← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قلت: لا يصح دليل في المنع من صيام التطوع قبل القضاء، بل يدل على الجواز أن الله تعالى أطلق القضاء بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). ويدل عليه كذلك حديث عائشة قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (٢). ولا شك أنها كانت تتطوع في أثناء العام، وكان هذا بعلم النبي ﷺ فهو إقرار منه، ثم إن القضاء واجب يتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقته قبل فعله كالصلاة يتطوع في أول وقتها. والله أعلم. ٤ - المرأة تستأذن زوجها في الصيام: لا يجوز للمرأة أن تصوم صيام تطوع في حضور زوجها بغير إذنه، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (٣). وسبب هذا أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام، وحقه منه واجب على الفور، فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي (٤). فقد جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، فقال صفوان: يا رسول الله، أما قولها يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتنا، قال: فقال: «لو كانت سورة واحدة لكفت الناس» وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها» ... الحديث (٥). فإذا كان زوجها غائبًا عنها فصومها التطوع جائز بلا خلاف، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النهي (٦). والله أعلم.

стр. 807

الأيام المنهي عن صيامها ١، ٢ - يوما العيدين: أجمع العلماء على تحريم صوم يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى بكل حال، سواء صامها عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك (١). لحديث أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر» (٣). ٣ - أيام التشريق (٤): ولا يجوز صومها تطوعًا في قول أكثر أهل العلم، لحديث نُبَيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (٥). وعن أبي مرة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو ابن العاص، فقرب إليهما طعامًا فقال: «كُل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: «كُلْ، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نفطرها، وينهانا عن صيامها» (٦). لكن: يُرخَّص للحاج الذي لم يجد الهدي أن يصوم فيها -كما سيأتي- فعن عائشة وابن عمر قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي» (٧). ٤ - صوم يوم الجمعة منفردًا: لا يجوز صوم يوم الجمعة إلا لمن صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، أو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا فصادف صيامه الجمعة فلا بأس بذلك.

стр. 808

فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» (١). وعن جويرية بنت الحارث ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: «أَصُمت أمس؟» قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟». قالت: لا، قال: «فأفطري» (٢). وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وخالف في هذا أبو حنيفة ومالك فقالوا: لا يكره (٣) واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر، وقلما يفطر يوم الجمعة» (٤). ويجاب عنه بأجوبة: منها أن الأظهر أنه ضعيف، وعلى فرض صحته فيحمل على أنه ﷺ كان يصوم يومًا قبله أو بعده معه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (٥)، ثم إن هذا فعل وذاك قول، والقول مقدم، على الفعل عند التعارض وعدم إمكان الجمع. وأما مالك ﵀ فلم يبلغه النهي، ومن علم حجةٌ على من لم يعلم. فائدة: إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة فلا حرج في إفراده بالصيام، فإن النهي إنما هو عن تعمده بعينه، والله أعلم (٦). ٥ - صيام يوم الشك: لا يجوز أن يستقبل رمضان بصيام يوم أو يومين على نية الاحتياط لرمضان، وهذا لمن لم يصادف عادة له (٧)، أو يصله بما قبله، فإن لم يصِل ولا صادف عادة

стр. 809

فهو حرام، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم» (١). وعن عمار بن ياسر قال: «من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٢). ٦ - صيام الدهر: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ لما بلغه أنه يسرد الصوم قال له: «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد» (٣). وفي حديث أبي قتادة: قال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لا صام ولا أفطر» (٤). فيكره صوم الدهر، وإن لم يجد مشقة أو ضعفًا، وكذلك لو لم يصم الأيام المنهي عن صيامها، فإن صامها كذلك فيحرم عليه. والله أعلم. هل يُشرع صيام رجب؟ لم يصح في فضل صيام رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة مكذوبة (٥). فلا يجوز تحري صيام رجب خاصة أو تخصيص أوله بصيام، وقد كان عمر يضرب على صيامه، فعن خرشة بن الحر قال: «رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية» (٦). وعن محمد بن زيد قال: «كان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك» (٧).

стр. 810

وعن عطاء قال: «كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله، لأن لا يتخذ عيدًا» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى استحباب صيام رجب لكونه من الأشهر الحرم (٢). قلت: الأشهر الحرم قد خصها الله تعالى بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها وإن كان منهيًّا عنه في كل زمان قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (٣). فهذا نهي عن ارتكاب الذنوب في هذه الأشهر لعظم حرمتها عند الله تعالى وأن العقاب قد يضاعف فيها على الذنوب، وكذلك يُضاعف الثواب على العمل الصالح، لكن هل يعني هذا أن تخصص هذه الأشهر بصيام من بين الشهور، لا سيما ولا يصح في هذا شيء عن رسول الله ﷺ وإنما ورد أن النبي ﷺ قال للرجل الباهلي: «صم من الحرم واترك» (٤) وهو ضعيف؟ هذا على أن لتفسير الآية الكريمة وجهًا آخر، وهذا أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾: لا تُصيِّروا حرام هذه الأشهر حلالاً، وحلالها حرامًا (٥). فالثابت هو الصيام في المحرم كما تقدم بيانه، أما صيام رجب وتخصيصه بذلك -لا سيما مع اعتقاد أفضليته- فلا يجوز، فإن صام منه غير معظم لأمر الجاهلية، من غير أن يجعله حتمًا، أو يخص منه أيامًا يواظب على صومها أو ليالٍ معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنه سنة، إن خلا صيامه من هذا فلا بأس حينئذ والله أعلم (٦). حكم إفراد السبت بالصوم: عن عبد الله بن بُسر عن أخته أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه» (٧).

стр. 811

وقد اختلف أهل العلم في فقه هذا الحديث على قولين: الأول: جواز صيام السبت تطوعًا ولو مفردًا: وهذا مذهب مالك، ويفهم من كلام أحمد، واختاره ابن تيمية وابن القيم (١)، وهؤلاء ضعَّفوا الحديث، وقدموا عليه الأحاديث الصحاح التي تحث على صيام عرفة وست من شوال وعاشوراء وصيام ثلاثة أيام البيض وصيام يوم وإفطار يوم، فلابد أن يوافق أحد هذه الأيام يوم السبت!! وكذلك حديث صيام يوم قبل الجمعة أو يومًا بعده، وقول النبي ﷺ لجويرية لما صامت الجمعة: «أتريدين أن تصومي غدًا»؟ ... وكل هذا تقدم. الثاني: كراهة إفراد السبت بالصيام: وهو مذهب الجمهور: الحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، وقد حملوا هذا الحديث على المنع من إفراده بالصوم لأنه تشبه باليهود، وأيدوا هذا بما رُوى عن ابن عباس أن أم سلمة قالت: إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، كان يقول: «إنهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» (٣). قلت: أما حديث عبد الله بن بسر فقد تضافرت أقوال الأئمة على إعلاله، وعليه فلا حرج في صيامه لا سيما إن وافق يومًا ندب الشرع إلى صيامه، والله أعلم. كراهة وِصال الصوم: يكره مواصلة الصوم ومتابعة بعضه بعضًا دون فطر أو سحور، لقول النبي ﷺ : «إياكم والوصال» -قالها ثلاثًا- قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: «إنكم لستم في ذلك مثلي، إني ابيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون» (٤) لكن إذا لم تكن هناك مشقة فلا بأس بالوصال إلى السحر فقط؛ لقوله ﷺ : «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٥).

стр. 812

ليلة القدر فضلها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). وقد انتظمت هذه السورة الكريمة جملة فضائل لهذه الليلة (٢): ١ - إن الله أنزل القرآن في هذه الليلة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (٣). ٢ - أن الله عظَّم شأنها بذكرها وبقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ٣ - أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. ٤ - أن الملائكة تتنزل في هذه الليلة، قيل: تتنزل بالرحمات والبركات والسكينة وقيل: تتنزل بكل أمر قضاه الله وقدَّره لهذه السنة، كما قال سبحانه ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤). ٥ - أن الأمن والسلام يحل في هذه الليلة على أهل الإيمان، وتسليم الملائكة يتوالى عليهم فيها. ٦ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٥). أي ليلة هي؟ لا شك أن ليلة القدر في رمضان لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٦). مع قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٧).

стр. 813

وأما تحديدها فقال الحافظ ابن حجر: وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وتحصَّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً اهـ. [ثم ذكر هذه الأقوال وأدلة أصحابها] (١). والأكثرون على أنها في العشر الأواخر من رمضان لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «... فابتغوها في العشر الأواخر» (٢). وأكثرهم على أنها في الوتر من العشر الأواخر لقوله ﷺ : «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر» (٣). وأكثرهم كذلك على أنها ليلة السابع والعشرين وهو قول جماعة من الصحابة وبه جزم أبي ابن كعب وحلف عليه كما في صحيح مسلم (٤). قلت: الذي يظهر لي أن ليلة القدر في العشر الأواخر وأوتار العشر آكد وأنها تنتقل فيها، وأنها لا تختص بليلة السابع والعشرين، فإن ما جاء عن أُبيٍّ أنها ليلة السابع والعشرين هذا في سنة ولا يعني تعيينها في كل سنة، ويدل عليه أن النبي ﷺ قد وافق ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين، كما في حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ خطبهم فقال: «إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين» ... قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مُبْتَلٌّ طينًا وماءً (٥). وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها والله أعلم. إخفاء ليلة القدر: وإنما أخفيت ليلة القدر ليجتهد العباد في الطاعة في جميع الليالي، رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فمن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق، فعليه أن يشكر الله بالفراغ إليه بالعبادات في الشهر كله، فهذا هو السر في عدم تعيينها، ولعله يشير إلى هذا قول النبي ﷺ : «إني

стр. 814

خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت [يعني: رُفع علمها]، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها ...» (١). كيف يتحرى المسلم ليلة القدر؟ هذه الليلة المباركة من حُرِمها فقد حُرِم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم، لذلك ينبغي للمسلم الحريص على طاعة الله أن يحييها إيمانًا وطمعًا في أجرها العظيم، وأن يجتهد في العشر الأواخر أسوة بالنبي ﷺ ، فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد ما لا يجتهد في غيرها» (٢). وعليه أن يكثر من القيام في هذه الليالي وأن يعتزل النساء ويحث أهله على الطاعة فيها، فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر، شدَّ مئزره (٣)، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٤). حتى يكون حريًّا بموعود رسول الله ﷺ القائل: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٥). الدعاء فيها: ويستحب الدعاء فيها والإكثار منه لا سيما بالدعاء الوارد في حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن عملت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعفُ عني» (٦). علامات ليلة القدر: ليلة القدر لها علامات تُعرف بها، ومن هذه العلامات ما يكون في الليلة نفسها مثل: ١ - أن يكون الجو مناسبًا والريح ساكنة، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء» (٧).

стр. 815

٢ - الطمأنينة والسكينة التي تنزل بها الملائكة، فيحس الإنسان بطمأنينة القلب، ويجد من انشراح الصدر ولذة العبادة في هذه الليلة ما لا يجده في غيره. ٣ - قد يراها الإنسان في منامه، كما حصل لبعض الصحابة. ومن العلامات ما يكون لاحقًا مثل: ٤ - أن تطلع الشمس في صبيحتها صافية لا شعاع لها، فعن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس لا شعاع لها، كأنها طَسْت، حتى ترتفع» (١). تنبيه: للعامَّة حول علامات ليلة القدر خرافات كثيرة، واعتقادات فاسدة، منها أن الشجر يسجد وأن المباني تنام، وأن المالحة تعذب في تلك الليلة وأن الكلاب تكف عن النباح وغير ذلك مما هو ظاهر الفساد والبطلان. الاعتكاف ١ - معناه: الاعتكاف هو الإقامة على الشيء، فقيل لمن لازم المسجد وأقام فيه للعبادة: معتكف وعاكف (٢). ٢ - مشروعيته: يستحب الاعتكاف في رمضان، لحديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبض منه اعتكف عشرين يومًا» (٣). وأفضله آخر رمضان، لما ثبت عن عائشة أن النبي ﷺ «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله » (٤). وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتكف آخر العشر من شوَّال، قضاءً لاعتكاف رمضان فإنه لم يعتكف ذلك في رمضان (٥).

стр. 816

فإن نذر الإنسان أن يعتكف يومًا أو أكثر وجب عليه الوفاء بنذره، فعن عمر بن الخطاب أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «فأوف بنذرك [فاعتكف ليلة] ..» (١). ٣ - لا يشرع الاعتكاف إلا في المسجد: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢). ولأنه معتكف رسول الله ﷺ وكذلك أزواجه، ولو كان يصح الاعتكاف لما اعتكف أزواجه ﷺ في المسجد مع المشقة في ملازمته، ولو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد -على اختلاف بينهم في اشتراط كونه جامعًا ونحوه -لعموم قوله تعالى: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وقال قوم: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وبه قال حذيفة وسعيد بن المسيب (٣)، ومذهب الجمهور أرجح، وأما ما يُروى عن حذيفة مرفوعًا: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (٤) فاخُتلف في رفعه ووقفه. ٤ - ويُشرع اعتكاف النساء بشرطين: يشرع للنساء الاعتكاف، فعن عائشة «أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها ... الحديث» (٥). وعنها قالت «كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (٦)، ويشترط لاعتكاف المرأة أمران:

стр. 817

(أ) إذن زوجها: لأنها لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وقد تقدم في حديث عائشة أنها استأذنت النبي ﷺ وكذا حفصة وزينب لأجل الاعتكاف. فائدة: إذا أذن لها الزوج في الاعتكاف، فهل له أن يخرجها منه؟ (١). - إذا كان اعتكافها تطوعًا فله أن يخرجها منه، فإن النبي ﷺ لما استأذنته عائشة في الاعتكاف وتبعتها حفصة ثم زينب، خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، فأخرجهن وقال: «... آلبر أردت؟ ما أنا بمعتكف ...» (٢). - وإذا كان اعتكافها واجبًا (كالنذر مثلًا): فإما أن يكون نذرًا متتابعًا (نذرت اعتكاف العشر الأواخر) وأذن زوجها فليس له أن يخرجها منه، وإن لم تكن اشترطت التتابع في نذرها فله أن يخرجها ثم تستدرك فيما بعد بقية النذر (٣). (ب) أن لا يكون في اعتكافها فتنة: فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن ترتب على اعتكافها فتنة لها أو للرجال، فتمنع ولا تُمكَّن منه، فإن النبي ﷺ منع أزواجه من الاعتكاف فيما دون ذلك كما تقدم في حديث عائشة. ٥ - هل يشترط الصوم للاعتكاف؟ (٤) اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٥): الأول: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم: وهو مذهب أبي حنيفة (٦) ومالك وأحمد -في إحدى الروايتين- وهو مروي عن عائشة وابن عباس وابن عمر، وحجتهم: ١ - أن النبي ﷺ اعتكف في رمضان، ولم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا بغير صوم.

стр. 818

٢ - اقتران الاعتكاف مع الصوم في آية واحدة. ٣ - حديث عائشة قالت: «السُّنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة ولا يمسَّ امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بُدَّ منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (١) وقد رُوى عنها مرفوعًا ولا يصح. الثاني: لا يشترط الصوم للاعتكاف وإنما يستحب: وهو مذهب الشافعي وأحمد -في المشهور عنه- وهو مروي عن عليٍّ وابن مسعود، وحجتهم: ١ - أن عمر قال للنبي ﷺ : «يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «فأوف بنذرك»، فاعتكف ليلة» (٢). قالوا: والليل ليس بمحل للصيام، وقد جوَّز الاعتكاف فيه. ٢ - في رواية لحديث عائشة الذي تقدم -في اعتكاف أزواجه ﷺ فقال لما رأى أخيبة أزواجه: «آلبرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في الأوَّلِ من شوال» (٣). قالوا: وأول شوال وهو يوم الفطر لا يحل صومه. ٣ - ما رُوى عن ابن عباس مرفوعًا: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (٤) وهو ضعيف، والصواب وقفه. ٤ - أن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطًا فيها كسائر العبادات. ٥ - أنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم شرطًا كالرباط. قلت: والأظهر أنه لا يشترط الصوم لاعتكاف وإنما يستحب، والله أعلم.

стр. 819

٦ - أقل مدة للاعتكاف (١): ذهب الجمهور ومنهم أبو حنيفة والشافعي إلى أن زمان الاعتكاف لا حَدَّ لأَقلِّه، وقال مالك: أقله يوم وليلة، وعنه: ثلاثة أيام، وعنه: عشرة أيام. والظاهر أن من اعتقد أن من شرط الاعتكاف الصوم، قال: لا يجوز اعتكافه ليلة، فلا أقل من يوم وليلة إذ انعقاد النهار إنما يكون بالليل. قلت: والأظهر أن أقلَّه ليلة لحديث عمر لما أمره النبي ﷺ أن يفي بنذره فاعتكف ليلة وقد تقدم في المسألة السابقة، وأما قول الجمهور بأنه يجزئ أقل من ليلة ولو لحظة من ليل أو نهار، فهذا يحتاج إلى دليل. ٧ - متى يدخل المعتكف ومتى يخرج؟ من نذر أن يعتكف أيامًا معدودة، أو أراد أن يعتكف العشرة الأخيرة من رمضان فالسنة أن يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر أول هذه الأيام (الحادي والعشرين) هكذا فعل النبي ﷺ ، ففي حديث عائشة ﵂ «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءً فيصلي الصبح ثم يدخله ...» (٢) وهو قول الأوزاعي والليث والثوري. وذهب الأئمة الأربعة وطائفة إلى أنه يدخل قبيل غروب الشمس (يوم العشرين) وأوَّلوا الحديث على أنه دخل أول الليل وإنما تخلى بنفسه في الخباء بعد صلاة الصبح، قالوا: لأن العشر اسم لعدد الليالي فيلزم أن يبدأ قبل ابتداء الليلة. قلت (أبو مالك): الحديث يلزم منه أحد أمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف من الليل -كما قالوا- وإنما دخل خبائه بعد الفجر، فهذا يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها. وإما أن يكون إنما شرع في الاعتكاف بعد الفجر، ويقوي هذا -عندي- حديث أبي سعيد الخدري: «اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين ...» (٣). ففيه أنه ﷺ لما كان يعتكف العشر الأوسط كان يخرج صبيحة العشرين فيكون دخوله فجر العاشر، فوافق حديث عائشة والله أعلم.

стр. 820

وأما الخروج: فعلى القول الأول: يخرج بعد فجر يوم العيد إلى المصلى، وهذا استحبه مالك، وعلى القول الثاني يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من رمضان، والله أعلم. ٨ - ما يبطل به الاعتكاف: يبطل الاعتكاف بواحد مما يلي: (أ) الخروج من غير عذر شرعي ولغير الحاجة المُلحَّة: فلا يخرج من المسجد إلا لما لابد منه حسًّا أو شرعًا، ومثال الأول: أن يخرج للحصول على الأكل والشرب وقضاء الحاجة إن تعذر هذا بدون الخروج. ومثال الثاني: أن يخرج ليغتسل من جنابة أو ليتوضأ إذا تعذر فعله في المسجد، فهذا مما لابد منه شرعًا. فعن عائشة قالت: «وإن كان رسول الله ﷺ ليُدخل رأسه -وهو في المسجد- فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا» (١). وقد تقدم قولها: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا ما لابد منه». ويؤيده حديث عمرة قالت: «كانت عائشة في اعتكافها إذا خرجت إلى بيتها لحاجتها، تمرُّ بالمريض فتسأل عنه وهي مجتازة لا تقف عليه» (٢). إذا اشترط في نيته الخروج لشيء معين: كأن يشترط أن يخرج للجنازة أو إلى عمله نهارًا -كما يفعل بعض الموظفين- فأكثر الفقهاء على أن شرطه لا ينفعه، وأنه إن فعل بطل اعتكافه. وقال الثوري والشافعي وإسحاق -وهو رواية عن أحمد- أنه إن اشترط في ابتداء اعتكافه لم يبطل بفعله كالاشتراط في الحج. (ب) الجماع: أجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته في فرجها وهو معتكف عامدًا لذلك [ذاكرًا اعتكافه] أنه يبطل اعتكافه (٣). لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤).

стр. 821

فالجماع قد نهي عنه بخصوصه في عبادة، ففعله يبطلها (١). وأما المباشرة بما دون الجماع: فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها، كأن تغسل رأسه أو فعليه أو تناوله شيئًا، لحديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يُصغى إليَّ رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض» (٢) وإن كانت عن شهوة فهي محرمة لهذه الآية، فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: يفسد في الحالين، وهو قول مالك، لأنها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل، قال ابن قدامة: ولنا أنها مباشرة لا تفسد صومًا ولا حجًا فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة لغير شهوة. اهـ (٣). ٩ - ما يجوز للمعتكف: (أ) الخروج للحاجة التي لابد منها: كالخروج للأكل أو الشرب أو قضاء الحاجة إذا تعذر فعله في المسجد، كما تقدم. (ب) اشتغال المعتكف بالأمور المباحة: من تشييع (توصيل) زائره والقيام معه إلى باب المسجد، والحديث مع غيره. (جـ، د) زيارة المرأة للمعتكف، وخلوة المعتكف بزوجته: وهذه الأمور الثلاثة الأخيرة مستفادة من حديث صفية زوج النبي ﷺ : «أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة ...» الحديث (٤). (هـ) غسل المعتكف ووضوؤه في المسجد: فعن رجل خدم النبي ﷺ قال: «توضأ النبي ﷺ في المسجد وضوءًا خفيفًا» (٥) وقد تقدم غَسل عائشة وترجيلها رأس النبي ﷺ .

стр. 822

(و) اتخاذ خيمة في مؤخرة المسجد يعتكف فيها: لأن عائشة ﵂ كانت تضرب للنبي ﷺ خباءً إذا اعتكف (١)، وكان ذلك بأمر منه ﷺ (٢). (ز) أن يضع فراشه أو سريره في المسجد: فعن ابن عمر «أن النبي ﷺ كان إذا اعتكف طُرح له فراش أو يوضع له سرير وراء إسطوانة التوبة» (٣) ويشعر بهذا حديث أبي سعيد ففيه: «... فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ...» الحديث (٤). (ح) الخطبة وعقد الزواج للمعتكف (٥): وهذا لا بأس لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب فلم تحرم النكاح كالصوم وهذا مشروط بعدم الجماع كما تقدم. (ط) ويجوز اعتكاف المرأة المستحاضة (٦): لكن ينبغي لها أن تتحفظ لئلا تلوث المسجد، فلها أن تخرج لتتحفظ ونحوه، صيانة للمسجد. فعن عائشة قالت: «اعتكَفَتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي» (٧). هل يجوز للحائض الاعتكاف؟ اعتكاف الحائض مبني على مسألتين، الأولى: هل يلزم للاعتكاف صوم؟ والثانية: هل تدخل الحائض المسجد؟ فمن رأى أنه يلزم للاعتكاف صوم منع اعتكافها لأنها لا تصوم، وكذلك من رأى أن الحائض لا تدخل المسجد يمنع اعتكافها فيه (٨). وقد تقدم تحرير المسألتين في موضعهما من هذا الكتاب فليراجع، والله أعلم. فائدة: إذا اعتكفت المرأة في المسجد استترت بشيء: فإن أزواج النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد، ولأن المسجد يحضره

стр. 823

الرجال، وخير لهم وللنساء أن لا يرونهن ولا يرينهم، فإن كان للنساء مكان مخصص في المسجد فهو الأفضل (١). ١٠ - من آداب الاعتكاف: يستحب للمعتكف أن يشغل نفسه بطاعة الله، كالصلاة وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، واستغفاره والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ، وتفسير القرآن ودراسة الحديث ونحو ذلك. ويكره أن يشغل نفسه بما لا يفيد من الأقوال والأفعال، أو أن يتخذ المعتكف موضع عشرة، ومجلبة للزائرين، وأخذه بأطراف الأحاديث بينه وبين مجالسيه، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون آخر.

стр. 824

٦ - كتاب الحج والعمرة

стр. 825

أولاً: الحج تعريف الحج: الحج -بفتح الحاء ويجوز كسرها وهو شاذ- لغةً: أصله القصد، فيقال (حَجَّهُ حجًّا) أي: قصده، وقيل: هو من قولك: (حججته) إذا أتيته مرة بعد أخرى، وقيل غير ذلك، والأول هو المشهور (١). والحج -في اصطلاح الشرع-: قصد بيت الله الحرام والمشاعر لأداء عبادة مخصوصة في زمن مخصوص بكيفية معينة. حُكْم الحَجِّ: الحج فرض عين على كل مكلف مستطيع في العمر مرة، وهو ركن من أركان الإسلام، وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع: (أ) أما الكتاب: فقد قال الله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). (ب) وأما السنة: فقد وردت أحاديث كثيرة جدًّا -بلغت حد التواتر- تفيد اليقين والعلم القطعي الجازم بثبوت هذه الفريضة (٣)، ومن ذلك: ١ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (٤). ٢ - حديث أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا»، فقال رجل: أَكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلتُ نعم لوجبت، ولما استطعتم ...» (٥) الحديث.

стр. 826

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج - على المستطيع- مرة واحدة في العمر (١)، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة يكفر جاحده (٢). هل يجب الحج على الفورية أو التراخي؟ ذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة -في أصح الروايتين- وأبو يوسف، ومالك وأحمد (٣) إلى أن من وجدت عنده شروط وجوب الحج -التي ستأتي- وتحقق فرض الحج عليه، فإنه يجب عليه الفور، وأنه يأثم بتأخيره واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤). ٢ - وقوله ﷺ : «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» (٥). والأصل في الأمر أن يكون على الفور ما لم يصرفه صارف (٦). ٣ - قول النبي ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل» (٧). ٤ - وبما روى مرفوعًا: «من ملك زادًا وراحلة تبلغ إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًّا» (٨). بينما هب الشافعي ومحمد بن الحسن وبعض السلف إلى أنه يجب على التراخي، فلا يأثم بتأخير الحج -مع الاستطاعة- بشرط العزم على فعله في

стр. 827

المستقبل، واستدلوا بأن النبي ﷺ فتح مكة سنة ثمان (١)، ولم يحج إلا في السنة العاشرة، ولو كان واجبًا على الفورية لم يتخلف رسول الله ﷺ عما فرض عليه لا سيما ولم يحبسه عذر ظاهر من حرب أو مرض! (٢). وبأنه إذا أخره ثم فعله بعد ذلك لم يكن قاضيًا له، وهذا يدل على أنه على التراخي. وأجابوا عن الآية الكريمة بأن الأمر بالحج فيها مطلق عن تعيين الوقت، فيصح أداؤه في أي وقت فلا يثبت الإلزام بالفور لأنه تقييد للنص بغير دليل، وضعَّفوا الأحاديث الآمرة بالتعجيل. قلت: مبنى الخلاف هنا على مسألة: الأصل في الأمر أنه على الفور أو التراخي؟ وعلى كل حال فالأولى التعجيل وعدم التأخير -مع الاستطاعة- احتياطًا، فإنه لا يدري لعله لا يمتد به العمر حتى يحج. والله أعلم. من فضائل الحج: ١ - الحج يمحق الذنوب المتقدمة: (أ) فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من حجَفلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمُّه» (٣). (ب) ولما أراد عمرو بن العاص أن يبايع رسول الله ﷺ على الإسلام، اشترط أن يُغفر له، فقال ﷺ : «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟» (٤). ٢ - الحج سبب للعتق من النار: فعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ...» (٥).

стр. 828

٣ - الحج جزاؤه الجنة: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمر كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (١). ٤ - الحج من أفضل الأعمال: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله» قيل ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (٢). ٥ - الحج أفضل جهاد النساء: فعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولَكُنَّ أفضل الجهاد: حج مبرور» (٣). شروط إيجاب الحج: وهي صفات يجب توفرها في الإنسان حتى يكون مطالَبًا بأداء الحج على سبيل الوجوب، فمن فقد أحد هذه الشروط لم يجب عليه الحج، وهي خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. قال ابن قدامة (٤) «لا نعلم في هذا كله اختلافًا» اهـ. - فأما الإسلام والعقل، فهما شرطا صحة كذلك، فلا يصح الحج من كافر ولا مجنون. - وأما البلوغ والحرية، فهما شرطان لإجزاء الحج عن الفريضة كذلك، وليسا شرطين للصحة، فلو حج الصبي والعبد صح منهما لحديث المرأة التي: «... رفعت إلى النبي ﷺ صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» (٥). ولا يجزئهما عن حجة الإسلام على الراجح، لحديث: «من حج ثم عتق فعليه حجة أخرى، ومن حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى» (٦).

стр. 829

- وأما الاستطاعة فهي شرط للوجوب فقط، فلو تجشَّم غيرُ المستطيع المشقة وحج، كان حجه صحيحًا مجزئًا، كما لو تكلف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأه (١). بم تتحقق الاستطاعة؟ لا تتحقق الاستطاعة المشروطة لإيجاب الحج إلا بما يلي: [١] صحة البدن وسلامته من الأمراض التي تعوقه عن أفعال الحج، لحديث ابن عباس: أن امرأة من جثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فأحجُّ عنه؟ قال: «حجِّي عنه» (٢). فمن وُجدت فيه سائر الشروط وكان مريضًا مُرمِنًا أو مُقعدًا فلا يجب عليه أداء الفريضة بنفسه اتفاقًا. لكن اختلفوا هل يلزمه أن ينيب من يحج عنه؟ فذهب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة أنه يلزمه، بناء على أن صحة البدن شرط للأداء بالنفس لا شرط للوجوب. وقال أبو حنيفة ومالك لا يلزمه (٣)، قلت: والأظهر أنه يلزمه ويدل عليه حديث ابن عباس السابق، ففي بعض رواياته: «أرأيت إن كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يُقضى» (٤). [٢] ملك ما يكفيه في رحلته وإقامته وعودته، فاضلاً عن حاجاته الأصلية من دَيْن ونفقة عيل ومن تلزمه نفقتهم عند جمهور العلماء (٥) -خلافًا للمالكية- لأن النفقة حق للآدميين وهو مقدم، ولقوله ﷺ : «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» (٦). ويدخل في هذا ملك الزاد والراحلة، وقد فُسِّر السبيل في قوله تعالى:

стр. 830

﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١). بالزاد والراحلة وقد روى هذا التفسير مرفوعًا ولا يصح (٢). [٣] أمن الطريق: وهو يشمل الأمن على النفس والمال وقت خروج الناس للحج لأن الاستطاعة لا تثبت بدونه. ويُشترط المحَرْمَ لوجوب الحج على المرأة: يشترط لإيجاب الحج على المرأة الشروط الخمسة المتقدمة ويزاد عليها أن يصحبها زوج أو محرم (٣)، فإن لم تجد فلا يجب عليها الحج: فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: «انطلق فحُجَّ مع امرأتك» (٤) وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (٥). بينما ذهب المالكية والشافعية (٦) إلى أن المحرم ليس شرطًا في الحج لكنهم اشترطوا أمن الطريق والرفقة المأمونة، وهذا في حج الفريضة وأما حج النفل فلا يجوز خروجها له إلا مع محرم اتفاقًا. وأجاز الظاهرية للمرأة التي لا زوج لها ولا محرم أو أبى زوجها، أن تحج بغير محرم (٧). واستدلوا جميعًا بما روى من تفسير النبي ﷺ للاستطاعة بالزاد والراحلة وهو ضعيف كما تقدم، وبقوله ﷺ : «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها، لا تخاف إلا الله» (٨) ويجاب عن هذا بأنه إخبار عما سيقع من الأمن ولا تعلق لهذا بحكم سفر المرأة بلا محرم.

стр. 831

إذا حجت المرأة بغير محرم: إذا حجت المرأة بغير محرم صح حَجُّها وأثمت لخروجها بدونه. تستأذن المرأة زوجها للحج وليس له منعها (١): ١ - إذا توفرت شروط وجوب الحج المتقدمة لدى المرأة -في حج الفريضة- فإنه يستحب لها أن تستأذن زوجها فإن أذن لها وإلا خرجت بغير إذنه، لأنه ليس للزوج أن يمنعها من الذهاب لحج الفريضة -عند الجمهور- لأن حق الزوج لا يقدم على فرائض الأعيان كصوم رمضان ونحوه. ٢ - إذا كان حجها حج نذر: فإن كانت نذرته بإذن زوجها، أو نذرته قبل الزواج ثم أخبرته به فأقره، فليس له منعها، أما إذا نذرته رغمًا عنه فله منعها، وقيل بل ليس له منعها كذلك لأنه واجب كحجة الإسلام. ٣ - إذا كان حجها حج تطوع أو حجًّا عن غيرها، فيجب عليها استئذان زوجها إجماعًا، ويجوز له أن يمنعها. هل تخرج المُعْتَدَّة للحج؟ (٢). المرأة المعتدة عن طلاق أو وفاة مدة إمكان السير للحج لا يجب عليها الحج -عند الجمهور- لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ (٣). ولأن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر، وأما العدة فتجب في وقت مخصوص فكان الجمع بين الأمرين أولى. وفرَّق الحنابلة بين خروجها للحج في عدة الطلاق، وعدة الوفاة، فمنعوه في عدة الوفاة، وأجازوه في عدة الطلاق المبتوت، قالوا: لأن لزوم البيت فيه واجب في عدة الوفاة، والطلاق المتبوت لا يجب فيه ذلك. اهـ. قلت: لا يظهر لي وجه والتفريق -في لزوم البيت- بين عدة الوفاة وعدة الطلاق، على أن الآية تتعلق بالمطلقات، والمعتدة للوفاة تقاس عليها -على أحد القولين (٤) - فهلا عكسوا هذا التفريق؟!!

стр. 832

الحج عن الغير ١ - الحج عن العاجز: من استطاع السبيل إلى الحج ثم عجز عنه، بسبب كبر أو مرض لا يرجى برؤه ويسمى المغصوب، فإنه يلزمه أن يقيم من يحج عنه من ماله، لحديث ابن عباس عن الفضل بن عباس: «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم» (١). وفي رواية: قال ﷺ : أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). وبهذا قال الجمهور خلافًا لمالك. فائدة: إذا حُجَّ عن المغصوب الذي لا يرجى برؤه ثم عافاه الله، فقد برئت ذمته ولا يطالب بالحج بنفسه بعد ذلك -في أصح قولي العلماء- لأن النبي ﷺ قد أخبر -في الحديث السابق- أن دين الله يقضى بالحج عنه ويسقط عنه، فلا يجوز أن يعود فرضه إلا بنص ولا نص ههنا بعودته ولو كان ذلك عائدًا لبيَّن النبي ﷺ لا سيما مع قيام احتمال أن يطيق الشيخ الركوب، فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديته عنه. وهذا مذهب الحنابلة وإسحاق وابن حزم وذهب أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر إلى أنه يلزمه الحج ولابدَّ، قالوا: لأنه لما برئ تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه فلزمه الأصل. والأول أرجح والله أعلم (٣). ٢ - الحج عن الميت الذي وجب عليه الحج من تركته: من مات وهو مستطيع بأحد الوجوه التي قدمنا، حج عنه من رأس ماله مقدمًا على ديون الناس -إن لم يوجد من يحج عنه تطوعًا- سواء أوصى بذلك أو لم يوص، لقوله تعالى في المواريث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤). فعَمَّ عز

стр. 833

وجل الديون كلها، وقد تقدم أن دين الله أحق بالقضاء وهذا مذهب الشافعي وأحمد وطائفة من السلف (١). وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحج عنه إلا أن يوصى بذلك فيكون من الثلث!! ٣ - النائب عن غيره يحج عن نفسه أولاً: يُشترط فيمن يريد الحج عن غيره أن يكون قد حج هو عن نفسه حجة الإسلام أولاً حتى يجزئ الفرض عن الأصيل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وأكثر أهل العلم وبه قال ابن عباس ولا يعلم له من الصحابة مخالف (٢) واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي -أو قريب لي- قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (٣) وهو مختلف في رفعه ووقفه وصحته. وقال أبو حنيفة ومالك: يجزئ الحج وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بإطلاق حديث الخثعمية السابق «حجي عن أبيك» من غير استخبارها عن حجها لنفسها. قلت: الأولى أن لا يحج عن غيره إلا بعد الحج عن نفسه خروجًا من الخلاف، ولأنه قول صحابي وهو أولى من قول غيره لا سيما ولا يعلم له من الصحابة مخالف، ثم إن النظر يقتضي أن يقوم الإنسان نفسه على غيره لعموم قوله ﷺ في النفقات: «ابدأ بنفسك» (٤). وعلى هذا يحمل ترك استفصال النبي ﷺ للخثعمية على أنه علم بحجها عن نفسها أولاً، إعمالاً للأدلة، كما قاله ابن الهمام. والله أعلم. ٤ - حج النفل عن الغير: يُشرع حج النفل عن الغير بإطلاق -وإن كان مستطيعًا- لأنها حجة لا تلزم المستطيع بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب، ولأنه يتوسع في النفل ما لا يتوسع في الفرض، فإذا جازت النيابة في الفرض ففي النفل أولى، وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية والحنابلة، وكذلك المالكية لكن مع الكراهة.

стр. 834

٥ - المرأة تحج عن غيرها: (أ) يجوز للمرأة أن تحج عن امرأة أخرى باتفاق العلماء، سواء كانت بنتها أو غير بنتها (١)، فعن موسى بن سلمة أن امرأة سألت رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها» (٢). (ب) ويجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، عند جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، لحديث الخثعمية الذي تقدم مرارًا. ٦ - الحج من مال حرام (٣): إذا حج بمال حرام أو راكبًا دابة مغصوبة، أثم وصح حجُّه وأجزأه عند أكثر العلماء، قالوا: لأن أفعال الحج مخصوصة، والتحريم لمعنى خارج عنها. وخالفهم الإمام أحمد فقال: «لا يجزئ، واستدل له بحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٤) وبما يُروى مرفوعًا: «إا خرج الحاج حاجًّا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه مناد من السماء، لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور» (٥). قلت: والراجح قول الجمهور لما تقدم، وأما حديث «إن الله طيب ...» فليس فيه حجة وأما حديث: «... وحجك مأزور غير مأجور» فضعيف لا يصح. المواقيت المواقيت: جمع ميقات، وهي زمانية ومكانية: [١] المواقيت الزمانية: هي الأوقات التي لا يصح شيء من أعمال الحج إلا

стр. 835

فيها، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١). فهذا نص على أن للحج أوقاتًا منصوصة، فلا يحل الإحرام به إلا في أشهر الحج، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٢). فإن أحرم بالحج قبل أشهره (٣): لم يصح منه، وهذا مذهب الصحابة ﵃، وعن الشعبي وعطاء أنه يحل من إحرامه. وقال الأوزاعي والشافعي: تصير عمرة ولابدَّ، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكره ذلك ويلزمه إن أحرم به قبل أشهر الحج. والصواب أنه لا يصح بحال للآية الكريمة، وأما أنها تنعقد عمرة، ففيه نظر، إذ كيف نبطل عمله الذي دخل لأجل أنه خالف الحق، ثم نلزمه بذلك العمل عمرة لم يُرِدها قط ولا قصدها ولا نواها و «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤)؟! فهذا كمن أحرم بصلاة قبل وقتها فإنها تبطل، ومن نوى صيامًا قبل وقته فهو باطل. وأشهر الحج: هي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة -اتفاقًا- ثم حصل الخلاف في يوم النحر وبقية ذي الحجة، فصارت الأقوال في أشهر الحج ثلاثة: ١ - أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجماعة من السلف (٥). ٢ - أنها شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة فلا يدخل يوم النحر في أشهر الحج، وهو مذهب الشافعية (٦)، وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٧). ولا يمكن فرضه [أي الإحرام به] بعد ليلة النحر.

стр. 836

٣ - أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كله، وهذا مذهب مالك وابن حزم، وهو مروي عن عمر وابنه، وابن عباس ﵃ (١)، وحجتهم أن أقل الجمع ثلاثة، وأن رمي الجمار -وهو من أعمال الحج- يعمل يوم الثالث عشر، وطواف الإفاضة -وهو ركن في الحج- يعمل في ذي الحجة كله بلا خلاف. قلت: الراجح القول الثالث فتكون أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وهذا على معنى أنه يجب ألا يقع شيء من أعمال الحج قبل أو بعد هذه الأشهر، ولا يلزم أن يكون الحج يجوز في كل يوم من أيامها، فلابد من الاحتفاظ بالآتي: أن من فاته الوقوف بعرفة في جزء من ليلة النحر فلا حج له، وهذا هو الذي نظر إليه الشافعي ﵀ حين أخرج يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) ومن أشهر الحج، ويردُّ عليه بأن الله تعالى قد سمى يوم النحر: يوم الحج الأكبر في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ (٢). [٢] المواقيت المكانية: وهي أماكن وقتَّها الشرع -أي حددها- ليُحرم منها من أراد الحج أو العمرة ولا يجوز له أن يتجاوزها -إن كان قاصدًا للحج أو العمرة- دون أن يحرم، وهذه المواقيت لكل من مرَّ بها- مريدًا للنسك سواء كان من أهل تلك الجهات أو لم يكن، وهذه الأماكن: ١ - ذو الحليفة: لأهل المدينة، وهي المعروفة الآن «بآبار علي». ٢ - الجحفة: وهي لأهل الشام ومصر والمغرب، وهي قريبة من «رابغ» التي جُعلت الآن الميقات. ٣ - قرن المنازل: وهي لأهل نجد، وهي المعروفة الآن بـ «وادي السيل». ٤ - يلملم: وهي لأهل اليمن. وهذه المواقيت الأربعة متفق عليها، لحديث ابن عباس ﵄ قال: «وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن

стр. 837

ولأهل اليمن يلملم قال: «فهنُّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن مهلُّه من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها» (١). ٥ - ذات عِرْق: لأهل العراق والمشرق، وهذا المكان قريب من «العقيق» وقد اختلف فيمن وَقَّته، فقيل عمر، لحديث ابن عمر قال: «لما فُتح هذان المصران (يعني البصرة والكوفة) أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين: إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق» (٢). وقيل: بل حدَّه النبي ﷺ ، لحديث جابر: «مَهلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، وهلُّ العراق من ذات عرق، ومهلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل العراق من ذات عرق، ومهلَّ أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم» (٣) وهو مختلف في رفعه، لكن يؤيد الرفع حديث عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق» (٤). ويجمع بأن النبي ﷺ هو الذي وقته وخفى علمه على عمر ﵁ فاجتهد فوافق السنة وكم له من موافقات للشرع!! المقيم بمكة ميقاته: منازل مكة، والمقيم بين مكة وأحد هذه المواقيت فميقاته منزله. من كان طريق لا تمر بشيء من هذه المواقيت، فإذا علم أنه حاذى أقربها منه أحرم منه، ومن كان في طائرة فإنه يحرم إذا حاذى الميقات وكان فوقه، ويكون متأهبًا قبل الإحرام بأن يلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه نوى الإحرام في الحال، لا أن يؤخره إلى أن يهبط (٥). سياق صفة حجة النبي ﷺ عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ... فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعًا فقال إن رسول الله ﷺ

стр. 838

مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع قال: «اغتسلي واستثفري بثوب واحرمي» فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر ﵁ لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (٢) أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك ثال مثل هذا ثلاث ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن خثعم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا، بل لأبد أبد وقدم عليٌّ من اليمن ببُدُن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت إن أبي أمرني بهذا قال فكان عليٌّ

стр. 839

يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت فيه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت ماذا قلتَ حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدى فلا تحل، قال: فكان جماعة الهدى الذي قدم به على من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقُبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتله هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد -ثلاث مرات- ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حَبْل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحدٍ وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه

стр. 840

وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيمًا فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن مُحسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الحمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فنحر ما غير وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلوالا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوًا فشرب منه. وحدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي قال أتيت جابر بن عبد الله فسألته عن حجة رسول الله ﷺ وساق الحديث: بنحو حديث حاتم بن إسماعيل وزاد في الحديث وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه ويكون منزله، ثم فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل (١). ملخص أفعال حج التمتُّع (٢) لا ريب في أن المسلم حريص على أن يكون صفة حجته كحجة رسول الله ﷺ ، لتكون أحرى لقبولها، وأدعى أن ينال فضائلها التي تقدمت. وهأنذا أُلخِّصُ أفعال «حج التمتع» من مجموع ما ثبت من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ثم أتبع هذا السرد بتفصيلات هذه الأفعال وقسيماتها من حيث ما هو ركن وواجب ومستحب وغير ذلك، فأقول:

стр. 841

ما قبل السفر ١ - من استطاع الحج، واستقر عزمه وجزمه على أدائه، بادر بتوبة نصوح من كل المعاصي، واجتهد في الخروج من مظالم الخلق بردِّها إلى أصحابها، ويجتهد في قضاء ما أمكنه من ديونه، ويجتهد في رضا والديه، ويسترضي أقاربه إن كان بينه وبينهم شيء، ويترك لأولاده ومن تلزمه نفقتهم ما يلزمهم مدة غيابه. ٢ - يحرص على أن يكون زاده طيبًا، ويحذر ما كان من المشتبهات والغُصوب، ليكون أقرب إلى القبول. ٣ - يجتهد في تحصيل الرفقة الصالحة المرغِّبة في الخير، المعينة عليه، المبغضة للشر، وإن تيسر أن تكون الرفقة من العلماء العاملين فهو أفضل. ٤ - ويخرج إلى سفره ملتزمًا الآداب الشرعية في السفر، وذلك في أشهر الحج. الإحرام ٥ - فإذا أتى الميقات فيتجرد من ثيابه ويغتسل كما يغتسل من الجنابة، ويتطيَّب بأطيب ما يجد من الطيب، وكذلك تفعل المرأة ولو كانت حائضًا أو نفساء، ولا يضرهما بقاء الطيب في الثوب والبدن بعد الإحرام. ٦ - ويلبس الرجل ملابس الإحرام، وتلبس المرأة ما شاءت من الثياب. ٧ - ويصلي إن حضر وقت فريضته، وإلا صلى ركعتين بنية سنة الوضوء، فإذا فرغ نوى الإحرام بعمرة، بعد أن يركب راحلته (سيارته) حامدًا مكبِّرًا مستقبلاً القبلة، ويقول: «لبيك اللهم عمرة». ٨ - ومن كان في طائرة، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات وكان فوقه، ويكون متأهبًا قبل الإحرام بالغسل والطيب وملابس الإحرام. ٩ - فإذا أهلَّ بالعمرة لبىِّ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ويرفع الرجل بها صوته، وترفع المرأة بقدر ما تسمع من يجنبها. ١٠ - وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصًا عند تغيُّر الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعًا أو أن ينزل منخفضًا، أو أن يُقبل الليل أو النهار، وتلبي المرأة وإن كانت حائضًا، ولا تُقطع التلبية إلا عند ابتداء الطواف (١).

стр. 842

دخول مكة والطواف ١١ - فإذا وصل مكة، أسرع إلى المسجد الحرام، ويتقدم إلى الحجر الأسود، فيستلمه (يلمسه) بيده اليمنى ويقبِّله -إن تيسَّر- وإلا استلمه وقبَّل يده، فإن لم يستطع أشار إليه بيده ويكبِّر ولا يقبل يده، والأفضل ألا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم. ١٢ - ثم يطوع -جاعلاً الكعبة عن يساره- فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل -إن تيسَّر- فإذا كان بين الركن اليماني والحجر الأسود قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فإذا بلغ الحجر الأسود فقد أتم شوطًا ويفعل عنده ما تقدم، ثم يطوف حتى يكمل سبعة أشواط. ١٣ - وينبغي للرجل -دون المرأة- في هذا الطواف أن يضطبع (١) من بداية الطواف إلى انتهائه، ويرمل (يسرع المشي) في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ويمشي كعادته في الأربعة الأخرى. ١٤ - فإذا أتم طوافه صلَّى ركعتين خلف مقام إبراهيم، يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ١٥ - ثم يذهب إلى زمزم فيشرب منها ويصب على رأسه. ١٦ - ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسَّر. السعي بين الصفا والمروة ١٧ - ثم يخرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ ويقول: أبدأ بما بدأ الله به. ١٨ - ويرقى على الصفا حتى يرى الكعبة فيشتبلها قائلاً: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ويدعو بما شاء، ويفعل ذلك ثلاث مرات. ١٩ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشيًا، ويسرع الرجل -دون المرأة- بين العلمين الأخضرين.

стр. 843

٢٠ - فإذا وصل إلى المروة فعل مثلما فعل على الصفا، وهذا شوط، ثم ينزل إلى الصفا وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط (الذهاب شوط والعودة شوط). التحلل من الإحرام ٢١ - إذا أتم سعيه حلق رأسه أو قصَّر شعره، والتقصير -هنا- أفضل لا سيما إذا كان وقت الحج قريبًا، والمرأة لا تحلق وإنما تقصر. ثم يلبس ملابسه المعتادة ويحل له كل ما كان محرمًا عليه بالإحرام، من جماع وغيره، حتى يأتي وقت الحج (١). يوم التروية ٢٢ - إذا كان يوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) فإنه يستعد للإحرام كما تقدم -من منزله بمكة- ثم يحرم بالحج قائلاً: «لبيك اللهم لبيك» ويلبِّي، وإن كان يخشى أن يعوقه شيء ويمنعه من إتمام حجه فله أن يشترط فيقول: «وإن حبسني حابس فمحلى حيث حبستني». ٢٣ - ثم يخرج إلى منى ضُحى ويبيت بها يُصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، قصرًا من غير جمع. يوم عرفة ٢٤ - فإذا طلعت الشمس -يوم التاسع (عرفة) - سار من منى إلى عرفة، فنزل بنمرة فيقيم بها إلى الزوال (الظهر) إن تيسر. ٢٥ - فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا (جمع تقديم) بأذان واحد وإقامتين -مع الإمام- بدون سنة. ٢٦ - ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء والتضرع إلى الله تعالى -على عرفة رافعًا يديه مستقبلاً القبلة -وليس الجبل!! - ويقف هكذا حتى تغرب الشمس. ٢٧ - فإذا غربت الشمس، فإنه ينزل بهدوء وسكينة. الإفاضة إلى المزدلفة والمبيت بها ٢٨ - ثم يسير إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين وبدون سنة.

стр. 844

٢٩ - ينام بمزدلفة حتى الفجر، ولا يصلي بالليل. ٣٠ - يصلي الفجر في أول الوقت بأذان وإقامة، ثم يقف على المشعر الحرام (١) مستقبل القبلة، داعيًا مكبِّرًا مهللاً حتى يسفر الصبح جدًّا. ٣١ - ويرخَّص للضعفة من النساء وغيرهن في الرحيل من مزدلفة بعد منتصف الليل وغياب القمر. يوم النحر الإفاضة إلى منى ورمى الجمرة: ٣٢ - ثم يدفع إذا أسفر الصبح، قبل طلوع الشمس من مزدلفة إلى منى، ويسرع في وادي محسر. ٣٣ - فإذا وصل منى قطع التلبية عند الشروع في رمي جمرة العقبة -وهي الأخيرة جهة مكة- بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، يكبِّر مع كل حصاة، ويكون الرمي بعد طلوع الشمس. ٣٤ - فإذا رمى جمرة العقبة فقد حلَّ له ما كان حرامًا إلا الجماع (٢). ٣٥ - ثم يذبح هَدْيه بمنى أو مكة، وله الذبح في أي من أيام التشريق، فإن لم يملك ثمن الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد رجوعه إلى أهله. ٣٦ - ثم يحلق رأسه، وتقصِّر المرأة شعرها ولو قدر أنملة. الرجوع إلى مكة وطواف الإفاضة: ٣٧ - ثم يرجع إلى مكة، فيطوف سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة (٣)، وله تأخير الطواف آخر أيام التشريق، فإذا طاف حل له كل شيء حتى الجماع (٤). ٣٨ - وإذا كانت المرأة -أثناء المناسك- حائضًا، فإنها تفعل جميع المناسك إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر إن استطاعت. ٣٩ - فإذا كان في انتظارها مشقة عليها -كأن لا تكون مرتبطة بموعد رحلة

стр. 845

العودة وتخشى الضرر إن بقيت -فإنها تطوف وهي حائض في أصح أقوال العلماء، لأن هذا غاية وسعها. الذهاب إلى منى: ٤٠ - ثم بعد الطواف والسعي، يرجع إلى منى ليبيت بها ليالي التشريق (ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر). أيام التشريق رمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر: ٤١ - ثم يرمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر -بعد الظهر ولو إلى الليل- كل جمرة بسبع حصيات مكبرًا مع كل حصاة، مبتدئًا بالصغرى ثم الوسطى، يتقدم بعد كل جمرة فيستقبل القبلة ويدعو دعاءً طويلاً -إن تيسَّر- ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات، ولا يقف للدعاء بعدها، والحصاة التي لا تقع في المرمى لا تعدُّ. ٤٢ - ثم يفعل في اليوم الثاني عشر كما فعل في الذي قبله تمامًا. فإذا أتم رمي الجمار -في الثاني عشر- فإن شاء تعجل ونزل من منى، وإن شاء تأخَّرَ فبات بها ليلة الثالث عشر، والتأخر أفضل. الرمي في اليوم الثالث عشر (آخر أيام التشريق): ٤٣ - فإن اختار المبيت ليلة الثالث عشر أو غربت عليه الشمس يوم الثاني عشر وهو بمنى فيلزمه أن يبيت بمنى، ليرمي الجمرات الثلاث يوم الثالث عشر كما فعل في اليومين السابقين بعد الظهر. طواف الوداع قبل السفر ٤٤ - إذا أراد الحاج السفر إلى بلده، فلا يخرج حتى يطوف للوداع، فيجعله آخر عهده بمكة، وأما الحائض والنفساء فيرخَّصُ لهم في ترك طواف الوداع. ٤٥ - ويستحب له أن يزور المسجد النبوي بالمدينة، لكنه ليس من مناسك الحج كما يظنه كثير من الناس. ٤٦ - ثم يعود إلى بلده، وينحر ببلده بقرة أو جملاً لأهله وللفقراء والمساكين إن تيسَّر وإلا فلا يلزمه ذلك، والله تعالى أعلم. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
следующие страницы →