاد (وبركاته) في التسليم (٣)؟ - الصحيح الثابت عن النبي ﷺ في التسليم هو قوله: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه وشماله، وقد ورد هذا عنه ﷺ بأسانيد صحيحة من حديث: جابر بن سمرة، وابن عمر، وابن مسعود. - أما زيادة (وبركاته): فلم ترد مرفوعة بإسناد محتمل إلا من طريق موسى ابن قيس عن سلمة بن كهيل عن علقمة عن وائل بن حجر، وقد غمز الدارقطني

стр. 326

في هذه الرواية، وتكلم بعض العلماء في سماع علقمة من أبيه. ولم ترد موقوفة بإسناد صحيح إلا عن الأسود بن يزيد. على أن تصحيح هذه الزيادة مما يسع الاجتهاد والنظر فيه، فمن صحت عنده أفادته أن النبي ﷺ كان يقولها أحيانًا (١) قليلة في التسليمة الأولى، ومن ضعَّفها لم يعمل بها مع عدم الإنكار على المخالف الذي يفعلها نادرًا، وأما أن يداوم عليها -كما يفعله بعض المتسِّننة- فهو خلاف السنة على كل حال. وليعلم أن جمهور أهل العلم يرون الاقتصار على قول (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله). [١٥] ترتيب الأركان: لما ثبت أن النبي ﷺ كان يصليها مرتبة، مع قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعلَّمها للمسيء صلاته مرتبة بقوله: «ثم ... ثم ...». ولأنها عبادة تبطل بالحدث فكان الترتيب فيها ركنًا كغيره (٢). واجبات الصلاة الواجبات: ما يجب فعله أو قوله في الصلاة، ويسقط بالسهو ويجبره سجود السهو ومن تركه عمدًا بطلت صلاته إذا كان عالمًا بوجوبه. وهذا المصطلح عند الحنفية والحنابلة، إلا أن الحنفية لا يرون تارك الواجب متعمدًا تبطل صلاته، وإنما هو آثم فاسق يستحق العقاب!! وأما المالكية والشافعية فليس عندهم إلا أركان وسنن من حيث الجملة. [١] دعاء الاستفتاح: وهو واجب -على الأرجح- سواء في صلاة الفرض أو النفل أن تستفتح به الصلاة بعد التكبير وقبل قراءة الفاتحة، لقول النبي ﷺ -في حديث رفاعة بن رافع- للمسيء صلاته: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ثم يكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن ... فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» (٣).

стр. 327

فظاهر قوله: «ويحمد الله وثني عليه» أنه دعاء الاستفتاح، قال الصنعاني: «فيؤخذ منه وجوب مطلق الحمد والثناء بعد تكبيرة الإحرام» (١) اهـ. قلت: ولا مانع من القول بالوجوب إذ قد صحَّ الحديث ولم ينعقد على خلافه إجماع، بل القول بوجوبه هو رواي عن أحمد واختارها ابن بطة (٢)، وقد أطلق ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٧٢) القول بوجوب التوجيه في الصلاة عن الشافعي وأبي حنيفة (!!) ولم أظفر بما يؤيد هذا عنهما إلا ما وقع في «الدر المختار» (١/ ٤٧٦) من عدِّ (الثناء) من الواجبات. والأصل في دعاء الاستفتاح أن يُسَرَّ به، لأن النبي ﷺ لم يجهر به، وعليه عامة أهل العلم وإنما يجوز للإمام أن يجهر به أحيانًا ليعلمه الناس (٣). كما جهر عمر بن الخطاب بقوله: «سبحانك اللهم وبحمدك ...» (٤). يستثنى مما تقدم موضعان: ١ - في صلاة الجنازة: فإنه لا يشرع فيها دعاء الاستفتاح، لأنها مبنية على التخفيف والاختصار، وعن طلحة بن عبيد الله بن عوف قال: «صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: ليعلموا أنها سنة» (٥) وفي رواية «فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى يسمعنا ...». ففيه إشارة إلى عدم مشروعية دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، إذ لم يجهر به ليعلمهم إياه كما جهر بالفاتحة. وقيل: بل يشرع فيها كغيرها، والأول أقرب والله أعلم. المسبوق إذا أدرك الإمام في غير القيام: فإنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح لفوات محله.

стр. 328

من صيغ الاستفتاح قد صحَّ عن رسول الله ﷺ عدة صيغ لدعاء الاستفتاح منها: ١ - حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة سكت هُنَيْهَة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد» (١). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ قال رجل من القوم: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً» ... فقال رسول الله ﷺ : «عجبتُ لهان فتحت لها أبواب السماء» قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (٢). ٣ - حديث عائشة وأبي سعيد وغيرهما: أن النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك» (٣). وقد تقدم أن عمر كان يستفتح به. ٤ - حديث عليٍّ ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومَحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (٤)، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عنِّي سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كلُّه بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».

стр. 329

ويقال: وكان يقوله في الفرض والنفل (١). مما كان يستفتح به ﷺ في صلاة الليل ما جاء في: ٥ - حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرائيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٢). قلت: وقد صح عن النبي ﷺ في أدعية الاستفتاح غير ذلك، فليراجعها من شاء (٣). وبكل صيغة مما تقدم أخذ طائفة من أهل العلم (٤): فأخذ الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي بالمروي عن عمر [وعائشة وأبي سعيد]. وأخذ الشافعي بحديث عليٍّ، وقال أبو ثور: أي ذلك قال يجزيه، واختاره ابن المنذر، قلت: ويستحب التنويع في الاستفتاح بكل ما تيسَّر مما تقدم. وأما مالك ﵀ فكان لا يرى مشروعية الاستفتاح ولا الاستعاذة ولا البسملة (٥) (!!) وهذه النصوص وغيرها حجة عليه، والله أعلم. [٢] الاستعاذة قبل القراءة: وهي واجبة -على الأرجح- لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٦). ففي الآية أمر بالاستعاذة عند إرادة القراءة وحقيقة الأمر الوجوب. ولأن الاستعاذة تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد قال بوجوبها في الصلاة: عطاء والثوري والأوزاعي وداود وابن حزم وهو رواية عن أحمد (٧).

стр. 330

وقد ذهب الجمهور إلى الاستحباب، ومنعها مالك (١) (!!). صيغ الاستعاذة: يشرع الاستعاذة في أول القراءة بإحدى الصيغ الآتية: (أ) «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». (ب) «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». (جـ) «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (٢). قال ابن قدامة في «المغنى» (٢/ ١٤٦): وهذا كله واسع، وكيفما استعاذ فحسن. اهـ. الإسرار بالاستعاذة: الأصل في الاستعاذة الإسرار بها، فإنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه جهر بها، ولا عن خلفائه الراشدين أنهم داوموا على الجهر بها، وإنما قد يجهر بها الإمام أحيانًا لتعليم الناس على نحو ما تقدم عن ابن عباس. هل يستعيذ في كل ركعة؟ قال الأكثرون: يجزئه أن يستعيذ في أول ركعة فقط، واستحب الشافعي الاستعاذة في كل ركعة، وأوجبه ابن سيرين (٣)، قلت: ووجهه أن الآية تقتضي تكرير الاستعاذة عند تكرير القراءة، فمتى حصل الفصل بين القراءتين بالركوع والسجود ونحوهما، فتشرع الاستعاذة، والله أعلم. [٣] التأمين بعد الفاتحة: لقوله ﷺ : «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، ولم يظهر لي وجه صرفه عن الوجوب!!

стр. 331

وقال ابن حزم: يجب على المأموم، وأما المنفرد والإمام فيندب لهما (١)، لظاهر الحديث المتقدم وقد ثبت أن النبي ﷺ : «كان إذا انتهى من قراءة الفاتحة قال: «آمين» يجهر بها ويمد بها صوته» (٢). فالصحيح أن التأمين واجب على الإمام والمأموم والمنفرد مطلقًا، جهرًا في الجهرية وسرًّا في السرية والله أعلم. [٤، ٥، ٦] تكبيرات الانتقال، وقول «سمع الله لمن حمده»، وقول: ربنا لك الحمد: ١ - لقوله ﷺ : «... وإذا كبَّر فكبِّروا ... وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» (٣). ٢ - ولمواظبة النبي ﷺ عليها، ففي حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوى، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٤) ونحوه في حديث أبي حميد الساعدي. وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). ٣ - أمره ﷺ المسيء صلاته بذلك فقال -في حديث رفاعة بن رافع-: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقولك سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى

стр. 332

يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصل ... ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» (١). ٤ - أنها شعار الانتقال من ركن إلى آخر، ومن هيئة إلى أخرى (٢). وهذه الأمور الثلاثة واجبة في الصلاة على المنفرد والإمام والمأموم على الصحيح، وهو مذهب الحنابلة، وهي سنة عند الجمهور (٣). فائدة: قد صح عن النبي ﷺ في التحميد بعد قوله (سمع الله لمن حمده) أربع صيغ، هي: ١ - «ربنا ولك الحمد» (٤) ٢ - «اللهم ربنا ولك الحمد» (٥). ٣ - «ربنا لك الحمد» (٦) ٤ - «اللهم ربنا لك الحمد» (٧). [٧] التسبيح في الركوع والسجود: وهو قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع، و (سبحان ربي الأعلى) في السجود، وبإيجابه في الصلاة قال أحمد بن حنبل -في رواية- وهو المذهب، وإسحاق وداود وابن حزم (٨)، وحجتهم: ١ - حديث عقبة بن عامر قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم» (٩) قالوا: وهذا الأمر للإيجاب لاجتماع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ووروده من فعل النبي ﷺ .

стр. 333

قلت: الحديث في سنده لين، إلا أنه موافق للآتي بعده فيتأيد به، وهو: ٢ - حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» (١). ٣ - حديث حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى» (٢). وقد ذهب الجمهور (٣) إلى أن التسبيح في الركوع والسجود سنة وليس بواجب بناء على أنه لم يأمر به المسيء صلاته، وهذا متجه عند من يضعِّف حديث عقبة ابن عامر ولا يرى حديث ابن عباس شاهدًا له، وأما من ثبت عنده حديث عقبة فيلزمه القول بالوجوب، لما تقدم مرارًا. [٨، ٩] التشهد الأوسط والجلوس له: لأمره ﷺ المسيء صلاته به -في حديث رفاعة- بقوله: «.. فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد» (٤). ولسائر الأدلة التي تقدمت في ركنية التشهد الأخير، وإنما لم نقل بركنية التشهد الأوسط لأن النبي ﷺ لما نسيه لم يعد إليه وجبره بسجود السهو (٥)، ولو كان ركنًا لم ينجبر به (٦). وبوجوب التشهد الأوسط قال أحمد وإسحاق والليث وأبو ثور وداود وابن حزم. وقال الجمهور: هو سنَّة (٧)، لأنه لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو كالأركان!!

стр. 334

وأجيب بأن هذا إنما يكون دليلاً لو كان سجود السهو مختصًّا بترك ما ليس بواجب وذلك ممنوع (١). بل إن سجود السهو لا يشرع إلا لترك واجب، «لأن الأصل منع الزيادة في الصلاة، وسجود السهو قبل السلام زيادة في الصلاة، ولا ينتهك هذا المنع إلا لفعل واجب، فإذا وجب سجود السهو لتركه دلَّ ذلك على وجوبه، وإلا لكان وجوده وعدمه سواء» (٢). الإسرار بالتشهد: أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين وكراهة الجهر بهما، لأنه لم ينقل الجهر بهما عن رسول الله ﷺ ، والناس توارثت الإخفاء بالتشهد من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، والتوارث كالتواتر (٣). سنن الصلاة سنن الصلاة: هي أقوال وأفعال يُستحب الإتيان بها في الصلاة، يُثاب فاعلها، ولا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدًا، ولا يُشرع بتركها سجود السهو. وليعلم أن في هذا الباب أمور مجمعًا عليها لا مندوحة عن الإتيان بها، وأمورًا أخرى اختلف العلماء فيها، فكان الأنسب في هذا المقام أن أثبت ما صح دليل مشروعيته دون غيره دون التعريج على أوجه الاختلاف فيه، خشية الإطالة، ولأن المقصود معرفة هدي النبي ﷺ في صلاته للاقتداء به، ولا يضر بعذ ذلك مخالفة من خالف كائنًا من كان. وقد قسمت هذه السنن إلى قولية وفعلية: السنن القولية: ١ - القراءة بعد الفاتحة: فَتُسَنُّ قراءة سورة في الركعتين الأوليين بعد الفاتحة بإجماع العلماء، وكذلك تسن قراءتها -أحيانًا- في الثالثة والرابعة: فعن أبي قتادة قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب» (٤).

стр. 335

وأما القراءة في الثالثة والرابعة فلحديث أبي سعيد «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الآخريين قدر خمس عشرة آية ... الحديث» (١). ويستفاد من الحديث السابق أيضًا: أنه يستحب أن تكون القراءة في الأوليين أكثر من القراءة في الأخريين. ويستحب كذلك ترتيل القراءة وتدبرها بالإجماع، ويكره الإفراط في الإسراع في القراءة بالإجماع، ولقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٢). ويستحب سؤال الله تعالى والاستعاذة به عند ذكر آيات الرحمة والعذاب. فعن حذيفة قال: «صليت من النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة ... يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوذ ثم ركع» رواه مسلم. ويستحب -في الصلاة- أن يقول: «سبحان الله» إذا قرأ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (٣). وإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٤). أن يقول: «سبحانك فبلى». لثبوت الدليل فيهما. ولا يشرع إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٥) أن يقول: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». ولا أن يقول إذا قرأ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦): «آمنا بالله». ولا أن يقول إذا قرأ الإمام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧): «استعنت بالله». فإن هذا كله لا يثبت الحديث فيه.

стр. 336

٢ - الذكر في الركوع بما يأتي: ١ - «اللهم لك ركعتُ، ولك أسلمت وبك آمنت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» (١). ٢ - قوله: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (٢). ٣ - «سُبَّوحٌ قُدُّوس رب الملائكة والروح» (٣). ٤ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٤). ٣ - الذكر بعد القيام من الركوع وبعد «ربنا لك الحمد» بما يأتي: ١ - «اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ» (٥). ٢ - «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» (٦). ٤ - الذكر في السجود بما يأتي: ١ - «اللهم لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» (٧). ٢ - «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (٨). ٣ - «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» (٩). ٤ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (١٠). ٥ - الإكثار من الدعاء في السجود، لقوله ﷺ : «وأما السجود فاجتهدوا في الداء، فقمن أن يستجاب لكم» (١١).

стр. 337

بمعنى: فجدير وحقيق أن يستجاب لكم. وكان ﷺ يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وجِلَّه وأوله وآخره وعلانيته وسرَّه» (١). ٥ - الدعاء بين السجدتين بما يأتي: ١ - «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني» (٢). ٢ - «رب اغفر لي .. رب اغفر لي» (٣). ٦ - الصلاة على النبي بعد التشهد الأول والأخير: فعن عائشة ﵂ قالت: «كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ويدعو ثم يسلم ...» (٤). وأفضل صيغ الصلاة على النبي ﷺ : «اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد». ٧ - الدعاء بعد التشهد الأول والثاني: فأما بعد الأول: فلقوله ﷺ : «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع ربه » (٥). وأما بعد الثاني: فلقوله ﷺ : «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ

стр. 338

بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال (١) وفي رواية: «ومن المأثم والمغرم». وقد ثبت أدعية أخرى بين التشهد والتسليم ومنها: ١ - «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٢). ٢ - «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به منيَّ، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» (٣). ٨ - التسليمة الثانية: فقد كان النبي ﷺ يسلِّم تسليمتين، فعن عامر بن سعد عن أبيه قال: «كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» (٤). والتسليمة الأولى ركن، أما الثانية فهي سنة فقد ثبت أن النبي ﷺ اقتصر على الأولى: فعن عائشة أن رسول الله ﷺ «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن قليلاً» (٥). ٩ - الذكر والدعاء بعد الصلاة: أما الذكر فقد ثبت فيه أحاديث منها: ١ - «من سبَّح في دُبُر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين وكبَّر ثلاثً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير -غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» (٦). ٢ - «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء

стр. 339

قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (١). ٣ - «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجد» (٢). ٤ - كان ﷺ إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٣). ٥ - عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمُعَوِّذات دُبُرَ كل صلاة» (٤). ٦ - «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت» (٥). وأما الدعاء بعد الصلاة: فقد صح عن النبي ﷺ بعدة صيغ منها: ١ - «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٦). ٢ - «اللهم إني أعوذ بك من الجبْن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» (٧). ٣ - «رب قِني عذابَك يوم تبعث عبادك» (٨). ٤ - «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (٩).

стр. 340

٥ - «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً» (١). ٦ - «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر» (٢). فائدة: الدعاء بعد الصلاة مستجاب -إن شاء الله- فقد قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل، ودبر الصلوات المكتوبات» (٣). السنن الفعلية في الصلاة ١ - اتخاذ السترة في الصلاة: يُسَنُّ له أن يجعل أمامه سترة -في الصلاة- تمنع المرور أمامه، وتكف بصره عما وراءها. لقول النبي ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (٤). - وهذه السترة قد تكون جدارًا أو أسطوانة (عمودًا) أو عصا مغروزة أو نحو ذلك، وأقل ذلك ما يكون مثل مؤخرة الرحل وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب: لقوله ﷺ : «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِّ، ولا يبالِ من مَرَّ وراء ذلك» (٥). وإذا اتخذ هذه السترة فلا يسمح لأحد أن يمر أمامه في الصلاة لقوله ﷺ : «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (٦). وإن كان قد عارض هذا بعض العلماء بأدلة صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، فقالوا: لا يقطع الصلاة شيء، وتأولوا الحديث المتقدم بأن المراد بقطع الصلاة في الحديث قطع الخشوع، وليس بطلان الصلاة بمجرد المرور (٧).

стр. 341

فوائد (١): ١ - مرور الجارية الصغيرة التي لم تحض لا يقطع الصلاة لأنه لا يقال لها امرأة، فعن قتادة قال: لا تقطع المرأة صلاة المرأة، قال: وسئل هل يقطع الصلاة الجارية التي لم تحض؟ قال: لا (٢). ٢ - مرور المرأة عن يمين ويسار الرجل وهو يصلي لا يقطع صلاته. ٣ - وقوف المرأة بجانب الرجل لا يُبطل صلاته، فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعليَّ مرط وعليه بعضه إلى جنبه» (٣). إذا كنت تصلين في جماعة فلا حرج في المرور بين الصفوف، لأن سترة الإمام سترة للمأموم، فعن ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليَّ أحد» (٤). ٢ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول وكذا عند كل رفع وخفض: فعن نافع: أن ابن عمر «كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه» ورفع ذلك إلى نبي الله ﷺ (٥). قلت: هذه هي المواضع الأربعة التي يتأكد فيها رفع اليدين، لكن يُسَنُّ أحيانًا رفع اليدين عند كل رفع وخفض، لحديث مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٦). محل الرفع وصفته: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه تارة مع التكبير،

стр. 342

وتارة بعده، وتارة قبله، ويستحب أن يرفع اليدين ممدودتي الأصابع، ويجعلهما حذو منكبيه كما في حديث أبي قتادة (١)، أو يجعلهما حذو أذنيه كما في حديث وائل بن حجر المتقدم. ٣ - وضع اليمنى على اليسرى فوق الصدر: فعن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (٢). وعن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» (٣). ٤ - النظر محل السجود: فعن عائشة قالت: «لما دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها» (٤). ٥ - استواء الظهر في الركوع وعدم رفع الرأس أو خفضه، والقبض بالكف على الركبتين مع تفريج الأصابع ومباعدة العضدين عن الجنبين: لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: «وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره حتى يعتدل ولا يبقى محدودبًا» (٥). وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يُصوِّبه ولكن بين ذلك» (٦). وفي حديث أبي حميد: «.. ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتَّر يديه فتجافى عن جنبيه» (٧). وعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ «كان إذا ركع فرَّج أصابعه» (٨).

стр. 343

٦ - النزول في السجود على اليدين قبل الركبتين: لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (١). ٧ - تمكين الجبهة والأنف واليدين من الأرض مع مجافاة اليدين عن الجنبين، ووضع الكفين حذو المنكبين أو الأذنين، ورفع المرفقين، ونصب القدمين ورصُّ العقبين واستقبال القبلة بأصابع الكفين والقدمين: ففي حديث أبي حميد: «.. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (٢). وعن عبد الله بن بُحينة أن النبي ﷺ : «كان إذا صلى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (٣). وقال ﷺ : «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» (٤). وفي حديث أبي حميد: «.. كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه» (٥). وفي حديث عائشة: «.. فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة» (٦). فائدة: ذهب فريق من العلماء إلى أن المرأة تخالف الرجل في هيئات الركوع والسجود فقالوا: إنها تجمع نفسها ولا تجافي، وتضم فخذيها وغير ذلك لأن هذا أستر لها (٧). لكن لم يرد أي دليل مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح السند يوضح أي فرق بين صفة صلاة المرأة وصفة صلاة الرجل، وكذلك لم نقف على شيء ثابت صحيح

стр. 344

عن أصحاب النبي ﷺ في ذلك، وعلى ذلك فمن تمسك بالأصل وسوَّى بين صلاة الرجل والمرأة في جميع الهيئات لعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» فرأيه أسدَّ وأقوى وخصوصًا إذا كانت المرأة تصلي منفردة - ومن رأى أن المرأة تفارق الرجل في هذه الهيئات وأنها مأمورة بكل ما هو أستر لها، فله وجهه وبه قال عدد كبير من السلف الصالح والله أعلم (١). ٨ - افتراش الرِّجلْ اليسرى ونصب اليمنى في الجلسة بين السجدتين: فعن عائشة قالت: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٢). ويجوز كذلك -بين السجدتين- أن ينصب قدميه ويقعد على العقبين (أحيانًا) وهو ما يسمى بالإقعاء. لحديث طاوس قال: «قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: سنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ » (٣). وعن أبي الزبير أنه: «رأى عبد الله بن عمر إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة» (٤). ٩ - إطالة الجلسة بين السجدتين: وقد كان هذا هدي النبي ﷺ ، فعن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» (٥). وهذه السُّنة تركها الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو: قد أوهم» (٦). ١٠ - الجلوس بعد السجود قبل القيام للركعة الثانية أو الرابعة (جلسة الاستراحة): فيُسَنُّ بعد الفراغ من السجود الثاني من الركعة الأولى والثالثة أن يجلس جلسة خفيفة قبل قيامه إلى الركعة الثانية والرابعة.

стр. 345

لحديث مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا» (١). ١١ - الاعتماد على الأرض باليدين عند النهوض إلى الركعة الجديدة: لقول مالك بن الحويرث: «ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ .... فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» (٢). ١٢ - الافتراش في الجلوس للتشهد الأول والتورك في التشهد الأخير: الافتراش هو: أن ينصب رجله اليمنى ويفترش اليسرى فيجلس عليها. والتورك هو: أن ينصب اليمنى ويقدم اليسرى ويجعل مقعدته على الأرض. ففي حديث أبي حميد: «.. فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣). فائدة: إذا كانت الصلاة ركعتين فقط بمعنى أن فيها تشهدًا واحدًا فالسنة فيه الافتراش، لحديث عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ : «... وكان يقو في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ...» (٤). ١٣ - الإشارة بالسبابة في التشهد من أوله إلى آخر الدعاء والرمي بالبصر إليها: لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعيه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها [ورمى ببصره إليها]، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها» (٥). فائدة: لا تجوز الإشارة بغير السبابة اليمنى، فعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «مرَّ عليَّ النبي ﷺ وأنا أدعو بإصبعي فقال: أحدِّ أحدِّ، وأشار بالسبابة» (٦).

стр. 346

وإذا كانت السبابة اليمنى مقطوعة فالراجح أن الإشارة تسقط في حقه ولا تشرع الإشارة بغيرها والله أعلم. أمور تباح في الصلاة (أ) الأفعال المباحة في الصلاة: ١ - حمل الطفل في الصلاة: فعن أبي قتادة «أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا سد وضعها وإذا قام حلمها» (١). ٢ - المشي اليسير للحاجة: فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، ووصفت أن الباب في القبلة» (٢). ٣ - الحركة لإنقاذ الطفل أو غيره من التردِّي أو مما يؤذيه: عن الأزرق بن قيس قال: «كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينما أنا على حرف نهر إذا رجل يصلي [وهو أبو برزة الأسلمي] وإذا لجام دابته بيده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها ... قال: إني غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمانية وشهدت تيسيره وإني كنت أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق عليَّ» (٣). قال الحافظ في الفتح (٣/ ٨٢): ظاهر سياق القصة أن أبا برزة لم يقطع صلاته، يؤيده قوله في رواية عمرو بن مرزوق: «فأخذها ثم رجع القهقري» فإنه لو كان قطعها ما بالى أن يرجع مستدبر القبلة، وفي رجوعه القهقري ما يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا ...» اهـ. فائدة: يدخل في هذا أنه يجوز لك إذا كنت تصلين ودقَّ جرس التليفون -مثلًا- أن ترفعي السماعة ليعلم الطالب أنك في صلاة ونحو ذلك.

стр. 347

٤ - مدافعة المار أمامه في الصلاة: وقد تقدم حديث أبي سعيد في الأمر بمقاتلة المار بين يدي المصلي. ٥ - قتل الحية والعقرب وما يؤذي في الصلاة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «أمر بقتل الأسودين في الصلاة: العقرب والحية» (١). ٦ - غَمْز رِجل النائم للحاجة: عن عائشة قالت: «كنت أمد رجلي في قبلة النبي ﷺ وهو يصلي، فإذا سجد غمزني، فإذا قام مددتها» (٢). ٧ - خَلْع النعل ونحوه أثناء الصلاة للحاجة: عن أبي سعيد الخدري قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم ....» (٣) الحديث. ٨ - البصاق في الثوب أو في المنديل: عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقنَّ قِبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا» ثم طوى ثوبه بعضه على بعض (٤). ٩ - إصلاح الثوب وحكُّ الجسد في الصلاة: فعن جرير الضبي قال: «كان عليٌّ إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يُصلح ثوبه أو يحكَّ جسده» (٥). وقال ابن عباس: «يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء» (٦).

стр. 348

١٠ - التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إذا ناب شيء في الصلاة: لقول النبي ﷺ : «... من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبَّح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء» (١) والتصفيح والتصفيق بمعنى واحد وهو ضرب صفحة الكف على صفحة الكف الآخر (٢). فائدة: قد علمت أنه لا يشرع للمرأة التسبيح في الصلاة إذا نابها شيء فيها، لكن هذا يجوز لها إذا لم يكن بُدَّ من التسبيح وفي غير حضرة الرجال، فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: «سبحان الله ...» وهو متفق عليه. ١١ - الالتفات يمنة أو يسرة لحاجة: عن جابر قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار غلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا» (٣). وفي حديث سهل بن سعد: «.... فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفَّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ....» (٤). ١٢ - الإشارة باليد أو الرأس للحاجة: عن جابر قال: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال بيده هكذا، ثم كلمته فقال بيده هكذا (أشار بها) وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه، فلما فرغ قال: «ما فعلت في الذي أرسلتك فإنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي» (٥). وأشار النبي ﷺ للجارية التي بعثتها أم سلمة تسأله عن الركعتين اللتين رأته يصليهما (٦).

стр. 349

١٣ - رد السلام إشارةً على من سلَّم عليك: فإذا سَّلم عليك أحد وأنت في الصلاة فمن المعلوم أنه لا يجوز أن ترد عليه كلامًا، لكن يجوز أن ترد إشارة باليد، فعن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: هكذا، وبسط كفه [وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق] (١). ١٤ - رفع الرأس في السجود للتحقق من الأمر إذا أطال الإمام: فإذا كنت في جماعة فأطال الإمام السجود أو لم تسمع التكبير أو نحو ذلك فيجوز لك -وأنت ساجد- أن ترفع رأسك لتتحقق من الأمر. فعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حُسينًا فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، فقال: «كل ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني (٢) فكرهت أن أُعجله حتى يقضي» (٣). ١٥ - النظر في المصحف والقراءة منه في صلاة النافلة للحاجة: فحيثما دعت حاجة كإرادة التطويل في صلاة القيام -مع عدم الحفظ- مثلًا فإنه لا بأس بالقراءة من المصحف في الصلاة: فعن القاسم أن «عائشة كانت تقرأ في المصحف فتصلي في رمضان» (٤) وقال القاسم: «كان يؤم عائشة عبدٌ يقرأ في المصحف» (٥). أما فعل هذا في الفرض فلا يجوز، وكذلك في النفل إذا لم تكن حاجة.

стр. 350

(ب) الأقوال وما في معناها المباحة في الصلاة: ١ - الفتح على الإمام: إذا لُبس على الإمام: إذا لُبس على الإمام في القراءة أن يفتح عليه من وراءه، إذا نتج عن عدم الفتح تغيير في كلام الله تعالى بأي نوع: فعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلُبسَ عليه، فلما انصرف قال لأُبي: صليت معنا؟ قال: نعم، قال: «فما منعك» (١). فوائد: ١ - ينبغي ألا يُفتح على الإمام ما دام يُرَدِّد التلاوة، لأنه ربما تذكر بنفسه فهو أولى. ٢ - لا يُفتح على الإمام إذا سكت ولم يتردد في القراءة إلا إذا تأخر في سكوته، لأنه يحتمل أن يكون تفكَّر قليلاً فيما يقرأ. ٣ - لا يُفتح على الإمام إذا أخطأ في القراءة ما لم يكن خطأ يغير المعنى. فعن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «إني أُقرئت القرآن على ... سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف: إن قلت: غفورًا رحيمًا أو قلت: سميعًا عليمًا أو قلت: عليمًا سميعًا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب» (٢). ٢ - ترداد الآية في صلاة التطوع: فعن أبي ذر «أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فرددها حتى أصبح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ (٤). وعن مسروق: أن تميمًا الداري ردَّد هذه الآية: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٥)» (٦).

стр. 351

وعن سعيد بن عبيد قال: «رأيت سعيد بن جبير وهو يؤمهم في رمضان يردد هذه الآية: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٢) يرددها مرتين أو ثلاثًا» (٣). قلت: ولم يُنقل هذا في صلاة الفرض، فتركه أولى، والله أعلم. ٣ - البكاء والأنين في الصلاة: البكاء في الصلاة إن كان من خوف الله تعالى وذكر الجنة والنار ونحوه كان ممدوحًا مثابًا عليه، ولا يبطل الصلاة كما يظن بعض الناس، وكذلك إن كان لوجع أو مصيبة وكنت مغلوبًا عليك فلا شيء فيه أيضًا. ومما يدل على عدم بطلان الصلاة به: ١ - مدح الله تعالى للباكين بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٥). والآيتان تشملان المصلي وغيره. ٢ - وعن عبد الله بن الشخير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرِجل» (٦). وأزيز المرجل هو صوت غليان الماء في الإناء. ٣ - وعن علي قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (٧). ٤ - وعن ابن عمر قال: «لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له في الصلاة، فقال: «مُروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: «مروه فيصلي»، فعاودته قال: «مروه فيصلي، إنكن صواحب يوسف» (٨).

стр. 352

٥ - وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) (٢). فائدة: والأنين [وهو أن تقول «أَهْ»] والتأوه [قول «أُوه» أو «أُوَّه» أو «آه»] لا يبطلان الصلاة، لكن يكرهان إن كانا من غير حاجة. ٣ - النفخ أثناء الصلاة لحاجة: فعن عبد الله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله .... ثم نفخ في آخر سجوده فقال: «أف أف»، ثم قال: «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ...» (٣). وعن أيمن بن نابل قال: قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي -صاحب رسول الله ﷺ أتأذى بريش الحمام في مسجد الحرام إذا سجدنا، فقال: انفخوا» (٤). ٤ - النحنحة في الصلاة للحاجة: ولا بأس بها في الصلاة، «ذلك أن النبي ﷺ إنما حرم التكلم في الصلاة وقال: «إنه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلاً، فإنها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة» (٥) اهـ. ٥ - الكلام اليسير لمصلحة الصلاة: فإن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها إذا كان من الإمام أو المأموم شريطة ألا يكثر، وأن يتوقف التفهيم عليه. ومما يدل على ذلك حديث ذي اليدين المشهور في قصة صلاة النبي ﷺ بالناس العصر «.. فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا

стр. 353

رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : «كل ذلك لم يكن»، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله على الناس فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» (١). ووجه الدلالة أن الإمام والمأموم تكلما -لمصلحة الصلاة- قبل أن ينهيا الصلاة فكان في حكم الصلاة. ٦ - «الحمد» في الصلاة لمن عطس: فيجوز لمن عطس في الصلاة أن يحمد الله في نفسه، لكن لا يشتمه صاحبه. لحديث رفاعة بن مالك قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله وانصرف فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» ... فقال رفاعة: أنا يا رسول الله، .... ، فقال: «والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها ...» (٢). قال الشوكاني: «ويدل أيضًا على مشروعية الحمد في الصلاة لمن عطس ... ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها» اهـ. قلت: ومما يؤيد هذا أيضًا ما في حديث معاوية بن الحكم قال: بينما أنا أصلي مع النبي ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: الحمد لله، فقلت: يرحمك الله .... الحديث» (٣). وفيه أن النبي ﷺ قد نهى عن شمت العاطس ولم ينه العاطس عن الحمد فدل على مشروعيته والله أعلم. ٧ - «الحمد» في الصلاة للأمر السارِّ المُفْرِح: ففي حديث سهل بن سعد في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف

стр. 354

ليصلح بينهم فصلى بهم أبو بكر فلما أتى النبي وهم يصلون أراد أبو بكر أن يتراجع «... فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ...» (١). ٨ - تكليم المصلي وسؤاله للحاجة: فقد تقدم في قصة جابر لما أرسله النبي ﷺ إلى بني المصطلق أنه أتى النبي ﷺ وهو في الصلاة فكلمه، فلم يرد عليه وأشار إليه بيده (٢). وكذلك تقدم حديث أسماء قالت: «أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء ...» (٣). المنهيات في الصلاة وهي الأمور التي ورد النص بتحريمها أو كراهتها في الصلاة، لكن هذه المنهيات لا تبطل الصلاة، وإنما تنقص من أجر المصلي وهي: ١ - الاختصار (وضع اليد على الخَصْر في الصلاة): وهذا لا يجوز، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ «نهى عن الخصر في الصلاة» (٤). وعن عائشة أنها «كانت تكره أن يجعل المصلى يده في خاصرته وتقول: إن اليهود تفعله» (٥). وعن زياد بن صبيح قال: «صليت إلى جنب ابن عمر ووضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى، قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه» (٦). قال السندي: «وهيئة الصلب في الصلاة أن يضع يديه على خاصرتيه ويجافي بين عضديه في القيام» اهـ.

стр. 355

٢ - رفع البصر إلى السماء: وهو لا يجوز، لقوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتُخطفنَّ أبصارهم» (١). ٣ - النظر إلى ما يشغل في الصلاة: لحديث عائشة أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فقال: «شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية» (٢). ٤ - الالتفات لغير حاجة: وقد تقدم أنه يجوز الالتفات في الصلاة لحاجة، أما إذا لم تكن هناك حاجة تدعو إليه فلا يجوز. فعن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٣). ٥ - تشبيك الأصابع: ويكره في الصلاة أن يدخل أصابع إحدى اليدين بين أصابع الأخرى لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه» (٤). وعن إسماعيل بن أمية قال: «سألت نافعًا عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه، قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم» (٥). ٦ - فرقعة الأصابع: وهي إن قلَّت في الصلاة: كُرهت، لأنها مشغلة عن الصلاة، وإن كثرت: حَرُمت، لأن فيها تلاعبًا بالصلاة: وعن شعبة مولى ابن عباس قال: «صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت
следующие страницы →