← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[جـ] الموضع المختلف فيه، ولم يصح فيه شيء مرفوع: ١٥ - (الحج): عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). وهي موضع سجود عند الشافعي وأحمد (٢)، وقد ورد فيها حديث عقبة بن عامر أنه قال لرسول الله ﷺ : أفي الحج سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدها فلا يقرأها» (٣). وهو ضعيف، لكن قال به جمع من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب وعليٌّ وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو الدرداء وعمار ابن ياسر ﵃. وكذا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن جيش، قال ابن قدامة: لم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم. اهـ. قلت: فهذا مما يُستأنس به على مشروعيتها والله أعلم. سجود الشكر تعريفه: سجود الشكر: سجدة يفعلها الإنسان عند هجوم نعمة، أو اندفاع نقمة (٤). مشروعيته: ثبت في حديث كعب بن مالك، الطويل «أنه لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه سجد» (٥). وقد ورد جملة أحاديث -في أسانيدها مقال- عن أكثر من اثني عشر صحابيًّا، تُثبت بمجموعها سجود النبي ﷺ للشكر، ومنها حديث أبي بكرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر سرور -أو بُشِّر به- خرَّ ساجدًا شاكرًا لله» (٦).

стр. 457

وإلى هذا ذهب الجمهور: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وصاحبا أبي حنيفة (١). هيئته: كهيئة سجود الصلاة على نحو ما تقدم في سجود التلاوة. ولا يشترط له الطهارة ولا استقبال القبلة: لأنه ليس بصلاة، وإنما يستحب ذلك. ولا يكره في أوقات النهي: كما تقدم في سجود التلاوة. هل يشرع سجود الشكر في الصلاة؟ لا يُشرع أن يسجد للشكر وهو في الصلاة، لأن سببها خارج عن الصلاة، فإن سجد في الصلاة بطلت صلاته، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسيًا فلا تبطل، كما لو زاد في الصلاة سجدةَ نسيانًا، وبهذا صرَّح الشافعية، والحنابلة، وعند الحنابلة قول بأنه لا بأس به في الصلاة!! (٢) وهو ضعيف، والله أعلم. سجود السَّهْو تعريفه: السهو لغة: السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره (٣). وسجود السهو اصطلاحًا: هو ما يكون في آخر الصلاة أو بعدها لجبر خلل بترك مأمور به أو فعل بعض منهي عنه دون تعمد (٤). مشروعيته: اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي ﷺ أو نحوه على وجه السهو (٥). وقد صحَّ في مشروعية سجود السهو عدة أحاديث عليها مدار أحكامه، أسوقها ههنا ليسهل الإحالة عليها في مسائل الباب:

стр. 458

١ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نُودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان أقبل، فإذا ثَّوب أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلَّى، فإذا لم يَدْرِ أحدكم كم صلَّى، فليسجد سجدتين وهو جالس» (١). ٢ - حديث أبي هريرة قال: «صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتَيْ العشى -إما الظهر وإما العصر- فسلَّم في الركعتين ثم أتى جزعًا في قبل المسجد، فاستند إليها، وخرج سَرَعان الناس، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالاً، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟!» قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلَّى ركعتين وسلَّم ثم كبَّر وسجد ثم كبَّر ورفع» (٢). ٣ - حديث عمران بن حصين بنحو حديث أبي هريرة السابق وفيه: «... وسلَّم من ثلاث ركعات، فلما قيل له، صلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم» (٣). ٤ - حديث عبد الله بن بُحَيْنة أن رسول الله ﷺ «قام من صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتمَّ صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدهما الناس معه، مكان ما نسى من الجلوس» (٤). ٥ - حديث ابن مسعود قال: «صلى رسول الله ﷺ [قال إبراهيم: زاد أو نقص] فلما سلَّم، قيل له يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلَّم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين» (٥).

стр. 459

وفي لفظ للبخاري «ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» وفي رواية: انه صلاَّها خمسًا فسجد سجدتين. ٦ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلَّى أثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك ولْيَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (١) ونحوه عن عبد الرحمن بن عوف. أسباب سجود السهو: يُشرع سجود السهو في الصلاة لثلاثة أسباب: [١] النقص: إذا وقع في الصلاة نقص لغفلة أو سهو فلا يخلو المتروك من أن يكون ركنًا أو واجبًا أو مستحبًا: (أ) فإن ترك ركنًا في ركعة -سهوًا- ثم ذكره قبل شروعه في القراءة في الركعة التي بعدها لزمه أن يعود إليه فيأتي به وبما بعده، ثم يلزمه سجود السهو في آخر صلاته على ما سيأتي تحرير موضعه. وإن لم يذكر الركن إلا بعد شروعه في قراءة الركعة التي بعدها، بطلت الركعة التي نقص منها وعليه إلغاؤها وإتمام صلاته ثم يسجد للسهو (٢). وإن نسي ركعة أو أكثر من صلاته، فإني يأتي بتمام صلاته، ثم يسجد للسهو، والأصل في هذا حديث أبي هريرة -في قصة ذي اليدين- وعمران بن حصين. (ب) وإن ترك واجبًا من واجبات الصلاة -كالتشهد الأوسط مثلًا- فإن أمكنه استدراكه قبل مفارقة محلِّه أتى به ولا شيء عليه، وإن ذكره بعد مفارقة محله وقبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ولا سهو عليه، وإن ذكره بعد مفارقة محلِّه وبعد أن يصل إلى الركن الذي سقط عنه فلا يرجع إليه، ويستمر في صلاته، ويسجد للسهو. والأصل في هذا حديث عبد الله بن بجينة المتقدم. وعن زياد بن علاقة قال: «صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام

стр. 460

ولم يجلس، فسبح به من خلقه، فأشار إليهم: أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلَّم، وسجد سجدتين وسلَّم، وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ». وفي رواية قال: «قال رسول الله ﷺ : «إذا استتم أحدكم قائمًا فليصلِّ وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه» (١). (جـ) وإن ترك مستحبًّا، فقيل: لا سهو عليه لأن المستحبات لا حرج في تركها، وقيل: بل يستحب السجود لمسنون -ولا يجب لئلا يزيد الفرع على أصله- لحديث: «لكل سهو سجدتان» (٢). لكنه ضعيف لا يُحتجُّ به. [٢] الزيادة: إذا سها المصلي فزاد ركعة أو أكثر في صلاته، فإن ذكر في أثنائها، فعليه أن يجلس -على أي وضع كان- ويتشهد ويسلم ويسجد للسهو ويسلِّم، فإن لم يذكر إلا بعد السلام، فإنه يسجد للسهو ويسلِّم. لحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلَّم» (٣). [٣] الشك: إذا شك المصلي -أي تردَّد- هل صلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا، فإنه يتحرى صلاته (٤) فإن ترجَّح عنده أحد الأمرين بنى عليه وسجد بعد السلام، كما في حديث ابن مسعود المتقدم. وإذا لم يترجَّح له أحدهما، فإنه يبني على اليقين (وهو الأقل منهما) ويسجد قبل السلام، لحديث أبي سعيد المتقدم، وحديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم

стр. 461

اثنتين فلْيَبْن على واحدة، فإن لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثًا فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليبن على ثلاث، ولسجد سجدتين قبل أن يسلِّم» (١). تنبيه: لا يُلْتفت إلى الشك في العبادة في ثلاث حالات (٢): ١ - إذا كان مجرد وهم لا حقيقة له، كالوسواس. ٢ - إذا كثر مع الشخص بحيث لا يفعل عبادة إلا حصل له فيها شك. ٣ - إذا كان الشك بعد الفراغ من العبادة فلا يلتفت إليه ما لم يتيقَّن فيعمل بما تيقن. حكم سجود السهو: لأهل العلم في حكم سجود السهو في الصلاة عند وجود سببه، قولان (٣): الأول: أنه واجب: وهو ذهب الحنفية وقول عبد المالكية والمعتمد عند الحنابلة والظاهرية واختاره شيخ الإسلام، وحُجَّتهم: ١ - أمر النبي ﷺ به في الأحاديث المتقدمة، وفي بعضها لمجرد الشك. ٢ - مداومته ﷺ على سجدتي السهو -عند وقوع سببها- وعدم تركهما في السهو المقتضي لهما قط. الثاني: أنه مستحب: وهو المشهور عن المالكية والشافعية ورواية عن الحنابلة، وحجتهم: - ما جاء في حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان» (٤).

стр. 462

قالوا: فدلَّ على أن السجدتين نافلة أي سنة وليستا واجبتين!! والراجح: الوجوب، وأما حجة المخالفين فقد رد عليها شيخ الإسلام بأمرين: ١ - أن هذا اللفظ (كانت الركعة والسجدتان نافلة) ليس في الصحيح ولفظ الصحيح: «فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتي قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» وهو يقتضي وجوبهما، وجوب الركعة والسجدتين. ٢ - على فرض أن الرسول ﷺ قاله، فمعناه: أنه مأمور بذلك مع الشك، فعلى تقدير أن تكون صلاته تامة في نفس الأمر، لم ينقص منها شيء يكون ذلك زيادة في عمله، وله فيه أجر كما في النافلة. موضع سجود السهو (قبل السلام أو بعده؟): اختلف أهل العلم في سجود السهو: يكون قبل السلام أو بعده؟ بناء على الأحاديث الثابتة في هذا الباب، بعد الاتفاق على أنه يجزئ على كل حال -على تسعة أقوال (١): الأول: سجود السهو كله قبل السلام: وبه قال أبو هريرة ومكحول والزهري وابن المسيب وربيعة والأوزاعي والليث، وهو مذهب الشافعي الجديد. الثاني: سجود السهو كله بعد السلام: وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وأنس وابن الزبير وابن عباس، وهو مروي عن عليٍّ وعمار، والحسن والنخعي والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. الثالث: يسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله: وهو مذهب مالك والمزني وأبي ثور وقول للشافعي. الرابع: يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام: وهو مذهب أحمد وابن أبي خيثمة واختاره ابن المنذر.

стр. 463

الخامس: يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد بعد السلام إن كان لزيادة، وقبله إن كان لنقص: وهو مذهب إسحاق بن راهوية. السادس: كالسابق، لكن يخيَّر فيما لم يرد فيه شيء: وهو اختيار الشوكاني. السابع: الباني على الأقل يسجد قبل السلام: والمتحرِّي يسجد بعد السلام: وهو مذهب ابن حبان. الثامن: أنه مخيَّر في السجود قبل السلام أو بعده مطلقًا: وهو محكي عن عليٍّ، والشافعي في قول والطبري. التاسع: أنه بعد السلام إلا في موضعين يكون فيهما مخيَّرًا: أحدهما إذا قام ولم يجلس للتشهد الأول، والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثًا أو أربعًا فيبني على الأقل ويخيَّر في السجود، وإليه ذهب ابن حزم وأهل الظاهر. والصحيح الذي تجتمع عليه النصوص المتقدمة: التفريق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرِّي والشك مع البناء على اليقين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وقال: وهذا إحدى الروايات عن أحمد، ومذهب مالك قريب منه وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها، ففيه الفرق المعقول، وذلك أنه: ١ - إذا كان في نقص -كترك التشهد الأول- احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرها يكون قبل السلام لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة. ٢ - وإذا كان من زيادة -كركعة- لم يجمع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام، لأنه إرغام للشيطان، بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته، فإن النبي ﷺ جعل السجدتين كركعة. ٣ - وكذلك إذا شك وتحرَّى فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان فيكون بعد السلام. ٤ - وكذلك إذا سلَّم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها، والسلام منها زيادة، والسجود في ذلك بعد السلام، لأنه إرغام للشيطان. ٥ - وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته، ليكون كأنه قد صلى ستًّا لا خمسًا، وهذا إنما يكون قبل السلام.

стр. 464

قال ابن تيمية ﵀: «فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص» اهـ. إذا سها عن سجود السهو، وحصل فصل أو نقض للوضوء: فهل يبنى على صلاته ويسجد للسهو؟ أم يستأنف الصلاة من جديد؟ (أ) أما إذا وقع فصل طويل -ما لم ينتقض الوضوء- فللعلماء فيه قولان: الأول يستأنف الصلاة من جديد: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (١)، قالوا: لأنها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل، كما لو انتقض وضوؤه. الثاني: يبني على صلاته ويسجد للسهو ما لم ينتقض الوضوء: وهو قول لمالك والقديم للشافعي وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري والليث والأوزاعي وابن حزم وابن تيمية إلا أنه خصَّه بما كان بعد السلام (٢). قالوا: لأن طول الفصل ليس له حد منضبط، وقد سلم النبي ﷺ ساهيًا وتكلَّم وراجع وخرج من المسجد ودخل بيته ثم عرف فخرج فأتم ما بقي من صلاته وسجد لسهوه سجدتين. ولأنه مأمور بإتمام صلاته وسجوده للسهو فوجب، لعموم قوله ﷺ : «من نسى صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣). قلت: وهذا مذهب قوي، لكن من أراد أن يحتاط لنفسه فيعيد الصلاة، فله ذلك والله أعلم. (ب) وأما إذا انتقض وضوؤه بعد ما سلم من صلاته الناقصة، بطلت صلاته بالاتفاق. فإن كان سها عن السجود -بعد السلام- لزيادة في صلاته، جاز أن يسجدها وإن حدث (نقض للوضوء) لأنهما ترغيم للشيطان، كما قال ابن تيمية (٤) قلت: يعني يتوضأ ويسجد للسهو، وهذا قوي ومتجه.

стр. 465

تكرار السهو في نفس الصلاة (١): إذا تكرر السهو للمصلي في الصلاة، فإنه لا يتكرر لذلك سجود السهو، فلا يلزمه إلا سجدتان، عند جمهور العلماء، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم كرَّروا السجود لتكرار السهو، مع أن تكرار السهو ممكن من كل مصلٍّ. ولأنه لو لم تتداخل لسجد النبي ﷺ عقب السهو، فلما أخَّر إلى آخر صلاته دلَّ على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة. قلت: وأما حديث ثوبان مرفوعًا: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم» (٢) فضعيف لا يصح، كما تقدم. سجود السهو في صلاة التطوع (٣): جمهور العلماء على أنه يسجد للسهو في صلاة التطوع كالفرض، لعموم ذكر الصلاة في أحاديث الباب من غير تفريق بين فريضة ونافلة، ولعدم الدليل على التفريق. وعن أبي العالية قال: «رأيت ابن عباس يسجد بعد وتره سجدتين» (٤). وعن عطاء عن ابن عباس قال: «إذا أوهمت في التطوع فاسجد سجدتين» (٥). من أحكام السهو في صلاة الجماعة: قد يحصل السهو في الصلاة للإمام أو المأموم. [١] إذا سها الإمام في الصلاة: (أ) يشرع للمأموم تنبيه إمامه إذا سها: ويكون ذلك بتسبيح الرجال، وتصفيق

стр. 466

النساء -عند الجمهور خلافًا لمالك- (١) لحديث سهل بن سعيد أن النبي ﷺ قال: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله» (٢). وفي لفظ: «إذا نابكم أمر فليسبِّح الرجال» (٣). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٤). وعند المالكية: يسبِّح الرجال والنساء على سواء، ويُكره تصفيق النساء في الصلاة!! والحديث حجة عليهم، ومعنى التصفيق أو التصفيح: أن تضرب ببطن كفِّها على ظهر الأخرى لتنبيه الإمام. (ب) استجابة الإمام لتنبيه المأمومين ومتابعتهم (٥): ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الإمام إذا زاد في صلاته وكان على يقين أو غلب على ظنه أنه مصيب، والمأمومون يرون أنه في الخامسة مثلًا- لم يستجب لهم. وعند المالكية أنه إن كثر عددهم بحيث يفيد العلم الضروري، فإن الإمام يترك يقينه ويرجع لهم فيما أخبروه. وهذا إذا كان الإمام قد غلب على ظنه أو تيقن صواب فعله، فإن كان في شك، فيلزمه الاستجابة للمأمومين، لحديث ذي اليدين المتقدم، وبهذا قال الجمهور في الشك، خلافًا للشافعية، فإنهم يرون أنه يبني على اليقين ولا يلتفت للمأمومين!! قلت: وقول الجمهور أولى لأن شهادة المأمومين -الثقات- هي نوع من التحري، فغن ترجَّح له صواب إخبار المأمومين عمل به، والله أعلم. (جـ) إذا سها الإمام وسجد للسهو وجب على المأموم اتباعه: سواء سها المأموم معه أو انفرد الإمام بالسهو، قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٢٢): «أجمع كل

стр. 467

من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المأموم إذا سها الإمام في صلاته وسجد أن يسجد معه، وحجتهم فيه قول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (١) ولأن المأموم تابع للإمام، وحكمه حكمه إذا سها، وكذلك إذا لم يَسْه. (د) إذا سها الإمام ولم يسجد للسهو؟ فهل يسجد المأموم؟ (٢). اختلف أهل العلم في هذا، فذهب عطاء والحسن والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن لم يسجد لم يسجدوا لما فيه من مخالفة الإمام. وذهب ابن سيرين وقتادة والأوزاعي ومالك والليث والشافعي وأبو ثور ورواية عن أحمد، إلى أنهم يسجدون وإن لم يسجد الإمام، قالوا: ذلك أن هذا شيء وجب عليهم وعليه، فلا يزول عنهم بتركه ما وجب عليه، وذلك أن الكل مؤدٍّ فريضة وما وجب عليه، فلا يزول عنه إلا بأدائه. (هـ) هل يسجد للسهو المسبوق مع الإمام؟ إذا أدرك الرجل بعض (٣) صلاة الإمام، وعلى الإمام سجود السهو، فللعلماء فيه أربعة أقوال: الأول: يسجد مع الإمام ثم يقوم ليقضي ما عليه: وبه قال الشعبي وعطاء والنخعي والحسن، وأحمد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه (٤). الثاني: يقضي، ثم يسجد لسهو إمامه، وبه قال ابن سيرين وإسحاق بن راهويه (٥). الثالث: يسجد مع الإمام ثم يقضي ثم يسجد بعد فراغه من الصلاة، وهو مذهب الشافعي (٦).

стр. 468

الرابع: إن سجد الإمام قبل التسليم سجد معه، وإن سجد بعد التسليم قام فقضى صلاته ثم يسجدها. وهو مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد (١). قلت: ولعل هذا الأخير هو الأقرب لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به ... وإذا سجد فاسجدوا» وقد تقرر -فيما مضى- أن السجود قبل التسليم يكون جبرًا للنقص فوجب المتابعة فيه. وأما ما يسجد فيه بعد السلام فإنه ترغيم للشيطان، فيقوم يتم ما عليه ثم يسجد لسهو إمامه لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢) ويكون بهذا قد ائتم بالإمام من جهة أن الإمام سجد في آخر صلاته فكذلك هو. [٢] إذا سها المأموم خلف إمامه (٣): إذا سها المأموم خلف الإمام فإن الإمام يحمل عنه سهوه، وليس عليه سجود للسهو، عند أكثر أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد ورد في هذا حديث مرفوع عن عمر عن النبي ﷺ : «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه» (٤) لكنه ضعيف لا يصح لكن عليه العمل عند الأكثرين. وخالف في هذا ابن سيرين وداود وابن حزم فقالوا: يسجد كما لو كان منفردًا أو إمامًا لأن أمر النبي ﷺ كل من أوهم في صلاته بسجدتي السهو لم يخص إمامًا ولا منفردًا من مأموم. قلت: مذهب الجمهور أرجح لا للحديث المرفوع، وإنما لما ذكره العلامة الألباني ﵀ حيث قال (٥): «نحن نعلم يقينًا أن الصحابة الذين كانوا يقتدون به ﷺ كانوا يسهون وراءه سهوًا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين، هذا الأمر لا يمكن لأحد إنكاره، فإذا كان كذلك فلم ينقل أن أحدًا منهم سجد بعد سلامه ﷺ ، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعلوه لنقلوه، فإذا لم ينقل، دلَّ

стр. 469

على أنه لم يشرع، وهذا ظاهر -إن شاء الله تعالى- وقد يؤيد ذلك ما مضى في حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه تكلم في الصلاة خلفه ﷺ جاهلاً بتحريمه، ثم لم يأمره النبي ﷺ بسجود السهو» اهـ. صفة سجود السهو: سجود السهو سجدتان كالسجدتين في الركعة تمامًا يكبِّر عند كل خفض ورفع ثم يسلِّم، سواء كانه السجود قبل التسليم أو بعده. فأما التكبير: ففي حديث ابن بجينة: «فلما أتم صلاته سجد سجدتين: يكبِّر في كل سجدة وهوجالس قبل أن يسلم ....» (١) وهذا قبل السلام. وأما بعد السلام، فهو ثابت في حديث أبي هريرة: «... فصلى ركعتين وسلَّم، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع» (٢). هل لسجود السهو تكبيرة إحرام؟ ظاهر الأحاديث أنه يكفي بتكبير السجود وبه قال الجمهور (٣)، وقال مالك: لابد من تكبيرة إحرام قبل السجود، لزيادة وردت في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين: «أنه كبر وسجد، وقال هشام -يعني ابن حسان-: كبر ثم كبر وسجد» وهي زيادة شاذة لا تثبت. قال ابن عبد البر (٤): «سلامه ساهيًا لا يخرجه من صلاته عندنا وعند جمهور العلماء ولا يفسدها عليه، وإذا كان في صلاته بنى عليها، فلا معنى للإحرام، لأنه غير مستأنف لصلاة بل هو متمم لها بانٍ فيها، وإنما يؤمر بتكبيرة الإحرام من ابتدأ صلاته وافتتحها» اهـ. وأما التسليم بعد السجدتين: فهو ثابت في خبر ذي اليدين، وحدث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه صلى خمسًا، وحديث عمران بن حصين وفيه: «... فصلى ركعة ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم» (٥).

стр. 470

هل يتشهَّد بعد سَجْدَتَيْ السهو؟ لأهل العلم في هذه المسألة أربعة أقوال (١) أصحُّها أنه لا يتشهد بعد سجدتي السهو لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ، وإنما اعتمد من قال به على ما رُوى من حديث عمران بن حصين: «أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم» (٢) وهو شاذ لا يصح، ولذا قال شيخ الإسلام (٢٣/ ٤٨): «.... فإن رسول الله ﷺ قد ثبت عنه أنه سجد بعد السلام غير مرة كما في حديث ابن مسعود لما صلى خمسًا، وفي حديث أبي هريرة -حديث ذي اليدين- وعمران بن حصين ... وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود، ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول: أنه يتشهد بعد السجود، بل هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين أو أكثر ومثل هذا مما يُحفظ ويُضبط، وتتوفَّر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد، وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام وذكر التكبير عند الخفض والرفع، فإن هذه أقوال خفيفة، والتشهد عمل طويل، فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا» اهـ. الصلاة في السفر السفر لغةً: قطع المسافة، وخلاف الحضر (أي الإقامة). والسفر اصطلاحًا: خروج الإنسان من وطنه قاصدًا مكانًا يستغرق المسير إليه مسافة ما، اختلف الفقهاء في تقديرها كما سيأتي. أولاً: قصر الصلاة: تعريفه: القصر لغةً: الحبس، وعدم بلوغ الشيء مداه ونهايته. والقصر شرعًا: أن تصير الصلاة الرباعية ركعتين في السفر، سواء في حالة الخوف أو الأمن.

стр. 471

مشروعيته: ثبتت مشروعية القصر في السفر بالكتاب والسنة والإجماع، وستأتي الأدلة خلال مباحث هذا الباب، إن شاء الله. وقد اتفق العلماء على مشروعية القصر للصلاة في السفر، وعلى أن الفجر والمغرب لا تُقصران، واختلفوا في حكم قصر الصلاة: هل هو واجب أو رخصة؟ كما اختلفوا في شروط القصر، وفي غير ذلك، وفيما يلي بيان هذه المسائل: حُكْمُ قَصْرِ الصلاة في السفر: اختلف أهل العلم في حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر على قولين: الأول: أن القصر رخصة (جائز) وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة (١)، ثم اختلف هؤلاء في: هل الأفضل القصر أو الإتمام أو هو مخيَّر؟. الثاني: أن القصر عزيمة (واجب) ولا يجوز الإتمام: وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، ومذهب الظاهرية (٢)، ثم اختلفوا فيما إذا أتم: تبطل صلاته أم لا؟ أدلة الفريقين ومناقشاتها: [أ] أدلة القائلين بعدم الوجوب: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ (٣). قالوا: نفى الجناح يقتضي رفع الإثم، والإباحة لا الوجوب والعزيمة. وأجاب الموجبون من وجوه ثلاثة: الأول: أنه لا يُسلَّم بأن نفي الجناح خاص بالمباح، بل يستعمل كذلك في الواجب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٤). فنفى الجناح في الآية جاء في السعي بين الصفا والمروة في الحج وهو فرض.

стр. 472

وأُجيب: بأن الآية نزلت لتبين أن السعي من الشعائر، وذلك لما تحرَّج المسلمون منه لأن العرب كانت تفعله في الجاهلية، ولم تنزل الآية لبيان حكم السعي!! والوجه الثاني: أن المراد بالقصر في الآية: قصر هيئة الصلاة في الخوف من ترك القيام والركوع، وأُجيب: بأن المراد بالقصر: إنقاص عدد الركعات بحيث تصير الرباعية ثنائية، بدليل حديث يعلى بن أمية الآتي قريبًا وفيه أنه أشكل عليه إنقاص عدد الركعات في السفر في حالة الأمن كما أشكل على عمر فقال ﷺ : «صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١). والوجه الثالث: أن في الآية اشتراط تحقق الخوف، فلماذا لم تقولوا به لجواز القصر وأجزتموه في الأمن؟ وأُجيب: بأن القصر في السفر قد أكدته السنة. ٢ - واستدل الجمهور: بحديث يعلى بن أميَّة قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس!! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (٢) قالوا: والتعبير عن القصر بالصدقة يدل على الجواز، لأن الشأن في الصدقة التطوع لا الإلزام والوجوب. وأجاب الموجبون: بأن الحديث دليل لنا لا لكم، لأن النبي ﷺ قد أمر بقبول هذه الصدقة والأمر للإيجاب، وكل إحسان إلينا صدقة. وأجيب: بأنه توجد أكثر من قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب!! ومن ذلك أن لفظ «صدقة» إذا أطلق يراد به الصدقة التطوعية لا الواجبة. ٣ - واستدل الجمهور: بما رُوى عن عائشة أنها قالت: خرجت مع النبي ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر وصمتُ، وقصر وأتممتُ، فقلت: بأبي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: «أحسنتِ يا عائشة» (٣).

стр. 473

وأجاب الموجبون عنه بأجوبة: أحدها: أن الحديث ضعيف لا يحتج به، والثاني: أن في متنه نكارة، لأن النبي ﷺ اعتمر أربع عمرات ليس منهن شيء في رمضان، بل في ذي القعدة (١). والثالث: قال شيخ الإسلام (٢): «وهذا حديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي ﷺ وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: «فرضت الصلاة ركعتين ...» فكيف يظن بها أنها تزيد على فرض الله وتخالف رسول الله ﷺ وأصحابه؟!» اهـ. ٤ - واستدل الجمهور: بما يُروى عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم» (٣). وأجاب الموجبون: بأنه محمول على أنه قصر في الفعل وأتم في الحكم، كقول عمر: «صلاة السفر ركعتان تمام من غير قصر» وأجيب: بأن التمام في خبر عائشة يدل على جواز صلاة الرباعية أربع ركعات في السفر، أما الإتمام في خبر عمر فيدل على التمام في الأجر، فلا يُحمل خبر عائشة على كلام عمر ﵄ قلت: الحديث منكر فلا حاجة إلى شيء من التأويل. ٥ - واستدل الجمهور: بحديث عبد الرحمن بن يزيد قال: «صلَّى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان» (٤). قالوا: يعني: ليت عثمان صلى ركعتين بدل أربع كما كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه

стр. 474

النبي ﷺ وصاحباه، ومع هذا فقد وافق ابن مسعود على جواز الإتمام، وإلا لم يجز أن يُتَّم وراء أحد (١). وأجاب الموجبون من وجوه: (أ) أن عثمان أتم بمنى لأنه نوى الإقامة في مكة بعد الحج، وأتم من كان معه من الصحابة لأنهم يقيمون بإقامته، وأجيب: بأن الإقامة بمكة كانت حرامًا على المهاجرين، وكيف يقيم وصح عن عثمان أنه كان يودِّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته، وثبت أنه -لما حاصروه- قيل له: اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي» (٢). (ب) وقيل: إن عثمان أتَّم بمنى لأنه تزوج بمكة، بدليل أنه لما أنكر الناس عليه صلاته بمنى أربعًا، قال: «أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تأهلَّ في بلد فليصلِّ صلاة المقيم» (٣) وأجيب بان الحديث قد أعل بالانقطاع فلا يحتج به. (جـ) وقيل: إن عثمان أتمَّ لأنه إمام المسلمين، وكل موضع نزل فيه يعتبر مقيمًا فيه ودارًا له!! وأجيب: بأن الأولى بهذا الحكم رسول الله ﷺ والثابت عنه أنه كان يقصر في كل سفر. ٦ - واستدل الجمهور: بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلَّى أربعًا بالاتفاق، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم. وأجاب الموجبون: بأن فرض المسافر ركعتان لم يتغير باقتدائه بالمقيم، لكن تكون الركعتان الأخريان نافلة، بدليل أنه إذا لم يقعد بعد الركعتين الأوليين تبطل صلاته لتركه القعود الذي هو فرض في حقِّه. وأجيب: بأنه لا يسلَّم أن الركعتين الأخيرتين نافلة، ولو كانتا كذلك لما وجب عليه الإتمام خلف الإمام المقيم. ٧ - واستدل الجمهور بالقياس على الصوم للمسافر في نهار رمضان بجامع السفر في كلٍّ، فالإفطار له رخصة وليس بواجب، فكذلك القصر!!

стр. 475

وأجاب الموجبون: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، لأن الصوم يُقضى فيتركه إلى بدل، بخلاف الركعتين في الرباعية فإن المسافر يتركهما إلى غير بدل. [ب] أدلة القائلين بالوجوب: ١ - حديث عائشة ﵂ قالت: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» (١). وأجاب الجمهور من وجهين: (أ) أن المراد: فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأُقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار. أو أنَّ المراد: أن ابتداء فرض الصلاة كان ركعتين ثم أتمت فصارت أربعًا، ولذلك كانت عائشة تتم في السفر. (ب) أن الحديث موقوف على عائشة فليس بحجة لا سيما وأنها لم تشهد زمن فرض الصلاة!! وأجيب: بأن الموقوف إذا لم يكن للعقل فيه مجال فله حكم الرفع، وهو هنا كذلك. ٢ - واستدل الموجبون: بحديث ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٢). وأجاب الجمهور: بأن الحديث لا يحمل على ظاهره!! وأن المراد: أن صلاة السفر ركعتان في حالة الاقتصار عليهما للمسافر، أما إذا أراد الإتمام فلا حرج جمعًا بين الأدلة!! ٣ - واستدل الموجبون: بحديث عمر بن الخطاب قال: «صلاة السفر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام من غير قصر على لسان محمد ﷺ » (٣). وأجاب الجمهور بأن المراد بالتمام أنها تامة في فضلها وأجرها غير ناقصة الفضيلة والأجر، وإنما وجب هذا التأويل لأن ظاهر الحديث يقتضي أن تكون

стр. 476

صلاة الركعتين في السفر غير مقصورة وهذا مخالف لنص القرآن الكريم في تسميتها بالقصر!!! ٤ - واستدل الموجبون: بقول النبي ﷺ : «صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١) وقد تقدم الكلام عليه. ٥ - واستدل الموجبون: بحديث ابن عمر قال: «صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)» (٣). وأما ما تقدم من إتمام عثمان الصلاة بمنى، فالذي يظهر أنه ما كان يتم إلا بمنى خاصة، لحديث ابن عمر قال: «صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعًا» (٤). وأجاب الجمهور: بأن فعل النبي ﷺ ومداومته لا تدل على الوجوب. ٦ - واستدل الموجبون: بأن الركعتين الأخيرتين يجوز تركهما إلى غير بدل، فلم يجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين، كما لو زادهما على صلاة الصبح. وأجاب الجمهور: بأن القياس على صلاة الصبح قياس مع الفارق، لأن صلاة الصبح ركعتان لا تقبل زيادة بحال، بخلاف صلاة المسافر فإنها تقبل الزيادة بعد الاقتداء بالمقيم. الراجح في المسألة: بعد هذا العرض لأدلة الفريقين ومناقشاتهما، فلا يسلم من أدلة الجمهور إلا فعل عثمان وعائشة متأولين في مقابل ظواهر أحاديث عائشة وعمر وابن عباس ومداومة النبي ﷺ وخليفتيه على القصر في السفر.

стр. 477

فالذي يظهر أن القول بالوجوب قوي ومتجه، ويستثنى من ذلك من صلى خلف المقيم، ولو ذهب أحدٌ إلى القول بأنه سنة مؤكدة لا ينبغي تركه وأن الإتمام مكروه، لم يبعُد كذلك، وهما منقولان عن شيخ الإسلام، والله أعلم. حدُّ السفر (المسافة التي يقصر فيها): اختلف أهل العلم في تحديد المسافة التي يجوز فيها قصر الصلاة على ثلاث أقوال: الأول: مسافة القصر (٤٨) ميلاً بما يساوي (٨٥) كيلو متر: وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصري والزهري، وهو مذهب مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١) وحجتهم ما يلي: ١ - ما رُوى عن ابن عباس مرفوعًا: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد (٢) من مكة إلى عسفان» (٣) وهو منكر لا يصح. ٢ - ما ثبت أن «ابن عمر وابن عباس ﵄ كانا يقصران ويفطران في أربعة برد» (٤) وهي ستة عشر فرسخًا. ٣ - أن مسافة أربعة برد تجمع مشقة السفر من الحل والشدة، فجاز القصر فيها كمسافة الثلاث، ولم يجز فيما دونها. الثاني: مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بمشي الإبل: وبه قال ابن مسعود وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة (٥) وحجتهم ما يلي: ١ - حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرَم» (٦).

стр. 478

٢ - حديث علي بن أبي طالب -في المسح على الخفين-: «جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم» (١). قالوا: فتعلق حكم المسافر في الحديثين بمن سافر ثلاثة أيام فلا يتعلق القصر بأقل من ذلك!! ٣ - من المعقول: أن الثلاثة أقل الكثير وأكثر القليل، ولا يجوز القصر في قليل السفر!! فوجب أن يكون أقل الكثير -وهو الثلاث- حدًّا له!! الثالث: ليس للقصر مسافة محددة، بل يقصر في كل ما يطلق عليه «السفر»: وهو مذهب الظاهرية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٢) وحجتهم ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ (٣). فظاهر الآية يدل على أن القصر يتعلق بكل ضرب في الأرض دون تحديد مسافة معينة. ٢ - أن النبي ﷺ لم يحدَّ القصر بحد زماني أو مكاني، بل علق الشارع الحكم بمسمى «السفر» المطلق، فلا يجوز أن يفرق بين نوع ونوع من غير دلالة شرعية، بل الواجب أن يطلق ما أطلقه الشارع ويقيد ما قيَّده، والتقدير -لمسافة القصر- بابه التوقيف فلا يصار إليه برأي مجرد. ٣ - أنه ثبت أن النبي ﷺ قصر فيما دون المسافات المحدودة آنفًا: (أ) فعن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلَّى ركعتين» (٤) فهو يدل صراحة على أن القصر يتعلق بمطلق السفر ولو كان ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، قال الحافظ: هو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه. اهـ. وقد أجاب الجمهور عنه: بأنه محمول على المسافة التي يبتدئ القصر منها لا غاية السفر!! قال الحافظ: «ولا يخفى بُعْد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن زيد -راويه عن أنس- قال: سألت أنسًا عن

стр. 479

قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أخرج، فقال أنس: فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه» اهـ. (ب) وعن أنس قال: «صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين» (١) وبينهما ثلاثة أميال: (أ) أنه قد ثبت عنهما خلاف هذا التحديد بأسانيد صحيحة، وكذا خالفهما غيرهما من الصحابة. (ب) ولو سلِّم أنه لم يثبت عنهما إلا ما احتج به الجمهور وأنه ليس لهما مخالف، فلا حجة فيه كذلك لمخالفته ما ثبت عن النبي ﷺ كما تقدم. ٥ - وأما حديث (لا تسافر المرأة ثلاثًا ...) فليس فيه أن السفر لا يطلق إلا على ثلاثة أيام، وإنما فيه أنه لا يجوز أن تسافر المرأة بغير محرم هذا السفر الخاص، وقد صح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» (٢) وليس شيء من هذا حدًّا للسفر. الراجح: هو القول الثالث بأن يقصر في كل ما يُطلق عليه مسمى «السفر» سواء كان قصيرًا أو طويلاً وليس له حد في اللغة، فرجع إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة لما يطرأ من التطور في وسائل المواصلات، وضابطه: أن يقول القائل: إني مسافر إلى البلد الفلاني، لا إني ذاهب، وأن يكون فيه ما يعد به في العُرف سفرًا، مثل التزود له ونحو ذلك، والله أعلم. هل يشترط في السفر الذي يقصر فيه أن يكون سفر طاعة؟ ذهب جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد (٣)، إلى أنه لا يشرع القصر إلا في السفر الواجب أو المباح ولا يجوز في سفر المعصية كقطع الطريق ونحوه، وهذا مبناه على قولهم بأن القصر رخصة والمقصود منها التخفيف على المكلف، وهو إنما شرع ليُستعان به على تحصيل المصالح، فلا يكون إلا لمن يبذله في الطاعة، لا أن يتوصل به إلى ما يغضب الله.

стр. 480

بينما ذهب القائلون بوجوب القصر: (أبو حنيفة وابن حزم وابن تيمية، وغيرهم) إلى أنه يقصر في كل سفر ولو في معصية، لأن فرضه ركعتان لا أربع، وإن كان عاصيًا بسفره، وهذا قول عند المالكية (١). قلت: فمن ترجَّح عنده أن القصر رخصة منع القصر في سفر المعصية، ومن أوجب القصر لم يفرِّق بين سفر الطاعة والمعصية، وهو الأرجح، والله أعلم. الموضع الذي يبدأ منه المسافر قصر الصلاة: أجمع أهل العلم على أن المسافر يجوز له أن يبدأ قصر الصلاة بعد مفارقة عمران بلدته (٢). ثم اختلفوا في جواز القصر قبل ذلك على قولين، أصحُّهما أنه لا يجوز أن يقصر قبل مغادرة العمران، وهو مذهب الجمهور (٣)، ويدل عليه: حديث أنس بن مالك قال: «صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين» (٤). وهو ظاهر في أن النبي ﷺ كان يبتدئ القصر بعد خروجه من المدينة. مدة القصر، إذا أقام في بلد السفر: المسافر لا يزال يقصر الصلاة ما دام في طريق سفره مهما طالت المدة، فإذا وصل إلى البلد الذي أراده، فما المدة التي يُشرع له القصر فيها؟ هذا أمر مسكوت منه في الشرع، وليس فيه حديث صريح عن رسول الله ﷺ ، والقياس على التحديد ضعيف عند أهل العلم، ولذا اختلف العلماء في هذه المسألة على نحو من أحد عشر قولاً، أشهرها أربعة أقوال رام أصحابها أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه ﷺ أنه أقام فيها مُقصرًا، أو أنه جعل لها حكم المسافر (٥)، وأشهر هذه الأقوال ما يلي:

стр. 481

[أ] إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام لم يقصر: وهو مذهب الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلا أن المالكية والشافعية قالوا: أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، والحنابلة حدودها بإحدى وعشرين صلاة (١). واستدلوا بما يلي: ١ - أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلَّى الصبح في اليوم الثاني، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد عزم على إقامتها (٢). وأجيب عنه: بأنه ليس فيه أن هذه المدة هي أدنى مدة للإقامة، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام أكثر من تلك المدة يقصر الصلاة كما سيأتي. ٢ - حديث العلاء بن الحضرمي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا» (٣) قالوا: فدلَّ على أن من أقام ثلاثة أيام ليس في حكم المقيم، بل هو في حكم المسافر. وأجيب عنه: بأن معنى الحديث أن من هاجر من مكة قبل الفتح يحرم عليه الاستيطان بمكة إلا أن يقيم بعد فراغه من نسكه ثلاثة أيام لا يزيد، وأما المسافر فلا يكره له الزيادة على ثلاثة أيام في مكة فكيف يقاس عليه!! ثم ليس فيه إشارة على المدة التي إذا أقامها المسافر أتمَّ؟! ثم إن في الحديث أن ما زاد على ثلاثة أيام للمهاجر يكون داخلاً تحت المسافر لا المقيم، وعندهم أن ما زاد على الثلاثة للمسافر فإقامة صحيحة، ولو قيس أحدهما على الآخر لوجب أن يقصر المسافر فيما زاد على الثلاث لا أن يتم بخلاف قولهم (٤). ٣ - أثر عمر بن الخطاب: «أنه ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة

стр. 482

ثلاث ليال يتسوَّقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال» (١) قالوا: دلَّ الأثر على أن الثلاث حدُّ السفر وما فوقها حد الإقامة، فأجيب: بأنه لا يدل على حدِّ السفر بثلاث، كما بينَّا في الذي قبله. ٤ - أن ضيافة المسافر ثلاثة أيام، فإذا زاد اعتبر مقيمًا!! وأجيب: بأنه لا يدلُّ على أقل مدة للإقامة كما هو واضح. [ب] إذا نوى الإقامة خمسة عشر يومًا لم يقصر: وهو مذهب أبي حنيفة والثور والمزني (٢) واستدلوا بما يأتي: ١ - حديث أنس قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة» قيل له: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: «أقمنا بها عشرًا» (٣). وفي لفظ «أقمنا مع النبي ﷺ عشرة أيام نقصر الصلاة» ويجاب عنه: بمثل ما تقدم في حديث جابر وابن عباس. ٢ - وعن ابن عباس قال: «أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة» (٤). ٣ - ما جاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها» (٥). قالوا: هذا التحديد لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع!! وأجيب: بأنه قول صحابي قد خالفه غيره فلا يكون حجة، ثم إن الثابت عن ابن عباس وابن عمر خلافه:

стр. 483

فقال ابن عباس: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا» (١). [جـ] أن المسافر يقصر أبدًا ما لم ينو إقامة دائمة: وهو مذهب الحسن وقتادة وإسحاق واختاره ابن تيمية (٢)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عباس قال: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذ سافرنا فأقمنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا» (٣). ٢ - حديث جابر قال: «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» (٤). ٣ - ما رُوى عن عمران بن حصين قال: غزوت مع النبي ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: «يا أهل البلد: صلوا أربعًا فإنا سَفْر» (٥). قالوا: دلت هذه الأحاديث على أن حقيقة المسافر لا تتعلق بمدة معينة وإنما قصر النبي ﷺ في ثمانية عشر وتسعة عشر وعشرين، لأنه كان مسافرًا. فائدة: عند أصحاب المذاهب الثلاثة المتقدمة أن المسافر إذا أقام ببلد، ولم ينو الإقامة، ولم يَدْرِ متى يخرج ومتى تقضي حاجته فيه فإن يقضي أبدًا، ومستندهم أن على هذا فعل السلف: (أ) فعن ابن عمر أنه «أقام بأذربيجان ستة أشهر أرتج (٦) عليهم الثلج فكان يصلي ركعتين» (٧).

стр. 484

(ب) وعن أبي المنهال العنزي قال: قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولاً لا أشد على سير؟ قال: «صلِّ ركعتين» (١). (جـ) وعن الحسن أن «أنس بن مالك أقام بنيسابور سنة أو سنتين، وكان يصلي ركعتين ثم يسلِّم، ثم يصلي ركعتين، ولا يُجَمِّع» (٢). (د) وعنه أن عبد الرحمن بن سمرة «شتا بكابل شتوة أو شتوتين، لا يُجمِّع، ويصلي ركعتين» (٣). (هـ) وعن أنس قال: «أقام أصحاب النبي ﷺ برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة» (٤). (و) وعن أبي وائل قال: «كنا مع مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها فصلى بنا ركعتين حتى انصرف» (٥). ومجموع هذه الآثار يثبت هذا الأصل. [د] أن المسافر يقصر عشرين يومًا بلياليها ثم يُتمُّ بعد ذلك، نوى الإقامة أو لم ينو: وهو مذهب أبي محمد ابن حزم، وتبعه الشوكاني إلا أنه فرَّق بين من نوى الإقامة فقال: لا يقصر فوق أربعة أيام، وبين من لم ينو ولم يعرف متى يخرج فإنه يقصر عشرين ثم يُّتم، وهذا قول عند الشافعية (٦). واستدلوا بأدلة المذهب الثالث، إلا أنهم نظروا إلى أمرين: الأول: أنه لا اعتبار لنية الإقامة هنا، لأن النيات لا دخل لها في الأعمال التي لم يأمر الله تعالى بها، كالسفر والإقامة، وإنما تجب النيات في الأعمال التي أمر الله بها، فلا يجوز أن تؤدى بغير نية (٧). الثاني: مراعاة الأصل وهو الإتمام، قالوا: «والحق أن الأصل في المقيم الإتمام، لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير المسافر، فلولا ما ثبت عنه

стр. 485

صلى الله عليه وسلم من قصره بمكة وتبوك مع الإقامة لكان المتعيِّن هوالإتمام، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلا بدليل، وقد دلَّ الدليل على القصر مع التردد على عشرين يومًا كما في حديث جابر، ولم يصحَّ أنه ﷺ قصر في الإقامة أكثر من ذلك، فيقصر على هذا المقدار، ولا شك أن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك ...» اهـ (١). الراجح في المسألة: ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ إلا مقيم ومسافر، وأما المستوطن في غير بلده فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون حطَّ رحله فيه واتخذ مسكنًا خاصًّا به وأثثه وأقام فيه مطمئنًا فهذا مقيم لا يُشرع له القصر، لا أربعة أيام ولا أكثر منها، ولا يعكر على هذا قصر النبي ﷺ الصلاة بمكة أربعة أيام وهو يعلم أنه سيمكث فيها هذه المدة، لما تقدم من أن العبرة في السفر والإقامة بطبيعة السكن والاستقرار به، لا بالمدة وأما أن ينزل بمكان لا يشعر فيه بالاستقلال والاستقرار -كما هو الحال في دار الإقامة- فهذا مسافر يقصر ما دام كذلك ولو فوق العشرين يومًا. فقد يسافر رجل من المنصورة -مثلًا- إلى القاهرة لحاجة يعلم أنها تقضي في شهر، لكن يبيت أسبوعًا عند قريب وأسبوعًا عند صديق وهكذا، فهذا لا يكون مقيمًا، بل هو مسافر، فله القصر ما شاء حتى يرجع أو يكون له مكان يستقر فيه بحيث يكون له دار إقامة. هذا هو الذي يترجَّح لدي في المسألة وهو الذي تجتمع عليه الأدلة المتقدمة كلها، وهو قريب من المذهب الثالث، ويليه في القوة المذهب الرابع، والله أعلم. فائدة: السكنى بالمدينة الجامعية: إقامة وليست سفرًا، لما تقدم من اعتبار طبيعة السكنى، وعليه فلا يشرع للطالب أن يقصر بالمدينة الجامعية إذا استقر بها على النحو المتقدم والله أعلم. القصر لا يشترط فيه النية: وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ فإنه كان يقصر بأصحابه، ولا يعلمهم قبل دخول الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنيَّة القصر، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد (٢) وقد تقدم تحرير هذا في «اختلاف نية الإمام والمأموم».

стр. 486

صلاة المسافر خلف المقيم: إذا دخل المسافر في صلاة رباعية خلف إمام مقيم، فلو يخلو من ثلاث حالات: الأول: أن يدرك مع الإمام ثلاث أو أربع ركعات: فيلزمه الائتمام به وإتمام الصلاة أربعًا خلف إمامه عند الجمهور خلافًا لابن حزم (١) واستدل الجمهور بما يلي: ١ - عموم قوله ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ...» (٢). ٢ - حديث موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام؟ فقال: «ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ » (٣). وفي لفظ: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، فإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ » (٤). ٣ - وعن ابن عمر أنه «كان يقيم بمكة عشرًا فيقصر الصلاة، إلا أن يشهد الصلاة مع الناس فيصلي بصلاتهم» (٥) وفي لفظ: «كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلَّى ركعتين» (٦). الثانية: أن يدرك مع الإمام ركعة أو ركعتين: فللعلماء فيه قولان: الأول: أنه يتمُّ أربعًا ولابد، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم وهو قول ابن عمر وابن عباس، وجماعة من التابعين، واستدلوا بالأدلة المتقدمة، وبحديث أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم [يعني: المقيمين] أتجزيه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال: فضحك، وقال: «يصلي بصلاتهم» (٧). الثاني: أنه تجزئه ركعتان فقط: وهو قول إسحاق وطاووس والشعبي وتميم بن حذلم (صاحب ابن مسعود) وأبي محمد ابن حزم. قلت: ولعلَّ الإتمام أصحُّ لأنه قول ابن عمر وابن عباس ولا يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ولأنه أدرك الجماعة مع إمام مقيم فيلزمه إتمامها، لكن قد

стр. 487

يقال: لو نوى القصر خلف المتم فأدرك معه الركعتين -ولا يشترط اتفاق نية الإمام والمأموم كما تقدم- فيجزئان؟ قلت: هذا موضع اجتهاد، ومذهب الصحابيين أولى بالاتباع والله أعلم. الثالثة: أن يدرك معه أقل من ركعة: فذهب الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك ﵏ إلى أنه يقصر، خلافًا للجمهور، وحجتهم: ١ - قوله ﷺ : «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» (١) فهذا لم يدرك حكم الجماعة. ٢ - أن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها، ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها، بل يصلي أربعًا، كما سيأتي في «الجمعة». قلت: وهذا متجه وقوي، والله أعلم. صلاة المقيم خلف المسافر: إذا صلى المقيم الرباعية خلف مسافر فأجمع العلماء على أنه يلزمه أن يتم صلاته أربعًا بعد تسليم الإمام (٢)، ويستحب للإمام بعد تسليمه أن يقول لهم: «أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْر». ١ - فعن ابن عمر «أن عمر ﵄ كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سَفر» (٣). وقد ورد نحوه مرفوعًا من حديث عمران بن حصين في قصة «الفتح» ولا يصح (٤)، لكن فعل عمر ﵁ كان في جمع العلماء من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، ولا يعلم له مخالف فيه، فكان العمل عليه. ٢ - ولأن الصلاة واجبة عليه أربعًا فلم يكن له ترك شيء من ركعاتها كما لو لم يأتم بمسافر. فائدة: إذا أَمَّ مسافر قومًا -فيهم مسافرون ومقيمون- ثم أحدث بعد ركعة، فاستخلف مقيمًا (٥):

стр. 488

(أ) فقيل: يصلي المقيم تمام صلاة الأول، ثم يشير إلى من خلفه بالجلوس، ثم يقوم وحده فيتم صلاته أربعًا ثم يقعد للتشهد ويسلم من خلفه من المسافرين، ويقوم من خلفه من المقيمين فيتموا لأنفسهم، وهو قول مالك. (ب) وقيل: يتم المستخلف صلاة الأول، ثم يتأخر ويقدم مسافرًا يسلم بهم، فيسلم معه المسافرون ويقوم المقيمون، فيقضون وحدانًا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري. (جـ) وقيل: يتمون كلهم صلاة مقيم، وبه قال الشافعي والأوزاعي والليث. هل تُصلَّى النوافل في السفر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، لاختلاف ظواهر الآثار الواردة في فعل رسول الله ﷺ في السفر، على خمسة أقوال (١): ١ - المنع من صلاة النافلة في السفر مطلقًا: ويستدل له بحديث ابن عمر قال: «صحبت النبي ﷺ فلم أره يُسبِّح في السفر، وقال الله -جل ذكره- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» (٢). ويقول ابن عمر لما رأى الناس يتنفلون في السفر: «لو كنتُ مسبَّحًا لأتممت» (٣). ٢ - الجواز مطلقًا: وبه قال الجمهور، واستدلوا بالأحاديث العامة في ندب مطلق النوافل والرواتب، وبصلاة النبي ﷺ الضحى يوم الفتح، وركعتي الفجر حين ناموا حتى طلعت الشمس. ٣ - جواز مطلق التطوع والمنع من الرواتب: وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب ابن عمر، فحملوا نفيه لصلاة النبي ﷺ النافلة في السفر على الرواتب دون غيرها، عدا ركعتي الفجر، لما ثبت عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان يسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، ويومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله» (٤).

стр. 489

٤ - منع التطوع بالنهار دون الليل: واستدل له بحديث عبد الله بن عامر أن أباه أخبره «أنه رأى النبي ﷺ صلَّى السُّبحة بالليل من السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به» (١). وبمواظبة النبي ﷺ على الوتر في الحضر والسفر، قلت: لكن يعكر على هذا القول صلاة النبي ﷺ يوم الفتح ضحَّى!! ٥ - منع التطوع بعد الفريضة، وجوازه قبلها وفي النوافل المطلقة: وهو مذهب البخاري في «صحيحه» واستظهره الحافظ، وقال: «والفرق بين ما قبلها وما بعدها أن التطوع قبلها لا يُظن أنه منها لأنه منفصل عنها بالإقامة وانتظار الإمام غالبًا ونحو ذلك، بخلاف ما بعدها فإنه في الغالب يتصل بها، فقد ظن أنه منها» اهـ. قلت: والأصل في هذا ثبوت صلاة النبي ﷺ للركعتين قبل الفجر في السفر. ثانيًا الجمع بين الصَّلاتَيْن: تعريفه: الجمع بين الصَّلاتين: هو أن يصلي الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما، جمع تقديم أو جمع تأخير. مشروعيته: والجمع بين الصلاتين جائز بإجماع العلماء، إلا أنهم اختلفوا في مُسوَّغات الجمع وصفته، على ما سيأتي تفصيله: [١] الجمع في السفر: اختلف أهل العلم في حكم الجمع بين الصلاتين في السفر على قولين: القول الأول: لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة المزدلفة بها: وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك، وبه قال الحسن وابن سيرين (٢)، واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (٣). وأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها لخبر الآحاد!!

стр. 490

٢ - حديث ابن مسعود قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» (١). ٣ - قول النبي ﷺ : «ليس في نوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة» (٢) قالوا: فجعل مناط التفريط وعدمه اليقظة والنوم، ولا دخل فيهما للإقامة والسفر، فاستوى المسافر والمقيم. القول الثاني: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء: وهو مذهب مالك [وقيَّده باشتداد السير به] والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وهو مروي عن طائفة من الصحابة منهم معاذ وأبو موسى وابن عباس وابن عمر (٣)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخرَّ الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» (٤). ٢ - حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السَّيْر» (٥). ٣ - حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سَيْرٍ، ويجمع بين المغرب والعشاء» (٦). ٤ - حديث معاذ بن جبل «أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء [فأخَّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا]» (٧).

стр. 491

فهذه الأحاديث -وغيرها- تدل بظاهرها وعمومها على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، سواء كان الجمع جمع تقديم أو تأخير. وقد حملها أصحاب القول الأول على «الجمع الصوري» وهو أن يؤخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها ويُعجِّل العشاء أوَّل وقتها!! وتُعُقِّب: بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة، وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع» (١). وأما قولهم: لا نترك الأخبار المتواترة لهذه الأحاديث، فنقول: لا نتركها وإنما نخصصها بها، وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع (٢). وأما حديث ابن مسعود، فإن ظاهره غير مراد بالإجماع من وجهين: أنه ﷺ قد جمع بين الظهر والعصر بعرفة، فلم يصح هذا الحصر، وأن أحدًا لم يقل بظاهره من إيقاع الصبح قبل وقتها، بل المراد: بالغ في تعجيلها. ثم إن غير ابن مسعود قد حفظ جمعه ﷺ في السفر بغير عرفة والمزدلفة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وهو قد نفى وغيره أثبت، والمثبت مقدَّم على النافي على أنه جاء عن ابن مسعود قوله: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر» (٣). [٢] الجمع في الحَضَر: لا يختص الجمع بين الصلاتين بحال السفر، بل يجوز الجمع في الحضر للأسباب الآتية: (أ) الجمع في المطر: يجوز جمع الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، في الحضر بسبب المطر عند الجمهور، إلا أن مالكًا خصَّ جوازه بالليل دون النهار!! لما يأتي: ١ - حديث ابن عباس قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف ولا مطر» (٤) وهو يُشعر أن الجمع للمطر

стр. 492

كان معروفًا في عهد النبي ﷺ ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع (١). ٢ - عن نافع «أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» (٢). ٣ - عن هشام بن عروة «أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكرون ذلك» (٣). ٤ - عن موسى بن عقبة: «أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر ...» (٤). (ب) الجمع للحاجة العارضة: فعن ابن عباس قال: «صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال [أبو كريب أو سعيد]: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته» (٥). وفي هذا رخصة لأهل الأعذار فيما يرفع عنهم الحرج دون غير أرباب الأعذار وهذا مذهب ابن سيرين، وأشهب من أصحابه مالك، وحكام الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر وابن تيمية (٦). قال شيخ الإسلام: «... والصُّنَّاع والفلاَّحون، إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم: مثل أن يكون الماء بعيدًا في فعل الصلاة، وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطَّل العمل الذي يحتاجون إليه، فلهم أن يصلُّوا في الوقت المشترك فيجمعوا بين الصلاتين» اهـ (٧).

стр. 493

ويجمع المريض: الذي يجد المشقة في الإتيان بكل صلاة في وقتها لحديث ابن عباس المتقدم، وقياسًا على المستحاضة، فقد ورد أن النبي ﷺ أمر حمنة بنت جحش وكانت تستحاض حيضة كثيرة شديدة بقوله: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتُعجِّلي العصر، ثم تغتسلين حين تطهرين، وتُصلِّين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب، وتُعجلِّين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي ...» (١). وقد أجاز الجمع للمريض مالك وأحمد واختاره شيخ الإسلام، ومنعه الشافعي (٢) والقول بالجواز ظاهر، والله أعلم. هل تشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين؟ (٣). ١ - إذا صلاَّهما في وقت الثانية (جمع التأخير): فإنه لا يشترط أن يوالي بين الصلاتين المجموعتين، بل له أن يفصل بينهما، فيصلي الظهر مثلًا في أول وقت العصر ثم يؤخر العصر قليلاً فيصليه قبل خروج وقته، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لبعض الحنابلة. ٢ - إذا صلاَّهما في وقت الأولى (جمع تقديم): فذهب الجمهور إلى أنه يُشترط أن يصليهما من غير فصل، وخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فقال: لا يشترط كذلك، وهو رواية عن أحمد وقول عند الشافعية، وهو الأقرب. قال شيخ الإسلام: لا تشترط الموالاة بين المجموعتين بحال، لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة ... والسنة جاءت بأوسع من هذا، فالنبي ﷺ جمع في أول الوقت كما جمع بعرفة، وتارة جمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة جمع بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية.

стр. 494

وقد تقع هذه في هذا، وهذه في هذا، وكل هذا جائز، لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم والتوسط بسبب المصلحة. الجمع بأذان وإقامتين: السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على أذان واحد، والإقامة لكل واحد من الصلاتين، ففي حديث جابر: «أن النبي ﷺ صلَّى الصلاتين بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وأتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ...» (١). وعن ابن مسعود: «... فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلاً فأذَّن وأقام ثم صلَّى المغرب ..» وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتغشَّى ثم أمر أُرى فأذن وأقام ثم صلى العشاء ركعتين ...» الحديث (٢). وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم، وهو رواية عن أحمد، وابن حزم. بينما ذهب الشافعي في الجديد والثوري وأحمد في رواية إلى أنه يجمع بين الصلاتين بإقامتين فقط، وتمسكوا بحديث أسامة ﵁: «أن النبي ﷺ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبع الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٣). والحق ما قاله الأوَّلون لأن حديث جابر مشتمل على زيادة الأذان وهي زيادة غير نافية فيتعيَّن قبولها (٤) والله أعلم. الترتيب بين الصلاتين المجموعتين: يشترط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين، لأن الشرع جاء بترتيب الأوقات في الصلوات فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». لكن ... لو نسي إنسان أو جهل، أو حضر قومًا يصلون العشاء -وقد نوى جمع التأخير- فصلى معهم العشاء ثم صلى المغرب، فهل تجزئه؟ قال الفقهاء: لا، ولا تصح منه العشاء، فيصلي العشاء ثانية بعد المغرب (٥).

стр. 495

صلاة الخَوْف تعريفها (١): الخوف: توقُّع مكروه عن أمارة مظنونة أو متحققة، والمراد هنا: قتال العدو ونحوه مما يخافه. وصلاة الخوف ليست صلاة مستقلة، كصلاة العيد والكسوف ونحو ذلك، وإنما المرد: الصلوات المفروضة بشروطها وأركانها وسننها وعدد ركعاتها كما في الأمن إلا أنها تؤدَّى بكيفية مختلفة إذا صلِّيت جماعة، وأنها تحتمل أمورًا لم تكن تحتملها في الأمن، وعلى هذا يمكن تعريف صلاة الخوف بأنها: «الصلاة المكتوبة، يحضر وقتها والمسلمون في مقاتلة العدو أو في حراستهم». مشروعيتها: صلاة الخوف ثابتة بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ... مُّهِيناً﴾ (٢). وقد ثبت أن النبي ﷺ صلاَّها كما ستأتي الأحاديث بذلك، وقد اتفق أهل العلم على هذا، ثم اختلفوا في مشروعيتها بعد وفاة النبي ﷺ . فذهب الجمهور -خلافًا لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٣) - إلى مشروعيتها إلى يوم القيامة وأن خطاب النبي ﷺ خطاب لأمته ما لم يقم دليل على اختصاصه، وتخصيص بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم، ثم: ١ - لعموم قوله ﷺ : «.. وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). ٢ - ولإجماع الصحابة ﵃ على صلاة الخوف بعد وفاته ﷺ (٥)، وممن رُوى عنه أنه فعلها (٦): (أ) علي بن أبي طالب، فقد صلاَّها ليلة وقعة صفين أو الهرير.
следующие страницы →