← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقد اتفق أهل العلم على استحباب تكفين الشهداء في ثيابهم التي قتلوا فيها، وقال أكثرهم: ينزع عنهم من لباسهم ما لم يكن من عادة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد (١). ومما يدل على أن تكفين الشهداء في ثيابهم مستحب وليس بواجب مُحتَّم: حديث الزبير في أن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفِّن فيهما حمزة ﵁، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر الأنصاري الذي لم يكن له كفن (٢). فدلَّ على أن الخيار للولي. وكذلك تقدم حديث تكفين مصعب بن عمير، وقد قتل في أُحد. (ب) كفن المرأة: كفن المرأة ككفن الرجل، إلا أن المستحب -عند أكثر أهل العلم- أن يكون خمسة أثواب، وقد ورد في هذا حديث ضعيف الإسناد أن ليلى بنت قائف الثقفية قالت: «كُنت فيمن غسَّل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحِقو، ثم الدِّرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعدُ في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب، معه كفنها يناولناه ثوبًا ثوبًا» (٣). قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفَّن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت. اهـ (٤). تكفين المرأة في الحرير: جائز، لأنه يجوز لبسه في الحياة، لكن يكره تكفينها فيه لأن فيه سرفًا، ويشبه إضاعة المال، بخلاف اللبس في الحياة فإنه يجمل للزوج (٥).

стр. 632

حمل الجنازة واتبَّاعها حمل الجنازة واتِّباعها من حقوق الميت على المسلمين، لحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم خمس: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (١). وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «عُودوا المريض، واتَّبِعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (٢). وقد أجمع أهل العلم على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذهب جمهورهم إلى أن اتباعها وتشييعها سنة (٣)، لحديث البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز» (٤) قالوا: والمر هنا للندب لا للوجوب؛ للإجماع!! قلت: إن ثبت الإجماع فذاك، وإلا فلا فرق بين حكم الحمل والتشييع، والظاهر أن كليهما فرض كفاية، والله أعلم. حمل الجنازة على أعناق الرجال: السنة أن تُحمل الجنازة على أعناق الرجال، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إذا وُضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق» (٥). وفيه أنه لا يشرع للنساء حمل الجنازة سواء كان الميت ذكرًا أو أنثى، ولا خلاف في هذا، لأن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف منهن شيء لو حملن، ويضاف إلى هذا ما يتوقع منهن من الصراخ عند حمله ووضعه، ولأن الجنازة لابد أن يشيعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة (٦).

стр. 633

الإسراع بالجنازة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدَّمونها إليه، وإن يك سوى ذل فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» (١). والمراد بالإسراع: الزيادة على المشي المعتاد، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة للميت أو مشقة على الحامل أو المشيِّع. تنبيه: لا يُشرع حمل الجنازة على سيارة والاكتفاء بذلك عن حملها على الأعناق لأمور (٢): ١ - أن هذا من عادات الكفار وقد أُمرنا بمخالفتهم. ٢ - أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة. ٣ - أنها تفوِّت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تَذكر الآخرة. ٤ - أنها سبب لتقليل المُشيِّعين لها لا سيما إن كان المشيعون لها في سياراتهم!! ٥ - أن هذه الصورة لا تتفق مع ما عُرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت. قلت: وقد نصَّ الفقهاء على كراهة حمل الجنازة على ظهر الدابة بلا عذر، أما إذا كان عذر كأن كان المحل بعيدًا يشق حمله على الرجال، فيجوز (٣)، وأقوال: ينبغي حينئذ أن يوقفوا العربات ويحملوا الجنازة مسافة مناسبة تحقيقًا للسنة وغايتها. اتباع الجنازة مرتبتان: ١ - اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها. ٢ - اتباعها من عند أهلها حتى يُفرغ من دفنها، وكلاهما فعله النبي ﷺ (٤). ولا شك أن المرتبة الثانية أفضل، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من شهد الجنازة [من بيتها] حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان [من الأجر]» قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين، وفي رواية: كل قيراط مثل أُحُد» (٥).

стр. 634

نهي النساء عن اتباع الجنازة: هذا الفضل -المتقدم- في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء، لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباعها: فعن أم عطية قالت: «نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا» (١). وقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة لا على التحريم (٢) لقولها: «ولم يُعزم علينا». لكن ... قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٣٥٥): «قد يكون مرادها: لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظنِّ غيره» اهـ. أين يمشي المُشيِّعون للجنازة؟ يجوز المشي خلف الجنازة وأمامها، وعن يمينها ويسارها قريبًا منها، فعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعُمر، كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها» (٣). لكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى الأدلة الآمرة باتباع الجنائز، ويؤيده قول علي بن أبي طالب ﵁: «المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًّا» (٤) وهذا مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وإسحاق خلافًا للجمهور (٥). ويجوز ركوب المشيِّعين، لكن خلف الجنازة: لقول النبي ﷺ : «الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها ...» (٦). وإن كان الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ، وروى ثوبان ﵁: «أن رسول الله أُتي بدابة -وهو مع الجنازة- فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب،

стр. 635

فقيل له، فقال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبتُ» (١). من آداب اتباع الجنائز: ١ - عدم اتباعها بمبخرة أو نار: فقد اتفق الفقهاء على أن الجنازة لا تتبع بنار في مجمرة (مبخرة) ولا شمع ونحوه إلا لحاجة ضوء أو نحوه، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تُتَّبع الجنازة بصوت ولا نار» (٢). وفي سنده مقال، إلا أنه يتأيد بما صحَّ عن عمرو بن العاص أنه قال في وصيَّته: «فإذا أنا مِتُّ، فلا تصحبني نائحة ولا نار» (٣). وعن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: «لا تضربوا عليَّ فسطاطًا، ولا تتبعوني بمجمر (وفي رواية: بنار)» (٤). وعن أبي موسى أنه أوصى حين حضره الموت قال: «إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمر ...» (٥). ٢ - الصمت عند اتباع الجنازة: فلا يجوز رفع الصوت مع الجنازة لا بالذكر ولا بغيره، فعن قيس بن عُبَاد قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٦). ولأن فيع تشبُّهًا بالنصارى، فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين. قال النووي في «الأذكار» (ص: ٢٠٣): «واعلم أن الصواب المختار، وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتٌ بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي انه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره

стр. 636

فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترَّ بكثرة من يخالفه ....» اهـ. قلت: وأما ما اعتاده الناس في زماننا من الذكر أمام الجنازة، وقول أحدهم «وحِّدوه!!» ورد المشيِّعين عليه. أو قوله «اشهدوا له!!» فبدعة نص الفقهاء على نحوها (١). قال الألباني (٢) ﵀: «وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدًا للكفار، والله المستعان» اهـ. ٣ - عدم جلوس المشيِّعين قبل وضع الجنازة: عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (٣) والمراد حتى توضع على الأرض عن الأعناق، وقيل: حتى توضع في اللحد. وقد قال باستحباب القيام حتى توضع الجنازة، أكثر الصحابة والتابعين -كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وهو المختار عند الشافعية (٤). ٤ - هل يقوم عند مرور الجنازة؟ (٥) عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلِّفكم [أو توضع]» (٦). وعن جابر بن عبد الله قال: مرَّ بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ ، فقمنا به، قلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» (٧).

стр. 637

وفي لفظ عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد: «أليست نفسًا؟» (١). لكن .. ذهب أكثر أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم إلى أن القيام للجنازة منسوخ بحديث علي بن أبي طالب قال: «قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا، ثم جلس فجلسنا» (٢). وفي لفظ: «... ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (٣). ذهب ابن حزم وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية وبعض الشافعية -واختاره النووي- إلى أن قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام لبيان الجواز وأن الأمر كان للندب، وأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذَّر الجمع وهو هنا ممكن. صلاة الجنازة حكمها: الصلاة على الجنازة فرض كفاية -إذا فعله بعض المسلمين سقط عن الباقين- أمر النبي ﷺ بها، فعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه فضلاً؟ فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: «صلوا على صاحبكم» (٤). وعن زيد بن خالد الجهني: «أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ توفى يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود لا يساوي درهمين (٥). فضلها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد الصلاة حتى يصلى

стр. 638

عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى يدفن فله قيراطان. قيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين» (١). وعن عبد الله بن عباس: «أنه مات ابن له بقديد -أو بعسفان- فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته. فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٢). وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٣). موقف الإمام من الجنازة: القول الأول: أن يقف الإمام حذاء رأس الرجل، وحذاء وسط المرأة. وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق (٤)، وقد اختاره بعض الحنفية (٥). قال الشوكاني: «وهو الحق». واحتجوا بحديث أنس بن مالك: أن أبا غالب الخياط قال شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه [وفي رواية: رأس السرير] فلما رفع، أتى بجنازة امرأة من قريش -أو من الأنصار- فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصلِّ عليها، فصلى عليها، فقام وسطها [وفي رواية: عند عجيزتها، وعليها نعش أخضر] وفينا العلاء بن زياد العدوي. فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم، قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا (٦).

стр. 639

وحديث سمرة بن جندب قال: «صليت خلف النبي ﷺ وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها (١). القول الثاني: أن يقف عند صدر الميت سواء في ذلك الرجل والمرأة وقد أجابوا عن حديث أنس المتقدم بأن وقوفهم عند وسط المرأة إنما كان من أجل الستر حيث لم تكن النعوش، واستشهدا بزيادة رواها أبو داود من حديث أنس المتقدم وهي: «قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها. فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان يقوم الإمام حيال عجيزتها يسترها من القوم (٢). وقد أجاب الشيخ العلامة: الألباني على ما ذهب إليه الأحناف فقال: فهذا التعلي مردود من وجوه: الأول: أنه صادر من مجهول، وما كان كذلك فلا قيمة له. الثاني: أنه خلاف ما فعله راوي الحديث نفسه وهو أنس ﵁ فإنه وقف وسطها مع كونها في النعش، ودل ذلك على بطلان ذلك التعليل ... إلخ (٣). وقال ابن حزم في المحلى: ويصلي على الميت بإمام يقف ويستقبل القبلة والناس وراءه صفوف، ويقف من الرجل عند رأسه ومن المرأة عند وسطها ... إلخ (٤). يستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف وإن قلوا: لقول النبي ﷺ : «ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب» (٥). وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت؛ لقوله ﷺ : «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٦).

стр. 640

اجتماع جنائز الرجال والنساء: إذا اجتمع أكثر من ميت من الرجال والنساء، فإن للإمام أن يصلي على كل جنازة على حدة، ويجوز له كذلك أن يصلي عليهم صلاة واحدة، ويصف الجنائز واحدًا بعد الآخر ليكونوا جميعًا بين يدي الإمام، ويكون الرجال أمام والنساء (الأموات) مما يلي القبلة: فعن نافع أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة، فصفهن صفًّا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت على امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له: زيد، وُضعا جميعًا والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة» (١). يجوز للنساء الصلاة على الجنازة: يجوز للنساء الصلاة على الجنازة إذا لم يتبعن الجنازة بل تَوافَق وجودهن حيث يصلى عليها: فعن عبد الله بن الزبير: «أن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرى ما نسى الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد» (٢). فائدة: في هذا الحديث أنه يجوز الصلاة على الجنازة في المسجد، لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان مُعَد للصلاة على الجنائز، فقد كان هذا هدي النبي ﷺ والغالب من فعله (٣). هل يصلى على بعض أجزاء الميت؟ قد وردت آثار تدور بين الضعف والإرسال عن بعض الصحابة أنهم صلوا على بعض أجزاء الميت:

стр. 641

- فعن خالد بن معدان أن أبا عبيدة صلى على رءوس بالشام (١). - وروى عن أبي أيوب أنه صلى على رِجْل (٢). - وعن عمر أنه صلى على عظام بالشام (٣). وجملة الأقوال في هذه المسألة ثلاثة أقوال عن أهل العلم: الأول: أنه يصلى عليه سواء قل البعض أم كثر وهو قول الشافعي وأحمد (٤) وبه قال ابن حزم (٥). الثاني: إن وجد أكثر من نصفه غسل وصلى عليه وإن وجد النصف فلا غسل ولا صلاة وهو قول أبي حنيفة. وقول مالك قريب من ذلك فذهب إلى أنه لا يصلى على اليسير منه (٦). الثالث: أنه لا يصلى عليه مطلقًا وهو قول داود (٧). قلت: والذي تميل إليه النفس أنه إن لم يكن قد صلى عليه فإنه يغسل ويصلى على ذلك الجزء ويدفن. وإن كان قد صلى على الميت ثم وجد جزء منه فلا يصلى عليه ولكن يغسل ويدفن. والله تعالى أعلم. لا يصلى على شيء من أجزاء الحي: وذلك لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أو الصحابة أنهم صلوا على ما فصل عن الحي، مع تواتر الأخبار بأنه أقيمت الحدود على عهد النبي ﷺ والصحابة من بعد وقطعت أيدٍ فلم يذكر أنهم غسلوا وصلوا على شيء منها، والله تعالى أعلم. الصلاة على السقط والطفل: أولا: الطفل: ونعني به من لم يبلغ الحلم، فإنه تشرع الصلاة عليه؛ فعن عائشة قالت: «أتى رسول الله ﷺ بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءًا، ولم

стр. 642

يدرك، قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ خلق الله الجنة، وخلق لها أهلاً، وخلقهم في أصلاب آبائهم وخلق النار، وخلق لها أهلاً، وخلقهم في أصلاب آبائهم» (١). ثانيًا: الصلاة على السقط: لا خلاف بين أهل العلم أن السقط إذا استهل صارخًا أو عاطسًا صُلى عليه. قال ابن المنذر (٢): وأجمعوا على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صُلي عليه اهـ. وإنما وقع الخلاف في السقط إذا لم يستهل: فذهب قوم إلى أنه لا يُصلَّى عليه، يروى ذلك عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وبه قال الزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي (٣). ويستدلون بما رواه جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث الصبي حتى يستهل صارخًا» (٤). وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا استهل المولود ورث» (٥). وذهب قوم إلى أنه يصلى عليه، يروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب وهو قول أحمد وإسحاق (٦). واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٧).

стр. 643

وقد أجاب إسحاق عن استدلال الفريق الأول فقال: إنما الميراث بالاستهلال، أما الصلاة فإنه يصلى عليه لأنه نسمة كتب عليه الشقاء والسعادة (١). وقد نقل الخطابي (٢) عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما قالا: كل ما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صلى عليه اهـ. قال النووي ﵀: «والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر، ثم مات، فأما إذا سقط قبل ذلك فلا، لأنه ليس بميت كما لا يخفى. وأصل ذلك حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إله ملكًا ... ينفخ فيه الروح (٣). الصلاة على أهل البدع والكبائر والمعاصي: حاصل كلام أهل العلم أنه يُصلَّى على كل مسلم ولو كان من أهل الكبائر والفُساق، أو من أهل البدع -ما لم يكفَّ- ببدعته- لكن إن ترك أئمة الدين وأهل الفضل الذي يُقتدى بهم الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثالهم فهو حسن، كما امتنع النبي ﷺ من الصلاة على قاتل نفسه (٤) وقال لأصحابه: «صلوا عليه». وقد قال بهذا مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة (٥). الصلاة على من عليه دين: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت، عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء». فإن حدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى وعليه دين فعليَّ قضاؤه ومن ترك مالاً فهو لورثته» (٦).

стр. 644

قال النووي ﵀: إنما كان يترك الصلاة عليه ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء اهـ (١). وعلى هذا فلا ينبغي لأحد من المسلمين أن يدع الصلاة على المدين من أجل دينه. والحمد لله رب العالمين. الصلاة على قاتل نفسه: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصلى عليه وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي (٢) وحجتهم حيث جابر بن سمرة قال: أتُي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص (٣) فلم يصلِّ عليه (٤). القول الثاني: يُصلَّى عليه وبه قال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء، وقد أجابوا عن حديث جابر المتقدم بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس على مثل فعله، وصلَّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائه وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال ﷺ : «صلوا على صاحبكم». وقال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا (٥). القول الثالث: أن يتجنب أهل الفضل والصلاة الصلاة عليه وهو مروي عن مالك وغيره (٦). وهو الأظهر. وإليه جنح ابن تيمية حيث قال: «فيجوز لعموم الناس أن يصلوا عليه، وأما

стр. 645

أئمة الدين الذين يقتدى بهم فإذا تركوا الصلاة عليه زجرًا لغيره اقتداء بالنبي ﷺ فهذا حق، والله أعلم اهـ (١). هل يصلى على شهيد المعركة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يصلى عليه وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق وإحدى الروايات عن أحمد (٢). وقد استدلوا بجملة أدلة منها: ١ - حديث جابر في قتلى أُحد مرفوعًا وفيه قال: «وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصلِّ عليهم» (٣). ٢ - حديث أنس أن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم [غير حمزة] (٤). ٣ - حديث أبي برزة في مقتل جليبيب وفيه قال: «فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي ﷺ قال: فحر له ووضع في قبره ولم يذكر غسلاً» (٥). القول الثاني: أنه تجب الصلاة على الشهيد وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وابن المسيب والحسن وإليه ذهب العترة (٦) واستدلوا بجملة أدلة، منها: حديث شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه وفي الحديث: «فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به النبي ﷺ يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ : «أهو هو؟» قالوا: نعم. قال: «صدق الله فصدقه» ثم كفنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ثم قدمه فصلى عليه

стр. 646

فكان فيما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك (١). حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صلى على قتلى أُحد بعد ثماني سنين صلاته على الميت كالمودع للأحياء والأموات (٢). ولهم جملة أدلة أخرى لا تصفو أسانيدها من انتقاد. القول الثالث: وهو الأظهر والذي تميل إليه النفس وهو: أنه يجوز الفعل والترك فإن صلى على قتيل المعركة فحسن، وإن لم يصل عليه فحسن وهذا رأس ابن حزم (٣) وهو إحدى الروايات عن أحمد واستصوبه ابن القيم (٤). وفيه العمل بجميع النصوص الثابتة. فائدة: وأما شهيد غير المعركة فإنه يغسل ويصلى عليه كسائر الموتى. والله تعالى أعلم. الصلاة على الغائب: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنه تجوز الصلاة على الغائب وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٥) وعمدتهم في هذا الباب أن النبي ﷺ «نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى، وكبر أربع تكبيرات» (٦). الثاني: أنه لا يجوز الصلاة على الغائب؛ وأن صلاة النبي ﷺ على النجاشي خاصة لا تعمم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة (٧). الثالث: وفيه تفصيل أنه تجوز الصلاة على الغائب الذي مات في أرض لم يُصلِّ عليه فيها أحد، وإن صلى عليه حيث مات لم يُصلَّ عليه صلاة الغائب لأن

стр. 647

الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه. وهو مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀، واختاره العلامة ابن عثيمين ﵀ وحجتهم: أنه لم يحفظ أن النبي ﷺ صلى على غائب إلا على النجاشي لأنه مات بين أمة مشركة ليسوا أهل صلاة، ولو كان منهم من آمن فلا يعرف عن كيفية الصلاة شيئًا (٢). لا يجوز الصلاة على الكافر: لا يجوز الصلاة على الكافر لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣). وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٤). الصلاة على أطفال المشركين: لا يجوز الصلاة على أطفال المشركين، لأن لهم حكم آبائهم إلا من حكمنا بإسلامه، مثل: أن يسلم أحد أبويه، أو يموت أو يسبى منفردًا من أبويه -فإنه يصلى عليه (٥). الحكم لو وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر: الظاهر من أقوال أهل العلم في المسألة أن ينظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب وغيرها من علامات المسلمين، فإن وجدت غسل وصلى عليه، وإن لم توجد علامات وكان في دار الإسلام غسل وصُلى عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل، ولم يصل عليه. وقد نص عليه أحمد (٦). لو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار: اختلف العلماء في ذلك على قولين:

стр. 648

الأول: أنه إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين فلم يميزوا صلى عليه جميعهم ينوي المسلمين وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد (١). الثاني: أنه إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فإن كانت الغلبة للمسلمين غسلوا وصلى عليهم مع الغالب إلا من عرف أنه كافر، وإن كانت الغلبة لموتى الكفار لا يصلى عليهم إلا من عرف أنه مسلم بالسيما، فإذا استويا لم يصل عليهم لأن الصلاة على الكفار منهي عنها، ويجوز ترك الصلاة على بعض المسلمين. وهو مذهب أبي حنيفة (٢). أين يصلى على الجنازة ؟ الصلاة على الجنازة في المصلى: ويستحب الصلاة على الجنازة في المصلى لأن الغالب من صلاة النبي ﷺ على الجنائز كان في المصلى في مكان مُعد لذلك كما ورد: - عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق (٣). - وفي حديث أبي هريرة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي قال أبو هريرة: «إن النبي ﷺ صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعًا» (٤). - وعن عبد الله بن عمر: «أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد» (٥). قال ابن حجر: ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان مُعد للصلاة عليها (٦). الصلاة على الجنازة في المسجد: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

стр. 649

الأول: وهو الكراهة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية (١) وحجتهم ما أوردناه من أدلة في مسألة الصلاة على الجنازة في المصلى كما يستدلون بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له» (٢). الثاني: الجواز وهو مذهب الحنابلة (٣) واستدلوا بحديث عائشة أنها قالت: «ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد» (٤). الثالث: الندب إذا أمن تلويث المسجد وهو مذهب الشافعية (٥) واستدلوا بحديث عائشة المتقدم، وبأن الصلاة عليه في المسجد أشرف. صلاة الجنازة على القبر: اختلف أهل العلم في صلاة الجنازة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة على ثلاثة أقوال (٦): الأول: يُصلَّى عليه، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم وغيرهم، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عباس «أن رسول الله ﷺ صلَّى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعًا» (٧). ٢ - حديث أبي هريرة: «أن أسود -رجلاً أو امرأة- كان يقم المسجد فمات، ولم يعلم النبي ﷺ بموته فذكره ذات يوم فقال: «ما فعل ذلك الإنسان؟» قالوا: مات يا رسول الله، قال: «أفلا آذنتموني؟» فقالوا: إنه كان كذا وكذا -قصته-

стр. 650

قال: فحقَّروا شأنه، قال: «فدلوني على قبره» فأتى قبره فصلَّى عليه» (١). وما في معناهما. والقائلون بهذا القول منهم من أجاز الصلاة على القبر إلى ثلاثة أيام لا يصلَّى بعدها، ومنهم من أجازه إلى شهر، ومنهم: ما لم يبل جسده، ومنهم من أجازها أبدًا. الثاني: لا تجوز الصلاة على القبر مطلقًا. الثالث: لا تجوز الصلاة على القبر إلا إذا دفن قبل الصلاة عليه: والقولان مرويان عن النخعي وأبي حنيفة ومالك وحجتهم: ١ - أدلة النهي عن الصلاة في المقبرة وإلى القبور. ٢ - احتجوا بزيادة وردت في حديث أبي هريرة - في قصة صلاة النبي ﷺ على الرجل أو المرأة السوداء- أنه قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوِّرها بصلاتي عليهم» (٢). فقالوا: الصلاة على القبر من خصائصه ﷺ . الراجح: الأدلة ثابتة في الصلاة على القبر ثبوتًا لا يُقابل بغير القبول، فأمل فيمن لم يُصلَّ عليه فالأمر أوضح من أن يخفى ولا تزال الصلاة مشروعة عليه ما عَلم الناس أنه لم يُصلِّ عليه أحد، وأما فيمن قد صُلِّي عليه فلمثل حديث السوداء المتقدم، ومعلوم أن الميت لا يدفن في عصره ﷺ بدون صلاة عليه (٣). وأما أدلة النهي عن الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبور فإنها مخصصة بما سوى صلاة الجنازة بلا شك، فإن الذي نهى عن ذلك هو الذي صلَّى على القبر، فهذا قوله وهذا فعله ولا يناقض أحدهما الآخر (٤). وأما دعوى الخصوصية فلا تنهض، لأنها خلاف الأصل ولا تثبت إلا بدليل، والزيادة التي احتجوا بها فالصواب أنها مدرجة في هذا الإسناد وهي من مراسيل

стр. 651

ثابت، بيَّن ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، ولذا لم يُخرج البخاري هذه الزيادة (١). ثم على فرض ثبوتها، فإن مجرد كون الله ينور القبور بصلاته ﷺ على أهلها لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره لا سيما بعد قوله ﷺ : «صلُّوا كما رأيتموني أصلي» (٢) هذا، على أنه قد صلَّى بعض الصحابة على القبر خلف النبي ﷺ ولم ينكر عليهم، فالصواب أنه تجوز الصلاة على القبر لمن لم يُصلِّ على الميت لا سيما إن كان من أهل الفضل والصلاح، والله أعلم. أفعال صلاة الجنازة: ١ - التكبير: (أ) عدد التكبيرات: قد ورد عن النبي ﷺ في التكبير عدة صور: الأولى: أربع تكبيرات: - فعن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات» (٣). - وعن جابر: «أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعًا» (٤). - وعن ابن عباس ﵄ قال: «مات رجل، وكان رسول الله ﷺ يعوده فدفنوه بالليل، فلماأصبح أعلموه، فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل، وكانت الظلمة فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه وكبر أربعًا» (٥). وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي وابن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وابن عامر، ومحمد ابن الحنفية، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك وأصحاب الرأي، وابن المبارك، والشافعي (٦).

стр. 652

الثانية: خمس تكبيرات: - فعن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها (١). - وروى عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا (٢). قال الإمام الترمذي عن التكبير خمسًا: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، رأوا التكبير على الجنازة خمسًا (٣). الثالثة: سبع تكبيرات: وقد ورد فيها حديث ضعيف وإنما ذكرتها إشارة إلى ضعف حديثها: - فعن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ يوم أُحد بالقتلى فجعل يصلى عليهم فوضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعًا حتى فرغ منهم» (٤). الرابعة: تسع تكبيرات: - فعن عبد الله بن الزبير ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر يوم أُحد بحمزة فسجي ببردة ... ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يصفون ويصلى عليهم وعليه معهم (٥). فائدة: قد ورد عن الصحابة -رضوان الله عليهم- آثار صحيحة في التكبير على الجنازة ثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا، وستًّا، وسبعًا (٦). وقد أشار النووي ﵀ إلى هذا الخلاف ثم قال: «.. ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص» (٧) اهـ.

стр. 653

قلت: لا يُحتج بإجماع يخرج منه عليٌّ وابن مسعود وأنس وابن عباس والصحابة بالشام والتابعون، والصحيح أنه يُعمل بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ، ولا يُلتفت إلى إنكار من أنكر، وإن كان الذي يظهر من أحاديث الباب أن الزيادة في التكبير على أربع إنما يُخصُّ بها أهل العلم والفضل كما بوب عليها الطحاوي ﵀، والله تعالى أعلم. إذا ترك تكبيرة مما نواه (١): من ترك تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الجنازة: فإن تركها سهوًا فإنه يكبِّرها ثم يسلِّم، فعن أنس أنه كبَّر على جنازة ثلاثًا ثم انصرف ناسيًا، فتكلم وكلم الناس، فقالوا: يا أبا حمزة، إنك كبرت ثلاثًا؟ قال: «فصُفُّوا» ففعلوا فكبَّر الرابعة (٢). وإن تركها الإمام عمدًا بطلت صلاته، ولا يُشرع سجود السهو على أي حال. هل يرفع يديه مع التكبيرات؟ لم يصحَّ في هذا الباب حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، وأهل العلم فيه فريقان (٣): الأول: قالوا: يرفع يديه في التكبيرة الأولى فقط، وهو مذهب الثوري ورواية عن أبي حنيفة ومالك وابن حزم واختاره الألباني، ﵏ جميعًا، وحجتهم: ١ - ما يروى عن أبي هريرة مرفوعًا «أن رسول الله ﷺ كبَّر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى» (٤) وسنده تالف. ٢ - ما يروى عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود» (٥) وسنده ضعيف. ٣ - أنهم أجمعوا على الرفع في الأولى، ولم يأت فيما سواها شيء مع رسول الله ﷺ فلم يجز فعله. الثاني: قالوا: يرفع يديه في جميع التكبيرات: وبه قال أكثر أهل العلم: الشافعي وأحمد وإسحاق وهو رواية عن أبي حنيفة ومالك، وحجتهم:

стр. 654

١ - ما يروى عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا صلَّى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة» (١) والصواب وقفه على ابن عمر، وهو الآتي بعده. ٢ - ما ثبت عن ابن عمر: «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وإذا قام من الركعتين» (٢). ٣ - ونحوه عن ابن عباس، أشار إليه الحافظ في «التلخيص» (٢/ ١٤٧) وصححه. قلت: الأمر في هذا واسع وإن كان الأقوى القول الثاني لفعل ابن عمر -وهو أشد الصحابة اتباعًا لسنة النبي ﷺ لاسيما عند من يرى أنه لا يفعله إلا بتوقيف، والله أعلم. وهل يُشرع الاستفتاح في صلاة الجنازة؟ (٣): ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يشرع الاستفتاح في صلاة الجنازة، بل قال الشافعية والحنابلة: يكبر ثم يستعيذ ثم يقرأ. وقال الثوري: يستفتح فيها، ورُوي عن أحمد مثله، قلت والظاهر أنه لا مانع منه. قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة: لأهل العلم في حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة قولان (٤): الأول: تجب قراءتها: وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وداود وابن حزم، وبه قال ابن عباس وأبو أمامة، ودليلهم: ١ - عموم قول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٥) قالوا: واسم الصلاة يتناول صلاة الجنازة. ٢ - عن أبي أمامة قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخافتة، ثم يكبِّر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» (٦).

стр. 655

٣ - عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: «صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها سنة» (١). وعند شيخ الإسلام أن قراءتها في الجنازة مستحبة لا واجبة. الثاني: لا يقرأ في الجنازة بشيء من القرآن: وهو مذهب الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك وبه قال ابن عمر وعبادة بن الصامت من الصحابة، وحجتهم: ١ - أن عمل أهل المدينة أنه لا يقرأ في الجنازة (عند مالك). ٢ - ما ثبت عن ابن عمر أنه: «كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة» (٢). ٣ - وعن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الميت؟ فقال: أنا والله أخبرك: «تبدأ فتكبِّر ثم تصلي على النبي ﷺ وتقول: اللهم إن عبد الله فلانًا كان لا يشرك بك شيئًا، أنت أعلم به، إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» (٣). قلت: والقول الأول أرجح لما تقدم، وأما أثر ابن عمر فيمكن حمله على أنه لا يقرأ غير أم القرآن، وكذلك أثر عبادة ليس فيه حجة لا سيما ولم يذكر باقي التكبيرات ولا التسليم، فهل يقال: لا تجب؟! فالصواب أنها تقرأ، والله أعلم. الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية: يستحب الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية لحديث أبي أمامة أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أخبره: «أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث لا يقرأ في شيء منهن ثُم يسلم سرًّا في نفسه» (٤). والصلاة على النبي ﷺ أكملها الصيغة التي في التشهد.

стр. 656

إخلاص الدعاء للميت بعد سائر التكبيرات: يستحب إخلاص الدعاء للميت بعد سائر التكبيرات، فعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ قال: «إذا صليتم على الجنائز فأخلصوا لها الدعاء» (١). من صيغ الدعاء في صلاة الجنازة: - «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو: من عذاب النار» (٢). - «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» (٣). فائدة: الإسرار بالقراءة والدعاء: ويسر بالقراءة والدعاء في صلاة الجنازة، وإن روى عن ابن عباس (٤) أنه جهر بفاتحة الكتاب إلا أن ذلك كان للتعليم كما قال أحمد: إنما جهر ليعلمهم (٥). التسليم: اختلف أهل العلم: هل يسلم تسليمة واحدة أم تسليمتين؟ أولاً: القائلون بالتسليمة: صح عن ابن عمر (٦) وواثلة بن الأسقع (٧) أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة. كما روى ذلك عن علي وابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس بن مالك وابن أبي أوفى، وبه قال سعيد بن جبير، والحس، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل،

стр. 657

والقاسم بن محمد، والحارث، وإبراهيم النخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ومالك، وأحمد، وإسحاق (١). وهو قول مروي عن الشافعي (٢). ثانيًا: القائلون: يسلم تسليمتين: ذهب إلى ذلك الشافعي وأصحاب الرأي، وهو ما اختاره القاضي (٣). وإليه ذهب أبو حنيفة (٤). وحجتهم في ذلك قول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وحديث عبد الله بن أبي أوفى «أنه صلى على ابنته فكبر أربعًا ...» وفيه «ثم سلم عن يمينه وعن شماله» (٥) وقد رفع الحديث إلى النبي ﷺ . قلت: وهو حديث ضعيف. المسبوق ببعض التكبير: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المأموم إذا سُبق بشيء من التكبير فإنه يقضي ما فاته، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن حزم (٦). واختلفوا: إذا قضى هل يدعو بين التكبير أم لا؟ فمذهب أبي حنيفة أن يدعو بين التكبير المقضي، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يقضيه نسقًا (٧). وحجة القائلين بالقضاء قول النبي ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٨). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقضي ما فاته من تكبير، صح ذلك عن الحسن (٩) وعن ابن عمر أنه لا يقضي وإن كبر متتابعًا فلا بأس (١٠).

стр. 658

وعن أحمد قال: إذا لم يقض لم يبال (١). دفن الميت، وما يتبعه حكم دفن الميت: دفن الميت فرض على الكفاية حتى لو كان الميت كافرًا: ١ - لحديث أبي طلحة: «أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طُوىً من أطواء بدر ....» الحديث (٢). ٢ - وتقدم قول النبي ﷺ لعليٍّ لما مات أبو طالب -كافرًا-: «... اذهب فَوارِهِ» (٣). لا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم: بل يُدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، واستمر إلى عصرنا هذا (٤). إذا ماتت امرأة كتابية وهي حامل من رجل مسلم، أين تُدفن؟ قال الإمام أحمد: تدفن بين مقبرة المسلمين ومقبرة أهل الكتاب، فهي كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها، ولا تُدفن في مقبرة الكفار لأن ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم، فتدفن منفردة، قالوا: ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن، لأن وجه الجنين إلى ظهرها (٥). السنَّة: الدفن في المقبرة (٦): لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم يُنقل عن أحد من السلف أنه دُفن في غير المقبرة إلا ما تواتر أيضًا أن النبي ﷺ [وصاحبيه] دفنوا في حجرة عائشة رضي الله عنهان وهذا خاص بهم.

стр. 659

ويستثنى كذلك شهداء المعركة: فإنهم يُدفنون في مواطن استشهادهم، ولا ينقلون إلى المقابر، لحديث جابر أنه لما جاءت عمته بأبيه وخاله -وقد استشهدا- لتدفنهما في المقابر «.. إذ لحق رجل ينادى: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعت بهما فدفناهما حيث قُتلا» (١). يُكره دفن الميت في هذه الأوقات إلا لضرورة: ١، ٢، ٣ - وقت طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها: لحديث عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نُصلِّي فيهن، أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (٢). ٤ - الدفن ليلاً من غير ضرورة: لحديث جابر: «أن النبي ﷺ ذكر رجلاً من أصحابه قُبض فكُفِّن في كفن غير طائل وقُبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يُقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» (٣). وذلك لأن الدفن في الليل مظنة قلة المصلين على الميت فنهى عن الدفن ليلاً حتى يصلى عليه نهارًا، لأن الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، فإن اضطروا لدفنه ليلاً خوف تغيره بسبب الحر أو نحوه، فيجوز الدفن ليلاً ولو مع استعمال المصباح والنزول في القبر، لحديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ أدخل رجلاً قبره ليلاً، وأسرج في قبره» (٤). صفة القبر: ١ - يستحب إعماق القبر وتوسيعه وتحسينه: لقول النبي ﷺ في قتلى أُحد: «.. احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا ...» (٥).

стр. 660

٢ - يجوز في القبر اللحد والشق، والأول أفضل: اللَّحد: هو الشق عرض القبر (جانبه) من جهة القبلة. الشَّق: هو الضريح أو الحفرة التي تحفر لأسفل (كالنهر). وقد جرى العمل عليهما في عهد النبي ﷺ . واللحد أفضل وهو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ ، فعن أنس قال: «لما توفى النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحد، وآخر يُضَرِّح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا النبي ﷺ » (١). وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «ألحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا، كما صُنع برسول الله ﷺ » (٢). قال النووي: «أجمع العلماء أن الدفن في اللَّحد والشقِّ جائزان، لكن إن كانت الأرض صُلبة لا ينهار ترابها فاللَّحد أفضل، لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل» اهـ (٣). من الذي يقوم بالدَّفن ؟ ١ - لا يجوز للنساء القيام بدفن الموتى (٤): فإن المعهود في عهد النبي ﷺ ، والذي جرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم أن يتولى الرجال الدفن، ولأن الرجال أقوى على ذلك، ثم لو تولته النساء لأفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب وهو غير جائز، وأصرح من هذا كله أن النبي ﷺ قدَّم أبا طلحة لدفن ابنته - وهو أجنبي عنها- كما سيأتي، ولم يقدِّ النساء، والله أعلم. ٢ - من الأحق بدفن الميت؟ أولياء الميت وذوو رحمه أحق بإنزاله إلى قبره، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٥). ولحديث عليٍّ ﵁ قال: «غسَّلت رسول الله ﷺ فذهبتُ أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيبًا حيًّا وميتًا، ووَلَىَ دفنه وإجنانه دون الناس أربعة:

стр. 661

عليٌّ والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا» (١). ٣ - ومن يدخل المرأة قبرها؟ (أ) محارمها: لعموم الآية الكريمة السابقة، ولحديث عبد الرحمن بن أبزى: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ : من يُدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها» (٢). (ب) زوجها: وهو أحق من الغريب، وقد تقدم أن النبي ﷺ قال لعائشة: «وددت أن ذلك كان وأنا حي، فهيأتك ودفنتك ...» (٣). ٣ - يشترط فيمن يدفن الميت ألا يكون قد جامع أهله في تلك الليلة: حتى إنه يُقدَّم الرجل الغريب الأجنبي في الدفن على المحرم والزوج إذا كان جامع أهله تلك الليلة. فعن أنس قال: «شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، قال: «فانزل في قبرها» فنزل في قبرها فقبرها» (٤). وعن أنس: أن رقية لما ماتت قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة» (٥). ومعنى قارف أهله: جامع زوجته. صفة وضع الميت في القبر: ١ - السنة إدخال الميت من جهة رِجلى القبر: لحديث أبي إسحاق قال: «أوصى الحارق أن يُصلِّي عليه عبد الله بن زيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قِبَل رجلى القبر، وقال: هذا من السنة» (٦).

стр. 662

٢ - يُجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة: وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا (١). ٣ - يقول الذي يضعه في لحده: «بسم الله، وعلى سنة (أو على ملة) رسول الله ﷺ » (٢). ٤ - هل يُستر قبر المرأة بثوب عن أعين الناظرين حتى تدفن؟ قد ورد في هذا حديث ضعيف، لكن قال ابن قدامة في المغنى (٢/ ٥٠١): والمرأة يخمر قبرها بثوب؟ لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا [ثم أورد آثارًا بهذا عن عمر وأنس، ثم قال:] لأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون ... اهـ. ٥ - يستحب أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيده بعد الفراغ من سد اللحد: لحديث أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ صلَّى على جنازة، ثم أتى الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا» (٣). ٦ - رفعُ القبر عن الأرض قليلاً نحو شبر ليتميز فَيُصان، وجَعْلُه مسنَّمًا: لحديث جابر «أن النبي ﷺ أُلحد له لحد، ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر» (٤). وعن سفيان التمار قال: «رأيت قبر النبي ﷺ مسنَّمًا» (٥). ٧ - تعليم القبر بحجر أو نحوه، ليدفن إليه من يموت من أهله: لحديث المطلب بن حنطب قال: «لما مات عثمان بن مظعون أخرجه بجنازته فدُفن، أمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر ذراعيه ... ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: «أتعلَّم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» (٦).

стр. 663

يجوز دفن اثنين أو أكثر في القبر للضرورة: فعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يجمع الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم» (١). وفيه: أنه إذا دفن اثنان فأكثر يقدَّم أفضلهم. وتُدفن المرأة مع الرجل للضرورة: فعن واثلة بن الأسقع ﵁: «أنه كان إذا دفن الرجال والنساء جميعًا يجعل الرجل في القبر مما يلي القبلة، ويجعل المرأة وراءه في القبر» (٢). قال الشافعي في «الأم» (١/ ٢٤٥): «ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال، وإن كان ضرورة ولا سبيل إلى غيرها كان الرجل أمامها وهي خلفه، ويجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجزًا من تراب» اهـ. تعزية أهل الميت يشرع للناس -الرجال والنساء- تعزية أهل الميت بما يُسليِّهم ويكفُّ من حزنهم، ويحملهم على الرضا والصبر، مما ثبت عن النبي ﷺ إن كانوا يستحضرونه، وإلا فبما تيسَّر مما يحقق الغرض ولا يخالف الشرع، وقد قال النبي ﷺ : «من عزَّى أخاه المؤمن في مصيبة، كساه الله حُلَّة خضراء يُحبَر بها يوم القيامة» قيل: يا رسول الله، ما يُحبر؟ قال: «يُغبط» (٣). ومما ثبت في التعزية: «لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عند بأجل مسمَّى، ... فلتصبر وتحتسب» (٤). تنبيه: يُكره الاجتماع للعزاء في مكان خاص «المأتم» (٥):

стр. 664

فإنه يجدد الأحزان، ويكلِّف المؤنة، وقد ورد فيه حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» (١) فلا يتفق على مثل هذا الاجتماع، وإنما حسبما تيسَّرت التعزية قدِّم العزاء. وأما ما يسمى بالخميس والأربعين والسنوية ونحو ذلك، فإنها من البدع المحدثة المخالفة لدين الله . صناعة الطعام لأهل الميت. السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه الطعام لأهل الميت، وقد ورد عن عبد الله ابن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم» (٢). وفيه ضعف، لكنه يتأيَّد بحديث عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها: «.. أمرت ببرمة من تلبينة» (٣) فطُبخت ثم صُنع ثريد، فصبَّت التلبينة عليها، ثم قالت: كُلْنَ منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التلبينة مُجِمَّةُ (٤) لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن» (٥). تنبيه: وأما ما اعتاده الناس من عكس هذه السنة وصناعة أهل الميت الطعام للمعزِّين فمكروه لأنه خلاف السنة، ولحديث جرير المتقدم. ما ينتفع به الميت بعد موته ١ - دعاء المسلمين له: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٦). وقال النبي ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ...» (٧).

стр. 665

٢ - قضاء الدين عنه من أي شخص: لما تقدم من قضاء أبي قتادة لدين الرجل الذي مات (١). ٣ - قضاء وليه الصوم عنه: لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صوم، صام عنه وليُّه» (٢) وهذا عام في قضاء رمضان وقضاء صيام النذر، وهذا أصح أقوال العلماء كما سيأتي تحريره في «الصيام» إن شاء الله. ٤ - قضاء النذر عنه صومًا كان أو غيره: فقد استفتى سعد بن عبادة، رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: «اقض عنها» (٣). ٥ - ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة: قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (٥). ٦ - ما يَخَلِّفه من آثار صالحة وصدقات جارية: قال ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٦). ما حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٧) فالأصل أن لا ينتفع الميت بشيء من فعل الأحياء إلا ما خصَّه الدليل من هذا العموم مما تقدم ذكره، وأما ما عدا ذلك فإنه باقٍ على العموم كما هو مقرر في الأصول.

стр. 666

ولهذا لم يحثَّ النبي ﷺ الأمة على إهداء ثواب القراءة للأموات، ولم يرشدهم إلى ذلك، ولم يُنقل هذا عن أحد الصحابة -فيما نعلم- وإنما أرشد النبي ﷺ للاستغفار للميت فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل» (١). فعُلم أن القراءة لا يستفيد بها الميت، وهذا مذهب الشافعي خلافً للجمهور. زيارة القبور وما يتعلق بها تشرع زيارة القبور للاتِّعاظ بها وتَذَكُّر الآخرة، لقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها [تذكركم الآخرة]» (٢). هل تشرع زيارة النساء للقبور ؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم، والثاني: يكره، والثالث: مباح من غير كراهة وهو رواية عن أحمد وبه قال مالك وبعض الأحناف (٣)، وهو الراجح بشرط أن تكون الزيارة لأجل تذكر الموت والآخرة مع تجنب المحرمات، وذلك لأمور: ١ - لحديث أنس -الذي تقدم- «مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري ...» (٤) فلم ينهها عن الزيارة. ٢ - ولزيارة عائشة قبر أخيها، فعن ابن أبي مليكة «أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها» (٥). ٣ - لقول عائشة للنبي ﷺ : «كيف أقول يا رسول الله؟ [تعني إذا أتت المقابر] قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (٦).

стр. 667

٤ - ولعموم قوله ﷺ : «كُنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورورها ...» (١). تنبيهات (٢): ١ - إذا عُلم من حال النساء أنهن إذا ذهبن إلى القبور يصحن ويندُبن وينُحْن ويعددن على الأموات، ويفعلن البدع والمحرمات، فتحرم حينئذ زيارتهن للقبور. ٢ - إذا عُلم من أحوالهن أنهن يذهبن إلى قبور من يطلقون عليهم الصالحين أو الأولياء، يلتمسن عندهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات وكشف الغمات، فهذا شرك وتحرم حينئذ الزيارة بلا شك. ٣ - إذا خصص النساء يومًا لزيارة القبور فيه، كما يحدث في أيام الجمع والأعياد ونحو ذلك فهذا من البدع. ٤ - لا يجوز خروج النساء إلى المقابر وغيرها متبرجات متزينات متعطرات كما لا يخفى. من الأذكار الثابتة عند زيارة القبور: ١ - «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل (ويسمي المقابر)» (٣). ٢ - «السلام عليكم أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» (٤). ٣ - «السلام على أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (٥).

стр. 668

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة أعده أبو مالك كمال بن السيد سالم مع تعليقات فقهية معاصرة فضيلة الشيخ/ ناصر الدين الألباني فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن باز فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين الجزء الثاني

стр. 669

٤ - كتاب الزكاة

стр. 670

تعريف الزكاة: الزكاة لغة: مصدر «زكا الشيء»: إذا نما وزاد، فالزكاة هي: البركة والنماء والطهارة والصلاح (١). والزكاة شرعًا: حصة مقدرة، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، يصرف في جهات مخصوصة. وسميت هذه الحصة المخرجة من المال «زكاة» لأنها تزيد في المال الذي أخرجت منه وتوفره في المعنى، وتقيه الآفات (٢)، ولأنها تزكى نفس المتصدق (٣) كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٤). حكم الزكاة ومنزلتها الزكاة فرض عين على كل من توفرت فيه شروط وجوبها، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقد تضافرت آياته في إيجاب الزكاة والعناية بها، حتى أنها قُرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، منها قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٦). وعظَّم الوعيد على الشح في إخراجها، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٧). وقد صح عن ابن عمر وجابر بن عبد الله أنهما قالا: «ما أُدى زكاته فليس بكنز» (٨). وأما السنة فقد جاءت بتأكيد وجوب الزكاة، فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب،
следующие страницы →