← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لم يكن قادرًا على الأداء لبعض ما وجب عليه، فإن كان لا يجد شيئًا أصلاً دفع إليه جميع ما يحتاج إليه للوفاء. الثاني: إعتاق الرقيق المسلم، وقد ذهب إلى جواز الصرف من الزكاة في ذلك المالكية وأحمد في رواية، وعليه فإن كانت الزكاة بيد الإمام أو الساعي جاز له أن يشتري رقبة أو رقابًا فيعتقهم، وولاؤهم للمسلمين. وكذا إن كانت الزكاة بيد رب المال فأراد أن يعتق رقبة تامة منها، فيجوز ذلك لعموم الآية ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ويكون ولاؤها عند المالكية للمسلمين أيضًا، وعند الحنابلة: ما رجع من الولاء رد في مثله، بمعنى أنه يشتري بما تركه المعتق ولا وارث له رقاب تعتق. وعند أبي عبيد: الولاء للمعتق. وذهب الحنفية والشافعية وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لا يعتق من الزكاة، لأن ذلك كدفع الزكاة إلى القن، والقن لا تدفع إليه الزكاة؛ ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة، وقال الحنفية: لأن العتق إسقاط ملك، وليس بتمليك، لكن إن أعان من زكاته في إعتاق رقبة جاز عند أصحاب هذا القول من الحنابلة. الثالث: أن يفتدي أسيرًا مسلمًا من أيدي المشركين، وقد صرح الحنابلة وابن حبيب وابن عبد الحكم من المالكية بجواز لأنه فك رقبة من الأسر، فيدخل في الآية بل هو أولى من فك رقبة من بأيدينا. وصرح المالكية بمنعه. [٦] الغارمون: والغارمون المستحقون للزكاة ثلاثة أضرب: الضرب الأول: من كان عليه دين لمصلحة نفسه. وهذا متفق عليه من حيث الجملة، ويشترط لإعطائه من الزكاة ما يلي: ١ - أن يكون مسلمًا. ٢ - أن لا يكون من آل البيت، وعند الحنابلة قول بجواز إعطاء مدين آل البيت منها. ٣ - واشترط المالكية أن لا يكون قد استدان ليأخذ من الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ منها، بخلاف فقير استدان للضرورة ناويًا الأخذ منها. ٤ - وصرح المالكية بأنه يشترط أن يكون الدين مما يحبس فيه، فيدخل فيه دين الولد على والده، والدين على المعسر، وخرج دين الكفارات والزكاة. ٦ - أن يكون الدين حالاًّ، صرح بهذا الشرط الشافعية، قالوا: إن كان الدين مؤجلاً ففي المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان الأجل تلك السنة أعطى، وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة.

стр. 737

٧ - أن لا يكون قادرًا على السداد من مال عنده زكوي أو غير زكوي زائد عن كفايته، فلو كان له دار يسكنها تساوي مائة وعليه مائة، وتكفيه دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع، ويدفع الزائد في دينه على ما صرح به المالكية، ولو وجد ما يقضي به بعض الدين أعطى البقية فقط، وإن كان قادرًا على وفاء الدين بعد زمن بالاكتساب، فعند الشافعية قولان في جواز إعطائه منها. الضرب الثاني: الغارم لإصلاح ذات البين: الأصل فيه حديث قبيصة قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» (١). فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا النوع من الغارمين يعطى من الزكاة سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، لأنه لو اشترط الفقر فيه لقلت الرغبة في هذه المكرمة، وصورتها أن يكون بين قبيلتين أو حيين فتنة، يكون فيها قتل نفس أو إتلاف مال، فيتحمله لأجل الإصلاح بينهم، فيعطى من الزكاة لتسديد حمالته، وقيد الحنابلة الإعطاء بما قبل الأداء الفعلي، ما لم يكن أدى الحمالة من دين استدانه؛ لأن الغرم يبقى، وقال الحنفية: لا يعطى المتحمل من الزكاة إلا إن كان لا يملك نصابًا فاضلاً عن دينه كغيره من المدينين. ولم يصرح المالكية بحكم هذا الضرب فيما اطلعنا عليه. الضرب الثالث: الغارم بسبب دين ضمان وهذا الضرب ذكره الشافعية، والمعتبر في ذلك أن يكون كل من الضامن والمضمون عنه معسرين، فإن كان أحدهما موسرًا ففي إعطاء الضامن من الزكاة خلاف عندهم وتفصيل (٢). الدين على الميت: إن مات المدين ولا وفاء في تركته لم يجز عند الجمهور سداد دينه من الزكاة. وقال المالكية: يُوفى دينه منها ولو مات، قال بعضهم: هو أحق بالقضاء لليأس من إمكان القضاء عنه، وهو أحد قولين عند الشافعية. [٧] في سبيل الله: وهذا الصنف ثلاثة أضرب. الضرب الأول: الغزاة في سبيل الله تعالى، والذين ليس لهم نصيب في الديوان، بل هم متطوعون للجهاد، وهذا الضرب متفق عليه عند الفقهاء من حيث الجملة، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة قدر ما يتجهزون به للغزو من مركب وسلاح ونفقة وسائر ما يحتاج إليه الغازي لغزوه مدة الغزو وإن طالت، ولا يشترط عند الجمهور في الغازي أن يكون فقيرًا،

стр. 738

بل يجوز إعطاء الغني لذلك، فإنه لا يأخذ لمصلحة نفسه، بل لحاجة عامة المسلمين، فلم يشترط فيه الفقر، وقال الحنفية: إن كان الغازي غنيًّا، وهو من يملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب كما تقدم في صنف الفقراء -فلا يعطى من الزكاة، وإلا فيعطى، وإن كان كاسبًا؛ لأن الكسب يقعده عن الجهاد، وعند محمد: الغازي منقطع الحاج لا منقطع الغزاة، وصرح المالكية بأنه يشترط في الغازي أن يكون ممن يجب عليه الجهاد، لكونه مسلمًا ذكرًا بالغًا قادرًا، وأنه يشترط أن يكون من غير آل البيت. وأما جنود الجيش الذين لهم نصيب في الديوان فلا يعطون من الزكاة، وفي أحد القولين عند الشافعية: إن امتنع إعطاؤهم من بيت المال لضعفه، يجوز إعطاؤهم من الزكاة. الضرب الثاني: مصالح الحرب وهذا الضرب ذكره المالكية، فالصحيح عندهم أنه يجوز الصرف من الزكاة في مصالح الجهاد الأخرى غير إعطاء الغزاة، نحو بناء أسوار للبلد لحفظها من غزو العدو، ونحو بناء المراكب الحربية، وإعطاء جاسوس يتجسس لنا على العدو، مسلمًا كان أو كافرًا، وأجاز بعض الشافعية أن يشتري من الزكاة السلاح وآلات الحرب وتجعل وقفًا يستعملها الغزاة ثم يردونها، ولم يجزه الحنابلة، وظاهر صنيع سائر الفقهاء -إذ قصروا سهم سبيل الله على الغزاة، أو الغزاة والحجاج -أنه لا يجوز الصرف منه في هذا الضرب، ووجهه أنه لا تمليك فيه، أو فيه تمليك لغير أهل الزكاة، أو كما قال أحمد: لأنه لم يؤت الزكاة لأحد، وهو مأمور بإيتائها. الضرب الثالث: الحجاج: ذهب جمهور العلماء (الحنفية والمالكية والشافعية والثوري وأبو ثور وابن المنذر وهو رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: إنه الصحيح) إلى أنه لا يجوز الصرف في الحج من الزكاة؛ لأن سبيل الله في آية مصارف الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن الأكثر مما ورد من نذكره في كتاب الله تعالى قصد به الجهاد. فتحمل الآية عليه. وذهب أحمد في رواية، إلى أن الحج في سبيل الله فيصرف فيه من الزكاة، لما روى (أن رجلاً جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال النبي ﷺ : «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» (١) فعلى هذا القول لا يعطى من الزكاة من كان له مال يحج به سواها، ولا يعطى إلا لحج الفريضة خاصة، وفي قول عند الحنابلة: يجوز حتى في حج التطوع. وينقل عن بعض فقهاء الحنفية أن مصرف «في سبيل الله» هو لمنقطع الحجاج. إلا أن مريد الحج يعطى من الزكاة عند الشافعية على أنه ابن سبيل كما يأتي.

стр. 739

[٨] ابن السبيل: سُمي بذلك لملازمته الطريق، إذ ليس هو في وطنه ليأوي إلى سكن. وهذا الصنف ضربان: -الضرب الأول: المتغرب عن وطنه الذي ليس بيده ما يرجع به إلى بلده: وهذا الضرب متفق على أنه من أصحاب الزكاة، فيعطى ما يوصله إلى بلده. إلا في قول ضعيف عند الشافعية: أنه لا يعطى؛ لأن ذلك يكون من باب نقل الزكاة من بلدها. لا يعطى من الزكاة إلا بشروط: الشرط الأول: أن يكون مسلمًا، من غير آل البيت. الشرط الثاني: أن لا يكون بيده في الحال مال يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنيًّا في بلده، فلو كان له مال مؤجل أو على غائب، أو معسر، أو جاحد، لم يمنع ذلك الأخذ من الزكاة على ما صرح به الحنفية. الشرط الثالث: أن لا يكون سفره لمعصية. صرح بهذا الشرط المالكية والشافعية والحنابلة، فيجوز إعطاؤه إن كان سفره لطاعة واجبة كحج الفرض، وبر الوالدين، أو مستحبة كزيارة العلماء والصالحين، أو كان سفره لمباح كالمعاشات والتجارات، فإن كان سفره لمعصية لم يجز إعطاؤه منها لأنه إعانة عليها، ما لم يتب، وإن كان للنزهة فقط ففيه وجهان عند الحنابلة: أقواهما: أنه لا يجوز؛ لعدم حاجته إلى هذا السفر. الشرط الرابع: وهو للمالكية خاصة: أن لا يجد من يقرضه إن كان ببلده غنيًّا. ولا يعطى أهل هذا الضرب من الزكاة اكثر مما يكفيه للرجوع إلى وطنه، وفي قول للحنابلة: إن كان قاصدًا بلدًا آخر يعطى ما يوصله إليه ثم برده إلى بلده. قال المالكية: فإن جلس ببلد الغربة بعد أخذه من الزكاة نزعت منه ما لم يكن فقيرًا ببلده، وإن فضل معه فضل بعد رجوعه إلى بلده نزع منه على قول عند الحنابلة. ثم قد قال الحنفية: من كان قادرًا على السداد فالأولى له أن يستقرض ولا يأخذ من الزكاة. الضرب الثاني: من كان في بلده ويريد أن ينشئ سفرًا: فهذا الضرب منع الجمهور إعطاءه، وأجاز الشافعية إعطاءه لذلك بشرط أن لا يكون معه ما يحتاج إليه في سفره، وأن لا يكون في معصية، فعلى هذا يجوز إعطاء من يريد الحج من الزكاة إن كان لا يجد في البلد الذي ينشئ منه سفر الحج ما لا يحج به. والحنفية لا يرون جواز الإعطاء في هذا الضرب، إلا أنَّ مَن كان ببلده، وليس له بيده مال ينفق منه وله مال في غير بلده، لا يصل إليه، رأوا أنه ملحق بابن السبيل (١).

стр. 740

هل يجوز أن تُعطى الزكاة للابن أو الأب؟ دفع الزكاة إلى الوالدين، أو إلى الأبناء -ممن لا تلزمه نفقتهم- إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو غزاة- جائز ومتجه قوي (١) وهو مذهب الشافعي (٢). وأما إن كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم، فالجمهور على منع دفع الزكاة إليهم. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣) أنه يجوز دفع الزكاة إليهم، إذا عجز عن نفقتهم. وهذا هو الأظهر، لأن منع الجمهور من صرف الزكاة إلى من تلزم نفقتهم، كان لعلتين: (الأولى): أنه غني بالنفقة عليه، و (الثانية): أنه بالدفع إليه يجلب على نفسه نفعًا، وهو منع وجوب النفقة عليه. فإذا كان الرجل عاجزًا عن النفقة عليهم أصلاً، أو لم تكن تلزمه نفقتهم، فقد انتفت العلتان، مع وجود المقتضى، فجاز، والله أعلم (٤). هل يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها إن كان من أهل الزكاة. اختلف العلماء في دفع المرأة زكاتها إلى زوجها على قولين: [١] لا يجوز دفعها إليه: وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (٥). وحجتهم في هذا: - أنه أحد الزوجين فلم يجز للآخر دفع زكاته إليه كالآخر. - وأنها تنتفع بدفعها إليه.

стр. 741

[٢] يجوز دفعها إليه: وهذا مذهب الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد (١). وهو الراجح لموافقته للدليل: - لحديث أبي سعيد أن زينب امرأة ابن مسعود، قالت: يا بني الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حُليٌّ لي فأردت أن أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» (٢). ولأنه لا تجب على المرأة نفقة زوجها، فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي. أما زكاة الرجل، فلا يجوز أن تُدفع إلى زوجته، لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن أخذ الزكاة، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على هذا (٣). هل تدفع الزكاة إلى الأقارب ذوي الأرحام؟ يجوز دفع الزكاة إلى الأقارب إذا كانوا من أهل الزكاة، وهو أفضل من دفعها إلى غيرهم. لقوله ﷺ : «صدقتك على ذي الرحم: صدقة وصلة» (٤). ويشهد له ما في حديث زينب: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ قال ﷺ : «نعم، ولها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» (٥) وقال ﷺ لأبي طلحة لما جاء بصدقته إليه: «... وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ...» (٦). هل يجوز دفع الزكاة إلى الفاسق والمبتدع ومن يستعين بها على المعصية؟ لا يخلو حال المنتسبين إلى الإسلام -والذين قد يكونون مستحقين للزكاة- من ثلاثة أحوال:

стр. 742

١ - أن يكونوا مسلمين طائعين مقيمين للشرائع: فهؤلاء تدفع إليهم الزكاة -إذا كانوا من أهلها- بلا خلاف. ٢ - أن يكونوا من أهل البدع المكفِّرة: فهؤلاء تمنع الزكاة عنهم، بلا خلاف، لأنهم خارجون بهذه البدع من الملة، والكفار لا يعطون من الزكاة بالإجماع. ٣ - أن يكونوا من أهل البدع والمعاصي: فهؤلاء إن غلب على ظن المعطي أنهم يصرفونها في المعصية فلا يجوز أن يُعطوا من الزكاة (عند الشافعية والحنابلة). ولذا قال شيخ الإسلام، كما في الفتاوى (٢٥/ ٨٧): «فينبغي للإنسان أن يتحرى بزكاته المستحقين من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من أهل الدين المتبعين للشريعة. ومن أظهر بدعة أو فجورًا فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره، والاستتابة، فكيف يعان على ذلك؟ كذلك لا ينبغي أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، فمن لا يصلي لا يُعطى حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة، ومن كان من هؤلاء منافقًا أو مظهرًا لبدعة تخالف الكتاب والسنة من بدع الاعتقادات والعبادات، فإنه مستحق لعقوبة، ومن عقوبته أن يُحرم حتى يتوب ...» اهـ. وأما إن لم يكونوا يستعينون بمال الزكاة على المعصية: فرأى شيخ الإسلام أنهم لا يعطون كذلك. ورأى غيره أنهم يعطون لأنهم داخلون في عموم آية مصارف الزكاة ولم تفرق بين عاصٍ ومطيع. وعلى كل حال فالأولى تقديم أهل الدين المستقيمين عليه في الاعتقاد والعمل، على من عداهم عند الإعطاء من الزكاة. والله أعلم. قلت: ومما ورد في هذا الباب: ١ - عن قزعة قال: «قلت لابن عمر: إن لي مالاً، فإلى من أدفع زكاته؟

стр. 743

فقال: ادفعها إلى هؤلاء القوم -يعني الأمراء- قلت: إذًا يتخذون بها ثيابًا وطيبًا، فقال: وإن اتخذوا بها ثيابًا وطيبًا، ولكن في مالك حق سوى الزكاة» (١). ٢ - عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: «أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد إخراج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى؟ قال: ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد ﵃ فقالوا مثل ذلك» (٢). والظاهر من سياق هذه الآثار، أن المراد بالقوم -الذين يدفع إليهم الزكاة رغم عصيانهم- الأمراء ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم، فليس فيه معارضة لما رجحناه من مذهب شيخ الإسلام، والله أعلم. هل تُدفع الزكاة إلى «الهاشميين»؟ بنو هاشم هم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث، وكذلك آل المطلب، على الراجح (٣). وهؤلاء لا يحل لهم أن يأخذوا من الزكاة المفروضة، بلا خلاف بين أهل العلم، لقول النبي ﷺ : «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس» (٤). ومعنى (أوساخ الناس): أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم فهي غسالة الأوساخ. ولقوله ﷺ : «إنا لا تحل لنا الصدقة» (٥). وقال ﷺ للحسن بن علي لما أخذ تمرة من تمر الصدقة: «كخ كخ (ليطرحها) أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» (٦). وقد اختار شيخ الإسلام أنه يجوز لبني هاشم أن يأخذوا من زكاة الهاشميين لا من زكاة الناس، وهذا مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف (٧).

стр. 744

نقل الزكاة الأصل أن تؤخذ الزكاة من أغنياء البلد، وتردُّ على فقرائهم، فلا تنقل إلى بلد آخر، لقول النبي ﷺ في حديث معاذ: «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم» (١). لكن إذا استغنى أهل بلد المزكي عن الزكاة، أو كان غيرهم أشد حاجة إليها أو كانوا أقرب للمزكي مع استحقاقهم للزكاة، أو غير ذلك من المصالح الراجحة، فإنه لا حرج في نقل الزكاة إلى بلد آخر، والله أعلم. زكاة الفطر تعريفها: زكاة الفطر (اصطلاحًا): صدقة تجب بالفطر من رمضان. الحكمة من مشروعية زكاة الفطر: حكمة مشروعية زكاة الفطر: الرفق بالفقراء، بإغنائهم عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم في يوم يُسر المسلمون بقدوم العيد عليهم، وتطهير من وجبت عليه بعد شهر الصوم من اللغو والرفث (٢). فعن ابن عباس قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٣). حكم زكاة الفطر: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، لحديث ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٤). وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ (٥) «هو زكاة الفطر».

стр. 745

وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض (١). على من تجب زكاة الفطر: تجب زكاة الفطر على من توفرت فيه الشروط الآتية: [١] الإسلام: لأن زكاة الفطر قُربة من القُرب، وطهرة للصائم من الرفث واللغو -كما تقدم- وليس الكافر من أهلها، وإنما يعاقب على تركها في الآخرة، ولذا قال في حديث ابن عمر المتقدم «... من المسلمين» والإسلام شرط عند جمهور العلماء، خلافًا للشافعية، فالأصح عندهم أنه يجب على الكافر أن يؤديها عن أقاربه المسلمين (٢). [٢] القدرة على إخراج زكاة الفطر: وحدُّ هذه القدرة: أن يكون عنده فضل عن قوته وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه، عند جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) (٣). لأن من كان هذه حاله يكون غنيًّا، فقد قال النبي ﷺ : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار» فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «أن يكون له شبع يوم وليلة» (٤). وخالف الحنفية وأصحاب الرأي فقالوا: لا تجب إلا على من يملك نصابًا من النقد أو ما قيمته فاضلاً عن مسكنه (٥). واستدلوا بقوله ﷺ : «لا صدقة إلا عن ظهر غني» (٦) قالوا: والفقير لا غنى له فلا تجب عليه، ولأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها. قلت: ورأي الجمهور أرجح، لأمور:

стр. 746

١ - أن فرض زكاة الفطر ورد مطلقًا على الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد، ولم يقيدها بغني أو فقير، كما قيد زكاة المال بقول (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). ٢ - أن زكاة الفطر لا تزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجوب النصاب فيها كالكفارة. ٣ - أن الاستدلال بحديث: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» لا يسلم لهم، فإننا نقول معهم: إن العاجز عنها لا تجب عليه، بل قدمنا الحديث بأن الإنسان يغنيه شبع يوم وليلة. فائدة: تجب زكاة الفطر على المسلم القادر على أدائها، حتى وإن كان عبدًا مملوكًا -كما ذهب إليه الحنابلة- خلافًا لجمهور الفقهاء، فقد اشترطوا لإيجاب الزكاة الحرية، وقالوا: لا تجب على العبد لأن العبد لا يملك. والصواب أنه يجب على السيد المسلم أن يخرج زكاة الفطر عن عبده، لحديث ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل عبد أو حر، صغيرًا أو كبيرًا» (١). والخلاصة: أن زكاة الفطر تجب على كل حر مسلم -يملك قوته وقت عياله يومًا أو ليلة- عن نفسه وعمن تلزمه نفقته: كزوجته وأبنائه وخدمه المسلمين. فعن ابن عمر قال: «أمر رسول الله ﷺ -بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون» (٢). وذهب ابن حزم إلى أن زكاة الفطر لا تجب على شخص عن غيره، لا عن أبيه ولا عن أمه ولا عن زوجته ولا عن أحد ممن تلزمه نفقته إلا عن نفسه، وأنه يجب على كل من هؤلاء إخراجها عن نفسه من ماله لظاهر حديث ابن عمر المتفق عليه. فوائد: ١ - لا يلزم الرجل إخراج زكاة الفطر عن زوجته التي لم يدخل بها لأنه لا تلزمه نفقتها.

стр. 747

٢ - إذا نشزت المرأة في وقت زكاة، الفطر، ففطرتها على نفسها لا على زوجها. ٣ - إذا كانت الزوجة كتابية فلا يخرج عنها زكاة الفطر. الأنواع التي تخرج في زكاة الفطر: تُخرج زكاة الفطر مما يقتاته المسلمون، ولا تُقتصر على ما نص عليه (الشعير والتمر والزبيب) بل تخرج من الأرز والذرة ونحوهما مما يعتبر قوتًا. وهذا أصح أقوال العلماء -وهو مذهب الشافعية والمالكية (١) - واختاره شيخ الإسلام، وأما فرض النبي ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، فلأن هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره، لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتانون، كما لم يأمر بذلك في الكفارات، فقد قال تعالى في الكفارة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢). وصدقة الفطر من جنس الكفارات، فكلاهما متعلق بالبدن، بخلاف صدقة المال فإنها تجب بسبب المال من جنس ما أعطاه الله (٣). وأما الحنابلة فقالوا: لا يجزئ إلا التمر والشعير والبر. ما المقدار الواجب عن كل شخص في زكاة الفطر: لأهل العلم في المقدار الواجب عن الشخص مذهبان (٤): الأول: أن الواجب صاع من أي صنف: وبهذا قال جمهور العلماء -خلافًا لأبي حنيفة وأصحاب الرأي- وحجتهم: ١ - حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ : صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة، فتكلم، فكان مما كلَّم الناس: إني لأرى مُدَّيْن من سمراء الشام [يعني: القمح] تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك [قال أبو سعيد]: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه» (٥).

стр. 748

٢ - حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر: صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير، فعدل الناس إلى نصف صاع من بُر» (١). المذهب الثاني: أن الواجب: الصاع إلا في البر فيجزئ نصف الصاع: وهذا مذهب أصحاب الرأي، والزبيب كالبر عند أبي حنيفة في رواية، وحجتهم: ١ - ما رُوى عن ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «صاع من بُر أو قمح على كل اثنين» (٢). ٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فجاج مكة: «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم: ذكر أو أنثى أو عبد، صغير أو كبير، مُدَّان من قمح، أو سواهما صاعًا من طعام» (٣). قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٣٧): «قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثُر زمنَ الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا في زكاة الفطر نصف صاع من قمح. اهـ[كلام ابن المنذر] وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة ...» اهـ (من الفتح). فائدة: الصاع =٤ أمداد = ١/ ٦ كيلة مصرية = ٢.١٥٧ كيلو جرام (بالوزن تقريبًا). متى تُخرج زكاة الفطر: يجب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها إلى ما بعدها؛ فعن ابن عمر قال: «أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٤).

стр. 749

وعن ابن عباس قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (١). أما بداية وقت الوجوب فهو: غروب شمس آخر يوم من رمضان (عند الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية) وطلوع فجر يوم العيد (عند الحنفية وقول عند المالكية) (٢). وفائدة الخلاف في بداية وقت الوجوب يظهر فيمن مات بعد غروب الشمس آخر يوم من رمضان، فعلى القول الأول: تخرج عنه زكاة الفطر لأنه كان موجودًا وقت وجوبها، وعلى الثاني: لا يخرج عنه. وكذلك من ولد بعد غروب الشمس آخر يوم من رمضان: فعلى الأول: لا تخرج عنه وعلى الثاني: تخرج عنه. يجوز إخراج زكاة الفطر قبل وقت وجوبها: يجوز تعجيل زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين: فعن نافع قال: «كان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (٣). هل تسقط زكاة الفطر بخروج وقتها: اتفق العلماء على أن زكاة الفطر لا تسقط إذا خرج وقتها، لأنها وجبت في ذمته لمستحقيها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء، لأنها حق للعبد، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا، إلا بالاستغفار والندامة، والله أعلم. هل يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر: تقدم الكلام (٤) عن حكم إخراج القيمة في الزكوات عمومًا، وأن الأصل إخراجها على الوجه الذي ورد به النص، ولا يعدل عنه إلى إخراج القيمة إلا لضرورة أو حاجة أو مصلحة راجحة، فيجزئ حينئذ، والله أعلم.

стр. 750

مصرف زكاة الفطر اختلف العلماء في مصرف زكاة الفطر على قولين: الأول: أن مصرفها هو مصارف الزكاة الثمانية: وهو مذهب جمهور العلماء، خلافًا للمالكية (١). الثاني: أنها تصرف للمحتاجين (الفقراء والمساكين فقط): وهو مذهب المالكية واختاره شيخ الإسلام (٢)، وهو الراجح، لمناسبته لمشروعية زكاة الفطر من كونها «طعمة للمساكين ...» (٣). ولأن صدقة الفطر أشبه بالكفارة، فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة.

стр. 751

٥ - كتاب الصيام

стр. 752

تعريف الصيام (١): الصيام والصوم لغةً: الإمساك والكف عن الشيء، ويستعمل في كل إمساك، قال تعالى إخبارًا عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ (٢). أي صمتًا وإمساكًا وكفًّا عن الكلام. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع نية التعبد لله تعالى. من فضائل الصيام وفوائده (أ) الصيام من أعظم الطاعات التي يُتقرَّب بها إلى الله سبحانه، ويثاب المؤمن عليه ثوابًا لا حدود له، وبه تغفر الذنوب المتقدمة، وبه يباعد بين وجهه وبين النار وبه يستحق العبد دخول الجنان من باب خاص أُعدَّ للصائمين، وبه يفرح العبد عند لقاء ربه. ١ - فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإن كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإنه شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم -مرتين- والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٣). ٢ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). ٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصوم عبد يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» (٥). ٤ - وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابًا يقال له الريَّان

стр. 753

يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (١). (ب) والصيام مدرسة خلقية كبرى يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة، فهو جهاد للنفس، ومقاومة للأهواء ونزغات الشيطان التي قد تلوح له، ويتعوَّذُ به الإنسان خلق الصبر على ما قد يُحرم منه وعلى الأهوال والشدائد التي قد يتعرض لها، ويعلم النظام والانضباط، وينمي في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة والشعور بالتضامن والتعاون التي تربط المسلمين (٢). أقسام الصيام: اعلم أن الصيام على قسمين: ١ - صيام واجب. ٢ - صيام تطوع. ١ - الصيام الواجب وأقسامه: الصيام الواجب على ثلاثة أقسام (٣): (أ) ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم (شهر رمضان) بعينه، وهو الذي نتناول أحكامه هنا. (ب) ما يجب لعلَّة، وهو صيام (الكفارات). (جـ) ما يجب لإيجاب الإنسان ذلك على نفسه: وهو (صيام النَّذر). وهذان القسمان (صيام الكفارة والنذر) سنذكره مفرقًا في مواضعه في أبواب الفقه. صيام رمضان حكمه: صيام رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم وهو ركن من أركان الإسلام، دلَّ على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع الأمة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ

стр. 754

أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). ومن السنة: ١ - حديث طلحة بن عبد الله ﵁ أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس -وفيه- فقال: أخبرني مما فرض الله عليَّ من الصيام، فقال: «شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا» (٢). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (٣). ٣ - حديث جبريل المشهور وفيه: قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان ...» (٤) الحديث. - وقد أجمع المسلمون على أن الصوم ركن من أركان الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يكفر مُنكره، وأنه لا يسقط عن المكلف إلا بعذر من الأعذار الشرعية المعتبرة (٥) التي يأتي ذكرها. من فضائل «رمضان» والعمل فيه: ١ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة» (٦). وفيه أن رمضان وذو الحجة في الفضل سيَّان، وأن كل ما ورد في فضلهما وأجرهما وثوابهما حاصل بكماله وإن كان الشهر تسعًا وعشرين (٧).

стр. 755

٢ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل شهر رمضان، فتحت أبوب السماء، وغُلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (١). ٣ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢). قال أبو حاتم بن حبان: «إيمانًا» يريد إيمانًا بفرضه، و «احتسابًا» يريد به مخلصًا فيه. ٤ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٣) ٥ - أن فيه العشر الأواخر وليلة القدر، وسيأتي فضلها والعمل فيها. بم يجب صيام رمضان (ثبوت الشهر): يجب صيام رمضان بثبوت الشهر، وهو يثبت بأحد أمرين: ١ - رؤية هلال رمضان: قال الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤). وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» (٥). وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٦). معرفة الهلال بالرؤية لا بالحساب: الطريق إلى معرفة الهلال هو الرؤيا لا غيرها، وضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح، فإنا نعلم بالاضطرار -من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم والحج، أو العدة، أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال، بخبر الحاسب لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، منها قوله

стр. 756

صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا ...» (١) يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، وقد أجمع المسلمون بذلك عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم -أصلاً- ولا خلاف حديث إلا عن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة في جواز أن يعمل الحاسب -في نفسه- بالحساب، وهذا شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه (٢). رؤية هلال رمضان تثبت بشاهد عدل (٣): إذا رأى واحدٌ عدل يوثق به هلال رمضان فإنه يُعمل بخبره عند أكثر أهل العلماء، كأبي حنيفة والشافعي -في أصدق قوليه وهو الصحيح عنده- وأحمد وأهل الظاهر واختاره ابن المنذر. وذهب مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي في قوله الآخر إلى اشتراط شاهدي عدل، قياسًا على الشهادة، والأول أظهر لأن تشبيه رائي الهلال بالراوي، أمثل من تشبيهه بالشاهد، وقد صح في الشرع قبول خبر الواحد، ثم إنه يتشدد في الأموال والحقوق ما لا يتشدد في الأخبار الدينية. ويدل على الاكتفاء بخبر الواحد، حديث ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فرأيته، فأخبرت رسول الله ﷺ فصام وأمر الناس بصيامه» (٤). والخبر بهذا من الرجل والمرأة على السواء في أصح قولي العلماء (٥). وأما هلال شوال: فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يكفي في إثبات هلال شوال شهادة واحد، وإنما لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين، وخالف في هذا أبو ثور وابن حزم وأيده

стр. 757

الشوكاني، وكأن ابن رشد مال إليه، وقالوا: بل يكفي شهادة الواحد لأنه أحد طرفي شهر رمضان فأشبه الأول. قلت: وحجة الجماهير حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن أصحاب النبي ﷺ حدثوه أنه قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» (١). وهو يدل على عدم جواز شهادة رجل واحد في الصيام والإفطار، فخرج الصيام بدليل حديث ابن عمر المتقدم، وبقي الإفطار حيث لا دليل على جوازه بشهادة واحد، والله أعلم. من رأى الهلال وحده (٢): من رأى الهلال وحده فرُدَّ قولُه: فللعلماء في صومه أو فطره برؤيتهُ ثلاثة أقوال: الأول: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ويفطر لهلال شوال سرًّا لئلا يخالف الجماعة وهذا قول الشافعي ورواية عن أحمد ومذهب ابن حزم، لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣). الثاني: يصوم برؤيته، ولا يفطر إلا مع الناس، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور عن أحمد. الثالث: لا يعمل برؤيته، فيصوم مع الناس ويفطر معهم، وهو رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام، لقوله ﷺ : «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون» (٤) ومعناه أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة. قلت: والأظهر أنه يعمل برؤيته في الصيام والإفطار -سرًّا- إن خالف الناس، ما لم يزد صيامه على ثلاثين يومًا، والله أعلم. ٢ - إكمال عدة شعبان ثلاثين: لأن الشهر الهلالي لا يقل عن تسعة وعشرين ولا يزيد عن ثلاثين يومًا، فإذا لم يروا الهلال -مع صحو السماء وخلوها من الغيم وأي مانع للرؤية -ليلة

стр. 758

الثلاثين مع شعبان، أتموا شعبان ثلاثين وأصبحوا مفطرين إما وجوبًا وإما استحبابًا على ما يأتي في صيام يوم الشك. إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه ليلة الثلاثين من شعبان: فللعلماء في هذه المسألة أقوال، أشهرها أربعة (١). الأول: لا يجوز صومه، لا وجوبًا ولا تطوعًا: وهو مذهب الجمهور ورواية عن أحمد واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرين ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٢). ٢ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتقدَّمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم» (٣). ٣ - حديث عمار بن ياسر قال: «من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٤). ٤ - أن صيام هذا اليوم على سبيل الاحتياط من التنطُّع في الدين، لأن الاحتياط إنما يكون فيما كان الأصل وجوبه، أما ما كان الأصل عدمه فلا احتياط في إيجابه، وقد قال ﷺ : «هلك المتنطعِّون» (٥). الثاني: يجب صومه على أنه من رمضان: وهو المشهور من مذهب الحنابلة وبه قالت طائفة من الصحابة منهم علي وعائشة وابن عمر، وجماعة من السلف، واستدلوا بما يلي: ١ - أن ابن عمر ﵄ «كان إذا كان يوم الثلاثين من شعبان وحال دونه غيم أو قتر أصبح صائمًا» (٦) قالوا: وابن عمر هو راوي حديث «فإن غم عليكم ...» فعمله تفسير له.

стр. 759

٢ - أن قوله ﷺ : «فإن غم عليه فاقدروا له» معناه (ضيِّقوا له) وتضييق العدد بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين. ٣ - أن قوله «فإن غم عليكم فاقدروا له» إنما هو في حال الصحو لأنه علَّق الصيام على الرؤية، فأما في حال الغيم فله حكم آخر. ٤ - أنه يحتمل أن يكون الهلال قد ظهر ومنعه الغيم، فيصوم احتياطًا. الثالث: أن الناس تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر فطروا: وهو رواية عن أحمد، لقوله ﷺ : «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحى الناس» (١). قلت: وقول الجمهور بمنع الصيام أظهر للأدلة المتقدمة، وأما فعل ابن عمر فليس فيه ما يدل على أنه كان يعتقد وجوبه حتى يعتبر مفسرًا لما رواه، ويدل على ذلك أنه لو كان واجبًا لأمر الناس به ولو أهله، فغاية ما فيه أنه صامه استحبابًا أو احتياطًا، وهذا هو القول الرابع وهو الذي اختاره ابن تيمية وابن القيم، هذا على أنه قد ثبت عن ابن عمر قوله: «لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يُشك فيه» (٢). قلت: ثم إن فعل ابن عمر هذا مخالف لفعله ﷺ الذي روته عائشة ﵁ إذ قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحفظ عن شعبان ولا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام» (٣). إذا تبيَّن في يوم الشك أنه من رمضان: كأن يكون الذي رأى الهلال لم يحضر عند القاضي إلا في أثناء النهار، أو أن يروا الهلال من النهار -قبل الزوال- ونحو ذلك، فلا يخلو من أحد أربعة: ١ - أن يكون قد صام يوم الشك بنية أنه من رمضان -كما هو مذهب الحنابلة- فهذا يجزئه صيامه بلا خلاف. ٢ - أن يكون قد صام هذا اليوم تطوعًا أو بنية معلقة، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجزئه لأنه يجب تعيين النية واعتقاد أنه يصوم رمضان (٤).

стр. 760

وقال أبو حنيفة: يجزئه -بناء على أصله في عدم اشتراط النية في رمضان- والإجزاء رواية عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام (١)، قلت: والأول أظهر من جهة الدليل. ٣ - أن يصبح ناويًا الإفطار ثم يتيقن أثناء النهار -وقبل أن يطعم أو يشرب شيئًا- أنه رمضان، فقال الشافعي (٢): يتم صومه وعليه الإعادة لأنه لم يبيت النية، وقال أبو حنيفة يجزئه. ٤ - أن يصبح مفطرًا ثم يتيقن أثناء النهار أنه من رمضان بعد ما طعم وشرب، فيجب عليك الإمساك بقية يومه بلا خلاف، لحديث سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أن أذن في الناس: أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإنه اليوم يوم عاشوراء» (٣) وقد كان واجبًا حينها، ثم عليه قضاء هذا اليوم لأنه لم يبيِّت النية من الليل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) إلى أنه لا يلزمه -والحالة هذه- أن يقضيه، لأن القضاء يفتقر إلى دليل -لا سيما مع عدم التفريط- وأجاب عن عدم النية بأن النية تتبع العلم، وأن الله تعالى لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحصل إلا أثناء النهار وهو مذهب وجيه، لكن الأحوط قضاؤه، والله أعلم. إذا رُؤى الهلال في بلد، فهل يلزم سائر البلاد؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل العلم: الأول: إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم دون اعتبار اختلاف المطالع: وهذا هو المعتمد عند الحنفية، ومذهب المالكية، وبعض الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٦). - قالوا: لأن الخطاب في قوله ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا» لكل المسلمين.

стр. 761

- ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين وتوحيد كلمتهم، ولسهولة الاتصال بين طرفي المعمورة في هذه الأزمان عن طريق الأقمار الصناعية. الثاني: أن لكل بلد -تحت ولاية واحدة- رؤيتهم: وقد نقله ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق (١)، ودليلهم حديث كريب -مولى ابن عباس- قال: «قدمت الشام واستهل عليَّ هلال رمضان، وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ قلت: نعم ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (٢). وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣). ومفهومه أن من لم يشهده لا يصوم حتى يراه أو يكمل عدة شعبان. الثالث: أنه يجب الصوم على البلاد التي لا تختلف مطالعها: وهذا أصح الأوجه عند الشافعية ومذهب بعض المالكية والحنفية وقول عند الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام (٤) وهذا هو القول الوسط في المسألة، فإن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا، وأما القول الأول بعدم اعتبار اختلاف المطالع فهو مخالف لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، فإنه لو غابت الشمس في المشرق فليس لأهل المغرب الفطر اتفاقًا، وأما حديث كريب فإنما يدل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما الخلاف في وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث (٥) ثم إنه لا يعدو كونه فهم ابن عباس لأمر النبي ﷺ بالصيام والإفطار لرؤية الهلال، والحجة إنما هي في المرفوع، والله أعلم.

стр. 762

شروط صحة الصيام: يشترط لصحة الصيام أمران: ١ - الطهارة من الحيض والنفاس: وهو شرط لوجوب الأداء وللصحة معًا (١)، وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا. ٢ - النية: فإن صوم رمضان عبادة فلا يصح إلا بالنية كسائر العبادات، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٣). ولأن الإمساك قد يكون للعادة أو لعدم الاشتهاء أو لمرض أو رياضة أو غير ذلك، فلا يتعين إلا بالنية، قال النووي: «لا يصح الصوم إلا بنية، ومحلها القلب» (٤) اهـ. ويشترط لإجزاء النية أربعة شروط: (أ) الجزم: ويشترط قطعًا للتردد، حتى لو نوى ليلة الشك صيام غد، إن كان من رمضان لم يجزه (٥). (ب) التعيين: فلابد من تعيين النية في صوم رمضان وصوم الفرض والواجب، ولا يكفي مطلق الصوم، ولا تعيين صوم معين غير رمضان عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (٦). (جـ) التبييت: وهو إيقاع النية في الليل، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، لحديث ابن عمر عن حفصة ﵃ أن النبي ﷺ قال: «من لم يُجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» (٧).

стр. 763

هل يشترط تبييت النية في صيام التطوع؟ تقدم حديث: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له». وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا، قال: «فإني إذا صائم» ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدى لنا حَيْس، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا» فأكل (١). وقد اختلف أهل العلم، في حكم تبييت النية في صيام التطوع، لهذين الحديثين، فسلك الجمهور مسلك الجمع، فحملوا حديث حفصة على صيام الفرض، وحديث عائشة على صيام التطوع، والنية في صوم النافلة من النهار قبل الزوال، وبعضهم بعده، قال شيخ الإسلام (٢) بعد حديث عائشة: «وهذا يدل على أنه أنشأ الصوم من النهار، لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السبب والعلة، فيصير المعنى: إني صائم لأنه لا شيء عندكم، ومعلوم أنه لو قد أجمع الصوم من الليل، لم يكن صومه لهذه العلة، وأيضًا: فقوله: «فإني إذن صائم»، و (إذن) أصرح في التعليل من الفاء ...» اهـ. وأيدوا استدلالهم بأن هذا ما فهمه الصحابة ﵃ من فعل النبي ﷺ ، فقد ثبت إنشاء نية صوم التطوع من النهار عن: ابن مسعود، وابن عباس، وأبي أيوب، وأبي الدرداء وحذيفة وأبي طلحة ﵃. واستدلوا كذلك بأمر النبي ﷺ الناس بالصوم يوم عاشوراء، وكان مفروضًا قبل فرض رمضان: «من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم» (٣). وذهب مالك والليث وابن حزم وتبعه الشوكاني مذهب الترجيح، فأخذوا بحديث حفصة، فلم يفرقوا بين صوم النفل والفرض في اشتراط تبييت النية، وقالوا: إن قوله ﷺ -في حديث حفصة- «لا صيام» نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت (٤). وأجابوا عن حديث عائشة بأنه ليس فيه أن النبي ﷺ لم يكن نوى الصيام من

стр. 764

الليل، ولا أنه أصبح مفطرًا ثم نوى الصوم بعد ذلك، لكن فيه أنه ﷺ كان يصبح متطوعًا صائمًا ثم يفطر وهذا مباح، فيحتمل أنه نوى من الليل وأراد أن يفطر، ويدل عليه قوله في حديث عائشة: «فلقد أصبحت صائمًا» ولا يجوز ترك اليقين في حديث حفصة للظن للمحتمل في حديث عائشة (١). وأجابوا عن حديث (عاشوراء) بأن النية إنما صحت في نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا فيخص الجواز بمثل هذه الصورة (٢). قلت: كلا المذهبين يحتمله الدليل واشتراط التبييت في التطوع أحوط والله أعلم. (د) تجديد النية لكل ليلة من رمضان: فيجب تبييت الصيام في كل ليلة من ليالي رمضان -عند الجمهور- لعموم حديث حفصة المتقدم ولأن كل يوم عبادة مستقلة لا يرتبط بعضه ببعض، ولا يفسد بفساد بعضه، ويتخللها ما ينافيها، وهو الليالي التي يحل فيها ما يحرم في النهار، فأشبهت القضاء بخلاف الحج وركعات الصلاة (٣). وذهب زفر ومالك -وهو رواية عن أحمد- أنه تكفي نية واحدة عن الشهر كله في أوله، كالصلاة، وكذلك في كل صوم متتابع ككفارة الصوم والظهار (٤). قلت: والأول أرجح لعموم الحديث، وقد أنصف ابن عبد الحكم -من المالكية- فقال بمذهب الجمهور. فائدة: تتحقق النية على الوصف المتقدم بالقيام في وقت السحر وتناول الطعام والشراب في ذلك الوقت لا سيما لمن لم يكن هذا بعادة له في غير أيام الصوم، لأن النية هي القصد إلى الشيء أو الإرادة له، وهذا قد حصل له القصد المعتبر، والله أعلم. ركن الصيام: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى المغرب. قال الله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (٥).

стр. 765

فقد أباح الله تعالى هذه الجملة من المفطرات ليالي الصيام، ثم أمر بالإمساك عنها في النهار، فدلَّ على أن حقيقة الصوم وقوامه هو الإمساك (١). سنن الصوم وآدابه: ١ - السحور: فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تسحَّروا، فإن في السحور بركة» (٢). وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» (٣). ويتحقق السحور ولو بجرعة ماء، فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «تسحَّروا ولو بجرعة ماء» (٤). ولو جعل في السحور تمرًا فهو أفضل، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَ سحور المؤمن التمر» (٥). ٢ - تأخير السحور: لحديث أنس عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة»، قلت: كم بين الأذان والسحور؟ قال: «قدر خمسين آية» (٦). وعن أُنيسة بنت حبيب قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أذن ابن أم مكتوم، فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا» فإن كانت الواحدة منا ليبقى عليها الشيء من سحورها، فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري (٧). إذا سمع أذان الفجر وطعامه أو شرابه في يده: فله أن يتم أكلته أو شربته،

стр. 766

لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (١). ٣ - تعجيل الإفطار: فعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير، ما عجَّلوا الفطر» (٢). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر -وهو صائم- فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا (٣) فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا ... (ثلاثًا) فنزل فجدح لهم، فشرب رسول الله ﷺ ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم» (٤). ٤ - أن يفطر على الرطب أو التمر -إن تيسَّر- أو الماء: فعن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من الماء» (٥). «فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خُلُوِّ المعدة أدعى إلى قبوله، وانتفاع القُوى به، ولا سيما القوم الباصرة، فإنها تقوى به، ... وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يُبس، فإذا رطبت بالماء، كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب» (٦) اهـ. ٥ - الدعاء عند الفطر بما يأتي: عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» (٧).

стр. 767

٦، ٧ - الجود، وقراءة القرآن ومدارسته: فعن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (١). ٨ - الترفُّع عما يحبط ثواب الصوم من المعاصي الظاهر والباطنة: فيجب أن يصون لسانه عن اللغو والهذيان والكذب، والغيبة والنميمة، والفحش والجفاء والخصومة والمراء، ويكف جوارحه عن جميع الشهوات والمحرمات، فإن هذا سر الصوم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). ولذا قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٣). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (٤). ويستفاد من الحديثين: أن هذه المعاصي يزيد قبحها في الصيام على غيرها، وأنها تخدش في سلامة الصيام بل ربما اقتضت عدم الثوب عليه (٥). ٩ - أن يقول إذ شُتم: إني صائم. لحديث أبي هريرة السابق، فيستحب لمن شُتم أن يقول لشاتمه في الصوم: (إني صائم) ويستحب أن يجهر بها سواء كان صوم فريضة أو نفل -على المختار (٦) - وفي هذا فائدتان: الأول: علم الشاتم بأن المشتوم لم يترك مقابلته إلا لكونه صائمًا لا لعجزه. الثانية: تذكير الشاتم بأن الصائم لا يشاتم أحدًا، فيكون متضمنًا نهيه عن الشتم.

стр. 768

مبطلات الصيام (المفطرات): يبطل الصوم -بوجه عام- بانتفاء شرط من شروطه، أو اختلال ركن من أركانه، وأصول هذه المفطرات ثلاثة ذكرها الله في كتابه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (١). وقد أجمع العلماء على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم، والمشروب، والجماع، ثم اختلفوا من ذلك في مسائل منها ما هو مسكوت عنه ومنها ما هو منطوف به (٢). المبطلات قسمان: [أ] ما يبطل الصيام، ويوجب القضاء: ١، ٢ - الأكل والشرب عامدًا ذاكرًا لصومه: فإن أكل أو شرب ناسيًا، فإنه يتم صومه ولا قضاء عليه، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من نسي -وهو صائم- فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (٣). ويستوي في ذلك الفرض والنفل -لعموم الأدلة عند الجمهور، خلافًا لمالك (٤) فخص الحكم بصيام رمضان، وأما لو نسي في غير رمضان فأكل أو شرب فعليه القضاء عنده، والصحيح أنه لا فرق. والأكل هو: إدخال شيء إلى المعدة عن طريق الفم، وهو عام يشمل ما ينفع، وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر. إذا أكل أو شرب أو جامع ظانًا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر فظهر خلافه؟ لأهل العلم في هذه المسألة مذهبان: الأول: أن عليه القضاء، وهو مذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة (٥).

стр. 769

الثاني: أنه لا قضاء عليه، وهو مذهب إسحاق ورواية عن أحمد وداود وابن حزم وعزاه إلى جمهور السلف، وبه قال المزني من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وهو الراجح لما يأتي: ١ - لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ...﴾ (٢). ٢ - وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا ...﴾ (٣) فقال الله -كما في الحديث: «نعم» (٤). ٣ - حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس» قيل لهشام [الراوي عن أُمِّه فاطمة عن أسماء]: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بُدٌّ من قضاء، وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: «لا أدري أقضوا أم لا» (٥). فحديث أسماء لا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه، وأما كلام هشام فقاله برأيه، ويدل عليه سؤال معمر له. فتحصَّل أنهم لم يؤمروا بالقضاء، ولو كان عليهم قضاء لحفظ، فلما لم يحفظ عن النبي ﷺ فالأصل براءة الذمة، وعدم القضاء. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦). قد علَّق الإمساك على تبين طلوع الفجر لا على مجرد طلوعه. ٥ - أن الجاهل معذور، ففي حديث عدي بن حاتم قال: «لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل والنهار» (٧) ولم يأمره بالقضاء، لأنه جاهل ولم يقصد مخالفة الله ورسوله، بل رأى أن هذا حكم الله ورسوله فَعُذِر (٨).

стр. 770

وهذا القول هو الأصح لموافقته الدليل، على أن يراعى الآتي: ١ - من أفطر قبل أن تغرب الشمس ثم تبين أنها لم تغرب، فيجب عليه الإمساك، لأنه أفطر بناء على سبب، ثم تبين عدمه. ٢ - هذا إذا غلب على ظنه غروب الشمس أو طلوع الفجر، أما إذا كان شاكًّا لم يغلب على ظنه: فإن أكل شاكًّا في طلوع الفجر صحَّ صومه لأن الأصل بقاء الليل حتى يتيقن الفجر أو يغلب على ظنه، وإن أكل شاكًّا في غروب الشمس، لم يصح صومه، لأن الأصل بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل مع الشك، وعليه القضاء ما لم يعلم أنه أكل بعد الغروب فلا قضاء حينئذ، والله أعلم. تعمُّد الأكل والشرب يوجب القضاء فقط (١): وبهذا قال الشافعي وأحمد -في المشهور عنه- وأهل الظاهر، وكثير من أهل العلم، لعدم ورود نص يوجب الكفارة إلا في الجماع -كما سيأتي- فيقتصر عليه ولا يعدى به إلى غيره لعظم هتك حرمة الشهر، لإمكانه أن يصبر عنه إلى الليل بخلاف ما اعتاده من الأكل والشرب، ولأن الحاجة إلى الزجر عنه أمسُّ والحكم في التعدي به آكد. بينما ذهب مالك وأبو حنيفة وإسحاق وطائفة إلى أن تعمد الأكل والشرب يوجب القضاء والكفارة قياسًا على الجماع لاشتراكهما في انتهاك حرمة الصوم. والأول أصح لعدم النص، والأصل أن الكفارات لا يقاس عليها. والله أعلم. ٣ - تعمُّد القيء: فإن غلبه القيء وخرج بنفسه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، بلا خلاف، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض» (٢). ٤، ٥ - الحيض والنفاس: فمن حاضت أو نفست ولو في اللحظة الأخيرة من النهار، فسد صومها، وعليها قضاء هذا اليوم، بإجماع العلماء. ٦ - تعمُّد الاستمناء: وهو تعمد إخراج المني بما دون الجماع، كالاستمناء باليد

стр. 771

أو نحو ذلك بقصد إخراجه بشهوة، فإن أنزل بشيء من ذلك متعمدًا ذاكرًا لصيامه فسد صومه ولزمه القضاء عند الجمهور (١). وذهب ابن حزم إلى أنه إن استمنى -بغير جماع- لم يفسد صومه وإن تعمَّد، قال: «ولم يأت بذلك نص ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس» (٢). قلت: ومذهب الجمهور أرجح، ويُستدل له بقول الله تعالى في الحديث القدسي في شأن الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٣) والاستمناء شهوة وكذا خروج المني، ومما يؤكد أن المني يطلق عليه (شهوة) قوله ﷺ : «وفي بُضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام» ... الحديث (٤) فالذي يوضع هو المني وقد سماه شهوة. أما إذا تفكر أو نظر فأنزل، ولم يتعمد بتفكره أو نظره إلى امرأته ونحو ذلك إنزال المني، لم يفسد صومه. ٧ - نيَّة الإفطار (٥): فإن نوى -وهو صائم- إبطال صومه، وعزم على الإفطار جازمًا متعمدًا ذاكرًا أنه في صوم، بطل صومه، وإن لم يأكل أو يشرب لأن «لكل امرئ ما نوى» ولأن الشروع في الصوم لا يستدعي فعلاً سوى نية الصوم، فكذلك الخروج لا يستدعي فعلاً سوى النية، ولأن النية شرط أداء الصوم، وقد أبدله بضده، وبدون الشرط لا تتأدَّى العبادة. وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد وأبي ثور والظاهرية وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا: إن عاد فنوى قبل انتصاف النهار أجزأ، بناء على أصلهم أنه تصح النية من النهار. ٨ - الرِّدَّة عن الإسلام (٦): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من ارتد عن

стр. 772

الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه، وعليه القضاء إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم أثناء اليوم أو بعد انقضائه، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١). ولأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة. ما يبطل الصيام، ويوجب القضاء والكفَّارة: - وهو الجماع لا غيره: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: «ما لك؟»، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ ، فبينما نحن على ذلك أُتى النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر، قال: «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذ هذا فتصدق به»، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها (٢) -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٣). وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن جماع الصائم في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السبيلين (القبل أو الدبر المحرم) مفطر، يوجب القضاء والكفارة أنزل أو لم ينزل. قلت (أبو مالك): مستند الجمهور في إيجاب القضاء على المُجامع في رمضان هو زيادة وردت في بعض طرق هذا الحديث وهي أن النبي ﷺ قال في آخره: «وصم يومًا مكانه» (٤) وهي زيادة ضعيفة لا تثبت، ولذا ذهب ابن حزم -رحمه

стр. 773

الله- إلى أن عليه الكفارة فقط دون القضاء، وهذا قوي ومتجه، وهو موافق لما تقدم تحريره -في قضاء الصلوات، وما سيأتي في قضاء الصيام- من أنه لا يُشرع القضاء لمن ترك عبادة مؤقتة -بغير عذر- إلا بدليل جديد، والله أعلم. هل تجب الكفارة على المرأة كالرجل؟ في حديث أبي هريرة المتقدم أن رسول الله ﷺ أمر الرجل بالكفارة، وسكت عن المرأة، ولهذا اختلف أهل العلم في المرأة التي جامعها زوجها، هل عليها كفارة أم لا؟ على أقوال (١): أحدها: ليس على المرأة كفارة مطلقًا: وهو مذهب الشافعي، وقول لأحمد، أن يجزيهما كفارة واحدة وأنها على الرجل دونها لما يأتي: ١ - أن النبي ﷺ لم يأمر المرأة بكفارة مع أنه جامعها والفعل قد حصل منه ومنها معًا، فدلَّ على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها. ٢ - وأنه حق مال اختص بالجماع فاختص بالرجل كالمهر. الثاني: أن على المرأة الكفارة كالرجل: وهو قول الجمهور: أبي حنيفة ومالك وقول للشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه، على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة، قالوا: ١ - لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل، وقد سوَّت الشريعة بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام الدليل على تخصيصها، فإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمد كما وجب على الرجل، وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء. ٢ - وأما عدم أمر النبي ﷺ للمرأة بالكفارة، فهذا حكاية حال لا عموم لها وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض أو سفر أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها أو نحو ذلك.

стр. 774

٣ - لأن المرأة لم تستفت النبي ﷺ كما استفتاه الرجل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف. ٤ - ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. الثالث: أن يجزيهما كفارة واحدة إلا إن كانت الكفارة بالصيام فعليهما: وهذا مذهب الأوزاعي. قلت: والأرجح مذهب الجمهور، وقول الشافعي ليس ببعيد كذلك، والله أعلم. تنبيه: المرأة إذا كانت مكرهة أو ناسية أو جاهلة فلا قضاء عليها ولا كفارة على الأصح وكذلك الرجل إذا كان ناسيًا أو جاهلاً، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد (١). هل تجب الكفارة على الترتيب؟ ذهب الجمهور (٢) إلى وجوب الترتيب في الكفارة فلا ينتقل إلى صيام الشهرين المتتابعين إلا إذا عجز عن العتق، ولا يطعم ستين مسكينًا إلا بعد العجز عن الصيام، على ظاهر حديث أبي هريرة المتقدم. وذهب مالك إلى أنها على التخيير لما وقع في رواية مسلم لهذا الحديث عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا» (٣). قالوا: رواية البخاري للحديث لا يلزم منها الترتيب فإن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، فيحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة، وحمل بعضهم الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز. وأما الجمهور فسلكوا مسلك الترجيح، فرجحوا رواية الترتيب على رواية التخيير بأن الذين رووا الحديث على الترتيب أكثر مع اتحاد المخرج وبأن راوي التخيير تصرف في اللفظ، وبأن الترتيب أحوط لأن الأخذ به مجزئ على القولين، والله أعلم.

стр. 775

هل تتكرَّر الكفارة بتكرُّر الجماع؟ (١): ١ - من جامع في نهار رمضان، ثم كفَّر، ثم وطئ في يوم آخر فعليه كفارة أخرى إجماعًا. ٢ - من جامع في يوم واحد مرارًا، فليس عليه إلا كفارة واحدة إجماعًا. ٣ - من جامع في نهار رمضان، ولم يُكفِّر ثم جامع في يوم آخر، ففيه قولان: الأول: أن عليه لكل يوم كفارة، لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. والثاني: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والزهري، قياسًا على الحدِّ، والأول أرجح، والله أعلم. أمور لا تفسد الصيام: ١ - أن يصبح يوم الصيام جُنبًا: فمن نام -وهو صائم- فاحتلم لم يفسد صومه، بل يتمه إجماعًا (٢)، وكذلك من أجنب ليلاً ثم أصبح صائمًا، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند الجمهور، لحديث عائشة وأم سلمة: «أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» (٣). ٢ - تقبيل الزوجة ومباشرتها إن أمن الإمناء: فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٤). وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبِّلني وهو صائم وأنا صائمة» (٥). قال ابن حزم (٦/ ٢٠٨): «وكانت عائشة إذ مات ﵇ بنت ثماني عشرة سنة، فظهر بطلان قول من فرَّق في ذلك بين الشيخ والشاب، وبطلان قول من
следующие страницы →