← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فَصَلِّ، فإنها لك نافلة» (١). وعلى استحباب الإعادة مع الجماعة اتفق أهل العلم، ولهم تفصيلات محلُّها كتب الفروع، ومن ذلك استثناء المغرب -عند الحنفية والمالكية والحنابلة (٢) - قالوا: فلا تعاد لأنها وتر النهار وكذلك الوتر، وقد تقدم تحريره. فإن كان صلَّى الفرض في جماعة فهل يعيده إذا أتى الجماعة؟ (٣). الظاهر أنه يستحب كذلك، وبه قال الشافعية والحنابلة، لأن قول النبي ﷺ للرجلين: «صليتما» يصدق بالانفراد والجماعة، ولعموم قوله: «فإنها لكما نافلة» وقوله لأبي ذر: «فإنها لك نافلة». وقد منع الإعادة المالكية واستثنوا من ذلك المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس لفضل تلك البقاع، والأول أظهر، والله أعلم. ما يُفْعَل بعد انقضاء الصلاة استقبال الإمام الناس بعد التسليم ومكثه يسيرًا قبل انصرافه: عن سمرة بن جندب قال: «كان النبي ﷺ إذا صلَّى أقبل علينا بوجهه» (٤). قيل: الحكمة في استقبال المأمومين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، كما في حديث زيد بن خالد الجهني قال: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» ... الحديث (٥). وقيل غير ذلك، وعلى كل حال فهذه هي السنة الحَرِيَّة بالتأسي. ويستحب أن يكون في استقباله لهم إلى جهة يمينه أقرب، فعن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه ... الحديث» (٦).

стр. 562

فائدة: يستحب للإمام -قبل استقبال الناس- أن يمكث مستقبلاً القبلة مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، كما كان يفعل النبي ﷺ ، كما في صحيح مسلم (٥٩٢) عن عائشة وعن البراء بن عازب قال: «رَفَقْتُ الصلاة مع محمد ﷺ فوجدتُ قيامه، فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء» (١). وعن أم سلمة: «أن النبي ﷺ كان يمكث في مكانه يسيرًا ...» (٢). سرعة انصراف النساء عقب الصلوات: عن أم سلمة «أن النبي ﷺ كان يمكث في مكانه يسيرًا» قال ابن شهاب: فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء» (٣). وعنها: «أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كُنَّ إذا سلَّمْنَ من المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرِّجال» (٤). «وهذا محلُّه إذا صلى النساء خلف الرجال مباشرة، وكان خروجهم جميعًا من باب واحد، أما إذا كان هناك باب مستقلٌ للنساء، وهنَّ محتجبات عن الرجال فلهنَّ أن يبقَيْن في مصلاَّهن يسبِّحن ويحمدن ويكبرن ويهلِّلن بالأذكار المعهودة دبر كل صلاة فإن الملائكة تصلي عليهن ما دُمْن في مصلاَّهن ما لم يُحدثن» (٥). قلت: والمستحب أن يكون للنساء باب خاص -لا سيما في زمان الفتنة- فلا يدخل منه الرجال، والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب: «لو تركنا هذا الباب للنساء» فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (٦).

стр. 563

ما يقال عند الخروج من المسجد: عن أبي حميد أو أبي أسيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» (١). طرق من أحكام المساجد أفضل المساجد: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢). وأفضل المساجد: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى لهذا الحديث والآتي بعده. لا تُشدُّ الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٣). فضل بناء المساجد: عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدًا، يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتًا في الجنة» (٤). كراهة زخرفة المساجد والمبالغة في رفعها فوق الحاجة: عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» (٥). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» (٦) [قال ابن عباس: لتُزَخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى]» (٧).

стр. 564

وعن عمر أنه أمر ببناء المساجد فقال: «أَكِنَّ الناس من المطر، وإيَّاك أن تُخَمِّر أو تُصفِّر فتفتن الناس» (١). تنظيف المساجد وتطييبها: عن عائشة أن النبي ﷺ : «أمر ببناء المساجد في الدور، وأمر بها أن تُنظَّف وتُطيَّب» (٢). وعن أبي هريرة «أن رجلاً أسود -أو امرأة سوداء- كان يقمُّ المسجد، فمات، فسأل النبي ﷺ عنه ...» الحديث (٣). وفي لفظ عنه: «إن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان في المسجد» (٤). وعن أنس قال: «رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمَّر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكَّته، وجعلت مكانها خلوقًا (٥) فقال رسول الله ﷺ : «ما أحسن هذا» (٦). صيانتها عن القذر والأوساخ: عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله وقراءة القرآن» (٧). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» (٨). وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «عُرضت عليَّ أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها: النخامة تكون في المسجد لا تُدفن» (٩) قال النووي في شرحه:

стр. 565

«هذا ظاهره أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخامة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حكٍّ أو نحوه» اهـ. ويؤيد هذا حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكَّه» (١). فائدة: من اضطُرَّ إلى التنخُّم في الصلاة ماذا يصنع؟ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتخَّع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يُستقبل فيُتنخَّع في وجهه؟ فإذا تنخَّع أحدكم فيتنخَّع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (٢). منع نشد الضالة في المسجد: المساجد أماكن للعبادة والذكر والطاعة فلا يجوز أن تنشد فيها الضالة (٣)، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا» (٤). منع البيع والشراء في المسجد: فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ : «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه الشِّعر، وأن ينشد فيه الضالة، وعن الحِلق يوم الجمعة قبل الصلاة» (٥). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم ن يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك ...» (٦). وقد حمل الجمهور النهي في هذه الأحاديث على الكراهة. فائدة: أما البيع على باب المسجد -خارجه- فجائز لا كراهة فيه، يدلُّ

стр. 566

على هذا حديث ابن عمر «أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلَّة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتَ هذه فلبستَها يوم الجمعة؟ ....» الحديث (١). النهي عن إنشاد الشعر القبيح في المسجد: قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «أن النبي ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن يُنشد فيه الشعر ...». وهذا النهي مختص بإنشاد الشعر القبيح، وبما يخرج عن حد الاعتدال بحيث يُخرج المسجد عما بُني له، فقد أباح النبي ﷺ لحسان بن ثابت هجاء المشركين في المسجد: فعن أبي هريرة قال: مرَّ عمر بحسَّان وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟» قال: نعم (٢). النهي عن رفع الصوت في المسجد: ففي حديث السائب بن زيد أن عمر رأى رجلين من أهل الطائف يرفعان أصواتهما فقال: «لو كنتا من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ » (٣). وقد تقدم قريبًا نهي المصلين عن التشويش على بعضهم ورفع الأصوات ولو بقراءة القرآن. قلت: وهذا محمول على ما إذا تفاحش ارتفاع الصوت، وأما إذا لم يتفاحش فيباح للمصلحة كطلب الحق ونحوه، كما في حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَيْنًا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما ...» (٤). الحديث، وفيه أنه لم ينههما عن ذلك، وكذلك يباح رفع الصوت بالعلم والخير.

стр. 567

جواز التحدُّث بالكلام المباح في المسجد: فعن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاَّه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام» قال: «وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم» (١). جواز الأكل والشرب والنوم في المسجد: فعن عبد الله بن الحارث قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخُبز واللَّحم» (٢). وقد ثبت أن امرأة سوداء كانت تسكن في المسجد (٣)، وكذلك أهل الصُّفَّة (٤). وعن ابن عمر: «أنه كان ينام -وهو شاب أعزب- في المسجد» (٥). جواز اللعب في المسجد لمصلحة: فعن عائشة قالت: «جاء حبش يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني النبي ﷺ فوضعت رأسي على منكبيه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي انصرفت» (٦). النهي عن تشبيك الأصابع في المسجد: وقد تقدم تحريره. جواز إدخال المشرك المسجد للمصلحة، عدا المسجد الحرام: لحديث أبي هريرة في قصة ربط ثمامة بن أثال -وكان إذ ذاك مشركًا- في سارية من سواري المسجد، وفيه أن النبي ﷺ أمر بإطلاقه في اليوم الثالث «فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فأسلم» (٧). وأما المسجد الحرام فلا يحلُّ للمشرك دخوله لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٨).

стр. 568

وهذا مذهب الشافعي وابن حزم (١). تحريم بناء المساجد على القبور: عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢). وعن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (٣). صلاة الجمعة (٤) من فضائل يوم الجمعة: ١ - يوم الجمعة أفضل الأيام عند الله تعالى: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة» (٥). وقد أقسم الله تعالى به في كتابه فقال سبحانه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٦). وقال أبو هريرة: «اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» (٧). ٢ - وقد أوقع الله تعالى فيه أمورًا عظيمة: فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي يوم الجمعة مصيخة (٨) حتى تطلع

стр. 569

الشمس شفقًا من الساعة، إلا ابن آدم، وفيه ساعة لا يصادفها مؤمن وهو [قائم] يصلي فيسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه إياه» (١). ٣ - أنه يوم عيد للمسلمين، أكمل الله فيه دينه وأتم نعمته: فعن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ (٢). قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة» (٣). وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبر يل بمثل المرآة البيضاء، فيها نكتة سوداء، قلت: يا جبريل، ما هذه؟ قال: هذه الجمعة، جعلها الله عيدًا لك ولأمَّتِك ...» (٤). ٤ - أن في صلاة الجمعة وفي شهودها فضائل عظيمة: يأتي طرف منها في موضعه إن شاء الله. ما يُفعل ليلة الجمعة ويومها: ١ - يُكره تخصيص ليلة الجمعة بالقيام أو يومها بالصيام: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (٥).

стр. 570

٢ - يستحب أن يقرأ في صلاة فجرها بالسجدة والإنسان: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : «كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بـ «آلم تنزيل» [السجدة] في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ (١) (٢). تنبيهان (٣): (أ) يظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم بهذه السورة قرأ سورة أخرى فيها سجدة، وهذا غلط، والحق أن السجدة جاءت تبعًا وليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها. (ب) لا يستحب أن يقرأ فيها سجدة أخرى، باتفاق الأئمة. ٣ - ويُستحب الإكثار يوم الجمعة من الصلاة على النبي ﷺ : فعن أوس قال: قال النبي ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خُلق آدم وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ». فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ (أي: بليت) قال: «إن الله حرَّم على الأرض [أن تأكل] أجساد الأنبياء» (٤). ٤ - ويستحب قراءة سورة الكهف: لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (٥). ٥ - الإكثار من الدعاء رجاء موافقة ساعة الإجابة: فقد تقدم في حديث أبي هريرة مرفوعًا: «فيه ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه ...» (٦).

стр. 571

وساعة الإجابة آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة على الراجح: لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم الجمعة اثنتا عشرة -يريد ساعة- لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أتاه الله ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (١). وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «التمسوا الساعة التي تُرجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس» (٢). حكم صلاة الجمعة: صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم مكلف إلا من استثناه الدليل، والأصل في فضلها الكتاب والسنة وإجماع الأمة: ١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣). ٢ - عن حفصة أن النبي ﷺ قال: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم وعلى من راح الجمعة، الغُسل» (٤). ٣ - وعن ابن عمر وأبي هريرة سمعا رسول الله ﷺ يقول وهو على أعود منبره: «لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمُعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (٥). ٤ - وعن أبي الجعد الضمري قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك ثلاث جُمع تهاونًا بها، طبع على قلبه» (٦). ٥ - وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد

стр. 572

هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» (١). ٦ - وقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وإنما الخلاف: هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات (٢)، وقد ظهر من الأدلة السابقة أنها فرض على الأعيان، والله أعلم. ويستثنى من وجوب الجمعة عليه: الصبي، والمرأة، والعبد المملوك، والمريض، والمسافر وسائر أصحاب الأعذار، فإن صلاَّها أحدهم صحَّت منه وأسقطت عنه فرض الظهر. فعن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل محتلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (٣). وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك» (٤). ومن الأعذار التي ترخص للمسلم التخلف عن الجمعة: البرد والمطر، لحديث ابن عباس: «أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأنَّ الناس استنكروا ذاك فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض» (٥). الاستعداد لصلاة الجمعة: الغُسْل لصلاة الجمعة: يجب على من جاء إلى صلاة الجمعة -من المخاطبين بها- أن يغتسل في

стр. 573

أصح قولي العلماء، للأدلة التي تقدم ذكرها في «موجبات الغُسل»، ومن ذلك: حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم» (١)، وحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢). ومفهومه أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة وبه قال الجمهور، فلا معنى لاغتسال من يرخَّصُ له في التخلف عن الجمعة (٣). فائدتان: ١ - من أحدث بعد الاغتسال: فيجزئه الوضوء، فإن الحدث إنما يؤثر في الطهارة الصغرى، ولا يؤثر في المقصود من الغسل وهو التنظيف وإزالة الرائحة، ولأنه غسل كغسل الجنابة فلا يؤثر الحدث في إبطاله (٤). ٢ - من أَجْنب يوم الجمعة يجزئه غسل واحد: إذا أصابت الإنسان جنابة يوم الجمعة، فإنه يجزئه غسل واحد عن الجنابة والجمعة إذا نواهما، وهو قول أكثر أهل العلم، قالوا: وجدنا وضوءًا واحدًا وتيممًا واحدًا يجزئ عن جميع الأحداث الناقضة للوضوء، وغسلاً واحدًا يجزئ عن جنابات كثيرة، وغسلاً واحدًا يجزئ عن حيض أيام، وطوافًا واحدًا يجزئ عن عمرة وحج في القران، فوجب أن يكون كذلك كل ما يوجب الغسل. وخالف في هذا ابن حزم فقال بوجوب تعدد الغسل لتعدد أسبابه وأطال في نقد مذهب الجمهور فليراجعه من شاء (٥). ما يستحب قبل الذهاب إلى الجمعة: ١ - مسُّ الطيب -إن وجده- إلا المحرم والمرأة: فعن سلمان قال: قال النبي ﷺ : «لا يغتسل الرجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويدهن من دهنه، ويمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين

стр. 574

اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (١). وأما المحرم فلا يجوز له استعمال الطيب كما سيأتي في «الحج». وأما المرأة فالأدلة كثيرة ومتضافرة في تقرير تحريم خروجها متطيبة ولو للصلاة، ومن ذلك حديث زينب الثقفية عن رسول الله ﷺ قال: «إذا شهدت إحداكن العشاء (وفي رواية: المسجد) فلا تطيَّب تلك الليلة» (٢). ٢ - دلك الأسنان بالسواك ونحوه: لحديث أبي سعيد مرفوعًا: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستَنَّ وأن يمسَّ طيبًا إن وجد ...» (٣) والاستنان: دلك الأسنان بالسواك. ولعموم قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» (٤). ٣ - التزين بلبس أحسن الثياب، وأفضلها البياض: فعن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة ... كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها» (٥) وخير الثياب البياض، لقوله ﷺ : «البسوا من الثياب البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم» (٦). ٤ - اجتناب ما يُتأذى برائحته: كأكل البصل والثوم ونحوهما والتدخين، وقد تقدم الكلام على هذا في صلاة الجماعة.

стр. 575

أفعال المأمومين حال الخُطبة ١، ٢ - التبكير إلى المسجد، والدنو من الإمام: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» (١). وعنه عن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٢). وعن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها» (٣). ٣ - المشي إلى الجمعة، وعدم الركوب لها إلا لحاجة: عن أوس بن أوس أن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة وغسَّل، وغدا وابتكر، ومشى ثم لم يركب، ودنا من الإمام، وأنصت ولم يلغ: كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها» (٤). وعن عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار» (٥). ٤ - صلاة تحية المسجد قبل الجلوس: فعن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة -والنبي ﷺ يخطب- فقال: «أصليت؟» قال: لا، قال: «فصلِّ ركعتين» (٦) وفي لفظ «قم فاركع ركعتين

стр. 576

وتجوز فيهما» وفيه أنه إذا جلس ولم يصلِّ فيستحب أن يقوم ليصليهما -ولو كان الإمام يخطب- ويخففهما وله أن يزيد من التنفُّل ما شاء قبل خروج الإمام عند جمهور العلماء (١) لحديث سلمان المتقدم مرارًا: «... ثم يُصلِّي ما كتب اله ثم يُنصت إذا تكلَّم الإمام غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٢). فائدة: ليس للجمعة سنة قبلية: فإذا انتهى الأذان لم يجز أن يقوم الناس لصلاتها البتة (٣) وهذا أصح قولي العلماء، وبه قال الحنفية ومالك والشافعي وأكثر أصحابه -خلافًا للنووي وغيره- وهو المشهور في مذهب أحمد (٤)، وعليه تدلُّ السنة، فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته فإذا رقى المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم إذا فرغ بلال من الأذان قامُوا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة. ومما يؤيد هذا حديث ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة» (٥). فهذا نص صريح في أن الجمعة عند الصحابة مستقلة بنفسها عن الظهر، فلما لم يذكر لها سنة إلا بعدها، عُلم أنه لا سنة لها قبلها، والله أعلم. وقد ذهب قوم من الشافعية -منهم النووي- إلى إثبات السنة القبلية للجمعة ولهم جملة استدلالات جمعتها والردود عليها في كتاب «اللمعة». ٤ - عدم التحلُّق أو الاجتماع لدرس قبل الجمعة: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تُنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه الشِّعر، ونهى عن التحلق مثل الصلاة يوم الجمعة» (٦).

стр. 577

ولهذا التحلق معنيان، لغوي وشرعي: فأما اللغوي، فمن الحلقة، وهي الجمعة من الناس مستديون كحلقة الباب والتحلُّق تفعُّل منها، وهو أن يتعمدوا ذلك. وأما الشرعي: فهو الاجتماع للدرس ولو من غير تحلُّق، وكلاهما داخل في النهي الوارد في الحديث (١)، والله أعلم. أذان الجمعة الأذان إذا جلس الخطيب على المنبر: عن السائب بن يزيد قال: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان خلافة عثمان ﵁ -وكثروا- أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتَّم الصلاة بمنى» (٢) وفي هذا الحديث فائدتان: الأولى: أن الأذان يوم الجمعة يكون جلوس الإمام على لمنبر. الثانية: أن السنة الأذان الواحد للجمعة حين جلوس الإمام، وأما فعل عثمان ﵁ فلا يحسن الاقتداء به في عصرنا، فهو إنما زاد الأذان الأول لعلة معقولة وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد النبوي فأراد إعلامهم بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، فمن صرف النظر عن هذه العلة، وتمسك بأذان عثمان مطلقًا لا يكون مقتديًا به ﷺ بل هو مخالف له حيث لم ينظر بعين الاعتبار إلى تلك العلة التي لولاها لما كان لعثمان أن يزيد على سنة النبي ﷺ وخليفتيه. ولا يخفى أن هذا الإعلام حاصل في عصرنا بدون زيادة هذا الأذان، إذ لا يكاد المرء يمشي خطوات حتى يسمع أذان الجمعة من على المنارات وقد وضع عليها الآلات المكبرة للأصوات مع انتشار «ساعات ضبط الوقت» ونحو ذلك (٣).

стр. 578

ومع هذا فقد كان ابن عمر ينكر على عثمان الأذان الأول، فيقول: «إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر، أذَّن بلال، فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة» (١). وعلى كلٍّ فإن وجد السبب المقتضي للأخذ بأذان عثمان ﵁، وضع في مكان الحاجة والمصلحة وإلا فلا يزاد على سنة النبي ﷺ وصاحبيه، والله أعلم. لأذان الجمعة وقتان: (أ) عند الزوال وعند جلوس الإمام على المنبر: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن وقت الجمعة وقت الظهر بعد الزوال لأن الجمعة بدل عن الظهر (!!) إلا أنهم استحبوا تعجيلها في أول وقتها بعد الزوال واستدلوا: ١ - بحديث سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» (٢). ٢ - وحديث أنس: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٣). (ب) قبل الزوال إذا جلس الإمام على المنبر: وقد أجازه الإمام أحمد ﵀ واستدل بالحديثين السابقين، فظاهرهما أن الصلاة هي التي كانت حين الزوال فدلَّ ذلك على أن الأذان قبل ذلك، وأصرح منهما: ٣ - حديث جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا، فنزيحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح» (٤). وقد صحت عدة آثار عن الصحابة ﵃ تفيد جواز الأذان للجمعة قبل الزوال، منها:

стр. 579

٤ - عن أبي رزين قال: «كنا نصلي مع عليٍّ الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجده» (١). ٥ - عن عبد الله بن سلمة قال: «صلى بنا عبد الله (يعني: ابن مسعود) الجمعة ضحىً، وقال: خشيت عليكم الحر» (٢). ٦ - عن بلال العبسي: «أن عمَّارًا صلى بالناس الجمعة والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزل» (٣). ٧ - وعن سماك بن حرب قال: «كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس» (٤). يحرم البيع بعد أذان الجمعة: لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...﴾ (٥). والنهي -عند الجمهور- يشمل البيع والنكاح وسائر العقود، وقال الحنابلة، ووافقهم ابن حزم: لا يحرم غير البيع. وهل يصح البيع بعد الأذان؟ قولان للعلماء مبنيان على أن النهي هل يقتضي الفساد مطلقًا أم لا؟ والجمهور من الحنفية والشافعية وبعض المالكية على صحته لأن المنع منه لمعنى في غير البيع خارج عنه وهو ترك السعي، فكان البيع في الأصل جائزًا لكنه يكره تحريمًا. والمشهور عند المالكية والحنابلة أن البيع فاسد غير منعقد. خطبة الجمعة وأحكام الخطيب حكمها: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن خطبة الجمعة شرط لصحة الجمعة (٦) واستدلوا بما يأتي:

стр. 580

١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) والذكر في الآية: الخطبة، لأمرين: (أ) أن النبي ﷺ قال: «... فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٢) فسمَّى الخطبة ذكرًا، وعليه فإذا كان السعي للخطبة واجبًا وهو وسيلة فيلزم منه وجوب الخطبة وهي الغاية. (ب) أن الله تعالى أمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، وبالتواتر القطعي كان النبي ﷺ إذا أذن المؤذن خطب، فعُلم أن السعي إلى الخطبة واجب. ٢ - مداومة النبي ﷺ على الخطبة في كل جمعة، ولم يصلها مرة بدونها. ٣ - تحريم الكلام حين الخطبة ووجوب الاستماع للخطبة. فإن قيل: هذه الأدلة لا تدل على الشرطية؟! فيقال: هذه الصلاة وجبت بهذه الصفة التي واظب عليها رسول الله ﷺ ، فمن قصر بها عما كان عليه العمل فإنه لم يؤدِّ ما وجب عليه، وهو واضح في الشرطية، وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٣) أي مردود باطل، ويدلُّ على هذا أنه إن لم يخطب يصلي أربعًا، والجمعة لا تكون أربعًا، فهي إذن ظهر. ويجب أن يخطب خطبتين واقفًا يجلس بينهما إلا لعذر: وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، ووجوبه ظاهر -كما تقدم- من المواظبة على الفعل الذي هو بيان لصفة هذه الصلاة الواجبة، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اكتفى بخطبة واحدة وأنه خطب جالسًا، فعن جابر بن سمرة: «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد -والله- صليت معه أكثر من ألفي صلاة». وفي رواية: «فما رأيته إلا قائمًا». وعن كعب بن عجرة أنه: «دخل المسجد -وعبد الله بن أم الحكم يخطب

стр. 581

قاعدًا- فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ (١) (٢). الحدُّ المجزئ في الخطبة: اختلفت أقوال العلماء في الحد المجزئ في الخطبة، والتحقيق أن يقال (٣): «ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاد الرسول ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت، وأما اشتراط الحمد لله أو الصلاة على رسول الله أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة عليه، وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقامًا ويقول مقالاً شرع بالثناء على الله وعلى رسوله ﷺ ، وما أحسن هذا وأولاه، ولكن ليس هو المقصود بل المقصود ما بعده، ولو قال قائل إن من قام في محفل من المحافل خطيبًا ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولاً، بل كل طبع سليم يمجه ويرده، وإذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله ﷺ أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتم وأحسن» اهـ. قلت: وهو السنة كما سيأتي إن شاء الله. ما يستحب في الخطبة: ١ - ابتداؤها بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله والتشهد: عن جابر قال: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة، يحمد الله ويثني عليه [بما هو أهله ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله]» (٤).

стр. 582

وفي حديث أبي حميد الساعدي: «أن رسول الله ﷺ قام عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد» (١). ويستحب أن يبدأ بخطبة الحاجة: فعن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ في خطبة الحاجة: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، [ثم قرأ ثلاث آيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٤)» (٥). وعن جابر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: «بُعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار ....» الحديث (٦). وقد صح عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ أنهما كانا يستفتحان بهذا خطبة الجمعة وغيرها. ٢ - تفخيم أمر الخطبة ورفع الصوت: وقد تقدم في حديث جابر: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم» (٧).

стр. 583

٣ - تقصير الخطبة وتطويل الصلاة: عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئينَّةٌ من فقهه، فأطيلوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطبة، فإن من البيان لسحرًا» (١) والمئنة: العلامة والمظنة. وعن جابر بن سمرة قال: «صليت مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا». وفي رواية: «لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، وإنما هنَّ كلمات يسيرات» (٢). قلت: في تقصير الخطبة فائدتان: عدم الملل، وأنها أوعى للسامع وأحفظ له، لكن قد يستدعي فقه الخطيب وذكاؤه -أحيانًا- إطالة الخطبة لاقتضاء الحال ذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يخطب بسورة (ق) وبـ (تبارك) وهذا مع ترتيله والوقوف على كل آية يطيل الخطبة ولابد، فالمقصود مراعاة حال الناس وحاجتهم، والله أعلم. ٤ - قراءة آيات من القرآن في الخطبة: (أ) عن جابر بن سمرة قال: «كان النبي ﷺ يجلس بين الخطبتين، ويذكر الناس ويقرأ آيات من القرآن» (٣). (ب) وعن صفوان بن يعلي عن أبيه: «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ ...» (٤). (جـ) عن أم هشام قالت: «ما حفظت سورة (ق) إلا من فيِّ رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة» (٥). ٥ - النزول من على المنبر للسجود إذا قرأ بآية سجدة: وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب وأبي موسى الأشعري وعمار بن ياسر، وقد تقدم في «سجود التلاوة».

стр. 584

٦ - الدعاء للمسلمين في الخطبة: يُروى عن سمرة «أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة» (١) لكنه ضعيف جدًّا لا يحتج به، وإن كان العمل عليه عند أهل العلم. وعلى كلٍّ فإنه يستفاد استحباب الدعاء في الخطبة من حديث عمارة بن رؤيبة: أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه [يدعو] فقال: «قبَّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة» (٢). ففيه فائدتان: ١ - إثبات أن النبي ﷺ كان يدعو في خطبته. ٢ - كراهة رفع الإمام يديه إذا دعا على المنبر، وأن السنَّة أن يشير بإصبعه السبابة، ويؤيده حديث سهل بن سعد قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قطُّ يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى والإبهام» (٣). وهذا أحد الوجهين عند الحنابلة واختاره شيخ الإسلام (٤). تنبيه: يستثنى مما تقدم دعاؤه في الاستسقاء فالثابت فيه -خاصة- رفع اليدين كما تقدم في الاستسقاء، والله أعلم. ما يباح للخطيب في الخطبة: ١ - الاعتماد على عصا أو نحوها في الخطبة: ففي حديث الحكم بن حزين الكلفي -في قصة وفوده على النبي ﷺ : «.. فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه ... الحديث» (٥).

стр. 585

وفي حديث فاطمة بنت قيس -في قصة الجساسة-: ... قال رسول الله ﷺ -وطعن بمخصرته في المنبر-: «هذه طيبة ...» الحديث (١) والمخصرة: ما يمسكه الإنسان من عصا أو عكازة. ٢ - أن يكلِّم من شاء من الحاضرين لحاجة: كأن يأمر الداخل بصلاة ركعتي التحية أو أن يأمر من يتخطى الرقاب بالجلوس، أو أن يسأل أحدهم عن شيء، أو أن يجيب من سأله، أو يأمر أحدهم بالدخول ونحو ذلك. وكل ذلك ثبت عن النبي ﷺ ، ولعله تقدم بعض ذلك ويأتي بعض إن شاء الله. ٣ - حث الناس على التصدق على فقير إذا رآه: عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل يوم الجمعة -والنبي ﷺ يخطب- بهيئة بذة، فقال له رسول الله ﷺ : «أصليت» قال: لا، قال: «صلِّ ركعتين» وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين ...» (٢). تنبيه: التصدق على الفقير في الخطبة محمول على ما إذا سكت الإمام عن الكلام، وأما ما انتشر في مساجد المسلمين من قيام خادم المسجد بالمرور على المصلين بصندوق يجمع فيه صدقاتهم - والإمام يخطب- فلا شك في أنه غير مشروع، لعموم الأدلة الآمرة بالإنصات للخطبة وتحريم الكلام والعبث أثناءها كما سيأتي. ٤ - قطع الخطبة لاشتغال تعرض له ثم يعود لخطبته: وفي هذا أحاديث منها: حديث جابر بن عبد الله -في قصة اتخاذ النبي ﷺ المنبر بعد أن كان يخطب على جذع نخلة-: «.. فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمَّه إليه، يئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها» (٣). وحديث أبي رفاعة قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل عليَّ

стр. 586

رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (١). ٥ - الفصل بين الخطبة والصلاة للاشتغال بالحاجة تعرض له: فعن أنس قال: «لقد رأيت النبي ﷺ بعد ما تقام الصلاة يكلِّمه الرجل يقوم بينه وبين القبلة، فما زال يكلمه، فلقد رأيت بعضنا ينعس من طول قيام النبي ﷺ له» (٢). أفعال المأمومين حال الخُطبة ١ - الدُّنُو من الإمام: عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخَّر في الجنة وإن دخلها» (٣). وعن أوس بن أوس عن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام وأنصت ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة» (٤). ٢ - استقبال الإمام بوجوههم وهو يخطب: يستحب للمأمومين أن يستقبلوا الإمام بوجوههم وهو يخطب، ولا يصح في هذا شيء مرفوع عن النبي ﷺ ، لكن ثبت عن ابن عمر أنه «كان لا يقعد الإمام حتى يستقبله» (٥). وعن أنس أنه «جاء يوم الجمعة فاستند إلى الحائط، واستقبل الإمام» (٦). قال الترمذي (٢/ ٢٨٣): «والعمل على هذا عند أهل العلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب» اهـ.

стр. 587

٣ - الإنصات للخطبة، وعدم الكلام في أثنائها: تقدم في حديث سلمان أن النبي ﷺ قال: «لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ... ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (١). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت -والإمام يخطب فقد لغوت» (٢). وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «... ومن لغا وتخطَّى رقاب الناس، كانت له ظهرًا» (٣) يعني: نقص أجره، ولم تكن له جمعة كاملة. وقد ذهب الجمهور إلى تحريم كلام الحاضرين مع بعضهم. فائدتان: الأولى: إذا تكلم بعض الحاضرين، فيجوز إسكاته إشارةً، فعن أنس قال: «بينما رسول الله ﷺ يومًا قائمًا يخطب على المنبر، قام رجل فقال: متى قيام الساعة يا نبي الله؟ فسكت عنه، وأشار الناس إليه: أن اجلس، فأبى ...» الحديث (٤). قلت: ويلحق بهذا رد السلام على من سلَّم، فلا يكون إلا إشارة. الثانية: أن الكلام مع الإمام (الخطيب) جائز أثناء الخطبة للحاجة، سواء ابتدأه بالكلام أو ردَّ على تكليمه له، ففي حديث أنس قال: «أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية ...» الحديث (٥). وفي قصة سليك الغطفاني لما دخل المسجد فجلس -والنبي ﷺ يخطب- قال ﷺ : «هل صليت ركعتين؟» قال: لا، قال: «قم فاركع ركعتين» (٦).

стр. 588

٤ - لا يجوز تخطِّي رقاب الناس، ولا التفريق بين اثنين: فعن عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطَّى رقاب الناس، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس، فقد آذيت وآنيت» (١). وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو: «... ومن لغا وتخطَّى رقاب الناس كانت له ظهرًا» (٢). ويستثنى من الوعيد ما إذا وجد فرجة بين اثنين، لأن التفريط يكون منهم وليس من المتخَطي فلا حرمة لهم، وكذلك من عرضت له حاجة فخرج ثم أراد أن يعود إلى مكانه. وفي حديث سلمان مرفوعًا «... ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلى ما كُتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣). والتفريق بين اثنين يتناول القعود بينهما، وإخراج أحدهما والقعود مكانه وقد يطلق على مجرد التخطِّي، وفي التخطي زيادة رفع رجليه على رءوسهما وكتفيهما. ٥ - لا يقيم الرجل ويقعد مكانه: فعن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: أفسحوا» (٤). وقوله (أفسحوا) ما لم يكن الإمام يتكلم، وإلا أشار إليه. ٦ - من نعس فليتحول من مجلسه: عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا نعس أحدكم [في مجلسه يوم الجمعة] فليتحول من مجلسه ذلك [إلى غيره]» (٥). والحكمة في الأمر بالتحول: أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه (٦).

стр. 589

٧ - هل يجوز الاحتباء في الخطبة؟ ورد عن معاذ بن أنس عن أبيه «أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» (١). والحديث مختلف فيه، والأرجح ضعفه، ولذا رخَّص في الحبوة أكثر أهل العلم. والاحتباء: هو أن ينصب الرجل ساقيه، ويدير عليهما ثوبه، أو يعقد يديه على ركبتيه معتمدًا على ذلك، قال ابن الأثير: نهى عنها لأن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع الخطبة، ويعرض طهارته للانتقاض. قلت: إن كان كذلك، فتركه أولى وإن لم يصحَّ الحديث، والله أعلم. ٨ - إذا تذكر -أثناء الخطبة- صلاة فرض كان نسيها أو نام عنها: أن يقوم ويقضيها والإمام يخطب، لحديث أنس أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة [أو نام عنها] فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» (٢). أفعال في صلاة الجمعة صلاة الجمعة ركعتان أصلاً: فليست أربعًا مقصورة، لحديث عمر بن الخطاب قال: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ » (٣). وقد أجمع أهل العلم على أن صلاة الجمعة ركعتان. ما يستحب القراءة به في الصلاة: عن أبي رافع أن أبا هريرة صلى الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: «إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة» (٤).

стр. 590

وعن النعمان بن بشير قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» (١). المسبوق في صلاة الجمعة: من جاء إلى الجمعة، دخل مع الإمام في صلاته على أي وضع كان، فإن أدرك مع الإمام ركعة واحدة [على الاختلاف المتقدم في إدراك الركعة] فإنه يضيف إليها أخرى بعد ما يسلم إمامه، فإن لم يدرك الركعتين كأن وجدهم سجودًا أو قعودًا [أو ركوعًا عند من لا يرى الاعتداد بالركعة] في الثانية، فإنه يقضي أربعًا، بهذا أفتى أصحاب رسول الله ﷺ : فعن ابن عمر قال: «إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة: صلى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا» (٢). وعن ابن مسعود قال: «من أدرك الركعة فقد أدرك الجمعة، ومن لم يدرك الجمعة فليصلِّ أربعًا» (٣). وقد حكاه شيخ الإسلام كذلك عن أنس، قال: «ولا يُعلم لهم في الصحابة مخالف، وحكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة» اهـ. وهو قول الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. الزحام في صلاة الجمعة: ١ - من زوحم يوم الجمعة: فإن قدر على الركوع والسجود كيف أمكنه فعل، ولو على ظهر أخيه، أو إيماءً، ويجزئه، لأن هذا غاية وسعة، ولا فرق بين العجز عن الركوع والسجود بمرض أو خوف أو بمنع الزحام، وقال عمر بن الخطاب: «إذا اشتد الزحام، فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» (٤). وهذا قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم.

стр. 591

٢ - وإن ضاق المسجد وامتلأت الرحاب واتصلت الصفوف، فتجوز الصلاة في الدور والبيوت المتصلة بالصفوف وعلى ظهر المسجد، ولو حال بينه وبين الإمام حائط أو نحوه لم يضره، وقد تقدم تحريره في «صلاة الجماعة». السُّنة بعد الجمعة: يستحب -بعد صلاة الجمعة- أن يصلي ركعتين أو أربعًا، وهي في البيت أفضل: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من كن منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلِّ بعدها أربعًا [فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت]» (١). وعن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته» (٢). مسائل متفرقة العدد الذي تصح به الجمعة (٣): صلاة الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه، وشعار من شعائر الإسلام، وصلاة من الصلوات، فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة، فعليه الدليل، ولا دليل، والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد حتى بلغت إلى خمسة عشر قولاً (٤)، ليس على شيء منها دليل يستدل به قط، إلا قول من قال: تنعقد بما ينعقد به سائر الجماعات، أي: بواحد مع الإمام، كيف والشروط إنما ثبتت بأدلة خاصة تدل على انعدام المشروط عند انعدام الشرط؟! فإثبات هذه الشروط بما ليس بدليل أصلاً مجازفة بالغة، وجرأة على التقوُّل على الله وعلى رسوله وعلى شريعته.

стр. 592

ولو كان لله تعالى في عدد دون عدد مراد، لبيَّن ذلك في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ . السُّنة أن لا تتعدد الجمعة في البلد الواحد إلا لحاجة: كعدم استاع المسجد الواحد لعدد المصلين ونحو ذلك، وإلا فإنه لم يُختلف أنه لم تكن الجمعة تُصلى في عهد رسول الله ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد رسول الله ﷺ ، ويعطل سائر المساجد. وأما ما نراه في هذه الأيام من الإفراط في تكثير المساجد التي تقام فيها الجُمَع بحيث تقام في المساجد الصغيرة في الشوارع والحارة المتقاربة مع إمكان الاستغناء عنها بكبار المساجد، فلا شك أنه مما يقسم الأمة تقسيمًا يُرثى له، ويخرج الجمعة عن موضوعها (١). إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، فللعلماء فيمن صلى العيد يومئذ قولان: القول الأول: تجب عليه الجمعة كذلك، وهو قول أكثر الفقهاء (٢)، لكن الشافعية أسقطوها عن أهل القرى دون الأمصار، وحجة هذا القول: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣). ٢ - الأدلة المتقدمة في وجوب صلاة الجمعة. ٣ - ولأنهما صلاتان واجبتان (على خلاف في وجوب صلاة العيد) فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد. ٤ - أن الرخصة في ترك الجمعة ممن صلى العيد مختصة بمن تجب عليهم الجمعة من أهل البوادي، فعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع

стр. 593

عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: «يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له» (١). القول الثاني: تسقط عنه الجمعة: لكن يستحب للإمام أن يقيمها ليشهدها من شاء ومن لم يصلِّ العيد، وهو قول جمهور الحنابلة، وهو مروي عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن عمر وابن عباس وابن الزبير ﵃ (٢) واستدل لهذا المذهب بحديثين مرفوعين ضعيفين، وجملة آثار صحيحة. ١ - ما رُوى عن إياس بن أبي رملة قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة، قال: «من شاء أن يصلي فليصلِّ» (٣). ٢ - ما رُوى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون» (٤). ٣ - أثر عثمان المتقدم وفيه: «... ومن أحب أن يرجع فقد أذنتُ له» وأما قول الفريق الأول بأن هذا خاص بأهل البوادي ممن لا تجب عليهم الجمعة، فيقال: إذا كان كذلك فما فائدة قوله «أذنت له»؟! ٤ - عن عطاء قال: «صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج، فصلينا وحدنا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا له ذلك، فقال: «أصاب السنة» [فبلغ ذلك ابن الزبير

стр. 594

فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا]» (١) وقول الصحابي: أصاب السنة، له حكم الرفع على الراجح. ٥ - وفي تمام قصة ابن الزبير من طريق هشام بن عروة عن وهب بن كيسان، قال هشام: فذكرت ذلك لنافع، فقال: «ذكر لابن عمر فلم ينكره» (٢). ٦ - وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: اجتمع عيدان في عهد عليٍّ فصلى بهم العيد ثم خطب على راحلته، فقال: «أيها الناس، من شهد منكم العيد فقد قضى جمعته إن شاء الله» وفي رواية: «من أراد أن يجمع فليجمع ومن أراد أن يجلس فليجلس [قال سفيان: يعني: يجلس في بيته]» (٣). ٧ - قالوا: لا يُعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في هذا الحكم. وقد أجاب الجمهور: عن هذه الآثار بأنها محمولة على أهل البوادي ممن لا تجب عليهم الجمعة!! قال ابن عبد البر: «وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا، لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه ...» اهـ. قلت: والراجح أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد للآثار المتقدمة عن الصحابة وعدم ورود ما يخالفه عن أحدهم، وهذا لا شك يعضِّد المرفوع، على أن قول ابن عباس «أصاب السنة» له حكم الرفع، وأما حمل جميع هذه الآثار على من لا تجب عليه الجمعة، فلا يخفى تكلفه، ولئن سلم في أثر عثمان فلا يسلم في غيره كما هو واضح والله أعلم. ويستحب أن يقيم الإمام الجمعة: ليشهدها من شاء ومن لم يصلِّ العيد، ويستفاد هذا من حديث النعمان بن بشير المتقدم في قراءة النبي ﷺ في العيدين والجمعة بالأعلى والغاشية، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين» (٤).

стр. 595

من صلى العيد وتخلَّف عن الجمعة فهل يلزمه الظهر؟ جاء في أثر عطاء -في قصة ابن الزبير-: «فصلَّى الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر، ثم لم يزد عليهما حتى صلى العصر، قال: فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك، وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه، قال: ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ حتى بلغنا أن العيدين كانا إذا اجتمعا كذلك صليا واحدة» (١). قال الشوكاني «ظاهره أنه لم يصلِّ الظهر، وفي أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوِّغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر ... والظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن الجمعة، الأصل، وأنت خبير بأن الذي افترضه الله تعالى على عباده في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، فإيجاب الظهر على من تركها لعذر أو لغير عذر محتاج إلى دليل، ولا دلي يصلح للتمسك به على ذلك فيما أعلم» اهـ (٢). قلت: أما إسقاط الظهر عمن لم يصلِّ الجمعة وقد صلى العيد فلا أعلم أن أحدًا من الصحابة وافقه عليه، على أنه قد جاء عن عطاء -نفسه- قال: «اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد، ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعًا» (٣). فالنفس لا تطمئن لإسقاط الظهر، بل والأفضل أن يحضر الجمعة كذلك خروجًا من الخلاف، والله أعلم. إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة: فإن الحجيج لا يُصلون الجمعة، وإنما يصلوُّن الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ويخطبهم الإمام قبل ذلك خطبة عرفة، كما فعل النبي ﷺ ، وسيأتي في «الحج» إن شاء الله. صلاة العيدين الحكمة في مشروعية العيدين: أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه، ويخرجون من بيوته بزينتهم (٤). عن أنس ﵁ قال: قدم النبي ﷺ ، ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في

стр. 596

الجاهلية، فقال: «قدمتُ عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم النحر ويوم الفطر» (١). «أي: لأن يومي الفطر والنحر بتشريع الله تعالى، واختياره لخلقه، ولأنهما يعقبان أداء ركنين عظيمين من أركان الإسلام، وهما: الحج والصيام، وفيهما يغفر الله للحجيج والصائمين، وينشر رحمته على جميع خلقه الطائعين، وأما النيروز والمرجان، فإنهما باختيار حكماء ذاك الزمان لما فيهما من اعتدال الزمن والهواء ونحو ذلك من المزايا الزائلة، فالفرق بين المزيَّتين ظاهر لمن تأمر ذلك» (٢). حكم صلاة العيدين: اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيدين على ثلاثة أقوال: الأول: أنها واجبة على الأعيان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد أقوال الشافعي ورواية عن أحمد وبه قال بعض المالكية واختاره شيخ الإسلام (٣)، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، والأمر للوجوب. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥). والأمر بالتكبير في العيدين أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى. ٣ - ملازمة النبي ﷺ لهذه الصلاة في العيدين، وعدم تركها في عيد من الأعياد، ومداومة خلفائه والمسلمين من بعده عليها. ٤ - أمر الناس بالخروج إليها حتى النساء وذوات الخدور والحيَّض -وأمرهنَّ أن يعتزلن المصلى- حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها، وسيأتي الحديث بهذا. ٥ - أنها من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة، ولذلك يجب قتال الممتنعين من أدائها بالكلية. ٦ - أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد كما تقدم، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا.

стр. 597

الثاني: أنها واجبة على الكفاية: فلو قام بها بعضهم سقطت عن الباقين، وهو مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (١)، وحجتهم أدلة الفريق الأول، لكنهم قالوا: لا تجب على الأعيان لأنه لا يشرع لها الأذان، فلم تجب على الأعيان كصلاة الجنازة ولَوَجبت خطبتها، ووجب استماعها كالجمعة. الثالث: أنها سنة مؤكدة وليست بواجبة: وهو مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابهما (٢) وحجتهم: ١ - قوله ﷺ للأعرابي لما ذكر الصلوات الخمس فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع» (٣) وما في معناه. ٢ - أنها صلاة ذات ركوع وسجود (!!) لم يشرع لها أذان، فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى. والراجح: القول الأول لما تقدم من الأدلة، وأما القول بأنها سنة مؤكدة فضعيف، وأما حديث الأعرابي فلا حجة فيه، لأنه خصَّ الخمس بالذكر لتأكيدها ووجوبها على الدوام، وتكررها في كل يوم وليلة وغيرها يجب نادرًا كصلاة الجنازة والنذر وغير ذلك. وأما القول بأنها فرض كفاية فلا ينضبط، ثم هو إنما يكون فيما تحصل مصلحته بفعل البعض، كدفن الميت، وقهر العدو، وليس يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض، بل صلاة العيد شرع لها الاجتماع أعظم من الجمعة، فإنه أمر النساء بشهودها ولم يؤمرن بالجمعة وأذن لهن فيها وقال: «صلاتكن في بيوتكن خير لكنَّ»، والله أعلم. وقت صلاة العيدين: يبتدئ وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح (أي: بعد مضي وقت الكراهة) وينتهي بزوال الشمس، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٤): فعن عبد الله بن بسر -صاحب النبي ﷺ أنه خرج مع الناس يوم فطرٍ أو

стр. 598

أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: «إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه» وذلك حين التسبيح (١). فائدة: الأفضل أن تُصلى صلاة الأضحى في أول الوقت ليتفرغ المسلمون بعدها لذبح أضاحيهم، ويستحب تأخيرها قليلاً عن هذا الوقت في صلاة الفطر، ليتمكن الناس من إخراج زكاة الفطر (٢). حكمها إذا فات وقتها: لفوات صلاة العيد عن وقتها ثلاث صور (٣): الأولى: أن لا يعلموا بالعيد إلا بعد زوال الشمس: فهذا عُذْر يجوِّز تأخيرها إلى اليوم الثاني سواء كان العيد عيد الفطر أو الأضحى، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومةٍ له من أصحاب النبي ﷺ يشهدون: «أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» (٤). الثانية: أن يؤخروا -جميعًا- صلاة العيد عن وقتها لغير العذر المتقدم: فإن كان العيد عيد فطر سقطت أصلاً ولم تُقضى، وإن كان عيد أضحى جاز تأخيرها إلى ثالث أيام النحر، أي: يصح قضاؤها في اليوم الثاني، وإلا ففي اليوم الثالث من ارتفاع الشمس إلى أول الزوال سواء كان لعذر أو لغير عذر، لن تلحقهم الإساءة إن كان لغير عذر. الثالثة: أن تؤدى في وقتها من اليوم الأول لكنها تفوت بعض الأفراد: فعند الحنفية والمالكية لا يُشرع قضاؤها لأنها صلاة لم تشرع إلا في وقت معين وبقيود خاصة فلابد من تكاملها جميعًا ومنها الوقت. وأجاز الشافعية قضاءها في أي وقت شاء وكيفما كان منفردًا أو جماعة، بناء على أصلهم في مشروعية قضاء كل النوافل.

стр. 599

ومنع الحنابلة قضاءها لكن قالوا: مخيَّر، إن شاء صلاها أربعًا إما بسلام واحد أو بسلامين. قلت: وهذا الأخير ضعيف، أو مبناه على التشبيه بالجمعة!! الراجح الذي يظهر لي في الصور الثلاث جميعًا أن من فاتته صلاة العيد، فإن كان لعذر جاز أداؤها في اليوم التالي، وإن لم يكن لعذر لم يقض على ما تقدم في قضاء الفوائت، والله أعلم. مكان أدائها: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأولَّ شيء يبدأ به الصلاة ...» (١). «والسُّنَّة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى [في الصحراء أو في مفازة واسعة] لأن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة، خرج ﷺ وتركه ...» (٣). إلا أن يكون هناك عذر كمطر (٤) ونحوه، أو أن يضعف بعض الناس -لمرض أو كبر سنٍّ- عن الخروج فلا حرج حينئذٍ في الصلاة في المسجد. وليُعلم أن الهدف من الصلاة اجتماع المسلمين في مكان واحد، فلا ينبغي تعدد المصليَّات من غير حاجة في الأماكن المتقاربة كما تراه في بعض المدن الإسلامية «بل قد أصبحت بعض (المصليَّات) منابر حزبية لتفريق كلمة المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٥). فائدة: صلاة العيد بمكة: الأفضل الصلاة في المسجد الحرام، فإن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة بالمسجد الحرام، وهو أفضل من الخروج إلى المصلى (٦).

стр. 600

الخروج إلى المصلى وآدابه: ١ - يستحب الغُسل قبل الخروج: فعن نافع أن ابن عمر: «كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى» (١). سئل علي بن أبي طالب عن الغسل فقال: «يوم الجمعة، يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر» (٢). ٢ - التجمُّل ولبس أحسن الثياب: والأصل في استحباب هذا حديث ابن عمر قال: أخذ عمر جُبَّةً من إستبرق تُباع في السوق، فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اتْبَع هذه، تجمَّل بها للعيد والوفود ...» (٣) الحديث «ومنه عُلم أن التجمل يوم العيد عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي ﷺ فعلم بقاؤها» (٤). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ : «كان يلبس يوم العيد بردة حمراء» (٥). ٣ - الأكل قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر خاصة: عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (٦). وعن بريدة قال: «كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته» (٧). والحكمة في الأكل قبل خروجه في عيد الفطر أن لا يظن ظانٌ لزوم الصوم حتى يُصلى العيد، فكأنه سدَّ هذه الذريعة، وفي الأضحى يؤخر حتى يكون فطره على أضحيته. وقيل: الحكمة إيقاع الأكل في العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما (٨).
следующие страницы →