← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

موقف الإمام والمأموم [١] صلاة واحد مع الإمام: إذا صلَّى الرجل وحده مع الإمام فإنه يقف عن يمينه محاذيًا له -غير متأخر قليلاً كما يقول الشافعية- لما في قصة ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ : «... ثم قام يصلي [أي النبي ﷺ ] فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلَّى ...» (١) وفي رواية (٢): «... فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاة خنست، فصلَّى رسول الله ﷺ فلما انصرف، قال لي: «ما شأني أجعلك حذائي فتنخسُّ ...» الحديث. وفي قصة صلاة جابر معه ﷺ : «... فجاء فتوضأ ثم قام فصلَّى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمتُ خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه» (٣). وفي قصة صلاة النبي ﷺ -في مرض موته- بجانب أبي بكر، قالت عائشة: «... فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر» (٤). [٢] صلاة اثنين فأكثر مع الإمام: إذا صلَّى مع الإمام رجلان فإنهما يقفان وراءه صفًّا باتفاق العلماء من الصحابة ومن بعدهم غير ابن مسعود وصاحبيه، لحديث جابر الذي فيه: «.. ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه ...» الحديث (٥). وعن أنس قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي -أم سليم- خلفنا» (٦). وأما ابن مسعود فكان يرى أن يقف أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله: فعن الأسود وعلقمة أنهما صليا مع عبد الله بن مسعود في داره قالا: «...

стр. 527

وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا قال: فضرب أيدينا وطبَّق بين كفَّيه ثم أدخلهما بين فخذيه ... ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ » (١). لكن ذكر جماعة من العلماء منهم الشافعي أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ، لأنه تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ وهو بمكة وفيها التطبيق وأحكام أخر هي الآن متروكة وهذا الحكم من جملتها، فلما قدم النبي ﷺ المدينة تركه، وعلى فرض عدم علم التاريخ، لا ينتهض هذا الحديث لمعارضة الأحاديث المتقدمة (٢). وإذا صلى مع الإمام ثلاثة فأكثر، فإنهم يقفون وراءه بإجماع العلماء والأحاديث في بيان هذا أكثر من أن تحصر. ولا يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام، لأنه لا يصح الائتمام بالإمام إلا إذا كان مقدمًا عليهم، وقد ذهب الجمهور إلى أن من تقدم على الإمام بطلت صلاته، وذهب مالك وإسحاق وأبو ثور وداود إلى جوازه إذا ضاق المكان وقيل مطلقًا (٣). [٣] الصلاة إلى جنب الإمام لمن لم يجد مكانًا في المسجد: من دخل المسجد فوجد المسجد ممتلئًا والصفوف تامة، فله أن يتخلل الصفوف حتى يقف بجانب الإمام كما فعل النبي ﷺ في مرضه مع أبي بكر حين أمَّ الناس: «... فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه» (٤). وفي لفظ في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم وصلاة أبي بكر بالناس: «.. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصف ...» (٥) وفي لفظ لمسلم «فخرَّق الصفوف حتى قام عند الصف المتقدم». [٤] صلاة المرأة مع الإمام: المرأة إذا صلت مع الإمام، فإنها تقف خلف صفوف الرجال حتى ولو لم

стр. 528

يكن معها امرأة أخرى، فتقف وحدها في الصف الأخير، وكذلك لو صلَّت وحدها مع الإمام فإنها تقف خلفه لا عن يمينه: فعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم نرى -والله أعلم- أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال» (١). وعن أنس قال: «صليت أنا ويتيم خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا» (٢). وقال ابن مسعود: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فأُلقي عليهن الحيض» فكان ابن مسعود يقول: «أخروهن حيث أخَّرهنَّ الله» (٣). وإذا صلَّى مع الإمام رجل واحد وامرأة، فإن الرجل يقف حذاءه عن يمينه وتقف المرأة وحدها وراءهما، فعن أنس: «أن رسول الله ﷺ أَمَّهُ والمرأة معهم فجعله عن يمينه، والمرأة أسفل من ذلك» (٤). فائدة: إذا خالفت المرأة فتقدمت على بعض الرجال أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة!! قلت: الأصح أن تفسد صلاتها هي لحديث «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» وسيأتي، وبضميمة وقوف أم سليم وحدها خلف النبي ﷺ وأنس واليتيم، فدل هذا على بطلان صلاتها أمام الرجال أو معهم، لكن محل هذا عدم الضرورة، كما لا يخفى. [٥] صلاة المرأة بالنساء: إذا صلت المرأة بجماعة النساء فإنها تقف وسطهن ولا تتقدم على الصف الأول منهنَّ، وهذا أستر لها، فعن ربطة الحنفية: «أن عائشة أمَّتهنَّ وقامت بينهن في صلاة مكتوبة» (٥) وعن حجيرة عن أم سلمة: «أنها أمتهن فكانت وسطًا» (٦).

стр. 529

فإذا صلَّت المرأة بهنَّ متقدمة عليهن فالأظهر أن الصلاة صحيحة مجزئة لعدم الدليل على بطلانها، لكن خلاف الأولى والله أعلم. [٦] أين يقف الصبيان في الصلاة؟ رُوى أن رسول الله ﷺ : «كان يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» (١) لكنه ضعيف لا يصح. قال الإمام الألباني -نضرَّ الله وجهه-: «وأما جعل الصبيان وراءهم فلم أجد فيه سوى هذا الحديث، ولا تقوم به حجة، فلا أرى بأسًا من وقوف الصبيان مع الرجال إذا كان في الصف متَّسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه ﷺ حجة في ذلك» (٢). قلت: قد تقدم حديث أنس وصلاة اليتيم معه خلف النبي ﷺ ، ولو كان يُمنع الصبيان من الصفِّ مع الرجال، لقام أنس عن يمين النبي ﷺ واليتيم خلفهما وأم سليم خلفهم، والله أعلم. صلاة الإمام أو المأموم في مكان مرتفع: ١ - ارتفاع الإمام عن المأمومين: يُكره للإمام أن يصلي أعلى من المأمومين، وهو مذهب الجمهور، سواء كان هذا العلو لحاجة أو لا. فعن همام: «أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود (الأنصاري) بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين مددتني» (٣). وقال الشافعي: أختار للإمام الذي يُعلَّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع فيراه من خلفه فيقتدون به. وهو رواية عن أحمد، لحديث سهل بن سعد لما سئل عن المنبر قال: «... ثم رأيت رسول الله ﷺ صلَّى عليها (يعني أعواد المنبر) وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي» (٤).

стр. 530

قلت: فإن وجدت مصلحة من قيام الإمام على المكان المرتفع كتعليم الناس ونحوه فلا بأس لهذا الحديث، وكذلك إذا دعت الحاجة، كأن يمتلئ الطابق العلوي من المسجد والإمام فيه، فيصلي بعضهم في الطابق الأسفل. ٢ - ارتفاع المأمومين عن الإمام: لا دليل يمنع ارتفاع المأموم عن الإمام في الصلاة، لا سيما إذا دعت الحاجة إليه، كأن يمتلئ المسجد فيصلي بعضهم في الطابق العلوي منه، لكن ينبغي أن يكون على وجه يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام ليقتدي به، ويكون مُسامتًا لما خلف الإمام، لا متقدمًا عليه إلا لعذر، ويعضد هذا أن أبا هريرة: «كان بظهر البناء على ظهر المسجد، فيصلي بصلاة الإمام» (١). وعن سعيد بن سليم قال: «رأيت سالم بن عبد الله صلى فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ومعه رجل آخر، يعني ويأتم بالإمام» (٢). الاقتداء بالإمام من وراء حائل: إذا صلى المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما حائل: فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة (٣). فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته (٤) وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته ...» الحديث (٥). وعن جبلة بن أبي سليمان قال: (رأيت أنس بن مالك يصلي في دار أبي عبد الله، يشرف على المسجد، له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام» (٦). ,إذا صفُّوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه أو نهر تجري فيه

стр. 531

السفن ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: أحدهما: المنع كقول أبي حنيفة، والثاني: الجواز كقول مالك والشافعي (١)، وهو الأظهر لأنه لا نص ولا إجماع في منع ذلك، وقد قال الحسن: «لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر» (٢). لكن ينبغي أن يكون على وجه يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام كسماع التكبير أو رؤية الصف المتقدم، وقد قال النبي ﷺ لما رأى في أصحابه تأخرًا: «تقدموا فائتموا بي، وليأتمَّ بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (٣). ولذا قال أبو مجلز: «يأتم بالإمام، وإن كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبير الإمام» (٤). قلت: وليس يخفى أن محلِّ هذا كله الحاجة كامتلاء المسجد والرحاب المتصلة، وإلا فالأصل اتصال الصفوف وتقاربها، والله أعلم. تنبيه: لا تصح الصلاة اقتداءً بإمام تُنفل صلاته بالمذياع «الراديو». الصفوف وأحكامها خيرُ صفوف الرجال والنساء: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير صفوف الرجال أوَّلُها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (٥). قلت: وكون خير صفوف النساء آخرها إنما محلُّه إذا كُنَّ يصلين خلف صفوف الرجال، فإن كُنَّ يصلين خلف امرأة، أو مع الإمام في مكان منفصل عن الرجال، فالظاهر أن خير صفوفهن الأُوَل، لعموم قوله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلوُّن على الصفوف الأُوَل» (٦) والله أعلم.

стр. 532

فضل الصف الأَوَّل: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «... ولو يعلمون ما في الصف المقدَّم لاستهموا» (١). وفي لفظ لمسلم: «.. لكانت القُرعة». فضل ميامن الصفوف: فعن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه ...» (٢). وقد جاء عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلُّون على ميامن الصفوف» (٣) لكنه بهذا اللفظ غير محفوظ. من يلي الإمام: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليليني منكم أولو الأرحام والنهُّى، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، وإيَّاكم وهيشات الأسواق» (٤). وأولو الأرحام: هم العقلاء، وقيل: البالغون، والنُّهى: العقول، «وفي الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام، لأنه يتفطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها وينقلوها ويعلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم. ولذا «كان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا منه» (٥). وعن قيس بن عُباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدَّم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحَّاني وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتين فلما انصرف فإذا

стр. 533

هو أُبيُّ بن كعب، فقال: «يا فتى، لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه ...» الحديث (١). إتمام الصفوف الأول ثم الذي يليه: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر» (٢). وعن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنهما أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا في الصلاة» قال: ثم خرج علينا فرآنا حِلقًا فقال: «ألا تَصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربِّه؟ قال: «يُتمُّون الصفوف الأول، ويتراصُّون في الصف» (٣). وجوب تسوية الصفوف، وسدُّ الخلل: وقد صحَّ في هذا جملة كثيرة من الأحاديث فمن ذلك: ١ - حديث النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ : «لتسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم» (٤). ومعنى: «ليخالفن الله بين وجوهكم»: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، لأن اختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيد هذا المعنى: ٢ - حديث أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم ...» (٥). ٣ - وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «أقيمة صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري» وكان أحدنا يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» (٦).

стр. 534

٤ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «رُصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف» (١). ٥ - وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدُّوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (٢). ٦ - وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» (٣) وفي لفظ لمسلم: «.. من تمام الصلاة». وينبغي أن يتولى الإمام تسوية الصفوف بنفسه أو يأمر بذلك المأمومين، وأن لا يشرع في صلاته حتى تعتدل الصفوف: فعن ابن عمر قال: «كان عمر لا يكبِّر حتى تعتدل الصفوف، يوكِّل بذلك رجالاً» (٤). فائدة: قال النووي في «المجموع» (١/ ٢٩٧): «إذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها، وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صفٍّ قدامة لتقصيرهم بتركها» اهـ. كراهة الصف بين السواري (الأعمدة): عن عبد الحميد بن محمود قال: «صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتَّقي هذا على عهد رسول الله ﷺ » (٥).

стр. 535

ويشهد له حديث معاوية بن مرة عن أبيه قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد عنها طردًا» (١). ولذا يكره للمأمومين أن يقفوا بين السواري لأنها تقطع صفوفهم، فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين لم يكره، لأنه لا ينقطع بها، وقد كرهه ابن مسعود والنخعي وراءه ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس، بينما رخَّص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي، قالوا: لعدم الدليل على المنع (٢)!! ولا شك أن حديث أنس له حكم الرفع ويؤيده حديث قرة بن قيس، والله أعلم. وأما الإمام المنفرد: فلا يكره لهما الصلاة بين الساريتين للمعنى المتقدم، ويؤده حديث ابن عمر قال: دخل النبي ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال، فأطال ثم خرج، كنت أول الناس دخل على إثره، فسألت بلالاً: أين صلى؟ قال: بين العمودين المقدمين» (٣). صلاة المنفرد خلف الصف: الأصل في صلاة الجماعة أن يكون المأمومون صفوفًا متراصَّةً كما تقدم بيانه، فإذا صلى المأموم خلف الصفوف وحده، فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاته على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تصح صلاته، وهو مذهب أحمد وإسحاق والنخعي وابن أبي شيبة وابن المنذر (٤) واستدلوا بما يلي: ١ - حديث علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلَّينا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة فرأى رجلاً فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف قال: «استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف» (٥).

стр. 536

٢ - حديث وابصة بن معبد «أن رجلاً صلَّى خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة» (١). قالوا: ولولا أن صلاته فاسدة ما أمره بالإعادة، لأن الإعادة إلزام وتكليف في أمر قد فُعل وانتهى منه، ولولا فساده ما كلَّفه بإعادته. القول الثاني: صلاته صحيحة، ويَكره لغير عذر، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والشافعي (٢)، وحجتهم: ١ - حديث أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ» (٣). قالوا: أتى أبو بكرة بجزء من الصلاة خلف الصف ولم يؤمر بالإعادة، وإنما نُهي عن العود إلى ذلك فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل، واستدلوا بذلك على أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة للاستحباب، جمعًا بين الدليلين. وأجاب الأوَّلون: بأنه يمكن الجمع بينهما بوجه آخر (٤): وهو أن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة، وإلا فتجب على عموم حديث وابصة وعلى بن شيبان. ٢ - أن ابن عباس لما أداره النبي ﷺ من يساره إلى يمينه -وقد تقدم الحديث مرارًا- انفرد خلفه بجزء يسير؟! قالوا: والمفسد للصلاة يستوي فيه الكثير والقليل!! وأُجيبَ: بمثل ما تقدم من حديث أبي بكرة من أن هذه الصورة اليسيرة من الانفراد قبل الوقوف في الصف لا تضر. ٣ - حملوا النفي في قوله «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» على نفي الكمال لا نفي الصحة وأجيب: بأن الأصل نفي الوجود -وهو ممتنع- ثم نفي الصحة حتى

стр. 537

يدل الدليل على منعه فيتجه إلى نفي الكمال، وهنا لا دليل كذلك، ثم هذا مردود بأمره ﷺ بإعادة الصلاة كما تقدم. ٤ - صلاة أم سليم وحدها في الصف خلف أنس واليتيم، مؤتمِّين بالنبي ﷺ وأجيب بأنها حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي، فإن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا فلا يصح القياس، ثم إن المرأة وقفت خلف الصف لأنه لم يكن لها من تصافه، ولو كان معها امرأة أخرى لكان عليها أن تقف معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد خلف الصف (١). القول الثالث: التفصيل: فإن انفرد لعذر صحت صلاته وإلا بطلت، وهو قول الحسن البصري وقول عند الحنفية واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه العلامة ابن عثيمين (٢) -رحم الله الجميع- وحجتهم أدلة القول الثاني لكنهم قالوا: إن نفي الصحة لا يكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب، والقاعدة أنه لا واجب مع العجز. قلت: ولعلَّ هذا أعدل الأقوال ويليه القول الأول، والله أعلم. رَايٌ: الذي يقع في نفسي أن المراد بقوله ﷺ : «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» هو من يصلي خلف صفوف المصلين غير مؤتم بالإمام، وحينئذ لا يكون في الحديث إشكال، لكن لم أجد سلفًا في هذا الفهم -مع قوة احتمال السياقات له وموافقته أصول الشريعة- فلا أجسر على الجزم به، والله أعلم. من جاء وقد اكتملت الصفوف، ماذا يصنع؟ (٣). ينبغي تجنُّب الصلاة منفردًا خلف الصف قدر الإمكان، حتى تنتفي الكراهة على قول الجمهور، وتصح الصلاة على قول الحنابلة:

стр. 538

١ - فإن وجد فُرجة في الصف الأخير وقف فيها. ٢ - وإن وجد الفُرجة في صف متقدم فله أن يخترق الصفوف ليصل إليها، لتقصير المصلين في تركها، فإن لم يجد إلا أن يصف بجنب الإمام فله ذلك، وقد تقدمت الأدلة على كل هذا. ٣ - فإن لم يتيسَّر ذلك وعلم أنه سيأتي آخر يصُف معه، صلَّى وحده. ٤ - فإن لم علم بمجيء أحد يصف معه، فهل يجذب واحدًا من الصف ليصف معه؟ اختلف أهل العلم في هذا: فأجازه الحنفية -في قول- والشافعية في الأصح، والحنابلة، وهو مروي عن عطاء والنخعي، لأن الحاجة داعية إليه، وقيَّده الشافعية بمراعاة موافقة المجرور منعًا للفتنة، ورأى أحمد وإسحاق تنبيهه للرجوع وعدم جذبه. قلت: الأصل في جواز جذب الرجل من الصف، حديث أُبي بن كعب المتقدم «لما جذب الرجل وقام مقامه، فلما انصرف قال: إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه ..» (١) لكن فيه محاذير أخرى تأتي. وكره مالك أن يجذب أحدًا وقال: يصلي منفردًا، ولا يطيعه المجذوب، وهو مروي عن الأوزاعي وهو اختيار شيخ الإسلام، لأن في هذا الجذب محاذير: ١ - التشويش على الرجل المجذوب. ٢ - فيه جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المفضول. ٣ - فتح فرجة في الصف وربما كان هذا من باب قطع الصف وقد تقدم الوعيد فيه. ٤ - فيه جناية على الصف كله، لتحركهم لأجل سدِّ الفرجة. قلت: الأولى أن لا يجذب أحدًا، وليصلِّ وحده لأجل العذر، والله أعلم. مسائل تتعلق بصفة صلاة الجماعة سترةُ الإمام سترةٌ للمأمومين: ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ومعنى هذا أمران: ١ - أنه إذا لم يحل بين الإمام وسترته شيء يقطع الصلاة، فصلاة المأمومين

стр. 539

صحيحة لا يضرها مرور شيء بين أيديهم في بعض الصف، ولا فيما بينهم وبين الإمام، ففي حديث ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمرت بين يدي بعض الصف، فنزلتُ فأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر عليَّ أحد» (١). ٢ - أنه إذا مر ما يقطع الصلاة بين الإمام وسترته، قطع صلاته وصلاتهم: فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنيَّة أذاخر، فحضرت الصلاة يعني فصلَّى إلى جدار فاتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار، ومرَّت من ورائه» (٢) فلولا أن سترته سترة لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرق، والله أعلم. حكم جهر الإمام بالبسملة في الجهرية: هذه المسألة «من أعلام المسائل، ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دَوَرانًا في المناظرة، وجَوَلانا في المصنفات» (٣) ولذا أفردها بالتصنيف جماعة من أهل العلم. والخلاصة أن للعلماء في هذه المسألة قولين: الأول: يُسَنٌّ الإسرار بها، وهو مذهب الحنابلة وأصحاب الرأي وهو اختيار شيخ الإسلام وقال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين: منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وعمار ﵃ أجمعين، وبه قال الأوزاعي والثوري وابن المبارك (٤)، وحجتهم: ١ - حديث أنس: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (٥).

стр. 540

وفي رواية لمسلم عنه: «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (١). وتُعقِّب الاستدلال: بأن معنى قوله في الرواية الأولى «يستفتحون بالحمد لله رب العالمين» أي: بسورة الفاتحة قبل غيرها، فليس فيه تعرُّض لنفي البسملة ولا إثباتها. وأما الرواية الأخرى فهي وإن كانت صحيحة وإسناد إلا أن بعض العلماء تكلم فيها من جهة أنها من تصرف الراوي في الرواية الأولى فأخطأ، والمحفوظ الرواية الأولى (٢). ٢ - حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). قالوا: وهو ظاهر في عدم الجهر بالبسملة، ومؤيد لحديث أنس. ٣ - واستدلوا بما يُروى عن ابن عبد الله بن المغفل، قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: «محدث، إياك والحدث، ولم أر واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام -يعني منه- فإني صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا صليت فقل: «الحمد لله رب العالمين» (٤) وأجيب: بأنه ضعيف لا يحتج به. ٤ - قوله الله في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي ... الحديث» (٥). وقد احتج به من قال: لا تقرأ البسملة أصلاً في الصلاة. ٥ - لا ريب أنه صلى ﷺ لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس

стр. 541

مرات أبدًا حضرًا ولا سفرًا، ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جُمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة (١). القول الثاني: يُسَنُّ الجهر بها، وهو مشهور مذهب الشافعي، وحجَّته: ١ - ما رواه نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلَّم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » (٢) وأجيب عنه: باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله ﷺ في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها على أنه قد رواه جماعة عن نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة، فالحديث ليس صريحًا في كون النبي ﷺ جهر بالبسملة. ٢ - حديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويمدُّ بالرحمن، ويمد بالرحيم» (٣). ويجاب عنه: بأنه غير صريح بأنه سمع هذا من النبي ﷺ في الصلاة، بل الثابت عنه عدم الجهر كما تقدم. ٣ - ما رُوى عن ابن عباس: «كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم» (٤). وأجيب: بأنه ضعيف لا يحتج به، ثم هو محتمل للإسرار والجهر. الراجح: مما سبق نرى أنه ليس في الجهر بالبسملة في الصلاة حديث صحيح صريح يكافئ في دلالته حديث أنس في عدم الجهر، فعليه فالأولى الإسرار بالبسملة، «ومع هذا، فالصواب: أن ما لا يجهر به قد يُشرع الجهر به لمصلحة راجحة، فيشرع للإمام أحيانًا لمثل تعليم المأمومين ... ويسوغ أيضًا أن

стр. 542

يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة، خوفًا من التنفير عما يصلح ...» (١). تنبيه: ثم ليُعلم أن الخلاف في هذه المسألة قريب فلا ينبغي التعصُّب لها ولا المبالغة في قدرها، ولذا قال شيخ الإسلام: «وأما التعصُّب لهذه المسألة ونحوها، فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نُهينا عنه، إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدًّا، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعائر الفرقة» اهـ (٢). قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام: فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: الأول: لا يقرأ المأموم في السرية ولا في الجهرية: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٣)، وحجتهم: ١ - ما يُروى عن النبي ﷺ : «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة» (٤). وهو ضعيف من جميع طرقه لا يحتج به. ٢ - حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلَّى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه: سبِّح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ، أو: أيكم القارئ؟» فقال رجل: أنا، فقال: «لقد ظننتُ أن بعضكم خالجنيها» (٥) وغاية ما فيه النهي عن رفع الصوت بالقراءة خلفه في السرية كما هو واضح!! ٣ - أن قراءة الفاتحة ليست بواجبة أصلاً -عندهم- فلم تجب على المأموم!! وهو مردود كما لا يخفى. القول الثاني: يقرأ في السرية دون الجهرية، وهو مذهب الجمهور: الزهري ومالك وابن المبارك والشافعي في القديم ومحمد صاحب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، واختيار شيخ الإسلام (٦) وحجة هذا القول:

стр. 543

١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). ٢ - حديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، [وإذا قرأ فأنصتوا]» (٢). ٣ - حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول ما لي أُناررعِ القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣). قال بعضهم: هذا الحديث ناسخ للقراءة خلف الإمام في الجهرية؟!! ٤ - حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٤) قالوا: المراد في الجهرية. القول الثالث: يقرأ في السرية والجهرية ولابد، وهو مذهب الشافعي -في الجديد- وأصحابه، وابن حزم، واختاره الشوكاني وابن عثيمين (٥)، وهو الراجح، لما يلي: ١ - حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٦). ٢ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج -ثلاثًا- غير تمام» قال: فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟! فقال: اقرأ بها في نفسك ...» الحديث (٧).

стр. 544

والحديثان يخصصان عموم الآية الكريمة وحديث: «وإذا قرأ فأنصتوا» بما عدا قراءة المأموم الفاتحة، هذا على أن زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا» مما اختلف الحفاظ في صحته، وقال أبو داود: ليست بمحفوظة، وكذا قال ابن معين وأبو حاتم الرازي والدارقطني وأبو علي النيسابوري، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدَّم على تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه، والله أعلم (١). ومما يؤيد هذا التخصيص المذكور: ٣ - حديث عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ، قال: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟» قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٢). ٤ - وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعلكم تقرءون خلف الإمام، والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل ذلك، قال: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب، أو قال: فاتحة الكتاب» (٣). ٥ - وأما ما ادَّعوه من أن حديث أبي هريرة ناسخ لأحاديث الأمر بالقراءة، فقد ادَّعى الحازمي في «الاعتبار» (ص/ ٧٢ - ٧٥) عكسه، فجعل أحاديث الوجوب ناسخة لأحاديث النهي، والحق أنه لا دليل على هذا أو ذاك، فوجب الرجوع إلى قواعد الجمع أو الترجيح، هذا على أن قوله (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر ...) مدرج من قول الزهري كما في رواية أحمد (٢/ ٢٤٠) وغيره، واتفق على هذا البخاري في «تاريخه» وأبو داود، ويعقوب بن يوسف والذهلي والخطابي وغيرهم، وقال النووي: هذا مما لا خلاف فيه بينهم، قلت وإذا كان كذلك فلا حجة فيه، فسقطت جميع المعارضات، والله أعلم. متى يقرأ المأموم الفاتحة خلف إمامه؟ (٤). تقرر أن قراءة الفاتحة ركن لابد منه في كل ركعة سواء في ذلك الإمام والمنفرد

стр. 545

والمأموم، فمتى يقرأ المأموم في الجهرية؟ قيل: إذا سكت الإمام بين الفاتحة والسورة، وقيل: يقرأها خلف الإمام آية آية، وهو الأولى من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذي هو بعد الاستفتاح، أو تكريرها عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها في محلها أولاً وأخَّر الفاتحة إلى حال قراءة الإمام السورة، ومن جهة الاكتفاء بالتأمين مرة واحدة عند فراغه -وفراغ الإمام- من قراءة الفاتحة. جهر الإمام والمأموم بالتأمين في الجهرية: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» (١). وعن وائل بن حُجر قال: «سمعت رسول الله ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، ومد بها صوته» (٢). قال الترمذي: ... وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ. وعن ابن جريج عن عطاء قال: «قلت له: أكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى إن للمسجد للجَّة» (٣). هل يؤمِّن المأموم مع الإمام أو بعده؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يؤمن إلا بعد تأمين الإمام لظاهر حديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به» وحديث: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ...». والراجح أن يؤمِّن بعد قول الإمام ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ لأنه قد جاء هذا صريحًا ففي حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «... فإذا كبرَّ فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، يُحْبكُم الله ....» (٤). وكذلك ليتوافق تأمين الإمام مع تأمين المأمومين مع تأمين الملائكة، فَيُغفر للمؤمِّن بإذن الله.

стр. 546

يُكره تطويل الإمام إذا شق على بعض المأمومين: فعن أبي مسعود قال: قال رجل يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله ﷺ ، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: «يا أيها الناس، إن منكم مُنَفِّرين، فمن أَمَّ الناس فليتجوَّز، فإن خلفه الضَعيف والكبير وذا الحاجة» (١). ولما صلَّى الرجل خلف معاذ بالبقرة أو النساء شكاه إلى النبي ﷺ فقال: «يا معاذ، أفتَّان أنت -ثلاث مرار- فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» (٢). قلت: وهذا إذا كان يشق على بعض المأمومين، فإن علم رضاءهم فلا يكره التطويل، والمقصود -على كل حال- أن يراعى حال المأمومين، ففي حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا بالصافات» (٣). وعن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور» (٤). وقد ذكر ابن مسعود عشرين سورة من المفصَّل «كان النبي ﷺ يقرن بينهن سورتين في كل ركعة» (٥). فالضابط في التطويل والتقصير حال المأمومين ورضاهم، وإتمام الصلاة وعدم النقص من أركانها، فعن أنس قال: «كان النبي ﷺ يوجز الصلاة ويكملها» (٦). وعنا قال: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أُمُّه» (٧).

стр. 547

الفتح على الإمام إذا التبست عليه القراءة: إذا التبست القراءة على الإمام، فللمأموم أن يلقِّنه، واستحبَّه جمهور العلماء، لحديث المسور بن يزيد الأسدي المالكي قال: «شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «هلاَّ أكذرتنيها»؟ (١). ويشهد له حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ صلَّى صلاة فقرأ فيها فلُبس عليه، فلما انصرف قال لأُبيٍّ: «أصليت معنا؟» قال: نعم، قال: «ما منعك؟» (٢). تنبيه: إذا أخطأ الإمام في القراءة، فلا ينبغي تلقينه إلا إذا كان خطؤه مُحيلاً للمعنى، فعن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «إني أُقرئتُ القرآن على سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت غفورًا رحيمًا، أو قلت سميعًا عليمًا، أو قلت: عليمًا سميعًا، فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب» (٣). يكره تشويش المأمومين بعضهم على بعض بالقراءة والتكبير: فعن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: «ألا كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة، أو قال: في الصلاة» (٤). وتقدم حديث عمران بن حصين في الرجل الذي قرأ خلفه: سبح اسم ربك الأعلى فقال له النبي ﷺ : «لقد ظننتُ أن بعضكم خالجنيها» (٥) أي نازعنيها. وجوب متابعة الإمام، وتحريم مسابقته: عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر

стр. 548

فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» (١). وفي لفظ لمسلم: «لا تبادروا الإمام، وإذا كبَّر فكبروا ....» الحديث. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار؟!» (٢). فدلَّت هذه الأحاديث على تحريم مسابقة الإمام في الصلاة، وقال الجمهور يأثم فاعله وتجزئ صلاته، وقال أحمد وأهل الظاهر: تبطل صلاته، وبه قال ابن عمر (٣). ولا يجوز مساواته كذلك: فعن البراء قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده» (٤). وأما التخلُّف عن الإمام: فإن كان لعذر كمرضٍ ونحوه فلا حرج، وإن تعمَّد التأخر كُره، وقال بعض العلماء: إن تأخر بأكثر من ركن عن الإمام بطلت صلاته، لعموم قوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به ...» والله أعلم. هل يُتابع الإمام إذا زاد في الصلاة؟ كأن يسهو الإمام فيقوم إلى خامسة ويسبح به ولا يلتفت لقولهم، ظانًّا أنه لم يَسْهُ، فقال شيخ الإسلام: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم، لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظروه حتى يسلِّم بهم، أو يسلموا قبله، والانتظار أحسن. اهـ. قلت: ولقائل أن يقول: يتابعونه لعموم الأدلة الآمرة بمتابعته، ولأن النبي ﷺ لما صلى خامسة قام الصحابة ولم يأمرهم إذا قام الإمام للخامسة أن يقعدوا، والمسألة موضع اجتهاد، فلتحرر، والله أعلم. إذا صلَّى الإمام قاعدًا لعذر: تقدم أن صلاة الصحيح خلف المعذور تصح، فإذا صلَّى القادرون على القيام خلف إمام قاعد لعذر، فهل يصلون قيامًا أو قعودًا؟ لأهل العلم في هذا قولان:

стр. 549

الأول: يجب عليهم أن يصلوا قعودًا كذلك، وهو مذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي وابن المنذر وداود وابن حزم، وهو مروي عن جابر وأبي هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف (١)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عائشة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا» (٢) ونحوه حديث أنس وأبي هريرة. ٢ - حديث جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلَّينا وراءه، وهو قاعد وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلَّم قال: «إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» (٣). القول الثاني: لا يجوز لهم أن يصلُّوا قعودًا، بل يصلوا قيامًا، وإليه ذهب الأكثرون، منهم أبو حنيفة والشافعي (٤)، واستدلوا بما يأتي: ١ - الجواب عن أدلة الأوَّلين، ولهم في هذا ثلاث طرق: (أ) ادِّعاء كونها منسوخة، قالوا: والناسخ لها حديث عائشة في صلاة أبي بكر بالناس في مرض النبي ﷺ وفيه: «... ثم إن النبي ﷺ وجد في نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو [قائم] بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد ...» (٥).

стр. 550

قالوا: وكان هذا في مرضه ﷺ الذي توفى فيه وقد صلى خلفه أبو بكر والناس قيامًا فدلَّ على نسخ الحكم الأول، وأُجيب عن هذا من أوجه منها: ١ - أن أبا بكر كان هو الإمام والنبي ﷺ مقيد به كما في بعض الروايات، وتُعقِّب بأن هذه الروايات لو صحَّت لحُملت على تعدد الصلوات، فقد كان مرضه ﷺ اثنى عشر يومًا فيه ستون صلاة. ٢ - قال الإمام أحمد: ليس فيه حجة، لأن أبا بكر كان ابتدأ الصلاة قائمًا، وإذا ابتدأ الصلاة قائمًا صلوا قيامًا، فأشار إلى الجمع بين الحديثين، بحمل الأول على ما إذا ابتدأ الصلاة جالسًا، والثاني على ما إذا ابتدأ الصلاة قائمًا ثم اعتلَّ فجلس، قال: ومتى أمكن الجمع بين الحديثين وجب ولم يحمل على النسخ. وتُعقِّب: بأنه يردُّه ما في حديثي جابر وعائشة من إشارته ﷺ إلى أصحابه بالقعود بعد أن كانوا ابتدءوا الصلاة قيامًا، وأجيب عن هذا التعقُّب: بأن النبي ﷺ كان قد ابتدأ قاعدًا فكان قد لزمهم الجلوس لجلوسه بخلاف اقتدائهم بالصدِّيق فإن إمامهم في ابتدائه الصلاة كان قائمًا فكان القيام لازمًا لهم فاستمروا عليه. ٣ - أن الحديث ليس فيه أن غير أبي بكر كانوا قيامًا فلعلَّهم كانوا قعودًا، ويدُّ عليه أن الناس كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر، ولو كانوا قيامًا لما اقتدى بصلاته إلا الصف الأول لأن بقية الصفوف يحجبهم عنه الصف الأول، قاله ابن حزم، وتعقَّبه العراقي من أوجه سلم له بعضها، من ذلك: أن الصحابة كانوا أول صلاتهم قيامًا خلف أبي بكر فمن زعم تغيرهم عن هذه الحال فهو محتاج إلى دليل، بل الظاهر أنه لو وقع لنُقل، ومنها أن المراد باقتدائهم بأبي بكر، اقتداؤهم بصوته لا بمشاهدته. ٤ - على فرض ثبوت صلاة الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ وهو قاعد، فإنه لا يدلُّ على النسخ، بل على الإباحة فقط وبيان أن أمرهم المتقدم بالقعود للندب لا للوجوب، وأجيب بأن هذا مردود بأن الأمر لا يكون على الندب مع تأكيده ﷺ له بإشارته به وهو في الصلاة ثم تصريحه بذلك بعد سلامه ثم تشبيه فعلهم بفعل الكفرة المجوس، فهذه قرائن تدل على أن النهي للتحريم. (ب) ادِّعاء أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ : وهذا هو المشهور من قول

стр. 551

مالك (١) وجماعة من أصحابه، وأيَّدوه بما يُروى مرفوعًا: «لا يؤمَّنَّ أحد بعدي جالسًا» (٢) وبأن الخلفاء لم يؤمَّ أحد منهم جالسًا؟!! وأُجيب عنه: بأن الأصل عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل على ذلك، والحديث المروي ضعيف لا يصح، وأما الاستدلال بترك الخلفاء الإمامة عن قعود فأضعف، فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، فلعلَّهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين. (جـ) تأويل قوله: «فصلوا جلوسًا» فقالوا: هو محمول على معنى (إذا جلس للتشهد فتشهدوا قعودًا)!! وأجيب: بأن هذا تحريف للخبر عن عمومه بغير دليل، وسياق الأحاديث في الجملة يمنع من سبق الفهم إلى هذا التأويل، ومن ذلك إشارته ﷺ لهم بالجلوس، وكذلك التعليل بموافقة الأعاجم. ٢ - (من أدلة المانعين) أن القيام ركن قدر عليه المأموم، فلم يجز له تركه كسائر الأركان. ٣ - أن لكل منهم فرضه ففرض الإمام القعود، وفرضهم القيام. الراجح في المسألة: لا شك أن كلا القولين له وجه معتبر، وإن كان الأظهر القول الأول مع اعتبار حال الإمام عند ابتداء الصلاة، فإن ابتدأها جالسًا لزمهم الجلوس، وإن ابتدأها قائمًا لزمهم القيام، فإن طرأ عليه القعود لعذر، فهل يقعدون أو يقومون؟ هذا موضع اجتهاد، وإن كان التعليل بمشابهة الأعاجم يقوِّي جلوسهم. وأما المصير إلى النسخ فلا أراه قويًّا لبعض الأوجه المتقدمة، ولأن القول به يستلزم النسخ مرتين: لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد، بل هو خلاف قاعدة الأحكام. ويردُّ دعوى النسخ كذلك أنه فعله أربعة من الصحابة -وقيل ستة- ولم يُعلم لهم منهم مخالف حتى قال ابن حبان: وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته. اهـ.

стр. 552

تبليغ تكبير الإمام للحاجة: يشرع أن يبلغ شخص تكبير الإمام عند الحاجة كأن يكون المسجد كبيرًا ولا يصل الصوت إلى الصفوف المتأخرة، والأصل في مشروعيته عند الحاجة فعل أبي بكر ﵁ لما صلى بالناس في مرض موته ﷺ كما في حديث عائشة: «... فتأخَّر أبو بكر ﵁ وقعد النبي ﷺ إلى جنبه، وأبو بكر يُسمعُ الناس التكبير» (١). «أما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة» (٢) اهـ. والله أعلم. استخلاف الإمام غيره: إذا عرض للإمام -وهو في الصلاة- عذر كأن أحدث أو ذكر أنه محدث ونحو ذلك، فإن له أن يستخلف من المأمومين من يتمُّ بهم الصلاة والأصل في هذا: ١ - حديث سهل بن سعد في قصة ذهاب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وصلاة أبي بكر بالناس، وفيه: «... فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة ... ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله ﷺ فصلى ...» الحديث (٣). ٢ - حديث عمرو بن ميمون -في قصة طعن عمر بن الخطاب وهو في الصلاة- وفيه: «... فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني -أو أكلني- الكلب، حين طعنه ... وتناول عمرُ يَدَ عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه ... فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ..» الحديث (٤). وكان هذا بحضرة الصحابة وأقروا عمر على استخلاف عبد الرحمن ليتم بهم ولم ينكر منهم أحد فكان إجماعًا. ٣ - وعن خالد بن اللجلاج أن عمر بن الخطاب «صلى يومًا للناس فلما جلس في الركعتين الأوليين أطال الجلوس، فلما استقبل قائمًا نكص خلفه وأخذ

стр. 553

بيد رجل من القوم فقدمه مكانه ...» (١) وذكر أنه مرَّ بامرأة من أهله ثم وجد في الصلاة بللاً. ٤ - وعن أبي رزين قال: «أمَّنا عليٌّ فرعف، فأخذ رجلاً فقدَّمه، وتأخر» (٢). وهنا مسألتان: [١] من استخلفه الإمام، يصلي تمام صلاته أم صلاة إمامه الذي استخلفه؟ (٣). وفائدة هذه المسألة تظهر إذا كان من استخلفه الإمام مسبوقًا بركعة -مثلًا- واستُخلف في الثانية، فالأظهر أنه يتم تلك الركعة بهم، ثم إذا سجد سجدتيها أشار إليهم فجلسوا، وقام هو إلى ثانيته، فإذا أتمها جلس وتشهد، ثم قام وقاموا معه فأتم بهم الركعتين أو الركعة (في المغرب) فإن كانت الصبح فكذلك ويسلم ويسلمون معه، وكذا. وقال أبو حنيفة ومالك: بل يصلي بهم الإمام المستخلَف على حكم صلاة الذي استخلفه، والمعنى على مثالنا السابق: أن يصلي بهم الركعة الأولى له (الثانية لهم) ثم يجلس للتشهد على حكم صلاة الإمام الأول!! ثم يتم بهم الصلاة، وفيه نظر لأن الإمام الأول الذي خرج قد بطلت إمامته، وهم إنما يتبعون الإمام المستخلَف ولا يصلي هو إلا صلاة نفسه، فيتبعونه فيما يلزمهم، ولا يتبعونه فيما لا يلزمهم، بل يقفون على حالهم، ينتظرونه حتى يبلغ إلى ما هم فيه فيتبعونه حينئذ، والله أعلم. [٢] إذا صلى الإمام بهم ثم ذكر أنه كان محدثًا بعد ما سلَّم: فقال الجمهور، منهم مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والمزني وغيرهم: يعيد هو ولا يعيدون، وقالت طائفة منهم أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: يعيد ويعيدون. وبالقول الأول أقول، وهو المروي عن عمر وابنه عبد الله، وعثمان وعلي (٤).

стр. 554

أحكام المَسْبُوق إدراك الجماعة: إدراك الجماعة على نوعين: [١] إدراك فضيلة الجماعة: وهو يحصل باشتراك المأموم مع الإمام في جزء من صلاته، ولو في القعدة الأخيرة قبل السلام، وهذا مذهب الجمهور: الحنفية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية وبعض المالكية (١). وهو الصحيح لأنه لو لم يدرك فضل الجماعة بذلك لمنع من الاقتداء، لأنه يكون حينئذ زيادة بلا فائدة، ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢). وعن رجل من أهل المدينة عن النبي ﷺ أنه: «سمع خفق نعلَيَّ وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته قال: «من هذا الذي سمعتُ خفق نعليه» قال: أنا يا رسول الله، قال: «فما صنعت؟» قال: وجدتك ساجدًا فسجدت، فقال: «هكذا فاصنعوا، ولا تعتدُّوا بها، من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا، فليكن معي على حالي التي أنا عليها» (٣). لكن ثوابه يكون دون ثواب من أدركها من أولها، والله أعلم. [٢] إدراك حكم الجماعة وما يترتَّب عليها: المراد بإدراك حكم الجماعة: ثبوت الأحكام المترتبة على اعتباره مؤتمًّا بالإمام كسجوده لسهو الإمام، وكصلاته الجمعة ركعتين، ونحو ذلك. وأظهر أقوال العلماء: أن حكم الجماعة لا يثبت إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام (٤) لقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٥). وهو مذهب المالكية واختاره شيخ الإسلام (٦).

стр. 555

إدراك الركعة: اختلف أهل العلم في القدر الذي يكون به المأموم مدركًا الركعة معتدًّا بها مع إمامه، على قولين مشهورين: القول الأول: تدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام: وهو مذهب الجماهير: الأئمة الأربعة وغيرهم (١)، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة، وحجة هذا القول: ١ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٢) وحملوا لفظ «ركعة» على أن المراد الركوع. ٢ - وأيَّدوا هذا الحمل برواية ابن خزيمة لحديث أبي هريرة بلفظ «من أدرك ركعة من الصلاة [قبل أن يقيم الإمام صلبه] فقد أدرك» (٣) قالوا: فدلَّ على أن المراد بالركعة الركوع!! ٣ - ما رُوى عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» (٤). ٤ - حديث أبي بكرة أنه: انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (٥). قالوا: هو ظاهر في أنه اعتدَّ بها، ولم يؤمر بإعادتها، ولا يمكن أنه قرأ الفاتحة فيها، وأما قوله «فلا تعد» فهو نهي عن الدخول في الصلاة قبل بلوغ الصف.

стр. 556

٥ - عن ابن عمر قال: «إذا جئتَ والإمام راكع فوضعتَ يديك على ركبتيك قبل أن يرفع رأسه، فقد أدركت» (١). ٦ - وعن زيد بن وهب قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود من داره إلى المسجد، فلما توسَّطنا المسجد ركع الإمام، فكبَّر عبد الله ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف، حتى رفع القوم رءوسهم، قال: فلما قضى الإمام الصلاة قمتُ أنا -وأنا أرى لم أُدرك- فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: «إنك قد أدركتَ» (٢). ٧ - وعن أبي أمامة بن سهل قال: «رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والناس ركوع، فمشى حتى أمكنه أن لا يصل إلى الصف وهو راكع، كبَّر فركع، ثم دبَّ وهو راكع حتى وصل الصف». وفي لفظ عن خارجة بن زيد: «... ثم يعتدُّ بها، إن وصل إلى الصف أو لم يصل» (٣). القول الثاني: لا يعتد بالركعة التي لا يقرأ فيها المسبوق الفاتحة خلف الإمام: وهو مذهب البخاري وابن حزم، وتقي الدين السبكي من الشافعية ورجَّحه الشوكاني والعلامة المعلَّمي اليماني وغيرهم (٤)، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٥). قالوا: فمن أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وقراءة أم القرآن وكلاهما فرض لا تتم الصلاة إلا به، وهو مأمور بنص كلام رسول الله ﷺ بقضاء ما سبقه وإتمام ما فاته، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نصٍّ آخر، ولا سبيل إلى وجوده. ٢ - أما حديث: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فهو حق وهو

стр. 557

حجة عليهم، لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة بلا خلاف، وليس في الحديث أنه إن أدرك الركوع فقد أدرك الوقفة، قلت: فحملوا لفظ «ركعة» على الركعة الكاملة وهذا حقيقة اللفظ. ٣ - أما زيادة «قبل أن يقيم الإمام صلبه» فلا تصح، وغاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهَّم أن معنى الحديث: من أدرك مع الإمام الركوع فقد أدرك الركعة، فزاد هذه الزيادة تفسيرًا في زعمه وقد جوَّز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري فربما التبس على بعض الضعفاء. ٤ - وكذلك حديث: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود .... الحديث» فضعيف لا يحتج به. ٥ - وأما حديث أبي بكرة فلا حجة لهم فيه أصلاً، لأنه ليس فيه أنه اجتزأ بتلك الركعة وأنه لم يقضها. ٦ - وأما الآثار عن الصحابة فهي معارضة بقول أبي هريرة «أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ بأم القرآن» وليس قول بعضهم بحجة على الآخر. الراجح في المسألة: بعد مطالعة أدلة الفريقين فالذي يظهر لي أن أدلة الجمهور لا يُطمأنَّ بمثلها إلى إسقاط رُكني القيام وقراءة الفاتحة، والأصلُ بقاءُ النصوص على عمومها، واشتغالُ الذِّمة بالصلاة كاملة، نعم، لا يُنكر أن للقول بالإدراك قوةً ما لذهاب جماعة من علماء الصحابة إليه فلا لوم على من قَوِيَ عنده ذلك، وأما أنا فلا أزال متوقفًا، وأرى أن من دخل فوجد الإمام راكعًا، ينتظر حتى يرفع من ركوعه ثم يدخل معه ولا يعتد بها؛ خروجًا من الخلاف واحتياطًا لدينه، والله تعالى أعلم. فوائد تتعلق بالمسألة السابقة (على مقتضى مذهب الجمهور): [١] هل يركع دون الصف لإدراك الركوع؟ قد تقدم أن أبا بكرة لما ركع دون الصف قال له النبي ﷺ : «زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ» (١) فنهاه عن العود إلى الركوع دون الصف. وأما حديث عبد الله بن الزبير أنه قال على المنبر: «إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعًا حتى يدخل في الصف، فإذن

стр. 558

ذلك السنة» (١) فإنه على ما في إسناده من كلام يسير، وما في قوله (ذلك سنة) من الخلاف في رفعه، فإنه على كل حال لا يقوى على معارضة حديث أبي بكرة الصحيح، نعم قد ثبت هذا من فعل ابن مسعود وغيره، لكن قد ثبت النهي عنه عن غيره من الصحابة كأبي هريرة، وأُبيِّ بن كعب. فالأولى أن لا يركع دون الصف لصحة النهي وعدم قوة المعارض، وقد قال ﷺ : «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٢) والله أعلم. [٢] هل يشترط الاطمئنان في الركوع لإدراك الركعة؟ (٣). قال بعض الفقهاء: يشترط أن يطمئن المأموم في الركوع قبل ارتفاع الإمام عن حدِّ الركوع المجزئ وأن يجتمع معه في الاطمئنان، وقال كثير منهم: يدرك الركعة بالركوع إن اطمأَّن هو. وبعضهم أطلق، فلم يتعرض لاشتراط الاطمئنان. [٣] إذا شك في إدراك الركوع مع الإمام (٤): فالصحيح أنه لا يُدرك لأن الأصل عدمه، ولأن الحكم بالاعتداد بالركعة بإدراك الركوع -عند من يقول به- رخصة، فلا يصار إليه إلا بيقين. وقيل: يكون مدركًا لأن الأصل بقاء ركوع الإمام وعدم الارتفاع حتى يثبت ارتفاعه بيقين. [٤] هل تجزئه تكبيرة واحدة عند إدراك الركوع؟ (٥). إذا أدرك الإمام في حال الركوع، فإنه تجزئه تكبيرة واحدة، فيكبِّر للإحرام، فيجزئه عن تكبيرة الركوع، ولو كبَّر تكبيرتين: إحداهما للإحرام والأخرى للركوع لكان أحسن. فائدة: لابد أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائمًا، فإن أتى بها أو ببعضها بعد أن انحنى لم تجزئه لأنه أتى بها في غير محلها ولأن القيام فيها ركن.

стр. 559

[٥] هل ينتظر الإمام إذا أحسَّ بالداخل ليدرك الركوع أو الجماعة؟ يُشرع للإمام أن يطوِّل الركعة الأولى أكثر من الثانية، ليدرك الناس الركعة الأولى، كما كان يفعله ﷺ : فعن أبي قتادة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح [فظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى» (١). وعن أبي سعيد قال: «لقد كانت الصلاة تُقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضَّأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطوِّلها» (٢). ومن هنا أخذ بعض القائلين، بإدراك الركعة بالركوع: أن الإمام إذ أحس بداخل -وهو في الركوع- فإنه ينتظره ليدرك الركعة، ما لم يشقَّ انتظاره عليهم، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق (٣). تكرار الجماعة في المسجد الواحد (٤): المسجد لا يخلو من أن يكون له أحد وصفين: [١] مسجد في السوق، أو في طريق الناس وممرِّهم: يتعاقب عليه الناس فوجًا بعد فوج، فهذا يجوز تكرار الجماعة فيه بالاتفاق، من غير كراهة. [٢] مسجد حيٍّ له إمام راتب: فهذا هو محل الخلاف بين العلماء (٥)، والتحقيق أن يقال: إن تكرار الجماعة فيه له حالتان: الأولى: أن يكون أمرًا عارضًا، والأصل أن الجميع - إلا من تأخر لعذر- يصلون مع الإمام الراتب، فأحيانًا يدخل اثنان أو أكثر وقد سلَّم الإمام، فيُشرع

стр. 560

لهم أن يقيموا جماعة أخرى من غير كراهة، والأصل في هذا حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» (١). وقد فعله أنس بن مالك، فعن أبي عثمان قال: «أتانا أنس ابن مالك في مسجد بني ثعلبة فقال: «صليتم؟» -وذلك صلاة الغداة- فقلنا: نعم، فقال لرجل: أذِّن، فأذَّن وأقام ثم صلى في جماعة» (٢). وعن سلمة بن كهيل أن «ابن مسعود دخل المسجد» وقد صلوا، فجمع بعلقمة والأسود ومسروق» (٣). ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة، ولأن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد كما تقدم. الحالة الثانية: أن يكون أمرًا معتادًا راتبًا متواطأ عليه، كأن يتفق كل طائفة (أصحاب مذهب أو نحو ذلك) على أن يصلوا في ناحية من المسجد أو في وقت محدد غير وقت الطائفة الأخرى، فهذا لا شك في كراهته لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ والصدر الأول، ولما فيه من تفرُّق كلمة المسلمين، ولما فيه من الدعوة إلى الكسل عن الجماعة الأولى بحجة انتظار الثانية، فيحصل التواني عن الحضور. وهذا هو ملحظ مالك والشافعي حينما كرها تكرار الجماعة في المسجد الواحد، كما صرَّحا به، والله أعلم. من صلى منفردًا ثم أتى مسجد جماعة فليصلِّ معهم: وهذا مستحب لتحصيل فضل الجماعة، وقد تقدم قول النبي ﷺ للرجلين اللذين رآهما خلف الصف لم يصليا -وقد صليا في رحالهما-: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم فإنها لكما نافلة» (٤). وعن أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ قال: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون

стр. 561

الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فَصَلِّ، فإنها لك نافلة» (١). وعلى استحباب الإعادة مع الجماعة اتفق أهل العلم، ولهم تفصيلات محلُّها كتب الفروع، ومن ذلك استثناء المغرب -عند الحنفية والمالكية والحنابلة (٢) - قالوا: فلا تعاد لأنها وتر النهار وكذلك الوتر، وقد تقدم تحريره. فإن كان صلَّى الفرض في جماعة فهل يعيده إذا أتى الجماعة؟ (٣). الظاهر أنه يستحب كذلك، وبه قال الشافعية والحنابلة، لأن قول النبي ﷺ للرجلين: «صليتما» يصدق بالانفراد والجماعة، ولعموم قوله: «فإنها لكما نافلة» وقوله لأبي ذر: «فإنها لك نافلة». وقد منع الإعادة المالكية واستثنوا من ذلك المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس لفضل تلك البقاع، والأول أظهر، والله أعلم. ما يُفْعَل بعد انقضاء الصلاة استقبال الإمام الناس بعد التسليم ومكثه يسيرًا قبل انصرافه: عن سمرة بن جندب قال: «كان النبي ﷺ إذا صلَّى أقبل علينا بوجهه» (٤). قيل: الحكمة في استقبال المأمومين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، كما في حديث زيد بن خالد الجهني قال: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» ... الحديث (٥). وقيل غير ذلك، وعلى كل حال فهذه هي السنة الحَرِيَّة بالتأسي. ويستحب أن يكون في استقباله لهم إلى جهة يمينه أقرب، فعن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه ... الحديث» (٦).

стр. 562

فائدة: يستحب للإمام -قبل استقبال الناس- أن يمكث مستقبلاً القبلة مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، كما كان يفعل النبي ﷺ ، كما في صحيح مسلم (٥٩٢) عن عائشة وعن البراء بن عازب قال: «رَفَقْتُ الصلاة مع محمد ﷺ فوجدتُ قيامه، فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء» (١). وعن أم سلمة: «أن النبي ﷺ كان يمكث في مكانه يسيرًا ...» (٢). سرعة انصراف النساء عقب الصلوات: عن أم سلمة «أن النبي ﷺ كان يمكث في مكانه يسيرًا» قال ابن شهاب: فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء» (٣). وعنها: «أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كُنَّ إذا سلَّمْنَ من المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرِّجال» (٤). «وهذا محلُّه إذا صلى النساء خلف الرجال مباشرة، وكان خروجهم جميعًا من باب واحد، أما إذا كان هناك باب مستقلٌ للنساء، وهنَّ محتجبات عن الرجال فلهنَّ أن يبقَيْن في مصلاَّهن يسبِّحن ويحمدن ويكبرن ويهلِّلن بالأذكار المعهودة دبر كل صلاة فإن الملائكة تصلي عليهن ما دُمْن في مصلاَّهن ما لم يُحدثن» (٥). قلت: والمستحب أن يكون للنساء باب خاص -لا سيما في زمان الفتنة- فلا يدخل منه الرجال، والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب: «لو تركنا هذا الباب للنساء» فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (٦).

стр. 563

ما يقال عند الخروج من المسجد: عن أبي حميد أو أبي أسيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» (١). طرق من أحكام المساجد أفضل المساجد: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢). وأفضل المساجد: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى لهذا الحديث والآتي بعده. لا تُشدُّ الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٣). فضل بناء المساجد: عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدًا، يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتًا في الجنة» (٤). كراهة زخرفة المساجد والمبالغة في رفعها فوق الحاجة: عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» (٥). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» (٦) [قال ابن عباس: لتُزَخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى]» (٧).

стр. 564

وعن عمر أنه أمر ببناء المساجد فقال: «أَكِنَّ الناس من المطر، وإيَّاك أن تُخَمِّر أو تُصفِّر فتفتن الناس» (١). تنظيف المساجد وتطييبها: عن عائشة أن النبي ﷺ : «أمر ببناء المساجد في الدور، وأمر بها أن تُنظَّف وتُطيَّب» (٢). وعن أبي هريرة «أن رجلاً أسود -أو امرأة سوداء- كان يقمُّ المسجد، فمات، فسأل النبي ﷺ عنه ...» الحديث (٣). وفي لفظ عنه: «إن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان في المسجد» (٤). وعن أنس قال: «رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمَّر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكَّته، وجعلت مكانها خلوقًا (٥) فقال رسول الله ﷺ : «ما أحسن هذا» (٦). صيانتها عن القذر والأوساخ: عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله وقراءة القرآن» (٧). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» (٨). وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «عُرضت عليَّ أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها: النخامة تكون في المسجد لا تُدفن» (٩) قال النووي في شرحه:

стр. 565

«هذا ظاهره أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخامة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حكٍّ أو نحوه» اهـ. ويؤيد هذا حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكَّه» (١). فائدة: من اضطُرَّ إلى التنخُّم في الصلاة ماذا يصنع؟ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتخَّع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يُستقبل فيُتنخَّع في وجهه؟ فإذا تنخَّع أحدكم فيتنخَّع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (٢). منع نشد الضالة في المسجد: المساجد أماكن للعبادة والذكر والطاعة فلا يجوز أن تنشد فيها الضالة (٣)، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا» (٤). منع البيع والشراء في المسجد: فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ : «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه الشِّعر، وأن ينشد فيه الضالة، وعن الحِلق يوم الجمعة قبل الصلاة» (٥). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم ن يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك ...» (٦). وقد حمل الجمهور النهي في هذه الأحاديث على الكراهة. فائدة: أما البيع على باب المسجد -خارجه- فجائز لا كراهة فيه، يدلُّ
следующие страницы →