← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعن سعيد بن عبيد قال: «رأيت سعيد بن جبير وهو يؤمهم في رمضان يردد هذه الآية: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٢) يرددها مرتين أو ثلاثًا» (٣). قلت: ولم يُنقل هذا في صلاة الفرض، فتركه أولى، والله أعلم. ٣ - البكاء والأنين في الصلاة: البكاء في الصلاة إن كان من خوف الله تعالى وذكر الجنة والنار ونحوه كان ممدوحًا مثابًا عليه، ولا يبطل الصلاة كما يظن بعض الناس، وكذلك إن كان لوجع أو مصيبة وكنت مغلوبًا عليك فلا شيء فيه أيضًا. ومما يدل على عدم بطلان الصلاة به: ١ - مدح الله تعالى للباكين بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٥). والآيتان تشملان المصلي وغيره. ٢ - وعن عبد الله بن الشخير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرِجل» (٦). وأزيز المرجل هو صوت غليان الماء في الإناء. ٣ - وعن علي قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (٧). ٤ - وعن ابن عمر قال: «لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له في الصلاة، فقال: «مُروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: «مروه فيصلي»، فعاودته قال: «مروه فيصلي، إنكن صواحب يوسف» (٨).

стр. 352

٥ - وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) (٢). فائدة: والأنين [وهو أن تقول «أَهْ»] والتأوه [قول «أُوه» أو «أُوَّه» أو «آه»] لا يبطلان الصلاة، لكن يكرهان إن كانا من غير حاجة. ٣ - النفخ أثناء الصلاة لحاجة: فعن عبد الله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله .... ثم نفخ في آخر سجوده فقال: «أف أف»، ثم قال: «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ...» (٣). وعن أيمن بن نابل قال: قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي -صاحب رسول الله ﷺ أتأذى بريش الحمام في مسجد الحرام إذا سجدنا، فقال: انفخوا» (٤). ٤ - النحنحة في الصلاة للحاجة: ولا بأس بها في الصلاة، «ذلك أن النبي ﷺ إنما حرم التكلم في الصلاة وقال: «إنه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلاً، فإنها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة» (٥) اهـ. ٥ - الكلام اليسير لمصلحة الصلاة: فإن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها إذا كان من الإمام أو المأموم شريطة ألا يكثر، وأن يتوقف التفهيم عليه. ومما يدل على ذلك حديث ذي اليدين المشهور في قصة صلاة النبي ﷺ بالناس العصر «.. فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا

стр. 353

رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : «كل ذلك لم يكن»، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله على الناس فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» (١). ووجه الدلالة أن الإمام والمأموم تكلما -لمصلحة الصلاة- قبل أن ينهيا الصلاة فكان في حكم الصلاة. ٦ - «الحمد» في الصلاة لمن عطس: فيجوز لمن عطس في الصلاة أن يحمد الله في نفسه، لكن لا يشتمه صاحبه. لحديث رفاعة بن مالك قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله وانصرف فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» ... فقال رفاعة: أنا يا رسول الله، .... ، فقال: «والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها ...» (٢). قال الشوكاني: «ويدل أيضًا على مشروعية الحمد في الصلاة لمن عطس ... ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها» اهـ. قلت: ومما يؤيد هذا أيضًا ما في حديث معاوية بن الحكم قال: بينما أنا أصلي مع النبي ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: الحمد لله، فقلت: يرحمك الله .... الحديث» (٣). وفيه أن النبي ﷺ قد نهى عن شمت العاطس ولم ينه العاطس عن الحمد فدل على مشروعيته والله أعلم. ٧ - «الحمد» في الصلاة للأمر السارِّ المُفْرِح: ففي حديث سهل بن سعد في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف

стр. 354

ليصلح بينهم فصلى بهم أبو بكر فلما أتى النبي وهم يصلون أراد أبو بكر أن يتراجع «... فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ...» (١). ٨ - تكليم المصلي وسؤاله للحاجة: فقد تقدم في قصة جابر لما أرسله النبي ﷺ إلى بني المصطلق أنه أتى النبي ﷺ وهو في الصلاة فكلمه، فلم يرد عليه وأشار إليه بيده (٢). وكذلك تقدم حديث أسماء قالت: «أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء ...» (٣). المنهيات في الصلاة وهي الأمور التي ورد النص بتحريمها أو كراهتها في الصلاة، لكن هذه المنهيات لا تبطل الصلاة، وإنما تنقص من أجر المصلي وهي: ١ - الاختصار (وضع اليد على الخَصْر في الصلاة): وهذا لا يجوز، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ «نهى عن الخصر في الصلاة» (٤). وعن عائشة أنها «كانت تكره أن يجعل المصلى يده في خاصرته وتقول: إن اليهود تفعله» (٥). وعن زياد بن صبيح قال: «صليت إلى جنب ابن عمر ووضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى، قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه» (٦). قال السندي: «وهيئة الصلب في الصلاة أن يضع يديه على خاصرتيه ويجافي بين عضديه في القيام» اهـ.

стр. 355

٢ - رفع البصر إلى السماء: وهو لا يجوز، لقوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتُخطفنَّ أبصارهم» (١). ٣ - النظر إلى ما يشغل في الصلاة: لحديث عائشة أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فقال: «شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية» (٢). ٤ - الالتفات لغير حاجة: وقد تقدم أنه يجوز الالتفات في الصلاة لحاجة، أما إذا لم تكن هناك حاجة تدعو إليه فلا يجوز. فعن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٣). ٥ - تشبيك الأصابع: ويكره في الصلاة أن يدخل أصابع إحدى اليدين بين أصابع الأخرى لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه» (٤). وعن إسماعيل بن أمية قال: «سألت نافعًا عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه، قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم» (٥). ٦ - فرقعة الأصابع: وهي إن قلَّت في الصلاة: كُرهت، لأنها مشغلة عن الصلاة، وإن كثرت: حَرُمت، لأن فيها تلاعبًا بالصلاة: وعن شعبة مولى ابن عباس قال: «صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت

стр. 356

أصابعي، فلما قضيت الصلاة، قال: لا أمَّ لك!! أتفقع أصابعك وأنت في الصلاة؟!» (١). ٧ - الالتحاف بالثوب وجعل اليدين من داخل فتركع وتسجد هكذا (السدل): لحديث أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ نهى عن السَدْل في الصلاة» (٢). والسَدْل هو: أن تلتحف بثوبك وتدخل يديك من داخل، فتركع وتسجد وهو كذلك. ٨ - التثاؤب في الصلاة: ولا يجوز التمادي فيه، بل يجب منعه بوضع اليد على الفم لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «التثاؤب [في الصلاة] من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» (٣). ولا تشرع الاستعاذة عند التثاؤب لعدم الدليل عليها، وهذا من الأشياء المنتشرة بين الناس ولا دليل عليها. ٩ - البصاق جهة القبلة أو عن اليمين: لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا قام يصلى فإن الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا» ثم طوى ثوبه بعضه على بعض (٤). ١٠ - تغميض العينين في الصلاة: وهو إن قُصد به القربة إلى الله حَرُم، لأنه يدخل في باب البدع، وإلا كُرَه، لمخالفته السنة. قال ابن القيم (٥): «ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة .... وقد يدل على ذلك مدُّ يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها، وصاحب المحجن، وكذلك مدافعته للبهمة التي أرادت أن تمر بين يديه .... [وذكر عدة أحاديث، ثم قال:] ... فهذه

стр. 357

الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة» اهـ. ١١ - التمطي في الصلاة: فيكره التمطي في الصلاة، أي التمدُّد، إلا إن كان يسيرًا للحاجة وذلك لأنه عمل ينافي الخشوع في الصلاة، وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٩) عن سعيد بن جبير قال: «التمطي ينقص الصلاة». ١٢ - التطبيق في الركوع: وهو جعل بطن الكف على بطن الكف الأخرى ووضعهما بين الركبتين والفخذين في الركوع. وقد كان هذا مشروعًا في أول الأمر ثم نُهي عنه. فعن مصعب بن سعد قال: «صليت إلى جنب أبي، قال: وجعلت يدي بين ركبتي، فقال لي أبي: اضرب بكفيك على ركبتيك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب» (١). ١٣ - قراءة القرآن في الركوع والسجود: لقول النبي ﷺ : «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ...» (٢). ١٤ - بسط الذراعين في السجود: لقول النبي ﷺ : «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (٣). فلا يجوز بسط الذراعين على الأرض وإنما يُرفع المرفقان كما تقدم. ١٥ - كفت الثوب (ضَمُّه ومَنْعُه من الانتشار على الأرض) عند السجود، ويدخل في هذا تشمير الكم في الصلاة: فعن ابن عباس قال: «أُمر النبي ﷺ أن يسجد على سبع ونُهي أن يكفت الشعر والثياب» (٤).

стр. 358

١٦ - الإقعاء (إلصاق الإليتين بالأرض ونصب الساقين ووضع اليدين على الأرض): وهذه الهيئة لا تجوز في الجلوس في الصلاة: لحديث عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: «... وكان ينهى عن عُقبة الشيطان ...» (١). وعقبة الشيطان: هي الإقعاء على الهيئة السابقة. وفي حديث أبي هريرة: «... ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب ...» (٢). فائدة: الإقعاء على هذا المعنى لا يجوز للأدلة المتقدمة، لكن أنبه على أن للإقعاء معنى آخر وهو نصب القدمين ووضيع الإليتين على العقبين في الجلوس بين السجودين، وهو مشروع كما تقدم. ١٧ - وضع اليد على الأرض في الجلوس في الصلاة إلا لعذر: فعن ابن عمر قال: «نهى النبي ﷺ إذا جلس الرجل في الصلاة أن يعتمد على يده اليسرى» (٣). وفي رواية أن ابن عمر قال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. ١٨ - سجود المريض على شيء مرتفع: فالمريض إن استطاع أن يسجد على الأرض فهو الواجب، وإلا فإنه يومئ إيماءً برأسه ولا يلزمه أن يضع وسادة أو نحوها ليسجد عليها. لحديث ابن عمر قال: «عاد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه مريضًا، وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العود، وأخذ وسادة فقال رسول الله ﷺ : «دعها عنك، إن استطعت أن تسجد على الأرض وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (٤).

стр. 359

١٩ - مسح الحصى من موضع السجود والعبث في الصلاة: إلا إن كان للحاجة الملحة، فيجوز مرة واحدة ولكن تركه أولى إذا كان وجود الحصى لا يؤدي إلى تقليل الخشوع. لحديث معيقيب أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: «إن كنت فاعلاً فواحدة» (١). وفي رواية أخرى: «لا تمسح وأنت تصلي، وإن كنت لابد فاعلاً فواحدةٍ لتسوية الحصى» (٢). فائدة: إذا تعلَّق بالجبهة تراب أو حصى من السجود بالأرض فإنه يكره إزالته لما فيه من العمل المشغل عن الصلاة ولا سيما إذا تكرر وكثر. فعن أبي سعيد قال: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته» (٣). وقال ابن مسعود: أربع من الجفاء: ... وذكر منها «ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته» (٤). فإن كان يؤذي المصلي فإنه يُزال ويمسح والله أعلم. ٢٠ - تقديم النزول بالركبتين قبل اليدين على الأرض في السجود: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه» (٥). ٢١ - الإشارة باليدين إلى الجانبين عند التسليم: وهذه الإشارة عند التسليم منتشرة بين عوام الرجال والنساء وهي منهي عنها في الصلاة. فعن جابر بن سمرة أنه قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام

стр. 360

عليكم ورحمة الله، السلام عليك ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : «علامَ تُومئُون بأيديكم كأذناب خيل شُمْس (١)؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذَه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله» (٢). ٢٢ - مسابقة الإمام في الصلاة: لقول النبي ﷺ : «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو: يجعل الله صورته صورة حمار» (٣). ٢٣ - الصلاة بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط: فعن عائشة قالت سمعت النبي ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٤). مبطلات الصلاة ١ - تيقن الحدث المبطل للوضوء: فقد شُكي إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يُخَيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٥). ٢ - ترك شرط من شروط الصلاة أو ركن من أركانها بدون عذر: لقول النبي ﷺ للمسيء صلاته لما رآه لا يطمئن في صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» (٦). وقد ذكرنا من قبل شروط الصلاة وأركانها فراجعها. ٣ - الأكل والشرب عمدًا: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدًا أن عليه الإعادة. وكذا في صلاة التطوع عند الجمهور، لأن ما أبطل الفرض يبطل التطوع.

стр. 361

٤ - الكلام عمدًا لغير مصلحة الصلاة: فعن زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، فأمرنا بالسكوت [ونهينا عن الكلام]» (٢). فائدة: من تكلم في الصلاة ناسيًا أو جاهلاً بالحكم لم تبطل صلاته ففي حديث معاوية بن الحكم في قصة صلاته مع النبي ﷺ وعطس رجل من القوم فحمد الله فقال له: يرحمك الله، فجعل الناس ينظرون إليه فقال: واثكل أُمياه ما لكم تنظرون إلي .... ، الحديث وفيه أنه تكلم وأن النبي ﷺ لم يبطل صلاته ولم يأمره بالإعادة لأنه كان جاهلاً بالحكم وإنما قال له: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٣). ٥ - الضحك الذي يظهر معه الصوت: وهو مبطل للصلاة بالإجماع كما نقله ابن المنذر، وذلك لأنه أفحش من الكلام، لما يصاحبه من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها. وقد جاءت عدة آثار عن الصحابة ﵃ تدل على بطلان الصلاة بالضحك (٤). فائدة: أما التبسُّم فلا يبطل الصلاة، لكن إن كان لغير عذر كرُه فعن جابر قال: «لا يقطع الصلاة التبسم، ولكن يقطع القرقرة» (٥). القنوت في الفرائض أولاً: القنوت في صلاة الفجر (٦): اختلف أهل العلم في مشروعية القنوت في الفجر وفي الوجه الذي يكون عليه، على أربعة أقوال:

стр. 362

الأول: أنه سُنَّة مؤكدة راتبة، يستحب المداومة عليه: وهو مذهب مالك والشافعي (١) وحجة هذا القول ما يلي: ١ - حديث البراء بن عازب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنتُ في الصبح [والمغرب] (٢). ٢ - حديث أنس أنه سئل: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: «نعم» فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: «بعد الركوع يسيرًا» (٣). ٣ - حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» ثم يقول وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنى يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله» ثم بلغنا (٤) أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥) (٦). ٤ - ونحوه عن ابن عمر أنه: سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ .... فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٧) (٨). قالوا: ووجه الدلالة منهما أن النبي ﷺ كان يقنت بعد القيام من الركوع في الفجر، وهذا يدل على المداومة، وأما تركه لذلك بنزول الآية فلا يعكِّر علينا

стр. 363

لأمرين، أحدهما: أن هذا القول بلاغ من قول الزهري كما في رواية أبي هريرة، وهو منقطع لا يصح (١)، وعلى فرض صحته فهو متوجِّه إلى المراد: ترك اللعن لا ترك الدعاء جملة (٢). ٥ - ما يُروى عن أنس قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» (٣) وهو منكر لا يصح. القول الثاني: أن القنوت -في الفجر وغيره- منسوخ وبدعة: وهو مذهب أبي حنيفة (٤) واستُدل له بما يلي: ١ - حديث أبي مالك الأشجعي قال: يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: «أي بُنَيُّ محُدَث» (٥). وأُجيب عنه: بأن والد أبي مالك -طارق بن أشيم ﵁ مقل من الرواية عن النبي ﷺ ولم يعرف بملازمته ﷺ ، ولا يبعد أن يخفى عليه قنوته ﷺ ، فقد خفيت أشياء على أكابر الصحابة وأكثرهم ملازمة للنبي ﷺ (٦) وقد أثبت القنوت غير طارق، ومن علم حجة على من لم يعلم. قلت: ثم قد ثبت القنوت عن الخلفاء الأربعة كذلك!! ٢ - ما رُوى عن أم سلمة قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن القنوت في الفجر» (٧). ٣ - ما رُوى عن ابن مسعود قال: «لم يقنت النبي ﷺ إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده» (٨).

стр. 364

٤ - ونحوه عن ابن عمر قال: «إنما بدعة، ما فعله رسول الله ﷺ إلا شهرًا ثم تركه» (١). وهذه الثلاثة ضعيفة لا يحتج بها، لكن ثبت عن ابن عمر أنه قال: «ما شهدتُ أن أحدًا فعله» (٢)!! وعن ابن مسعود: «أنه كان لا يقنتُ في صلاة الفجر» (٣). ٥ - أن الترك في حديث ابن عمر وأبي هريرة -المتقدمين في أدلة الفريق الأول- يدلُّ على النسخ، وقد تقدم الإجابة عن ذلك من وجهين. ٦ - قالوا: قد قنت النبي ﷺ في الفجر والمغرب، ونُسخ في المغرب بالاتفاق فكذلك الفجر (!!) وأُجيب: بأنه لا يسلَّم النسخ في هذا ولا ذاك. القول الثالث: لا يقنت إلا في النازلة: وهو مذهب أحمد (٤) وبعض متأخري الحنفية ويُستدلُّ له: بحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم» (٥). القول الرابع: يجوز فعله وتركه: وهو قول الثوري وابن جرير الطبري وابن حزم وابن القيم (٦). قالوا: ثبت من مجموع الروايات أنه ﷺ كان يفعله أحيانًا ويتركه أحيانًا معلمًا بذلك أمته أنهم مُخيًّرون في العمل به والترك. وقال ابن القيم: «فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء [يعني: الذين منعوه

стр. 365

مطلقًا] وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفًا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفًا للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن» اهـ. الراجح: لا شك أن المداومة على قنوت الفجر لم تكن من هديه ﷺ ، ولا شك أن النبي ﷺ فعله، فيبقى الأمر دائرًا بين أن يكون سنة في النوازل فقط، أو أن يُفعل تارة ويترك أخرى، وإن كان الذي يظهر لي من خلال الأحاديث الثابتة في المسألة أن الأقرب أنه لا يقنت إلا في النازلة، لا للحديث الذي استُدل به لأصحاب المذهب الثالث، وإنما لأن الظاهر من الأحاديث المفضلة لدعاء النبي ﷺ في قنوت الفجر فيها جميعًا الدعاء على قوم أو لقوم، وكذلك الذي ثبت عن عمر بن الخطاب ففيه: «.. وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب ... اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردُّه عن القوم المجرمين .....» (١). على أنني أُؤكد أن هذا لا يقتضي تبديع المخالف، ولا ترك الصلاة خلفه، فهذا من الجهل بدين الله سبحانه، الذي نبرأ إلى الله منه، ولله درُّ الإمام أحمد حين سئل: عن قوم يقنتون بالبصرة، كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: «قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت، وخلف من لا يقنت» اهـ (٢). القنوت -في الفجر- يكون بعد الركوع: فإن الثابت في أحاديث أنس وابن عمر وأبي هريرة المتقدمة أن النبي ﷺ قنت بعد القيام من الركوع، وبهذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق وهو رواية عن مالك. وذهب مالك -في المشهور عنه- إلى أن محلَّه قبل الركوع، وهذا ثابت عن بعض الصحابة كعمر وعليِّ وابن عباس ﵃، فالأمر واسع، لكن الأول أولى كما لا يخفى.

стр. 366

ثانيًا: القنوت في الصلوات الخمس: يشرع القنوت في الصلوات الخمس جميعًا إذا نزلت بالمسلمين نازلة، لحديث ابن عباس قال: «قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمد من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه» (١). فوائد تتعلق بالقنوت: ١ - يرفع الإمام صوته بالدعاء: لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ولذا نقل أنس وأبو هريرة وابن عباس دعاءه في القنوت. ٢ - يؤمِّن الناس خلف الإمام: لما في حديث ابن عباس المتقدم «.. ويؤمِّن من خلفه» قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه خلافًا». وعن أبي عثمان قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب فقرأ بمائتي آية من البقرة، وقنت بعد الركوع، ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ورفع صوته بالدعاء حتى سمع من وراء الحائط» (٢). ٣ - هل تُرفع الأيدي في القنوت؟ (٣) ذهب جمهور أهل العلم منهم أبو حنيفة وأحمد وإسحاق -وهو أصح الوجهين عند الشافعية- إلى أنهم يرفعون الأيدي في القنوت، وحكاه ابن المنذر عن عمر -وقد صحَّ عنه كما تقدم- وابن مسعود وغيرهما، ويؤيد هذا المذهب ما جاء في حديث أنس: «أن النبي ﷺ -في صلاة الغداة- رفع يديه فدعا عليهم .... الحديث» (٤). وقال مالك: لا ترفع الأيدي، والأول أصح، والله أعلم. وستأتي مسائل أخرى تتعلق بالقنوت في «الوتر»، إن شاء الله.

стр. 367

صلاة التطوُّع تعريفها: التطوع في الأصل: فعل الطاعة، وصار في الشرع مخصوصًا بطاعة غير واجبة. وصلاة التطوع هي ما زادت على الصلوات المفروضة، لقول النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال السائل: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع» (١). أهميَّة صلاة التطوع: ١ - الصلاة خير الأعمال: الصلاة أفضل عبادات البدن، وخير ما يتُقرب به إلى الله ، فقد قال النبي ﷺ : «استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (٢). ٢ - الرفعة في الجنة بكثرة التطوع: عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال: قال الرسول ﷺ : «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعنَّي على نفسك بكثرة السجود» (٣). وفي حديث ثوبان أنه سأل رسول الله ﷺ عن عمل يدخله الجنة فقال: «عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ...» (٤). ٣ - جبر النقص في الفرائض: عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف [من صلاته] وما كتب له إلا عُشْرها تُسْعها ثمنها سْبعها سْدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» (٥). وقد شرعت صلاة التطوع لتكون جبرًا وتكميلاً لما قد يقع في الفرائض من

стр. 368

نقص، فقد قال ﷺ : «أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا للملائكة -وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتَّمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضة من تطوُّعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» (١). أقسام صلاة التطوع: [١] تطوع مطلق: وهو الذي لا سبب له، ولا حصر له، ولا لعدد ركعات الواحدة منه، وله أن ينوي عددًا وله أن لا ينويه، بل يقتصر على نية الصلاة، فإذا شرع في تطوع ولم ينو عددًا فله أن يسلم من ركعة وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو أكثر، ولو صلى عددًا لا يعلمه ثم سلَّم صحَّ (٢). فعن أبي ذر ﵁ أنه صلى عددًا كثيرًا، فلما سلَّم قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: إلا أكن أدري فإن الله يدري، إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة» (٣). متى يتشهد؟ إن تطوع بركعة فلابد من التشهد عقبها، وإن زاد على ركعة فله أن يقتصر على تشهد واحد في آخر صلاته، وهذا التشهد ركن لابد منه، وله أن يتشهد في كل ركعتين كما في الفرائض الرباعية، فإن كان العدد وترًا فلابد من التشهد في الآخرة أيضًا إن كانت صلاته أربعًا، فإن كانت ستًّا أو عشرًا أو أكثر من ذلك شفعًا كانت أو وترًا ففيها أربعة أوجه (٤): ١ - يجوز أن يتشهد في كل ركعتين وإن كثرت التشهدات، ويتشهد في الآخرة، وله أن يقتصر على تشهده في الآخرة، وله أن يتشهد في كل أربع أو ثلاث أو ست وغير ذلك، ولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة لأنه اختراع صورة في الصلاة لا عهد بها.

стр. 369

٢ - لا يجوز الزيادة على تشهدين بحال من الصلاة الواحدة، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين إن كان العدد شفعًا، فإن كان وترًا لم يجز بينهما أكثر من ركعة، قال النووي: وهو قوي، وظاهر السنة يقتضيه. اهـ. قلت: وسيأتي الدليل عليه في «قيام الليل». ٣ - أن لا يجلس إلا في الآخرة، قال النووي: وهو غلط، قلت: بل ثبت فعل النبي ﷺ له، كما سيأتي في «الوتر». ٤ - يجوز التشهد في كل ركعتين وفي كل ركعة، قال النووي: وهو ضعيف أو باطل. الأفضل أن تصلي ركعتين ركعتين: لا خلاف في أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين في نوافل الليل والنهار، وقد رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل [والنهار] مثنى مثنى» (١) ولا يصح. والصحيح قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٢). وهذا الذي ذكرتُ من جواز جمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلِّم من كل ركعتين، هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر، وحكى عن الحسن وسعيد بن جبير. وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار سواء في الفضيلة ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة ولا يزيد على ثمان. [٢] التطوع المقيَّد: وهي الصلوات التي ورد النص بمشروعيتها، وهي نوعان: (أ) السنن الرواتب: وهي السنن التابعة للفرائض الخمس، ومن هذه السنن ما يتقدم على الفرائض، وتسمى (السنة القبلية)، ومنها ما يتأخر عنها، وتسمى (السنة البعدية) وفي ذلك معنى لطيف مناسب:

стр. 370

أما في التقديم فلأن النفوس -لاشتغالها بأسباب الدنيا -تكون بعيدة عن حال الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قُدِّمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة. - وأما تأخيرها عنها، فلما تقدم من أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الذي يقع فيه. الرواتب: مؤكدة، وغير مؤكدة: وهذه السنن التابعة للفرائض منها ما هو مؤكد قد داوم عليه رسول الله ﷺ ، وهي عشر، فعن ابن عمر ﵄ قال: «حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح (١). وبهذا قال الشافعية والحنابلة (٢). وعند الحنفية (٣) الرواتب المؤكدة اثنتا عشرة: كالعشر السابقة لكن قبل الظهر أربع، لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر» (٤). وعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُنى له بهن بيتُ في الجنة» قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ (٥). زاد الترمذي: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر». وأما المالكية فلا تحديد لعدد ركعات السنن الرواتب عندهم، بل يكفي في تحصيل الندب ركعتان في كل وقت. ومن السنن الرواتب ما ليس بمؤكد، وهي ما ورد الندب إلى فعلها في الجملة من غير تأكيد.

стр. 371

سُنَّة الفجر: توكيدها: من آكد السنن الراتبة: ركعتان قبل صلاة الفجر، فعن عائشة ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر» (١) وفي لفظ «لم يكن يدعهما أبدًا» (٢) وذلك لما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٣). قال ابن القيم: في «الزاد» (١/ ٣١٥): «.. ولذا لم يدعها -يعني النبي ﷺ هي والوتر سفرًا ولا حضرًا، وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشدُّ من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما» اهـ. تخفيفهما: يُسَنُّ تخفيف ركعتي الفجر، بشرط أن لا تخل بواجب، فعن ابن عمر قال: أخبرتني حفصة «أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة» (٤). وعن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» (٥). وعنها قالت: «كان النبي ﷺ يُخفِّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟» (٦). القراءة فيهما بعد الفاتحة: ثبت عن النبي ﷺ في القراءة في ركعتي سنة الفجر أَوْجُه: ١ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «قرأ في ركعتي الفجر: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)» (٧).

стр. 372

٢ - عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ...﴾ (١). والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢)» (٣). فيقرأ بعد الفاتحة في الأولى الآية (١٣٦) من البقرة، وبعدها في الثانية الآية (٦٤) من آل عمران. ٣ - وربما استدل آية آل عمران في الثانية بقوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (٤) إلى آخر الآية كما في حديث ابن عباس (٥). قلت: والأولى أن ينوِّع المرء بين هذا كله إصابة للسنة، كما هو الشأن في سائر العبادات التي صحت على أوجه متنوعة والله أعلم. الاضطجاع على الجنب الأيمن بعدهما: عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة» (٦). وقد اختلف أهل العلم في حكم الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر على أقوال (٧): ١ - يستحب مطلقًا: وهو مذهب الشافعي وبه قال أبو موسى الأشعري ورافع ابن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة ﵃، وبه قال ابن سيرين والفقهاء السبعة. ٢ - أن الاضطجاع واجب: وهو مذهب أبي محمد بن حزمن بل أغرب ﵀ فجعله شرطًا لصحة صلاة الفجر!! قال شيخ الإسلام: «وهذا مما تفرَّد به عن الأمة» (٨) اهـ.

стр. 373

قلت: مستنده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلىَّ أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنيه الأيمن» (١). وأجيب بأن الحديث متكلم فيه، وعلى فرض صحته، فالأمر فيه مصروف إلى الاستحباب بحديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدَّثني وإلا اضطجع» (٢). وظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها، فكان ذلك قرينة لصرف الأمر إلى الندب، وأجيب بأن تركه ﷺ لما أمر به أمرًا خاصًّا بالأمة لا يعارض ذلك الأمر الخاص ولا يصرفه عن حقيقته كما تقرر في الأصول، قلت: هذا إذا ثبت الحديث!! ٣ - أنه مكروه: وهو قول جمع من السلف منهم ابن مسعود وابن المسيب والنخعي، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء، وحجتهم أن النبي ﷺ لم يعرف عنه أنه عمل في المسجد إذا لو عمل به لتواتر نقله!! ٤ - أنه خلاف الأولى: وهو مروي عن الحسن البصري. ٥ - أنه مستحب لمن يقوم الليل ليستريح: وهو اختيار ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية. ٦ - أن الاضطجاع ليس مقصودًا لذاته بل للفصل بين السنة والفرض: وهو مروي عن الشافعي، وهو مردود، لأن الفصل يمكن أن يكون بشيء غير الاضطجاع. قلت: والراجح أن الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر مستحب بشرطين: الأول: أن يكون في البيت لا في المسجد لعدم نقله عن النبي ﷺ فيه، والثاني: أن يكون الشخص ممن يستطيع القيام لصلاة الفجر ولا ينام عنها، والله أعلم. قضاؤهما: من فاتته ركعتا سنة الفجر -لعذر- فإنه يشرع له قضاؤهما متى زال عذره لما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة قال عرَّسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ : «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا

стр. 374

فيه الشيطان» قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضَّأ، ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلَّى الغداة (١). ونحوه حديث عمران بن حصين وقد تقدم. ٢ - حديث قيس بن عمرو قال رأس رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ : «صلاة الصبح ركعتان» «فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ (٢). ولا يعارض ما تقدم حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يصلِّ ركعتي الفجر، فليصلهما بعد ما تطلق الشمس» (٣) فإنه ليس صريحًا في أن من تركهما لا يصليهما إلا بعد طلوع الشمس -كما قال الجمهور- إذ ليس فيه إلا الأمر لمن لم يصلهما مطلقًا أن يصليهما بعد طلوع الشمس، ولا شك أنهما إذا تركا في وقت الأداء فُعِلا في وقت القضاء، وليس في الحديث ما يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح، والله أعلم. هل يتطوع -بعد طلوع الفجر- سوى ركعتي الفجر؟ (٤). اختلف أهل العلم في التطوع بعد طلوع الفجر سوى ركعتي السنة اللتين قبل صلاة الفجر على قولين: الأول: يُكره التطوع بغير ركعتي الفجر: وهو قول أكثر السلف منهم الحسن البصري والنخعي وسعيد بن المسيب وأصحاب الرأي، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر وفي إسنادهما مقال. وعن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلُّوا بعد الفجر إلا سجدتين» (٥). الثاني: لا بأس أن يتطوع بعد طلوع الفجر: وقد حكاه ابن المنذر عن الحسن

стр. 375

البصري -أيضًا- قال: وكان مالك يرى أن يفعل ذلك من فاتته صلاته بالليل، وهو مروي عن بلال ﵁. قلت: والأول أقوى ويؤيده حديث ابن عمر عن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر» (١) وهو يقوى حديث ابن عمر السابق -وإن لم يكن مردُّه إلى حديث حفصة!! - ويستثنى من هذا قضاء الفائتة وصلاة ذات السبب كما تقدم في أوقات النهي، والله أعلم. تنبيهان: ١ - لا يكره الكلام بعد ركعتي الفجر: خلافًا لما ورد عن بعض أصحاب النبي ﷺ وغيرهم كأحمد وإسحاق، من كراهة الكلام بعد طلوع الفجر حتى يصلى الفجر إلا ما كان من ذكر الله أو مما لا بد منه، إذ لا دليل على ذلك، بل في حديث عائشة الذي تقدم دليل على خلافه، وهو قولها: «فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع». ٢ - لا يثبت عن النبي ﷺ شيء في الدعاء بعد الفراغ من ركعتي الفجر: وفيهما حديثان ضعيفان جدًّا لا يجوز العمل بهما حتى عند القائلين بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لشدة ضعفهما (٢). سُنَّة الظهر: وردت سنة الظهر على ثلاثة أوجه: الأول: ركعتان قبلها وركعتان بعدها: كما في حديث ابن عمر قال: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح» (٣). الثاني: أربع ركعات قبلها واثنتان بعدها: فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر» (٤).

стр. 376

وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: «كان يصلي قبل الظهر أربعًا واثنتين بعدها» (١). وقد تقدم نحوه من حديث أم حبيبة ﵂. الثالث: أربع ركعات قبلها وأربع بعدها: لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلَّى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعًا بعدها حرَّمه الله على النار» (٢). فائدة: الأولى أن تصلى الأربع ركعتين ركعتين، وأما حديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع قبل الظهر لا يُسلَّم فيهن، تفتح لهن أبواب السماء» (٣) فضعيف لا يصح. قضاء سنة الظهر: - قضاء السنة القبلية: من فاتته السنة قبل الظهر -لعذر- فإنه يقضيها بعدها، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر صلاهنَّ بعدها» (٤). - قضاء السنة البعدية: وكذلك يقضي السنة البعدية للظهر إذا زال عذره، ولو بعد صلاة العصر، لحديث أم سلمة أنها رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر -وقد نَهَى ذلك- فسألته عنهما فقال: «يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، فإنه أتاني أناس من بني عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٥).

стр. 377

سنة العصر: ليس للعصر سنة راتبة مؤكدة، لكن يستحب أن يصلي قبلها ركعتين، لعموم قوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» (١) والمراد بين الأذان والإقامة وقد ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا» (٢). والحديث -عند من يصححه- يدل على مشروعية صلاة أربع قبل العصر. تنبيه: ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًّا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر» (٣). وعنها قالت: «ما ترك النبي ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قطُّ» (٤). وهذه المواظبة من النبي ﷺ على الصلاة بعد العصر إنما هي من خصائصه ﷺ كما ذكر غير واحد من أهل العلم (٥) قلت: ولعل هذا يتأيد بقولها ﵂: «والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله [تعني: الركعتين بعد العصر] ... وكان النبي ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يُثَقِّل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم» (٦). سنة المغرب: - قبلها: يستحب -لمن شاء- أن يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب لما يأتي: ١ - حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة راتبة (٧). ٢ - حديث أنس بن مالك قال: «كان المؤذن إذا أذَّن، قام الناس من أصحاب

стр. 378

رسول الله ﷺ يبتدرون السوراي (١) يصلَّون، حتى يخرج رسول الله ﷺ عليهم وهم كذلك، يصلُّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء» (٢). وهو يدل على استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر. والله أعلم. ٣ - حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: «بين كل أذانين صلاة -ثلاثًا- لمن شاء» (٣). ٤ - حديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صلاة مرفوضة إلا وبين يديها ركعتان» (٤). - بعدها: ويتأكد صلاة ركعتين بعد صلاة المغرب كما تقدم في أحاديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. ويستحب أن تصلى الركعتان بعد المغرب في البيت، لحديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ لا يصلي الركعتين بعد المغرب، والركعتين بعد الجمعة إلا في بيته» (٥). وعن محمود بن لبيد قال: أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلَّم قال: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» (٦). والقراءة فيهما: ويستحب أن يقرأ فيهما: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) بعد الفاتحة لحديث ابن مسعود قال: «ما أحصى ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر بـ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)» (٧). سنة العشاء: - قبلها: يستحب -لمن شاء- صلاة ركعتين قبل العشاء، لعموم الندب إلى الصلاة قبل الفريضة وقد تقدم.

стр. 379

- بعدها: يتأكد صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء، كما تقدم في أحاديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. ملخص ما سبق في السنن الراتبة: الصلاة ... عدد ركعات الفريضة ... الراتبة المؤكدة (قبلية) ... الراتبة المؤكدة (بعدية) ... الراتبة غير المؤكدة الفجر .... ٢ ..................... ٢ ..................... - ...................... - الظهر .... ٤ .................... - (٢) أو (٤) ......... ٢ ...................... ٢ بعد العصر ... ٤ .................... - ...................... - ..................... ٢ قبل المغرب ... ٣ ................... - ...................... ٢ ..................... ٢ قبل العشاء ... ٤ ................... - ....................... ٢ ..................... ٢ قبل (ب) السنن غير الرواتب: وهي الصلوات التي لا تكون تابعة أو مرتبطة بالصلوات المفروضة وهي: صلاة الوتر تعريفها: الوتر (بفتح الواو وكسرها) لغة: العدد الفردي كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قول النبي ﷺ : «إن الله وتر يحب الوتر» (١) وكقوله: «من استجمر فليوتر» (٢) والوتر اصطلاحًا: صلاة الوتر، وهي صلاة تفعل ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، تختم بها صلاة لليل، وسميت بذلك لأنها تصلى وترًا ركعة واحدة أو ثلاثًا أو أكثر ولا تكون شفعًا. وصلاة الوتر اختلف فيها، فقيل: هي جزء من صلاة القيام والتهجد، وقيل: هي غير التهجد (٣). حُكْم الوتر: لأهل العلم في حكم الوتر قولان:

стр. 380

الأول: أنه واجب: وهو مذهب أبي حنيفة (١)، وهو من مفرداته، حتى قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا وافق أبا حنيفة في هذا. اهـ. وحجة هذا القول: ١ - حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من لم يوتر فليس منا» (٢). ٢ - حديث أبي أيوب مرفوعًا: «الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (٣). ٣ - حديث أبي بصرة مرفوعًا: «إن الله زادكم صلاة، وهي صلاة الوتر، فصلوها فيما بين العشاء إلى الفجر» (٤). ٤ - حديث ابن عمر مرفوعًا: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٥). ٥ - حديث أبي سعيد مرفوعًا: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (٦). ٦ - حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل فإذا أوتر قال: «قومي فأوتري يا عائشة» (٧). القول الثاني: أنه سنة مؤكدة: وهو مذهب جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وصاحبي أبي حنيفة. وأجابوا عن أدلة أبي حنيفة -مما تقدم وما في معناه- بأن أكثرها ضعيف لا يثبت، وما صح منها وكان مفيدًا ظاهره للإيجاب، فهو مصروف إلى الندب بما يأتي: ١ - حديث طلحة بن عبيد الله في الرجل الذي جاء يسأل النبي ﷺ فقال

стр. 381

صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: «لا، إلا أن تطوع» ... فقال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال ﷺ : «أفلح إن صدق» (١) ففي هذا الحديث وحده أربعة أدلة على أن الوتر ليس بواجب، فتأمله. ٢ - حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوه ...» الحديث (٢). وهو من أقوى ما يستدل به لأن بعث معاذ لليمن كان قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، ولو كان الوتر واجبًا أو شيئًا زاده الله للناس على صلواتهم، لأمره ﷺ أن يخبرهم بأن الله قد فرض عليهم ست صلوات لا خمسًا. ٣ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر» (٣) فلم يذكر الوتر في الصلوات المذكورة وهي واجبة. ٤ - حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير» (٤) ولو كان الوتر واجبًا لما جاز فعله على الراحلة كما تقدم. ٥ - حديث ابن محيريز عن المُخَدَّجي قال: سأل رجل أبا محمد -رجلاً من الأنصار- عن الوتر، فقال: الوتر واجب كوجوب الصلاة، فأتى عبادة بن الصامت، فذكر ذلك له، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده ...» (٥). الحديث. والراجح ضعفه. ٦ - حديث جابر قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثماني ركعات، وأوتر، فلما كانت الليلة القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج

стр. 382

فيصلى بنا، فأقمنا فيه حتى أصبحنا فقلنا: يا رسول الله رجونا أن تخرج فتصلي بنا، فقال: «إني كرهت -أو خشيت- أن يُكتب عليكم الوتر» (١) وهو ضعيف كذلك. فائدة: اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الوتر واجب على من له ورد من قيام الليل (٢). قلت: لعل مستنده قوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» وقد تقدم قريبًا. وقت الوتر: أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر، ثم اختلفوا في جوازه بعد الفجر على خمسة أقوال، أشهرها قولان (٣): الأول: لا يجوز بعد طلوع الفجر: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة، وسفيان الثوري وإسحاق وعطاء والنخعي وسعيد بن جبير، وهو مروي عن ابن عمر، وحجتهم: ١ - حديث خارجة بن حذافة -المتقدم قريبًا- وفيه: «فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (٤). ٢ - حديث أبي سعيد مرفوعًا: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (٥) وفي لفظ له: «من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له» (٦). ٣ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بادروا الصبح بالوتر» (٧). ٤ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (٨).

стр. 383

٥ - عن ابن عمر قال: إذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر، فإن رسول الله ﷺ قال: «أوتروا قبل الفجر» (١). الثاني: يجوز بعد طلوع الفجر ما لم يُصِّل الصبح: وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، واستدلوا بآثار وردت عن الصحابة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر، منهم ابن مسعود وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وعائشة، ولم يُرو عن غيرهم من الصحابة خلافه. الراجح: الذي يظهر أن الأول أرجح لقوة أدلته، وأما الآثار عن الصحابة فالظاهر -كما يقول ابن رشد- أنها ليست مخالفة للآثار المتقدمة، بل إجازتهم لذلك هو من باب القضاء، لا من باب الأداء، وإنما يكون قولهم خلاف الآثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب الأداء فتأمل، ثم إنه ينبغي أن تُتَأمَّل صفة النفل في ذلك عنهم!! وقته المستحب: تقدم أنه يجوز الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والأفضل أن يكون في الثلث الأخير من الليل. فعن عائشة قالت: «من كلِّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ : من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر» (٢). ويستحب -بالاتفاق- أن يجعل الوتر آخر النوافل التي يصليها بالليل، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٣). وهذا إذا وثق باستيقاظه آخر الليل فيستحب له تأخير الوتر لآخر الليل، فإن خشي ألا يستيقظ للوتر آخر الليل فيستحب أن يوتر قبل النوم: لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاف منكم ألا يستيقظ من آخر الليل، فليوتر من أوله وليرقد، ومن طمع منكم أن يستيقظ من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن صلاة آخر الليل محضورة، فذلك أفضل» (٤). وعن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: أوتر ثم أنام،

стр. 384

فقال لعمر: «متى توتر؟» قال: أنام ثم أوتر، قال: فقال لأبي بكر: «أخذت بالحزم أو الوثيقة» وقال لعمر: «أخذت بالقوة» (١). هل يجوز التنفُل بعد الوتر؟ وهل يكرر الوتر؟ من صلى الوتر، ثم بدا له بعد ذلك أن يصلي نفلاً، فللعلماء فيه قولان (٢): الأول: أنه يجوز، وله أن يصلي ما شاء لكن لا يعيد الوتر: وهو مذهب أكثر العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة والمشهور عند الشافعية وبه قال النخعي والأوزاعي وعلقمة، وهو مروي عن أبي بكر وسعد وعمار وابن عباس وعائشة ﵃. فأما جواز الصلاة بعد الوتر فيستدل له ما يأتي: ١ - حديث عائشة أن النبي ﷺ : «كان يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلِّم وهو قاعد» (٣). ٢ - حديث أم سلمة أنه ﷺ : «كان يركع ركعتين بعد الوتر وهو جالس» (٤). ٣ - حديث جابر -المتقدم- أن رسول الله ﷺ قال: «من خاف منكم ألا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أوله وليرقد ... الحديث» (٥) ويُفهم منه أنه إذا استيقظ -وقد أوتر قبل النوم- فله أن يصلي كما هو واضح. وأما منع تكرير الوتر، فلحديث طلق بن علي أن النبي ﷺ قال: «لا وتران في ليلة» (٦). الثاني: لا يجوز التنفل بعد الوتر إلا أن ينقض وتره ويصلي ثم يوتر: ومعنى نقض الوتر، أن يبدأ نفله بركعة يشفع بها وتره، ثم يصلي شفعًا ما شاء ثم يوتر، وهذا هو القول الآخر عند الشافعية وهو مروي عن عثمان وعلي وأسامة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ﵃، وحجتهم:

стр. 385

قوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (١). والراجح: القول الأول لثبوت فعل النافلة بعد الوتر عن النبي ﷺ ، فدلَّ على الجواز، ولأن نقض الوتر -على الوجه الذي تقدم- ضعيف من وجهين: ١ - أن الوتر الأول مضى على صحته، فلا يتوجه بإبطاله بعد فراغه، ولا ينقلب إلى النفل بتشفيعه. ٢ - أن النفل بواحدة غير معروف في الشرع. والله تعالى أعلم. عدد ركعات الوتر وصفته: يجوز الوتر بركعة واحدة، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع. ١ - الوتر بركعة واحدة: وهو جائز عند الجمهور لأنه يحصل بالركعة الوتر، ولقوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلَّى واحدة فأوترت له ما قد صلى» (٢). ولحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «الوتر ركعة من آخر الليل» (٣). وعن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة» (٤). وأما أبو حنيفة فقال: لا يكون الوتر إلا ثلاثًا، لحديث: «المغرب وتر النهار» (٥). فلما شبِّهت المغرب بوتر صلاة الليل -وكانت ثلاثًا- وجب أن يكون وتر صلاة الليل ثلاثًا!! قلت: لا يمنع كون صلاة المغرب -وهو ثلاث- وترًا، أن يكون غيرها أيضًا وترًا، ثم إذا كان المغرب وتر النهار، فقد دلَّت الأدلة المتقدمة على أن الركعة الواحدة وتر الليل، وهو واضح.

стр. 386

٢ - الوتر بثلاث ركعات: وهو جائز على صفتين، كلتاهما مشروعة وهما: الأولى: أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الثالثة وحدها: فعن ابن عمر «أنه كان يسلِّم بين الركعتين والوتر حتى يأمر ببعض حاجته» (١). وقد ورد مرفوعًا عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يفصل الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه» (٢). ويشهد له حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ويقرأ في الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ (٣). وقد بوب عليه في «صحيح ابن حبان»: (ذكر الخبر الدال على أن النبي ﷺ كان يفصل بالتسليم بين الركعتين والثالثة). الثانية: أن يصلي الثلاث بتشهد واحد: فعن عائشة قالت: «ما كان رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره يزيد على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا ...» (٤). وعنها: «كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن» (٥). تنبيه: لا يُشرع أن يصلي ثلاثًا بتشهدين وتسليم كصلاة المغرب، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا توتروا بثلاث، أو توتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب» (٦).

стр. 387

ما يقرأ في الثلاث: إذا أوتر بثلاث فيستحب أن يقرأ بما يأتي في الحديثين: عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة ركعة» (١) يعني: في كل ركعة سورة منها. وعن أُبي بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فإذا سلَّم قال: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدُّوس ثلاث مرات» (٢)، وبهذين الحديثين قال الحنابلة، واستحب المالكية والشافعية أن يزيد في الثالثة المعوذتين لحديث عائشة الذي تقدم، ولا يثبت، والله أعلم. ٣ - الوتر بخمس ركعات: وهو جائز، ويستحب إن أوتر بخمس ألا يجلس للتشهد إلا في الخامسة: فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها» (٣). ٤ - الوتر بسبع أو تسع ركعات: وهو جائز، ويستحب إن أوتر بذلك أن يسرد الركعات ولا يجلس للتشهد إلا في الركعة قبل الأخيرة -ولا يسلم- ويقوم إلى الأخيرة ويتشهد ويسلِّم: فعن عائشة -في صفة وتر النبي ﷺ قالت: «كنا نعد له ﷺ سواكه، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمد ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يقوم التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلَّم تسليمًا يسمعناه، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بُنَيَّ، فلما أسنَّ نبي الله ﷺ وأخذ اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعة الأول، فتلك تسع يا بني» (٤).

стр. 388

هل يشترط أن يُسبَق الوتر بصلاة (شفع)؟ بمعنى هل للمصلي أن يقتصر على ركعة واحدة لا يسبقها صلاة، وكذلك في الثلاث وغيرها؟ فذهب المالكية -وهو قول عند الشافعية- إلى أن الوتر بركعة واحدة لا يكون إلا بعد شفع يسبقها (١)، قالوا: والأصل في ذلك حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». وذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الإيتار بواحدة، قالوا: لكن الاقتصار عليها خلاف الأولى، وأدنى الكمال ثلاث ركعات (٢). قلت: ولعله يُستدل للجواز بما يأتي (٣): ١ - حديث عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت» (٤) وظاهره أنها كانت تُوتر دون أن تقدِّم على وترها شفعًا. ٢ - حديث عائشة المتقدم قريبًا في صلاته ﷺ الوتر تسعًا وسبعًا ثم صلاته ركعتين وهو جالس ... الحديث، وفيه أن الوتر متقدم على الشفع، ففيه حجة على أنه ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع، والله أعلم. القنوت في الوتر: القنوت يطلق على معانٍ منها: القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع. وفي الاصطلاح: هو اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام (٥). والقنوت في صلاة الوتر مشروع في الجملة عند الجمهور -خلافًا لمالك (٦) - واختلفوا في أنه واجب أو مستحب (٧)، وفي أنه يكون في جميع السنة أو

стр. 389

في رمضان فقط (١)، وفي أنه هل يكون قبل الركوع أو بعده (٢)، وفيما يُسَنُّ أن يدعو به (٣)، والصحيح ما يأتي: ١ - يستحب القنوت -أحيانًا- في أي وقت من السنة: والأصل في هذا حديث الحسن بن عليٍّ ﵄ قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» (٤). وعن أُبيِّ بن كعب: «أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع» (٥). وإنما قلنا: يستحب القنوت في الوتر «أحيانًا»: لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان ﷺ يفعله دائمًا، لنقلوه جميعًا عنه، نعم رواه عنه أُبي بن كعب وحده، فدلَّ على أنه كان يفعله أحيانًا، وعلى أنه غير واجب، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٦). ٢ - القنوت في الوتر قبل الركوع وبعد القراءة أَوْلى: لحديث أُبيِّ بن كعب المتقدم: «أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع». وعن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: «قد كان القنوت». فقلت: قبل الركوع، فقال: «كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعث قومًا لهم القرَّاء زُهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون

стр. 390

أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو عليهم» (١). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٦٩): «ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت لحاجة [يعني: للنازلة] بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة، فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح» اهـ. وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: «كان عبد الله -يعني: ابن مسعود- لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا في الوتر قبل الركعة» (٢). ٣ - ما يُسنُّ الدعاء به في القنوت: يُسَنَّ الدعاء -في قنوت الوتر- بما علَّمه النبي ﷺ للحسن بن علي: «اللهم اهدني فيمن هديت ..» إلخ وقد تقدم. وتجوز الصلاة على النبي ﷺ في القنوت لثبوتها عن الصحابة: فقد ثبت ذلك في حديث إمامة أُبيِّ بن كعب الناس في قيام رمضان، وكذا في إمامة أبي حليمة معاذ الأنصاري، أحد الذين أقامهم عمر يصلي التراويح (٣). ٤ - ليس من السنة التطويل في دعاء القنوت: فإن ما ثبت عن النبي ﷺ من تعليمه الحسن دعاء القنوت في الوتر يسير لا طول فيه. ٥ - هل يجوز التغنِّي بدعاء القنوت؟ لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه - فيما علمتُ- التغني بالدعاء، لا في القنوت ولا في غيره، فأخشى أن يكون ما استحسنه أكثر الأئمة في هذه الأيام محدثًا!! وقد قال ابن الهمام: «... لا أرى تحرير النَّغم في الدعاء -كما يفعله القراء في هذا الزمان- يَصْدُر ممن فهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذلك إلا نوع لعب، فإنه لو قُدِّر في الشاهد [أي: الواقع] سائلُ حاجة من مَلِكٍ، أدَّى سؤاله وطلبه
следующие страницы →