← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولهذا لم يحثَّ النبي ﷺ الأمة على إهداء ثواب القراءة للأموات، ولم يرشدهم إلى ذلك، ولم يُنقل هذا عن أحد الصحابة -فيما نعلم- وإنما أرشد النبي ﷺ للاستغفار للميت فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل» (١). فعُلم أن القراءة لا يستفيد بها الميت، وهذا مذهب الشافعي خلافً للجمهور. زيارة القبور وما يتعلق بها تشرع زيارة القبور للاتِّعاظ بها وتَذَكُّر الآخرة، لقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها [تذكركم الآخرة]» (٢). هل تشرع زيارة النساء للقبور ؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم، والثاني: يكره، والثالث: مباح من غير كراهة وهو رواية عن أحمد وبه قال مالك وبعض الأحناف (٣)، وهو الراجح بشرط أن تكون الزيارة لأجل تذكر الموت والآخرة مع تجنب المحرمات، وذلك لأمور: ١ - لحديث أنس -الذي تقدم- «مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري ...» (٤) فلم ينهها عن الزيارة. ٢ - ولزيارة عائشة قبر أخيها، فعن ابن أبي مليكة «أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها» (٥). ٣ - لقول عائشة للنبي ﷺ : «كيف أقول يا رسول الله؟ [تعني إذا أتت المقابر] قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (٦).

стр. 667

٤ - ولعموم قوله ﷺ : «كُنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورورها ...» (١). تنبيهات (٢): ١ - إذا عُلم من حال النساء أنهن إذا ذهبن إلى القبور يصحن ويندُبن وينُحْن ويعددن على الأموات، ويفعلن البدع والمحرمات، فتحرم حينئذ زيارتهن للقبور. ٢ - إذا عُلم من أحوالهن أنهن يذهبن إلى قبور من يطلقون عليهم الصالحين أو الأولياء، يلتمسن عندهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات وكشف الغمات، فهذا شرك وتحرم حينئذ الزيارة بلا شك. ٣ - إذا خصص النساء يومًا لزيارة القبور فيه، كما يحدث في أيام الجمع والأعياد ونحو ذلك فهذا من البدع. ٤ - لا يجوز خروج النساء إلى المقابر وغيرها متبرجات متزينات متعطرات كما لا يخفى. من الأذكار الثابتة عند زيارة القبور: ١ - «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل (ويسمي المقابر)» (٣). ٢ - «السلام عليكم أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» (٤). ٣ - «السلام على أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (٥).

стр. 668

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة أعده أبو مالك كمال بن السيد سالم مع تعليقات فقهية معاصرة فضيلة الشيخ/ ناصر الدين الألباني فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن باز فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين الجزء الثاني

стр. 669

٤ - كتاب الزكاة

стр. 670

تعريف الزكاة: الزكاة لغة: مصدر «زكا الشيء»: إذا نما وزاد، فالزكاة هي: البركة والنماء والطهارة والصلاح (١). والزكاة شرعًا: حصة مقدرة، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، يصرف في جهات مخصوصة. وسميت هذه الحصة المخرجة من المال «زكاة» لأنها تزيد في المال الذي أخرجت منه وتوفره في المعنى، وتقيه الآفات (٢)، ولأنها تزكى نفس المتصدق (٣) كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٤). حكم الزكاة ومنزلتها الزكاة فرض عين على كل من توفرت فيه شروط وجوبها، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقد تضافرت آياته في إيجاب الزكاة والعناية بها، حتى أنها قُرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، منها قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٦). وعظَّم الوعيد على الشح في إخراجها، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٧). وقد صح عن ابن عمر وجابر بن عبد الله أنهما قالا: «ما أُدى زكاته فليس بكنز» (٨). وأما السنة فقد جاءت بتأكيد وجوب الزكاة، فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب،

стр. 671

فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة من أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (١). وقد اتفق الإجماع على فرضية الزكاة لم يخالف أحد من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا. وأما منزلتها من الدين: فالزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهي ثالثة دعائم الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، قال النبي ﷺ : «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً» (٢). ولذا كان النبي ﷺ يأخذ على الصحابة البيعة عليها: فعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣). وأمر ﷺ بقتال مانعي الزكاة: فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ....» (٤). من فضائل وفوائد الزكاة ١ - أنها من صفات الأبرار أصحاب الجنة: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).

стр. 672

٢ - أنها من صفات المؤمنين المستحقين لرحمة الله: قال سبحانه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (١). ٣ - أن الله ينميها ويربيها لصاحبها: قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢). وقال ﷺ : «من تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» (٣). ٤ - أن الله تعالى يظل صاحبها من حر يوم القيامة: قال النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ...» (٤). ٥ - أنها تزكي المال وتنميه وتفتح لصاحبها أبواب الرزق: فقد قال ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال ...» (٥). ٦ - أنها سبب لنزول الخيرات: ومنعها سبب في منعها، ففي الحديث: «... وما منع قوم زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا» (٦). ٧ - أنها تكفر الخطايا والذنوب: ففي حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «... والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (٧). ٨ - أنها دليل على صدق إيمان المزكي: وذلك أن المال محبوب للنفوس، والمحبوب لا يبذل إلا ابتغاء محبوب مثله أو أكثر، بل ابتغاء محبوب أكثر منه،

стр. 673

ولهذا سميت الزكاة صدقة، لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله (١). ٩ - أنها تزكي أخلاق المزكي، وتشرح صدره: فالزكاة تنتشل صاحبها من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء، وهي تشرح صدره، فإن الإنسان إذا بذل ماله -عن طيب نفس وسخاء- فإنه يجد في نفسه انشراحًا (٢) ١٠ - أنها تصون المال وتحصنه من تطلع الفقراء وامتداد أيدي الآثمين. ١١ - أنها عون للفقراء والمحتاجين: تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل والنشاء إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين، فتحمي المجتمع من مرض الفقر، والدولة من الإرهاق والضعف (٣). ١٢ - أنها مساهمة من المسلم بواجبه الاجتماعي في رفد الدولة الإسلامية بالعطاء عند الحاجة، وتجهيز الجيوش، وصد العدوان، وفي إمداد الفقراء إلى حد الكفاية (٤). ١٣ - أنها شكر لنعمة المال (٥). حكم منع الزكاة وعقوبة مانعها ١ - اتفق العلماء على أن من جحد وجوب الزكاة وأنكر فرضيتها، فهو كافر بالإجماع، لأنه مكذِّب بالقرآن والسنة، ومنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة (٦). ٢ - وأما من أقَرَّ بوجوبها، وامتنع من أدائها: (أ) فرُوى عن أحمد أنه قال: «تاركها بخلاً يكفر كتارك الصلاة كسلاً» وقوَّى هذه الرواية بعض الحنابلة (٧) واستدلوا لها بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٨).

стр. 674

قالوا: فالأخوة في الدين لا تنتفي إلا بخروج الإنسان من الملة، وقد رتب الله ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: التوبة من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. (ب) بينما ذهب جمهور العلماء إلى أن من منع الزكاة بخلاً من غير جحود لفرضيتها، فهو مرتكب لكبيرة من الكبائر، وإثم عظيم، وواقع تحت الوعيد الشديد بالعذاب الأليم يوم القيامة، ولكنه لا يخرج بهذا من الملة ما دام مقرًّا بوجوبها. وهذا هو الصواب، ويؤيده ما في حديث أبي هريرة من أن النبي ﷺ لما ذكر مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، قال بعد ذلك: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١). ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، والله أعلم. وأما عقوبة مانع الزكاة في الدنيا: فقدرية، وشرعية: فالقدرية (٢): أن يبتلى الله تعالى كل من يبخل بحق الله وحق الفقير في ماله بالمجاعة والقحط، كما قال ﷺ : «وما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين» (٣). وفي رواية: «إلا حبس عنهم القطر». والشرعية: (أ) أنه إذا كان مانع الزكاة في قبضة الحاكم، فإنه تؤخذ منه الزكاة قهرًا، لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» ومن حقها الزكاة، قال أبو بكر ﵁ بمحضر الصحابة «الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها ...» (٤). وذهب الجمهور إلى أن مانع الزكاة إذا أخذت منه قهرًا لا يؤخذ معها شيء من ماله مستدلين بحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٥).

стр. 675

وذهب الشافعي في القديم وإسحاق وبعض أصحاب أحمد، إلى أنه يؤخذ منه شطر ماله مع الزكاة عقوبة له (١). واحتجوا بحديث: «.. ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله» (٢). وأجاب الأولون عن هذا الحديث بأنه منسوخ، وتعقب هذا بأن دعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. (ب) وإذا كان مانع الزكاة خارجًا عن قبضة الحاكم، فعلى الحاكم أن يقاتله، لأن الصحابة قاتلوا الممتنعين من أدائها. وأما عقوبة مانع الزكاة في الآخرة: فقد وردت فيه عدة نصوص، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣). ٢ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالاً، فلم يؤدِّ زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ ..... بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) (٥). ٣ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أُحمى عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاته، إلا بُطح لها بقاع قرقرٍ، كأوفر ما كانت تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها رُدَّت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بُطح لها بقاع قرقرٍ، كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان

стр. 676

مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ....» (١). شروط وجوب الزكاة لا تجب الزكاة في الأموال إلا بشروط، فمن حكة الله في فرض شرائعه، أنه جعل لها شروطًا أي: أوصافًا معينة لا تجب إلا بوجودها، لتكون الشرائع منضبطة. إذ لو لم يكن هناك شروط لكان كل شيء يحتمل أنه واجب أو غير واجب ثم هناك موانع أيضًا تمنع وجوب الزكاة مع وجود الشروط، وجميع الأشياء لا تتم إلا بتوفر شروطها، وانتفاء موانعها (٢). وهذه الشروط على قسمين: شروط في من تجب في ماله الزكاة، وشروط في المال نفسه. الشرط التي يجب توفرها في صاحب المال لتجب الزكاة عليه: يشترط في صاحب المال الذي تجب فيه الزكاة شرطان: ١ - الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد، لأنه لا يملك، والسيد مالك لما في يده، وقد قال ﷺ : «من باع عبدًا له مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (٣). ولقول ابن عمر ﵄: «ليس في مال العبد زكاة حتى يعتق» (٤). وعن كيسان بن أبي سعيد المقبري قال: «أتيت عمر بزكاة مالي مائتي درهم -وأنا مكاتب- فقال: هل عتقت؟ قلت: نعم، قال: اذهب فاقسمها» (٥). ٢ - الإسلام: فلا زكاة على الكافر بالإجماع، لأنها عبادة مطهِّرة، والكافر لا طهرة له ما دام على كفره، وإنَّما نقول لا تجب في ماله زكاة، ونعني أننا لا نلزمه بها حتى يسلم، فإنها لا تقبل منهم، فلا فائدة في إلزامهم بها، وقد قال تعالى:

стр. 677

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ....﴾ (١). وليس معنى هذا أنه لا يحاسب على تركها، فإن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على المعتمد في الأصول، والله أعلم. هذا في الكافر الأصلي، أما المرتد -والعياذ بالله- (٢) فإن كانت الزكاة قد وجب عليه في حال إسلامه فلا تسقط عنه بالردة -عند الشافعية والحنابلة- لأنها حق ثبت وجوبه فلم يسقط بردته كغرامة المتلفات. وذهب الحنفية إلى أنها تسقط بالردة. هل تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون؟ للعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران: الأول: لا تجب الزكاة في مالهما إما مطلقًا أو في بعض الأموال (٣): وبهذا قال الحنفية، وهو مروي عن بعض السلف. قالوا: لأن الزكاة عبادة محضة كالصلاة، فهي تفتقر إلى نية، والصبي والمجنون لا تتحقق منهما النية. ولأن الصبي والمجنون قد سقط عنهما التكليف فلا تجب عليهما. ولأن الزكاة طهرة للمزكي، والتطهير إنما يكون من أرجاس الذنوب، ولا ذنب للصبي والمجنون. ولأن في عدم الأخذ من مالهما حفاظًا على هذا المال، مع عدم استطاعتهما استثماره. القول الثاني: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مطلقًا (٤): وهو قول الجمهور، وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله (٥)، ولا يُعلم لهم من الصحابة مخالف إلا رواية ضعيفة عن ابن عباس لا يحتج بها.

стр. 678

ويؤيد هذا القول: - عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا، ولم تستثنِ صبيًّا ولا مجنونًا. - ما ورد عن عمر بن الخطاب قال: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة» (١). أن مقصود الزكاة سد خلة الفقراء من مال الأغنياء، شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا للمال، ومال الصبي والمجنون قابل لأداء النفقات والغرامات، فلا يضيق عن الزكاة. أن الزكاة حق الآدمي فاستوى في وجوب أدائها المكلف وغير المكلف. وهذا القول هو الراجح، وعليه فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما لأنها زكاة واجبة. شروط المال لتجب الزكاة فيه؟ يشترط في المال حتى تجب فيه الزكاة شروط: ١ - أن يكون من الأصناف التي تجب فيها الزكاة: وستأتي تفصيلاً فيما بعد. ٢ - أن يبلغ النصاب: وهو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، فمن لم يملك هذا القدر وملك ما دونه، أو لم يملك شيئًا أصلاً فلا زكاة عليه، وهو يختلف باختلاف المال، كما سيأتي. ٣ - أن يكون هذا المال مملوكًا ملكًا تامًّا: والدليل على هذا الشرط (٢): إضافة الأموال إلى أربابها في القرآن والسنة في مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣)، وقوله ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (٤) وقول النبي ﷺ : «إن الله فرض عليهم في أموالهم ...». ولأن الزكاة هي تمليك المال للمستحقين له، والتمليك فرع عن الملك.

стр. 679

فلابد في الزكاة من الملك، واختلف: أهو ملك اليد (الحيازة) أم ملك التصرف؟ أم أصل الملك؟ (١). زكاة الديون وعلى هذه الأوجه الثلاثة اختلف في زكاة الدَّيْن: هل يكون على الدائن باعتباره المالك الحقيقي للمال؟ أم يكون على المدين باعتباره المتصرف فيه والمنتفع به؟ أم يُعفى كلاهما لأن ملك كل منهما غير تام؟ وأعدل الأقوال في زكاة الدَّيْن أن يقال: إن الدين نوعان: ١ - دين مرجو الأداء، بأن يكون على موسر مقر بالدين، فهذا يعجل زكاته مع ماله الحاضر في كل حول. رواه أبو عبيد في الأموال (ص ٤٣٢) عن عمر وعثمان وابن عمر من الصحابة وغيرهم من التابعين. ٢ - دين غير مرجو الأداء، بأن يكون على معسر لا يرجى يساره، أو على جاحد ولا بيَّنة، فقيل: يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين (وهو مذهب علي (٢) وابن عباس (٣". وقيل: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة (وهو مذهب مالك). وقيل: لا زكاة عليه لشيء مضى من السنين ولا زكاة لسنته أيضًا (وهو مذهب أبي حنيفة). قال شيخ الإسلام (٢٥/ ٤٨): «وأقرب الأقوال: قول من لا يوجب فيه شيئًا بحال، حتى يحول الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض، فهذا القول له وجه، وهذا وجه» اهـ. وقد صح عن عثمان بن عفان أنه قال: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة» (٤).

стр. 680

وقالت عائشة: «ليس في الدين زكاة [حتى يقبضه]» (١). فائدة: من كان في يده مال تجب فيه الزكاة، وهو مدين، فإن كان هذا الدين مما يستغرق النصاب أو ينقص المال عن النصاب فلا زكاة فيه. وإن كان الدين ينقص المال لكن لما فوق النصاب، فإنه يخرج ما يفي بدينه ويزكى الباقي، فمثلاً إذا كان ماله ثلاثون دينارًا وعليه خمسة، زكى خمسة وعشرين. ٤ - أن يمر على الملك -عند المالك- عام هجري كامل: (حَوَلان الحَوْل). وهذا يشترط في زكاة الذهب والفضة والماشية، أما الزروع والثمار فلا، فإن حولها عند اكتمالها واستوائها وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار (٢). وهاهنا يرد سؤال وهو: حكم «المال المستفاد» في أثناء الحول؟ المال المستفاد أثناء الحول على ثلاثة أقسام (٣): ١ - إذا كان المال المستفاد من ربح المال الذي عنده (من جنسه) كربح مال التجارة ونتاج الماشية، فهذا يجب ضمُّه إلى أصله، فيعتبر حوله بحول الأصل، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا (٤). ٢ - إذا كان المال المستفاد من غير جنس المال الذي عنده، كأن يكون ماله إبلاً، فيستفيد ذهبًا من إرث أو نحوه، فهذا المستفاد يُعتبر له حول من يوم استفادته إن كان نصابًا، وليس متعلقًا بحول المال الأصلي. ٣ - إذا كان المال المستفاد من جنس المال الذي عنده -الذي بلغ النصاب- لكن ليس هذا المال المستفاد من نماء المال الأول، ومثاله: أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول، فيشترى أو يوهب له مائة أخرى، فهنا مذهبان:

стр. 681

الأول: أنه يضم المستفاد إلى المال الأول في النصاب وليس في الحول، فيزكى كلاًّ منهما باعتبار حوله الخاص. (وهو مذهب الشافعية والحنابلة). الثاني: أنه يضم المستفاد إلى المال الأول -ويزكيهما جميعًا- عند تمام حول الأول (وهو مذهب الأحناف). الأصناف التي تجب فيها الزكاة اختلف أهل العلم في أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة اختلافًا كبيرًا، بين مضيِّق هذه الأصناف على ما وردت به النصوص الصريحة (١)، وبين مُوسِّع حتى يشمل كل مالٍ نامٍ، حتى إنه لم يشترط النصاب في بعضها!! (٢). ما وجهة «المضيِّقين» فيما ذهبوا إليه؟ نظرية ابن حزم ومن تبعه في قصر وجوب الزكاة على الأصناف الثمانية التي أخذ منها النبي ﷺ ، تقوم على أصلين (٣): ١ - حرمة مال المسلم التي ثبتت بالنصوص، فلا يجوز أن يؤخذ شيء من ماله إلا بنص. ٢ - أن الزكاة تكليف شرعي، والأصل براءة الذمم من التكاليف إلا ما جاء به النص، حتى لا نشرِّع في الدين ما لم يأذن به الله. أما القياس، فلا يجوز إعماله، وخاصة في باب الزكاة. ما وجهة «الموسِّعين» فيما ذهبوا إليه؟ أما الموسِّعون في الأصناف التي تجب فيها الزكاة، فأقاموا منهجهم على أصول منها: ١ - الاستدلال بعمومات نصوص الكتاب والسنة في أن كل مال فيه حق أو صدقة. ٢ - أن كل غنى وكل مال في حاجة لأن يتزكى ويتطهر. ٣ - اعتبار النماء والربح، قالوا: فمالك العمارات والمصانع التي قد تدر من الأرباح أضعاف ما تدره الأرض الزراعية، أولى بدفع الزكاة.

стр. 682

٤ - اعتبار المصلحة العامة لسد حاجة الفقير والمسكين وإقامة المصالح العامة للمسلمين. الأصناف المتفق على وجوب الزكاة فيها اتفق أهل العلم على وجوب الزكاة في تسعة أصناف: ١، ٢ - الذهب والفضة (النقدين). ٣، ٤، ٥ - الإبل والبقر والغنم (الماشية). ٦، ٧، ٨، ٩ - الحنطة والشعير والتمر والزبيب (١) (الزروع والثمار). زكاة الذهب والفضة إذا تحققت في الذهب والفضة ومالكهما الشروط التي تقدمت الإشارة إليها، فبلغا النصاب وحال عليهما الحول ونحو ذلك، فإنه يجب حينئذٍ إخراج الزكاة فيهما وتكون مرة واحدة في كل عام. نصاب كل من الذهب والفضة ومقدار الزكاة فيهما جاء في حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيهما خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كانت لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» (٢). وقال رسول الله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أَواق من الوَرق صدقة، ...» (٣). ويستفاد منهما أمور: الأول: أن نصاب الفضة (٥) أوراق (٤) = (٢٠٠) درهمًا من الفضة الخالصة = (٥٩٥) جرامًا من الفضة.

стр. 683

وأن نصاب الذهب (٢٠) دينارًا = (٢٠) مثقالاً = (٨٥) جرامًا من الذهب عيار (٢٤) = (٩٧) جرامًا من الذهب عيار (٢١) = (١١٣) جرامًا من الذهب عيار (١٨) الثاني: أنه لابد من مرور الحول (السنة الهجرية الكاملة) على النصاب فما فوق حتى تجب فيه الزكاة. الثالث: أن مقدار الزكاة في كل من الذهب والفضة = ٢.٥% = ١/ ٤٠. مثال توضيحي: رجل يملك (١/ ٢) كيلو جرام من الذهب عيار (٢٤)، فما مقدار الزكاة فيه إذا حال عليه الحول؟ فنقول: بما أن مقدار الذهب والمملوك يعتبر أكثر من النصاب (٨٥جم) فإنه يجب فيه ربع العشر، فيكون المقدار الواجب إخراجه = ٥٠٠ جرامًا × ١/ ٤٠ = ١٢.٥ جرامًا. هل يُضم الذهب إلى الفضة لتكميل النصاب؟ إذا ملك رجل مقدارًا من الذهب دون النصاب، ومقدارًا من الفضة دون النصاب، فللعلماء في هذه المسألة قولان: الأول: أنه يضم الذهب إلى الفضة ليكمل النصاب ثم يخرج الزكاة، وهو مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد وقول الثوري والأوزاعي) (١). واستدلوا بأن نفعها متحد، من حيث إنهما ثَمنان، يقصد بهما الشراء. والثاني: أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر، وهو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد، وقول أبي عبيد وابن أبي ليلى وأبي ثور (٢) وابن حزم (٣) واختاره الألباني (٤) وابن عثيمين (٥) وهو الراجح، إن شاء الله.

стр. 684

واستدلوا لهذا بما يأتي: ١ - عموم قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة» (١) وقوله: «ليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا» (٢). فإنهما يدلان على أن من جمع الذهب إلى الفضة يكون قد أوجب زكاة كل منهما دون نصابه. ٢ - القياس على البقر والغنم -وسيأتي بيانه- فإنه لا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، مع أن المقصود واحد وهو التنمية، وكذلك لا يضم الشعير إلى البر حتى عند القائلين بضم الذهب إلى الفضة؟!! فإن الجنس لا يضم إلى غيره، والله أعلم. فائدة: يستثنى من هذا، أموال الصيارف، فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى جنس، ولكن لأن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة (٣). على القول بالضم، فهل يضم بالأجزاء أو القيمة؟ اختلف القائلون بضم الذهب إلى الفضة على قولين: ١ - فذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية إلى أن الضم يكون بالأجزاء (٤): بمعنى أن من كان عنده نصف نصاب من ذهب، ونصف نصاب من فضة وجبت عليه الزكاة، وكذلك لو كَان عنده ربع من هذا وثلاثة أرباع من هذا، وهكذا. ثم يخرج من كل من الذهب والفضة ربُع عشْره. ٢ - وذهب أبو حنيفة إلى أن يضم أحدهما إلى الآخر بالتقويم في أحدهما بالآخر بما هو أحظ للفقراء، أي يضم الأكثر إلى الأقل (٥). فمثلاً: لو كان عنده نصف نصاب فضة، وربع نصاب ذهب، وكان ربع نصاب الذهب تساوي قيمته نصف نصاب فضة، فعليه الزكاة.

стр. 685

الزكاة في الأوراق النقدية «البنكنوت» تكييفها الفقهي: نظرًا لقلة تعامل الناس في هذه الأيام بالنقدين «الذهب والفضة» وتعاملهم بدلاً منهما بالعملات الورقية المعروفة «بأورق البنكنوت» فقد واجهت الفقهاء مشكلة «التكييف الفقهي للنقود الورقية» وانبرى علماء الشريعة لإطلاق الأحكام على هذا النوع الجديد من النقود على ضوء تكييفهم وتصنيفهم لهذه النقود. وقد وقفت لأهل العلم في هذا الشأن على خمسة أقوال (١): ١ - أن هذه النقود سندات دَيْن على الجهة التي أصدرتها: واعتمدوا على أن هذا هو وضعفها الحقيقي حسبما تقتضيه صيغة الإقرار بالمديونية المسجلة على كل ورقة نقدية، وبذلك طبقوا عليها أحكام التعامل بأسناد الديون (٢). ومن سلبيات هذا التكييف: أنه سيخضع هذه النقود للخلاف الذي تقدم بين العلماء في زكاة الدين فمن لا يرى إخراج زكاة الدين سيمنع إخراجها من هذه النقود. وكذلك إذا كانت هذه النقود سندات دين، فلا يجوز البيع بها دينًا، للإجماع على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين، أضف إلى ذلك أنها إذا كانت سندات دين مغطاة بالذهب والفضة، فلا يجوز أن يشترى بها الذهب أو الفضة أصلاً، لأنه يشترط هنا التقابض وهو منعدم. ٢ - أنها عرض من عروض التجارة وسلعة من السلع (٣): واعتمدوا على وصفها بأنها مال متقوم تختلف فيه الرغبات ويخضع لقانون العرض والطلب في ثبات قيمته، وبالتالي حاولوا تطبيق الأحكام الفقهية المتعلقة بعروض التجارة -والتي سيأتي بعضها- على هذه العملات.

стр. 686

ومن سلبيات هذا التكييف: أنه سيفتح الباب للربا؛ فإن اعتبار هذه النقود عروضًا سيجيز بيع بعضها ببعض متفاضلاً ولو كانت من جنس واحد!! وهذا عين الحرام. وكذلك فكونها من عروض التجارة فلا يجب فيها الزكاة إذا لم تكن معدة للتجارة والنماء!! ٣ - أنها تشبه الفلوس المسكوكة من غير الذهب والفضة (كالنحاس والنيكل ...) (١). فقالوا كأنها فلوس مسكوكة من الورِق، وهذه الفلوس تعتمد في قيمتها على العرف لا على قيمة المادة المصنوعة منها. وهذه الفلوس ينظر إلهيا باعتبارين: باعتبار الأصل هي (عرض) لأن أصل النحاس والنيكل ونحوهما من العروض التي تباع وتشترى، وباعتبار ما صارت إليه هي (ثمن). فمن نظر إلى الأصل ففيها السلبيات التي تقدمت في عروض التجارة. ومن نظر إلى ما صارت إليه وأنها ثمن، بقيت عنده مشكلة وهي اختلاف الفلوس عن هذه العملات الورقية من عدة أوجه (٢) مما يمنع إلحاق النقود الورقية بالفلوس التي تقل عنها درجة وكفاءة. ٤ - أنها متفرعة من الذهب والفضة (٣): وقالوا: هي بديل عنهما، واعتمدوا على أن إصدار النقود الورقية يقتضي تغطيتها بالذهب أو الفضة، فإن كان غطاء العملة ذهبًا فحكمها حكم الذهب، وإن كان فضة فحكمها حكم الفضة. ومن سلبيات هذا التكييف: أنه لا يوجد في العالم الآن عملتان متساويتان في القيمة، مع أنهما متفرعتان من جنس الذهب، فيلزم من هذا أنه لا يجوز التفاضل عند إبدال دينار كويتي بدينار ليبي -مثلًا- بل لابد من التماثل -على أساس أن جنسهما واحد- وبينهما فارق كبير!! ثم إن افتراض وجود غطاء كامل ذهبي أو

стр. 687

فضي للعملات الورقية منقوض بحكم الواقع الذي يؤكد أن النقود تعتمد كثيرًا على قوة الدولة ونفوذ سلطانها. ٥ - أن النقود الورقية نقد قائم بذاته (١): قالوا: لأن كل مال متقوَّم اعتمد عليه الناس في أداء وظائف النقود، فإنه يأخذ صفة الثمنية، وبالتالي يصلح أن يكون نقدًا، لاسيما وأنه لم يرد في الشرع حصر الثمنية في الذهب والفضة. وقد لمَّح شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الناس لو اصطلحوا على جعل شيء ثمنًا أن يأخذ حكم الأثمان، فقال: «فإذا صارت الفلوس أثمانًا، وصار فيها المعنى، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل» (٢). وأكد ﵀ أن الثمنية غير محصورة أو مقصورة على الذهب والفضة، وأن المرجع في هذا إلى العُرف والاصطلاح فقال: «وأما الدرهم والدينار فما يُعرف له حد طبيعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به ...» (٣). قلت: ولعل هذا القول الأخير، بأن النقود الورقية ثمن يجري عليها أحكام الأثمان هو الصواب والذي تنظم معه المعاملات المالية المختلفة. نصاب الأوراق النقدية من العلماء المعاصرين من رأى أن يعتبر زكاة الأوراق النقدية بنصاب الفضة، لكونه مجمعًا عليه، ولأن التقدير به أنفع للفقراء. بينما ذهب آخرون إلى أن نصابها نصاب الذهب، لأن الفضة قد تغيرت قيمتها بعد عصر النبي ﷺ ومن بعده حتى لم تعد لها قيمة تذكر، بخلاف الذهب فإن قيمته تعتبر ثابتة إلى حد كبير. ثم إن نصاب الذهب مقارب لباقي الأنصبة في الزكاة كخمس من الإبل، أربعين من الغنم ونحو ذلك، إذ كيف يعقل أن لا يوجب الشرع الزكاة على

стр. 688

من يملك أربعًا من الإبل أو تسعًا وثلاثين من الغنم ويعتبره فقيرًا، ثم يوجب الزكاة على من يملك نصاب الفضة الذي لا يشتري به شاة واحدة ويعدُّه غنيًّا؟! (١). ولا شك أن هذا المذهب أعدل، والله أعلم. مثال توضيحي: شخص يمتلك (٢٠٠٠) جنيه، وآخر يمتلك (١٠٠٠٠٠) جنيه فما مقدار الزكاة في مال كل منهما إذا حال عليهما الحول؟ والجواب: نحتاج أولاً على أن نعرف مقدار النصاب -وهو نصاب الذهب كما تقدم [٨٥ جرامًا] فإذا فرض أن ثمن الجرام من الذهب = (٣٠) جنيهًا، فيكون النصاب = ٨٥ × ٣٠ = ٢٥٥٠ جنيه وبما أن ما يمتلكه الشخص الأول أقل من النصاب فلا زكاة عليه إلا أن يتصدق. وأما الشخص الآخر فيمتلك مبلغًا أكبر من النصاب فيجب عليه زكاة ربع العُشر: مقدار الزكاة = ١٠٠٠٠٠ × ٤٠ = ٢٥٠٠ جنيه. زكاة الحلي اختلف أهل العلم من السلف والخلف في زكاة الحلي من الذهب والفضة على أقوال، أشهرها قولان: الأول: أنه لا زكاة في حُلي الذهب والفضة المعتاد للمرأة (الملبوس): وهو مذهب جمهور العلماء (٢) وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر من الصحابة، وحجة القائلين به: ١ - حديث: «ليس في الحُلي زكاة» (٣) وهو حديث باطل مرفوعًا، والصواب وقفه على جابر.

стр. 689

٢ - عن نافع أن ابن عمر «كان يُحلِّي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج منه الزكاة» (١). ٣ - وقول ابن عمر: «ليس في الحلي زكاة» (٢). ٤ - قول جابر بن عبد الله: لما سئل عن الحلي أفيه زكاة؟ قال جابر: «لا»، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال جابر: «كثير» (٣) وفي رواية قال: «يُعار ويُلبس». ٥ - عن عائشة أنها «كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة» (٤). ٦ - عن أسماء: أنها «كانت لا تزكي الحُلي» (٥). ٧ - قالوا: الزكاة إنما تكون في المال النامي المغل، والحلي المباح لا نماء فيه فهو كالثياب، بخلاف ما إذا ادخر واتخذ كنزًا أو أعد للتجارة، فتكون فيه الزكاة. تنبيه: أصحاب هذا القول يشترطون أن يكون الحلي ما يباح، فإذا كان محرمًا كاتخاذ الرجل الذهب مثلًا ففيه الزكاة عندهم. القول الثاني: أن حلي الذهب والفضة تجب فيه الزكاة مطلقًا إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول: سواء كان ملبوسًا أو مدخرًا أو معدًّا للتجارة (٦). وحجة هذا القول (٧): ١ - العمومات الواردة في الكتاب العزيز، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ...﴾ (٨).

стр. 690

٢ - الأحاديث العامة عن النبي ﷺ الآمرة بإخراج زكاة الذهب والفضة، كقوله ﷺ : «ما من صاحب ذهب لا يؤدي ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها ...» (١). ٣ - الأحاديث الخاصة الواردة بخصوص إخراج زكاة الحلي والوعيد لمن لم يخرجها ومنها: (أ) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرُّك أن يُسَوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله (٢). (ب) حديث عبد الله بن شداد قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من وَرِق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهن أتزيَّن لك يا رسول الله، قال: «أتؤدين زكاتهن؟» قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هو حسبك من النار» (٣). (جـ) حديث أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ﷺ وعليها أسورة من ذهب فقال لنا: «أتعطيان زكاته؟» قالت: فقلنا: لا، قال: «أما تخافان أن يسِّوركما الله أسورة من نار؟ أدِّيا زكاته» (٤). ٤ - الآثار الواردة عن بعض الصحابة مثل: (أ) أثر ابن مسعود: أن امرأة سألته عن زكاة الحلي؟ فقال: «إذا بلغ مائتي درهم فزكِّيه، قالت: إن في حجري يتامى لي أفأدفعه إليهم؟ قال: «نعم» (٥).

стр. 691

(ب) أثر عمر: أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن «اؤمر مَن قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن [وفي رواية: أن يزكي الحلي] ولا يجعلن الهداية والزيادة تعارضًا بينهن» (١). (جـ) أثر عبد الله بن عمرو: «أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة» (٢). (د) أثر عائشة: أنها قالت: «لا بأس بلبس الحلي إذا أعطى زكاته» (٣). وقد صح هذا المذهب عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وعبد الله بن شداد، وسفيان الثوري وغيرهم، كما نقله شيخنا -حفظه الله- في «جامع أحكام النساء» (٢/ ١٥٦ - ١٥٧). الترجيح: وبعد عرض أدلة الفريقين، فالذي يترجح -عندي- والعلم عند الله تعالى أن القول بوجوب إخراج الزكاة من حلي الذهب والفضة على كل حال ما دام بلغ النصاب وحال عليه الحول هو الأقوى دلالة، والأحوط عملاً، وبه يخرج من الخلاف. لا تجب الزكاة في الحلي من اللؤلؤ والجواهر لا تجب الزكاة فيما دون الذهب والفضة كاللؤلؤ والمرجان والزبرجد والياقوت ونحوها بالاتفاق، إذ لا دليل على ذلك (٤). لكنها إذا كانت عروضًا معدَّة للاتِّجار فيها ففيها الزكاة كسائر العروض -عند الجمهور- وسيأتي هذا في موضعه، إن شاء الله. إذا كان عند المرأة خواتيم من ذهب وبها فصوص من الجوهر، فكيف تزكيه؟ إن كان يمكنها نزع الجوهر دون إفساد للخاتم فإنها تزكي خواتيم الذهب -دون الجوهر- إذا كانت بلغت النصاب وحال عليها الحول، وإن لم يمكنها نزعه إلا

стр. 692

بفساد فإنه يُقدر ويخرج زكاة الذهب منه، وإن كانت هذه الخواتيم معدة للتجارة فإنه يخرج كذلك الزكاة عن قيمة الجواهر كعروض التجارة عند الجمهور. هل تخرج الزكاة في الأواني والتحف الذهبية والفضية؟ استعمال الأواني من الذهب والفضة -لا سيما في الأكل والشرب ونحو ذلك- مُحرَّم لقوله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١). ولا خلاف بين أهل العلم -حتى القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي الملبوس والمستعمل- أن ما حُرِّم استعماله واتخاذه من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة، سواء في ذلك الرجال والنساء لأن المعنى المقتضي للتحريم يعمها، وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، فيستويان في التحريم ... وإنما أبيح للنساء التحلي لحاجتهن إليه، للتزين للزوج، وليس هذا بموجود في الآنية ونحوها فتبقى على التحريم. والتماثيل محرَّمة، ولو كانت من فضة أو ذهب تضاعفت حرمتها. إذا ثبت هذا، فإن فيها الزكاة، بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصابًا بالوزن أو يكون عنده ما يبلغ نصابًا بضمها إليه (٢). [يعني من جنسه]. الزكاة في الرواتب وكسب الأعمال الشخص الموظف أو العامل الذي يتقاضى مرتبًا شهريًّا أو أسبوعيًّا أو نحو ذلك لا يخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون عنده مال بلغ النصاب ثم يستفيد مال الراتب كل شهر زيادة عليه: فهذه هي الحالة الثالثة -التي تقدمت- من أحوال المال المستفاد في الحول (٣) فلهذا المالك أن يجعل لنفسه جدول حساب لكسبه يخص فيه كل مبلغ من المبالغ التي يوفرها من الراتب ويضيفها على ماله ويخرج زكاة كل مبلغ بعد مضي الحول عليه من تاريخ امتلاكه إياه. وإن أراد الراحة وسلك طريق السماحة، وطابت نفسه أن يؤثر جانب الفقراء

стр. 693

وغيرهم من مستحقي الزكاة على جانب نفسه، زكى جميع ما يملكه من النقود، حينما يحول الحول على أول نصاب ملكه منها، وهذا أعظم لأجره، وأرفع لدرجته، وأوفر لراحته. وحينئذ يكون ما أضافه إلى المال بعد اكتمال أول نصاب عنده، قد دفعت زكاته معجلة قبل تمام حولها، وتعجيل الزكاة قبل تمام الحول جائز لا سيما إذا دعت الحاجة أو المصلحة إليه (١). وله أن يفعل شيئًا ثالثًا: وهو أن يخرج زكاة الصافي [بعد ما يلزم معيشته ومن يعولهم] شهريًّا في كل شهر (٢)، ثم يخرج زكاة ماله الذي كان عنده إذا حال حوله. الثاني: أن لا يكون عنده مال بالغًا النصاب، وهو يستفيد هذا الراتب شهريًّا: فإذا كان يدخر كل شهر مبلغًا معينًا فلا تجب عليه الزكاة، حتى يبلغ النصاب أو يكمل مع ماله المدخر نصابًا، فحينئذ يبدأ في حساب الحول، ويكون كالحالة التي تقدمت. زكاة الصداق صداق المرأة (المهر) مال كسائر الأموال، فيفعل فيه ما يفعل في الأموال: ١ - فإذا كانت المرأة قبضت مهرها، وكان مما يؤخذ منه الزكاة، وبلغ النصاب أو أكثر، فإذا حال عليه الحول أخرجت زكاته. ٢ - إذا كان صداقها مؤجلاً (مؤخرًا)، فله حكم الديون -وقد تقدمت- فإن كان زوجها موسرًا وفيًّا وجب عليها إخراج الزكاة في صداقها الذي هو في ذمة زوجها، لأنه مرجو الأداء، وإن كان معسرًا، فلا يجب عليها إخراج زكاته على الراجح، فإذا قبضت مهرها أخرجت الزكاة لسنة واحدة. ٣ - إذا قبضت المرأة صداقها، ثم طُلقت قبل الدخول، وكان حال عليه الحول، وهو بالغ النصاب، فإنها تخرج الزكاة عن نصف الصداق ويخرج زوجها عن النصف الآخر، والله أعلم (٣).

стр. 694

زكاة المواشي أصناف الحيوان التي تؤخذ منها الزكاة: أجمع العلماء أن الزكاة تؤخذ من الإبل والبقر والغنم، واستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة يأتي بعضها في موضعه، إن شاء الله. ثم اختلفوا في الخيل (١): فذهب الجمهور -ومنهم صاحبا أبي حنيفة- إلى أن الخيل التي ليست للتجارة لا زكاة فيها- ولو كانت سائمة واتخذت للنماء- سواء كانت عاملة أو غير عاملة. ويؤيد مذهبهم حديث النبي ﷺ : «ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة» (٢) بينما ذهب أبو حنيفة وزفر إلى أن الخيل إذا كانت سائمة ذكورًا وإناثًا ففيها الزكاة وليس في ذكورها منفردة زكاة لأنها لا تتناسل، وكذلك في الإناث المنفردات!! واحتج بقول النبي ﷺ : «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ... [وفيه] ولم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها» (٣). قال: فحق الرقاب الزكاة. أما سائر الحيوان كالبغال والحمير وغيرها، فليس فيه زكاة، ما لم تكن للتجارة، لقول النبي ﷺ في حديث «الخيل لرجل آخر ....» لما سئل عن الحمير قال: «لم ينزل عليَّ فيها إلا هذه الآية الفاذَّة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (٤) (٥). شروط وجوب الزكاة في المواشي: يشترط في المواشي لتجب فيها الزكاة ثلاثة شروط: ١ - النصاب: وسيأتي بيانه. ٢ - حولان الحول: لحديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٦).

стр. 695

٣ - أن تكون سائمة: أي راعية في الكلأ المباح أكثر العام. المواشي أربعة أقسام: يمكن تقسيم المواشي (الإبل والبقر والغنم) إلى أربعة أقسام هي (١): ١ - أن تكون سائمة: وهي أن تكون راعية في كلأ مباح أكثر العام، وتكون معدة للدر والنسل، كما قال تعالى ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (٢). فهذه التي فيها الزكاة. ٢ - أن تكون معلوفة: وإن كانت متخذة للدر والنسل لكن صاحبها يشتري لها العلف أو يحصده لها، فليس فيها زكاة. ٣ - أن تكون عاملة: كالإبل التي يؤجرها صاحبها للحمل على ظهورها والركوب عليها وكبقر الحرث والسقي، ولا زكاة فيها عند الجمهور (٣) خلافًا للمالكية. ٤ - أن تكون معدَّة للتجارة: فهذه فيها زكاة كعروض التجارة، فقد تجب الزكاة في بعير واحد إذا كانت قيمته تساوي النصاب، سواء كانت سائمة أو معلوفة أو مركوبة. زكاة الإبل أنصبة الزكاة في الإبل والقدر الواجب فيها: من ملك أقل من خمس من الإبل -ذكورًا أو إناثًا، صغارًا أو كبارًا- فليس عليه زكاة. فعن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صدقة» (٤). أما ما زاد على الخمس، فقد بين النبي ﷺ المقادير الواجبة في زكاتها في حديث أنس في كتاب أبي بكر إليه، وها هو بنصه لكثرة الحاجة إليه بعد ذلك: عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعطِها، ومن

стр. 696

سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، إذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت -يعني ستًّا وسبعين إلى تسعين- ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» (١). وبناء على هذا الحديث، تؤخذ الزكاة من الإبل حسب الجدول التالي: عدد الإبل المملوكة ... مقدار الواجب فيها من ... إلى ١ ... ليس فيها زكاة ٥ ... ١٤ ... (١) شاة واحدة ... ١٠ ... ١٩ ... (٢) شاتان ... ١٥ ... ٢٤ ... (٣) ثلاث شياه ... ٢٠ ... (٤) أربع شياه ٢٥ ... (١) بنت مخاض (٢) [وهي أنثى الإبل التي أتمت سنة ودخلت في الثانية، وسميت بذلك لأن أمها لحقت بالمخاض وهي الحوامل] ٣٦ ... (١) بنت لبون [وهي أنثى الإبل التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها وضعت غيرها وصارت ذات لبن] ٤٦ ... (١) حقَّة [وهي أنثى الإبل التي أتمت ثلاث سنين ودخلت الرابعة، وسميت حقة لأنها استحقت أن يطرقها الفحل]

стр. 697

٦١ ... (١) جذعة [وهي أنثى الإبل التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة] ٧٦ ... ١٢٠ ... (٢) بنتا لبون ٩١ ... (٢) حقتان قلت: هذه هي الأعداد والمقادير هي التي وردت في حديث أبي بكر عن رسول الله ﷺ وقد انعقد الإجماع عليها (١). وأما إذا زاد عدد الإبل عن مائة وعشرين، فالمعمول به عند أكثر العلماء -خلافًا للحنفية (٢) والنخعي والثوري- يمثله الجدول التالي، ومضمونه: أن في كل خمسين: حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون، وهو الوارد في الحديث السابق: عدد الإبل المملوكة ... مقدار الواجب فيها من ... إلى ١٢١ ... ١٣٩ ... (٣) بنات لبون ١٣٠ ... ١٤٩ ... (١) حقة + (٢) بنتا لبون ١٤٠ ... ١٥٩ ... (٢) حقة + ١ بنت لبون ١٥٠ ... ١٦٩ ... (٣) حقاق ١٦٠ ... ١٧٩ ... (٤) بنات لبون ١٧٠ ... ١٨٩ ... (٣) بنات لبون + (١) حقة ١٨٠ ... ١٩٩ ... (٢) بنتا لبون + (٢) حقتان ١٩٠ ... ٢٠٩ ... (٣) حقاق + (١) بنت لبون ٢٠٠ ... (٤) حقاق + (٥) بنات لبون وهكذا: ما دون العشر عفو، فإذا كمُلت عشرًا انتقلت الفريضة ما بين الحقائق وبنات اللبون على أساس ما ذكرنا أن في كل (٥٠): حقة، وفي كل (٤٠) بنت لبون (٣).

стр. 698

تنبيه: الأعداد المذكورة في الجدول يجمع فيها كل أنواع الإبل من بُخت (ما لها سنامان) وعراب وغيرها لأن مسمى الإبل يصدق عليها جميعًا. من وجب عليه إخراج سنِّ معينة حسبما تقدم ولم تكن عنده ماذا يفعل؟ من وجبت عليه سنٌّ معينة، فلم يكن في إبله ذلك السن، فله أن يخرج من السن الذي تحته -مما يجزئ في الزكاة (١) - ويعطى الساعي فوقها شاتين أو عشرين درهمًا [والمقصود بالدرهمين التقويم لا التعيين بمعنى أنها ثمن الشاتين] أو أن يخرج من السن التي فوقه، ويأخذ من الساعي [الذي يجمع الزكاة] شاتين أو عشرين درهمًا، هذا عن كل واحدة مما وجب عليه. فعن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل من الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل من الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطى شاتين أو عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطى معها عشرين درهمًا أو شاتين» (٢). ويستنبط من الحديث كذلك (٣) أنه إذا لم يجد ما وجب عليه، لكن وجد ما هو أرفع بدرجتين أو أدنى بدرجتين فإن يدفعه ويكون الفارق أربعين درهمًا وأربع شياه جبرانًا وهكذا. ويستثنى من القاعدة السابقة: أنه إذا وجب عليه بنت مخاض، ولم يكن عنده ابنة لبون، بل كان عنده ابن لبون ذكر، فإنه يجزئ عن بنت المخاض دون أن يدفع أو يأخذ معه شيئًا. لحديث أنس أيضًا في كتاب أبي بكر بأمر النبي ﷺ في الزكاة، وفيه: «فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء» (٤).

стр. 699

هل يجزئ إخراج فوق الذي يجب عليه؟ إخراج ما فوق الواجب له حالتان: الأولى: أن يتطوع المزكي فيخرج ستًّا أعلى من السن التي تجب عليه، كأن يخرج بدل بنت المخاض: بنت لبون أو حقة أو جذعة، فهذا جائز بلا خلاف (١). ويدل عليه حديث أبي كعب، وفيه أن النبي ﷺ قال لمن قدم ناقة عظيمة سمينة- وقد وجب في إبله بنت مخاض-: «ذاك الذي عليك، وإن تطوعت بخير قبلناه منك، وآجرك الله فيه» (٢). الثانية: أن يُخرج بدل الشاة ناقة، وكذا عما يجب من الشياه -فيما دون خمس وعشرين من الإبل-، فهذا فيه خلاف: فذهب أبو حنيفة والشافعي، وهو الأصح عند المالكية، أنه يجزئه. وذهب الحنابلة إلى أنه لا يجزئ، لأنه أخرج عن المنصوص عليه غيره من غير جنسه فلم يجزئه (٣)، وذهب بعضهم إلى قول الجمهور (٤)، ولعله هو الراجح إن شاء الله فإن الشارع أسقط الإبل فيما دون خمس وعشرين رفقًا بالمالك، وليس ذلك للتعييب، إذ لا يعقل أن تجزئ بنت مخاض في خمس وعشرين من الإبل، ولا تجزئ في عشرين؟! (٥). زكاة البقر أنصبة البقر، ومقدار الزكاة فيها: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر، من كل أربعين مُسنة، ومن كل ثلاثين: تبيعًا أو تبيعة» (٦).

стр. 700

وهذا العدد يجمع فيه الجاموس إلى البقر، لأن الجاموس صنف من البقر بالإجماع فينضم إليه (١). وأنت ترى أن الحديث ليس فيه تحديد لأقل النصاب، لكن ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس فيما دون الثلاثة زكاة، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة (جذع أو جذعة، وهو ما له سنة) ثم على حسب الجدول التالي: عدد البقر ... مقدار الواجب إخراجه من ... إلى ١ ... ٣٩ ... ليس فيها زكاة ٣٠ ... ٥٩ ... تبيع أو تبيعة (وهي ما له سنة) ٤٠ ... ٦٩ ... مُسنَّة (وهي ما له سنتان) ٦٠ ... ٧٩ ... (٢) تبيعان ٧٠ ... ٨٩ ... تبيع ومسنة ٨٠ ... ٩٩ ... (٢) مسنتان ٩٠ ... ١٠٩ ... (٣) أتبعة ١٠٠ ... تبيعان ومسنة وهكذا: في كل ثلاثين: تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعية مُسنة. فإذا بلغت (١٢٠) فهل يكون فيها الأتبعة أو المسنات؟ فالظاهر أنه في هذه الحالة يخيَّر بين إخراج (٤) أتبعة، أو (٣) مُسنات (٢)، والله أعلم. زكاة الغنم الأنصبة في الغنم ومقدار الواجب فيها: أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الغنم على ما جاء في حديث أنس في كتاب أبي بكر الذي تقدم، وأجمعوا كذلك على أن الغنم تشمل الضأن والمعز، فيضم بعضه إلى بعض، باعتبارهما صنفين لنوع واحد (٣).

стр. 701

وبناء على حديث أنس، تؤخذ الزكاة في الغنم طبقًا للجدول التالي: عدد الإبل الغنم ... مقدار الواجب فيها من ... إلى ١ ... ١٢٠ ... لا زكاة فيها ٤٠ ... ٢٠٠ ... (١) شاة ١٢١ ... ٣٣٩ ... (٢) شاتان ٢٠١ ... ٤٩٩ ... (٣) شياه ٤٠٠ ... ٥٩٩ ... (٤) شياه ٥٠٠ ... (٥) شياه وهكذا ما زاد عن (٣٠٠): في كل مائة شاة: شاة، عند جمهور العلماء. فائدة: الشاة التي تدفع في الزكاة تجزئ سواء كانت من الضأن أو المعز، ذكرًا أو أنثى، وهو قول الحنفية والمالكية، وابن حزم، وهو الصواب (١). مسائل عامة في زكاة المواشي هل في صغار المواشي زكاة؟ اختلف أهل العلم في زكاة الفصلان [جمع فصيل وهو صغير الإبل]، والعجاجيل [وهي صغار البقر]، والحملان [جمع حمل: وهو صغير الغنم] (٢). ١ - فقال بعضهم: تحسب الصغار من النصاب، وتجب فيها الزكاة، ولو كانت صغارًا ويخرج واحدة منها، وقال بعضهم: يكلَّف شراء السن الواجبة من غيرها. ٢ - وقال آخرون: تحسب الصغار من النصاب، ولا تجب الزكاة فيها إلا أن يكون معها أمهاتها، سواء بلغت الأمهات النصاب وحدها أو لا. واستدل الفريقان بما جاء عن عمر أنه قال لساعيه -سفيان بن عبد الله الثقفي-: «اعتدَّ بالسخلة، التي يرد بها الراعي على يده ولا تأخذها» (٣).

стр. 702

والسخلة: الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد. ٣ - وقال آخرون: إذا بلغت الأمهات نصابًا، فما زاد عن النصاب من الصغار اعتد به، وهو مذهب الجمهور (١). ٤ - وقال ابن حزم (٢): «ما صغر عن أن يسمى شاة لكن يسمى خروفًا أو جديًا أو سخلة لم يجز أن يؤخذ في الصدقة الواجبة، ولا أن يعد فيما تؤخذ منه الصدقة، إلا أن يتم سنة، فإذا أتمها عُدَّ، وأخذت الزكاة منه» اهـ. واستدل الآخرون بحديث سويد بن غفلة قال: «أتانا مصدق رسول الله ﷺ فجلست إليه، فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا نأخذ من راضع لبن» (٣). فحمله الجمهور على أن المراد: لا يؤخذ هو -أي الراضع- في الزكاة، فلا مانع من أن يحسب في النصاب. وتعقبهم ابن حزم فقال: لو أراد أن لا يؤخذ هو في الزكاة لقال: «أن لا نأخذ راضع لبن» لكن لما منع أخذ الزكاة من راضع لبن -وراضع لبن اسم للجنس- صح بذلك أن لا تعد الرواضع فيما يؤخذ منه الزكاة. اهـ (٤). وقال ﵀: وأيضًا فقد أجمعوا على أن لا يؤخذ خروف ولا جدي في الواجب في الزكاة عن الشاء، فأقروا بأنه لا يسمى شاة ولا له حكم الشاء، فمن المحال أن يؤخذ منها زكاة، فلا تجوز هي في الزكاة بغير نص في ذلك (٥) اهـ. الصفات التي تُراعى في المأخوذ في زكاة الماشية: ينبغي أن يكون المأخوذ في زكاة الماشية: الوسط، وهذا يقتضي أمرين، أحدهما على الساعي [وهو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة] والآخر على المالك: [١] أن يتجنب الساعي أخذ خيار المال المزكى، ما لم يخرجه المالك عن طيب نفس: فقال قال النبي ﷺ لمعاذ لما أمره أن يأخذ الزكاة من أهل اليمن:

стр. 703

«إياك وكرائم أموال الناس، واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «مُرَّ على عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع، فقال: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا خَزَرات المسلمين، نكبوا عن الطعام» (٢). [٢] أن لا يعطى المالك شرار المال: كالمعيبة أو مريضة أو كسيرة أو هرمة -وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها- أو بها عيب ينقص منفعتها وقيمتها. فقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٣). وجاء في حديث عبد الله بن معاوية أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان: .... وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة (٤) ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة (٥)، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٦). هل الزكاة واجبة في عين المال أم في ذمة المزكي؟ وفائدة هذه المسألة: للعلماء في هذه المسألة رأيان (٧): الأول: أن الزكاة تجب في عين المال: وبهذا قال الجمهور، ومما يتفرع على هذا: (أ) أنه إذا هلك المال بعد وجوب الزكاة فيه، فإن الزكاة تسقط بهلاكه. (ب) أن من كان عنده أربعون -شاة مثلًا- ففيها شاة، فإذا لم يخرج الزكاة سنة وبقيت عنده الأربعون، لزمته هذه الشاة ولم يجب عليه شاة عن الحول الآخر، لأن هذه الأربعين في حكم التسع والثلاثين.

стр. 704

والثاني: أن الزكاة تجب في الذمة: وبهذا قال الحنابلة وابن حزم ويتفرع على قولهم: (أ) أنه لا تسقط الزكاة إذا هلك المال بعد وجوبه لأنه تعلق بذمة المالك. (ب) أن من لم يخرج زكاة الأربعين شاة بعد الحول الأول، لزمه في الحول الآخر أن يخرج شاتين، لأن الشاة الأولى بقيت في ذمته، ولزمه أن يخرج أخرى عن الأربعين. إذا كانت الماشية لشريكين فكيف تخرج الزكاة فيها؟ الخلطة (الشركة) -سواء كانت خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف (١) - تجعل المالين كالمال الواحد، لحديث: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة [وما كان من خيطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية]» (٢). وتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط (٣): ١ - أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة (مسلم حر، تام الملك ...). ٢ - أن يكون المال المختلط نصابًا. ٣ - أن يمضي عليها حول كامل، وإلا زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي حوله. ٤ - أن لا يتميز مال أحدهما عن مال الآخر في ستة أوصاف: المسرح، والمبيت، والمشرب، والمحلب، والفحل، والراعي (٤). معنى قول النبي ﷺ : «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ...». ١ - الشركة [التي تجعل المالين كالمال الواحد] قد تفيد الشريكين تخفيفًا، كأن

стр. 705

يكون لكل منهما أربعون شاة، فإذا ضم مالهما صار ثمانين، فالواجب فيهما شاة واحدة عليهما -بخلاف ما إذا لم يكونا شريكين، فيكون على كل منهما شاة. فنهى النبي ﷺ أن يحتال الرجلان فيشتركا تهربًا من الصدقة وتخفيفًا لها. ٢ - وقد يكون في الشركة تثقيلاً على الشريكين، كأن يكونا شريكين (٤٠) شاة، فتجب عليهما شاة، بخلاف، ما إذا كانا متفرقين فليس على أحدهما شيء فنُهى الشركاء عن تفريق مالهما تهربًا من الزكاة. هل للخلطة تأثير في الأموال غير المواشي؟ مذهب الحنابلة (١) أن الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام، قالوا: لأن الخلطة في الماشية يكون فيها منفعة أحيانًا وضرر أحيانًا، أما غير الماشية فلا يتصور فيها غير الضرر برب المال، لأنه تجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها، وعليه فإذا كان لكل من الشريكين مال غير الماشية يبلغ نصف النصاب فليس عليهما شيء. ومذهب الشافعي (٢): أن الخلطة تؤثر في غير المواشي كذلك كالزروع والثمار والدراهم والدنانير ونحوها. زكاة الزروع والثمار الزكاة في الزروع والثمار -في الجملة- واجبة، وقد ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، وإن اختلفوا في التفاصيل (٣). وستأتي أدلة الكتاب والسنة أثناء بحثنا فيما بعد. الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة اتفق أهل العلم على وجوب إخراج الزكاة في الأصناف التي أخذ منها النبي ﷺ وهي (القمح والشعير، والتمر والزبيب)، ثم حصل بينهم خلاف فيما عدا المنصوص عليه، فنجمل أقوالهم فيما يأتي: [١] أنه لا زكاة إلا في الأصناف الأربعة، ولا شيء فيما عداها (٤):
следующие страницы →