← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وبناء على حديث أنس، تؤخذ الزكاة في الغنم طبقًا للجدول التالي: عدد الإبل الغنم ... مقدار الواجب فيها من ... إلى ١ ... ١٢٠ ... لا زكاة فيها ٤٠ ... ٢٠٠ ... (١) شاة ١٢١ ... ٣٣٩ ... (٢) شاتان ٢٠١ ... ٤٩٩ ... (٣) شياه ٤٠٠ ... ٥٩٩ ... (٤) شياه ٥٠٠ ... (٥) شياه وهكذا ما زاد عن (٣٠٠): في كل مائة شاة: شاة، عند جمهور العلماء. فائدة: الشاة التي تدفع في الزكاة تجزئ سواء كانت من الضأن أو المعز، ذكرًا أو أنثى، وهو قول الحنفية والمالكية، وابن حزم، وهو الصواب (١). مسائل عامة في زكاة المواشي هل في صغار المواشي زكاة؟ اختلف أهل العلم في زكاة الفصلان [جمع فصيل وهو صغير الإبل]، والعجاجيل [وهي صغار البقر]، والحملان [جمع حمل: وهو صغير الغنم] (٢). ١ - فقال بعضهم: تحسب الصغار من النصاب، وتجب فيها الزكاة، ولو كانت صغارًا ويخرج واحدة منها، وقال بعضهم: يكلَّف شراء السن الواجبة من غيرها. ٢ - وقال آخرون: تحسب الصغار من النصاب، ولا تجب الزكاة فيها إلا أن يكون معها أمهاتها، سواء بلغت الأمهات النصاب وحدها أو لا. واستدل الفريقان بما جاء عن عمر أنه قال لساعيه -سفيان بن عبد الله الثقفي-: «اعتدَّ بالسخلة، التي يرد بها الراعي على يده ولا تأخذها» (٣).

стр. 702

والسخلة: الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد. ٣ - وقال آخرون: إذا بلغت الأمهات نصابًا، فما زاد عن النصاب من الصغار اعتد به، وهو مذهب الجمهور (١). ٤ - وقال ابن حزم (٢): «ما صغر عن أن يسمى شاة لكن يسمى خروفًا أو جديًا أو سخلة لم يجز أن يؤخذ في الصدقة الواجبة، ولا أن يعد فيما تؤخذ منه الصدقة، إلا أن يتم سنة، فإذا أتمها عُدَّ، وأخذت الزكاة منه» اهـ. واستدل الآخرون بحديث سويد بن غفلة قال: «أتانا مصدق رسول الله ﷺ فجلست إليه، فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا نأخذ من راضع لبن» (٣). فحمله الجمهور على أن المراد: لا يؤخذ هو -أي الراضع- في الزكاة، فلا مانع من أن يحسب في النصاب. وتعقبهم ابن حزم فقال: لو أراد أن لا يؤخذ هو في الزكاة لقال: «أن لا نأخذ راضع لبن» لكن لما منع أخذ الزكاة من راضع لبن -وراضع لبن اسم للجنس- صح بذلك أن لا تعد الرواضع فيما يؤخذ منه الزكاة. اهـ (٤). وقال ﵀: وأيضًا فقد أجمعوا على أن لا يؤخذ خروف ولا جدي في الواجب في الزكاة عن الشاء، فأقروا بأنه لا يسمى شاة ولا له حكم الشاء، فمن المحال أن يؤخذ منها زكاة، فلا تجوز هي في الزكاة بغير نص في ذلك (٥) اهـ. الصفات التي تُراعى في المأخوذ في زكاة الماشية: ينبغي أن يكون المأخوذ في زكاة الماشية: الوسط، وهذا يقتضي أمرين، أحدهما على الساعي [وهو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة] والآخر على المالك: [١] أن يتجنب الساعي أخذ خيار المال المزكى، ما لم يخرجه المالك عن طيب نفس: فقال قال النبي ﷺ لمعاذ لما أمره أن يأخذ الزكاة من أهل اليمن:

стр. 703

«إياك وكرائم أموال الناس، واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «مُرَّ على عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع، فقال: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا خَزَرات المسلمين، نكبوا عن الطعام» (٢). [٢] أن لا يعطى المالك شرار المال: كالمعيبة أو مريضة أو كسيرة أو هرمة -وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها- أو بها عيب ينقص منفعتها وقيمتها. فقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٣). وجاء في حديث عبد الله بن معاوية أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان: .... وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة (٤) ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة (٥)، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٦). هل الزكاة واجبة في عين المال أم في ذمة المزكي؟ وفائدة هذه المسألة: للعلماء في هذه المسألة رأيان (٧): الأول: أن الزكاة تجب في عين المال: وبهذا قال الجمهور، ومما يتفرع على هذا: (أ) أنه إذا هلك المال بعد وجوب الزكاة فيه، فإن الزكاة تسقط بهلاكه. (ب) أن من كان عنده أربعون -شاة مثلًا- ففيها شاة، فإذا لم يخرج الزكاة سنة وبقيت عنده الأربعون، لزمته هذه الشاة ولم يجب عليه شاة عن الحول الآخر، لأن هذه الأربعين في حكم التسع والثلاثين.

стр. 704

والثاني: أن الزكاة تجب في الذمة: وبهذا قال الحنابلة وابن حزم ويتفرع على قولهم: (أ) أنه لا تسقط الزكاة إذا هلك المال بعد وجوبه لأنه تعلق بذمة المالك. (ب) أن من لم يخرج زكاة الأربعين شاة بعد الحول الأول، لزمه في الحول الآخر أن يخرج شاتين، لأن الشاة الأولى بقيت في ذمته، ولزمه أن يخرج أخرى عن الأربعين. إذا كانت الماشية لشريكين فكيف تخرج الزكاة فيها؟ الخلطة (الشركة) -سواء كانت خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف (١) - تجعل المالين كالمال الواحد، لحديث: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة [وما كان من خيطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية]» (٢). وتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط (٣): ١ - أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة (مسلم حر، تام الملك ...). ٢ - أن يكون المال المختلط نصابًا. ٣ - أن يمضي عليها حول كامل، وإلا زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي حوله. ٤ - أن لا يتميز مال أحدهما عن مال الآخر في ستة أوصاف: المسرح، والمبيت، والمشرب، والمحلب، والفحل، والراعي (٤). معنى قول النبي ﷺ : «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ...». ١ - الشركة [التي تجعل المالين كالمال الواحد] قد تفيد الشريكين تخفيفًا، كأن

стр. 705

يكون لكل منهما أربعون شاة، فإذا ضم مالهما صار ثمانين، فالواجب فيهما شاة واحدة عليهما -بخلاف ما إذا لم يكونا شريكين، فيكون على كل منهما شاة. فنهى النبي ﷺ أن يحتال الرجلان فيشتركا تهربًا من الصدقة وتخفيفًا لها. ٢ - وقد يكون في الشركة تثقيلاً على الشريكين، كأن يكونا شريكين (٤٠) شاة، فتجب عليهما شاة، بخلاف، ما إذا كانا متفرقين فليس على أحدهما شيء فنُهى الشركاء عن تفريق مالهما تهربًا من الزكاة. هل للخلطة تأثير في الأموال غير المواشي؟ مذهب الحنابلة (١) أن الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام، قالوا: لأن الخلطة في الماشية يكون فيها منفعة أحيانًا وضرر أحيانًا، أما غير الماشية فلا يتصور فيها غير الضرر برب المال، لأنه تجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها، وعليه فإذا كان لكل من الشريكين مال غير الماشية يبلغ نصف النصاب فليس عليهما شيء. ومذهب الشافعي (٢): أن الخلطة تؤثر في غير المواشي كذلك كالزروع والثمار والدراهم والدنانير ونحوها. زكاة الزروع والثمار الزكاة في الزروع والثمار -في الجملة- واجبة، وقد ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، وإن اختلفوا في التفاصيل (٣). وستأتي أدلة الكتاب والسنة أثناء بحثنا فيما بعد. الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة اتفق أهل العلم على وجوب إخراج الزكاة في الأصناف التي أخذ منها النبي ﷺ وهي (القمح والشعير، والتمر والزبيب)، ثم حصل بينهم خلاف فيما عدا المنصوص عليه، فنجمل أقوالهم فيما يأتي: [١] أنه لا زكاة إلا في الأصناف الأربعة، ولا شيء فيما عداها (٤):

стр. 706

وهذا مذهب ابن عمر (١)، والحسن البصري (٢)، والثوري، والشعبي، وابن سيرين، وابن المبارك، وأبي عبيد وغيرهم من السلف، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب ابن حزم غير أنه لم يصح عنده في الزبيب حديث فلم يقل به، وهو مذهب الشوكاني ثم الألباني. واحتج أصحاب هذا القول: بما روى عن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ «أن النبي ﷺ بعثهما إلى اليمن -يعلمان الناس أمر دينهم- فأمرهما ألا يأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب» (٣). وبأن غير هذه الأربعة، لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الافتيات بها، وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على الأصل. ولأن النبي ﷺ حين خصَّ هذه الأصناف الأربعة للصدقة، وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أقواتًا وأموالاً، مما تخرج الأرض سواها، فكان تركه ذلك وإعراضه عنه عفوًا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق. [٢] أن الزكاة في كل ما يقتات ويُدَّخر (٤): (وهو مذهب مالك والشافعي). والمقتات هو: ما يتخذه الناس قوتًا يعيشون به في حال الاختيار، لا في الضرورة، كالقمح والشعير والذرة والأرز ونحوها، ولا تجب في الجوز واللوز والفستق ونحوها، فهي وإن كانت مما يدخر، فليست مما يقتات الناس به. واحتج أصحاب هذا القول: بحديث معاذ بن جبل وفيه: «فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفا عنه رسول الله ﷺ » (٥).

стр. 707

وبأن الأقوات تعظم منفعتها فهي كالأنعام في الماشية. [٣] أن الزكاة في كل ما ييبس ويبقى ويُكال (١): (وهو أشهر الروايات عن أحمد) وهذا يدخل فيه الحبوب والثمار المكيلة المدخرة والقطاني (الفول والحمص والعدس ...) والتمر والزبيب واللوز والفستق وغيرها لاجتماع هذه الأوصاف فيها. ولا زكاة في سائر الفواكه كالجوز والتفاح ونحوهما ولا في الخضروات واحتج القائلون بهذا القول: ١ - بقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢) قالوا: فيه اعتبار التوسيق، فدل على أن الزكاة إنما تكون فيما يُوسق ويكال. ٢ - وبقوله ﷺ : «ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق ...» (٣). قالوا: وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والتمر وانتفائها عن غيرهما. واختار ابن تيمية أن المعتبر هو الادخار لا غير، لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه بخلاف الكيل فإنه تقدير محض والوزن في معناه. [٤] أن الزكاة في كل ما أخرجت الأرض مما يزرعه الآدمي (٤): وهو قول عمر بن عبد العزيز وهو مذهب أبي حنيفة وداود الظاهري، ورجحه ابن العربي وأطال في تأييده، واختاره القرضاوي. واحتجوا لمذهبهم بما يأتي: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ ...﴾ (٥). قالوا: فلم يفرق بين مخرج ومخرج. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٦). بعد ذكر أنواع المأكولات من الجنات والنخل والزرع والزيتون والرمان.

стр. 708

٣ - قول النبي ﷺ : «فيما سقت السماء العشر، وفيما سُقى بالنضح نصف العشر». قالوا: فلم يفرق بين مقتات وغير مقتات، ومأكول وغير مأكول، وما يبقى وما لا يبقى، قال ابن العربي: «وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلاً، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث». اهـ. وطعن هؤلاء في الأحاديث التي حصرت الزكاة في الأصناف الأربعة، قالوا: وعلى فرض صحتها فهي مؤولة بأنه لم يكن ثمت غير هذه الأربعة؟! القول الراجح مما سبق؟ لا يشترط الحول في زكاة الزروع والثمار: لا يشترط الحول في زكاة الزروع والثمار، باتفاق العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١). ولأن الخارج نماء في ذاته فوجبت فيه الزكاة، بخلاف سائر الأموال الزكوية، فإنما اشترط فيها الحول ليمكن فيه الاستثمار (٢). متى تجب الزكاة في الزروع والثمار؟ ومتى تُخرج؟ تجب الزكاة عند بدو صلاح الزروع، باشتداد الحب، لأنه حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل، كما تجب عند حلول الحلو أو التلون في التمر والعنب، وهو قبل ذلك بلح وحصرم. وأما وقت إخراجها، فيجب إخراج الزكاة من الحبوب بعد التصفية، ومن الثمار بعد الجفاف، لأنه وقت الكمال وحالة الادخار. ويتفرع على هذا أن الزرع لو تلف قبل وجوبه -قبل بدو الصلاح- فلا شيء عليه، ولو تلف بعد بدو صلاحه لكن قبل حفظه وتخزينه فلا ضمان عليه (٣). هل يشترط نصاب للزرع والثمار؟ وما مقداره؟ يشترط في وجوب الزكاة بلوغ النصاب عند الجمهور ومقداره: خمسة أوسق من الحب المصفَّى من التين.

стр. 709

لقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١). وهذا المقدار يساوي (٢): (٥٠) كلية مصرية. وتساوي (٤ وسدس) أردب وهو يساوي أيضًا ملء الإناء الذي يتسع لحوالي (٦٤٧ كيلو جرام) من القمح. فإذا نقص المحصول عن هذا النصاب لم يجب فيه الزكاة عند الجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة، أما أبو حنيفة فأوجب الزكاة في القليل والكثير مستدلاً بعموم الحديث: «فيما سقت السماء العشر ....» (٣) ولأنه لا يعتبر الحول له، فلم يعتبر له النصاب. لكن الحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٤) لا يجوز معارضته بالحديث السابق، فإن هذا خاص محكم مبين، وذاك عام متشابه مجمل، وهذا مبين للنصاب، وذاك إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فلا معارضة بينهما والله أعلم (٥). كيف يقدر النصاب في غير المكيلات عند من يوجب الزكاة فيها؟ أما ما لا يقدر بالكيل كالقطن مثلًا -عند من يوجب الزكاة فيه- فاختلف في تقدير نصابه على أقوال (٦): ١ - يعتبر فيه القيمة، فإذا بلغت قيمته أدنى نصاب مما يوسق ففيه الزكاة وإلا فلا. ٢ - يعتبر خمسة أمثال أعلى ما يقدر به ذلك الشيء. ٣ - يعتبر فيه نصاب النقود. ٤ - لا يعتبر فيه النصاب ويزكى قليله وكثيره. يقدر بالوزن على ما تقدم بأنه (٦٤٧) كيلو جرام. ورجح الأخير ابن قدامة في المغنى (٢/ ٦٩٧) وقال معقبًا على الأقوال الأخرى: «ولا أعلم لهذه الأقوال دليلاً ولا أصلاً يعتمد عليه، ويردها قول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» اهـ.

стр. 710

واختار القرضاوي اعتبار القيمة. أما مقيده -عفا الله عنه- فلست أرى فيها الزكاة أصلاً. هل يُضم المحاصيل بعضها إلى بعض لتكميل النصاب؟ أظهر أقوال العلماء «أنه يُضم الأنواع من الجنس الواحد بعضها إلى بعض ولا تضم الأجناس، فلا تضم حنطة إلى شعير، ونحو ذلك، ولا يضم أجناس القطنية بعضها إلى بعض، فلا يضم الحمص إلى الباقلاء والعدس ونحو ذلك ....» (١) وهذا مذهب جمهور السلف. «أما أصناف القمح فيضم بعضها إلى بعض، وكذلك تضم أصناف الشعير بعضها إلى بعض، وكذلك أصناف التمر بعضها إلى بعض» (٢) وإن اختلف أسماؤها، ولو تباعدت البساتين التي يملكها الرجل. ومن العلماء من أجاز ضم القمح والشعير، وضم القطاني: «الفول والحمص والعدس والبازلاء ونحوها، لتكميل النصاب من مجموعها، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام (٣). قلت: لكن هذا القول لا أعلم عليه دليلاً، فالظاهر الأول، والله أعلم. هل تضم محاصيل العام الواحد بعضها إلى بعض لتكميل النصاب؟ إذا كان عند إنسان بستان بعضه يُجنى مبكرًا، وبعضه يتأخر، فإنه يُضم بعضه إلى بعض لتكميل النصاب ما دام في عام واحد، وهو اختيار شيخ الإسلام (٤). لكنا نقيد هذا بما تقدم من اشتراط أن يكون المحصول من نفس الصنف أما ثمرة عامين فلا تضم بعضها إلى بعض. خرص النخيل والأعناب ينبغي للسلطان (الحاكم) إذا بدا صلاح الثمار أن يرسل ساعيًا يخرصها -أي يقدر كم سيكون مقدارها بعد الجفاف- ليعرف قدر الزكاة الواجبة على أصحابها، ويعرفهم بها، ويخيرهم بين حفظها إلى الجفاف، وبين الأكل منها -رطبًا- وضمان

стр. 711

حق الفقراء، فإن اختار حفظها حتى جفاف الثمر، فعليه حينئذ زكاة ما حفظه بعد جفافه قلَّ أو كثر، وإن اختار -أصحاب الثمر- الأكل منها فإنه يخرج حصة الفقراء بحساب الخرص. فعن أبي حميد السادي ﵁ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «اخرصوا»، وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: أحصى ما يخرج منها ... فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله ﷺ » (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخيِّر يهود: يأخذونه بذلك الخرص أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق» (٢). هل يجوز الأكل من الزرع قبل حصاده؟ وهل يحسب عليه؟ يجوز لصاحب الزرع أن يأكل منه ما يحتاج إليه قبل الحصاد، وله أن يتصدق منه حين الحصاد، ولا يحسب هذا عليه، وإنما يزكي ما صفى بعد هذا، لأن الزكاة لا تجب إلا حين إمكان الكيل، فما خرج عن يده قبل ذلك، فقد خرج قبل وجوب الصدقة فيه. وبهذا قال الشافعي والليث وابن حزم (٣). ما مقدار الزكاة الواجبة في الزروع والثمار إذا بلغت النصاب؟ يختلف القدر الواجب في زكاة الزروع والثمار باختلاف طرق السقى (الري): فما سُقى بدون استعمال الآلات -من السواقي أو الماكينات- فيُخرج فيه العُشر (١/ ١٠). وما سُقى باستعمال الآلة أو بماء مُشترى، ففيه نصف العشر (١/ ٢٠) والدليل على هذا:

стр. 712

١ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا (١) العُشر، وفيما سُقى بالنضح نصف العُشر» (٢). ٢ - وحديث جابر عن النبي ﷺ قال: «فيما سقت الأنهار والغيم: العُشور، وفيما سقى بالسانية: نصف العشور» (٣). «فإن سقيت الأرض نصف الوقت بكلفة ونصفها بغير كلفة: فالزكاة ثلاثة أرباع العشر اتفاقًا. وإن سقيت بأحدهما أكثر من الآخر فالجمهور على اعتبار الأكثر، ويسقط حكم الأقل، وقيل: يعتبر كل منهما بقسطه. وإن جهل المقدار الغالب يخرج العشر احتياطًا، لأن الأصل وجوب العشر، وإنما يسقط بوجود الكلفة» (٤). هل تُطرح تكاليفُ ونفقاتُ الزراعة والديُّونُ من الخارج ثم يزكى الباقي؟ ١ - أما الديون التي تكون على صاحب الزرع أو الثمر: فلا تخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون استدانها للنفقة على الزرع كثمن البذر والسماد وأجرة العمال ونحوها فهذه تطرح من الخارج من الأرض ثم يزكى الباقي، وهذا مذهب ابن عمر وجماعة من السلف منهم سفيان الثوري ويحيى بن آدم والإمام أحمد. والثاني: أن يكون استدانها للنفقة على نفسه وأهله: فذهب ابن عمر إلى أنها تطرح [تقضى] ثم يزكى ما بقي. وذهب ابن عباس إلى أنه لا يطرح دينه عن الخارج إلا أن يكون أنفقه على ثمره كما تقدم: فعن ابن عمر قال: يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكى ما بقي.

стр. 713

وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة ثم يزكى ما بقي (١). وعن الإمام أحمد روايتان كقول كل منهما. ورجَّح أبو عبيد مذهب ابن عمر ومن وافقه في رفع كل الديون من الخارج، إذ الذي عليه دين يحيط بماله ولا مال له، هو من أهل الصدقة، فكيف تؤخذ منه الصدقة وهو من أهلها؟ وكيف يكون غنيًّا فقيرًا في حالة واحدة؟ (٢). قلت: وهذا هو الراجح، وعليه فمن أخرجت أرضه - (٢٠) وسقًا مثلًا من القمح- وكان مدينًا بما يعادل (١٧) وسقًا فإنه يقضيها ويبقى له (٣) أوسق فليس فيها زكاة لأنها دون النصاب، والله أعلم. ٢ - وأما النفقات على الزرع إذا لم تكن دَيْنًا: كتكاليف البذر والسماد والحرث والحصاد ونحوها، فللعلماء فيها قولان: الأول: أنها لا تُطرح من الخارج قبل أخذ العشر أو نصفه: وهو مذهب الحنفية وابن حزم (٣). قالوا: لأن النبي ﷺ حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة، ولو رفعت المؤنة لكان الواجب بنفس المقدار، لأنه لم ينزل العشر إلى نصفه إلا المؤنة، والفرض أن الباقي بعد رفع قدر المؤنة لا مؤنة فيه. والثاني: أنها تطرح من الخارج ويزكى ما بقي: وهو مذهب الحنابلة ورجحه ابن العربي (٤) وهذا هو الأرجح والأشبه بروح الشريعة ويؤيده أمران (٥): ١ - أن للكلفة والمؤنة تأثيرًا في نظر الشارع، فقد تقلل مقدار الواجب، كما في السقى بآلة، وقد تمنع الزكاة أصلاة كما في الأنعام المعلوفة أكثر العام، فلا عجب في إسقاط ما يقابلها من الخارج من الأرض. ٢ - أن حقيقة النماء هو الزيادة، ولا يعد المال زيادة وكسبًا إذا أنفق مثله في الحصول عليه.

стр. 714

الأراضي نوعان: عُشرية وخَراجِيَّة الأرض العُشرية: هي الأرض التي أسلم أهلها طوعًا، أو فتحت عُنْوة وقسمت بين الفاتحين، أو أحياها المسلمون. والأرض الخراجيَّة: هي التي فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين، وتركت في أيدي أهلها، أو صولح أهلها نظير خراج معلوم. وهذا الخراج نوعان: ١ - خراج وظيفة: وهو ضريبة مفروضة على الأرض سواء استغلها صاحبها أم تركها، وقد وظفه عمر ﵁. ٢ - خراج مقاسمة: وهو ضريبة مقطوعة من الناتج الزراعي، كأن يؤخذ نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، وقد فعله النبي ﷺ لما فتح خيبر. زكاة الخارج من الأرض الخراجية إذا أخرجت الأرض الخراجية ما تجب فيه الزكاة من الزروع: فذهب الجمهور أن يؤدَّى الخراج أولاً، ثم يزكى ما بقي، واستدلوا: ١ - بعموم الآيات والأحاديث المتقدمة التي تدل على الوجوب من غير تفريق بين العشرية والخراجية. ٢ - وبكتاب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف -عامله على فلسطين- فيمن كانت في يده أرض بجزيتها من المسلمين: أن يقبض جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية (يعني الخراج) (١). ٣ - وعن سفيان الثوري قال فيما أخرجت الخراجية: «أرفع دَيْنك وخراجك، فإن بلغ خمسة أوسق بعد ذلك فزكِّها» (٢). ٤ - بأن الخراج والعشر حقان مختلفان ذاتًا ومحلاًّ وسببًا ومصرفًا ودليلاً وقد خالف الحنفية في هذا فمنعوا اجتماع الخراج والعشر في الأرض واحتجوا بحديث باطل وهو «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم» (٣) وقول الجمهور أقوى والله أعلم.

стр. 715

كيف تخرج الزكاة في الخارج من الأرض المستأجرة، وهل تكون على المالك أو المستأجر؟ ذهب جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة) إلى أن من استأجر أرضًا فزرعها، فالزكاة على المستأجر. وذهب أبو حنيفة إلى أن العُشر على المؤجر (المالك). وسبب اختلافهم (١): هل العشر حق الأرض أو حق الزرع؟ قلت: والأظهر أنه حق الزرع، فيجب على المستأجر لا على المالك -كقول الجمهور- لكن بعد أن يطرح الإيجار من الخارج، لأنه أشبه بالخراج. فمثلاً (٢): إذا كان إيجار الأرض (٢٠) جنيهًا، وأخرجت من القمح (١٠) أرادب، وكان الإردب يساوي خمسة جنيهات، فيكون مقدار الخارج (١٠ × ٥= ٥٠ جنيهًا) فإنه يخرج عن (٦) أرادب فقط، والأربعة تطرح مقابل الإيجار ولو كان المتبقي دون النصاب فليس فيه زكاة. أما مالك الأرض فإنه يزكي أجرة أرضه على حسب ما تقدم في زكاة المرتبات الشهرية والمكاسب المهنية. وقد اختار القرضاوي -حفظه الله- أن يزكي ما دفع إليه بدلاً من الزرع وهو الأجرة التي يقبضها بشرط أن تبلغ قيمة نصاب من الزرع القائم بالأرض لأنها بدل عنه (٣). هل تجب الزكاة في العسل؟ العلماء في مسألة زكاة العسل: طرفان ووسط: ١ - فذهب الجمهور (منهم مالك والشافعي وابن أبي ليلى وابن المنذر) إلى أنه لا زكاة فيه لأمرين: (أ) أنه ليس في وجوب الزكاة فيه خير يثبت ولا إجماع، والسنن ثابتة فيما يؤخذ منه، فكان العسل عفوًا.

стр. 716

(ب) أنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع. ٢ - وذهب الحنفية وأحمد إلى أن العسل تؤخذ منه الزكاة واحتجوا بأمرين: (أ) بعض الآثار الواردة في هذا: كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ «أنه أخذ من العسل العشر» (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «جاء هلال -أحد بني متعان- إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له واديًا يقال له سلبة فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولى عمر بن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر ﵁: إن أدَّى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحمِ له سلبته، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء» (٢). قلت: والذي يظهر لي أن الرواية الثانية هي الصواب وأنها تُعِلُّ الأولى، فإن الرواية الأولى من طريق ابن لهيعة والأخرى من طريق عمرو بن الحارث (ثقة ففيه حافظ) والمخرج متحد، والعجب من ابن القيم ﵀ حيث قال: «هذه الآثار يقوي بعضها بعضًا، وقد تعددت مخارجها! واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها»؟! (٣). هذا على أن الرواية الأخرى اختلف في وصلها وإرسالها. وعلى فرض ثبوتها وأنها موصولة فلا حجة فيها، لأن الظاهر أن أخذ العشر من العسل لم يكن زكاة، وإنما كان في مقابلة الحمى (٤)، ولو كان زكاة واجبة لم يكن لعمر الفقه المحدَّث أن يخيِّر فيها. والله أعلم.

стр. 717

(ب) قالوا: والعسل يتولد من نَور الشجر والزهور، ويكال ويدَّخر، فوجبت فيه الزكاة كالحب والتمر، ولأن الكلفة فيه دون الكلفة في الزروع والثمار (١). وهؤلاء الموجبون للزكاة في العسل أوجبوا فيه العُشر، واشترط الحنفية في العسل المزكَّى: أن لا يكون في أرض خراجية، وأن يكون مملوكًا. ولم يحددوا له نصابًا، بل رأوا الزكاة في كثيره وقليله. بينما قال الحنابلة: نصاب العسل عشرة أفراق [حوالي ٦٤.٦٨ كيلو جرام] ورجح الدكتور القرضاوي -حفظه الله- أن يكون النصاب خمسة أوسق [٦٤٧ كيلو جرام]. ٣ - وتوسط أبو عبيد في «الأموال» (ص ٥٠٦) فقال: «وأشبه الوجوه في أمره [يعني العسل] أن يكون أربابه يؤمرون بصدقته، ويُحثون عليها، ويكره لهم منعها، ولا يؤمن عليهم المأثم في كتمانها من غير أن يكون ذلك فرضًا عليهم كوجوب صدقة الأرض والماشية ... وذلك أن السنة لم تصح فيه كما صحت فيهما» اهـ. قلت: وهذا هو الأرجح أنه لا تجب الزكاة في العسل، وإن كان لا يخلو إخراجها فيه من كونها خيرًا، فإنه إن كان واجبًا فقد أدى ما وجب، وأبرأ ذمته، وإن لك يكن واجبًا فهو صدقة. ولذا فإن ابن مفلح (٢) [وهو من أعلم الناس بفقه شيخ الإسلام] كان يرى أنه لا زكاة في العسل. زكاة عروض التجارة عُروض التجارة هي: كل ما عدا النقدين (الذهب والفضة) من الأمتعة والعقارات وأنواع الحيوان والزروع والثياب والآلات والجواهر ونحو ذلك مما أعد للتجارة. وعرَّفها بعضهم بأنها: ما يُعد للبيع والشراء بقصد الربح.

стр. 718

حكم الزكاة في عروض التجارة: اختلف العلماء في زكاة عروض التجارة على قولين (١): ١ - أنها تجب فيها الزكاة: وهو قول جمهور العلماء، وحكى بعضهم أنه إجماع الصحابة والتابعين كما سيأتي. واستدلوا بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين، وبالقياس: (أ) فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ (٢). وبوَّب عليها البخاري في كتاب الزكاة في «صحيحه» قال: (باب صدقة الكسب والتجارة) ومعنى قوله (ما كسبتم) يعني: التجارة (٣). (ب) ومن السنة: استدلوا بحديث سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع» (٤). وبحديث أبي ذر مرفوعًا: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته» (٥). والبز: الثياب، فهو يشمل الأقمشة والمفروشات والأواني ونحوها، وهذه إذا كانت للاستمتاع الشخصي فلا زكاة فيها بلا خلاف، فبقي أن المراد إذا كانت للاستغلال والتجارة. غير أن الحديثين ضعيفان، لكن يمكن أن يستدل للزكاة في عروض التجارة بدخولها في عموم قول النبي ﷺ لمعاذ: «... أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة من أموالهم ...» الحديث وقد تقدم.

стр. 719

إذ عروض التجارة مال بلا شك، هذا بضميمة قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات ...» (١). فإن هذا التاجر لو سئل: ماذا تريد بالتجارة؟ لقال: الذهب والفضة؟! (٢) ويستدل لهذا أيضًا بحديث أبي هريرة في منع خالد بن الوليد الزكاة وشكوى الناس ذلك، فقال ﷺ : «... وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله ...» (٣). فكأنهم ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس (٤). ومن آثار الصحابة والسلف: ١ - عن ابن عبد القاري قال: «كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء، جمع أموال التجار ثم حسبها، شاهدها وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب» (٥). ٢ - عن ابن عمر قال: «ليس في العروض زكاة، إلا ما كان للتجارة» (٦). ٣ - عن ابن عباس قال: «لا بأس بالتربص حتى يبيع والزكاة واجبة فيه» (٧). ٤ - عن عطاء قال: «لا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عرض، ولا شيء لا يدار (أي لا يتاجر به) وإن كان شيئًا من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع» (٨). ٥ - وكتب عمر بن عبد العزيز إلى زريق: «انظر من مرَّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات من كل أربعين دينارًا دينارًا ....» (٩).

стр. 720

ولم ينقل عن واحد من الصحابة ما يخالف قول عمر وابنه وابن عباس، بل استمر العمل والفتوى على ذلك في عهد التابعين وفي زمان عمر بن عبد العزيز، وكذلك اتفق فقهاء التابعين ومن بعدهم على القول بوجوب الزكاة في أموال التجارة. حتى نقل ابن المنذر وأبو عبيد الإجماع على ذلك، إلا قولاً ذكره أبو عبيد ولم ينسبه لقائل ثم قال عقبه: «وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» اهـ. (ء) وأما القياس: فالعروض المتخذة للتجارة: مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي تجب فيها الزكاة (النقدين، والماشية، والزروع). (هـ) وأما من جهة النظر والاعتبار: -فإن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود معنى، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها، إلا في كون النصاب يتقلب ويتغير بين الثمن وهو النقد، والمثمن وهو العروض، فلو لم تجب الزكاة في التجارة، لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم، ويتحروا ألا يحول الحول على نصاب من النقدين أبدًا، وبذلك تعطل الزكاة فيهما عندهم (١). ثم إن أحوج الناس إلى تطهير أنفسهم وأموالهم وتزكيتها هم التجار، فإن طرائقهم في الكسب لا تسلم من شوائب وشبهات: وقد قال ﷺ : «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة» (٢). فائدة (٣): قد نقل الإجماع على وجوب الزكاة في عروض التجارة: ابن المنذر وأبو عبيد وعنهما جماعة من أهل العلم وفيه نظر، لأن الخلاف في المسألة قديم -كما ذكر الشافعي وغيره- وخالف فيها الظاهرية كما سيأتي.

стр. 721

القول الثاني: أنها لا تجب فيها الزكاة: وهو مذهب الظاهرية -ومن تابعهم كالشوكاني وصدق خان ثم الألباني، وقد تبنى قولهم ابن حزم ودافع عنهم في «المحلى» وأطال النفس في نقض مذهب الجمهور بما لا يسلم له، ومما تعلقوا به: ١ - حديث: «ليس على مسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (١). وظاهره عدم الوجوب سواء كانت للتجارة أو لغيرها. وأجاب الجمهور بأن المراد نفي الزكاة عن عبده الذي يخدمه، وفرسه الذي يركبه، وهما من الحوائج الأصلية المعفاة من الزكاة بالإجماع. ٢ - أن الأصل في مال المسلم الحرمة وبراءة الذمم من التكاليف. وهذا الأصل إنما يصار إليه عند عدم الدليل، وقد تقدم إجماع الصحابة على القول بوجوب الزكاة عروض التجارة. ٣ - حديث قيس بن أبي غرزة قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نبيع الرقيق نسمي السماسرة، فقال: «يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يخالطه لغو وحلف فشوبوه بالصدقة أو بشيء من صدقة» (٢). قال ابن حزم: فهذه صدقة مفروضة غير محدودة، ولكن ما طابت به أنفسهم وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف. اهـ. إلى غير ذلك من الحجج والتشغيبات التي شغبَّ بها ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٥/ ٢٣٣) وما بعدها، وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. شروط الزكاة في مال التجارة (٣) يشترط في المال المعد للكسب والتجارة لتجب الزكاة فيه شروط: ١ - أن لا تكون العروض مما يجب الزكاة فيه أصلاً، كالماشية والذهب والفضة ونحوها. لأنه لا تجتمع زكاتان إجماعًا، بل يكون فيها زكاة العين -على الراجح- لأن

стр. 722

زكاة العين أقوى ثبوتًا من زكاة التجارة لانعقاد الإجماع عليها ومن كان يتاجر فيما دون نصاب العين فإنه يخرج زكاة التجارة (١). ٢ - أن يبلغ النصاب: وهو نصاب النقد (٨٥ جرامًا من الذهب). ٣ - حولان الحول. متى يعتبر النصاب في مال التجارة؟ في وقت اعتبار النصاب في أموال التجارة ثلاثة أقوال: ١ - في آخر الحول (وهو قول مالك والشافعي). ٢ - في جميع الحول: بحيث لو نقص النصاب لحظة انقطع الحول (مذهب الجمهور). ٣ - في أول الحول وآخره دون ما بينهما (مذهب أبي حنيفة). كيف يزكي التاجر ثورته التجارية؟ إذا حلَّ موعد الزكاة فإن على التاجر أن يضم ماله بعضه إلى بعض، وهذا المال يشمل: ١ - رأس المال والأرباح والمدَّخرات وقيمة بضائعه. ٢ - الديون المرجوة الأداء. فيقوِّم قيمة البضائع ويضيفها إلى ما لديه من نقود، وإلى ما له من ديون مرجوة الأداء، ويطرح منها ما عليه من ديون. ثم يخرج عن هذا كله ربع العُشر (٢.٥%) بحسب سعرها وقت إخراج الزكاة، لا بحسب سعر شرائها. هذا هو رأي جمهور الفقهاء، ووافقهم مالك فيه في التاجر المدير الذي يبيع ويشتري. لكن قال في التاجر «المحتكر» الذي يشتري السلعة أو العقار ثم يتربص مدة من الزمن، ويرصد السوق، حتى ترتفع الأسعار، فيبيع، قال: لا يزكي إلا إذا باع السلعة فيزكيها لسنة واحدة وإن بقيت أعوامًا. هل تخرج الزكاة من عين البضائع أم من قيمتها؟ ذهب الجمهور إلى وجوب إخراج القيمة، وأنه لا يجوز الإخراج من عين

стр. 723

العروض، لأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال. وعند أبي حنيفة والشافعي -في أحد أقواله- أن التاجر مخيَّر بين إخراج السلعة أو القيمة (١). واختار شيخ الإسلام التفصيل بحسب مصلحة الآخذ للزكاة (٢). زكاة الركاز والمعادن الركاز لغة: من الركز، فهو الشرع المركوز في باطن الأرض من معدن أو مال مدفون. وهو شرعًا: دفن الجاهلية (الكنز) الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل، سواء كان ذهبًا أو فضة أو غيرهما. وأما المعدن لغة: من العدن وهو الإقامة، ومركز كل شيء معدنه. وشرعًا: كل ما خرج من الأرض مما يُخلق فيها من غيرها مما له قيمة. والمعادن إما أن تكون جامدة تذوب وتنطبع بالنار كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والزئبق. أو أن تكون مائعة كالبترول والقار (الزفت) ونحوه. والركاز والمعدن بمعنى واحد عند الحنفية، والجمهور على التفريق بينهما، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «... والمعدن جبار، وفي الركاز الخُمس» (٣). ففرَّق بين المعدن والركاز. من وجد كنزًا، كيف يصنع فيه؟ من وجد كنزًا لا يخلو من أحد خمس حالات: [١] أن يجده في أرض موات أو لا يُعلم لها مالك: فهو له، ويخرج خُمسه، ويكون له أربعة أخماسه.

стр. 724

فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال -في كنز وجده رجل في خربة جاهلية-: «إن وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل ميتاء (١) فعرِّفه، وإن وجدته في خربة جاهلية، أو في قرية غير مسكونة، ففيه، وفي الركاز الخمس» (٢). [٢] أن يجده في طريق مسلوكة أو قرية مسكونة: فهذا يعرَّفه، فإن جاء صاحبه فهو له، وإلا كان من حقه، للحديث السابق. [٣] أن يجده في ملك غيره: وللعلماء فيه ثلاثة أقوال (٣): ١ - أنه لصاحب الملك: وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقياس قول مالك، ورواية عن أحمد. ٢ - أنه لواجده: وهو رواية أخرى عن أحمد واستحسنه أبو يوسف. قالوا: لأن الكنز لا يملك بملك الدار، فيكون لمن وجده. ٣ - التفريق: فإن اعترف به مالك الدار فهو له، وإن لم يعترف به فهو لأول مالك وهذا مذهب الشافعي. [٤] أن يجده في ملكه المنتقل إليه ببيع أو نحوه (٤): ففيه قولان: ١ - أنه لواجده في ملكه: وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والمشهور عن أحمد إن لم يَدِّعه المالك الأول. ٢ - أنه للمالك قبله إذا اعترف به وإلا فللذي قبله وهكذا، فإن لم يعرف له مالك فكالمال الضائع: أي يكون لقطة. وهذا قول الشافعي. [٥] أن يجده في دار حرب: فإن ظهر عليه بجمع من المسلمين فهو غنيمة حكمه حكمها.

стр. 725

وإن قدر عليه بنفسه دون مساعدة أحد: فللعلماء فيه قولان (١): ١ - أنه لواجده: وهو مذهب أحمد، قياسًا على ما وجد في أرض موات. ٢ - إذا كان عرف مالك الأرض وكان حربيًّا يذب عنها، فهو غنيمة، وإذا لم يعرف ولم يكن يذب عنها، فهو ركاز، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفصيلات بينهم. لا يشترط النصاب والحول في الركاز: لا يشترط النصاب ولا الحول في الركاز، وتجب الزكاة فيه بمجرد العثور عليه، فيخرج الخُمس، لظاهر قول النبي ﷺ : «في الركاز الخُمس» (٢) وهذا قول جمهور العلماء. إلى من يصرف الخمس في الركاز؟ اختلف العلماء في بيان مصرف الخُمس على قولين (٣): ١ - أن مصرف الخمس هو مصرف الزكاة: وهو قول الشافعي وأحمد إلا أنه قال: وإن تصدق به على المساكين أجزأه. وحجتهم: ما رُوى عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن رجل من قومه يقال له حجمة قال: «سقطت عليَّ جرة من دير قديم بالكوفة عند جبانة بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي بن أبي طالب فقال: اقسمها خمسة أخماس فقسمتها، فأخذ عليٌّ منها خمسًا، وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم، قال: فخذها فاقسمها بينهم» (٤). ولأنه مستفاد من الأرض، فأشبه الزرع. ٢ - أن مصرفه مصرف الفيء: وهو قول أبي حنيفة ومالك ورواية في مذهب أحمد وصححهما ابن قدامة. وحجتهم: ما رُوى عن الشعبي: «أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجًا من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁ فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى

стр. 726

الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن أفضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك» (١). والشاهد: أنها لو كانت زكاة لخص بها أهلها، ولم يرده على واجده. قالوا: ولأنه يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه، ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكافر [على اعتبار أنه دفن الجاهلية] فأشبه خمس الغنيمة. قلت: الدليلان لا يصلحان للاحتجاج بهما، ولذا قال الألباني (٢) -رحمه الله تعالى-: «وليس في السنة ما يشهد صراحة لأحد القولين على الآخر، ولذلك اخترت في (أحكام الركاز) أن مصرفه يرجع إلى رأي إمام المسلمين، يضعه حيثما تقتضيه مصلحة الدولة، وهو الذي اختاره أبو عبيد في (الأموال)» اهـ. هل تدخل المعادن في حكم الركاز؟ ١ - ذهب مالك -في إحدى الروايتين- والشافعي -في قوله الثاني- إلى أن المعادن لا يجب فيها شيء إلا الأثمان (الذهب والفضة). ٢ - وذهب الجمهور إلى أن المعادن على اختلاف أنواعها من ذهب وفضة ونحاس وحديد ورصاص ... وبترول، كالركاز يجب فيه حق، على خلاف في مقداره (٣) وهذا هو الأرجح لعموم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ (٤). ولا شك أن النفط (البترول) الذي يعرف بالذهب الأسود هو من أثمن الأثمان فلا يصح أن يخرج من هذا الحكم، والله أعلم. مقدار الواجب في المعدن: ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأبو عبيد، وغيرهم إلى أن الواجب في المعدن الخمس كالركاز. بينما ذهب الجمهور إلى أن فيه ربع العشر قياسًا على النقدين وسبب الخلاف، اختلافهم في معنى الركاز، وهل يشمل المعدن أم لا؟

стр. 727

وفرَّق بعض الفقهاء، فقال: إن كان الخارج كثيرًا بالنسبة إلى العمل والتكاليف فالواجب الخمس، وإن كان قليلاً بالنسبة إليهما فالواجب هو ربع العشر (١) ولقائل أن يقول: ليس في المعدن زكاة -غير الذهب والفضة- «والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (٢) بناء على أن المراد بقوله (المعدن جبار) أي: لا زكاة فيه بدليل اقترانه بقوله (وفي الركاز الخمس)، ولأنه -أي الركاز- مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب، بخلاف المعدن لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه فأسقطت الزكاة منه. وإن كان يمكن أن يكون المراد بقوله (المعدن جبار): أن من استأجر من يحفر له معدنًا فسق عليه فقتله فهو جبار، ويؤيده اقترانه بقوه (البئر جبار -والعجماء جبار). أحكام عامة في الركاز هل يجزئ إخراج القيمة بدل العين الواجبة في الزكاة؟ للعلماء في إخراج القيمة من الزكوات مذهبان: الأول: أن ذلك لا يجوز، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود (٣)، وحجتهم: ١ - أن الشرع نص على الواجب في الزكاة فلا يجوز العدول عنه كما لا يجوز في الأضحية، ولا في المنفعة، ولا في الكفارة. ٢ - قوله ﷺ : «في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون» (٤). قالوا: ولو جازت القيمة لبيَّنها. ٣ - قوله ﷺ فيمن وجبت عليه جذعة: «تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهمًا» (٥).

стр. 728

قالوا: ولو كانت القيمة مجزئة لم يقدره، بل أوجب التفاوت بحسب القيمة. ٤ - أن رسول الله ﷺ «فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير ...» (١). قالوا: ولم يذكر القيمة، ولو جازت لبينها فقد تدعو الحاجة إليها. ٥ - قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» (٢). ٦ - أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرًا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به. الثاني: أنه يجوز إخراج القيمة، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والظاهر من مذهب البخاري، ووجه في مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وحجتهم (٣): ١ - ما رُوى عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال لأهل اليمن: «ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس مكان الشعير والذرة آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة» (٤). ٢ - استدلوا بإجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض، وإجزاء الحقة مع عشرين درهمًا عن الجذعة (وهما الدليلان الثاني والثالث لأصحاب القول الأول). قالوا: ففي هذا اعتبار القيمة. ٣ - أن المقصود بأداء الزكاة إغناء الفقير، والإغناء يحصل بأداء القيمة، كما يحصل بأداء العين، وربما سد الخلة بأداء القيمة أظهر. وقد اجتهد كل فريق في الجواب عن أدلة الفريق الآخر وإظهار مذهبه. والذي يترجح عندي، هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥). من التوسط

стр. 729

في هذا الباب، فلم يجز مطلقًا ولم يمنع مطلقًا، بل رأى جواز إخراج القيمة مقيدًا له بالحاجة والمصلحة والعدل. فإذا لم تكن حاجة، ولا مصلحة راجحة، فالأظهر أن إخراج القيمة ممنوع منه وهذا الذي ذهب إليه هو مقتضى الجمع بين الأدلة، والله أعلم. ما حكم تعجيل الزكاة قبل حولان الحول؟ قد علمت أن المال إذا بلغ النصاب، فإنه لا تجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول، لكن إذا أراد صاحب المال أن يخرج زكاته قبل الحول، فللعلماء في هذا قولان: الأول: الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماعة من السلف (١) واحتجوا بما يأتي: ١ - ما رُوى أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل «فرخَّص له في ذلك» (٢). ٢ - ما رُوى أن النبي ﷺ قال لعمر: «إنا كنا تعجلنا صدقة العباس لعامنا هذا عام أول» (٣). ٣ - أنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه (وهو كمال النصاب) قبل وجوبه فجاز، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق. القول الثاني: المنع، وهو مذهب مالك -وأجازه إذا بقى من الحول الشيء اليسير -وهو قول ربيعة وداود وابن حزم (٤)، وحجتهم: ١ - حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٥).

стр. 730

٢ - حديث أبي بكر الصديق: «أنه كان لا يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (١). ٣ - أن الحول شرط في وجوب الزكاة، فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب. ٤ - أن للزكاة وقتًا، فلم يجز تقديمها عليه كالصلاة. والراجح: أنه يجوز إخراج الزكاة قبل حولان الحلو لعدم الدليل على المنع، أما حديث «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فغاية ما يفيده أن لا يجب إخراج الزكاة قبل الحول، وليس فيه ما يمنع تعجيلها. وأما قولهم (إن للزكاة وقتًا فلم يجز تقديمها)، فنقول: إذا دخل الوقت في الشيء رفقًا بالإنسان كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه، كالدين المؤجل. وأما القياس على الصلاة فلا يصح لأن العبادات لا يقاس بعضها على بعض، والتوقيت في الصلاة غير معقول، فيجب أن يقتصر عليها. والله أعلم. مصارف الزكاة مصارف الزكاة محصورة في ثمانية أصناف، والأصناف الثمانية قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). و ﴿إِنَّمَا﴾ التي صدرت بها الآية أداة حصر، فلا يجوز صرف الزكاة لأحد -أو في وجه غير داخل في هذه الأصناف. هل يجب استيعاب هذه الأصناف الثمانية؟ أم يجوز دفعها إلى بعضها؟ ذهب جمهور العلماء (الحنفية والمالكية والحنابلة، وجماعة من السلف منهم عمر، وابن عباس) إلى أنه لا يجب استيعاب هذه الأصناف في صرف أموال الزكاة، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، وإعطاؤه الصدقة مع وجود الباقين. واحتجوا بما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ : «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (٣). قالوا: والفقراء صنف واحد من أصناف أهل الزكاة الثمانية.

стр. 731

٢ - بما ورد من أن النبي ﷺ أعطى أفرادًا الزكاة، كحديث قبيصة بن مخارق لما تحمل حمالة وأتى النبي ﷺ يسأله في الصدقة فقال ﷺ : «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (١). وغير هذه الواقعة مما تقدم بعضه. بينما ذهب الشافعي وجماعة إلى أنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية في القسم وقال أبو ثور، وأبو عبيد: إن أخرجها الإمام وجب استيعاب الأصناف، وإن أخرجها المالك جاز أن يجعلها في صنف واحد (٢). [١، ٢] الفقراء والمساكين: الفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفيهم، وإذا أطلق لفظ (الفقراء) وانفرد دخل فيهم (المساكين)، وكذلك عكسه، وإذا جمع بينهما في كلام واحد، كما في آية مصارف الزكاة، تميز كل منهما بمعنى. وقد اختلف الفقهاء في أيهما أشد حاجة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الفقير أشد حاجة من المسكين، واحتجوا بأن الله تعالى قدم ذكرهم في الآية، وذلك يدل على أنهم أهم، وبقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٣)، فأثبت لهم وصف المسكنة مع كونهم يملكون سفينة ويحصلون نولاً، واستأنسوا لذلك أيضًا بالاشتقاق، فالفقير لغة: فعيل بمعنى مفعول، وهو من نزعت بعض فقار صلبه، فانقطع ظهره، والمسكين مفعيل من السكون، ومن كسر صلبه أشد حالاً من الساكن، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن المسكين أشد حاجة من الفقير، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٤). وهو المطروح على التراب لشدة جوعه، وبأن أئمة اللغة قالوا ذلك، منهم الفراء وثعلب وابن قتيبة، وبالاشتقاق أيضًا، فهو من السكون، كأنه عجز عن الحركة فلا يبرح. ونقل الدسوقي قولاً أن الفقير والمسكين صنف واحد، وهو من لا يملك قوت عامه، سواء كان لا يملك شيئًا أو يملك أقل من قوت العام. واختلف الفقهاء في حد كل من الصنفين (٥): فقال الشافعية والحنابلة: الفقير

стр. 732

من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته، كمن حاجته عشرة فلا يجد شيئًا أصلاً، أو يقدر بماله وكسبه وما يأتيه من غلة وغيرها على أقل من نصف كفايته. فإن كان يجد النصف أو أكثر ولا يجد كل العشرة فمسكين. وقال الحنفية والمالكية: المسكين من لا يجد شيئًا أصلاً فيحتاج للمسألة وتحل له. واختلف قولهم في الفقير، فقال الحنفية: الفقير من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب، فإذا ملك نصابًا من أي مال زكوي فهو غني لا يستحق شيئًا من الزكاة، فإن ملك أقل من نصاب فهو غير مستحق، وكذا لو ملك نصابًا غير نامٍ وهو مستغرق في الحاجة الأصلية، فإن لم يكن مستغرقًا منع، كمن عنده ثياب تساوي نصابًا لا يحتاجها، فإن الزكاة تكون حرامًا عليه، ولو بلغت قيمة ما يملكه نصابًا فلا يمنع ذلك كونه من المستحقين للزكاة إن كانت مستغرقة بالحاجة الأصلية كمن عنده كتب يحتاجها للتدريس، أو آلات حرفة، أو نحو ذلك. وقال المالكية: الفقير من يملك شيئًا لا يكفيه لقوت عامه. الغِنى المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة: الأصل أن الغني لا يجوز إعطاؤه من الزكاة، وهذا اتفاق، لقول النبي ﷺ : «لا حظ فيها لغني» (١). ولكن اختلف في الغنى المانع من أخذ الزكاة: فقال الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد قدمها المتأخرون من أصحابه: إن الأمر معتبر بالكفاية، فمن وجد من الأثمان أو غيرها ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غني لا تحل له الزكاة، فإن لم يجد ذلك حلت له ولو كان ما عنده يبلغ نُصُبًا زكوية، وعلى هذا، فلا يمنع أن يوجد من تجب عليه الزكاة وهو مستحق للزكاة. وقال الحنفية: هو الغنى الموجب للزكاة، فمن تجب عليه الزكاة لا يحل له أن يأخذ الزكاة. لقول النبي ﷺ : «إن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». ومن ملك نصابًا من أي مال زكوي كان فهو غني، فلا يجوز أن تدفع إليه الزكاة ولو كان ما عنده لا يكفيه لعامه، ومن لم يملك نصابًا كاملاً فهو فقير أو مسكين، فيجوز أن تدفع إليه الزكاة، كما تقدم. وفي رواية أخرى عند الحنابلة عليها ظاهر المذهب: إن وجد كفايته، فهو غني، وإن لم يجد وكان لديه خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب خاصة، فهو غني كذلك ولو كانت لا تكفيه، لحديث «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه

стр. 733

خموش أو خدوش أو كدوح. قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب» (١). وإنما فرقوا بين الأثمان وغيرها اتباعًا للحديث. هل يجوز إعطاء الفقير والمسكين القادرين على الكسب؟ من كان من الفقراء والمساكين قادرًا على كسب كفايته وكفاية من يمونه، أو تمام الكفاية، لم يحل له الأخذ من الزكاة، لقول النبي ﷺ : «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (٢). وقوله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى» (٣) وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وهو الراجح. بينما ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز إعطائه ما دام فقيرًا أو مسكينًا واحتجوا بما في قصة الحديث المذكور، من أن رجلين سألا النبي ﷺ من الصدقة، فقلَّب فيهما بصره، فرآهما جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (٤). قالوا: فإنه أجاز إعطاءهما، وقوله (لا حظ فيها ...) معناه: لا حق ولا حظ لكما في السؤال (٥). قلت: ولا يخفى ما في هذا التأويل، والظاهر أن قوله (إن شئتما أعطيتكما) ليس المقصود به تجويز إعطائها، وإنما هو للتحذير، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٦). القدر الذي يُعطاه الفقير والمسكين من الزكاة يُعطى الفقير والمسكين من الزكاة الكفاية أو تمامها، له ولمن يعول، عامًا كاملاً، ولا يزاد عليه، عند جمهور العلماء.

стр. 734

وإنما حددوا العام لأن الزكاة تتكرر كل عام غالبًا، ولأن النبي ﷺ : «كان يحبس لأهله قوت سنة» (١). وقال بعضهم: فإن كان صاحب حرفة، أُعطى ما يشتري به أدوات حرفته بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته تقريبًا (٢). [٣] العاملون على الزكاة: يجوز إعطاء العاملين على الزكاة منها. ويشترط في العامل الذي يعطى من الزكاة شروط تقدم بيانها. ولا يشترط فيمن يأخذ من العاملين من الزكاة الفقر، لأنه يأخذ بعمله لا لفقره. وقد قال النبي: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .. فذكر منهم العامل عليها» (٣). قال الحنفية: يدفع إلى العامل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بالثمن، ولا يزاد على نصف الزكاة التي يجمعها وإن كان عمله أكثر. وقال الشافعية والحنابلة: للإمام أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم، إما على مدة معلومة، أو عمل معلوم. ثم قال الشافعية: لا يعطى العامل من الزكاة أكثر من ثُمن الزكاة، فإن زاد أجره على الثُمن أتم له من بيت المال. وقيل من باقي السهام. ويجوز للإمام أن يعطيه أجره من بيت المال. وله أن يبعثه بغير إجارة ثم يعطيه أجر المثل. وإن تولى الإمام أو والي الإقليم أو القاضي من قبل الإمام أو نحوهم أخذ الزكاة وقسمتها لم يجُز أن يأخذ من الزكاة شيئًا، لأنه يأخذ رزقه من بيت المال وعمله عام. [٤] المؤلفة قلوبهم: المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعًا السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم. المسلمون منهم أربعة أضرب: ١ - سادة مطاعون في قومهم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيعطون تثبيتًا لهم. ٢ - قوم لهم شرف ورياسة أسلموا ويعطون لترغيب نظرائهم من الكفار ليسلموا. ٣ - صنف يراد بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفار، ويحملوا من يليهم من المسلمين.

стр. 735

٤ - صنف يراد بإعطائهم من الزكاة أن يُجبوا الزكاة ممن لا يعطيها. والكفار على ضربين: ١ - من يرجى إسلامه فيعطى لتميل نفسه إلى الإسلام. ٢ - من يخش شره ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه (١). هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم بعد رسول الله ﷺ أم أنه لا يزال باقيًا: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين (٢): الأول: أن سهم المؤلفة قلوبهم باق كغيره من الأصناف المذكورة في كتاب الله: وهو مذهب أحمد، والمعتمد عند المالكية والشافعية، وهو قول الحسن، والزهري. الثاني: أن سهمه قد انقطع بعد رسول الله ﷺ : وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحجتهم: أن الله قد أعزَّ الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه الرجال. واستدلوا لهذا بأن عمر بن الخطاب لم يُعطِ هذا السهم إلى من كانوا يُعطَونه، وقال: «هو شيء كان رسول الله ﷺ يعطيكموه ليتألفكم، والآن قد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم ...» (٣). «والحقيقة أن عمر لم يسقط هذا السهم مطلقًا، وإنما منعهم لزوال الوصف عنهم الذي بموجبه سموا (المؤلفة قلوبهم)، وهذا من قبيل الاجتهاد في توافر شروط تطبيق النص، وليس من قبيل إبطال حكم النص وهذا واضح. وعلى هذا فإذا ظهرت حاجة في إعطاء من يتحقق فيهم معاني وأوصاف (المؤلفة قلوبهم) فإن الإمام يعطيهم من هذا السهم حسب مصلحة المسلمين» (٤) لا سيما وقد انقلبت عزة المسلمين ذلاًّ وظهر عليهم أعداؤهم، والله أعلم. [٥] في الرقاب: وهم ثلاثة أضرب: الأول: المكاتبون المسلمون: فيجوز عند الجمهور الصرف من الزكاة إليهم، إعانة لهم على فك رقابهم، ولم يجز ذلك مالك، كما لم يجز صرف شيء من الزكاة في إعتاق من انعقد له سبب حرية بغير الكتابة، كالتدبير والاستيلاء والتبعيض. فعلى قول الجمهور: إنما يعان المكاتب إن

стр. 736

لم يكن قادرًا على الأداء لبعض ما وجب عليه، فإن كان لا يجد شيئًا أصلاً دفع إليه جميع ما يحتاج إليه للوفاء. الثاني: إعتاق الرقيق المسلم، وقد ذهب إلى جواز الصرف من الزكاة في ذلك المالكية وأحمد في رواية، وعليه فإن كانت الزكاة بيد الإمام أو الساعي جاز له أن يشتري رقبة أو رقابًا فيعتقهم، وولاؤهم للمسلمين. وكذا إن كانت الزكاة بيد رب المال فأراد أن يعتق رقبة تامة منها، فيجوز ذلك لعموم الآية ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ويكون ولاؤها عند المالكية للمسلمين أيضًا، وعند الحنابلة: ما رجع من الولاء رد في مثله، بمعنى أنه يشتري بما تركه المعتق ولا وارث له رقاب تعتق. وعند أبي عبيد: الولاء للمعتق. وذهب الحنفية والشافعية وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لا يعتق من الزكاة، لأن ذلك كدفع الزكاة إلى القن، والقن لا تدفع إليه الزكاة؛ ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة، وقال الحنفية: لأن العتق إسقاط ملك، وليس بتمليك، لكن إن أعان من زكاته في إعتاق رقبة جاز عند أصحاب هذا القول من الحنابلة. الثالث: أن يفتدي أسيرًا مسلمًا من أيدي المشركين، وقد صرح الحنابلة وابن حبيب وابن عبد الحكم من المالكية بجواز لأنه فك رقبة من الأسر، فيدخل في الآية بل هو أولى من فك رقبة من بأيدينا. وصرح المالكية بمنعه. [٦] الغارمون: والغارمون المستحقون للزكاة ثلاثة أضرب: الضرب الأول: من كان عليه دين لمصلحة نفسه. وهذا متفق عليه من حيث الجملة، ويشترط لإعطائه من الزكاة ما يلي: ١ - أن يكون مسلمًا. ٢ - أن لا يكون من آل البيت، وعند الحنابلة قول بجواز إعطاء مدين آل البيت منها. ٣ - واشترط المالكية أن لا يكون قد استدان ليأخذ من الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ منها، بخلاف فقير استدان للضرورة ناويًا الأخذ منها. ٤ - وصرح المالكية بأنه يشترط أن يكون الدين مما يحبس فيه، فيدخل فيه دين الولد على والده، والدين على المعسر، وخرج دين الكفارات والزكاة. ٦ - أن يكون الدين حالاًّ، صرح بهذا الشرط الشافعية، قالوا: إن كان الدين مؤجلاً ففي المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان الأجل تلك السنة أعطى، وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة.

стр. 737

٧ - أن لا يكون قادرًا على السداد من مال عنده زكوي أو غير زكوي زائد عن كفايته، فلو كان له دار يسكنها تساوي مائة وعليه مائة، وتكفيه دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع، ويدفع الزائد في دينه على ما صرح به المالكية، ولو وجد ما يقضي به بعض الدين أعطى البقية فقط، وإن كان قادرًا على وفاء الدين بعد زمن بالاكتساب، فعند الشافعية قولان في جواز إعطائه منها. الضرب الثاني: الغارم لإصلاح ذات البين: الأصل فيه حديث قبيصة قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» (١). فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا النوع من الغارمين يعطى من الزكاة سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، لأنه لو اشترط الفقر فيه لقلت الرغبة في هذه المكرمة، وصورتها أن يكون بين قبيلتين أو حيين فتنة، يكون فيها قتل نفس أو إتلاف مال، فيتحمله لأجل الإصلاح بينهم، فيعطى من الزكاة لتسديد حمالته، وقيد الحنابلة الإعطاء بما قبل الأداء الفعلي، ما لم يكن أدى الحمالة من دين استدانه؛ لأن الغرم يبقى، وقال الحنفية: لا يعطى المتحمل من الزكاة إلا إن كان لا يملك نصابًا فاضلاً عن دينه كغيره من المدينين. ولم يصرح المالكية بحكم هذا الضرب فيما اطلعنا عليه. الضرب الثالث: الغارم بسبب دين ضمان وهذا الضرب ذكره الشافعية، والمعتبر في ذلك أن يكون كل من الضامن والمضمون عنه معسرين، فإن كان أحدهما موسرًا ففي إعطاء الضامن من الزكاة خلاف عندهم وتفصيل (٢). الدين على الميت: إن مات المدين ولا وفاء في تركته لم يجز عند الجمهور سداد دينه من الزكاة. وقال المالكية: يُوفى دينه منها ولو مات، قال بعضهم: هو أحق بالقضاء لليأس من إمكان القضاء عنه، وهو أحد قولين عند الشافعية. [٧] في سبيل الله: وهذا الصنف ثلاثة أضرب. الضرب الأول: الغزاة في سبيل الله تعالى، والذين ليس لهم نصيب في الديوان، بل هم متطوعون للجهاد، وهذا الضرب متفق عليه عند الفقهاء من حيث الجملة، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة قدر ما يتجهزون به للغزو من مركب وسلاح ونفقة وسائر ما يحتاج إليه الغازي لغزوه مدة الغزو وإن طالت، ولا يشترط عند الجمهور في الغازي أن يكون فقيرًا،

стр. 738

بل يجوز إعطاء الغني لذلك، فإنه لا يأخذ لمصلحة نفسه، بل لحاجة عامة المسلمين، فلم يشترط فيه الفقر، وقال الحنفية: إن كان الغازي غنيًّا، وهو من يملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب كما تقدم في صنف الفقراء -فلا يعطى من الزكاة، وإلا فيعطى، وإن كان كاسبًا؛ لأن الكسب يقعده عن الجهاد، وعند محمد: الغازي منقطع الحاج لا منقطع الغزاة، وصرح المالكية بأنه يشترط في الغازي أن يكون ممن يجب عليه الجهاد، لكونه مسلمًا ذكرًا بالغًا قادرًا، وأنه يشترط أن يكون من غير آل البيت. وأما جنود الجيش الذين لهم نصيب في الديوان فلا يعطون من الزكاة، وفي أحد القولين عند الشافعية: إن امتنع إعطاؤهم من بيت المال لضعفه، يجوز إعطاؤهم من الزكاة. الضرب الثاني: مصالح الحرب وهذا الضرب ذكره المالكية، فالصحيح عندهم أنه يجوز الصرف من الزكاة في مصالح الجهاد الأخرى غير إعطاء الغزاة، نحو بناء أسوار للبلد لحفظها من غزو العدو، ونحو بناء المراكب الحربية، وإعطاء جاسوس يتجسس لنا على العدو، مسلمًا كان أو كافرًا، وأجاز بعض الشافعية أن يشتري من الزكاة السلاح وآلات الحرب وتجعل وقفًا يستعملها الغزاة ثم يردونها، ولم يجزه الحنابلة، وظاهر صنيع سائر الفقهاء -إذ قصروا سهم سبيل الله على الغزاة، أو الغزاة والحجاج -أنه لا يجوز الصرف منه في هذا الضرب، ووجهه أنه لا تمليك فيه، أو فيه تمليك لغير أهل الزكاة، أو كما قال أحمد: لأنه لم يؤت الزكاة لأحد، وهو مأمور بإيتائها. الضرب الثالث: الحجاج: ذهب جمهور العلماء (الحنفية والمالكية والشافعية والثوري وأبو ثور وابن المنذر وهو رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: إنه الصحيح) إلى أنه لا يجوز الصرف في الحج من الزكاة؛ لأن سبيل الله في آية مصارف الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن الأكثر مما ورد من نذكره في كتاب الله تعالى قصد به الجهاد. فتحمل الآية عليه. وذهب أحمد في رواية، إلى أن الحج في سبيل الله فيصرف فيه من الزكاة، لما روى (أن رجلاً جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال النبي ﷺ : «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» (١) فعلى هذا القول لا يعطى من الزكاة من كان له مال يحج به سواها، ولا يعطى إلا لحج الفريضة خاصة، وفي قول عند الحنابلة: يجوز حتى في حج التطوع. وينقل عن بعض فقهاء الحنفية أن مصرف «في سبيل الله» هو لمنقطع الحجاج. إلا أن مريد الحج يعطى من الزكاة عند الشافعية على أنه ابن سبيل كما يأتي.

стр. 739

[٨] ابن السبيل: سُمي بذلك لملازمته الطريق، إذ ليس هو في وطنه ليأوي إلى سكن. وهذا الصنف ضربان: -الضرب الأول: المتغرب عن وطنه الذي ليس بيده ما يرجع به إلى بلده: وهذا الضرب متفق على أنه من أصحاب الزكاة، فيعطى ما يوصله إلى بلده. إلا في قول ضعيف عند الشافعية: أنه لا يعطى؛ لأن ذلك يكون من باب نقل الزكاة من بلدها. لا يعطى من الزكاة إلا بشروط: الشرط الأول: أن يكون مسلمًا، من غير آل البيت. الشرط الثاني: أن لا يكون بيده في الحال مال يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنيًّا في بلده، فلو كان له مال مؤجل أو على غائب، أو معسر، أو جاحد، لم يمنع ذلك الأخذ من الزكاة على ما صرح به الحنفية. الشرط الثالث: أن لا يكون سفره لمعصية. صرح بهذا الشرط المالكية والشافعية والحنابلة، فيجوز إعطاؤه إن كان سفره لطاعة واجبة كحج الفرض، وبر الوالدين، أو مستحبة كزيارة العلماء والصالحين، أو كان سفره لمباح كالمعاشات والتجارات، فإن كان سفره لمعصية لم يجز إعطاؤه منها لأنه إعانة عليها، ما لم يتب، وإن كان للنزهة فقط ففيه وجهان عند الحنابلة: أقواهما: أنه لا يجوز؛ لعدم حاجته إلى هذا السفر. الشرط الرابع: وهو للمالكية خاصة: أن لا يجد من يقرضه إن كان ببلده غنيًّا. ولا يعطى أهل هذا الضرب من الزكاة اكثر مما يكفيه للرجوع إلى وطنه، وفي قول للحنابلة: إن كان قاصدًا بلدًا آخر يعطى ما يوصله إليه ثم برده إلى بلده. قال المالكية: فإن جلس ببلد الغربة بعد أخذه من الزكاة نزعت منه ما لم يكن فقيرًا ببلده، وإن فضل معه فضل بعد رجوعه إلى بلده نزع منه على قول عند الحنابلة. ثم قد قال الحنفية: من كان قادرًا على السداد فالأولى له أن يستقرض ولا يأخذ من الزكاة. الضرب الثاني: من كان في بلده ويريد أن ينشئ سفرًا: فهذا الضرب منع الجمهور إعطاءه، وأجاز الشافعية إعطاءه لذلك بشرط أن لا يكون معه ما يحتاج إليه في سفره، وأن لا يكون في معصية، فعلى هذا يجوز إعطاء من يريد الحج من الزكاة إن كان لا يجد في البلد الذي ينشئ منه سفر الحج ما لا يحج به. والحنفية لا يرون جواز الإعطاء في هذا الضرب، إلا أنَّ مَن كان ببلده، وليس له بيده مال ينفق منه وله مال في غير بلده، لا يصل إليه، رأوا أنه ملحق بابن السبيل (١).

стр. 740

هل يجوز أن تُعطى الزكاة للابن أو الأب؟ دفع الزكاة إلى الوالدين، أو إلى الأبناء -ممن لا تلزمه نفقتهم- إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو غزاة- جائز ومتجه قوي (١) وهو مذهب الشافعي (٢). وأما إن كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم، فالجمهور على منع دفع الزكاة إليهم. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣) أنه يجوز دفع الزكاة إليهم، إذا عجز عن نفقتهم. وهذا هو الأظهر، لأن منع الجمهور من صرف الزكاة إلى من تلزم نفقتهم، كان لعلتين: (الأولى): أنه غني بالنفقة عليه، و (الثانية): أنه بالدفع إليه يجلب على نفسه نفعًا، وهو منع وجوب النفقة عليه. فإذا كان الرجل عاجزًا عن النفقة عليهم أصلاً، أو لم تكن تلزمه نفقتهم، فقد انتفت العلتان، مع وجود المقتضى، فجاز، والله أعلم (٤). هل يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها إن كان من أهل الزكاة. اختلف العلماء في دفع المرأة زكاتها إلى زوجها على قولين: [١] لا يجوز دفعها إليه: وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (٥). وحجتهم في هذا: - أنه أحد الزوجين فلم يجز للآخر دفع زكاته إليه كالآخر. - وأنها تنتفع بدفعها إليه.
следующие страницы →