← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فهذه الأحاديث -وغيرها- تدل بظاهرها وعمومها على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، سواء كان الجمع جمع تقديم أو تأخير. وقد حملها أصحاب القول الأول على «الجمع الصوري» وهو أن يؤخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها ويُعجِّل العشاء أوَّل وقتها!! وتُعُقِّب: بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة، وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع» (١). وأما قولهم: لا نترك الأخبار المتواترة لهذه الأحاديث، فنقول: لا نتركها وإنما نخصصها بها، وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع (٢). وأما حديث ابن مسعود، فإن ظاهره غير مراد بالإجماع من وجهين: أنه ﷺ قد جمع بين الظهر والعصر بعرفة، فلم يصح هذا الحصر، وأن أحدًا لم يقل بظاهره من إيقاع الصبح قبل وقتها، بل المراد: بالغ في تعجيلها. ثم إن غير ابن مسعود قد حفظ جمعه ﷺ في السفر بغير عرفة والمزدلفة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وهو قد نفى وغيره أثبت، والمثبت مقدَّم على النافي على أنه جاء عن ابن مسعود قوله: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر» (٣). [٢] الجمع في الحَضَر: لا يختص الجمع بين الصلاتين بحال السفر، بل يجوز الجمع في الحضر للأسباب الآتية: (أ) الجمع في المطر: يجوز جمع الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، في الحضر بسبب المطر عند الجمهور، إلا أن مالكًا خصَّ جوازه بالليل دون النهار!! لما يأتي: ١ - حديث ابن عباس قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف ولا مطر» (٤) وهو يُشعر أن الجمع للمطر

стр. 492

كان معروفًا في عهد النبي ﷺ ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع (١). ٢ - عن نافع «أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» (٢). ٣ - عن هشام بن عروة «أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكرون ذلك» (٣). ٤ - عن موسى بن عقبة: «أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر ...» (٤). (ب) الجمع للحاجة العارضة: فعن ابن عباس قال: «صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال [أبو كريب أو سعيد]: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته» (٥). وفي هذا رخصة لأهل الأعذار فيما يرفع عنهم الحرج دون غير أرباب الأعذار وهذا مذهب ابن سيرين، وأشهب من أصحابه مالك، وحكام الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر وابن تيمية (٦). قال شيخ الإسلام: «... والصُّنَّاع والفلاَّحون، إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم: مثل أن يكون الماء بعيدًا في فعل الصلاة، وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطَّل العمل الذي يحتاجون إليه، فلهم أن يصلُّوا في الوقت المشترك فيجمعوا بين الصلاتين» اهـ (٧).

стр. 493

ويجمع المريض: الذي يجد المشقة في الإتيان بكل صلاة في وقتها لحديث ابن عباس المتقدم، وقياسًا على المستحاضة، فقد ورد أن النبي ﷺ أمر حمنة بنت جحش وكانت تستحاض حيضة كثيرة شديدة بقوله: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتُعجِّلي العصر، ثم تغتسلين حين تطهرين، وتُصلِّين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب، وتُعجلِّين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي ...» (١). وقد أجاز الجمع للمريض مالك وأحمد واختاره شيخ الإسلام، ومنعه الشافعي (٢) والقول بالجواز ظاهر، والله أعلم. هل تشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين؟ (٣). ١ - إذا صلاَّهما في وقت الثانية (جمع التأخير): فإنه لا يشترط أن يوالي بين الصلاتين المجموعتين، بل له أن يفصل بينهما، فيصلي الظهر مثلًا في أول وقت العصر ثم يؤخر العصر قليلاً فيصليه قبل خروج وقته، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لبعض الحنابلة. ٢ - إذا صلاَّهما في وقت الأولى (جمع تقديم): فذهب الجمهور إلى أنه يُشترط أن يصليهما من غير فصل، وخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فقال: لا يشترط كذلك، وهو رواية عن أحمد وقول عند الشافعية، وهو الأقرب. قال شيخ الإسلام: لا تشترط الموالاة بين المجموعتين بحال، لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة ... والسنة جاءت بأوسع من هذا، فالنبي ﷺ جمع في أول الوقت كما جمع بعرفة، وتارة جمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة جمع بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية.

стр. 494

وقد تقع هذه في هذا، وهذه في هذا، وكل هذا جائز، لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم والتوسط بسبب المصلحة. الجمع بأذان وإقامتين: السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على أذان واحد، والإقامة لكل واحد من الصلاتين، ففي حديث جابر: «أن النبي ﷺ صلَّى الصلاتين بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وأتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ...» (١). وعن ابن مسعود: «... فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلاً فأذَّن وأقام ثم صلَّى المغرب ..» وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتغشَّى ثم أمر أُرى فأذن وأقام ثم صلى العشاء ركعتين ...» الحديث (٢). وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم، وهو رواية عن أحمد، وابن حزم. بينما ذهب الشافعي في الجديد والثوري وأحمد في رواية إلى أنه يجمع بين الصلاتين بإقامتين فقط، وتمسكوا بحديث أسامة ﵁: «أن النبي ﷺ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبع الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٣). والحق ما قاله الأوَّلون لأن حديث جابر مشتمل على زيادة الأذان وهي زيادة غير نافية فيتعيَّن قبولها (٤) والله أعلم. الترتيب بين الصلاتين المجموعتين: يشترط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين، لأن الشرع جاء بترتيب الأوقات في الصلوات فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». لكن ... لو نسي إنسان أو جهل، أو حضر قومًا يصلون العشاء -وقد نوى جمع التأخير- فصلى معهم العشاء ثم صلى المغرب، فهل تجزئه؟ قال الفقهاء: لا، ولا تصح منه العشاء، فيصلي العشاء ثانية بعد المغرب (٥).

стр. 495

صلاة الخَوْف تعريفها (١): الخوف: توقُّع مكروه عن أمارة مظنونة أو متحققة، والمراد هنا: قتال العدو ونحوه مما يخافه. وصلاة الخوف ليست صلاة مستقلة، كصلاة العيد والكسوف ونحو ذلك، وإنما المرد: الصلوات المفروضة بشروطها وأركانها وسننها وعدد ركعاتها كما في الأمن إلا أنها تؤدَّى بكيفية مختلفة إذا صلِّيت جماعة، وأنها تحتمل أمورًا لم تكن تحتملها في الأمن، وعلى هذا يمكن تعريف صلاة الخوف بأنها: «الصلاة المكتوبة، يحضر وقتها والمسلمون في مقاتلة العدو أو في حراستهم». مشروعيتها: صلاة الخوف ثابتة بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ... مُّهِيناً﴾ (٢). وقد ثبت أن النبي ﷺ صلاَّها كما ستأتي الأحاديث بذلك، وقد اتفق أهل العلم على هذا، ثم اختلفوا في مشروعيتها بعد وفاة النبي ﷺ . فذهب الجمهور -خلافًا لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٣) - إلى مشروعيتها إلى يوم القيامة وأن خطاب النبي ﷺ خطاب لأمته ما لم يقم دليل على اختصاصه، وتخصيص بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم، ثم: ١ - لعموم قوله ﷺ : «.. وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). ٢ - ولإجماع الصحابة ﵃ على صلاة الخوف بعد وفاته ﷺ (٥)، وممن رُوى عنه أنه فعلها (٦): (أ) علي بن أبي طالب، فقد صلاَّها ليلة وقعة صفين أو الهرير.

стр. 496

(ب) أبو موسى الأشعري، صلاَّها بأصحابه بأصبهان. (جـ) حذيفة بن اليمان، صلاَّها بالصحابة -ومعهم سعد بن أبي وقَّاص- بطبرستان. ورأى المزني من الشافعي أن صلاة الخوف كانت مشروعة ثم نُسخت!! واحتج بأن النبي ﷺ فاتته صلوات يوم الخندق، ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها، ويجاب عنه: بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف كما في حديث أبي سعيد: «حُبسنا يوم الخندق ... وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ..» وقد تقدم في مسألة (الترتيب في قضاء الفوائت). كيفيات صلاة الخوف: ثبت في صلاة الخوف عن رسول الله ﷺ كيفيات كثيرة، أصولها ستٌّ، وليس بين أهل العلم اختلاف في أن العمل بأيٍّ منها مجزئ، لأن النبي ﷺ صلاها في مرات وأيام مختلفة وأشكال متباينة، يتحرَّى في كلِّها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة في المعنى (١)، ومن هذه الكيفيات: [أ] إذا كان العدو في غير القبلة: ١ - يقسم الجيش إلى فرقتين: فرقة تُجعل في وجه العدو، وفرقة ينحاز بها إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو، فيفتتح الإمام بهم الصلاة ويصلي بهم ركعة (في الثنائية) أو ركعتين (في الثلاثية والرباعية) ثم يثبت قائمًا، ويتمُّ المقتدون به وينصرفون وجاه العدو، وتأتي الفرقة الأخرى فيصلي بهم ما تبقى، فإذا جلس للتشهد، قاموا وأتموا صلاتهم -والإمام ينتظرهم- فإذا لحقوه سلَّم بهم (٢). والأصل فيها: حديث صالح بن خوَّات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرِّقاع صلاة الخوف: «أن طائفة صفَّت معه، وصفَّت طائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفُّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت

стр. 497

جالسًا حتى أتموا لأنفسهم ثم سلَّم بهم» (١). وفي لفظ صالح بن خوَّات عن سهل ابن أبي حتمة أنه ينتظرهم جالسًا لا قائمًا، وهو في الصحيح كذلك. وبهذه الصفة أخذ الشافعي وأصحابه. ٢ - يصلي بالفرقة الأولى ركعة، والأخرى تجاه العدو، ثم تنصرف الفرقة التي صلت معه الركعة فتقوم تجاه العدو، وتأتي الأخرى فتصلي معه ركعة، ثم تقضي كل فرقة لنفسها ركعة. والأصل فيها: حديث ابن عمر قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد، فوازينا العدو فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلِّي، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين (٢)، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلِّ، فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلَّم، فقام كل واحدٍ منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين» (٣). وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أن الطائفة الثانية أتمت بعد تسليمة، ثم رجع أولئك إلى مقامهم فأتموا الركعة، وهو الأرجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه رواية ابن مسعود: «ثم سلَّم وقام هؤلاء [أي الطائفة الثانية] فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلَّموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلَّموا» (٤) وبهذه الكيفية أخذ الحنفية خلا أبا يوسف. ٣ - يصلي الإمام بطائفة ركعتين ويسلِّم، ثم يصلي بالأخرى ويسلِّم. والأصل فيها: حديثا جابر وأبي بكرة: فعن جابر قال: «كنا مع النبي ﷺ بذات الرِّقاع، وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي ﷺ أربع، وللقوم ركعتان» (٥).

стр. 498

وفي لفظ: «صلَّى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بآخرين ركعتين ثم سلَّم» (١). ويؤيده حديث أبي بكرة قال: «صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فصار للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان» (٢). فائدة: الحديثان يدلان على جواز اقتداء المفترض بالمتنفِّل، لأن الركعتين الآخرتين كانتا للنبي ﷺ نافلة، وللطائفة الثانية فرضًا. ٤ - يصلي الإمام بطائفة ركعة واحدة -والأخرى قِبل العدو- ثم ينصرفون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة واحدة، ويكتفي كل من الطائفتين بركعة واحدة لا يقضون الأخرى. والأصل فيها: حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ صلَّى بذي قَرَد، فصفَّ الناس خلفه صفين: صفٌّ خلفه، وصفٌّ موازي العدو، فصلَّى بالصف الذي يليه ركعة، ثم رجع هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، فصلَّى بهم ركعة ولم يقضوا» (٣). ونحوه حديث أبي هريرة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وحذيفة (٦). ويدلُ على صحة الاكتفاء بالركعة: حديث ابن عباس قال: «فرض الله -جل وعلا- الصلاة على لسان نبيكم ﷺ : في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٧).

стр. 499

٥ - يقسم الجيش فرقتين: فرقة تصف خلف الإمام والأخرى في مقابلة العدو، وتدخل الفرقتان جميعًا معه في الصلاة وتركع معه التي تليه ثم تسجد معه -والأخرى قيام قبل العدو كما هم- ثم يأخذ الذين صلوا معه الركعتين أسلحتهم فيرجعون قِبل العَدو، ويُقبل الآخرون خلفه فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة الثانية ثم يأتي المقابلون للعدو فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام والطائفة الأخرى قاعدون -ثم يسلم بهم جميعًا. والأصل فيها: حديث أبي هريرة -وسئل عن صلاة الخوف- فقال: «كُنت مع رسول الله ﷺ في تلك الغزاة، قال: فَصَدعَ رسول الله ﷺ الناس صَدْعَيْن، قامت معه طائفة، وطائفة أخرى مما يلي العدوَّ وظهورهم إلى القبلة، فكبَّر رسول الله ﷺ وكبرَّوا جميعًا -الذين معه والذي يقابلون العدو- ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، فركع معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله ﷺ ، وأخذت الطائفة التي صلَّت معه أسلحتهم، ثم مشوا القهقرى على أدبارهم حتى قاموا مما يلي العدو، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا، فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى فركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت تقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم كان السلام، فسلَّم رسول الله ﷺ وسلَّموا جميعًا، فقام القوم وقد شركوه في الصلاة» (١). [ب] إذا كان العدو جهة القبلة: ٦ - يقسمهم الإمام فرقتين: فيفتح الصلاة بهم جميعًا، ويقرأ ويركع ويعتدل بهم جميعًا، ثم يسجد بإحداهما وتحرس الأخرى حتى يقوم الإمام من سجوده، ثم يسجد الآخرون، ويلحقونه في قيامه، ويفعل كذلك في الركعة الثانية، ولكن يحرس فيها من سجد معه الركعة الأولى، ثم يتشهد ويسلم بهم جميعًا. والأصل فيها: حديث جابر قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفَّنا صفَّين: صفٌّ خلف رسول الله ﷺ -والعدو بيننا وبين القبلة- فكبَّر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ

стр. 500

السجود وقام الصف الذي يليق، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدَّم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الكوع، ورفعنا جيمعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلَّم النبي ﷺ وسلَّمنا جميعًا» (١). وثبت مثله من حديث أبي عيَّاش الزُّرقى (٢). الصلاة إذا اشتد الخوف (٣): ١ - إذا اشتد الخوف حتى منعهم من صلاة الجماعة على صفة مما تقدم، ورجوا انكشافه قبل خروج الوقت المختار بحيث يدركون الصلاة فيه، أخروا استحبابًا. ٢ - فإذا بقي من الوقت ما يسع الصلاة صلوا إيماءً، وإلا صلوا فرادى بقدر استطاعتهم، فإن قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك، أو صلوا مشاةً أو ركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا، لا في الوقت ولا بعده: والأصل في هذا قول تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (٤). وعن ابن عمر قال: «فإن كان خوف أشد من ذلك صلَّوا رجالاً قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها» (٥) زاد البخاري: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر قال ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . وإن عجزوا عن الركوع والسجود أومأوا بهما، ويكون السجود أخفض من الركوع قلت: وتجزئه ركعة والله أعلم. ٣ - فإن شُغلوا بلقاء العدو حتى خرج وقت الصلاة: فلا حرج ويصلونها متى

стр. 501

أمكنهم، كما حصل مع النبي ﷺ يوم الخندق فشُغل وأصحابه عن صلاة العصر وصلوها بعد المغرب، وقد تقدم الحديث في «قضاء الفوائت». هل تصح صلاة الخوف في الحضر؟ من حضره خوف من عدو ظالم كافر، أو باغٍ من المسلمين، أو من سيل، أو نارٍ، أو سبع، أو غير ذلك، ولو في الحضر، فله أن يصلي صلاة الخوف، وهو قول أكثر أهل العلم: أبي حنيفة ومالك -في المشهور عنه- والشافعي وأحمد والأوزاعي وابن حزم (١)، قالوا: لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ (٢). فلم يخصَّ ذلك بالسفر (٣). فإن قيل: الأحاديث المتقدمة كلها كانت في السفر؟ فيجاب: بأن السفر وصف طردي ليس بشرط ولا سبب، وإلا لزم ألا يصلي إلا عند الخوف من العدو الكافر!! فائدة: إذا صلى الخوف في الحضر، فإنه يصليها كاملة في عدد ركعاتها -سواء في حق الإمام أو المأموم- بإحدى الكيفيات الواردة. لكن، هل يقال: يجزئ أن يصلي ركعة واحدة -في الحضر- على ظاهر حديث ابن عباس: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ : في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» (٤)؟ وهل يؤيده جواز فعلها إيماءً في الخوف الشديد؟ هذا موضع نظر، وابن حزم على ظاهريَّته لم يُجز الاقتصار على الركعة إلا في السفر، فلتحرر!!

стр. 502

صلاة الجماعة تعريفها: المقصود بصلاة الجماعة: فعل الصلاة في جماعة (١). فضلها وأهميتها وفوائدها: (أ) لصلاة الجماعة فضائل عظيمة، ولذا حث عليها رسول الله ﷺ ، وبيَّن فضلها في جملة أحاديث، نذكر منها: ١ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضلُ صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٢). ٢ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاَّها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة» (٣). ٣ - وعن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاَّها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه» (٤). ٤ - وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «... وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يَخْطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاَّه، اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (٥). ٥ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٦).

стр. 503

٦ - وعن عثمان أن النبي ﷺ قال: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» (١). (ب) وصلاة الجماعة معنى الدين، وشعار الإسلام، حتى لو تركها أهل مصرٍ قوتلوا، وأهل حارة جُبروا عليها وأكرهوا (٢). صلاة الجماعة في الفرائض حكم صلاة الجماعة للرجال: اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة -للرجال- على أقوال يمكن تلخيصها في قولين: القول الأول: صلاة الجمعة واجبة على الأعيان، إلا لعذر: وهو مروي عن ابن مسعود وأبي موسى، وبه قال عطاء والأوزاعي وأبو ثور، وهو مذهب أحمد وابن حزم وهو اختيار شيخ الإسلام، على اختلاف بينهم: هل هي شروط في صحة الصلاة أو لا؟ (٣)، واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ ...﴾ (٤). قالوا: إن الله أمر بصلاة الجماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن أولى وآكد. ثم إنه اغتفرت -في صلاة الخوف- أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). وذلك يكون في حال المشاركة في الركوع، فكان أمرًا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل. ٣ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم

стр. 504

الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (١). قالوا: وهو ظاهر في كونها فرض عين، لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه. وقد أجيب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوبها على الأعيان بأجوبة: منها أن المراد المنافقون لا المؤمنون، ومنها: أنه همَّ ولم يفعل، ولو كان واجبًا ما عفا عنهم، ومنها: أن المراد صلاة الجمعة كما في الرواية الأخرى، وغير ذلك، وأجاب الموجبون عن هذه الأوجه كلها بما يطول ذكره ههنا فليراجع (٢). ٤ - حديث أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخِّص له فيصلي في بيت، فرخَّص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم، قال: «فأجب» (٣). ٥ - حديث مالك بن الحويرث قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا -وقد أتيته في نفر من قومي-: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٤). ٦ - حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية» (٥). ٧ - ما رُوى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يُجب، فلا صلاة له إلا من عذر» (٦) والصواب أنه موقوف. ٨ - وعن عبد الله بن مسعود قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي

стр. 505

الصلاة» وقال: «إن رسول الله ﷺ علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه» (١). وأجيب: بأنه قول صحابي ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة وعدم التخلف عنها، ولا يستدل بمثل هذا على الوجوب، ثم فيه دليل لمن خصَّ الوعيد بالتحريق في حديث أبي هريرة بالمنافقين. القول الثاني: صلاة الجماعة لا تجب موجوبًا عينيًّا: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي، على اختلاف بينهم هل هي سنة أو سنة مؤكدة أو فرض كفاية؟ (٢) واستدلوا بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وبما في معناه، قالوا: فالتفضيل يدل على اشتراكهما في أصل الفضل، وهذا يدلُّ على عدم وجوبها على الأعيان، إذ لا يقال: الإتيان بالواجب أفضل من تركه، ولا يقال: إن لفظه «أفعل» قد تَرِدُ لإثبات صفة في إحدى الجهتين ونفيها عن الأخرى، و «أفضل» المضافة إلى صلاة الفذ كذلك، لأن هذا إنما يصح في «أفعل» مطلقًا غير مقرون بـ «مِنْ»، على أن في بعض ألفاظه عند مسلم: «تزيد عن صلاته وحده» وفيه التصريح بصحة الصلاة وحده (٣). وأجاب الأوَّلون: بأن التفاضل إنما هو على صلاة المعذور التي تجوز -جمعًا بين الأدلة- وهي دون صلاة الجماعة في الفضل. ٢ - حديث يزيد بن الأسود في قصة الرجلين اللذين صليا في رحالهما وأتيا المسجد فلم يصليا فقال لهما النبي ﷺ : «لا تفعلا، إذ صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (٤) قالوا: فلم ينكر عليهما صلاتهما في رحالهما. وأجيب: بأنها واقعة عين يحتمل أن يكون لهما عذر في ترك الجماعة. ٣ - حديث أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : «أعظم الناس أجرًا في الصلاة

стр. 506

أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام» (١) وفي لفظ لمسلم: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة ..». وهو صريح في اشتراك المنفرد والمصلي في جماعة في أصل الأجر، قلت: وهذا أقوى أدلتهم في نظري. ٤ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا» (٢) وما في معناه، قالوا (٣): يلزمه أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان ويمتنع أكل هذه الأشياء، والجمهور على إباحتها (يعني: البصل والثوم ونحوهما) فتكون الجماعة غير واجبة على الأعيان لجواز تركها لأكل هذه الأشياء، وأجيب بأن الجماعة واجبة ولا تتم إلا بترك أكل الثوم فيجب ترك أكله عند الصلاة. ٥ - ويمكن الاستدلال بحديث الرجل الذي صلى خلف معاذ فأطال القراءة، فتنحى وصلى منفردًا ثم شكا إلى النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه (٤) وقد يجاب عنه: بأن تطويل الإمام عذر في ترك الجماعة. الراجح في المسألة: لا شك أن الجمع بين الأحاديث المتقدمة ما أمكن هو المتعيِّن، والذي تجتمع عليه النصوص السابقة -في نظري- ولا يهدر شيئًا منها أن يقال: إن صلاة الجماعة فرض كفاية، كقول الشافعي -رحمه الله- وهذا أعدل الأقوال وأصوبها، على أنه ينبغي أن يُعلم أنه لا يفرِّط فيها ويخلُّ بملازمتها -لغير عذر- إلا محروم مشئوم، والله تعالى أعلم. حكم صلاة الجماعة للنساء (٥): لا تجب صلاة الجماعة على النساء بإجماع العلماء، لكن يُشرع لهنَّ الجماعة -إجمالاً- عند الجمهور.

стр. 507

وصلاة المرأة في جماعة تكون على نوعين: ١ - أن تأتمَّ بامرأة أخرى: وهذا مشروع لأمور ثلاثة: (أ) عموم الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الجماعة، والأصل في «النساء شقائق الرجال» (١). (ب) عدم ورود النهي عن صلاة المرأة بالنساء. (جـ) فعل بعض الصحابيات كأم سلمة وعائشة ﵂. فعن ريطة الحنفية: «أن عائشة أمَّتهنَّ وقامت بينهن في صلاة مكتوبة» (٢). وعن عمار الدهني عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة عن أم سلمة: «أنها أمَّتهنَّ فقامت وسطًا» (٣). وهذا الفعل من الصحابيات مع عدم وجود المخالف يدل على مشروعية إمامة المرأة للنساء. وقد ورد أن النبي ﷺ : «أمر أم ورقة بأن تجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها» (٤) لكنه ضعيف، وبهذا قال الشافعية والحنابلة. ٢ - أن تأتمَّ برجل: سواء ائتمَّت به وحدها أو مع جماعة نساء أو خلف جماعة الرجال وهذا مشروع كذلك، لأحاديث كثيرة، منها: حديث أنس قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمِّي -أم سلمة- خلفنا» (٥). وحديث أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرًا ...» (٦).

стр. 508

تنبيهات: ١ - يجوز أن ينفرد الرجل بزوجته أو إحدى محارمه فيصلي بها، لأنه يباح له الخلوة بها في غير الصلاة. ٢ - لا يجوز أن يؤم الرجل امرأة أجنبية بمفردها، لعموم قوله ﷺ : «لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» (١). ٣ - يجوز أن يؤم الرجل مجموعة من النساء، لأن اجتماعهن ينفي الخلوة، ولعدم ورود النهي عن ذلك، ولورود عن بعض السلف: لكن هذا محلُّه حيث تؤمن الفتنة، أما إذا وجدت الفتنة فلا يجوز، فإن الله لا يحب الفساد. وسيأتي مزيد من الأحكام المتعلقة بجماعة النساء فيما يأتي إن شاء الله. العدد الذي تنعقد به الجماعة: اتفق الفقهاء على أن أقل عدد تنعقد به الجماعة اثنان، وهو أن يكون مع الإمام واحد، فيحصل لهما فضل الجماعة: ١ - لحديث مالك بن الحويرث قال: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر فقال النبي ﷺ : «إذا أنتما خرجتما فأدِّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (٢). ٢ - وفي حديث ابن عباس -في قصة مبيته مع النبي ﷺ عند خالته ميمونة-: «... وقام يصلي، فتوضأتُ نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع ...» (٣). ٣ - وعن أبي سعيد الخدري: «أن رجلاً جاء وقد صلى النبي ﷺ فقال: «من يتصدَّق على هذا؟» فقام رجل فصلَّى معه» (٤). ٤ - وقد تقدم في «صلاة الليل» صلاة ابن مسعود مع النبي ﷺ وكذلك حذيفة ﵁. ثم اختلف أهل العلم في انعقاد الجماعة -في الفريضة- بالصبي المميِّز مع الإمام؟!

стр. 509

والصحيح أنها تنعقد لحديث ابن عباس، ولأنه لا دليل على المنع من انعقادها، ولا دليل على التفريق بين صلاة النفل والفرض في ذلك، ولأن الصبيَّ المميِّز يصح أن يكون إمامًا -كما سيأتي- وهو متنفِّل، فجاز أن يكون مأمومًا بالمفترض البالغ، وهذا مذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد (١). أين تُقام صلاة الجماعة؟ تجوز إقامة صلاة الجماعة في أي مكان طاهر، في البيت أو الصحراء أو المسجد، لقول النبي ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ» (٢). وقوله ﷺ للرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتُما مسجد جماعة، فصليِّا معهم، فإنها لكما نافلة» (٣). إلا أن الجماعة للفرائض في المسجد أفضل منها في غير المسجد، لحديث زيد ابن ثابت أن النبي ﷺ قال: «صلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٤) ولأن إقامتها في المسجد فيه إظهار الشعائر وكثرة الجماعة، ولأن بإقامتها يحصل له فضل المشي على المسجد، وسيأتي ذكره قريبًا. الأعذار المرخِّصة في التخلُّف عن الجماعة: الأعذار التي تبيح التخلف عن شهود صلاة الجماعة في المسجد: منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، وبيان ذلك فيما يلي: [أ] الأعذار العامة: ١، ٢ - المطر والوَحْل: الذي يشقُّ معه الخروج إلى المسجد، فعن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ «كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: صلوا

стр. 510

في الرحال» (١). وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» (٢). لكن إن خرج للجماعة فهو أفضل: لحديث أبي سعيد الخدري قال: «جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف -وكان من جريد النخل- فأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته» (٣) فقد شهد النبي ﷺ الجماعة رغم المطر والطين حتى سجد فيهما. ٣ - البرد الشديد: هو الذي يخرج عن الحد الذي ألفه الناس، وقد تقدم حديث ابن عمر في هذا قريبًا. وعن نعيم النحَّام أنه: نودي بالصبح في يوم بارد وهو في مرط امرأته، فقال: ليت المنادي ينادي: ومن قعد فلا حرج، فنادى منادي النبي ﷺ في آخر أذانه: «ومن قعد فلا حرج» وذلك في زمن النبي ﷺ في آخر أذانه» (٤). وقد ألحق أهل العلم بهذه الأعذار: الظلمة الشديدة التي لا يبصر الإنسان طريقه إلى المسجد فيها. فائدة: قال النووي: «قال أصحابنا: تسقط الجماعة بالأعذار سواء قلنا أنها سنة أم فرض كفاية أم فرض عين، لأنا وإن قلنا أنها سنَّة فهي متأكدة يُكره تركها، كما سبق بيانه، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك، وإنما معناه سقوط الإثم والكراهة ...» اهـ (٥). [ب] الأعذار الخاصَّة: ٥ - المرض: الذي يشقُّ معه الإتيان إلى المسجد لصلاة الجماعة، قال ابن المنذر لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلَّف عن الجماعات من

стр. 511

أجل المرض، ولأن النبي ﷺ لمَّا مرض تخلَّف عن المسجد وقال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس» (١). «فإن كان مرضٌ يسير لا يشق معه القصد، كوجع ضرس وصداع يسير وحمَّى خفيفة فليس بعذر، وضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر» (٢). فإن أخذ بالعزيمة -إن قدر- فأتى مع مرضه فهو أفضل: فعن ابن مسعود قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقُه أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة ....» (٣). ٦ - العلَّة، كالعَمَى ونحوه: فقد رخَّص النبي ﷺ لعتبان بن مالك أن يصلي في بيته لمَّا قال: «يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصليِّ لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ...» الحديث (٤). فاجتمع له العمى مع المطر، وفي لفظ من حديث أنس: «قال رحل من الأنصار إني لا أستطيع الصلاة معك، وكان رجلاً ضخمًا ... الحديث» (٥)، وقد عدَّ بعض العلماء ضخامة الرجل وكونه سمينًا من الأعذار. والشاهد أن الأعمى إن لم يجد قائدًا يقوده إلى المسجد كان هذا مبيحًا لتخلُّفه عن الجماعة عند الجمهور خلافًا للحنفية فعذروه مطلقًا ولو كان له قائد (٦). ٧ - الخوف: كأن يخاف على نفسه من سلطان أو ظالم أو عدو أو لص ونحو ذلك، أو يخاف على ماله، أو على أهله ومن يلزمه الذبُّ عنه، فإن ذلك عذر في التخلف عن الجماعة عند العلماء على اختلاف بينهم في بعض التفصيلات (٧). والعمدة في هذا ما رُوى عن ابن عباس مرفوعًا: «من سمع النداء، فلم يمنعه

стр. 512

من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلَّى» (١). وقد تقدم أنه لا يصح مرفوعًا. ٨ - حضور الطعام عند من له فيه حاجة: فعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وُضع عَشاءُ أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشاء ولا يَعْجل حتى يفرغ منه» وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام (٢). وقد حمل الجمهور قوله (فابدءوا بالعشاء) على الندب ثم اختلفوا، فمنهم من قيَّده بمن كان محتاجًا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية، ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل ابن عمر، وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة!! (يعني: إذا قدَّمها على العشاء) ومنهم من اختار البداءة بالصلاة لمن لم يكن متعلق النفس به، وهو منقول عن مالك وأصحابه، قالوا: فإن أعجله عن صلاته وبدأ بالطعام استحب له الإعادة!! (٣). قلت: أما استحباب الإعادة، فلا دليل عليه، وأما كون الأمر بتقديم الطعام على الصلاة على الندب لا على الوجوب، فدليله حديث عمرو بن أمية قال: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعًا يجتزُّ منها، فدعى إلى الصلاة فقام وطرح السِّكين، فصلِّي ولم يتوضأ» (٤). ٩ - مدافعة الأخبثين: أي البول والغائط، لحديث عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٥). وعن عبد الله بن الأرق: أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا ومعه الناس، وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة -صلاح الصبح- ثم قال: ليتقدم أحدكم -وذهب الخلاء- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء» (٦).

стр. 513

ومدافعة البول والغائط عذران يسقط كل واحد منهما الجماعة بالاتفاق، لما تقدم، ولأن القيام إلى الصلاة مع مدافعة أحدهما يبعده عن الخشوع فيها ويكون مشغولاً عنها. ١٠ - أكل البصل والثوم والكرات ونحوهاإذا بقي ريحها: فإنه عذر للتخلف عن الجماعة، لئلا يتأذى به الناس والملائكة، فعن جابر أن النبي ﷺ قال: «من أكل هذه البقلة: الثوم» -وقال مرة: «من أكل البصل والثوم والكرات- فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما تأذى منه بنو آدم» (١). والمراد: أكل هذه الأشياء نيئة، فإن أكلها مطبوخة فلا حرج لزوال علة التأذي بالرائحة، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال على المنبر: «... ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا» (٢). وقد ألحق أهل العلم بهذا من كانت حرفته لها رائحة مؤذية، كالجزار والزيات ونحوهما وكذلك من كان به مرض يُتأَذى به، كجذام أو برص (٣)، قلت: وأولى من يلحق بهذا المُدخِّنون أصحاب (السجائر) الذين عمَّت بهم البلوى في هذا الزمان، فإن التأذي عنهم أعظم من التأذي من آكل البصل والثوم، هذا على أن الأصل في البصل والثوم أنه حلال بخلاف تعاطي الدخان والله أعلم. فائدة: عدَّ الفقهاء من الأعذار في التخلف عن الجماعة: أن لا يجد ما يستر به عورته، بل قال الشافعية وبعض المالكية: إن وجد ما يليق بأمثاله لبسه خرج للجماعة وإلا فلا (٤). تنبيه: هل يعذر العروس في عدم الخروج للجماعة لزفافه؟ يرى الفقهاء الشافعية والحنابلة أن زفاف الزوجة إلى زوجها عذر يبيح له المقام عندها وعدم خروجه للجماعة سبًا للبكر وثلاثًا للثيب؟!! وقيَّده الشافعية بالتخلُّف عن الصلوات الليلية فقط!! (٥).

стр. 514

قلت: هذا غلط، والذي نصَّ عليه الشافعي ﵀ كراهته، ومنشأ هذا الغلط هو عدم الفهم لحديث أنس على الوجه الصحيح، فقد قال ﷺ : «من السُنَّة إذا تزوَّج الرجل البكرَ على الثيب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوَّج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (١). وهو واضح في أن معناه: إذا تزوَّج البكر على الثيب فإنه يبيت عندها سبعًا ثم يقسم بين زوجاته بالسوية وليس فيه تعرض لعدم الخروج إلى الصلوات، وكذلك إذا تزوج الثيب على البكر أقام ثلاثًا. ومما يوضح أن هذا هو المراد بالإقامة: «أن النبي ﷺ لما تزوَّج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا وقال: «إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبَّعتُ لك، وإن سبَّعتُ لك سبَّعتُ لنسائي» (٢). من آداب الخروج إلى الصلاة وما يُفعل قبل الصلاة: ١ - ترك الأعمال عند حضور الصلاة: عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يكون في مهنة أهله -أي: خدمتهم- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (٣). ٢، ٣ - التطهُّر والمشي إلى المسجد وتكثير الخُطا واحتسابها: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه: إحداهما تحطُّ خطيئة والأخرى ترفع درجة» (٤). وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ...» (٥) وعن أنس قال: أراد بنو سلمة أن يتحوَّلوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة، وقال: «يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟» فأقاموا (٦).

стр. 515

وفي لفظ من حديث جابر: فنهانا وقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ألا أدركم على ما يمحو الله به الخُطا ويرفع به الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطايا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (٢). وعنه أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أوراح، أعدَّ الله له نزلاً من الجنة كلما غدا أو راح» (٣). ٤ - المبادرة إلى المسجد والتبكير إلى الصلاة: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «... ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا، ولو يعلمون ما في الصف المقدَّم لاستهموا» (٤). وعنه عن النبي ﷺ : «... وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ...» (٥). ٥ - المشي إلى المسجد بسكينة وعدم الإسراع: فعن أبي قتادة: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جَلَبَةَ رجال، فلما صلَّى قال ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (٦). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٧). ٦ - الذِّكر بما ثبت عند خروجه إلى المسجد وعند دخوله المسجد: فيقول إذا خرج: «اللهم اجعل لي في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا،

стр. 516

واجعل لي في بصري نورًا، واجعل لي من خلفي نورًا ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا» (١). ويقول إذا دخل المسجد بيمينه: «بسم الله، اللهم صل على محمدٍ» (٢) و «اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٣). ٦ - عدم تشبيك الأصابع في المسجد إلا لحاجة: لأنه في حكم المصلي ما دام منتظرًا الصلاة والمصلي لا يجوز له التشبيك -كما تقدم في مكروهات الصلاة- وفي هذا المعنى حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» (٤) وهو مختلف فيه، ولتحسينه وجه قوي. وأما ما أورده البخاري تحت باب: (تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، ... وشبَّك النبي ﷺ ...» (٥) ونحوه -فالتحقيق أنه ليس بينهما تعارض، إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو المقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس، أو يقال: إن النهي مقيَّد بما إذا كان في صلاة أو منتظرًا لها لأنه في حكم المصلى، وحديث ابن عمرو وأمثاله خالية من ذلك والله أعلم (٦). ٧ - صلاة ركعتي تحية المسجد: وقد تقدم الكلام عليها مفصلاة في «صلاة التطوع». ٨ - عدم التنفُّل إذا أقيمت الصلاة: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة في صلاة إلا المكتوبة» (٧).

стр. 517

وعن عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً -وقد أقيمت الصلاة- يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس وقال له رسول الله ﷺ : «آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟» (١). وفي لفظ: «يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا». فإذا أحرم بالنافلة قبل الإقامة، ثم أقيمت وهو في الصلاة، فأعدل الأقوال أن يقال: إن علم أنه يُنهي صلاته قبل تكبيرة الإحرام للإمام، أتمَّ صلاته، وإلا قطعها لهذه الأحاديث والله أعلم (٢). ٩ - عدم الخروج من المسجد بعد الأذان وقبل صلاة الفريضة إلا لضرورة: فعن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٣). فإن كانت ضرورة تحتم الخروج فلا بأس حينئذ، فعن أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف، حتى إذا قام في مُصلاَّه انتظرنا أن يكبِّر، انصرف، قال: «على مكانكم» فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطُف رأسُه ماءً، وقد اغتسل» (٤). ١٠ - عدم القيام - إذا أقيمت الصلاة- إلا إذا رأى الإمام: فعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني» (٥). وقد تقدم فقه المسألة في «أبواب الأذان».

стр. 518

ومن الآداب الخاصة بالنساء: ١١ - استئذان الزوج في الخروج للمسجد، وعدم منعه لها: فعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها» (١). وعنه قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٢). وهذا الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد -إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة من التبرج والتطيب والتزيُّن -واجب على الرجال لظاهر النهي عن المنع، فإن وجد شيء من ذلك لم يجب الإذن ويحرم عليهن الخروج (٣). وقد يُقال: إن الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان لأنه لا يتحقق إلا إذا كان المستأذَن مُخيرًّا في الإجابة أو الرد (٤)، والله أعلم. ١٢ - اجتنابُهنَّ الطِّيب والزينة وما يفتتن به: فعن زينب امرأة عبد الله [بن مسعود] قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمسَّ طيبًا» (٥). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجْنَ تَفِلات» (٦). ومعنى تفلات: غير متطيِّبات. ١٣ - عدم الاختلاط بالرجال في دخول المسجد والخروج منه: ولأجل هذه العلة كان النساء على عهد رسول الله ﷺ يُسرعن بالانصراف بعد انتهاء الصلاة، فعن

стр. 519

أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم، نرى -والله أعلم- أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يُدركهن أحد من الرجال» (١). الإمامة وأحكامها فضل الإمامة: عن جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» (٢). من الأحقُّ بالإمامة؟ الأقرأ أم الأفقه؟ لأهل العلم في هذه المسألة مذهبان (٣): الأول: الأقرأ أولى بالإمامة: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وحجتهم: ١ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» (٤). ٢ - حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا، ولا يَؤُمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (٥). ٣ - وفي حديث عمرو بن سلمة أن النبي ﷺ قال: «... صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم،

стр. 520

وليؤمكم أكثركم قرآنًا» فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقَّى من الرُّكبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ... الحديث (١). ٤ - وعن ابن عمر قال: «لما قدم المهاجرون الأوَّلون العصبة -موضع بقباء- قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا» (٢) وكان سالم حينئذ عبدًا لمَّا يُعتقْ فتقدمهم مع شرفهم. المذهب الثاني: الأفقه أولى من الأقرأ: وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أبي حنيفة وأحمد. وحجتهم: ١ - أنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه فيكون أولى، كالإمامة الكبرى والحكم. ٢ - أجابوا عن الأحاديث المتقدمة بأن الأقرأ من الصحابة هو الأفقه، لأنهم ما كانوا يقرأون عشر آيات حتى يفهموا معانيها وما فيها من العلم والعمل وأجيب بأن قوله ﷺ : «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» فيه دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا. ٣ - تقديم النبي ﷺ لأبي بكر ليصلي بالناس -في مرضه- ولم يكن أقرأهم، وأجيب: بأن تقديم أبي بكر كان إشارة إلى استخلافه على الناس، والخليفة أحق بالإمامة وإن كان غيره أقرأ منه. والراجح: أن الأقرأ هو الأحق بالإمامة لكن بشرط «أن يكون عارفًا بما يتعيَّن معرفته من أحوال الصلاة، فأما إن كان جاهلاً بذلك فلا يُقدَّم اتفاقًا» (٣). ثم تبقى مسألة: ما المراد بالأقرأ؟ فقال الجمهور: أحسنهم قراءة، وقال بعض الحنابل: الأكثر حفظًا، قلت: نعم، الأكثر حفظًا لظاهر الأحاديث المتقدمة لكن بشرط صحة القراءة وتمامها وخروج كل حرف من مخرجه. تنبيه: لا ينبغي تقديم من لا يستحق الإمامة، لأجل تَعَنِّيه بالقراءة: فعن عابس الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يتخوَّف على أمته ستَّ

стр. 521

خصال: «إمرة الصبيان، وكثرة الشُّرَط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفاف بالدم، ونشو يتخذون القرآن مزامير يقدِّمون الرجل ليس بأفقههم ولا أفضلهم يغنيِّهم غناءً» (١). والمراد بالتغني المذموم هنا ما كان متكلفًا زائدًا على قواعد اللغة والتجويد، وما يكون من التمطيط والتطريب والقراءة بالألحان مما كرهه الأئمة. لا يتقدَّم أحد على الإمام الراتب إلا بإذنه: لقول النبي ﷺ -في حديث أبي مسعود المتقدم قريبًا-: «... ولا يؤمَنَّ الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه» (٢) وإمام المسجد المُوَلَّى من قبل المسئولين سلطانه، فلا يجوز أن يؤم أحد فيه إلا بإذنه، وإلا أدى إلى الفوضى والتنازع، لكن ينبغي على الجانب الآخر أن لا يُعيَّن في المساجد إلا الكفء للإمامة!! وألا يُوَلَّى فيها المرتزقة من الحفظة الذين لا يحسنون الصلاة ولا يعرفون أحكامها!! الحاصل في الأَوْلى بالإمامة: أن يصلي الإمام الراتب إن كان للمسجد إمام راتب، وإلا فيقدَّم الأقرأ العالم بفقه الصلاة، فإذا تساووا فأفقههم وأعلمهم بالسنة، فإذا تساووا فأقدمهم هجرة (٣)، فإذا تساووا فأكبرهم سنًّا، وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ومن كان معه لما أرادوا الرجوع إلى أهليهم: «... وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٤). ولا يشترط إمامة الأَوْلى: بل تجوز إمامة كلِّ من تصح إمامته لمن هو أولى منه، كما صلَّى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه (٥)، وصلَّى ﵊ خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية من الصبح (٦).

стр. 522

من تصح إمامتهم: ١ - إمامة الأعمى: فعن محمد بن الربيع «أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى وأنه قال: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: «أين تحب أن أصلي؟» فأشار إلى مكان البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ » (١). وعن عائشة أن النبي ﷺ : «استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس» (٢). فائدة: تصح إمامة المعذور للصحيح على الأرجح إذا لا فرق بينه وبين الأعمى، والله أعلم (٣). ٢ - إمامة العبد والمولى: فعن ابن عمر قال: «لما قدم المهاجرون الأوَّلون العُصبة -موضع بقباء- قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا» (٤). ووجه الدلالة منه: إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقديم سالم عليهم وكان حينها عبدًا لما يُعْتقً. وعن نافع بن عبد الحارث أن عمر قال له: «من استعملت على أهل الوادي»؟ فقال: ابن أبزى، قال: «ومن ابن أبزى؟» قال: مولى من موالينا، قال: «فاستخلفت عليهم مولى؟» قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: «أما إني سمعت نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (٥). ولهذا ذهب الجمهور -خلافًا لمالك- إلى صحة إمامة العبد.

стр. 523

٣ - إمامة الصبي المميِّز: وقد تقدم أن عمرو بن سلمة أَمَّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين لما أمرهم النبي ﷺ أن يؤمهم أكثرهم قرآنًا. وإلى صحة إمامة الصبي المميز ذهب الشافعي خلافًا للجمهور، والحديث حجة عليهم، «ومن قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك فما أنصف، لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي ﷺ ، ولو كان منهيًّا عنه لنهى عنه القرآن» (١). ٤ - إمامة الفاسق: تصح إمامة الفاسق -في أصح قولي العلماء- وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد (٢)، ويدلُّ على ذلك: (أ) عموم الأحاديث المتقدمة في تقديم الأقرأ لكتاب الله. (ب) حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٣). (جـ) حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور، فقال: «إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرَّج، فقال: «الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم» (٤). (د) وصلى الصحابة ومنهم ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف وهو من أفسق الناس (٥). لكن تُكره الصلاة خلفه: لحديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» (٦).

стр. 524

فإن أمكن الصلاة خلف غير الفاسق فينبغي ترك الصلاة خلفه، وإن لم يمكن وكان في تركه تعطيلاً للجماعات جازت الصلاة خلفه كما تقدم، والله أعلم. فائدة: لا تصح الصلاة خلف الكافر: لأن صلاته لا تصح لنفسه ولم يصح الاقتداء به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً﴾ (٢). ٥ - إمامة مستور الحال: تصح الصلاة خلف من لا يُعلم منه بدعة ولا فسق باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال (٣). لقوله ﷺ : «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٤). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» (٥). قال ابن حزم (٦): «فإن صلى خلف من يظنُّه مسلمًا، ثم علم أنه كافر أو أنه عابث أو انه لم يبلغ -فصلاته تامة، لأنه لم يكلفه الله تعالى معرفة ما في قلوب الناس ... وإنما كلفنا ظاهر أمرهم فأمرنا إذا حضرت الصلاة أن يؤمنا بعضنا في ظاهر أمره، فمن فعل ذلك فقد صلَّى كما أُمِر ...» اهـ. وقال الجمهور: عليه الإعادة إذا علم كفر إمامه بعد الصلاة.

стр. 525

٦ - إمامة المرأة لجماعة النساء: وتقدم في «حكم الجماعة للنساء» فِعل عائشة وأم سلمة لذلك، وصلاتهما بالنساء. وأما صلاة الرجل والصبي خلف المرأة فلا تجوز ولا تصح عند جماهير السلف والخلف، لعموم قوله ﷺ : «لن يفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة» (١). ولنه «لم يثبت عن النبي ﷺ في جواز إمامة المرأة الرجل أو الرجال شيء، ولا وقع في عصره ﷺ ولا في عصر الصحابة والتابعين من ذلك شيء، وقد جعل رسول الله ﷺ صفوفهن بعد صفوف الرجال وذلك لأنهن عورات، وائتمام الرجل بالمرأة خلاف ما يفيد هذا، ولا يقال: الأصل الصحة!! لأنا نقول: قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من الأمور، وهذا من جملة الأمور بل هو أعلاها وأشرفها» (٢). من أَمَّ قومًا وهم له كارهون: عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» (٣). وهذا الوعيد مختص بمن كرهه القوم في دينه أو مخالفته السنة أو غير ذلك مما ابتلي به كثير من أئمة هذا الزمان الذين جُلُّ هَمِّهم إثبات الحضور لأجل الحصول على الراتب، ثم هو بعد ذلك جاهل بدين الله كلُّ بلاء فيه وفي أهل بيته، نعوذ بالله من الخذلان. وأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه، فعن ابن عمر قال: «أَمَّر رسول الله ﷺ أسامة على قوم فطعنوا في إمارته، فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده» (٤).

стр. 526

موقف الإمام والمأموم [١] صلاة واحد مع الإمام: إذا صلَّى الرجل وحده مع الإمام فإنه يقف عن يمينه محاذيًا له -غير متأخر قليلاً كما يقول الشافعية- لما في قصة ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ : «... ثم قام يصلي [أي النبي ﷺ ] فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلَّى ...» (١) وفي رواية (٢): «... فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاة خنست، فصلَّى رسول الله ﷺ فلما انصرف، قال لي: «ما شأني أجعلك حذائي فتنخسُّ ...» الحديث. وفي قصة صلاة جابر معه ﷺ : «... فجاء فتوضأ ثم قام فصلَّى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمتُ خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه» (٣). وفي قصة صلاة النبي ﷺ -في مرض موته- بجانب أبي بكر، قالت عائشة: «... فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر» (٤). [٢] صلاة اثنين فأكثر مع الإمام: إذا صلَّى مع الإمام رجلان فإنهما يقفان وراءه صفًّا باتفاق العلماء من الصحابة ومن بعدهم غير ابن مسعود وصاحبيه، لحديث جابر الذي فيه: «.. ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه ...» الحديث (٥). وعن أنس قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي -أم سليم- خلفنا» (٦). وأما ابن مسعود فكان يرى أن يقف أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله: فعن الأسود وعلقمة أنهما صليا مع عبد الله بن مسعود في داره قالا: «...

стр. 527

وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا قال: فضرب أيدينا وطبَّق بين كفَّيه ثم أدخلهما بين فخذيه ... ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ » (١). لكن ذكر جماعة من العلماء منهم الشافعي أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ، لأنه تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ وهو بمكة وفيها التطبيق وأحكام أخر هي الآن متروكة وهذا الحكم من جملتها، فلما قدم النبي ﷺ المدينة تركه، وعلى فرض عدم علم التاريخ، لا ينتهض هذا الحديث لمعارضة الأحاديث المتقدمة (٢). وإذا صلى مع الإمام ثلاثة فأكثر، فإنهم يقفون وراءه بإجماع العلماء والأحاديث في بيان هذا أكثر من أن تحصر. ولا يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام، لأنه لا يصح الائتمام بالإمام إلا إذا كان مقدمًا عليهم، وقد ذهب الجمهور إلى أن من تقدم على الإمام بطلت صلاته، وذهب مالك وإسحاق وأبو ثور وداود إلى جوازه إذا ضاق المكان وقيل مطلقًا (٣). [٣] الصلاة إلى جنب الإمام لمن لم يجد مكانًا في المسجد: من دخل المسجد فوجد المسجد ممتلئًا والصفوف تامة، فله أن يتخلل الصفوف حتى يقف بجانب الإمام كما فعل النبي ﷺ في مرضه مع أبي بكر حين أمَّ الناس: «... فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه» (٤). وفي لفظ في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم وصلاة أبي بكر بالناس: «.. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصف ...» (٥) وفي لفظ لمسلم «فخرَّق الصفوف حتى قام عند الصف المتقدم». [٤] صلاة المرأة مع الإمام: المرأة إذا صلت مع الإمام، فإنها تقف خلف صفوف الرجال حتى ولو لم

стр. 528

يكن معها امرأة أخرى، فتقف وحدها في الصف الأخير، وكذلك لو صلَّت وحدها مع الإمام فإنها تقف خلفه لا عن يمينه: فعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم نرى -والله أعلم- أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال» (١). وعن أنس قال: «صليت أنا ويتيم خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا» (٢). وقال ابن مسعود: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فأُلقي عليهن الحيض» فكان ابن مسعود يقول: «أخروهن حيث أخَّرهنَّ الله» (٣). وإذا صلَّى مع الإمام رجل واحد وامرأة، فإن الرجل يقف حذاءه عن يمينه وتقف المرأة وحدها وراءهما، فعن أنس: «أن رسول الله ﷺ أَمَّهُ والمرأة معهم فجعله عن يمينه، والمرأة أسفل من ذلك» (٤). فائدة: إذا خالفت المرأة فتقدمت على بعض الرجال أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة!! قلت: الأصح أن تفسد صلاتها هي لحديث «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» وسيأتي، وبضميمة وقوف أم سليم وحدها خلف النبي ﷺ وأنس واليتيم، فدل هذا على بطلان صلاتها أمام الرجال أو معهم، لكن محل هذا عدم الضرورة، كما لا يخفى. [٥] صلاة المرأة بالنساء: إذا صلت المرأة بجماعة النساء فإنها تقف وسطهن ولا تتقدم على الصف الأول منهنَّ، وهذا أستر لها، فعن ربطة الحنفية: «أن عائشة أمَّتهنَّ وقامت بينهن في صلاة مكتوبة» (٥) وعن حجيرة عن أم سلمة: «أنها أمتهن فكانت وسطًا» (٦).

стр. 529

فإذا صلَّت المرأة بهنَّ متقدمة عليهن فالأظهر أن الصلاة صحيحة مجزئة لعدم الدليل على بطلانها، لكن خلاف الأولى والله أعلم. [٦] أين يقف الصبيان في الصلاة؟ رُوى أن رسول الله ﷺ : «كان يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» (١) لكنه ضعيف لا يصح. قال الإمام الألباني -نضرَّ الله وجهه-: «وأما جعل الصبيان وراءهم فلم أجد فيه سوى هذا الحديث، ولا تقوم به حجة، فلا أرى بأسًا من وقوف الصبيان مع الرجال إذا كان في الصف متَّسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه ﷺ حجة في ذلك» (٢). قلت: قد تقدم حديث أنس وصلاة اليتيم معه خلف النبي ﷺ ، ولو كان يُمنع الصبيان من الصفِّ مع الرجال، لقام أنس عن يمين النبي ﷺ واليتيم خلفهما وأم سليم خلفهم، والله أعلم. صلاة الإمام أو المأموم في مكان مرتفع: ١ - ارتفاع الإمام عن المأمومين: يُكره للإمام أن يصلي أعلى من المأمومين، وهو مذهب الجمهور، سواء كان هذا العلو لحاجة أو لا. فعن همام: «أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود (الأنصاري) بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين مددتني» (٣). وقال الشافعي: أختار للإمام الذي يُعلَّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع فيراه من خلفه فيقتدون به. وهو رواية عن أحمد، لحديث سهل بن سعد لما سئل عن المنبر قال: «... ثم رأيت رسول الله ﷺ صلَّى عليها (يعني أعواد المنبر) وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي» (٤).

стр. 530

قلت: فإن وجدت مصلحة من قيام الإمام على المكان المرتفع كتعليم الناس ونحوه فلا بأس لهذا الحديث، وكذلك إذا دعت الحاجة، كأن يمتلئ الطابق العلوي من المسجد والإمام فيه، فيصلي بعضهم في الطابق الأسفل. ٢ - ارتفاع المأمومين عن الإمام: لا دليل يمنع ارتفاع المأموم عن الإمام في الصلاة، لا سيما إذا دعت الحاجة إليه، كأن يمتلئ المسجد فيصلي بعضهم في الطابق العلوي منه، لكن ينبغي أن يكون على وجه يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام ليقتدي به، ويكون مُسامتًا لما خلف الإمام، لا متقدمًا عليه إلا لعذر، ويعضد هذا أن أبا هريرة: «كان بظهر البناء على ظهر المسجد، فيصلي بصلاة الإمام» (١). وعن سعيد بن سليم قال: «رأيت سالم بن عبد الله صلى فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ومعه رجل آخر، يعني ويأتم بالإمام» (٢). الاقتداء بالإمام من وراء حائل: إذا صلى المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما حائل: فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة (٣). فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته (٤) وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته ...» الحديث (٥). وعن جبلة بن أبي سليمان قال: (رأيت أنس بن مالك يصلي في دار أبي عبد الله، يشرف على المسجد، له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام» (٦). ,إذا صفُّوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه أو نهر تجري فيه
следующие страницы →