← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٢ - الوتر بثلاث ركعات: وهو جائز على صفتين، كلتاهما مشروعة وهما: الأولى: أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الثالثة وحدها: فعن ابن عمر «أنه كان يسلِّم بين الركعتين والوتر حتى يأمر ببعض حاجته» (١). وقد ورد مرفوعًا عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يفصل الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه» (٢). ويشهد له حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ويقرأ في الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ (٣). وقد بوب عليه في «صحيح ابن حبان»: (ذكر الخبر الدال على أن النبي ﷺ كان يفصل بالتسليم بين الركعتين والثالثة). الثانية: أن يصلي الثلاث بتشهد واحد: فعن عائشة قالت: «ما كان رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره يزيد على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا ...» (٤). وعنها: «كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن» (٥). تنبيه: لا يُشرع أن يصلي ثلاثًا بتشهدين وتسليم كصلاة المغرب، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا توتروا بثلاث، أو توتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب» (٦).

стр. 387

ما يقرأ في الثلاث: إذا أوتر بثلاث فيستحب أن يقرأ بما يأتي في الحديثين: عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة ركعة» (١) يعني: في كل ركعة سورة منها. وعن أُبي بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فإذا سلَّم قال: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدُّوس ثلاث مرات» (٢)، وبهذين الحديثين قال الحنابلة، واستحب المالكية والشافعية أن يزيد في الثالثة المعوذتين لحديث عائشة الذي تقدم، ولا يثبت، والله أعلم. ٣ - الوتر بخمس ركعات: وهو جائز، ويستحب إن أوتر بخمس ألا يجلس للتشهد إلا في الخامسة: فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها» (٣). ٤ - الوتر بسبع أو تسع ركعات: وهو جائز، ويستحب إن أوتر بذلك أن يسرد الركعات ولا يجلس للتشهد إلا في الركعة قبل الأخيرة -ولا يسلم- ويقوم إلى الأخيرة ويتشهد ويسلِّم: فعن عائشة -في صفة وتر النبي ﷺ قالت: «كنا نعد له ﷺ سواكه، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمد ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يقوم التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلَّم تسليمًا يسمعناه، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بُنَيَّ، فلما أسنَّ نبي الله ﷺ وأخذ اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعة الأول، فتلك تسع يا بني» (٤).

стр. 388

هل يشترط أن يُسبَق الوتر بصلاة (شفع)؟ بمعنى هل للمصلي أن يقتصر على ركعة واحدة لا يسبقها صلاة، وكذلك في الثلاث وغيرها؟ فذهب المالكية -وهو قول عند الشافعية- إلى أن الوتر بركعة واحدة لا يكون إلا بعد شفع يسبقها (١)، قالوا: والأصل في ذلك حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». وذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الإيتار بواحدة، قالوا: لكن الاقتصار عليها خلاف الأولى، وأدنى الكمال ثلاث ركعات (٢). قلت: ولعله يُستدل للجواز بما يأتي (٣): ١ - حديث عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت» (٤) وظاهره أنها كانت تُوتر دون أن تقدِّم على وترها شفعًا. ٢ - حديث عائشة المتقدم قريبًا في صلاته ﷺ الوتر تسعًا وسبعًا ثم صلاته ركعتين وهو جالس ... الحديث، وفيه أن الوتر متقدم على الشفع، ففيه حجة على أنه ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع، والله أعلم. القنوت في الوتر: القنوت يطلق على معانٍ منها: القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع. وفي الاصطلاح: هو اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام (٥). والقنوت في صلاة الوتر مشروع في الجملة عند الجمهور -خلافًا لمالك (٦) - واختلفوا في أنه واجب أو مستحب (٧)، وفي أنه يكون في جميع السنة أو

стр. 389

في رمضان فقط (١)، وفي أنه هل يكون قبل الركوع أو بعده (٢)، وفيما يُسَنُّ أن يدعو به (٣)، والصحيح ما يأتي: ١ - يستحب القنوت -أحيانًا- في أي وقت من السنة: والأصل في هذا حديث الحسن بن عليٍّ ﵄ قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» (٤). وعن أُبيِّ بن كعب: «أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع» (٥). وإنما قلنا: يستحب القنوت في الوتر «أحيانًا»: لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان ﷺ يفعله دائمًا، لنقلوه جميعًا عنه، نعم رواه عنه أُبي بن كعب وحده، فدلَّ على أنه كان يفعله أحيانًا، وعلى أنه غير واجب، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٦). ٢ - القنوت في الوتر قبل الركوع وبعد القراءة أَوْلى: لحديث أُبيِّ بن كعب المتقدم: «أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع». وعن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: «قد كان القنوت». فقلت: قبل الركوع، فقال: «كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعث قومًا لهم القرَّاء زُهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون

стр. 390

أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو عليهم» (١). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٦٩): «ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت لحاجة [يعني: للنازلة] بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة، فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح» اهـ. وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: «كان عبد الله -يعني: ابن مسعود- لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا في الوتر قبل الركعة» (٢). ٣ - ما يُسنُّ الدعاء به في القنوت: يُسَنَّ الدعاء -في قنوت الوتر- بما علَّمه النبي ﷺ للحسن بن علي: «اللهم اهدني فيمن هديت ..» إلخ وقد تقدم. وتجوز الصلاة على النبي ﷺ في القنوت لثبوتها عن الصحابة: فقد ثبت ذلك في حديث إمامة أُبيِّ بن كعب الناس في قيام رمضان، وكذا في إمامة أبي حليمة معاذ الأنصاري، أحد الذين أقامهم عمر يصلي التراويح (٣). ٤ - ليس من السنة التطويل في دعاء القنوت: فإن ما ثبت عن النبي ﷺ من تعليمه الحسن دعاء القنوت في الوتر يسير لا طول فيه. ٥ - هل يجوز التغنِّي بدعاء القنوت؟ لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه - فيما علمتُ- التغني بالدعاء، لا في القنوت ولا في غيره، فأخشى أن يكون ما استحسنه أكثر الأئمة في هذه الأيام محدثًا!! وقد قال ابن الهمام: «... لا أرى تحرير النَّغم في الدعاء -كما يفعله القراء في هذا الزمان- يَصْدُر ممن فهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذلك إلا نوع لعب، فإنه لو قُدِّر في الشاهد [أي: الواقع] سائلُ حاجة من مَلِكٍ، أدَّى سؤاله وطلبه

стр. 391

بتحرير النغم فيه، من الرفع والخفض والتقريب والرجوع كالتغني، نُسب البتة إلى قصد السخرية واللعب، إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغنِّي» (١) اهـ. ٦ - يستحب رفع اليدين في القنوت: فعن أنس -في قصة دعاء النبي ﷺ على قتلة القراء-: «لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم» (٢). وعن أبي رافع قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب، فقنت بعد الركوع، ورفع يديه وجهر بالدعاء» (٣). و «كان أبو هريرة يرفع يديه في قنوته في شهر رمضان» (٤). ٧ - لا يُشرع مسح الوجه أو الصدر باليدين بعد القنوت: لعدم الدليل على ذلك، قال البيهقي في «سننه» (٢/ ٢١٢): «فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت» اهـ. قلت: ولا يصح حديث في مسح الوجه بعد الدعاء خارج الصلاة كذلك، قال شيخ الإسلام (٢٢/ ٥١٩): «... وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه ﷺ فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة، والله أعلم» اهـ. التسبيح والدعاء بعد الوتر: يُستحب بعد التسليم من الوتر التسبيح لما في حديث أبي بن كعب قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا سلَّم قال: «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات» (٥). وعن عليٍّ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٦).

стр. 392

قضاء الوتر: إذا نام المرء عن الوتر أو نسيه، فإنه يصليه إذا قام أو ذكره في أي وقت كان: لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن الوتر أو نسيه، فليصلِّ إذا أصبح أو ذكره» (١). ولعموم قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٢) وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. وكذلك إذا فاته الوتر لعلةٍ كمرض ونحوه. قلت: ومن تعمد ترك الوتر -بغير عذر- حتى دخل وقت الفجر، فلا يشرع له قضاؤه أبدًا على ما حققناه في «قضاء الصلاة» والله أعلم. كم يقضي الوتر؟ عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا نام من الليل أو مرض صلَّى بالنهار ثنتي عشرة ركعة ...» (٣). وقد عُلم أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فعلم أن قضاء الوتر بالنهار يكون شفعًا، فمن كانت عادته الإيتار بواحدة، قضى من النهار ركعتين، ومن كانت عادته الإيتار بثلاث قضاها أربعًا وهكذا. ويستحب المبادرة بقضائه قبل الظهر: ليكتب له أجر صلاته بالليل، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل» (٤) والظاهر أنه تحريض على المبادرة، ويحتمل أن فضل الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص الوقت (٥).

стр. 393

الركعات بعد الوتر: عن عائشة ﵂ في صفة صلاة النبي بالليل، قالت: «كان يصلي ثلاث عشرة ركعة: يصلي ثماني ركعات، ويوتر بركعة، وإذا سلَّم كبَّر فصلَّى ركعتين جالسًا، ويصلي ركعتين بين أذان الفجر والإقامة» (١). وهاتان الركعتان بعد الوتر، للعلماء فيهما ثلاثة مسالك: ١ - أن النبي ﷺ فعلهما لبيان الجواز، ولم يواظب على ذلك بل فعله مرة أو مرات قليلة، وأن قولها «كان يصلي» لا يلزم منه الدوام والتكرار إلا أن يدلَّ دليل على ذلك (٢). ٢ - أن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة -ولا سيما إن قيل بوجوبه- فتكونان كالركعتين بعد المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل (٣). ٣ - إنهما خاصتان بالنبي ﷺ ، فلا يكون الحديث مخصصًا للأمر بجعل آخر الصلاة من الليل وترًا!! (٤). قلت: القولان الأوَّلان لكل منهما وجه قوي، وأما الثالث ففيه نظر، فإن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل في أفعاله ﷺ مشروعية التأسي به فيها، فإن قيل: فعله ﷺ لا يخصص أمره بأن يُجعل آخر صلاة الليل وترًا؟ قلنا: نعم، لكن الأمر مصروف إلى الندب بما تقدم من قوله ﷺ : «من خاف منكم ألا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أوله ليرقد ...» (٥) وبإقراره ﷺ أبا بكر على الإيتار قبل النوم (٦)، ففيهما مشروعية التنفل لمن استيقظ من النوم وقد كان أوتر قبله، ثم وقفت على أمر النبي ﷺ بالركعتين بعد الوتر في حديث ثوبان مرفوعًا: «إن هذا السَّفر جهد وثقل، فإن أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له» (٧) فالتقى الأمر بالفعل وثبتت المشروعية، ويكون الأمر بجعل الوتر آخر الليل على الاستحباب، والله تعالى أعلم.

стр. 394

القراءة في الركعتين بعد الوتر: عن أبي أمامة: «أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١). استحباب الاضطجاع بعدها: يستحب بعد الركعتين اللتين بعد الوتر -أو بعد صلاة الليل- النوم حتى يؤذن بالفجر، ففي حديث ابن عباس -في قصة مبيته عند خالته ميمونة ووصفه لصلاة النبي ﷺ بالليل-: «... ثم قام يصلي، فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت، فقمت إلى جنبه فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفلتها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح» (٢). وفي رواية ابن خزيمة: «... فأوتر بتسع أو سبع، ثم صلى ركعتين، ووضع جنبه حتى سمعت ضفيزه، ثم أقيمت الصلاة فانطلق فصلى» وهاتان الركعتان يحتمل أن تكونا الركعتين اللتين كان ﷺ يصليهما بعد الوتر، ويحتمل أن تكونا ركعتي الفجر (٣). قلت: ويؤيد الاحتمال الأول: حديث الأسود، قال: سألت عائشة ﵂: كيف صلاة النبي ﷺ بالليل؟ قالت: «كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج» (٤). ولا ينفي هذا مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر، بل الظاهر أنه كان تارة يضطجع بين صلاة الليل وصلاة الفجر، وأخرى بعد ركعتي سنة الفجر، وربما كان يضطجع في الموضعين والله أعلم.

стр. 395

قيام الليل قيام الليل ويطلق عليه التهجد: وهو عند جمهور الفقهاء: صلاة التطوع في الليل بعد النوم (١) في أي ليلة من ليالي العام. فضائل قيام الليل والترغيب فيه: إن لصلاة التطوع في جوف الليل وتحت جنح ظلامه فضلاً كبيرًا، وأجرًا عظيمًا، لا يستطاع حصره، بل يعجز الخلق عن وصفه، فهي شعار الصالحين، وأهم خصائص المتقين. ولجلالة قدر فضلها، فقد خاطب الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأن يتصدَّى لهذا الشرف العظيم والفضل الكبير، ليظفر بالمقام المحمود، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ (٢). وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة في تقرير فضيلة قيام الليل والترغيب فيه، وإليك طرفًا من هذه النصوص، فلعلَّ راغبًا في تلك الحياة المباركة أن تتوق نفسه إلى التنعم بها فيلزم نفسه بقيام الليل، ولو بجزء يسير منه. ١ - قال الله سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٣). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ (٤). ٣ - وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٥). ٤ - وقال : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ (٦).

стр. 396

٥ - وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١). ٦ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). ٧ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٨ - وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل» قال: فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله المحرم (٤). ٩ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٥). ١٠ - وعن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام» (٦). ١١ - وعن عمرو بن عبسة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فَكُنْ» (٧).

стр. 397

١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى، وأيقظ امرأته [فصلَّت] فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت، وأيقظت زوجها [فصلَّى] فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (١). وفي لفظ: «إذا قاما وصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات» (٢). ١٣ - وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله ... -فذكر منهم- .. ورجل سافر مع القوم فارتحلوا حتى إذا كان من آخر الليل وقع عليهم الكرى -أو النعاس- فنزلوا، فضربوا برءوسهم، ثم قام فتطهر، وصلى رغبة لله ، ورغبة لله ، ورغبة فيما عنده» (٣). ١٤ - وقال ﷺ : «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات» (٤). ١٥ - عن ابن عمر أنه رأى رؤيا فقصَّها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: «نِعم الرجلُ عبدُ الله، لو كان يصلي من الليل» (٥) وفي لفظ «إن عبد الله رجل صالح، لو كان يكثر الصلاة من الليل». قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً. قال القرطبي: «... لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقي به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك» اهـ. ١٦ - عن أم سلمة أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل

стр. 398

الليلة من الفتن، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رُب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة» (١). ففيه إيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند نزول آية، قاله في «الفتح». قلت: فهذا طرف من النصوص المتكاثرة المتضافرة في فضل قيام الليل والترغيب فيه، وسيأتي غيرها في بقية مباحث «قيام الليل» إن شاء الله، لعلها أن تصادف قلبًا صادقًا فينتفع، فأظفر - بإذن الله- بأجر الدلالة على الخير (٢). وقت قيام الليل: صلاة الليل تجوز في أول الليل ووسطه وآخره، كل ذلك فعل رسول الله ﷺ ، فعن أنس بن مالك قال: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه» (٣). قال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٣): «أي إن صلاته ونومه كان يختلف بالليل، ولا يرتب وقتًا معينًا بل بحسب ما تيسَّر له القيام ..» اهـ. أفضل أوقاته: يستحب قيام الليل في الثلث الأخير من الليل، ليتعرض لنفحات الله تعالى العظيمة في تلك الساعات التي لا يستيقظ فيها لعبادة ربه إلا القليل من الناس فيظفروا بإجابة الدعوة وقبول التوبة ومغفرة الذنوب، وستر العيوب: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا لملك، من الذي يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه، من الذي يستغفرني فأغفر له» (٤) وفي لفظ لمسلم (٧٥٨) «... حتى ينفجر الفجر».

стр. 399

وعن عمرو بن عبسة أن النبي ﷺ قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكُنْ» (١). وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحبَّ الصلاة إلى الله ، صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (٢). وكذلك كان يفعل النبي ﷺ . فعن عائشة في وصفها لصلاة النبي ﷺ قالت: «كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج» (٣) وعن أم سلمة نحوه. وفي حديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ صحبه في السفر: «.. ثم قام فصلَّى حتى قلت: قد صلى قدر ما نام، ثم اضطجع حتى قلت: قد نام قدر ما صلى، ثم استيقظ ففعل كما فعل أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول الله ﷺ ثلاث مرات قبل الفجر» (٤). وعن مسروق أنه سأل عائشة: أيُّ حين كان ﷺ يصلي؟ فقالت: «كان إذا سمع الصارخ قام فصلى» (٥) والصارخ: الديك، وقد جرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل أو ثلثه. من آداب قيام الليل: من شرح الله تعالى صدره وأراد قيام الليل، فيسنُّ له مراعاة الآداب الآتية: ١ - الاستعداد بما يُعينُ على القيام: ويكون هذا بأمور منها: (أ) نوم القيلولة -في الظهيرة- إن تيسَّر. (ب) ترك السهر في غير مصلحة شرعية، وقد تقدم كراهة الكلام بعد العشاء إلا لمصلحة شرعية.

стр. 400

(جـ) «الأولى لمن غلبه الكسل، والميل للدعة والترفه، أن لا يبالغ في حشو الفراش، لأنه سبب لكثرة النوم والغفلة والشغل عن مهمات الخيرات» (١). قلت: وقد كان فراش النبي ﷺ خشنًا، فعن عمر قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه» (٢). وعن عائشة قالت: «كانت وسادته التي ينام عليها بالليل من أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ» (٣). ٢ - أن ينوي عند نومه القيام: فعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «من أتى إلى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربِّه» (٤). ٣ - أن ينام على وضوء: وقد تقدم في «أبواب الوضوء» أن هذا كان هدي النبي ﷺ . ٣ - أن ينام على وضوء: وقد تقدم في «أبواب الوضوء» أن هذا كان هدي النبي ﷺ . ٤ - أن ينام على شقِّه الأيمن: فعن حفصة قالت: «كان ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خدِّه الأيمن» (٥) فالنوم على الشق الأيمن هو الفطرة كما سيأتي في حديث البراء بن عازب. فائدة: في نوم رسول الله ﷺ على الجنب الأيمن سر لطيف وهو: «أن العلق معلقَّ في الجانب الأيسر، فإذا نام على شقه الأيسر، استثقل نومًا، لأنه لا يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن، والله أعلم» اهـ (٦).

стр. 401

٥ - وإن خاف ألا يستيقظ للقيام أوتر قبل أن ينام: فإذا استيقظ صلى ما شاء ثم لم يكرر الوتر، وقد تقدم هذا في «الوتر». ٦ - أن يذكر الله تعالى عند نومه: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ عدَّة أذكار، فمن ذلك: (أ) حديث عائشة أن النبي ﷺ : «كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفَّيه ثم نفث فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» (١). (ب) وعن أبي هريرة أن الشيطان قال له، لما أراد أن يرفعه إلى رسول الله ﷺ : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهنَّ -وكانوا أحرص شيء على الخير- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) حتى تختمها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : «صدقك، وهو كذوب، وذاك الشيطان» (٣). (جـ) وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٤) أي: دفعتا عنه الشر والمكروه، وقيل أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن. (د) عن نوفل الأشجعي قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك» (٥). (هـ) عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وإذا استيقظ من منامه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» (٦).

стр. 402

(و) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بِصَنفَه إزاره (١) ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعد، وإذا اضطجع فليقل: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (٢). (ز) وعن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال له ولفاطمة -لما سألاه خادمًا-: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم: إذا أوتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا ثلاثًا وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم» (٣). (ح) عن ابن عمر أنه أمر رجلاً أخذ مضجعه أن يقول: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفَّاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتَها فاحفظها، وإن أمَتَّها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية» قال ابن عمر سمعته من رسول الله ﷺ (٤). ويستحب أن يختم ما تيسَّر له مما سبق بما في الحديث الآتي: (ط) عن البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مِتَّ مِتَّ على الفطرة، فاجعلهنَّ آخر ما تقول». فقلت أستذكرهنَّ: وبرسولك الذي أرسلت، قال: «لا، وبنبيِّك الذي أرسلت» (٥). ٧ - أن يمسح النوم عن وجهه - إذا استيقظ- ويذكر الله ويتوضأ: (أ) فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقُد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارْقُد، فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلَّتْ عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن

стр. 403

صلَّى انحلَّت عُقَدهُ كلها فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (١). (ب) وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من تعارَّ (٢) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استُجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبِلت صلاتُه» (٣). (ج) عن ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة زوج النبي ﷺ ، فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل -أو قبله بقليل أو بعده بقليل- استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقةٍ فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلِّي ...» الحديث (٤). يريد: قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (٥). إلى آخر السورة. ٨ - أن يستعمل السواك: فعن حذيفة قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل (وفي رواية: ليتهجد) يشوص فاه بالسواك» (٦). وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : «كان يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك» (٧). يعني: يتسوك لكل ركعتين.

стр. 404

وقد يكون السواك بعد الاستيقاظ أو بعد الوضوء وكلاهما علة له. ٩ - أن يفتتح قيامه بركعتين خفيفتين: فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قام من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٢). وذلك لينشط بهما لما بعدهما، وهذا هو الأفضل، وإلا فلا حرج أن يفتتح بركعتين طويلتين، فقد فعل ذلك النبي ﷺ أحيانًا، كما يظهر من حديث حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة فقلت: يركع عند المائة الأولى ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلاً ...» (٣). ١٠ - أن يستفتح صلاته بالليل -بعد التكبير- بأحد الأدعية الآتية: (أ) عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل ليتهجَّد قال: «اللهم لك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق ووعدُك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيُّون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررت وما أعلنتُ، [وما أنت أعلم به مني] أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٤). (ب) وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالمَ الغيب

стр. 405

والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١). (جـ) وعن حذيفة أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فكان يقول: «الله أكبر (ثلاثًا) ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» (٢). قلت: وله أن يدعو بما شاء من أدعية الاستفتاح الأخرى التي ذكرناها في «واجبات الصلاة». ١١ - أن يطيل القيام ما استطاع من غير أن يشق على نفسه: فعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الصلاة طول القنوت» (٣). قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت، وفيه دليل للشافعي ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود» اهـ. وقد كان النبي ﷺ يطيل القيام: فعن عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه ...» (٤). وتقدم في حديث حذيفة أن النبي ﷺ قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة وعن ابن مسعود قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فأطال، حتى هممت بأمر سوء». قيل: وما هممت به؟ قال: «هممت أن أجلس وأدعه» (٥). قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٩): «وفي الحديث دليل على اختيار النبي ﷺ تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قويًّا محافظًا على الاقتداء بالنبي ﷺ ، وما همَّ بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده» اهـ. فائدة: التطويل لا يختص بالقراءة، بل هو مستحب كذلك في الركوع والسجود والقعود والذكر والدعاء وجميع هيئات الصلاة:

стр. 406

ففي حديث حذيفة الذي فيه قراءة النبي ﷺ بالبقرة والنساء وآل عمران في الركعة: «... ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (١). وفي حديث عائشة: «... ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ..» (٢). قلت: وليس هذا التطويل في القراءة وغيرها شرطًا في صلاة الليل، وإنما هو الأفضل والأكمل لمن قدر عليه، وقد «كان النبي ﷺ -أحيانًا- يقرأ في كل ركعة قدر خمسين آية أو أكثر» (٣) وكان يقول: «من صلى ليلة بمائة آية لم يُكتب من الغافلين» (٤). ١٢ - وله القيام والقعود في صلاته: وقد صح عن النبي ﷺ في صلاته بالليل ثلاثة أنواع: الأول: أنه كان يصلي قائمًا: كما في الأحاديث المتقدمة. الثاني: أنه كان يصلي قاعدًا ويركع قاعدًا: فعن عائشة قالت: «لم يَمُتْ النبي ﷺ حتى كان كثير من صلاته وهو جالس» (٥) وفي رواية أن هذا كان لما بدَّن وثَقُل. وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائمًا، وليلاً طويلاً قاعدًا، فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا، وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا» (٦). الثالث: أنه كان يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسير من قراءته، قام فركع قائمًا. فعن عائشة قالت: «كان ﷺ يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك» (٧).

стр. 407

١٣ - وإذا كسل أو فتر أو غلبه النوم، فَلْيَنَمْ، فإذا نشط صلَّى: فعن أنس قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، قال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت -أو: فترت- أمسكت به، فقال: «حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل -أو فتر- فليرقد» (١). وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس، لعلَّه يذهب يستغفر فَيَسُب نفسه» (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يَدْرِ ما يقول، فليضطجع» (٣). ١٤ - ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها: قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٤). وعن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» (٥). وعن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ فنعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءته مفسرة حرفًا حرفًا» (٦) والمراد: حسن الترتيل والتلاوة. وعن قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: يمدُّ بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم» (٧) والمراد: أنه كان يمد ما كان في كلامه من حروف المد واللين بالقدر المعروف.

стр. 408

وعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ : «كان يُقطِّع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين) ثم يقف، (الرحمن الرحيم) ثم يقف» (١). ويستحب أن يتغنى بالقرآن، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٢). وعنه أن النبي ﷺ قال: «ما أَذِنَ الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٣). ومعنى يتغنى: يحسِّن صوته جاهرًا مترنَّمًا على طريق التحزُّن، مما له تأثير في رقة القلب وإجراء الدمع، بشرط ألا يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، وأما تمطيط القراءة، والتلحين الزائد فيها مما يخرج بالكلام عن موضعه فقد كرهه جمهور العلماء، والله أعلم. هل يجهر بالقراءة أو يُسِرُّ؟ كان النبي ﷺ يُسِرُّ بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر أخرى: فعن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يجهر بصلاته أم يخافت بها؟ قالت: «ربما جهر بصلاته، وربما خافت بها» قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (٤). وعن ابن عباس قال: «كانت قراءة النبي ﷺ : ربما يسمعه من في الحجرة، وهو في البيت» (٥) يعني أنه ﷺ كان يتوسط بين الجهر والإسرار. قلت: وهذا هو المستحب، فعن أبي قتادة قال: «إن النبي ﷺ خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر الصديق يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر وهو صلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، مررت بك

стр. 409

وأنت تصلي تخفض صوتك» قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك» فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئًا» وقال لعمر «اخفض من صوتك شيئًا» (١). وعلى هذا النحو يحمل سماع النبي ﷺ أصوات الأشعرين بالقرآن، ومروره ﷺ وسماعه لأبي موسى وهو يقرأ من الليل، وقوله: «يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٢). قال النووي: «جاءت أحاديث بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار، قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخافه، فإن لم يخف فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم أو غيرهما» اهـ. ١٥ - تدبُّر الآيات، والتعوُّذ والتسبيح في القراءة، والبكاء في الصلاة: (أ) جاء في حديث حذيفة في صلاته مع النبي ﷺ : «... يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تَعَوَّذ ...» (٣). «فينبغي للمؤمنين سواه أن يكونوا كذلك، بل هم أولى به منه، إذا كان الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر، وهم من أمرهم على خطر» (٤). (ب) وعن أبي ذر قال: «قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح، يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥). (جـ) وعن عبد الله بن الشخير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المِرْجَل [من البكاء]» (٦).

стр. 410

(د) وقد مرَّ قول عائشة -لما أمر النبي ﷺ بأن يصلي أبو بكر بالناس-: «إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يَقُمْ مقامك لا يُسمع الناس ...» (١) تعني من بكائه. وفي رواية: «إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء ...». (هـ) وقال عبد الله بن شداد: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) (٣). ١٦ - الإكثار من الدعاء -وقت السحر- في الصلاة وخارجها: لما مرَّ من أن هذا وقت نزول الرَّب ﵎ إلى السماء الدنيا لإجابة الداعي وإعطاء السائل. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الليل لساعةً، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» (٤). وقد مرَّت أدعية النبي ﷺ في استفتاح صلاة الليل. ويستحب أن يكثر من الدعاء في السجود، فهو مظنة الاستجابة، وقد قال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء» (٥). وقال: «... وأما السجود فأكثروا من الدعاء فيه، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءًا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٧).

стр. 411

١٧ - ويستحب إيقاظ الأهل لصلاة الليل: وقد تقدم في «فضائل قيام لليل». ١٨ - وأن يضطجع بعد القيام وقبل الفجر: ليكون كالفاصل ما بين صلاة التطوع والفريضة، ويحصل بسببه النشاط لتأدية صلاة الصبح، لأنه لو وصل القيام بصلاة الفجر، لم يأمن أن يكون وقت القيام إليها ذاهب النشاط والخشوع لما به من التعب والفتور. وقد مرَّت الأدلة على استحباب ذلك في «الوتر». ١٩ - يكره -لمن اعتاد قيام الليل- أن يتركه: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (١). قيام الليل عند الشدائد: إذا اشتدت الكروب، وضاقت الحيل، فلا سبيل إلاَّ قرع باب الملك الذي بيده مقاليد كل شيء، والقيام بين يديه ومناجاته في جنح الليل: فعن علي ﵁ قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى صلَّى وانصرف إليهم ...» الحديث (٣). عدد ركعات قيام الليل: ١ - العدد المستحب: يُستحب أن لا يُزاد في عدد ركعات قيام الليل على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، فإن هذا هو الذي اختاره النبي ﷺ لنفسه: (أ) فعن مسروق قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: «سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر» (٤). (ب) وسألها أبو سلمة بن عبد الرحمن فقالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد

стр. 412

في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (١). (جـ) وعن ابن عباس قال: «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل» (٢). (د) وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لأرمقنَّ صلاة رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (٣). وقد ذهب بعض العلماء إلى أن صلاته ﷺ كانت إحدى عشرة، وأما الركعتان الأخريان فقيل: هما ركعتا الفجر، وقيل: هما نافلة العشاء، وهذا إن سلم في بعض الروايات فلن يسلم في الأخرى، وقيل: هما الركعتان الخفيفتان اللتان كان النبي ﷺ يستفتح صلاته بهما، ولعلَّ هذا أوجهَ (٤). ٢ - هل يجوز الزيادة على هذا العدد؟ هذه مسألة تثير جدلاً بين ناشئة طلاب العلم مع إخواننا الحريصين على السنة، فقالوا: لا يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة!! تقليدًا منهم لأحد الأئمة الفضلاء المعاصرين، ولعله -في هذا- أصاب أجرًا واحدًا. فإن الجماهير من السلف والخلف على جواز الزيادة على هذا العدد، مع قولهم بأنه المستحب، ولذا قال القاضي عياض: «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عيه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه والله أعلم» اهـ. وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: «فلا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فهيا حد محدود وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر» اهـ.

стр. 413

قلت: ومما يدل على صحة هذا المذهب ما يأتي (١): ١ - قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٢). ٢ - قوله ﷺ : «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٣). ٣ - قوله ﷺ : «إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك خطئية» (٤). ٤ - أن اختيار النبي ﷺ لنفسه هذا العدد لا يصلح أن يكون مخصِّصًا للأدلة السابقة، وذلك لأمور: (أ) لأن فعله ﷺ لا يخصص قوله كما هو مقرر في الأصول. (ب) أن النبي ﷺ لم يَنْه عن الزيادة على إحدى عشرة ركعة، بل حدَّد لنا أحب القيام إلى الله وهو قيام داود ﵇ «ثلث الليل». ولذا قال شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣): «قيام رمضان لم يوقِّت النبي ﷺ فيه عددًا معينًّا، بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات .... ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ ...» اهـ. (جـ) أن النبي ﷺ لم يأمر بهذا العدد من قيام الليل، ولو فُرض أنه أمر به -وهذا لا يقول به أحد- فلا يصلح كذلك أن يخصص عمومات الأدلة المتقدمة، لما تقرر في الأصول من أن العام لا يخصص بأحد أفراده إلا عند التعارض. ٥ - أن من أراد موافقة سنة النبي ﷺ ، فإنه يلزمه أن يوافقها عددًا وصفة، كمًّا وكيفًا، وقد قدَّمنا صفة تطويل النبي ﷺ في صلاة الليل وهو يصلي هذا العدد من الركعات، والناظر في الآيات التي مرَّت في «فضائل القيام» يجد أن المعوَّل فيها على زمن القيام، فإن كان الشخص الذي يريد موافقة السنة لا يطيق هذا التطويل -لا سيما إن كان يصلي بالناس- أفنمنعه من زيادة عدد الركعات

стр. 414

ليكون أرفق به وبمن وراءه، وأعون له على إحياء ثلث الليل!! وهل يكون من صلى إحدى عشرة ركعة في ساعة أفضل ممن صلى عشرين أو أكثر أو أقل في أربع ساعات!!! نعم، لا خلاف في أنه لو وافق السنة في العدد والوقت معًا فهو الأفضل، وإلا فحسبما تيسَّر له. ٦ - قد ثبت «أن عمر بن الخطاب جمع الناس -في قيام رمضان- على أُبي بن كعب وتميم الداري، على إحدى وعشرين ركعة، وكانوا يقرءون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر» (١). وثبت كذلك أنه جمعهم على إحدى عشرة ركعة كما سيأتي في «التراويح». قضاء قيام الليل: يستحب لمن فاته قيام الليل -وقد اعتاده- لنوم أو مرض أن يقضيه نهارًا قبل الظهر. فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل» (٣). قيام رمضان (التراويح): فضلها ومشروعيتها: صلاة التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء في رمضان، وهي من أعلام الدين الظاهرة (٤). وهي المرادة بقوله النبي ﷺ : «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (٥).

стр. 415

وقد صلاَّها النبي ﷺ بأصحابه في بعض الليالي، ولم يواظب عليها، خشية أن تُكتب عليهم فيعجزوا عنها: فعن عائشة أن النبي ﷺ : «صلى في المسجد، فصلى بصلاته الناس، ثم صلى القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» وذلك في رمضان [فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك]» (١). الجماعات في التراويح: تقدم في حديث عائشة أن النبي ﷺ صلَّى بأصحابه التراويح في بعض الليالي. وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا من الشهر شيئًا، حتى إذا بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حُسبت له بقية ليلته» ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة، وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قلت [أي: جبر بن نفير الراوي عن أبي ذر]: وما الفلاح؟ قال: السحور (٢). وبقي الأمر على ذلك حتى كان زمان عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس في التراويح على إمام، ففي حديث عروة بن الزبير عن عائشة: «.. قال: فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كذلك كان في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيِّ بن كعب، فقام بهم في رمضان، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان» (٣). وعن عبد الرحمن بن عبد القادر قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل» ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى

стр. 416

والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: «نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يعني آخر الليل- وكان الناس يقومون أوَّله» (١). ثم استمر العمل على هذا حتى الآن، ولذا اتفق أهل العلم على مشروعية الجماعة في التراويح. عدد ركعات التراويح: قد مرَّ أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة أو ثلاثة عشرة ركعة في قيام الليل في بيته. «وأما الليالي التي صلى فيها التراويح بأصحابه فلم يُذكر عدد الركعات فيها، ولا يصح حديث في تحديد عدد هذه الركعات» (٢). ولذا اختلف أهل العلم في تحديد عددها على أقوال كثيرة منها: ١ - إحدى عشرة ركعة: (أ) لأنه هو الذي اختاره النبي ﷺ لنفسه. (ب) وعن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئتين حتى كنا نعتمد على العصيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر» (٣). ٢ - عشرون ركعة غير الوتر: وبه قال أكثر أهل العلم: الثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي، وهو مروي عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة (٤) ودليلهم: ما جاء عن السائب بن يزيد (أيضًا) (٥): «أن عمر جمع الناس على أُبيِّ بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة ويقرءون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر» (٦).

стр. 417

قال الكاساني: جمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ في شهر رمضان على أُبي ابن كعب فصلى بهم عشرين ركعة ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعًا منهم على ذلك. ٣ - تسع وثلاثين بالوتر: وهو قول مالك (١) وقال: «هو الأمر القديم عندنا» وحجته: ما جاء عن داود بن قيس قال: «أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًّا ويوترون بثلاث» (٢). ٤ - أربعون ركعة ويوتر بسبع: قال الحسن بن عبيد الله «كان عبد الرحمن بن الأسود يصلي بنا في رمضان أربعين ركعة ويوتر بسبع» (٣) وعن أحمد بن حنبل أنه كان يصلي في رمضان ما لا يحصى (٤). قلت: والتحقيق ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (» / ٢٧٢ - ٢٧٣): «... وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يخلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان منهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره -هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين ركعة هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره. ومن ظن أن قيام رمضان في عد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد ولا ينقص منه فقد أخطأ ...» اهـ. قلت: وهكذا فليكن الفقه، فأين هذا من بعض إخواننا الذين يفارقون جماعة التراويح في «الحرم» وينصرفون بعد صلاة عشر ركعات!! عفا الله عنا وعنهم.

стр. 418

الاستراحة بين كل ترويحتين: اتفق الفقهاء على مشروعية الاستراحة بعد كل أربع ركعات، لأنه المتوارث عن السلف، فقد كانوا يطيلون القيام في التراويح ويجلسون بعد كل أربع للاستراحة (١). قلت: ولعلَّ الأصل في هذا قول عائشة ﵂ -الذي تقدم كثيرًا- في وصف قيام النبي ﷺ : «... يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأ عن حسنهن وطولهن ...» فهو مشعر بالفصل بين كل أربع. ولا يشرع في هذه الاستراحة ذكر مُعيَّن ولا غيره كما يفعله بعض الجهال. القراءة في «التراويح»، وهل يُختم القرآن؟ لم يرد في تحديد القراءة في التراويح سنة عن رسول الله ﷺ ، فيختلف باختلاف الأحوال، ويقرأ الإمام قدر ما لا يُنفِّرهم عن الجماعة، ولو اتفق جماعة يرضون بالتطويل فهو أفضل للآثار المتقدمة. وقد استحب الحنفية والحنابلة أن يختم القرآن الكريم في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن في تلك الصلاة (٢). القيام مع الإمام حتى ينصرف: ينبغي لمن صلى خلف الإمام أن يتم معه الصلاة حتى ينصرف، وألا يفارقه قبل انصرافه، ففي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (٣) وإن أوتر الإمام آخر صلاته أوتر معه، ولو كان في نيَّته القيام بالليل، فإن هذا لا يضرُّ كما تقدم تحريره، والله أعلم.

стр. 419

صلاة الضُّحىَ الضحى عند الفقهاء: ما بين ارتفاع الشمس إلى زوالها (١). فضل صلاة الضحى: ثبتت أحاديث كثيرة في فضلها، ومن ذلك: ١ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُصبح على كلِّ سُلامى (٢) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (٣). ٢ - وعن بريدة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة» قالوا: فمن الذي يطيق يا رسول الله؟ قال: «النخامة في المسجد يدفنها، أو الشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه» (٤). «والحديثان يدلاَّن على عظم فضل صلاة الضحى وكبر موقعها، وتأكد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة ...» (٥). ٣ - وعن زيد بن أرقم قال: خرج النبي ﷺ على أهل قباء وهم يصلُّون الضحى، فقال: «صلاة الأوَّابين حين ترمض الفصال» (٦). ٤ - وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله ﷺ أن الله قال: «ابنَ آدم، اركع لي ركعات من أوَّل النهار، أَكْفِكَ آخره» (٧). ٥ - وعن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدَّث الناس بقرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم،

стр. 420

فقال رسول الله ﷺ : «ألا أدلُّكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبُحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة» (١). حكم صلاة الضحى: اختلف أهل العلم في حكم صلاة الضحى على ستة أقوال (٢)، أقربها ثلاثة: الأول: تستحب مطلقًا، ويستحب المواظبة عليها، وهو مذهب الجمهور (٣) خلافًا للحنابلة، وحجتهم: ١ - عموم الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الضحى، وخصوصًا حديث: «يصح على كل سلامى من أحدكم صدقة ...». ٢ - حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٤) ونحوه عن أبي الدرداء وأبي ذر. ٣ - حديث معاذة العدوية قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم، أربعًا ويزيد ما شاء» (٥). قال الشوكاني في «النيل» (٣/ ٧٦): ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة بإثباتها قد بلغت مبلغًا لا يقصر البعض منه عن اقتضاء الاستحباب. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٦٦): وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، ... وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسًا من الصحابة. اهـ. ٤ - وأما المواظبة عليها فلقوله ﷺ : «أحب العمل إلى الله تعالى ما دام عليه صاحبه وإن قلَّ» (٦).

стр. 421

الثاني: يستحب فعلها تارة وتركها أخرى، ولا يواظب عليها: وهو المذهب عند الحنابلة (١) وحجتهم: ١ - حديث أبي سعيد قال: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها» (٢) وهو ضعيف. ٢ - في حديث أنس -في قصة صلاة النبي في بيت عتبان بن مالك الضحى- وقال فلان ابن الجاورد لأنس ﵁: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قال: «ما رأيته صلَّى غير ذلك اليوم» (٣). ٣ - حديث عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح [تعني: صلَّى] سُبْحة الضحى، وإني لأُسبَّحها [وإن كان ليدع العمل وهو يجب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم]» (٤). الثالث: لا تشرع إلا لسبب: كفوات قيام الليل ونحوه وهذا ما اختاره ابن القيم بعد بسط الأقوال في المسألة (٥). واحتج القائلون به بأن النبي ﷺ لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى وتعدد الأسباب: ١ - فحديث أم هانئ: «أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات [سبحة الضحى] فلم أر صلاة قطُّ أخفَّ منها غير أنه يتم الركوع والسجود» (٦). كان بسبب الفتح، قالوا: وسنة الفتح أن يصلي ثماني ركعات، ونقله الطبري من فعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة. ٢ - وصلاته ﷺ في بيت عتبان بن مالك إجابة لسؤاله أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فاتفق أنه جاءه وقت الضحى فاختصره الراوي فقال: «صلى في بيته الضحى» (٧).

стр. 422

٣ - وعن عبد الله بن شقيق أنه قال لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبه» (١). لأنه كان ينهى عن الطروق ليلاً، فيقدم أول النهار فيبدأ بالمسجد فيصلي وقت الضحى. قالوا: وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، ولهذا خص بذلك أبا ذر وأبا هريرة، ولم يوص بذلك أكابر الصحابة!!. قال ابن القيم: «ومن تأمَّل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وحدها لا تدل إلا على هذا القول» اهـ. وقد اختار شيخ الإسلام أن من كان من عادته قيام الليل فإنه لا يُسنُّ له صلاة الضحى، وأما من لم تكن عادته صلاة الليل فإنه يُسنُّ له صلاة الضحى مطلقًا كل يوم (٢). قلت: ولا يخفى أن القول الأول أصحُّ، لعموم الترغيب في فعل صلاة الضحى، وكونها تجزئ عن الثلاثمائة والستين صدقة التي كل إنسان، وأما ما ورد عن بعض الصحابة من إنكارها كابن مسعود وابن عمر وغيرهما فلا يقدح في المشروعية، لأن غيرهما قد أثبت مشروعيتها وكلٌّ روى ما رأى من علم حجة على من لم يعلم. وكذلك فما ورد من تركه ﷺ لها هو أو بعض أصحابه في بعض الأوقات لا ينفي مشروعيتها فإنه ليس من شرط المشروعية مواظبة النبي ﷺ بل هي مشروعية مرغَّب في فعلها لما تقدم في فضلها، ولذا قالت عائشة: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبِّحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم» (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 423

وقت صلاة الضحى: يبتدئ وقتها من بعد ارتفاع الشمس وانتهاء وقت الكراهة إلى قبيل زوالها ما لم يدخل وقت النهي عند الجمهور (١) قلت: وعليه فيبتدئ بعد قُرابة ربع ساعة من طلوع الشمس. وأفضل وقتها: أن تؤخر إلى أن يشتد الحر، لحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرْمِضُ الفصال» (٢) ومعناه: أن تحمى الرمضاء -وهي الرمل- فتجد هذه الحرارة الفصالُ (صغارُ الإبل) بخفافها، وهذا يكون قبيل الزوال بدقائق. وعدد ركعاتها: لا خلاف بين القائلين باستحباب صلاة الضحى في أن أقلهَّا ركعتان (٣) لحديث: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» وتقدم، ولحديث أبي هريرة: «أوصاني خليلي بثلاث ... وركعتي الضحى ...». ثم اختلفوا في أكثر صلاة الضحى على ثلاثة أقوال: الأول: أكثرها ثمان ركعات: وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤) لحديث أم هانئ أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم الفتح وصلى ثماني ركعات ...» (٥) الحديث. الثاني: أكثرها اثنتا عشرة ركعة: وهو مذهب الحنفية ووجه مرجوح عند الشافعية ورواية عن أحمد، لحديث أنس مرفوعًا: «من صلَّى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرًا في الجنة» وهو ضعيف.

стр. 424

الثالث: لا حد لعدد ركعاتها: وهو مروي عن جماعة من السلف، وهو الأرجح لأمرين: ١ - حديث معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم، أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله» (١). ٢ - أن الاقتصار على الثماني ركعات في حديث أم هانئ يَردُ عليه أمران، الأول: أن من العلماء من قال أنها صلاة فتح وليست ضحى، والآخر: أن هذا الاقتصار على الثماني لا يستلزم عدم مشروعية الزيادة عليها لأن هذه قضية عين (٢). صلاة الاستخارة من أراد أمرًا من الأمور المباحة، والتبس عليه وجه الخير والصواب فيه، فإنه يُسَنُّ له أن يصلي ركعتين من غير الفريضة -أية ركعتين ولو من السنن الرواتب- ثم يدعو عقبهما بالدعاء الوارد في الحديث الآتي: عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقُلْ: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويُسمِّي حاجته] خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاقدره لي ويسَّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به» (٣) وههنا تنبيهات يجدر الالتفات إليها: ١ - الاستخارة إنما تشرع عند الهمِّ بأمر مباح، فلا تشرع في المستحبات إلا في التخيير بينهما والواجبات والمحرمات.

стр. 425

٢ - «ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبرِّي من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه» (١). ٣ - ليس من شرط الاستخارة أن يرى صاحبها رؤيا في منامه كما يعتقده كثير من العوام، وإنما تكون بما ينشرح له الصدر، أو يأول له الأمر بطبيعته وفق ما اختاره الله تعالى. ٤ - ربما جاء اختيار الله تعالى للعبد على غير هواه، أو على ما يراه -هو- شرًا فعليه أن يستسلم لله ولأمره ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٥ - الاستخارة دعاء فلا بأس بتكرارها. تنبيه: ورد حديث «إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات» (٣) وهو باطل لا يصح. صلاة التسبيح صلاة التسبيح: نوع من صلاة النفل تفعل على صورة خاصة يأتي بيانها، وإنما سميت «صلاة التسبيح» لما فيها من كثرة التسبيح، ففيها في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة (٤). حكم صلاة التسبيح: اختلف أهل العلم في حكمها لاختلافهم في ثبوت الحديث الوارد فيها وهو: حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: «يا عباس يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره
следующие страницы →