← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الثاني: يستحب فعلها تارة وتركها أخرى، ولا يواظب عليها: وهو المذهب عند الحنابلة (١) وحجتهم: ١ - حديث أبي سعيد قال: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها» (٢) وهو ضعيف. ٢ - في حديث أنس -في قصة صلاة النبي في بيت عتبان بن مالك الضحى- وقال فلان ابن الجاورد لأنس ﵁: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قال: «ما رأيته صلَّى غير ذلك اليوم» (٣). ٣ - حديث عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح [تعني: صلَّى] سُبْحة الضحى، وإني لأُسبَّحها [وإن كان ليدع العمل وهو يجب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم]» (٤). الثالث: لا تشرع إلا لسبب: كفوات قيام الليل ونحوه وهذا ما اختاره ابن القيم بعد بسط الأقوال في المسألة (٥). واحتج القائلون به بأن النبي ﷺ لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى وتعدد الأسباب: ١ - فحديث أم هانئ: «أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات [سبحة الضحى] فلم أر صلاة قطُّ أخفَّ منها غير أنه يتم الركوع والسجود» (٦). كان بسبب الفتح، قالوا: وسنة الفتح أن يصلي ثماني ركعات، ونقله الطبري من فعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة. ٢ - وصلاته ﷺ في بيت عتبان بن مالك إجابة لسؤاله أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فاتفق أنه جاءه وقت الضحى فاختصره الراوي فقال: «صلى في بيته الضحى» (٧).

стр. 422

٣ - وعن عبد الله بن شقيق أنه قال لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبه» (١). لأنه كان ينهى عن الطروق ليلاً، فيقدم أول النهار فيبدأ بالمسجد فيصلي وقت الضحى. قالوا: وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، ولهذا خص بذلك أبا ذر وأبا هريرة، ولم يوص بذلك أكابر الصحابة!!. قال ابن القيم: «ومن تأمَّل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وحدها لا تدل إلا على هذا القول» اهـ. وقد اختار شيخ الإسلام أن من كان من عادته قيام الليل فإنه لا يُسنُّ له صلاة الضحى، وأما من لم تكن عادته صلاة الليل فإنه يُسنُّ له صلاة الضحى مطلقًا كل يوم (٢). قلت: ولا يخفى أن القول الأول أصحُّ، لعموم الترغيب في فعل صلاة الضحى، وكونها تجزئ عن الثلاثمائة والستين صدقة التي كل إنسان، وأما ما ورد عن بعض الصحابة من إنكارها كابن مسعود وابن عمر وغيرهما فلا يقدح في المشروعية، لأن غيرهما قد أثبت مشروعيتها وكلٌّ روى ما رأى من علم حجة على من لم يعلم. وكذلك فما ورد من تركه ﷺ لها هو أو بعض أصحابه في بعض الأوقات لا ينفي مشروعيتها فإنه ليس من شرط المشروعية مواظبة النبي ﷺ بل هي مشروعية مرغَّب في فعلها لما تقدم في فضلها، ولذا قالت عائشة: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبِّحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم» (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 423

وقت صلاة الضحى: يبتدئ وقتها من بعد ارتفاع الشمس وانتهاء وقت الكراهة إلى قبيل زوالها ما لم يدخل وقت النهي عند الجمهور (١) قلت: وعليه فيبتدئ بعد قُرابة ربع ساعة من طلوع الشمس. وأفضل وقتها: أن تؤخر إلى أن يشتد الحر، لحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرْمِضُ الفصال» (٢) ومعناه: أن تحمى الرمضاء -وهي الرمل- فتجد هذه الحرارة الفصالُ (صغارُ الإبل) بخفافها، وهذا يكون قبيل الزوال بدقائق. وعدد ركعاتها: لا خلاف بين القائلين باستحباب صلاة الضحى في أن أقلهَّا ركعتان (٣) لحديث: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» وتقدم، ولحديث أبي هريرة: «أوصاني خليلي بثلاث ... وركعتي الضحى ...». ثم اختلفوا في أكثر صلاة الضحى على ثلاثة أقوال: الأول: أكثرها ثمان ركعات: وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤) لحديث أم هانئ أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم الفتح وصلى ثماني ركعات ...» (٥) الحديث. الثاني: أكثرها اثنتا عشرة ركعة: وهو مذهب الحنفية ووجه مرجوح عند الشافعية ورواية عن أحمد، لحديث أنس مرفوعًا: «من صلَّى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرًا في الجنة» وهو ضعيف.

стр. 424

الثالث: لا حد لعدد ركعاتها: وهو مروي عن جماعة من السلف، وهو الأرجح لأمرين: ١ - حديث معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم، أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله» (١). ٢ - أن الاقتصار على الثماني ركعات في حديث أم هانئ يَردُ عليه أمران، الأول: أن من العلماء من قال أنها صلاة فتح وليست ضحى، والآخر: أن هذا الاقتصار على الثماني لا يستلزم عدم مشروعية الزيادة عليها لأن هذه قضية عين (٢). صلاة الاستخارة من أراد أمرًا من الأمور المباحة، والتبس عليه وجه الخير والصواب فيه، فإنه يُسَنُّ له أن يصلي ركعتين من غير الفريضة -أية ركعتين ولو من السنن الرواتب- ثم يدعو عقبهما بالدعاء الوارد في الحديث الآتي: عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقُلْ: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويُسمِّي حاجته] خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاقدره لي ويسَّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به» (٣) وههنا تنبيهات يجدر الالتفات إليها: ١ - الاستخارة إنما تشرع عند الهمِّ بأمر مباح، فلا تشرع في المستحبات إلا في التخيير بينهما والواجبات والمحرمات.

стр. 425

٢ - «ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبرِّي من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه» (١). ٣ - ليس من شرط الاستخارة أن يرى صاحبها رؤيا في منامه كما يعتقده كثير من العوام، وإنما تكون بما ينشرح له الصدر، أو يأول له الأمر بطبيعته وفق ما اختاره الله تعالى. ٤ - ربما جاء اختيار الله تعالى للعبد على غير هواه، أو على ما يراه -هو- شرًا فعليه أن يستسلم لله ولأمره ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٥ - الاستخارة دعاء فلا بأس بتكرارها. تنبيه: ورد حديث «إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات» (٣) وهو باطل لا يصح. صلاة التسبيح صلاة التسبيح: نوع من صلاة النفل تفعل على صورة خاصة يأتي بيانها، وإنما سميت «صلاة التسبيح» لما فيها من كثرة التسبيح، ففيها في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة (٤). حكم صلاة التسبيح: اختلف أهل العلم في حكمها لاختلافهم في ثبوت الحديث الوارد فيها وهو: حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: «يا عباس يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره

стр. 426

وكبيره سره وعلانيته، عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا ثم تسجد فتقولها عشرًا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فغن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة فإن لم تفعل ففي عمرك مرة» (١). وقد اختلف أهل العلم في حكمها على ثلاث أقوال: الأول: أنها مستحبة: وبه قال ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم، وبعض الشافعية (٢) وهؤلاء صححوا الحديث فقالوا به. الثاني: أنها لا بأس بها (جائزة): وبه قال بعض الحنابلة (٣) قالوا: لو لم يثبت الحديث فيها فهي من فضائل الأعمال فيكفي فيها الحديث الضعيف (!!).

стр. 427

ولذا قال ابن قدامة في «المغنى» (٢/ ١٣٢): إن فعلها إنسان فلا بأس، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها (!!) اهـ. الثالث: أنها غير مشروعة وهو مذهب الإمام أحمد، فقد قال: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمُنكر (١). وقال النووي: في استحبابها نظر، لأن حديثها ضعيف، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروفة فينبغي أن لا يفعل بغير حديث، وليس حديثها بثابت. اهـ (٢). قلت: وهذا الأخير أرجح لعدم ثبوت الحديث مع ما فيه من المخالفة لهيئة الصلاة، لكن من رأى باجتهاده -وكان من أهل الاجتهاد- صحة الحديث فيسنُّ له العمل به، وأما القول الثاني بالجواز مع كون الحديث ضعيفًا فهو قول ضعيف، وذلك لأمرين: ١ - أن الصواب أن الحديث الضعيف لا يُعمل به مطلقًا، لا في الفضائل ولا غيرها، وهذا هو مذهب المحققين من أهل العلم وهو ظاهر مذهب البخاري ومسلم ويحيى بن معين وابن حزم وغيرهم (٣). ٢ - أن القائلين بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال اشترطوا له شروطًا منها أن يكون مندرجًا تحت أصل في الشرع، فمحله الأعمال الثابتة المشروعة أصلاً، وليست الصلاة بهذه الهيئة بثابتة بغير هذا الحديث حتى نعمل به على أنه في فضائل ما هو مشروع!!. تنبيه: على القول بمشروعية صلاة التسبيح، فإن تحرِّي صلاتها في ليلة السابع والعشرين من رمضان، والاجتماع في المساجد لأدائها بدعة لا أصل لها، والله أعلم. صلاة تحية المسجد يستحب لمن دخل المسجد أن لا يجلس إلا بعد أن يصلي ركعتين لما يأتي: ١ - حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٤).

стр. 428

٢ - وعن جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ أمر سليكًا الغطفاني -لما أتى يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقعد قبل أن يصلي الركعتين- أن يصليهما» (١). ٣ - حديث جابر «أن النبي ﷺ أمره لما أتى المسجد لثمن جمله الذي اشتراه منه ﷺ أن يصلي الركعتين» (٢). والأمر في هذه الأحاديث ظاهره الوجوب، وكذلك النهي ظاهره تحريم ترك الركعتين، وقد ذهب جمهور العلماء -ومعهم ابن حزم- إلى أن الأمر مصروف إلى الندب بجملة أدلة، منها: حديث: «خمس صلوات ... قال: هل عليِّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع» (٣). وقد أجاب عنه الشوكاني ﵀ «بأن قوله (إلا أن تطوع) ينفي وجوب الواجبات ابتداءً، لا الواجبات بأسباب يختار المكلَّف فعلها، كدخول المسجد مثلًا، لأن الداخل ألزم نفسه الصلاة بالدخول، فكأنه أوجبها على نفسه، فلا يصح شمول ذلك الصارف لمثلها» (٤) اهـ. قلت: وقد يؤيد أن هذه الأوامر على الاستحباب: حديث أبي واقد الليثي «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (٥). قلت: فجلسا ولم يأمرهما بصلاة الركعتين، والله أعلم. فائدة: تقدم في «أوقات النهي» أن تحية المسجد من ذوات السبب التي تفعل في كل وقت ولو في أوقات الكراهة على الأرجح والله أعلم.

стр. 429

الصلاة بعد الوضوء: يستحب لمن توضأ أن يصلي ركعتين أو أكثر في أي وقت -ولو في وقت الكراهة- لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح: «يا بلال، أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة» قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (١). صلاة التوبة من زلَّت قدمه وارتكب ذنبًا، فعليه أن يسارع بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى، فهو سبحانه غافر الذنب وقابل التوب. والصلاة لأجل التوبة من الذنب مستحبة باتفاق المذاهب الأربعة (٢)، لحديث أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ...﴾ (٣) (٤). وفي سنده ضعف إلا أن الآية تشهد لمعناه، على أنه قد صححه بعض أهل العلم. صلاة ركعتين بعد الطواف بالكعبة: يستحب عند الجمهور -ويجب عند الحنفية- أن يصلي ركعتين بعد الطواف خلف مقام إبراهيم يقرأ فيهما بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في حجته كما في حديث جابر الطويل (٥) وسيأتي في الحج بتمامه. وتصلي هاتان الركعتان في أي وقت ولو في أوقات النهي، لحديث جبير بن

стр. 430

مطعم أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار» (١). صلاة الكسوف تعريفها: الكسوف: هو ذهاب ضوء أحد النيِّرين (الشمس والقمر) أو بعضه، وتغيُّره إلى سواد، والخسوف مرادف له، وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وهو الأشهر في اللغة (٢). وصلاة الكسوف: صلاة تؤدى بكيفية مخصوصة، عند ظلمة أحد النيِّرين أو بعضهما (٣). حكم الصلاة لكسوف الشمس: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصلاة لكسوف الشمس سنة مؤكدة، وصرَّح أبو عوانه بوجوبها وهو رواية عن أبي حنيفة، وحُكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، والقول بوجوبها متجه وقوي لثبوت الأوامر بها، ورجَّحه الشوكاني وصدق خان ثم الألباني، ﵏ (٤). واختلفوا في حكم الصلاة لخسوف القمر على قولين: الأول: أنها سنة مؤكدة وتُصلَّى جماعة كصلاة كسوف الشمس: وهو مذهب الشافعي وأحمد وداود وابن حزم، وبه قال عطاء والحسن والنخعي وإسحاق، وهو مروي عن ابن عباس (٥) وحجة هذا القول ما يأتي: ١ - حديث المغيرة أن النبي ﷺ قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فادعوا الله، وصلوا حتى ينجلي ...» (٦). ونحوه من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس وأبي بكرة.

стр. 431

٢ - ما رُوى «أن النبي ﷺ صلى لكسوف القمر» (١). ٣ - ما رُوى عن ابن عباس: «أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين، وقال: إنما صليت لأني رأيت رسول الله ﷺ يصلي» (٢). الثاني: أنها لا تصلى جماعة، وهي سنة كالنوافل من غير زيادة في الركوع: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك (٣) وقالوا: لوجود المشقة في الليل غالبًا دون النهار (!!) ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلاَّها جماعة مع أن خسوف القمر كان أكثر من كسوف الشمس. قلت: والأول أرجح لأمره ﷺ بالصلاة لهما من غير تفريق. وقتها: وقت صلاة الكسوف من ظهور الكسوف إلى حين زواله، لقول النبي ﷺ -المتقدم-: «إذا رأيتموهما فادعوا الله وصلُّوا حتى ينجلي» (٤) فجعل الانجلاء غاية للصلاة، لأنها شرعت رغبة إلى الله في رد نعمة الضوء، فإذا حصل ذلك حصل المقصود من الصلاة (٥). فواتها: تفوت صلاة كسوف الشمس بأحد أمرين: ١ - انجلاء جميعها، فإن انجلى بعضها جاز الشروع في الصلاة للباقي، كما لو لم ينكسف إلا ذلك القدر. ٢ - غروبها كاسفة. وتفوت صلاة خسوف القمر بأحد أمرين: ١ - الانجلاء الكامل. ٢ - طلوع الشمس وقيل بغيابه وهو خاسف، ولو حال سحاب وشك في الانجلاء صلَّى، لأن الأصل بقاء الكسوف (٦).

стр. 432

فائدة: تصلى الكسوف في جميع الأوقات حتى المنهي عن الصلاة فيها، وهو مذهب الشافعي. ما يستحب لمن رأى الكسوف: [١] الإكثار من الذكر والاستغفار والتكبير والصدقة وسائر القُرَب: وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «... فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّرا وصلُّوا وتصدقوا ...» (١). وعن أسماء قالت: «لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس» (٢). تعني التقرب إلى الله تعالى بإعتقا العبيد. [٢] الخروج للصلاة جماعة في المسجد: ففي حديث عائشة: «ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركبًا فكسفت الشمس، فرجع ضُحىً، فمرَّ رسول الله ﷺ بين ظهراني الحُجَر، ثم قام فصلَّى ...» (٣). وفي لفظ مسلم عنها «... فخرجتُ في نسوة بين ظهراني الحُجَر في المسجد، فأتى النبي ﷺ من مَرْكَبِه حتى أتى إلى مصلاَّه الذي كان يصلى فيه ..» الحديث. قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٦٣٣): والمركب الذي كان النبي ﷺ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم، فلما رجع النبي ﷺ أتى المسجد ولم يصلها ظاهرًا، وصحَّ أن السنَّة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد، ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء، والله أعلم. اهـ. [٣] يخرج للصلاة النساء: لحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلُّون وإذا هي قائمة تصلي ....» (٤) الحديث. وقد تقدم لفظ عائشة: «فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد ...».

стр. 433

ويستثنى من هذا من تخشى الفتنة منهن فيصلين في البيوت منفردات. [٤] النداء للصلاة بـ «الصلاة جامعة» من غير أذان ولا إقامة: فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة» (١). وليس لها أذان ولا إقامة اتفاقًا. [٥] الخطبة بعد الصلاة: يُسَنُّ أن يخطب لها بعد الصلاة كخطبة العيد، لحديث عائشة: إن النبي ﷺ لما فرغ من الصلاة قام وخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلُّوا وتصدقوا» (٢) وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث (٣). وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد (٤): لا خطبة لصلاة الكسوف (!!) وقال بعضهم: إن النبي ﷺ لم يقصد لها خطبة بخصوصها وإنما أراد أن يبيِّن لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، وتُعقِّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل (٥). كيفية صلاة الكسوف: لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة الكسوف ركعتان، وإنما اختلفوا في كيفيتها على أقوال، أشهرها قولان: الأول: أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد (٦) واستدلوا بما يأتي:

стр. 434

١ - حديث ابن عباس قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى الرسول ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلاً نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول» (١). ٢ - حديث عائشة «أن رسول الله ﷺ صلَّى يوم خسفت الشمس، فقام فكبَّر فقرأ قراءة طويلة ثم ركع ركوعًا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمد، وقام كما هو، ثم قرأ قراءة طويلة وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهي أدنى من الركعة الأولى، ثم سجد سجودًا طويلاً، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم سلَّم ...» (٢). ٣ - حديث جابر قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر، فصلى بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال ثم سجد سجدتين، ثم قام، فصنع نحو ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات» (٣). الثاني: أنها ركعتان، في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل: وهو مذهب أبي حنيفة، وخيَّر ابن حزم بين الكيفيات جميعها (٤)، وحجة أبي حنيفة ومن وافقه: ١ - حديث أبي بكرة قال: «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس إليه، فصلى بهم ركعتين ... الحديث» (٥). قالوا: ومطلق الصلاة تنصرف إلى الصلاة المعهودة (!!) وفي رواية النسائي: «فصلى ركعتين كما يصلون».

стр. 435

٢ - حديث النعمان بن بشير قال: «كشفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت» (١). قال ابن حزم: وهذا اللفظ [يعني: تكرار الركعتين] يقتضي ما ذكرنا. اهـ. هيئات أخرى: وقد رُوى عن النبي ﷺ أنه صلاَّها على صفات أُخَر منها: ٣ - في كل ركعة ثلاث ركوعات (٢). ٤ - في كل ركعة أربع ركوعات (٣). قال ابن القيم: «ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك، كالإمام أحمد والبخاري والشافعي ويرونه غلطًا ...» اهـ (٤). قلت: وأصح الكيفيات: أنها في كل ركعة ركوعان، كما ذهب إليه الجمهور، لتصريح الأحاديث الصحيحة بذلك، وأما أدلة أبي حنيفة ومن وافقه فذكر الركعتين فيهما مطلق، فيقيَّد بأحاديث الفريق الأول. وأما حديث النعمان بن بشير في صلاة ركعتين ركعتين، فقال الحافظ في الفتح في «المجلد الثالث»: إن كان هذا الحديث محفوظًا احتمل أن يكون معنى قوله (ركعتين) أي: ركوعين ... وقوله: (ويسأل عنها) يحتمل أن يكون السؤال بالإشارة فلا يلزم التكرار» اهـ قلت: وقد تقدم أنه ضعيف فلا نحتاج إلى شيء من التأول. وأما الروايات في الزيادة على الركوعين في الركعة، فقال شيخ الإسلام (١٨/ ١٧ - ١٨): «... فإن هذا ضعَّفه حُذَّاق أهل العلم، وقالوا: إن النبي ﷺ لم يصلِّ الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم، ومعلوم أن إبراهيم لم يمت مرتين، ولا كان له إبراهيمان، وقد تواتر عنه ﷺ أنه صلى الكسوف يومئذٍ ركوعين في كل ركعة ...» اهـ. وقال العلامة الألباني -نضَّر الله وجهه- في «الإرواء» (٣/ ١٣٢): «... وخلاصة القول في صلاة الكسوف أن الصحيح الثابت فيها عن رسول الله

стр. 436

صلى الله عليه وسلم إنما هو ركوعان في كل ركعة من الركعتين، جاء ذلك عن جماعة من الصحابة في أصح الكتب والطرق والروايات، وما سوى ذلك: إما ضعيف أو شاذ لا يحتج به» اهـ. خلاصة صفة صلاة الكسوف: أكمل صفة لهذه الصلاة: ١ - أن يكبِّر، ويستفتح، ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ نحوًا من سورة البقرة. ٢ - يركع ركوعًا طويلاً. ٣ - يرفع من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ٤ - لا يسجد، بل يقرأ الفاتحة وسورة دون الأولى. ٥ - يركع مرة أخرى ركوعًا طويلاً، هو دون الركوع الأول. ٦ - يرفع من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمد، ربنا ولك الحمد. ٧ - يسجد ثم يجلس ثم يسجد. ٨ - يقوم إلى الركعة الثانية، ويفعل مثل ما فعل في الأولى. هل يجهر بالقراءة فيها أو يُسِرُّ؟ السنة أن يجهر بالقراءة في صلاته وبه قال أحمد وإسحاق وصاحبا أبي حنيفة خلافًا للجمهور (١)، ويدل على ذلك: ١ - حديث عائشة قالت: «جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يُعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» (٢). ٢ - أنها نافلة شرعت لها الجماعة، فكان من سنتها الجهر كصلاة العيد والتراويح والاستسقاء. وقد قال الجمهور: لا يجهر إلا في خسوف القمر، وأما كسوف الشمس فلا، واحتجوا بما يلي: ١ - ما في حديث ابن عباس المتقدم: «... فقام قيامًا طويلاً نحوًا من سورة البقرة» لكن هذا لا يلزم منه عدم الجهر، فيحتمل أنه سمع منه سورًا قدَّرها بنحو البقرة، أو أنه كان في مكان لا يصله فيه الصوت.

стр. 437

٢ - ما رُوى عن عائشة أنها قالت: «حزرت قراءة رسول الله» (١) قالوا: ولو جهر لم يحتج إلى الظن والتخمين، وأجيب: بأن هذا لا يثبت عن عائشة ثم هو مخالف لما صح عنها من الجهر. ٣ - حديث سمرة بن جندب: «أن النبي ﷺ صلى في خسوف الشمس، فلم أسمع له صوتًا» (٢). ويرد على هذا ما تقدم في حديث ابن عباس، فلا يُرَدُّ لأجله الحديث الصحيح. والله أعلم. هل يُصلَّى لغير الكسوف من الآيات كالزلازل ونحوها؟ لأهل العلم في هذه المسألة أربعة أقوال (٣): الأول: تستحب الصلاة لكل آية وفزع كالزلزلة والريح الشديدة والصواعق ونحو ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وبه قال ابن حزم. الثاني: لا يصلى للآيات مطلقًا سوى الكسوفين: وهو مذهب مالك. الثالث: لا يصلى لشيء من الآيات سوى الكسوفين والزلزلة الدائمة: وهو المذهب عند الحنابلة. الرابع: لا يصلى لغير الكسوفين جماعة، بل يصلى ويتضرع في بيته: وهو مذهب الشافعي قلت: ولعل الأخير أقربها، والله أعلم. صلاة الاستسقاء تعريفها: الاستسقاء: طلب السُّقْيا من الله تعالى بإنزال المطر عند الجدب، وقد أجمع العلماء على أنه سنَّة سنَّها رسول الله ﷺ ، وإنما اختلفوا في الصلاة للاستسقاء كما سيأتي. حكم الصلاة للاستسقاء: إذا قحط الناس وأجدبت الأرض واحتبس المطر، فيستحب -عند الجمهور-

стр. 438

أن يخرج الإمام ومعه الناس إلى المصلى على صفة تأتي، ويصلى بهم ركعتين، لأنه الثابت عن رسول الله ﷺ . فعن عبَّاد بن تميم عن عمه قال: «خرج النبي ﷺ إلى المصلى يستسقي، واستقبل القبلة فصلَّى ركعتين، وقَلَب رِدَاءه: جعل اليمن على الشمال» (١). وخالف في هذا أبو حنيفة (٢) فقال: لا تُسَنُّ صلاة للاستسقاء ولا الخروج لها واستدل لما ورد أن النبي ﷺ استسقى بدون صلاة كما سيأتي. والحديث حجة عليه، وفعله ﷺ للاستسقاء بدون صلاة لا يمنع أن يكون فعل الأمرين إذ لا تنافي بينهما. من سنن الاستسقاء: [١] خروج الناس مع الإمام إلى المصلى متبذِّلين متواضعين متضرِّعين: فعن ابن عباس قال: «خرج رسول الله ﷺ مبتذلاً متواضعًا متضرِّعًا، حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرُّع والتكبير، ثم صلَّى ركعتين كما يصلي في العيد» (٣). [٢] أن يخطبهم الإمام قبل الصلاة أو بعدها على منبر يوضع له: وقد اتفق القائلون بسُنية الصلاة للاستسقاء على أن لها خُطْبة، إلا رواية في مذهب أحمد. وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأكثر أهل العلم إلى أن الخطبة بعد الصلاة (٤)، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث عبد الله بن زيد قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى المصلَّى فاستسقى وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة ودعا» (٥).

стр. 439

٢ - حديث أبي هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ يومًا يستسقي فصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله ، وحوَّل رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (١). وذهب مالك وأحمد في رواية ثانية عنهما إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وحجتهم: حديث عبد الله بن زيد قال: «خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٢). والظاهر أن الأمر في هذا واسع فيجوز أن يخطب قبل الصلاة أو بعدها، وهذا التخيير رواية ثالثة في مذهب أحمد واختاره الشوكاني وغيره. ويستحب أن تكون خطبته مناسبة للحديث، مشتملة إظهار الافتقار والندم والتوبة إلى الله تعالى، كما قال العباس حينما استسقى به عمر بن الخطاب ﵄: «وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث» (٣) ونحو ذلك مما سيأتي بعضه. [٣] أن يدعو الإمام ويكثر المسألة قائمًا مستقبل القبلة رافعًا مبالغًا في رفعهما جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، ويرفع الناس أيديهم، ويحوِّل الإمام رداءه: فعن عبد الله بن زيد: «أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي بهم، فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجَّه قِبَل القبلة وحوَّل رداءه، فأُسقوا» (٤). وعن أنس قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه» (٥). وعن أنس: «أن رسول الله ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء» (٦). وفي لفظ أبي داود: «كان يستسقي هكذا، ومدَّ يديه -وجعل بطونهما مما يلي الأرض- حتى رأيته بياض إبطيه».

стр. 440

«قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء». اهـ. وقال غير: الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السحاب إلى الأرض» (١) اهـ. وأما رفع الناس أيديهم، فلما في حديث أنس -في استسقائه ﷺ يوم الجمعة على المنبر-: «... فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ...» (٢) الحديث وسيأتي وأما تحويل الإمام رداءه الوارد في حديث عبد الله ابن زيد، فمعناه: أن يجعل ما على يمينه -من ردائه- على يساره والعكس، واستحبه الجمهور، وقيل: يستحب أن يقلب ظهر رداءه لبطنه وبطنه لظهره، لحديث ابن زيد: «استسقى النبي ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقة» (٣). والحمة في ذلك التفاؤل بتحويل الحال، ومحلُّ هذا التحويل عند الفراغ من الخطبة. [٤] من مأثور الدعاء في الاستسقاء: (أ) عن جابر قال: أتت النبي ﷺ بَوَاك، فقال النبي ﷺ : «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلاً غير آجل» فأطبقت عليهم السماء (٤). (ب) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأَحْيِ بلدك الميت» (٥). (جـ) وفي حديث عائشة أنه لما قحط الناس ووعدهم الخروج: «... فقعد

стр. 441

على المنبر فكبَّر وحمد الله ثم قال: «إنكم جَدْب دياركم واستئخار المطر عن إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني، ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين» الحديث (١) وسيأتي دعاء آخر في الاستسقاء في خطبة الجمعة. [٥] أن يصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ويجهر فيهما: لما تقدم في حديث ابن عباس: «... وصلى ركعتين كما يصلي العيد» (٢). وتقدم في حديث عبد الله بن زيد: «... ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٣). الاستسقاء بدون الخروج للصلاة: ثبت عن النبي ﷺ أوجه للاستسقاء بدون الخروج للصلاة، فمن ذلك: ١ - الاستسقاء (الدعاء بالسقيا) في خطبة الجمعة: فعن أنس: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة -ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة، ولا بيننا وبين سَلعٍ من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسَّطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًّا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة- ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس ...» (٤).

стр. 442

وفيه من الفوائد (١): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر من غير تحويل فيه ولا استقبال للقبلة، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وجواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة. [٢] الاستسقاء في المسجد في غير جمعة ومن غير صلاة: كما في حديث جابر قال: أتت النبي ﷺ بواك -وهي جمع باكية- فقال النبي ﷺ : «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلاً غير آجل» فأطبقت عليهم السماء (٢). [٣] الاستسقاء خارج المسجد: فعن عمير مولى أبي اللحم أنه «رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو رافعًا يديه قِبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه» (٣). ما يقال ويفعل إذا نزل المطر: [١] يستحب -إذا نزل المطر- أن يدعو بالمأثور، ومن ذلك: (أ) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر، قال: «اللهم صيِّبًا نافعًا» (٤). (ب) وعنها أنه ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «رحمةٌ) (٥). [٢] ويجب أن يعتقد أنهم مُطِروا بفضل الله وبرحمته، لا بالنجوم والأنواء: فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية في إثْر سماء (٦) كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال بكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبايد مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي

стр. 443

كافرٌ بالكواكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوْء (١) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (٢). فإذا اعتقد أن للنواء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر، لأنه أشرك في الربوبية، وإن لم يعتقد ذلك -بل قاله على سبيل المجاز مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط النجم- فهو من الشرك الأصغر، لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو من فضل الله ورحمته، يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء (٣). [٣] يستحب أن يدعو عند المطر، فإنه مظنة الإجابة (إن صح الحديث): لما رُوى عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» (٤). [٤] ويستحب أن يتعرض ببعض بدنه للمطر: فعن أنس قال: أصابنا -ونحن مع رسول الله ﷺ مطرٌ، فَحَسَر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديثُ عهد بربِّه تعالى» (٥). [٥] وإذا كثر المطر وخيف الضرر منه: فيستحب أن يدعو رافعًا يديه -بما في حديث أنس المتقدم في الاستسقاء على المنبر يوم الجمعة-: «اللهم حوالَيْنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» (٦). والآكام: دون الجبل وأعلى من الرابية، والظِّراب: الجبال المنبسطة غير العالية. سجود التلاوة (*) تعريفه: سجود التلاوة: هو السجود الذي سببه تلاوة أو سماع آية من آيات السجود في القرآن الكريم.

стр. 444

فضله: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيلَه (١)، أُمِر بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود فعصيتُ فلي النار» (٢). وقد ثبت في فضل السجود عمومًا أحاديث كثيرة، منها: حديث أبي هريرة في البعث والشفاعة وفيه: «حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يُخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيَخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود» (٣). وحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه سأل رسول الله ﷺ عن عمل يدخله الله به الجنة، فقال ﷺ : «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة» (٤). وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي أنه سأل رسول الله ﷺ مرافقته في الجنة، فقال: «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٥). حُكْمه: أجمع العلماء على مشروعية سجود التلاوة، للآيات والأحاديث الواردة فيه كحديث ابن عمر: «كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته» (٦) ثم اختلفوا في الوجوب على قولين: الأول: أنه واجب، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة ورواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٧).

стр. 445

الثاني: أنه مستحب وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور: مالك والشافعي والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن حزم، وبه قال عمر بن الخطاب وسلمان وابن عباس وعمران بن حصين من الصحابة (١). واحتج الموجبون بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢). قالوا: والذم لا يتعلق إلا بترك واجب. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٤). ٤ - ما في حديث أبي هريرة المتقدم: «أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة» (٥). ٥ - قول عثمان: «إنما السجود على من استمع» (٦). وأجاب الجمهور بما يأتي: ١ - أن الذم في آية الانشقاق متعلق بترك السجود إباءً واستكبارًا فيتناوله مَن تركه غير معتقد فضله ولا مشروعيته. ٢ - أن الاستدلال بالآيتين الأخريين موقوف على أن يكون الأمر فيهما للوجوب، وعلى أن يكون المراد بالسجود سجدة التلاوة وهما ممنوعان (٧). قلت: فعن زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ يسجد فيها» وفي رواية: «فلم يسجد منا أحد» (٨).

стр. 446

«وقد حُمل الأمر في الآيتين الأخريين على الندب أو على أن المراد به سجود الصلاة، أو أنه في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي في حمل المشترك على معنييه» (١). ٣ - عن عمر بن الخطاب أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة فنزل فسجد، فسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة، قال: «يا أيها الناس، إنما نمرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁» (٢). وقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعًا منهم. قلت: ولشيخ الإسلام مناقشات على أدلة الجمهور، فليراجعها من شاء، والأصح قول الجمهور، والله أعلم. هيئة سجود التلاوة: ١ - اتفق الفقهاء على أن سجود التلاوة يحصل بسجدة واحدة. ٢ - يكون السجود على هيئة السجود في الصلاة تمامًا، من وضع اليدين والركبتين والقدمين والأنف والجبهة، ومجافاة المرفقين عن الجنبين والبطن عن الفخذين وتوجيه الأصابع للقبلة وغير ذلك مما تقدم. ٣ - ولا يشرع فيه -على الأصح- تحريم (تكبيرة إحرام) ولا تسليم، قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٣/ ١٦٥): .. هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ ، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين .. اهـ. قلت: وقد نقل ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٣٤) عدم التسليم عن مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة. ثم قال (٢٣/ ١٦٦): والمروي فيها عن النبي ﷺ تكبيرة واحدة، فإنه لا ينتقل من عبادة إلا عبادة. اهـ. قلت: يشير إلى حديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجد كبَّر، وسجد وسجدنا» (٣) وهو حديث ضعيف.

стр. 447

لكن يمكن أن يُستدل لمشروعية التكبير عند السجود والرفع منه، بحديث وائل ابن حُجْر: «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير، ويكبِّر كلما خفض وكلما رفع» (١). وقد استحب الجمهور التكبير عند السجود والرفع منه، قلت: ويشرع رفع اليدين مع التكبير كذلك إن شاء، والله أعلم. ٤ - الأفضل أن يقوم من أراد السجود للتلاوة في غير الصلاة، ثم يهوى لسجود التلاوة، وهو مذهب الحنابلة وبعض متأخري الحنفية ووجه عند الشافعية واختاره شيخ الإسلام (٢). قالوا: لأن الخرور: سقوط من قيام وقد قال تعالى: ﴿... إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ (٣). وإن لم يفعل وسجد من قعود فلا بأس، ومذهب الشافعي وجمهور أصحابه: أنه لا يثبت في هذا القيام شيء يعتمد عليه، قالوا: فالاختيار تركه (٤). هل تشترط الطهارة واستقبال القبلة لسجود التلاوة؟ ذهب جماهير العلماء إلى أن سجود التلاوة يشترط فيه ما يشترط للصلاة، فاشترطوا له الطهارة، واستقبال القبلة وسائر الشروط (٥). بينما ذهب ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم اشتراط شيء من ذلك لأن السجود ليس بصلاة، بل هو عبادة، ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة، وهو مذهب ابن عمر والشعبي والبخاري، وهو الصحيح. ومما يدل على ذلك حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» (٦).

стр. 448

قال البخاري (٢/ ٦٤٤ - فتح): والمشرك نجس ليس له وضوء. اهـ. وقال الشوكاني: «ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلُّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون كما تقدم وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم ... وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان، فقيل: إنه معتبر اتفاقًا» (١) اهـ. قلت: ما دام السجود ليس بصلاة فلا يشترط فيه استقبال القبلة كذلك كما تقدم عن ابن حزم وابن تيمية، لكن لا شك في أن السجود على طهارة مستقبلاً القبلة هو الأفضل والأكمل، ولا ينبغي ترك ذلك لغير عذر، أما الاشتراط فلا، والله أعلم. كيف يسجد الماشي والراكب؟ من قرأ أو سمع آية سجدة وكان ماشيًا أو راكبًا، وأراد السجود، فإنه يومئ برأسه على أي اتجاه كان، فعن ابن عمر أنه سئل عن السجود على الدابة؟ فقال: «اسجد وأَوْمِ» رواه ابن أبي شيبة (٤٢١٠) بسند صحيح، وصحَّ الإيماء للماشي عن طائفة من السلف من أصحاب ابن مسعود وغيره. ما يقال في سجود التلاوة: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارًا: «سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقَّ سمعَه وبصرَه بحوله وقوَّته» (٢). ٢ - وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدتُ، فسجدتْ الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضَعْ عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها منيِّ كما تقبلتها من عبدك داود» ... قال

стр. 449

ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة، ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثلما أخبره، الرجل عن قول الشجرة (١). قلت: وهذان الحديثان ضعيفان على الأرجح -وقد صُحِّحا، والأوَّل قد صح نحوه في سجود الصلاة. وقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى عدم ثبوت ذلك حينما قال: «أما أنا فأقول: سبحان ربي الأعلى» فإذا كان كذلك فإن المشروع في سجود التلاوة، الأذكار التي تقدمت في سجود الصلاة، ومنها بمثل حديث عائشة المتقدم، والله أعلم. إلى مَنْ يتوجَّه حكم سجود التلاوة؟ أجمع العلماء على أن حكم سجود التلاوة يتوجَّه إلى القارئ لآية السجدة، سواء كان في الصلاة أو خارجها. ثم اختلفوا في السامع: هل عليه سجود أم لا؟ على قولين (٢): الأول: يسجد السامع مطلقًا وإن لم يسجد القارئ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك. الثاني: لا يسجد إلا إذا قصد الاستماع، وإذا سجد القارئ، وكان ممن تصح إمامته، وهو مذهب أحمد ورواية عن مالك، وحجتهم: ١ - حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته» (٣). ٢ - ما رُوى أنه قيل للنبي ﷺ : قرأ فلان عندك السجدة فسجدت، وقرأتُ عندك السجدة فلم تسجد؟ فقال: «كنتَ إمامًا فلو سجدتَ سجدنا» (٤) وهو ضعيف.

стр. 450

٣ - وقال ابن مسعود لتميم بن حذلم -وهو غلام- لما قرأ سجدة: «اسجد فأنت إمامنا فيها» (١). فدلَّ كل هذا على أن السنة للمستمع أن يسجد بسجود القارئ، فإن لم يسجد فلا يتأكد في حقه، وإن كان الأَوْلى أن يسجد، والله أعلم. سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة: يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة من غير كراهة -في أظهر قولي العلماء- لما تقدم من أن السجود ليس بصلاة، والأحاديث الواردة بالنهي مختصة بالصلاة، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٢). وقد رُوى عن ابن عمر كراهته وسنده ضعيف، والله أعلم. تكرار تلاوة أو سماع آية السجدة: إذا قرأ أو استمع آية السجود أكثر من مرة، فله أن يؤخر السجود فيسجد مرة واحدة، فإن سجد ثم قرأ آية السجود، فالأولى أن يسجد مرة أخرى وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٣). فوات سجود التلاوة: يستحب للقارئ والمستمع له السجود عقب آية السجدة، ولو تأخَّر قليلاً، فإن طال الفصل بين السجود وسببه لم يسجد لفوات محله، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤). سجود التلاوة في الصلاة: عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له: ما هذا؟ قال: «سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه» (٥).

стр. 451

وعن أبي هريرة: «أن عمر سجد في «النجم» وقام فوصل إليها سورة» (١). وفيهما أنه يستحب لمن قرأ آية السجدة في صلاته من غير فرق بين الفريضة والنافلة، وهو مذهب الجمهور، وسواء كان منفردًا أو في جماعة، في سرية أو جهرية. لكن يُكره أن يقرأ بها الإمام في الصلاة السِّرِّيَّة لما يُخشى من التخليط على المأمومين، وبه قال الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة (٢)، وقال الشافعية: لا يكره، لكن يستحب تأخير السجود إلى الفراغ من اصلاة لئلا يشوِّش عى المأمومين، ومحلُّه إذا لم يطل الفصل (٣). هل يجوز مجاوزة آية السجدة في الصلاة؟ يُكره للمصلي أن يقرأ الآيات ويَدَع آية السجدة ويجاوزها حتى لا يسجد، وهذا منقول عن طائفة من السلف كالشعبي وابن المسيب وابن سيرين والنخعي وإسحاق، وكرهه جمهور العلماء (٤). وهذا يسمى: «اختصار السجود». فائدة: وكذلك يكره جمع آيات السجود فيقرأ بها ويسجد (٥). إذا كانت السجدة آخر السورة، ماذا يفعل؟ إذا قرأ السجدة في الصلاة وكانت آخر السورة، فهو مخيَّر بين ثلاثة أمور: ١ - أن يسجد ثم يقوم فيصل بها سورة أخرى ثم يركع: وقد فعله عمر ﵁، فقد «قرأ في الفجر بيوسف فركع، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد، ثم قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ (٦) (٧)» وهذا هو الأَوْلى. ٢ - أن يركع ويجزئه عن السجود: (أ) فعن نافع «أن ابن عمر كان إذا قرأ النجم يسجد فيها، وهو في الصلاة، فإن لم يسجد ركع» (٨).

стр. 452

(ب) وسئل ابن مسعود عن السورة تكون في آخرها سجدة: أيركعه أو يسجد؟ قال: «إذا لم يكن بينك وبين السجدة إلا الركوع فهو قريب» (١). قلت: ومحلُّ هذا إذا كان منفردًا، أو كان إمامًا وعلم أن هذا لا يخلط على المأمومين، فإن خشي التخليط على المأمومين بحيث يسجد بعضهم ويركع الآخرون، فلا ينبغي فعله، والله أعلم. ٣ - أن يسجد ثم يكبِّر فيقوم، ثم يركع من غير زيادة قراءة. إذا قرأ آية سجدة على المنبر (٢): فإن شاء نزل ليسجد، ويسجد معه الناس، وإن ترك السجود فلا حرج لما تقدم من فعل عمر ﵁ (٣). ولو أمكنه السجود على المنبر سجد عليه كذلك، ويسجد الناس لسجوده فإن لم يسجد الخطيب، لم يشرع للمأمومين السجود. مواضع السجود (آيات السجدات): مواضع (آيات) السجود في القرآن الكريم خمسة عشر موضعًا، وقد ورد هذا في حديث مرفوع لكنه ضعيف، عن عمرو بن العاص «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصَّل، وفي سورة الحج سجدتان» (٤). وهذه المواضع منها عشرة مُجْمعٌ عليها: وأربعة مختلف فيها إلا أنه قد صحت الأحاديث بها وموضعٌ واحد لم يصح فيه حديث مرفوع إلا أنَّ عمل بعض الصحابة على السجود فيه مما يستأنس به على مشروعيته. [أ] المواضع المتفق على السجود فيها (٥): ١ - (الأعراف): عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٦).

стр. 453

٢ - (الرعد) عند قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (١). ٣ - (النحل) عند قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢). وقد ثبت أن عمر قرأها على المنبر يوم الجمعة ثم نزل فسجد (٣) وقد تقدم الحديث فيه. ٤ - (الإسراء) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٤). ٥ - (مريم) عند قوله تعالى: ﴿... إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٥). ٦ - (الحج) عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ ... إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٦). ٧ - (الفرقان) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ (٧). ٨ - (النمل) عند قوله تعالى: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٨). ٩ - (السجدة) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩).

стр. 454

١٠ - (فصلت) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ... وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (١) والجمهور على السجود عند ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾، والمشهور عند المالكية عند ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. [ب] المواضع المختلف فيها، وصحَّ دليلها: ١١ - (ص): عند قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (٢). وهي موضع سجود عند أبي حنيفة والثوري وأحمد -في رواية- وإسحاق وأبي ثور (٣)، ويدلُّ لقولهم: ١ - حديث ابن عباس قال: «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها» (٤). ٢ - وعن مجاهد - في سجدة ص- قال: سألت ابن عباس: من أين سُجدة؟ فقال: «أو ما تقرأ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٥). فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ » (٦). ٣ - وعن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي «ص» سجود؟ قال: نعم، ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ حتى بلغ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ قال: قال: هو منهم، وقال ابن عباس: «ورأيت عمر قرأ «ص» على المنبر، فنزل فسجد فيها، ثم رقى على المنبر» (٧). ٤ - وعن السائب بن يزيد قال: «رأيت عثمان سجد في ص» (٨).

стр. 455

سجدات المُفَصَّل الثلاث: وهي مواضع سجود عند أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد (١). ١٢ - (النجم): عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٢). ويدل لثبوتها: ١ - حديث ابن مسعود: «أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فسجد بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد ...» (٣) وقد تقدم نحوه عن ابن عباس. ٢ - تقدم سجود عمر فيها، وسنده صحيح. فائدة: وقد ثبت كذلك ترك السجود فيها، فعن زيد بن ثابت أنه «قرأ النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجد فيها» (٤). ١٣ - (الانشقاق): عند قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٥). ١ - ما تقدم من سجود أبي هريرة فيها وقوله: «سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه» (٦). ٢ - وعنه قال: «سجد أبو بكر وعمر ﵄ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ومن هو خير منهما» (٧). ٣ - وصح عن ابن عمر وابن مسعود وعمار (٨). ١٤ - (العلق): عند قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٩). وقد تقدم قبله حديث أبي هريرة في ثبوته عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.

стр. 456

[جـ] الموضع المختلف فيه، ولم يصح فيه شيء مرفوع: ١٥ - (الحج): عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). وهي موضع سجود عند الشافعي وأحمد (٢)، وقد ورد فيها حديث عقبة بن عامر أنه قال لرسول الله ﷺ : أفي الحج سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدها فلا يقرأها» (٣). وهو ضعيف، لكن قال به جمع من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب وعليٌّ وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو الدرداء وعمار ابن ياسر ﵃. وكذا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن جيش، قال ابن قدامة: لم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم. اهـ. قلت: فهذا مما يُستأنس به على مشروعيتها والله أعلم. سجود الشكر تعريفه: سجود الشكر: سجدة يفعلها الإنسان عند هجوم نعمة، أو اندفاع نقمة (٤). مشروعيته: ثبت في حديث كعب بن مالك، الطويل «أنه لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه سجد» (٥). وقد ورد جملة أحاديث -في أسانيدها مقال- عن أكثر من اثني عشر صحابيًّا، تُثبت بمجموعها سجود النبي ﷺ للشكر، ومنها حديث أبي بكرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر سرور -أو بُشِّر به- خرَّ ساجدًا شاكرًا لله» (٦).

стр. 457

وإلى هذا ذهب الجمهور: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وصاحبا أبي حنيفة (١). هيئته: كهيئة سجود الصلاة على نحو ما تقدم في سجود التلاوة. ولا يشترط له الطهارة ولا استقبال القبلة: لأنه ليس بصلاة، وإنما يستحب ذلك. ولا يكره في أوقات النهي: كما تقدم في سجود التلاوة. هل يشرع سجود الشكر في الصلاة؟ لا يُشرع أن يسجد للشكر وهو في الصلاة، لأن سببها خارج عن الصلاة، فإن سجد في الصلاة بطلت صلاته، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسيًا فلا تبطل، كما لو زاد في الصلاة سجدةَ نسيانًا، وبهذا صرَّح الشافعية، والحنابلة، وعند الحنابلة قول بأنه لا بأس به في الصلاة!! (٢) وهو ضعيف، والله أعلم. سجود السَّهْو تعريفه: السهو لغة: السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره (٣). وسجود السهو اصطلاحًا: هو ما يكون في آخر الصلاة أو بعدها لجبر خلل بترك مأمور به أو فعل بعض منهي عنه دون تعمد (٤). مشروعيته: اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي ﷺ أو نحوه على وجه السهو (٥). وقد صحَّ في مشروعية سجود السهو عدة أحاديث عليها مدار أحكامه، أسوقها ههنا ليسهل الإحالة عليها في مسائل الباب:

стр. 458

١ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نُودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان أقبل، فإذا ثَّوب أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلَّى، فإذا لم يَدْرِ أحدكم كم صلَّى، فليسجد سجدتين وهو جالس» (١). ٢ - حديث أبي هريرة قال: «صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتَيْ العشى -إما الظهر وإما العصر- فسلَّم في الركعتين ثم أتى جزعًا في قبل المسجد، فاستند إليها، وخرج سَرَعان الناس، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالاً، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟!» قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلَّى ركعتين وسلَّم ثم كبَّر وسجد ثم كبَّر ورفع» (٢). ٣ - حديث عمران بن حصين بنحو حديث أبي هريرة السابق وفيه: «... وسلَّم من ثلاث ركعات، فلما قيل له، صلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم» (٣). ٤ - حديث عبد الله بن بُحَيْنة أن رسول الله ﷺ «قام من صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتمَّ صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدهما الناس معه، مكان ما نسى من الجلوس» (٤). ٥ - حديث ابن مسعود قال: «صلى رسول الله ﷺ [قال إبراهيم: زاد أو نقص] فلما سلَّم، قيل له يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلَّم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين» (٥).

стр. 459

وفي لفظ للبخاري «ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» وفي رواية: انه صلاَّها خمسًا فسجد سجدتين. ٦ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلَّى أثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك ولْيَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (١) ونحوه عن عبد الرحمن بن عوف. أسباب سجود السهو: يُشرع سجود السهو في الصلاة لثلاثة أسباب: [١] النقص: إذا وقع في الصلاة نقص لغفلة أو سهو فلا يخلو المتروك من أن يكون ركنًا أو واجبًا أو مستحبًا: (أ) فإن ترك ركنًا في ركعة -سهوًا- ثم ذكره قبل شروعه في القراءة في الركعة التي بعدها لزمه أن يعود إليه فيأتي به وبما بعده، ثم يلزمه سجود السهو في آخر صلاته على ما سيأتي تحرير موضعه. وإن لم يذكر الركن إلا بعد شروعه في قراءة الركعة التي بعدها، بطلت الركعة التي نقص منها وعليه إلغاؤها وإتمام صلاته ثم يسجد للسهو (٢). وإن نسي ركعة أو أكثر من صلاته، فإني يأتي بتمام صلاته، ثم يسجد للسهو، والأصل في هذا حديث أبي هريرة -في قصة ذي اليدين- وعمران بن حصين. (ب) وإن ترك واجبًا من واجبات الصلاة -كالتشهد الأوسط مثلًا- فإن أمكنه استدراكه قبل مفارقة محلِّه أتى به ولا شيء عليه، وإن ذكره بعد مفارقة محله وقبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ولا سهو عليه، وإن ذكره بعد مفارقة محلِّه وبعد أن يصل إلى الركن الذي سقط عنه فلا يرجع إليه، ويستمر في صلاته، ويسجد للسهو. والأصل في هذا حديث عبد الله بن بجينة المتقدم. وعن زياد بن علاقة قال: «صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام

стр. 460

ولم يجلس، فسبح به من خلقه، فأشار إليهم: أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلَّم، وسجد سجدتين وسلَّم، وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ». وفي رواية قال: «قال رسول الله ﷺ : «إذا استتم أحدكم قائمًا فليصلِّ وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه» (١). (جـ) وإن ترك مستحبًّا، فقيل: لا سهو عليه لأن المستحبات لا حرج في تركها، وقيل: بل يستحب السجود لمسنون -ولا يجب لئلا يزيد الفرع على أصله- لحديث: «لكل سهو سجدتان» (٢). لكنه ضعيف لا يُحتجُّ به. [٢] الزيادة: إذا سها المصلي فزاد ركعة أو أكثر في صلاته، فإن ذكر في أثنائها، فعليه أن يجلس -على أي وضع كان- ويتشهد ويسلم ويسجد للسهو ويسلِّم، فإن لم يذكر إلا بعد السلام، فإنه يسجد للسهو ويسلِّم. لحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلَّم» (٣). [٣] الشك: إذا شك المصلي -أي تردَّد- هل صلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا، فإنه يتحرى صلاته (٤) فإن ترجَّح عنده أحد الأمرين بنى عليه وسجد بعد السلام، كما في حديث ابن مسعود المتقدم. وإذا لم يترجَّح له أحدهما، فإنه يبني على اليقين (وهو الأقل منهما) ويسجد قبل السلام، لحديث أبي سعيد المتقدم، وحديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم
следующие страницы →