← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الجاهلية، فقال: «قدمتُ عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم النحر ويوم الفطر» (١). «أي: لأن يومي الفطر والنحر بتشريع الله تعالى، واختياره لخلقه، ولأنهما يعقبان أداء ركنين عظيمين من أركان الإسلام، وهما: الحج والصيام، وفيهما يغفر الله للحجيج والصائمين، وينشر رحمته على جميع خلقه الطائعين، وأما النيروز والمرجان، فإنهما باختيار حكماء ذاك الزمان لما فيهما من اعتدال الزمن والهواء ونحو ذلك من المزايا الزائلة، فالفرق بين المزيَّتين ظاهر لمن تأمر ذلك» (٢). حكم صلاة العيدين: اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيدين على ثلاثة أقوال: الأول: أنها واجبة على الأعيان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد أقوال الشافعي ورواية عن أحمد وبه قال بعض المالكية واختاره شيخ الإسلام (٣)، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، والأمر للوجوب. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥). والأمر بالتكبير في العيدين أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى. ٣ - ملازمة النبي ﷺ لهذه الصلاة في العيدين، وعدم تركها في عيد من الأعياد، ومداومة خلفائه والمسلمين من بعده عليها. ٤ - أمر الناس بالخروج إليها حتى النساء وذوات الخدور والحيَّض -وأمرهنَّ أن يعتزلن المصلى- حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها، وسيأتي الحديث بهذا. ٥ - أنها من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة، ولذلك يجب قتال الممتنعين من أدائها بالكلية. ٦ - أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد كما تقدم، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا.

стр. 597

الثاني: أنها واجبة على الكفاية: فلو قام بها بعضهم سقطت عن الباقين، وهو مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (١)، وحجتهم أدلة الفريق الأول، لكنهم قالوا: لا تجب على الأعيان لأنه لا يشرع لها الأذان، فلم تجب على الأعيان كصلاة الجنازة ولَوَجبت خطبتها، ووجب استماعها كالجمعة. الثالث: أنها سنة مؤكدة وليست بواجبة: وهو مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابهما (٢) وحجتهم: ١ - قوله ﷺ للأعرابي لما ذكر الصلوات الخمس فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع» (٣) وما في معناه. ٢ - أنها صلاة ذات ركوع وسجود (!!) لم يشرع لها أذان، فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى. والراجح: القول الأول لما تقدم من الأدلة، وأما القول بأنها سنة مؤكدة فضعيف، وأما حديث الأعرابي فلا حجة فيه، لأنه خصَّ الخمس بالذكر لتأكيدها ووجوبها على الدوام، وتكررها في كل يوم وليلة وغيرها يجب نادرًا كصلاة الجنازة والنذر وغير ذلك. وأما القول بأنها فرض كفاية فلا ينضبط، ثم هو إنما يكون فيما تحصل مصلحته بفعل البعض، كدفن الميت، وقهر العدو، وليس يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض، بل صلاة العيد شرع لها الاجتماع أعظم من الجمعة، فإنه أمر النساء بشهودها ولم يؤمرن بالجمعة وأذن لهن فيها وقال: «صلاتكن في بيوتكن خير لكنَّ»، والله أعلم. وقت صلاة العيدين: يبتدئ وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح (أي: بعد مضي وقت الكراهة) وينتهي بزوال الشمس، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٤): فعن عبد الله بن بسر -صاحب النبي ﷺ أنه خرج مع الناس يوم فطرٍ أو

стр. 598

أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: «إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه» وذلك حين التسبيح (١). فائدة: الأفضل أن تُصلى صلاة الأضحى في أول الوقت ليتفرغ المسلمون بعدها لذبح أضاحيهم، ويستحب تأخيرها قليلاً عن هذا الوقت في صلاة الفطر، ليتمكن الناس من إخراج زكاة الفطر (٢). حكمها إذا فات وقتها: لفوات صلاة العيد عن وقتها ثلاث صور (٣): الأولى: أن لا يعلموا بالعيد إلا بعد زوال الشمس: فهذا عُذْر يجوِّز تأخيرها إلى اليوم الثاني سواء كان العيد عيد الفطر أو الأضحى، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومةٍ له من أصحاب النبي ﷺ يشهدون: «أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» (٤). الثانية: أن يؤخروا -جميعًا- صلاة العيد عن وقتها لغير العذر المتقدم: فإن كان العيد عيد فطر سقطت أصلاً ولم تُقضى، وإن كان عيد أضحى جاز تأخيرها إلى ثالث أيام النحر، أي: يصح قضاؤها في اليوم الثاني، وإلا ففي اليوم الثالث من ارتفاع الشمس إلى أول الزوال سواء كان لعذر أو لغير عذر، لن تلحقهم الإساءة إن كان لغير عذر. الثالثة: أن تؤدى في وقتها من اليوم الأول لكنها تفوت بعض الأفراد: فعند الحنفية والمالكية لا يُشرع قضاؤها لأنها صلاة لم تشرع إلا في وقت معين وبقيود خاصة فلابد من تكاملها جميعًا ومنها الوقت. وأجاز الشافعية قضاءها في أي وقت شاء وكيفما كان منفردًا أو جماعة، بناء على أصلهم في مشروعية قضاء كل النوافل.

стр. 599

ومنع الحنابلة قضاءها لكن قالوا: مخيَّر، إن شاء صلاها أربعًا إما بسلام واحد أو بسلامين. قلت: وهذا الأخير ضعيف، أو مبناه على التشبيه بالجمعة!! الراجح الذي يظهر لي في الصور الثلاث جميعًا أن من فاتته صلاة العيد، فإن كان لعذر جاز أداؤها في اليوم التالي، وإن لم يكن لعذر لم يقض على ما تقدم في قضاء الفوائت، والله أعلم. مكان أدائها: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأولَّ شيء يبدأ به الصلاة ...» (١). «والسُّنَّة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى [في الصحراء أو في مفازة واسعة] لأن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة، خرج ﷺ وتركه ...» (٣). إلا أن يكون هناك عذر كمطر (٤) ونحوه، أو أن يضعف بعض الناس -لمرض أو كبر سنٍّ- عن الخروج فلا حرج حينئذٍ في الصلاة في المسجد. وليُعلم أن الهدف من الصلاة اجتماع المسلمين في مكان واحد، فلا ينبغي تعدد المصليَّات من غير حاجة في الأماكن المتقاربة كما تراه في بعض المدن الإسلامية «بل قد أصبحت بعض (المصليَّات) منابر حزبية لتفريق كلمة المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٥). فائدة: صلاة العيد بمكة: الأفضل الصلاة في المسجد الحرام، فإن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة بالمسجد الحرام، وهو أفضل من الخروج إلى المصلى (٦).

стр. 600

الخروج إلى المصلى وآدابه: ١ - يستحب الغُسل قبل الخروج: فعن نافع أن ابن عمر: «كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى» (١). سئل علي بن أبي طالب عن الغسل فقال: «يوم الجمعة، يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر» (٢). ٢ - التجمُّل ولبس أحسن الثياب: والأصل في استحباب هذا حديث ابن عمر قال: أخذ عمر جُبَّةً من إستبرق تُباع في السوق، فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اتْبَع هذه، تجمَّل بها للعيد والوفود ...» (٣) الحديث «ومنه عُلم أن التجمل يوم العيد عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي ﷺ فعلم بقاؤها» (٤). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ : «كان يلبس يوم العيد بردة حمراء» (٥). ٣ - الأكل قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر خاصة: عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (٦). وعن بريدة قال: «كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته» (٧). والحكمة في الأكل قبل خروجه في عيد الفطر أن لا يظن ظانٌ لزوم الصوم حتى يُصلى العيد، فكأنه سدَّ هذه الذريعة، وفي الأضحى يؤخر حتى يكون فطره على أضحيته. وقيل: الحكمة إيقاع الأكل في العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما (٨).

стр. 601

٤ - التكبير في العيدين من حين الخروج: قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). وقد جاء عن النبي ﷺ أنه «كان يخرج يوم الفطر فيكبِّر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير» (٢). وعن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن ﵃ رافعًا صوته بالتهليل والتكبير» (٣). فيشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد باتفاق الأئمة الأربعة (٤)، لكن بيَّنه بعض العلماء على أنه لا يُشرع في التكبير الاجتماع على صوت واحد كما يفعله الناس اليوم (٥). قلت: وقد يستدل على مشروعية هذا الاجتماع بما علَّقه البخاري بصيغة الجزم عن ابن عمر أنه «كان يكبِّر في قبَّته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا ... وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد ...» فالمسألة محل اجتهاد ونظر ولا ينبغي النزاع والشقاق لأجلها. صيغة التكبير: لم يصحَّ عن النبي ﷺ حديث مرفوع في صيغة التكبير لكن ثبت عن ابن مسعود أنه كان يقول: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» (٦). وكان ابن عباس يقول: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر على ما هدانا» (٧).

стр. 602

وكان سلمان ﵁ يقول: «كبِّروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا» (١). وأما ما زاده العامة ومتبوعوهم في هذا الزمان على التكبير مما هو مسموع ومعروف، فمُختَرع لا أصل له، قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٣٦): «وقد أُحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها» اهـ. قلت: كانت في زمانهم (زيادة) وعندنا الآن أهازيج وأناشيد، فالله المستعان!! فائدة: وقت التكبير في عيد الأضحى: أن يكبِّر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، وعلى هذا جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة (٢). ويقيِّده بعضهم بالتكبير «عقب الصلوات» لكن لا دليل على هذا فقد علَّق البخاري (٢/ ٤٦١) بصيغة الجزم قال: «وكان ابن عمر يكبِّر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعًا». ٥ - يخرج النساء -حتى الحُيَّض- والصبيان: عن أم عطية: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «لتلبسها أختها من جلبابها» (٣). ويجب عليهن التزام آداب الخروج، من عدم التطيب والتزين كما هو معلوم. وأما الصبيان، فقد سئل ابن عباس: أشهدتَ العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: «نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته» (٤). لكن ينبغي أن يكون معهم من يضبطهم عن اللعب واللهو ونحوهما سواءً صلوا أم لا. ٦ - مخالفة الطريق إلى المصلى: عن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيدٍ خالف الطريق» (٥).

стр. 603

وعن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي خرج فيه» (١) فاستحب أكثر أهل العلم الذهاب إلى المصلى من طريق والرجوع من طريق آخر، تأسيًّا بالنبي ﷺ . ٧ - يستحب المشي إلى المصلى وعدم الركوب إلا لحاجة: فعن عليٍّ ﵁ قال: «من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا» (٢) وفيه ضعف، ويشهد له حديث لابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا» (٣). وهذا إذا كان المصلى قريبًا لا يشق المشي إليه، فإن احتاج للركوب فلا حرج والله أعلم. ٨ - يستحب التبكير إلى المصلى: بعدما يصلُّوا الصبح لأخذ مجالسهم، ويكبِّرون حتى يخرج الإمام للصلاة (٤). وهذا إذا كان المصلى قريبًا لا يشق المشي إليه، فإن احتاج للركوب فلا حرج، والله أعلم. لا سُنَّة قبل صلاة العيد ولا بعدها: عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها» (٥). قال ابن العربي: التنفُّل في المصلى لو فُعل لنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة ومن تركه رأى النبي ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. اهـ. قال الحافظ: وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. اهـ (٦). قلت: ورأى بعض الفضلاء أن مصلى العيد مسجد، فإذا دخله الإنسان فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، واستدل بمنع الرسول ﷺ الحيَّض أن يمكثن فيه،

стр. 604

وأمرهن باعتزاله (١) وفيه نظر، فأما الاستدلال بمنع الحيض فيردُّه أن المراد اعتزالهن الصلاة كما تقدم في أبواب «الطهارة»، ثم إن الأرض كلَّها مسجد أفيشرع تحية المسجد عند إرادة الصلاة في أي بقعة منها؟! وعلى كلٍّ لو كان الصحابة يصلون التحية في المصلى لنُقل كما تقدم عن ابن العربي، والله أعلم. لكن لو صلوا في المسجد فلا شك في مشروعية التحية. ليس للعيد أذان ولا إقامة: عن ابن عباس وجابر ﵄ قالا: «لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى (٢). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة، ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة» (٣). قال ابن القيم: «وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة. والسنة أن لا يُفعل شيء من ذلك» اهـ. وعلى هذا فإن النداء للعيدين بدعة، والله أعلم. كيفية صلاة العيد: صلاة العيد ركعتان، لحديث عمر ﵁ قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ » (٤). وتصلى على الصورة الآتية: ١ - يبدأ الركعة الأولى -كسائر الصلوات- بتكبيرة الإحرام. ٢ - ثم يكبِّر بعدها سبع تكبيرات أخرى قبل أن يبدأ القراءة، ولم يصحَّ عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد لكن قال ابن القيم: «وكان ابن عمر - مع تحرِّيه للاتباع- يرفع يديه مع كل تكبيرة» (٥). قلت: فمن رأى أن ابن عمر لا يفعل هذا إلا بتوقيف من النبي ﷺ فله أن يرفع يديه وإلا فخير الهدي هدي محمد ﷺ .

стр. 605

٣ - ولم يصحَّ عن النبي ﷺ ذكر معين في سكوته بين هذه التكبيرات، لكن قال ابن مسعود: «بين كل تكبيرتين حمد لله ، وثناء على الله» (١). ٤ - ثم يبدأ بقراءة الفاتحة -بعد التكبيرات- ثم سورة، ويستحب أن يقرأ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ على أن يكون في الركعة الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ كما ثبت عن النبي ﷺ (٢) وربما قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣). ٥ - وبعد القراءة يأتي بباقي الركعة على هيئتها المعتادة. ٦ - ويكبِّر للقيام إلى الركعة الثانية. ٧ - ثم يكبِّر بعدها خمس تكبيرات على نحو ما تقدم في الركعة الأولى. ٨ - ويقرأ الفاتحة والسورة التي تقدم ذكرها. ٩ - ثم يتم صلاته ويسلِّم. وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم في صفة صلاة العيدين: عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يكبِّر في الفطر والأضحى: في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسًا، سوى تكبيرتي الركوع» (٤). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كبَّر رسول الله ﷺ العيد: سبعًا في الأولى، ثم قرأ، ثم كبَّر فركعوا، ثم سجد، ثم قام فكبَّر خمسًا، ثم قرأ ثم كبر فركع، ثم سجد» (٥). الخطبة بعد الصلاة والتخيير في حضورها: والسنة أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة واحدة -لا خطبتين (٦) - واقفًا على الأرض لا على منبر، كذا فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده:

стр. 606

١ - فعن ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلُّهم كانوا يُصلُّون قبل الخطبة» (١). ٢ - وعن ابن عمر: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» (٢). ٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ يخرج يوم العيد والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس -والناس جلوس على صفوفهم- فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف» قال أبو سعيد: «فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلَّى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذتُ بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلتُ له: غيَّرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلمُ والله خيرٌ مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتُها قبل الصلاة» (٣). وحضور هذه الخطبة لا يجب ويستحب للإمام أن يُخير في حضورها تأسيًا بالنبي ﷺ فعن عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع النبي ﷺ فلما قضى الصلاة قال: «إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» (٤). فائدة: خطبة العيد كسائر الخطب، تُفتتح بالحمد والثناء على الله تعالى، ولم يصح حديث في افتتاحها بالتكبير. هل يهنئون بعضهم بالعيد؟ قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٣): «أما التهنئة يوم العيد بقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: (تقبَّل الله منا ومنكم) و (أحال عليك) ونحو ذلك، فهذا قد رُوى عن طائفة من الصحابة

стр. 607

أنهم كانوا يفعلونه (١) ورخَّصَ فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدًا، فإن ابتدأني أحد أجبتُه، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نُهي عنه، ممن فعله فله قدوة، ومن تركه له قدوة، والله أعلم» اهـ. «ولا ريب أن هذه التهنئة من مكارم الأخلاق، ومحاسن المظاهر الاجتماعية بين المسلمين، ولها أثر طيب في تقوية الصلات والوشائج، وإشاعة روح المحبة بين المسلمين، فأقل ما يقال فيها أن تهنئ من هنَّأك، وتسكت إن سكت» (٢).

стр. 608

٣ - كتاب الجنائز

стр. 609

ما يفعله الحاضرون للمُحْتَضَر: ١ - تلقينه الشهادة: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (١) والمراد: ذكِّروا من حضره الموت (لا إله إلا الله) فتكون آخر كلامه، كما في حديث أنس أن النبي ﷺ دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله ﷺ : «يا خال، قل لا إله إلا الله» فقال: أَوَخال أنا أو عم؟ فقال النبي ﷺ : «لا، بل خال» فقال له: «قل لا إله إلا الله»، قال: هو خير لي؟ قال: «نعم» (٢). وذلك رجاء أن يكون آخر كلامه قبل موته: (لا إله إلا الله) فقد قال النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٣). وقد أجمع العلماء على هذا التلقين، وينبغي أن يكون في لطف ومدارة وألا يكرر عليه لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه، فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، وإذا قالها مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعدها بشيء آخر، فيعاد تلقينه لتكون (لا إله إلا الله) آخر كلامه (٤). تنبيه: استحب الفقهاء قراءة سورة س عند المحتضر (٥)، استنادًا لما رُوي مرفوعًا: «اقرءوا على موتاكم سورة يس» لكنه حديث ضعيف، فلا يشرع ذلك، والله أعلم. ٢ - توجيهه إلى القبلة: فقد جاءت جملة أحاديث مرسلة، تتقوى بمجموعها وترقى إلى الحُسْن، أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفى، وأمر بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجَّه إلى القبلة لما احتُضر، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 610

«أصاب الفطرة» وقد رددت ثلثه على ولده» ثم ذهب فصلى عليه فقال: «اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك، وقد فعلت» (١). وفي رواية لهذه القصة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: «وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميتًا». وهذا التوجيه مستحب عند جماهير العلماء، بل نقل النووي الإجماع عليه، لكن أنكره سعيد بن المسيب ﵀ فإنهم لما أرادوا أن يوجهوه إلى القبلة، غضب وقال: «أولست على القبلة»؟ (٢) لكنه قد عورض بقوله غيره، ثم إنه لم يجزم بكون التلقين بدعة!! ولا حرامًا، ثم إن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهورًا بينهم يفعله المسلمون كلهم بموتاهم (٣). كيفية توجيهه إلى القبلة: للعلماء في هذه الكيفية وجهان: ١ - أن يستلقي على ظهره وقدماه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلاً ليصير إلى القبلة. ٢ - أن يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه القبلة (٤)، وهذا هو الأرجح، ومما يؤيده: قول النبي ﷺ للبراء بن عازب: «إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ... فإن مت، مت على الفطرة» (٥). قلت: ويشهد له كذلك حديث أم سلمة في قصة وفاة فاطمة ﵂ وفيه: «.. فاضطجعت واستقبلت القبلة، وضعت يدها تحت خدها» (٦) وهذا لا يكون إلا وهي على جنبها. والله تعالى أعلم. ما يفعله الحاضرون إذا مات، وأسلم الروح: ١ - تغميض عينيه: فعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصرُه فأغمضهُ، ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر ....» (٧).

стр. 611

والحكمة فيه: ألا يقبح بمنظره لو ترك إغماضه. ٢ - أمور أخرى ذكرها الفقهاء (١): (أ) أن يَشُد تحت لحييه عصابة عريضة تربط من فوق رأسه كيلا يسترخي لحيه الأسفل فينفتح فوه وييبس فلا ينطبق. (ب) تليين مفاصله وأصابعه، بأن يرد ساعده لعضده وساقه لفخذه وفخذه لبطنه ويردَّها لتلين ويسهل غسله وإدْراجه. (جـ) خلعُ ثيابه، لئلا يخرج منه شيء يفسد به ويتلوث بها إذا نزعت عنه. (د) أن يوضع الميت على سرير ونحوه ليكون أحفظ له، ولا يترك على الأرض لأنه أسرع لفساده. (هـ) وضع شيء ثقيل على بطنه لئلا ينتفخ. ٣ - الدعاء له: لتمام حديث أم سلمة السابق: «... فضجَّ ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنِّون على ما تقولون» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونوِّر له فيه». ٤ - تغطية جميع بدنه بثوب: فعن عائشة: أن رسول الله ﷺ حين توفى سُجِّي ببرد حبرة» (٢). ٥ - المبادرة بتجهيزه وإخراجه: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخيرٌ تقدمونها عليه، وإن تكن غير ذلك، فَشَرٌّ تضعونه عن رقابكم» (٣). والإسراع بالجنازة يدخل فيه سرعة تغسيله وتكفينه وتجهيزه، والإسراع في حملها إلى القبر. ٦ - المبادرة إلى قضاء دَيْنِه: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نفس المؤمن معلقة بِدَيْنه حتى يُقضى عنه» (٤).

стр. 612

وعن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي ﷺ بجنازة، فقالوا: يا رسول الله، صلِّ عليها، قال: «هل ترك عليه دينًا؟» قالوا: نعم، قال: «هل ترك من شيء؟» قالوا: لا، قال: «صلوا على صاحبكم» قال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة: صلِّ عليه وعليَّ دينه، فصلى عليه» (١). ما يجوز للحاضرين وغيرهم تجاه الميِّت: ١ - كشف وجهه وتقبيله: فعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه فقبَّله، وبكى، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه» (٢). وعن ابن عباس ﵄: «أن أبا بكر قبلَّ النبي ﷺ بعد موته» (٣). ٢ - البكاء على الميت ما لم يكن مصحوبًا بالصياح والعويل والتسخط واللطم ونحوها: ففي حديث أنس -في قصة موت إبراهيم ابن النبي ﷺ : «... فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى فقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٤). ولما مرض سعد بن عبادة: «بكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أَوْ يرحم، وإن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٥). وكشف جابر بن عبد الله ﵁ الثوب عن وَجه أبيه وبكى عليه بحضرة النبي ﷺ (٦).

стр. 613

فائدتان: ١ - مجرد البكاء على الميت لا حرج فيه، وإنما يمنع التكلم باللسان بما فيه تسخُّط على قدر الله تعالى والنياحة المحرمة، لكن لا بأس أيضًا بالتوجع للميت عند احتضاره بمثل قول فاطمة ﵉ في احتضار النبي ﷺ : «واكرب أباه» فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» (١) فعلم أن هذا ليس من النياحة لأن النبي ﷺ أقرها على ذلك (٢). ٢ - هل يُعذَّب الميت ببكاء أهله ونياحتهم عليه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، فكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وغيرهما يرون أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وخالفتهم عائشة ﵂ فقالت: «إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذَّب في قبرها» (٣). وذهب الجمهور إلى أن الذي يُعذب ببكاء أهله عليه هو من أوصى أن يُبكى ويناح عليه بعد موته، فنفذت وصيته، فأما من ناح عليه أهله من غير وصية منه فلا يعذب، وقيل: بل يعذب لتقصيره في تعليم أهله مما أدى بهم إلى إحداث ذلك فهو مسئول عن رعيته (٤). ما يجب على أقارب الميت -وخصوصًا النساء- إذا جاءهم خبر وفاته: الصبر والاسترجاع والرضا بقضاء الله: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥). واعلمي أختي المؤمنة «أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو» (٦).

стр. 614

فعن أنس قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١). وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها» (٢). ما يحرم على النساء من أقارب الميت وغيرهن: ١ - النياحة: وهي مُحرَّمة، لأنها تهيِّج الحزن، وترفع الصبر، وفيها مخالفة للتسليم للقضاء والإذعان لأمر الله تعالى (٣). فعن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جَرَب» (٤). وعن أم عطية قالت: أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة ....» (٥). ٢، ٣ - ضرب الخدود، وشق الجيوب: قال النبي ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٦).

стр. 615

وشق الجيب هو شق المرأة ثوبها من فتحة الصدر، ودعوى الجاهلية هي النياحة ونُدبة الميت (١) والدعاء بالويل. ٤، ٥ - حلق الشعر، ونشره وتفريقه: فعن أبي بردة بن أبي موسى قال: «وَجِع أبو موسى وجعًا فغُشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق قال: أنا برئ مما بريء منه رسول الله ﷺ : «فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» (٢). والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة. وعن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: وأن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو بويل، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا» (٣). ونشر الشعر: هو نفشه ونشره وتفريقه عند المصيبة، وهذا وما سبق كله حرام، فلينتبه لذلك. غسل الميت: حكمه (٤): ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الميت فرض كفاية، بل نقل النووي الإجماع على ذلك!! قال الحافظ: وهو ذهول شديد، فإن الخلاف فيه مشهور جدًا عند المالكية ... اهـ، واستدل الجمهور بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ لأم عطية والنسوة اللواتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا ...» (٥).

стр. 616

٢ - قوله ﷺ -في المحرِم الذي وقصته دابته فمات-: «اغسلوه بماء وسدر ...» (١). ومقتضى الأمر في الحديثين الوجوب، ولا صارف له إلى الندب، فلا يلتفت إلى من قال بالاستحباب. ٣ - عمل المسلمين من عهد النبي ﷺ إلى الآن. قلت: يستوى في هذا كل من مات من المسلمين ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، إلا من قتل شهيدًا في المعركة في قتال الكفار كما سيأتي. هل يُغَسَّل السقط؟ إذا أسقطت المرأة ولدها لأكثر من أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه، فإن لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يُغَسَّل ولا يُصلى عليه، ويلف في خرقة ويدفن، وذلك لأنه تنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، وقبل ذلك لا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم (٢). لا يُغَسَّل شهيد المعركة: عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلوا ولم يصلَّ عليهم» (٣). والعلَّة في ترك غسل الشهيد ما في حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أُحد: «لا تغسلوهم، فإن كل جرح -أو كل دم- يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصل عليهم (٤). والشهيد الذي يُغسَّل هو من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال، سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاح نفسه، أو سقط عن فرسه، أو وطئته دابته أو دواب المسلمين أو غيرهم، أو وجد قتيلاً عند انكشاف

стр. 617

الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أو بقي زمنًا ثم مات قبل انقضاء الحرب (١). إذا قُتل الشهيد وهو جُنُب، فلا يُغَسَّل كذلك في أصح أقوال العلماء (٢) لأمرين: ١ - عموم الأدلة -السابقة- على ترك تغسيل الشهيد. ٢ - ترك النبي ﷺ تغسيل حنظلة بن أبي عامر لما قتل وقوله: «إن صاحبكم تغسله الملائكة» فسأله صاحبته عنه، فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب (٣). وقد استدل به على مشروعية تغسيله لفعل الملائكة، ولا يخفى أن الحجة في ترك النبي ﷺ تغسيله لا في تغسيل الملائكة، لأن المقصود منه تعبُّد الآدمي به ولو كان غسله واجبًا لما سقط بغسل الملائكة. هل يُغسَّل شهيد غير المعركة؟ الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون والغريق وصاحب الهدم يُغسَّلون ويصلى عليهم كسائر الموتى، وهذا قول جماهير أهل العلم (٤). لا يجب تغسيل الكافر: سواء كان ذميًّا أو غيره، لأنه ليس من أهل العبادة ولا من أهل التطهير. لكن يجوز للمسلم تغسيل ذوي قرابته من المشركين أو زوجته الذمية واتباع جنائزهم ودفنهم لكن لا يصلى عليهم، وأقاربه الكفار أحق به من أقاربه المسلمين (٥)، وأما ما ورد من أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يُغَسل أباه، فطرقه كلها واهية لا تثبت (٦).

стр. 618

من أولى الناس بغسل الميت ؟ يستحب أن يقوم أولى الناس من أهل الميت بتغسيله -إذا توفَّر فيه الصلاة والخبرة بالغسل- «لأن الذي غسَّل رسول الله ﷺ هم عليٌّ وأهل قرابته» (١). وعن سالم بن عبيد الأشجعي أنه لما مات رسول الله ﷺ قالوا لأبي بكر: يا صاحب رسول الله، من يُغسِّله؟ قال: «رجال أهل بيته الأدنى فالأدنى» قالوا: فأين ندفنه؟ قال: «ادفنوه في البقعة التي قبضه الله فيها، لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه» (٢). ويجوز أن يتولى الغُسل غير قرابته -لا سيما إن كانوا أعلم بشئونه- فرسول الله ﷺ لم يأمر أقارب ابنته زينب بتغسيلها، بل غسَّلتها أم عطية وغيرها كما سيأتي الحديث. يجوز للزوج تغسيل زوجته (٣): لحديث عائشة قالت: «رجع إليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: «ما ضرَّك لو متِّ قبلي فغسَّلتك وكفَّنتك، ثم صليت عليك ودفنتك» قلت: لكني -أو: لكأني- بك والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدئ بوجعه الذي مات فيه» (٤). ولأن الله تعالى سمى المرأة بعد موتها زوجة فقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٥) فلما لم يكن مانع من تغسيلها في حياتها، كان ذلك باقيًا على التحليل بعد موتها من غير فرق إلا بنص، ولا سبيل إليه. وقد ذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أن الرجل لا يغسل امرأته لأنه لو شاء تزوج أختها حين ماتت! وفيما تقدم حجة عليهما.

стр. 619

يجوز للمرأة تغسيل زوجها (١): لحديث عائشة قالت: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما غسَّل رسول الله ﷺ إلا نساؤه» (٢). قال البيهقي (٣/ ٣٩٨): فتلهَّفتْ على ذلك، ولا يُتلَهَّفُ إلا على ما يجوز. اهـ. وقد صحَّ بمجموع الطرق أن «نساء أبي بكر قُمْنَ بتغسيله بوصية منه» (٣). هل يُغَسل الرجل ابنته؟ (٤) تقدم أن أم عطية هي التي غسلت بنت رسول الله ﷺ -وسيأتي الحديث فيه- لكن إذا لم توجد نساء يقمن بذلك، أو كنَّ قليلات الخبرة بالغُسل، فلم يرد مانع من أن يغسل الرجل ابنته، ولأنها كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة، وقد ورد هذا عن بعض السلف: فعن أبي هاشم أن «أبا قلابة غسَّل ابنته» (٥). وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي. يجوز للنساء تغسيل الصبي (٦): قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير .. اهـ. وثبت عن الحسن أنه كان «لا يرى بأسًا أن تغسل المرأة الغلام إذا كان فطيمًا وفوقه شيء» وكذلك عن ابن سيرين (٧). قلت: وهذا الجواز محلُّه إذا لم يبلغ الصبي حدًّا يشتهى فيه، وإلا لم يغسله النساء، وبذا ضبطه النووي، ﵀. إذا مات رجل بين نساء، أو امرأة بين رجال؟ فللعلماء في تغسيله قولان: الأول: يُغسل من فوق الثياب.

стр. 620

الثاني: يُيَمَّمُ ولا يغسل لأنه بمنزلة من لم يجد الماء. وقد ورد مرسلاً عن مكحول عن النبي ﷺ قال: «إذا مات الرجل مع النساء، والمرأة مع الرجال فإنهما يُيَمَّمان ويُدفنان وهما بمنزلة من لم يجد الماء» (١). ويشهد له حديث سنان بن غرفة -وكانت له صحبة- عن النبي ﷺ في المرأة تموت مع الرجال ليسوا بمحارم قال: «تُيَمَّم، ولا تغسَّل، وكذلك الرجل» (٢). صفة المُغَسِّل (٣): ينبغي أن يتوفر فيمن يقوم بغسل الميت أمران: ١ - الصلاح: لأن أهل الصلاح أعرف بحدود الله وشرائع دينه فيسترون على الميت، لقوله ﷺ : «ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٤) ولا يتعرضون له بسبٍّ ونحوه فقد قال ﷺ : «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا» (٥). ويحفظون سرَّه ولا يغتابونه وقد قال النبي ﷺ في الغيبة: «ذكرك أخاك بما يكره» وقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه» (٦). وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من غسَّل ميتًا فكتم عليه، غُفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتًا كساه الله من السندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبرًا فأجنَّه فيه أرجى له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة» (٧). ٢ - الخبرة بالغسل: فإن العالم بأمر الغسل يقيم فيه سنة رسول الله ﷺ ، فيحسن إلى الميت ويحسن تغسيله، ولذا أرسل النبي ﷺ إلى أم عطية لتغسل ابنته وقد ذكر النووي -وجزم به ابن عبد البر- أن أم عطية كانت غاسلة الميتات. ويؤيد هذا أن عليًّا لما أراد تغسيل النبي ﷺ : «ذهب يلتمس منه ما يلتمس

стр. 621

من الميت فلم يجده، فقال: بأبي الطيب، طبتَ حيًّا وطبت ميتًا» (١) وفيه دليل على أنه كان على علم بالغسل وما يكون من الميت، والله أعلم. فائدة: يجوز أن يقوم الجنب أو الحائض بغسل الميت: لعدم الدليل على المنع منه (٢). صفة غُسل الميت: العمدة في هذا الباب حديث أم عطية ﵂ لأنها شهدت غسل ابنة رسول الله ﷺ وحكت ذلك فأتقنت، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت، وكذلك عوَّل عليه الأئمة في غسل الميت. عن أم عطية ﵂ قالت: دخل علنيا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته [هي: زينب] فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذنني» فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه (٣) فقال: «أشعرنها (٤) إياه». وفي لفظ: «اغسلنها وترًا» وفيه: «ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» وفيه: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» وفيه أن أم عطية قالت: «ومشطناها ثلاثة قرون» (٥). ويمكن تلخيص أفعال غسل الميت على ما ورد في حديث أم عطية وغيره مما ذكره أهل العلم فيما يأتي (٦): ١ - أن يجرد الميت من ثيابه، ويضع على عورته سترة: فعن عائشة -في قصة وفاة النبي ﷺ قالت: «لما أرادوا غسل النبي ﷺ

стр. 622

قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرِّد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ ... الحديث» (١). وفيه أنهم كانوا يجردون الموتى. لكن ينبغي أن يستر عورته بسترة لعموم قوله ﷺ : «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة ...» (٢). ولذا ذهب ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنه يستر العورة (بين السرة والركبة) (٣). ٢ - أن تنقض ضفائر المرأة الميتة (إن كان لها): لقول أم عطية - في رواية البخاري (١٢٦٠) وغيره-: «جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون». ٣ - أن يلتزم الرفق في أعمال الغُسل كلها: لعموم قوله ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٤). ولأن حرمة الميت كحرمة الحي، فقد قال ﷺ : «كسر عظم الميت، ككسر عظم الحي» (٥). ٤ - أن يضع مع الماء -في الغسلات الأُوَل- السدر (أو الصابون ونحوه): لقوله ﷺ : «اغسلنها بماء وسدر». وإذا كان في تسخين الماء مصلحة كإزالة وسخ ونحوه فُعِل الأنفع له. ٥ - أن يبدأ بغسل الميامن ومواضع الوضوء منه بعد النية والتسمية: لقوله ﷺ : «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء فيها». ويدخل في هذا مضمضة الميت، فإن خيف وصول الماء إلى جوفه فيفضي إلى المثلة به أو خروجه من أكفانه، فالأولى أن يمسح أسنانه وأنفه بخرقة مبللة حتى ينظفهما.

стр. 623

٦ - يغسل الرأس جيدًا بالماء والسدر (الصابون) حتى يصل إلى منابت الشعر، وتسريحه برفق (١): لأن النبي ﷺ كان في غسل الجنابة يحتفن ثلاث حفنات ويخلل رأسه حتى يصل إلى منابت الشعر كما تقدم في «الطهارة». ٧ - يغسل الجانب الأيمن من الجسد: من صفحة عنقة اليمنى صبًّا إلى قدمه اليمنى، ويغسل في ذلك شق صدره وجنبه وفخذه وساقه الأيمن كله، يحركه له غيره ليتغلغل الماء ما بين فخذيه ويمر يده فيما بينهما، ثم يأخذ الماء يامنة ظهره (٢). ٨ - يصنع بالجانب الأيسر مثل ما صنع بالأيمن. ٩ - يحرفه على جنبه فيغسل القفا والظهر والإليتين، وما يتبع ذلك مما لم يتيسر غسله من الأمام. ١٠ - يمشط الرأس، ويُضفَّر رأس الميتة ثلاث ضفائر: كل جانب من جانبي الرأس ضفيرة والناصية ضفيرة ويلقى شعر الميتة خلفها، ويكون التضفير في الغسلة الأخيرة. ففي حديث أم عطية عند البخاري (٢٦٣): «.. فضفرناها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها». ١١ - يُكرر الغسل عدة مرات حتى يحصل الإنقاء والتنظيف لقوله ﷺ : «أو أكثر إن رأيتن» ويستحب أن يكون وترًا لقوله ﷺ : «واغسلنها وترًا». ١٢ - يضاف الكافور (أو المسك ونحوه) في الغسلة الأخيرة: لقوله ﷺ : «واجعلن في الآخرة كافورًا» إلا أن يكون الميت مُحْرِمًا فإنه لا يُمس طيبًا كما سيأتي. ١٣ - ويرى بعض العلماء (٣): بعد الفراغ من الغسل أن تُرد اليدان والرجلان فيلصقا بالجنبين، ويُحف القدمان، ويلصق أحد الكعبين بالآخر، ويُضم الفخذان، ثم يخفف بثوب، ورأوا كذلك أن يمسح على البطن أثناء الغسل ليخرج ما به، وأن يُقعد عند آخر كل غسلة.

стр. 624

١٤ - ولا يمسَّ الغاسل عورة الميت بيده مباشرة إلا لضرورة: فيلف على يده خرقة يمسحه بها لئلا يمس عورته لأن النظر إليها حرام، فاللمس أولى (١). هل تُقَلُّم أظفار الميت أو يؤخذ من شعر عانته؟ (٢) للعلماء في هذا قولان: أحدهما: يُفعل ما كان فطرة في الحياة، ولأنه تنظف فشرع في حقه لإزالة الوسخ، وبه قال الشافعي في الجديد. وقد يُستدل له بحديث أبي هريرة -في قصة مقتل خبيب ﵁ وفيه: «.. فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته ...» (٣) فكأنه استحدَّ استعدادًا للموت إذ هو بين قوم من المشركين لن يفعلوا معه ذلك بعد موته. وعن أبي قلابة: «أن سعدًا غسَّل ميتًا فدعا بموسى فحلقه» (٤) وصحَّ نحوه عن بكر بن عبد الله المزني. الثاني: أنه يكره، لأنه قطع جزء منه فهو كالختان، وبه قال المزني من الشافعية وعن ابن سيرين: «أنه كان يعجبه إذا ثقل المريض أن يؤخذ من شاربه وأظفاره وعانته، فإن هلك لم يؤخذ منه شيء» (٥). قلت: الأظهر أنه إذا رؤي من الميت شعر فاحش مما يسنُّ إزالته فلا مانع من أخذه، فالمردُّ في هذا إلى مصلحة الميت، والله أعلم. فائدة: ما يؤخذ من شعر الميت أو ظفره، أو ما يسقط من ذلك ماذا يُصنع به؟ قال عدد من أهل العلم: إنها تجعل معه وتدفن معه، وفي هذا جملة آثار عن السلف عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٧) فلتراجع. إذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين حي: إذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين، فإن كانت ترجى حياته فإنه يُشَقُّ بطنها

стр. 625

لإخراجه فإن لم تُرجَ حياته لم يشق، وهو مذهبا الحنفية والشافعية والمتجه عند الحنابلة، وبعض المالكية (١). إذا ماتت المرأة وهي حائض أو جنب تُغسَّل غسلاً واحدًا: لأنها إذا ماتت خرجت من أحكام التكليف ولم يبق عليها عبادة واجبة، وإنما الغسل للميت تعبُّد، وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة والنضارة، وهذا يحصل بغسل واحد، ولأن الغسل الواحد يجزئ من وجب في حقه موجبان له كما لو اجتمع الحيض والجنابة (٢). من غسَّل ميتًا، هل يغتسل؟ رُوى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (٣) وهو حديث مضطرب ضعفه أئمة الحديث: ابن المديني وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى والشافعي وابن المنذر والبيهقي وغيرهم. ورُوى عن عائشة أن النبي ﷺ : «كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة وغسل الميت» (٤) وهو ضعيف كذلك. وفي حديث ناجية بن كعب -في قصة موت أبي طالب، وقول النبي ﷺ لعليٍّ: «اذهب فَوارِ أباك ثم لا تحدثن شيئًا حتى تأتيني» قال: فذهبت فواريته وجئته، فأمرني، فاغتسلت ودعا لي» (٥) وهو مختلف في تحسينه، على أنه ليس فيه أن عليًّا غسلَّه. ومما سبق يتضح أنه لا يثبت حديث عن رسول الله ﷺ في إيجاب الغسل على من غسَّل الميت، بل ورد عنه خلافه: فعن ابن عباس قال: قال رسول الله

стр. 626

صلى الله عليه وسلم: «ليس عليكم في غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (١) لكنه معلول كذلك والصواب وقفه على ابن عباس. وعلى كل حال فإن جمهور أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم لا يرون وجوب الاغتسال من غسل الميت، وإنما يرونه مستحبًّا (٢). وهذا ثابت عن ابن عباس وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة ﵃ بأسانيد صحيحة (٣). على أن بعض أهل العلم كأبي داود قد قال بعد إيراد حديث أبي هريرة: وهذا منسوخ. إذا عُدم الماء أو تعذَّر استعماله يُيَمَّم الميت (٤): إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء، أو خيف من غسله أن يتهرى لحرق ونحوه، يُيمم، وهذا التيمم واجب لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة نجاسة فوجب الانتقال فيه عند العجز عن الماء إلى التيمم كغسل الجنابة، وقد قال النبي ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا إذا لم نجد الماء» (٥). إذا دفن الميت دون أن يُغَسَّل؟ فذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وداود وابن حزم إلى أنه يجب نبشه ليغسَّل ما لم يتغيَّر. وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك بعد إهالة التراب عليه!! (٦) قلت: يدلُّ على جواز إخراج الميت من قبره لغرض صحيح: حديث جابر قال: أتى النبي ﷺ قبر عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه» (٧).

стр. 627

تكفين الميِّت حكمه: أجمع العلماء على أن تكفين الميت بما يستره فرض كفاية، وقد دلَّت النصوص على ذلك: ١ - فعن ابن عباس أن رجلاً وقصه بعيره ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم فقال النبي ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تُمسَّوه طِيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا» (١). ٢ - وفي حديث خباب بن الأرت قال: «هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير -ومنا من أينعت له ثمرته فهو يُهْدبِها- قُتل يوم أُحد فلم نجد ما نكفِّنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (٢). ٣ - وعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلاً من أصحابه قُبِضَ فكُفِّن في كفن غير طائل، وقُبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يُقْبَر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : «إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٣). على من تكون تكاليف الكفن (٤)؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أن قيمة الكفن وتكاليف الغسل والدفن من رأس مال الميت، واستدلَّ بعضهم بحديث عبد الرحمن بن عوف «أنه أتُي يومًا بطعامه فقال: قُتل مصعب بن عمير -وكان خيرًا مني- فلم يوجد له ما يُكفَّن فيه إلا بردة ....» الحديث (٥).

стр. 628

وقال أكثرهم: يُبدأ بالكفن ثم بالدَّين ثم بالوصية لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصه بعيره: «وكفنوه في ثوبين» ولم يستفصل هل عليه دين أم لا؟ فدلَّ على تقديم الكفن على الدين، فليس لغرمائه ولا لورثته منع ذلك، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمهم نفقته فإن لم يكن ففي بيت المال فإن لم يكن وجب على المسلمين يوزعه الإمام على أهل اليسار وعلى من يراه .. وقيل: بل يقدَّم الدين، لأن الله تعالى لم يجعل ميراثًا ولا وصية إلا فيما يخلفه المرء بعد دينه فصحَّ أن الدين مقدَّم، فإن لم يكن له مال وجب على المسلمين تكفينه، وأما الاستدلال بحديث من وقصه بعيره فيرد عليه أن النبي ﷺ كان تكفل بديون من مات من المسلمين لقوله: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته» (١) وهو قول أبي محمد بن حزم. وأما تكاليف المرأة المزوَّجة: فقال بعض أهل العلم: يُلزم زوجها بتكاليف كفنها وسائر مؤن تجهيزها (٢)، وقيل: بل يُخصم من رأس مالها إن تركت مالاً ولا يلزم زوجها، لأن أموال المسلمين محظورة إلا بنص قرآن أو سنة، قال رسول الله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (٣) وإنما أوجب تعالى على الزوج النفقة والكسوة والإسكان، ولا يسمى في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها الكفن كسوة، ولا القبر إسكانًا» (٤). قلت: وهذا هو الأظهر والله أعلم. فائدة: يجوز للشخص تجهيز كفنه قبل الموت: فعن سهل بن سعد «أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتُها ... قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان، فقال: اكسنيها ما أحسنها، قال القوم: ما أحسنتَ، لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يردُّ؟!

стр. 629

قال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه (١). صفة الكفن: (أ) كفن الرجال: عن عائشة «أن رسول الله ﷺ كفِّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّة (٢) من كُرْسُف (٣) ليس فيهن قميص ولا عمامة» (٤). ويؤخذ من هذا الحديث ومن غيره أنه يستحب في الكفن ما يأتي: ١ - أن يكون أبيض: ويؤيده قوله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البياض، فإنه خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (٥). ٢ - أن يكفَّن الرجل في ثلاثة أثواب. ٣ - أن تكون من القطن. ٤ - أن لا يكون فيها قميص ولا عمامة، وإن كفِّن في قميص فلا بأس وإن كان الأولى تركه، فعن ابن عمر أن عبد الله بن أُبَيٍّ لما تُوفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفِّنه فيه وصلِّ عليه واستغفِر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه ... الحديث» (٦) قال الشافعي في «الأم» (١/ ٢٣٦): وإن كفن في قميص، جعل القميص دون الثياب والثياب فوقه ... اهـ. ٥ - أن يكون أحد هذه الأثواب ثوب حبرة: أي مُخططًا أو ملونًا، فعن جابر عن النبي ﷺ قال: «إذا توفى أحدكم فوجد شيئًا، فليكفن في ثوب حَبِرَة» (٧).

стр. 630

٦ - أن يُطيَّب الكفن: فعن جابر قال: قال النبي ﷺ : «إذا أجمرتم الميت، فأجمروه ثلاثًا» (١). وقد استحب هذا طائفة من أهل العلم، قالوا: ولأن هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه أن يجمر بالطيب والعود فكذلك الميت (٢). إذا لم يَكْفِ الثوب لتغطية جميع الجسد؟ تقدم في حديث خباب أن مصعب بن عمير «... قُتل يوم أُحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (٣). ويستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطى جميعه بالإذخر فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض (٤). تكفين المُحِرْم في ثياب إحرامه، وعدم تغطية رأسه: لما تقدم في حديث ابن عباس قال: بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، فقال النبي ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين -أو قال: في ثوبيه- ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يُلبِّي» (٥). تكفين الشهيد في ثيابه التي قتل فيها أو في غيرها: عن عبد الله بن ثعلبة بن صفير أن رسول الله ﷺ قال يوم أُحد: «زملوهم في ثيابهم» (٦).

стр. 631

وقد اتفق أهل العلم على استحباب تكفين الشهداء في ثيابهم التي قتلوا فيها، وقال أكثرهم: ينزع عنهم من لباسهم ما لم يكن من عادة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد (١). ومما يدل على أن تكفين الشهداء في ثيابهم مستحب وليس بواجب مُحتَّم: حديث الزبير في أن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفِّن فيهما حمزة ﵁، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر الأنصاري الذي لم يكن له كفن (٢). فدلَّ على أن الخيار للولي. وكذلك تقدم حديث تكفين مصعب بن عمير، وقد قتل في أُحد. (ب) كفن المرأة: كفن المرأة ككفن الرجل، إلا أن المستحب -عند أكثر أهل العلم- أن يكون خمسة أثواب، وقد ورد في هذا حديث ضعيف الإسناد أن ليلى بنت قائف الثقفية قالت: «كُنت فيمن غسَّل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحِقو، ثم الدِّرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعدُ في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب، معه كفنها يناولناه ثوبًا ثوبًا» (٣). قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفَّن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت. اهـ (٤). تكفين المرأة في الحرير: جائز، لأنه يجوز لبسه في الحياة، لكن يكره تكفينها فيه لأن فيه سرفًا، ويشبه إضاعة المال، بخلاف اللبس في الحياة فإنه يجمل للزوج (٥).

стр. 632

حمل الجنازة واتبَّاعها حمل الجنازة واتِّباعها من حقوق الميت على المسلمين، لحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم خمس: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (١). وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «عُودوا المريض، واتَّبِعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (٢). وقد أجمع أهل العلم على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذهب جمهورهم إلى أن اتباعها وتشييعها سنة (٣)، لحديث البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز» (٤) قالوا: والمر هنا للندب لا للوجوب؛ للإجماع!! قلت: إن ثبت الإجماع فذاك، وإلا فلا فرق بين حكم الحمل والتشييع، والظاهر أن كليهما فرض كفاية، والله أعلم. حمل الجنازة على أعناق الرجال: السنة أن تُحمل الجنازة على أعناق الرجال، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إذا وُضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق» (٥). وفيه أنه لا يشرع للنساء حمل الجنازة سواء كان الميت ذكرًا أو أنثى، ولا خلاف في هذا، لأن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف منهن شيء لو حملن، ويضاف إلى هذا ما يتوقع منهن من الصراخ عند حمله ووضعه، ولأن الجنازة لابد أن يشيعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة (٦).

стр. 633

الإسراع بالجنازة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدَّمونها إليه، وإن يك سوى ذل فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» (١). والمراد بالإسراع: الزيادة على المشي المعتاد، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة للميت أو مشقة على الحامل أو المشيِّع. تنبيه: لا يُشرع حمل الجنازة على سيارة والاكتفاء بذلك عن حملها على الأعناق لأمور (٢): ١ - أن هذا من عادات الكفار وقد أُمرنا بمخالفتهم. ٢ - أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة. ٣ - أنها تفوِّت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تَذكر الآخرة. ٤ - أنها سبب لتقليل المُشيِّعين لها لا سيما إن كان المشيعون لها في سياراتهم!! ٥ - أن هذه الصورة لا تتفق مع ما عُرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت. قلت: وقد نصَّ الفقهاء على كراهة حمل الجنازة على ظهر الدابة بلا عذر، أما إذا كان عذر كأن كان المحل بعيدًا يشق حمله على الرجال، فيجوز (٣)، وأقوال: ينبغي حينئذ أن يوقفوا العربات ويحملوا الجنازة مسافة مناسبة تحقيقًا للسنة وغايتها. اتباع الجنازة مرتبتان: ١ - اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها. ٢ - اتباعها من عند أهلها حتى يُفرغ من دفنها، وكلاهما فعله النبي ﷺ (٤). ولا شك أن المرتبة الثانية أفضل، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من شهد الجنازة [من بيتها] حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان [من الأجر]» قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين، وفي رواية: كل قيراط مثل أُحُد» (٥).

стр. 634

نهي النساء عن اتباع الجنازة: هذا الفضل -المتقدم- في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء، لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباعها: فعن أم عطية قالت: «نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا» (١). وقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة لا على التحريم (٢) لقولها: «ولم يُعزم علينا». لكن ... قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٣٥٥): «قد يكون مرادها: لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظنِّ غيره» اهـ. أين يمشي المُشيِّعون للجنازة؟ يجوز المشي خلف الجنازة وأمامها، وعن يمينها ويسارها قريبًا منها، فعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعُمر، كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها» (٣). لكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى الأدلة الآمرة باتباع الجنائز، ويؤيده قول علي بن أبي طالب ﵁: «المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًّا» (٤) وهذا مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وإسحاق خلافًا للجمهور (٥). ويجوز ركوب المشيِّعين، لكن خلف الجنازة: لقول النبي ﷺ : «الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها ...» (٦). وإن كان الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ، وروى ثوبان ﵁: «أن رسول الله أُتي بدابة -وهو مع الجنازة- فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب،

стр. 635

فقيل له، فقال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبتُ» (١). من آداب اتباع الجنائز: ١ - عدم اتباعها بمبخرة أو نار: فقد اتفق الفقهاء على أن الجنازة لا تتبع بنار في مجمرة (مبخرة) ولا شمع ونحوه إلا لحاجة ضوء أو نحوه، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تُتَّبع الجنازة بصوت ولا نار» (٢). وفي سنده مقال، إلا أنه يتأيد بما صحَّ عن عمرو بن العاص أنه قال في وصيَّته: «فإذا أنا مِتُّ، فلا تصحبني نائحة ولا نار» (٣). وعن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: «لا تضربوا عليَّ فسطاطًا، ولا تتبعوني بمجمر (وفي رواية: بنار)» (٤). وعن أبي موسى أنه أوصى حين حضره الموت قال: «إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمر ...» (٥). ٢ - الصمت عند اتباع الجنازة: فلا يجوز رفع الصوت مع الجنازة لا بالذكر ولا بغيره، فعن قيس بن عُبَاد قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٦). ولأن فيع تشبُّهًا بالنصارى، فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين. قال النووي في «الأذكار» (ص: ٢٠٣): «واعلم أن الصواب المختار، وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتٌ بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي انه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره
следующие страницы →