← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أو نحو ذلك بقصد إخراجه بشهوة، فإن أنزل بشيء من ذلك متعمدًا ذاكرًا لصيامه فسد صومه ولزمه القضاء عند الجمهور (١). وذهب ابن حزم إلى أنه إن استمنى -بغير جماع- لم يفسد صومه وإن تعمَّد، قال: «ولم يأت بذلك نص ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس» (٢). قلت: ومذهب الجمهور أرجح، ويُستدل له بقول الله تعالى في الحديث القدسي في شأن الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٣) والاستمناء شهوة وكذا خروج المني، ومما يؤكد أن المني يطلق عليه (شهوة) قوله ﷺ : «وفي بُضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام» ... الحديث (٤) فالذي يوضع هو المني وقد سماه شهوة. أما إذا تفكر أو نظر فأنزل، ولم يتعمد بتفكره أو نظره إلى امرأته ونحو ذلك إنزال المني، لم يفسد صومه. ٧ - نيَّة الإفطار (٥): فإن نوى -وهو صائم- إبطال صومه، وعزم على الإفطار جازمًا متعمدًا ذاكرًا أنه في صوم، بطل صومه، وإن لم يأكل أو يشرب لأن «لكل امرئ ما نوى» ولأن الشروع في الصوم لا يستدعي فعلاً سوى نية الصوم، فكذلك الخروج لا يستدعي فعلاً سوى النية، ولأن النية شرط أداء الصوم، وقد أبدله بضده، وبدون الشرط لا تتأدَّى العبادة. وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد وأبي ثور والظاهرية وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا: إن عاد فنوى قبل انتصاف النهار أجزأ، بناء على أصلهم أنه تصح النية من النهار. ٨ - الرِّدَّة عن الإسلام (٦): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من ارتد عن

стр. 772

الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه، وعليه القضاء إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم أثناء اليوم أو بعد انقضائه، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١). ولأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة. ما يبطل الصيام، ويوجب القضاء والكفَّارة: - وهو الجماع لا غيره: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: «ما لك؟»، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ ، فبينما نحن على ذلك أُتى النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر، قال: «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذ هذا فتصدق به»، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها (٢) -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٣). وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن جماع الصائم في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السبيلين (القبل أو الدبر المحرم) مفطر، يوجب القضاء والكفارة أنزل أو لم ينزل. قلت (أبو مالك): مستند الجمهور في إيجاب القضاء على المُجامع في رمضان هو زيادة وردت في بعض طرق هذا الحديث وهي أن النبي ﷺ قال في آخره: «وصم يومًا مكانه» (٤) وهي زيادة ضعيفة لا تثبت، ولذا ذهب ابن حزم -رحمه

стр. 773

الله- إلى أن عليه الكفارة فقط دون القضاء، وهذا قوي ومتجه، وهو موافق لما تقدم تحريره -في قضاء الصلوات، وما سيأتي في قضاء الصيام- من أنه لا يُشرع القضاء لمن ترك عبادة مؤقتة -بغير عذر- إلا بدليل جديد، والله أعلم. هل تجب الكفارة على المرأة كالرجل؟ في حديث أبي هريرة المتقدم أن رسول الله ﷺ أمر الرجل بالكفارة، وسكت عن المرأة، ولهذا اختلف أهل العلم في المرأة التي جامعها زوجها، هل عليها كفارة أم لا؟ على أقوال (١): أحدها: ليس على المرأة كفارة مطلقًا: وهو مذهب الشافعي، وقول لأحمد، أن يجزيهما كفارة واحدة وأنها على الرجل دونها لما يأتي: ١ - أن النبي ﷺ لم يأمر المرأة بكفارة مع أنه جامعها والفعل قد حصل منه ومنها معًا، فدلَّ على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها. ٢ - وأنه حق مال اختص بالجماع فاختص بالرجل كالمهر. الثاني: أن على المرأة الكفارة كالرجل: وهو قول الجمهور: أبي حنيفة ومالك وقول للشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه، على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة، قالوا: ١ - لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل، وقد سوَّت الشريعة بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام الدليل على تخصيصها، فإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمد كما وجب على الرجل، وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء. ٢ - وأما عدم أمر النبي ﷺ للمرأة بالكفارة، فهذا حكاية حال لا عموم لها وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض أو سفر أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها أو نحو ذلك.

стр. 774

٣ - لأن المرأة لم تستفت النبي ﷺ كما استفتاه الرجل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف. ٤ - ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. الثالث: أن يجزيهما كفارة واحدة إلا إن كانت الكفارة بالصيام فعليهما: وهذا مذهب الأوزاعي. قلت: والأرجح مذهب الجمهور، وقول الشافعي ليس ببعيد كذلك، والله أعلم. تنبيه: المرأة إذا كانت مكرهة أو ناسية أو جاهلة فلا قضاء عليها ولا كفارة على الأصح وكذلك الرجل إذا كان ناسيًا أو جاهلاً، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد (١). هل تجب الكفارة على الترتيب؟ ذهب الجمهور (٢) إلى وجوب الترتيب في الكفارة فلا ينتقل إلى صيام الشهرين المتتابعين إلا إذا عجز عن العتق، ولا يطعم ستين مسكينًا إلا بعد العجز عن الصيام، على ظاهر حديث أبي هريرة المتقدم. وذهب مالك إلى أنها على التخيير لما وقع في رواية مسلم لهذا الحديث عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا» (٣). قالوا: رواية البخاري للحديث لا يلزم منها الترتيب فإن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، فيحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة، وحمل بعضهم الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز. وأما الجمهور فسلكوا مسلك الترجيح، فرجحوا رواية الترتيب على رواية التخيير بأن الذين رووا الحديث على الترتيب أكثر مع اتحاد المخرج وبأن راوي التخيير تصرف في اللفظ، وبأن الترتيب أحوط لأن الأخذ به مجزئ على القولين، والله أعلم.

стр. 775

هل تتكرَّر الكفارة بتكرُّر الجماع؟ (١): ١ - من جامع في نهار رمضان، ثم كفَّر، ثم وطئ في يوم آخر فعليه كفارة أخرى إجماعًا. ٢ - من جامع في يوم واحد مرارًا، فليس عليه إلا كفارة واحدة إجماعًا. ٣ - من جامع في نهار رمضان، ولم يُكفِّر ثم جامع في يوم آخر، ففيه قولان: الأول: أن عليه لكل يوم كفارة، لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. والثاني: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والزهري، قياسًا على الحدِّ، والأول أرجح، والله أعلم. أمور لا تفسد الصيام: ١ - أن يصبح يوم الصيام جُنبًا: فمن نام -وهو صائم- فاحتلم لم يفسد صومه، بل يتمه إجماعًا (٢)، وكذلك من أجنب ليلاً ثم أصبح صائمًا، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند الجمهور، لحديث عائشة وأم سلمة: «أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» (٣). ٢ - تقبيل الزوجة ومباشرتها إن أمن الإمناء: فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٤). وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبِّلني وهو صائم وأنا صائمة» (٥). قال ابن حزم (٦/ ٢٠٨): «وكانت عائشة إذ مات ﵇ بنت ثماني عشرة سنة، فظهر بطلان قول من فرَّق في ذلك بين الشيخ والشاب، وبطلان قول من

стр. 776

قال: إنها مكروهة، وصحَّ أنها حسنة مستحبة وسنة من السنن، وقربة من القرب إلى الله تعالى اقتداء بالنبي ﷺ ووقوفًا عند فتياه بذلك» اهـ. قلت: ولا يقال: إن جواز القبلة للصائم خاص بالنبي ﷺ لما جاء: ١ - عن عُمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : «سَلْ هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له» (١). ٢ - وعن جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هششت يومًا، فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: لقد صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قال: «وما هو؟» قلت: قبلت وأنا صائم، قال: «أرأيت لو تمضمضت من الماء؟» قلت: إذًا لا يضر، قال: «ففيم؟» (٢). والمباشرة -وهي مس بشرة الرجل لبشرة المرأة فيما دون الجماع -كالقبلة ولا فرق، وعن مسروق قال: سألت عائشة ﵂: ما يحلُّ للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» (٣). وعن عمرو بن شرحبيل: «أن ابن مسعود كان يباشر امرأته بنصف النهار وهو صائم» (٤). وعن عكرمة قال: «كان سعد بن مالك يفرك قُبُلها بيده وهو صائم» (٥). قلت: فالصحيح أنه لا يكره أن يقبل أو يباشر، فإن قبَّل أو باشر فأمذى أو أمذت فلا شيء عليهما (٦)، فإن كان يعلم من نفسه أنه يمني بذلك لم يجز له، فإن فعل وأمنى أو أَمْنت هي فقد أفطر الذي أنزل المني منهما وبطل صومه وعليه القضاء (٧).

стр. 777

٣ - الاغتسال، والصب على الرأس للتبرُّد: لما تقدم قريبًا: «أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم». وعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر» (١). ٤ - المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة: فعن لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ : «... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢). فلا بأس بالمضمضة للصائم ولو في غير وضوء أو غسل، ولا يفسد صومه البلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة، إذا ابتلعه مع الريق، لأنه لا يمكن التحرز عنه (٣). فإن تمضمض أو استنشق فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه في أصح قولي العلماء، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، خلافًا لقول أبي حنيفة ومالك بأنه يفطر. ٥ - تَذَوُّق الطعام للحاجة ما لم يصِل إلى الجوف: فعن ابن عباس قال: «لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء، ما لم يدخل حلقه وهو صائم» (٤). وقال شيخ الإسلام: «... وذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكن لا يفطره، وأما للحاجة فهو كالمضمضة» اهـ (٥). وفي معنى التذوق: مضغ الطعام للحاجة، فعن يونس عن الحسن قال: «رأيته يمضغ للصبي طعامًا -وهو صائم- يمضغه ثم يخرجه من فيه، يضعه في فم الصبي» (٦).

стр. 778

فائدة: يُكره للصائم مضغ العِلْك (اللِّبان) الشديد إذا لم يتحلب منه شيء يدخل إلى الجوف ولم يكن له طعم يوجد في الحلق، لأنه يجفف الفم ويعطش، فإذا كان يتحلب منه ما يدخل إلى الجوف، فإنه يفطر عند الجمهور (١). ٦ - الحجامة (٢)، والتبرع بالدم، لمن لم يخش الضعف: صحَّ عن النبي ﷺ -من عدة طرق- أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣). وثبت عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم» (٤). فذهب أحمد وابن سيرين وعطاء والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر وابن خُزيمة، واختاره ابن تيمية أن المحتجم يفطر بالحجامة وهو قول عليٍّ وأبي هريرة وعائشة، وحجة هذا المذهب (٥). ١ - حديث «أفطر الحاجم والمحجوم». ٢ - تضعيف الإمام أحمد لحديث ابن عباس المتقدم، وهو في البخاري؟! ٣ - قالوا: وعلى فرض صحته فهو منسوخ. وزاد ابن تيمية -عن الحنابلة- أن الحاجم كذلك يفطر إذا مصَّ القارورة. وذهب الجمهور: أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم إلى أن الحجامة لا يفطر بها الحاجم ولا المحجوم، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وطائفة من السلف، وحجتهم (٦)! ١ - أن حديث عباس ثابت صحيح، وأجابوا عن تضعيف الإمام أحمد، أن مهنا قال: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال ليس فيه «صائم» إنما هو محرم» ثم ساقه من طرق عن ابن عباس لكن ليس فيها طريق أيوب التي في البخاري، قال الحافظ: «فالحديث صحيح لا مرية فيه» اهـ.

стр. 779

٢ - قالوا: إن حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» هو المنسوخ، وأطال النووي الكلام على ذلك، وبهذا قال الشافعي والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم. ٣ - ضعَّفوا حديث «أفطر الحاجم والمحجوم». قلت: والحق أنه ليس على دعوى النسخ من الفريقين برهان لا سيما مع الجهل بالتاريخ، ثم إن الحديثين صحيحان لا مطعن في واحد منهما، فهاهنا مسلكان يجب المصير إلى واحد منهما: (أ) إما أن يقال إن إفطار الحاجم والمحجوم منسوخ بحديث آخر وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم» (١). قال ابن حزم (٦/ ٢٠٤): وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدلَّ على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا. اهـ. (ب) وإما أن يقال النهي عن احتجام الصائم ليس على التحريم، فيحمل حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» على المجاز بمعنى أنه سيأول أمْرهما إلى الفطر ويؤيد هذا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الحجامة والمواصلة -ولم يحرمهما- إبقاء على أصحابه ...» (٢) فدلَّ على أنه إنما كره ذلك في حق من كان يضعف به ويؤكده حديث ثابت أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: «لا، إلا من أجل الضعف» (٣). قلت: وهذا هو الأولى بالقبول فيترجح مذهب الجمهور بأن الحجامة لا تفطر، لكنها تكره في حق من كان سيضعف بها، وتحرم إذا بلغ به الضعف إلى أن تكون سببًا في إفطاره ويدخل في معنى الحجامة التبرع بالدم، فيقال فيه ما تقدم، والله أعلم.

стр. 780

٧ - ١٠ - الاكتحال (١) والحقنة (٢) والقطرة (٣) وشم الطيب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأم الكحل والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة (٤) فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع إلا بالكحل، ومنهم من فطَّر بالجميع إلا بالتقطير، ومنهم من لا يفطر بالكحل ولا بالتقطير، ويفطر بما سوى ذلك. والأظهر: أن لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث الذي ورد في الكحل ضعيف (٥)» (٦) اهـ. وقال (٧): «فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب، فلو كان هذا مما يفطر لبيَّنه ﷺ كما بيَّن الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن، والبخور قد يتصاعد إلى الأنف، ويدخل الدماغ، وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن

стр. 781

ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دلَّ على جواز تطيبه وتبخره وادَّهانه، وكذلك اكتحاله، وقد كان المسلمون في عهده ﷺ يجرح أحدهم إما في الجهاد، وإما في غيره، مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين ذلك». وقال ﵀ (١) -: «والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر ... لم يكن معهم حجة عن النبي ﷺ ، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، فأقوى ما احتجوا به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢). قال (٣): «وهو قياس ضعيف، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل بذلك ما يحصل للشارب بفمه ويغذى بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطرًا، ولا جزءً من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى المفطر، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة، فإن الكحل لا يغذى البتة، ولا يدخل أحد كحلاً إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه، وكذلك الحقنة [يعني الشرجية] لا تغذى، بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة. والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه ...» اهـ. وقد أطال ﵀ الكلام في إبطال هذا القياس، والذي يتحصل: - أن النص قد أثبت الفطر بالأكل والشرب وهذه الأمور لا تسمى أكلاً ولا شربًا ولا يقصد بها أكل أو شرب، وعليه فإن الحقن المعروف والإبر بأنواعها لا تفطر إلا أن تكون للتغذي فموضع نظر. - أن ما يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب يلحق به.

стр. 782

- أن العلة في التفطير بالأكل والشرب قد لا تكون مجرد التغذية، بل قد تكون مركبة من التغذية والتلذذ بالأكل والشرب، وقد يدل على هذا أن المريض الذي يغذى عن طريق الحقن لمدة أيام يكون في شدة الشوق إلى الطعام (١)، فإذا كان كذلك فإن الحقن جميعها لا تفطر وإن كانت للتغذية، والله أعلم. ١١ - السواك: السواك مندوب إليه شرعًا -كما تقدم- ولم يرد نص بمنعه للصائم، بل قد وردت أحاديث بعضها يثبت مشروعية الاستياك للصائم وأخرى تحض عليه في الصيام، لكنها ضعيفة لا تثبت فالأصل إباحة السواك ولو كان مفطرًا لبينه النبي ﷺ ولنقله أصحابه مع عموم البلوى. وقد اتفق الفقهاء على جواز السواك للصائم، إلا أن الشافعية والحنابلة استحبوا ترك السواك للصائم بعد الزوال، للإبقاء على رائحة الخلوف التي هي أطيب عند الله من ريح المسك. قلت: والأظهر أنه لا بأس بالسواك في كل وقت، والله أعلم. فائدة: هل يجوز استعمال معجون الأسنان للصائم؟ بناء على ما تقدم فإنه يجوز استعمال الفرشاة والمعجون للصائم إذا أمن نفوذه إلى الحلق، والأولى تركه نهارًا وفعله بالليل، والله أعلم. ١٢ - ابتلاع النخامة: النخامة: هي ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح، أو البلغم الصاعد من الصدر. ومذهب الحنفية والمعتمد عند المالكية ورواية عن أحمد أن النخامة لا تفطر، لأن ابتلاعها في الفم غير واصل من خارج، فأشبه الريق (٢). وعند الشافعية والحنابلة يجوز ابتلاعها ما لم تصل إلى الفم، فإن وصلت فمه فابتلعها أفطر (٣). قلت: الأظهر أنه لا حرج في ابتلاعها ولو كانت في فمه ما لم تفحش، أو يقصد الأكل أو الشرب.

стр. 783

١٣ - ابتلاع ما لا يحترز منه، مثل: (أ) ما يعلق بالأسنان من بقايا الطعام: إذا كان يسيرًا لأنه تبع للريق ولا يمكن الاحتراز منه، بشرط أن لا يقصد ابتلاعه، أو يعجز عن تمييزه ومَجِّه (١). (ب) الدم اليسير من اللثة والأسنان: فلو دميت لثته فدخل ريقه حلقه مخلوطًا بالدم ولم يصل إلى جوفه لا يفطر عند الحنفية لأنه لا يحترز منه إلا أن يغلب الدم على الريق فيفطر به عندهم. وعند الشافعية والحنابلة: يفطر بابتلاع الريق المختلط بالدم، والدم نجس -عندهم- لا يجوز ابتلاعه وإذا لم يتحقق أنه بلع شيئًا نجسًا لا يفطر، إذ لا فطر ببلع ريقه الذي لا تخالطه النجاسة!! (٢) قلت: الأظهر أنه لا يجوز له أن يتعمد بلع الدم لأنه محرم، فإن غلب عليه بلعه أو شقَّ عليه التحرز من بلعه، أو لم يعلم به لم يفطر. (جـ) غبار الطريق والطحين ونحو ذلك: مما لا يمكن الاحتراز منه. ١٤، ١٥، ١٦ - الأكل والشرب والجماع ناسيًا. ١٧ - القيء غير المتعمد: وقد تقدمت الأدلة على عدم فساد الصيام بهذه الأمور قريبًا. المفطرون وأحكامهم المفطرون في رمضان على ثلاثة أقسام (٣): (أ) قسم يجوز له الفطر والصوم. (ب) قسم يجب عليه الفطر. (جـ) قسم لا يجوز له الفطر. [أ] من يجوز لهم الفطر والصوم: [١] المريض: المرض هو: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة (٤).

стр. 784

وقد أجمع العلماء على إباحة الفطر للمريض في الجملة (١)، ثم إذا برئ قضاه والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). وعن سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣). كان من أراد أن يفطر، يفطر ويفتدي، حتى أنزلت الآية التي بعدها» (٤) يعني قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). وللمريض ثلاث حالات (٦): ١ - أن يكون مرضه يسيرًا لا يتأثر بالصوم ولا يكون الفطر أرفق به، كالزكام اليسير، أو الصداع اليسير أو وجع الضرس ونحوه، فهذا لا يجوز له أن يفطر. ٢ - أن يزيد مرضه أو يتأخر برؤه ويشق عليه الصوم لكن لا يضره، فهذا يستحب له الفطر ويكره له الصوم. ٣ - أن يشق عليه الصوم ويتسبب في ضرر قد يفضي إلى الهلاك، فهذا يحرم عليه الصوم أصلاً، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٧). هل يفطر الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام؟ (٨): يُباح للصحيح الذي يخشى المرض بالصيام أن يفطر، لأنه كالمريض الذي يخاف زيادة مرضه أو إبطاء برئه بالصوم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٩). وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١٠).

стр. 785

وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٢). [٢] المسافر: يشرع للمسافر -سفرًا يُقصر فيه- أن يفطر، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). إذا صام المسافر صَحَّ صومه: ذهب جماهير الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة إلى أن الصوم في السفر صحيح مجزئ، ورُوى عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر ﵃ -وهو مذهب ابن حزم- أنه غير صحيح ويجب القضاء على المسافر إن صام في سفره، وروى القول بكراهته، ومذهب الجماهير أقوى، كما سيأتي. هل الأفضل للمسافر الصوم أو الفطر؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والتحقيق في المسألة، وهو الذي تجتمع عليه النصوص أن يقال: إن للمسافر ثلاث حالات: ١ - أن يشق عليه الصوم أو يعوقه عن فعل خير: فالفطر في حقه أولى، ومن هذا ما في حديث جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (٤). وحديث أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٥).

стр. 786

وفي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال لأصحابه -وكانوا في غزوة-: «إنكم مصبحو العدو غدًا والفطر أقوى لكم» (١). ٢ - أن لا يشق عليه الصيام ولا يعوقه عن فعل الخير، فالأولى له الصيام، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (٢). وعن أبي الدرداء قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حارٍّ، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة» (٣). وعن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال: «إن شئت فصُم، وإن شئت فأفطر» (٤). ولأن الصوم -إذا لم يكن فيه مشقة- أسرع في إبراء الذمة، وأسهل على المكلف غالبًا أن يصوم مع الناس من أن يقضي والناس مفطرون. ٣ - أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة غير محتملة قد تفضي إلى الهلاك، فهنا يجب الفطر ويحرم الصوم، كما في حديث جابر: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة فسار حتى بلغ كراع الغميم، وصار الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» (٥). وقت جواز الفطر للمسافر أحوال: الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع عليه الفجر وهو مسافر، وينوي الفطر، فيجوز له الفطر إجماعًا، لأنه متصف بالسفر عند وجود سبب الوجوب (٦). الثانية: أن ينشئ السفر بعد الفجر (أثناء النهار): فهذب الجمهور (أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد) إلى أنه لا

стр. 787

يباح له الفطر ذلك اليوم، ووجه ذلك: أن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة (١). وذهب أحمد وإسحاق والحسن -وهو اختيار ابن تيمية، وهو الراجح في المسألة -إلى جواز الفطر في ذلك اليوم (٢)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). ولحديث جابر المتقدم قريبًا في خروج النبي ﷺ إلى مكة عام الفتح، وفيه: «... فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه» (٤). ونحوه حديث ابن عباس ففيه: «.. ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان ...» (٥). ويؤيد هذا المذهب كذلك حديث محمد بن كعب قال: «أتيت -في رمضان- أنس بن مالك، وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب» (٦). وعن عبيد بن جبير قال: «ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع ثم قرب غداؤه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ ؟» (٧). تنبيه: في الحديثين الأخيرين دليل على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه، قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر، وهذا هو الحق (٨) اهـ. وقد منع الجمهور من الفطر قبل مغادرة بلده، لأنه قبل المغادرة لا يكون على سفر بل هو ناو للسفر، لكن ...

стр. 788

الثالثة: أن ينوي الصوم -وهو مسافر- ثم يبدو له أن يفطر: فيجوز له الفطر -إذا بدا له ذلك- للأدلة المتقدمة في الحالة الثانية، وبه قال الجمهور خلافًا للمالكية والحنفية (١). انقطاع رخصة الفطر للمسافر: تسقط رخصة الفطر للمسافر بأمرين: [١] إذا نوى الإقامة مطلقًا، أو مدة الإقامة (٢): عن ابن عباس «أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان وصام، حتى إذا بلغ الكديد الماء الذي بين قديد عُسفان، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر» (٣). ومعلوم أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، فعلم أن النبي ﷺ أفطر بمكة عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات، ولا شك أن فطره في هذه المدة لا ينفي الفطر فيما زاد عليها. فالحاصل أن من نوى الإقامة في بلده إقامة مطلقة فإنه يصوم ولا يفطر، وإن لم ينو الإقامة لكن أقام لقضاء حاجة له بلا نية الإقامة ولا يدري متى تنقضي فله أن يفطر والله أعلم. [٢] إذا عاد إلى بلده: فإذا عاد إلى محل إقامته ليلاً، فإن كان الغد من رمضان وجب عليه الصوم بلا خلاف، أما لو قدم في النهار، فهل يمسك بقية يومه؟ فيه قولان، والأظهر أنه لا يلزمه الإمساك بل يبقى على فطرة وهذا مذهب الشافعي ومالك وصحَّ عن ابن مسعود أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» (٤)، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمسك بقية اليوم، قياسًا على من يطرأ عليه في يوم الشك، وفيه نظر، لأن ذاك أكل لموضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح (٥).

стр. 789

ويتفرَّع على هذا فائدة وهي: إذا قدم المسافر أثناء النهار -من رمضان- وهو مفطر، فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس، أو برأت من مرض وهي مفطرة فله أن يجامعها ولا كفارة عليه (١). مسألة: رجل لم يصبر -يومًا- عن جماع زوجته، فهل له أن يسافر بها حتى يفطر ويجامعها؟ الظاهر أنه لا بأس بذلك، والله أعلم. [٣، ٤] الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يُرجى بُرْؤه: أجمع العلماء على أن الشيخ والعجوز العاجزين عن الصوم، يجوز لهما الفطر ولا قضاء عليهما، ثم اختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال الجمهور: يطعمان عن كل يوم مسكينًا، وقال مالك: ليس عليهما إطعام إلا أنه استحبه (٢) وقول الجمهور أقوى. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣). وعن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية فقال ابن عباس: «ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كل يوم مسكينًا» (٤)، وجمهور الصحابة -ومنهم ابن عباس على التحقيق كما سيأتي- يرون أنها منسوخة فعن سلمة بن الأكوع قال: «لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها» (٥). وعلى القول بنسخها، فالآية في محل الاستدلال أيضًا، لأنها إن وردت في الشيخ الفاني -كما ذهب إليه بعض السلف- وإن وردت للتخيير فكذلك، لأن النسخ إنما يثبت في حق القادر على الصوم، فبقي الشيخ الفاني على حاله كما كان (٦).

стр. 790

ثم إن وضع الصوم عن الشيخ والعجوز هو الموافق للعمومات القاضية برفع الحرج. والمريض الذي لا يرجى برؤه في حكم الكبير (١). [٥، ٦] الحامل والمرضع: إذا خافت الحامل على الجنين، أو خافت المرضع على رضيعها قلة اللبن أو ضيعته ونحو ذلك بالصوم، فلا خلاف في أنه يجوز لهما الفطر، لقول النبي ﷺ : «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم» (٢). لكن اختلف العلماء فيما يجب عليها إذا أفطرتا على خمسة أقوال: الأول: عليهما القضاء والإطعام عن كل يوم مسكينًا: وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٣) وعند الشافعية والحنابلة أنهما إذا أفطرتا خوفًا على نفسيهما فعليهم القضاء فقط!! الثاني: عليهما القضاء فقط: وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور وأبي عبيد (٤)، وهؤلاء اعتبروا دلالة اقتران المسافر بالحامل والمرضع في الحديث المتقدم، أو قاسوا الحامل والمرضع على المريض أو المسافر. وقد أُورد على هذا القول أن المسافر إنما لزمه القضاء بنص خارج عن الحديث وهو قوله تعالى ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ (٥). أما الحامل والمرضع فلا دليل على إيجاب القضاء عليهما، ثم بإمعان النظر في الحديث نرى أن المسافر إذا قصر الصلاة في السفر لا يطالب -بعد رجوعه- بإتمام ما كان قصره من ركعات، فليقل كذلك: إن الحامل والمرضع لا يلزمان بقضاء ما أفطرتاه!! (٦). الثالث: عليهما الإطعام فقط دون القضاء: وهو عكس السابق، وبه قال ابن عباس وابن عمر، وهو مذهب إسحاق، وهو اختيار العلامة الألباني، ﵏.

стр. 791

فعن ابن عباس قال: «رخص للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة في ذلك، وهما يطيقان الصوم، يفطران إن شاءا، ويطعمان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كان لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا، وأطعمتا كل يوم مسكينًا» (٢). وفي قوله: «ثبت» إشعار بأن هذا الحكم في حق من لا يطيق الصوم كان مشروعًا كما كان مشروعًا في حق من يطيق الصوم، فنسخ هذا، واستمر الآخر، وكل من شرعيته واستمراره إنما عرفه ابن عباس من السنة، وليس من القرآن (٣). ويؤيد هذا أن ابن عباس أثبت هذا الحكم للحبلى والمرضع إذا خافتا، ومن الظاهر جدًّا أنهما ليستا كالشيخ والشيخة في عدم الاستطاعة، بل إنهما مستطيعتان، ولذا كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر ويقول: «أنت بمنزلة الكبير الذي لا يطيق الصيام فأفطري وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حِنْطَة» (٤). فمن أين أعطاهما ابن عباس هذا الحكم مع تصريحه بأن الآية منسوخة؟! ذلك من السنة بلا ريب. وعن نافع قال: «كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً، فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا» (٥). الرابع: القضاء على الحامل، والقضاء والإطعام على المرضع: وبه قال مالك، وهو قول عند الشافعية (٦). الخامس: ليس عليهما قضاء ولا إطعام: وهو مذهب ابن حزم (٧) قال: وإذا سقط الصوم، فإيجاب القضاء عليهما شرع لم يأذن الله تعالى به، ولم يوجب الله

стр. 792

تعالى القضاء إلا على المريض والمسافر والحائض والنفساء ومتعمد القيء ... وأما تكليفهم إطعامًا .. فلا يجوز لأحد إيجاب غرامه لم يأت بها نص ولا إجماع ... اهـ. قلت: وأرجح هذه الأقوال أنهما تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما وهو قول ابن عباس وابن عمر ولا يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ثم إن حديث ابن عباس له حكم الرفع لأنه حديث صحابي جاء في تفسير يتعلق بسبب نزول الآية، فهذا حديث مسند كما تقرر في علم المصطلح (١) والله أعلم. [ب] من يجب عليه الفطر وعليه القضاء: ١، ٢ - الحائض والنفساء: أجمع العلماء على أن الحائض والنفساء لا يصح صومهما، ولا يجب عليهما، ويَحرُم عليهما، ويجب عليهما -بعد الطهر- قضاؤه (٢). فعن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تَصُم؟ فذلك نقصان دينها» (٣). وعن عائشة قالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٤). مسائل تتعلق بالحائض والصيام (٥) إذا طهرت أثناء النهار: فإنها تتمادى في فطرها، فتأكل وتشرب وإن قدم زوجها من سفر وهو مفطر فله أن يجامعها، وليس لها أن تمسك بقية اليوم بنية الصيام. إذا طهرت قبل الفجر: ونوت الصيام صح صومها وإن أخرت الغسل لما بعد الفجر، وهذا قول الجمهور.

стр. 793

هل تتناول المرأة دواءً يقطع الحيضة في رمضان؟ الحيض أمر كتبه الله على بنات آدم، ولم تكن النسوة على عهد رسول الله ﷺ يتكلفن ذلك ليصمن رمضان كاملاً، وعليه فلا يستحب ذلك. لكن إذا فعلت ذلك -ولم يكن هذا الدواء يضر بها- فلا بأس به، فإذا تناولته وانقطع دمها كان لها حكم الطاهرة فتصوم ولا إعادة عليها. والله أعلم. المستحاضة لا تمتنع من الصوم: ولا من الصلاة، بل يجبان عليها بإجماع العلماء. ٣ - من خشي الهلاك بصومه: فيجب عليه الفطر (١). [جـ] من لا يجوز له الفطر: وهو كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس. قضاء رمضان ١ - من أفطر بغير عذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن من أفطر متعمدًا يجب عليه القضاء سواء كان بعذر أو بغير عذر، واختلف هؤلاء: فأوجب بعضهم على من أكل أو شرب: القضاء والكفارة قياسًا على الجماع (٢) (!!) وهو قول ابن المبارك والثوري وإسحاق وأبي حنيفة ومالك وقال الشافعي وأحمد: عليه القضاء دون الكفارة. وذهب ابن حزم (٣) إلى أنه لا يُشرع له القضاء إذا أفطر متعمدًا بغير عذر على أصله في أن العبادة المؤقتة محددة الطرفين إذا تركت من غير عذر لم يشرع قضاؤها إلا بنص جديد، فإيجاب صيام غير رمضان -الذي افترض عليه صيامه- بدلاً منه، إيجاب شرع لم يأذن به الله تعالى، قلت (أبو مالك): وهو مذهب قوي -كما تقدم تحريره في قضاء الصلوات الفائتة- ويؤيده هنا أنه لم يثبت أمر النبي ﷺ للمجامع في رمضان بالقضاء مع ثبوت الكفارة كما تقدم قريبًا، وقد صحَّ عن

стр. 794

ابن مسعود أنه قال: «من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يجزِه صيام الدهر كله» (١) ونحوه عن أبي هريرة. قلت: لكن يخرج مما تقدم من تعمد التقيؤ فإنه يقضي لأجل النص فيه كما مرَّ في موضعه، والله أعلم. ٢ - قضاء رمضان لا يجب على الفور: قضاء الفوات من رمضان -بعذر شرعي- لا يجب على الفور، وإنما وجوبه على التراخي وجوبًا مُوسَّعًا، لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (٢). قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ١٩١): وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان سواء كان [يعني التأخير] لعذر أو لغير عذر. اهـ. لكن يستحب المبادرة بالقضاء، لعموم قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٣). فائدة: إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان الذي بعده: فإنه يصوم رمضان الذي ورد عليه -كما أُمر- فإذا أفطر في شوال قضى الأيام التي كانت عليه فقط ولا مزيد على هذا، فلا يجب عليه إطعام ولا غيره، لعدم ثبوت شيء مرفوع إلى النبي ﷺ في ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة وابن حزم، وهو الراجح وقال مالك: يطعم في القضاء عن كل يوم مُدًّا مُدًّا عددها مساكين إن تعمد ترك القضاء وهو قول الشافعي (٤). ٣ - لا يجب التتابع في القضاء: لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). وقال ابن عباس: «لا بأس أن يفرق» (٦)،

стр. 795

وقال أبو هريرة: «يواتره إن شاء» (١)، وقال أنس: «إن شئت فاقض رمضان متتابعًا، وإن شئت متفرقًا» (٢). وأما ما رُوى عن أبي هريرة مرفوعًا: «من كان عليه صوم رمضان، فليسرده ولا يقطعه» (٣) فضعيف لا يصح عن رسول الله ﷺ . وذهب إلى التخيير بين المتابعة والتفريق في قضاء الصيام الأئمةُ الأربعة (٤). ٤ - من مات وعليه صوم: اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم، هل يصوم عنه وليه؟ على ثلاثة أقوال: الأول: لا يُصام عنه لا في النذر ولا في قضاء رمضان: وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك وظاهر مذهب الشافعي (٥) وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٦). ٢ - قوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٧). ٣ - ما يُروى عن عبادة بن نسي أن رسول الله ﷺ قال: «من مرض في رمضان فلم يزل مريضًا حتى مات لم يطعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه» (٨) ولا يصح. ٤ - حديث عمرة: أن أمها ماتت وعليها صيام من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: «لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين» (٩).

стр. 796

ورُوى عنها أنها قالت: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم» (١). قالوا: وهي التي روت قوله ﷺ : «من مات وعليه صوم، صام عنه وليُّه» (٢) فدل على أن العمل على خلاف ما روته!! ٥ - عن ابن عباس أنه قال: «لا يصلِّي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد» (٣). وهو راوي حديث الصوم عن الأم الذي سيأتي. ٦ - تأوَّلوا: حديث «صام عنه وليه» بأن المراد: فعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام!! قال النووي في المجموع (٦/ ٤١٩): هو تأويل باطل يرده باقي الأحاديث. ٧ - قالت المالكية: عمل أهل المدينة على خلاف ذلك؟!!. الثاني: يُصام عنه النذور والقضاء مطلقًا: وهو مذهب أبي ثور وأحد قولي الشافعي -واختاره النووي- وأصحاب الحديث وابن حزم (٤) واستدلوا: ١ - بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليُّه» (٥). ٢ - حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر [وفي رواية: «صوم نذر»] فأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يُقضى» (٦). ٣ - حديث بريدة قال: بينما أنا جالس عند النبي ﷺ ، إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث»، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» ... الحديث (٧).

стр. 797

٤ - حديث ابن عباس «أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا فنجاها الله تعالى، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها» (١). ٥ - أجابوا عن استدلال المانعين بقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢). بأن الذي أنزل هذه الآية هو الذي أنزل قوله ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) وقد سمى النبي ﷺ الصيام دينًا، فعلم أن المراد: ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله ورسوله أن له من سعي غيره عنه والصوم من جملة ذلك. ٦ - وأجابوا عن حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله ...» بأنه لا متعلَّق له بمسألتنا لأن فيه انقطاع عمل الميت، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه ولا المنع منه. ٧ - أجابوا في فتوى ابن عباس وعائشة بأن الآثار عنهما فيها مقال، ولو صحت لكانت الحجة فيما روياه مرفوعًا دون فتواهما، كما هو مقرر في الأصول. الثالث: يُصام عنه النذر دون قضاء رمضان: وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي عبيد والليث (٤) وحجتهم: ١ - أن حديث عائشة عام، وحديث ابن عباس خاص فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام الذي يصومه الولي صيام النذر. ٢ - أن الثابت عن عائشة في منعها من الصيام عن الميت إنما هو في قضاء صيام الفرض لا النذر كما تقدم في أثر عمرة عنها وفيه: «إن أمها ماتت وعليها من رمضان ...»، فالظاهر أنها لا تمنع من صيام النذر عن الميت عملاً بما روته من العموم، فيدل على أنها لم تفهم الإطلاق الشامل لصوم رمضان غيره في مَرْويِّها. ٣ - أن الثابت عن ابن عباس -وهو راوي الحديث الآخر في الصوم عن الميت- قوله: «إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاءٌ، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه» (٥) ولا شك أنه الأدرى بمعنى مَرْوِيِّه.

стр. 798

٤ - أن فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة والإسلام، فكما أنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يُسلم أحد عن أحد، فكذلك الصيام، ومقتضى الدليل أن فعلهما عن الميت بعد موته لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه، ولا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله عليه. وأما النذر فإن الشارع لم يلزمه به ابتداءً وإنما ألزم به المكلف نفسه، فصار بمنزلة الدَّيْن الذي استدانه، فدخلته النيابة. قلت (أبو مالك): والذي يترجح لديَّ أنه يصام عن الميت القضاء والنذر مطلقًا، لأن العام (في حديث عائشة) لا يُخَصَّصُ بأحد أفراده (في حديث ابن عباس) إلا عند التعارض -كما تقرر في الأصول- ولا تعارض هنا، ولذا قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٢٢٨): فحديث ابن عباس صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة. اهـ. والحاصل: أن من مات وعليه صيام لا يخلو من أحد ثلاثة: ١ - أن يتصل عذره في قضائه حتى يموت وهو غير قادر على قضائه، فهذا لا شيء عليه ولا على ورثته، ولا في تركته لا صيام ولا إطعام (١). ٢ - أن يزول عذره ويتمكن من قضاء رمضان، ولا يقضيه حتى يموت، فهذا يُصام عنه. ٣ - أن يموت وعليه نذر، فيصوم عنه ورثته. فائدتان: ١ - قوله ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» خبر بمعنى الأمر وتقديره (فليصم عنه وليه) وهذا الأمر للندب لا للإيجاب عند الجمهور (٢) خلافًا لأهل الظاهر، ويقوي هذا رواية البزار ففيها (فليصم عنه وليه إن شاء) (٣)، وهذا هو الموافق للقواعد فإن الأصل براءة الذمة وأن المكلف غير ملتزم بأداء ما ثبت في ذمة غيره إلا بدليل صريح. ٢ - من مات وعليه صوم، وصام عنه رجال بعدد الأيام التي عليه جاز ذلك. وأما الإطعام فإن جمع وليه مسكين بعدد الأيام التي عليه وأشبعهم، جاز، كذلك فعل أنس بن مالك ﵁.

стр. 799

٢ - صيام التطوع (١) رغب الشرع في صيام أيام غير رمضان وهي: ١ - ستة أيام من شوال: يستحب أن يُتبع رمضان بصيام ست من شوال -لا يشترط تتابعها- لأن هذا يعدل صيام الدهر، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر» (٢). وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والسنة بشهرين، كما في حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان، فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بعد الفطر، فذلك تمام صيام السنة» (٣). وقد استحب صيام هذه السنة كثير من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك إلى كراهة صيامها لئلا يُعتقد وجوبه إلحاقًا برمضان، ولا وجه لهذه الكراهة لمعارضتها النص الصحيح الصريح باستحبابها، ثم إن الإلحاق إنما خيف في أوَّل الشهر، أما في آخره فقد فصل بينه وبين غيره بيوم العيد الذي لا يجوز صومه (٤). من كان عليه قضاء من رمضان، هل يصوم الستة قبل القضاء؟ الظاهر من حديث أبي أيوب المتقدم أن حوز فضيلة ثواب صوم الدهر مشروطة بصيام رمضان ثم إتباعه بست من شوال، فلا يقدم صيام الست على قضاء رمضان (٥)، قلت: إلا أن يقال إن قوله «ثم أتبعه ستًّا» خرج مخرج الغالب فليس له مفهوم، فيجوز حينئذ صيام الست قبل قضاء رمضان لا سيما لمن ضاق عليه شوال لو قضى، وهذا يحتمله إطلاق حديث ثوبان، والله أعلم.

стр. 800

٢، ٣ - صيام المحرم، وتأكيد التاسع والعاشر (عاشوراء): يستحب الإكثار من الصيام في شهر المحرم، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (١). ويتأكد الاستحباب في صيام العاشر من المحرم (عاشوراء)، فعن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله» (٢). وسئل ابن عباس عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: «ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر، يعني رمضان» (٣). ويستحب أن يصوم قبله يوم التاسع من المحرم، لحديث ابن عباس قال: «حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : «فإن كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ » (٤). وقد ذهب إلى استحباب الجمع بين صيام التاسع والعاشر من المحرم: مالك والشافعي وأحمد حتى لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر (٥). تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى استحباب صيام الحادي عشر مع التاسع والعاشر مستدلين بما رُوى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يومًا وبعده يومًا» (٦) لكنه حديث ضعيف جدًّا فليس فيه حجة لاستحباب صيام الحادي عشر، فلينتبه، والله أعلم. ٤ - الإكثار من الصيام في شعبان: فقد كان النبي ﷺ يصومه كله إلا قليلاً، فعن عائشة قالت: «كان رسول الله

стр. 801

صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يُفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (١). تنبيهان: الأول: تخصيص صيام يوم النصف من شعبان بدعة: فمن لم يكن من عادته الإكثار من صيام شعبان أو صيام الأيام الثلاثة البيض، فخص يوم الخامس عشر من شعبان بالصيام معتقدًا اختصاصه بفضيلة، ففعله بدعة إذ لا يصح في فضل النصف من شعبان ولا صيامه حديث عن رسول الله ﷺ ، وكل ما ورد في هذا فهو شديد الضعف أو موضوع كحديث على مرفوعًا: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ...» (٢). الثاني: لا يثبت النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان: اختلف العلماء في صيام التطوع بعد انتصاف شعبان، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب الشافعية إلى كراهته، مستدلين بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (٣) لكنه ضعيف -على الراجح وقد أنكره الأئمة الذين يُدان بقولهم في هذا الشأن، فلا حرج في الصيام بعد انتصاف شعبان، ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة، كحديث عائشة المتقدم في صيام النبي ﷺ لأكثر شعبان، وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» (٤) ففيه النهي عن صوم يوم أو يومين فقط من آخر شعبان خشية أن يزاد في الشهر ويلحق به ما ليس منه، إلا أن يكون صومًا اعتاده فلا بأس، وعن أم سلمة قالت: «ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» (٥).

стр. 802

٥ - صيام يوم عرفة لغير الحاج: يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة، لحديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» (١). وتكفير السنتين إما أن يراد به أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين [إذا اجتنبت الكبائر] أو أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يعصى فيهما (٢). لا يستحب للحاج صيام عرفة: فقد كان هدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، الفطر يوم عرفة بعرفة، فعن ميمونة ﵂: «أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب -وهو واقف في الموقف- فشرب منه، والناس ينظرون» (٣). وسئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر بصومه، ولا أنهي عنه» (٤). والأفضل للحاج أن يفطر يوم عرفة اقتداء بالنبي ﷺ وخلفائه، ولما فيه ن التقوية على الدعاء والذكر في هذا الموقف، وهذا مذهب جمهور العلماء (٥). ٦ - صيام الاثنين والخميس: فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحرى صوم الاثنين والخميس» (٦). وسأل أسامة بن زيد رسول الله ﷺ عن صيامه الاثنين والخميس، فقال ﷺ : «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٧).

стр. 803

٧ - صيام ثلاثة أيام من كل شهر: فعن أب هريرة قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١). وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «... وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر ...» (٢). ويستحب أن تكون الثلاثة البيض: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر، لقول النبي ﷺ : «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام الدهر، أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٣). ٨ - صوم يوم وفطر يوم (صوم داود ﵇: وهذا أفضل الصيام، وأعدله، وأحبه إلى الله ، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصوم إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا» (٤) وفي رواية «وهو أعدل الصيام» (٥). لكن هذا مشروط بمن لم يضيع ما أوجب الله عليه بسبب الصيام، فإن ضيع الفرائض أو انشغل به عن مؤنة أهله كان منهيًّا عنه (٦). فائدة: يستحب أن لا يخلى شهرًا من صوم. عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: هل كان النبي ﷺ يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان؟ قالت: «والله إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصيب منه» (٧). فيستحب أن لا يخلى شهرًا من صيام، فإن النفل غير مختص بزمان معين، بل السنة كلها صالحة له إلا ما نهى عن صومه وإن كان الأفضل الصيام من الأيام التي رغب الشرع في صيامها. والله أعلم.

стр. 804

مسائل تتعلق بصيام التطوع ١ - تبييت النية من الليل: تقدم في «شروط صحة الصيام» أن مذهب الجمهور جواز إنشاء نية صيام التطوع أثناء النهار (١) لمن لم يأكل أو يشرب وأراد أن يصوم، وأنه لا يشترط تبييتها من الليل كصيام الفرض، لكن تبييتها قبل الفجر أحوط لاحتمال الأدلة. ٢ - المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم صومه وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه: من دخل في صوم تطوع، فإن المستحب له أن يُتمَّه لكن إن بدا له أن يفطر فله ذلك ولا قضاء عليه وبه قال الشافعي وأحمد (٢). واحتجوا بما رُوى عن أم هانئ: أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الفتح فأُتى بشراب فشرب، ثم ناولني، فقلت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ : «إن المتطوع أمير نفسه، فإن شئت فصومي، وإن شئت فأفطري» (٣). قلت: وهذا حديث ضعيف، لكن يشهد لمعناه حديث أبي جحيفة قال: «آخى النبي ﷺ بين سليمان وأبي الدرداء، ... فصنع [أي سلمان] له طعامًا، فقال: كُلْ، قال: إني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، ... ، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حق، فأتى النبي ﷺ فذكر له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان» (٤). وفيه أن أبا الدرداء أفطر، ولم يأمره النبي ﷺ بالقضاء. وحديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: «فإني صائم»، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، فلما رجع رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئًا، قال: ما

стр. 805

هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به، فأكل، ثم قال: «قد كنت أصبحت صائمًا» (١). وهذا نص في جواز الإفطار بعد إجماع الصيام، وقد ثبت هذا عن ابن عباس وابن مسعود وجابر بأسانيد صحيحة (٢). وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن من أصبح متطوعًا فأفطر متعمدًا فعليه القضاء (٣)، واحتجوا بما رُوى عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها ولحفصة لما كانتا صائمتين فأكلتا: «اقضيا يومًا آخر مكانه» (٤) وهو ضعيف. واحتجوا بزيادة وردت في حديث عائشة -في فطره ﷺ بعد صيامه- وهي قوله: «إني كنت أردت الصوم، ولكن أصوم يومًا مكانه» (٥) وهي شاذة، وقاسوا إتمام صيام التطوع على إتمام الحج والعمرة، وهذا قياس مع الفارق، فإن من أفسد صلاته أو صيامه كان عاصيًا لو تمادى فيه فاسدًا، أما في الحج فهو مأمور بالتمادي فيه فاسدًا، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ثم يقضيه وليس كذلك الصوم والصلاة، فلا يقاس على الحج (٦)، ثم هو ههنا قياس في مقابل النص فلا يعتبر به. ٣ - هل يجوز صيام التطوع قبل قضاء رمضان؟ تقدم أن مذهب جماهير السلف والخلف جواز تأخير قضاء رمضان -لمن أفطر بعذر- مطلقًا وعدم اشتراط المبادرة بعد أول الإمكان. ثم اختلفوا في جواز التطوع قبل قضاء رمضان، فذهب الحنفية، ورواية عن أحمد إلى الجواز، وكرهه المالكية، واستحب الشافعية القضاء قبل التطوع، وعن أحمد رواية أخرى بعدم الجواز (٧).

стр. 806

قلت: لا يصح دليل في المنع من صيام التطوع قبل القضاء، بل يدل على الجواز أن الله تعالى أطلق القضاء بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). ويدل عليه كذلك حديث عائشة قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (٢). ولا شك أنها كانت تتطوع في أثناء العام، وكان هذا بعلم النبي ﷺ فهو إقرار منه، ثم إن القضاء واجب يتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقته قبل فعله كالصلاة يتطوع في أول وقتها. والله أعلم. ٤ - المرأة تستأذن زوجها في الصيام: لا يجوز للمرأة أن تصوم صيام تطوع في حضور زوجها بغير إذنه، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (٣). وسبب هذا أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام، وحقه منه واجب على الفور، فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي (٤). فقد جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، فقال صفوان: يا رسول الله، أما قولها يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتنا، قال: فقال: «لو كانت سورة واحدة لكفت الناس» وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها» ... الحديث (٥). فإذا كان زوجها غائبًا عنها فصومها التطوع جائز بلا خلاف، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النهي (٦). والله أعلم.

стр. 807

الأيام المنهي عن صيامها ١، ٢ - يوما العيدين: أجمع العلماء على تحريم صوم يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى بكل حال، سواء صامها عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك (١). لحديث أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر» (٣). ٣ - أيام التشريق (٤): ولا يجوز صومها تطوعًا في قول أكثر أهل العلم، لحديث نُبَيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (٥). وعن أبي مرة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو ابن العاص، فقرب إليهما طعامًا فقال: «كُل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: «كُلْ، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نفطرها، وينهانا عن صيامها» (٦). لكن: يُرخَّص للحاج الذي لم يجد الهدي أن يصوم فيها -كما سيأتي- فعن عائشة وابن عمر قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي» (٧). ٤ - صوم يوم الجمعة منفردًا: لا يجوز صوم يوم الجمعة إلا لمن صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، أو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا فصادف صيامه الجمعة فلا بأس بذلك.

стр. 808

فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» (١). وعن جويرية بنت الحارث ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: «أَصُمت أمس؟» قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟». قالت: لا، قال: «فأفطري» (٢). وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وخالف في هذا أبو حنيفة ومالك فقالوا: لا يكره (٣) واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر، وقلما يفطر يوم الجمعة» (٤). ويجاب عنه بأجوبة: منها أن الأظهر أنه ضعيف، وعلى فرض صحته فيحمل على أنه ﷺ كان يصوم يومًا قبله أو بعده معه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (٥)، ثم إن هذا فعل وذاك قول، والقول مقدم، على الفعل عند التعارض وعدم إمكان الجمع. وأما مالك ﵀ فلم يبلغه النهي، ومن علم حجةٌ على من لم يعلم. فائدة: إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة فلا حرج في إفراده بالصيام، فإن النهي إنما هو عن تعمده بعينه، والله أعلم (٦). ٥ - صيام يوم الشك: لا يجوز أن يستقبل رمضان بصيام يوم أو يومين على نية الاحتياط لرمضان، وهذا لمن لم يصادف عادة له (٧)، أو يصله بما قبله، فإن لم يصِل ولا صادف عادة

стр. 809

فهو حرام، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم» (١). وعن عمار بن ياسر قال: «من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٢). ٦ - صيام الدهر: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ لما بلغه أنه يسرد الصوم قال له: «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد» (٣). وفي حديث أبي قتادة: قال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لا صام ولا أفطر» (٤). فيكره صوم الدهر، وإن لم يجد مشقة أو ضعفًا، وكذلك لو لم يصم الأيام المنهي عن صيامها، فإن صامها كذلك فيحرم عليه. والله أعلم. هل يُشرع صيام رجب؟ لم يصح في فضل صيام رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة مكذوبة (٥). فلا يجوز تحري صيام رجب خاصة أو تخصيص أوله بصيام، وقد كان عمر يضرب على صيامه، فعن خرشة بن الحر قال: «رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية» (٦). وعن محمد بن زيد قال: «كان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك» (٧).

стр. 810

وعن عطاء قال: «كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله، لأن لا يتخذ عيدًا» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى استحباب صيام رجب لكونه من الأشهر الحرم (٢). قلت: الأشهر الحرم قد خصها الله تعالى بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها وإن كان منهيًّا عنه في كل زمان قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (٣). فهذا نهي عن ارتكاب الذنوب في هذه الأشهر لعظم حرمتها عند الله تعالى وأن العقاب قد يضاعف فيها على الذنوب، وكذلك يُضاعف الثواب على العمل الصالح، لكن هل يعني هذا أن تخصص هذه الأشهر بصيام من بين الشهور، لا سيما ولا يصح في هذا شيء عن رسول الله ﷺ وإنما ورد أن النبي ﷺ قال للرجل الباهلي: «صم من الحرم واترك» (٤) وهو ضعيف؟ هذا على أن لتفسير الآية الكريمة وجهًا آخر، وهذا أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾: لا تُصيِّروا حرام هذه الأشهر حلالاً، وحلالها حرامًا (٥). فالثابت هو الصيام في المحرم كما تقدم بيانه، أما صيام رجب وتخصيصه بذلك -لا سيما مع اعتقاد أفضليته- فلا يجوز، فإن صام منه غير معظم لأمر الجاهلية، من غير أن يجعله حتمًا، أو يخص منه أيامًا يواظب على صومها أو ليالٍ معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنه سنة، إن خلا صيامه من هذا فلا بأس حينئذ والله أعلم (٦). حكم إفراد السبت بالصوم: عن عبد الله بن بُسر عن أخته أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه» (٧).
следующие страницы →