← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ما قبل السفر ١ - من استطاع الحج، واستقر عزمه وجزمه على أدائه، بادر بتوبة نصوح من كل المعاصي، واجتهد في الخروج من مظالم الخلق بردِّها إلى أصحابها، ويجتهد في قضاء ما أمكنه من ديونه، ويجتهد في رضا والديه، ويسترضي أقاربه إن كان بينه وبينهم شيء، ويترك لأولاده ومن تلزمه نفقتهم ما يلزمهم مدة غيابه. ٢ - يحرص على أن يكون زاده طيبًا، ويحذر ما كان من المشتبهات والغُصوب، ليكون أقرب إلى القبول. ٣ - يجتهد في تحصيل الرفقة الصالحة المرغِّبة في الخير، المعينة عليه، المبغضة للشر، وإن تيسر أن تكون الرفقة من العلماء العاملين فهو أفضل. ٤ - ويخرج إلى سفره ملتزمًا الآداب الشرعية في السفر، وذلك في أشهر الحج. الإحرام ٥ - فإذا أتى الميقات فيتجرد من ثيابه ويغتسل كما يغتسل من الجنابة، ويتطيَّب بأطيب ما يجد من الطيب، وكذلك تفعل المرأة ولو كانت حائضًا أو نفساء، ولا يضرهما بقاء الطيب في الثوب والبدن بعد الإحرام. ٦ - ويلبس الرجل ملابس الإحرام، وتلبس المرأة ما شاءت من الثياب. ٧ - ويصلي إن حضر وقت فريضته، وإلا صلى ركعتين بنية سنة الوضوء، فإذا فرغ نوى الإحرام بعمرة، بعد أن يركب راحلته (سيارته) حامدًا مكبِّرًا مستقبلاً القبلة، ويقول: «لبيك اللهم عمرة». ٨ - ومن كان في طائرة، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات وكان فوقه، ويكون متأهبًا قبل الإحرام بالغسل والطيب وملابس الإحرام. ٩ - فإذا أهلَّ بالعمرة لبىِّ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ويرفع الرجل بها صوته، وترفع المرأة بقدر ما تسمع من يجنبها. ١٠ - وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصًا عند تغيُّر الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعًا أو أن ينزل منخفضًا، أو أن يُقبل الليل أو النهار، وتلبي المرأة وإن كانت حائضًا، ولا تُقطع التلبية إلا عند ابتداء الطواف (١).

стр. 842

دخول مكة والطواف ١١ - فإذا وصل مكة، أسرع إلى المسجد الحرام، ويتقدم إلى الحجر الأسود، فيستلمه (يلمسه) بيده اليمنى ويقبِّله -إن تيسَّر- وإلا استلمه وقبَّل يده، فإن لم يستطع أشار إليه بيده ويكبِّر ولا يقبل يده، والأفضل ألا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم. ١٢ - ثم يطوع -جاعلاً الكعبة عن يساره- فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل -إن تيسَّر- فإذا كان بين الركن اليماني والحجر الأسود قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فإذا بلغ الحجر الأسود فقد أتم شوطًا ويفعل عنده ما تقدم، ثم يطوف حتى يكمل سبعة أشواط. ١٣ - وينبغي للرجل -دون المرأة- في هذا الطواف أن يضطبع (١) من بداية الطواف إلى انتهائه، ويرمل (يسرع المشي) في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ويمشي كعادته في الأربعة الأخرى. ١٤ - فإذا أتم طوافه صلَّى ركعتين خلف مقام إبراهيم، يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ١٥ - ثم يذهب إلى زمزم فيشرب منها ويصب على رأسه. ١٦ - ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسَّر. السعي بين الصفا والمروة ١٧ - ثم يخرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ ويقول: أبدأ بما بدأ الله به. ١٨ - ويرقى على الصفا حتى يرى الكعبة فيشتبلها قائلاً: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ويدعو بما شاء، ويفعل ذلك ثلاث مرات. ١٩ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشيًا، ويسرع الرجل -دون المرأة- بين العلمين الأخضرين.

стр. 843

٢٠ - فإذا وصل إلى المروة فعل مثلما فعل على الصفا، وهذا شوط، ثم ينزل إلى الصفا وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط (الذهاب شوط والعودة شوط). التحلل من الإحرام ٢١ - إذا أتم سعيه حلق رأسه أو قصَّر شعره، والتقصير -هنا- أفضل لا سيما إذا كان وقت الحج قريبًا، والمرأة لا تحلق وإنما تقصر. ثم يلبس ملابسه المعتادة ويحل له كل ما كان محرمًا عليه بالإحرام، من جماع وغيره، حتى يأتي وقت الحج (١). يوم التروية ٢٢ - إذا كان يوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) فإنه يستعد للإحرام كما تقدم -من منزله بمكة- ثم يحرم بالحج قائلاً: «لبيك اللهم لبيك» ويلبِّي، وإن كان يخشى أن يعوقه شيء ويمنعه من إتمام حجه فله أن يشترط فيقول: «وإن حبسني حابس فمحلى حيث حبستني». ٢٣ - ثم يخرج إلى منى ضُحى ويبيت بها يُصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، قصرًا من غير جمع. يوم عرفة ٢٤ - فإذا طلعت الشمس -يوم التاسع (عرفة) - سار من منى إلى عرفة، فنزل بنمرة فيقيم بها إلى الزوال (الظهر) إن تيسر. ٢٥ - فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا (جمع تقديم) بأذان واحد وإقامتين -مع الإمام- بدون سنة. ٢٦ - ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء والتضرع إلى الله تعالى -على عرفة رافعًا يديه مستقبلاً القبلة -وليس الجبل!! - ويقف هكذا حتى تغرب الشمس. ٢٧ - فإذا غربت الشمس، فإنه ينزل بهدوء وسكينة. الإفاضة إلى المزدلفة والمبيت بها ٢٨ - ثم يسير إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين وبدون سنة.

стр. 844

٢٩ - ينام بمزدلفة حتى الفجر، ولا يصلي بالليل. ٣٠ - يصلي الفجر في أول الوقت بأذان وإقامة، ثم يقف على المشعر الحرام (١) مستقبل القبلة، داعيًا مكبِّرًا مهللاً حتى يسفر الصبح جدًّا. ٣١ - ويرخَّص للضعفة من النساء وغيرهن في الرحيل من مزدلفة بعد منتصف الليل وغياب القمر. يوم النحر الإفاضة إلى منى ورمى الجمرة: ٣٢ - ثم يدفع إذا أسفر الصبح، قبل طلوع الشمس من مزدلفة إلى منى، ويسرع في وادي محسر. ٣٣ - فإذا وصل منى قطع التلبية عند الشروع في رمي جمرة العقبة -وهي الأخيرة جهة مكة- بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، يكبِّر مع كل حصاة، ويكون الرمي بعد طلوع الشمس. ٣٤ - فإذا رمى جمرة العقبة فقد حلَّ له ما كان حرامًا إلا الجماع (٢). ٣٥ - ثم يذبح هَدْيه بمنى أو مكة، وله الذبح في أي من أيام التشريق، فإن لم يملك ثمن الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد رجوعه إلى أهله. ٣٦ - ثم يحلق رأسه، وتقصِّر المرأة شعرها ولو قدر أنملة. الرجوع إلى مكة وطواف الإفاضة: ٣٧ - ثم يرجع إلى مكة، فيطوف سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة (٣)، وله تأخير الطواف آخر أيام التشريق، فإذا طاف حل له كل شيء حتى الجماع (٤). ٣٨ - وإذا كانت المرأة -أثناء المناسك- حائضًا، فإنها تفعل جميع المناسك إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر إن استطاعت. ٣٩ - فإذا كان في انتظارها مشقة عليها -كأن لا تكون مرتبطة بموعد رحلة

стр. 845

العودة وتخشى الضرر إن بقيت -فإنها تطوف وهي حائض في أصح أقوال العلماء، لأن هذا غاية وسعها. الذهاب إلى منى: ٤٠ - ثم بعد الطواف والسعي، يرجع إلى منى ليبيت بها ليالي التشريق (ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر). أيام التشريق رمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر: ٤١ - ثم يرمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر -بعد الظهر ولو إلى الليل- كل جمرة بسبع حصيات مكبرًا مع كل حصاة، مبتدئًا بالصغرى ثم الوسطى، يتقدم بعد كل جمرة فيستقبل القبلة ويدعو دعاءً طويلاً -إن تيسَّر- ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات، ولا يقف للدعاء بعدها، والحصاة التي لا تقع في المرمى لا تعدُّ. ٤٢ - ثم يفعل في اليوم الثاني عشر كما فعل في الذي قبله تمامًا. فإذا أتم رمي الجمار -في الثاني عشر- فإن شاء تعجل ونزل من منى، وإن شاء تأخَّرَ فبات بها ليلة الثالث عشر، والتأخر أفضل. الرمي في اليوم الثالث عشر (آخر أيام التشريق): ٤٣ - فإن اختار المبيت ليلة الثالث عشر أو غربت عليه الشمس يوم الثاني عشر وهو بمنى فيلزمه أن يبيت بمنى، ليرمي الجمرات الثلاث يوم الثالث عشر كما فعل في اليومين السابقين بعد الظهر. طواف الوداع قبل السفر ٤٤ - إذا أراد الحاج السفر إلى بلده، فلا يخرج حتى يطوف للوداع، فيجعله آخر عهده بمكة، وأما الحائض والنفساء فيرخَّصُ لهم في ترك طواف الوداع. ٤٥ - ويستحب له أن يزور المسجد النبوي بالمدينة، لكنه ليس من مناسك الحج كما يظنه كثير من الناس. ٤٦ - ثم يعود إلى بلده، وينحر ببلده بقرة أو جملاً لأهله وللفقراء والمساكين إن تيسَّر وإلا فلا يلزمه ذلك، والله تعالى أعلم. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

стр. 846

أركان الحج تنقسم الأفعال السابقة إلى أركان وواجبات ومستحبات، وهذا أوان ذكر أركان الحج التي دلَّ الدليل على ركنيتها، وما يتعلق بكل ركن منها من واجبات ومسنونات ومكروهات وغير ذلك. وأركان الحج عند الجمهور أربعة (١): الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة. الركن الأول: الإحرام: تعريف الإحرام: الإحرام هو نية الحج أو العمرة من الميقات المعتبر شرعًا، وهو ركن من أركان الحج عند جمهور العلماء، وشرط لصحته عند الحنفية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢). وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٣). أنواع الإحرام: يُؤدىَّ الحج على كيفيات (أو أنساك) ثلاث: ١ - الإفراد: وهو أن يهلَّ (أي ينوي) الحاجُّ بالحجِّ فقط عند إحرامه قائلاً: لبيك اللهم بحج، ثم يأتي بأعمال الحج وحده. ٢ - القران: وهو أن يهلَّ (ينوي) بالحج والعمرة معًا قائلاً: لبيك حجًّا وعمرة فيأتي بهما في نسك واحد، أو أن يدخل الحج على العمرة قبل الطواف. وقال الجمهور: إنهما يتداخلان، فيطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا، ويجزئه ذلك عن الحج والعمرة، وقال الحنفية: يطوف طوافين ويسعى سعيين والقارن يجب عليه أن ينحر هديًا بالإجماع كما سيأتي. ٣ - التمتع: وهو أن يهلَّ (ينوي) بالعمرة فقط في أشهر الحج، قائلاً: لبيك عمرة ويأتي مكة فيؤدي مناسك العمرة ويتحلل، ويمكث بمكة حلالاً، ثم يحرم بالحج ويأتي بأعماله، وذلك في العام نفسه. ويجب على المتمع كذلك أن ينحر هديًا بالإجماع.

стр. 847

مشروعية الأنساك الثلاثة: ١ - لا خلاففي أن الحج كان عند ابتداء النبي ﷺ به جائزًا بأنواعه الثلاثة المتقدمة، وكذلك كان أصحابه ﵃: منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد، لأنه ﷺ خيَّرهم في ذلك كما في حديث عائشة ﵂: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من أراد منكم أن يهلَّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهلَّ، ومن أراد أن يهلَّ بعمرة فليهلَّ ...» الحديث (١). ٢ - ثم نقلهم النبي ﷺ -بعد هذا التخيير- إلى التمتع، دون أن يعزم عليهم: قالت عائشة: «... فنزلنا سرِف (٢) فخرج إلى أصحابه فقال: «من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ...» (٣). وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لما وصل إلى (ذي طوى) -موضع قريب من مكة- وبات بها- «فلما أصبح قال لهم: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة» (٤). ٣ - ثم أمرهم -من كان لم يسق الهدي منهم- أن يفسخوا الحج إلى عمرة ويتحللوا، فعن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن ...» (٥). وفي رواية ابن عباس: «... فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقال: يا رسول الله، أي الحِلِّ؟ قال: الحل كله» (٦). قلت: لأجل هذه المراحل المتقدمة اختلف أهل العلم في مشروعية الأنساك الثلاثة: فذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن الأنساك الثلاثة: الإفراد والقران

стр. 848

والتمتع، كلها جائزة وأن الأمر فيها واسع، حتى إن بعضهم نقل الإجماع على ذلك (١)، ثم اختلف هؤلاء -بعد الاتفاق على المشروعية- في أي هذه الأنساك أفضل على ما سيأتي. بينما ذهب بعض العلماء إلى وجوب التمتع على من لم يسق الهدي، وأنه إذا طاف وسعى فقد حلَّ شاء أم أبى، وهذا مذهب ابن عباس وأبي موسى الأشعري وبه قال أهل الظاهر وانتصر له ابن حزم ثم ابن القيم ببحثين ما تعين (٢). واستدلوا على ذلك بأمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة، وتحتيمه ذلك عليهم، وتعاظم ذلك عندهم مما يدل على أنهم فهموا من الأمر الإيجاب وغضبه ﷺ لما تراخوا وراجعوه كما في حديث عائشة: «... فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار، فقال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ...» (٣). واستدلوا بقوله ﷺ لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به «ألعامنا هذا، أم لأبد الأبد؟» فشبَّك ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد» (٤). وقد كان ابن عباس ﵄ يناظر على هذه المسألة حتى يقول: «أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء» (٥) لأن أبا بكر وعمر كانا يريان أن الإفراد أفضل من التمتع كما سيأتي. وخلاصة هذا المذهب: «أن من أراد الحج وجاء إلى الميقات: فإن لم يكن معه هدي وجب عليه أن يحرم بعمرة مفردة ولابدَّ [يعني يكون متمتعًا] فإن أحرم بحج، أو بقران حج وعمرة، وجب عليه أن يفسخ إهلاله بعمرة يحل إذا أتمها، ثم يبتدئ الإهلال بالحج مفردًا من مكة.

стр. 849

وإن كان ساق الهدي فإنه يقرن فيقول: «لبيك بعمرة وحج معًا» (١). أي الأنساك الثلاثة أفضل؟ وعلى قول الجماهير بجواز الأنساك الثلاثة، فقد اختلفوا في أفضلها على أقوال، وسبب هذا الخلاف: الخلاف في حج النبي ﷺ : هل كان مفردًا، أم قارنًا أم متمتعًا؟. [١] القول الأول: الإفراد أفضل: وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي وهو مروي عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة ﵃ (٢) وحجتهم ما يلي: ١ - ما ثبت عن جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة «أن النبي ﷺ أهلَّ بالحج» (٣). وفي رواية: «أهلَّ بالحج مفردًا». ٢ - أن الخلفاء الراشدين ﵃ بعد النبي ﷺ أفردوا الحج وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان، واختلف فعل علي. ٣ - أن عمر قال: «افصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم» (٤). ٤ - وقال عثمان ﵁ لما ذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: «إنه أتم للحج والعمرة ألا يكونا في شهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإن الله تعالى قد وسع في الخير ...» (٥). ٥ - أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع وذلك لكماله بخلاف التمتع والقران. ٦ - أنه قد أجمعت الأمة -كذا قالوا؟!! - على جواز الإفراد من غير كراهة بخلاف التمتع والقران، فكان أولى. [٢] القول الثاني: القران أفضل: وهذا مذهب الحنفية والثوري، ورواية عن أحمد -لمن ساق الهدي- وحجتهم:

стр. 850

١ - ما ثبت أن النبي ﷺ أهل بحج وعمرة، كحديث أنس: «سمعت النبي ﷺ يقول: «لبيك عمرة وحجًّا» (١). ٢ - قول علي بن أبي طالب لما نهى عثمانُ عن المتعة [يعني هنا القران]: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: «إني لا أستطيع أن أدعك» فلما رأى عليٌّ ذلك أهل بهما جميعًا (٢). ٣ - أن على القارن دم، وليس دم جبران لأنه لم يفعل حرامًا بل دم عبادة، والعبادة المتعلقة بالبدن والمال أفضل من المختصة بالبدن. ٤ - أن القارن مسارع إلى العبادة فهو أفضل من تأخيرها. ٥ - أن القران تحصيل العمرة في زمن الحج، وهو أشرف. [٣] القول الثالث: التمتع أفضل: وهو مذهب أحمد بن حنبل وأحد قولي الشافعي وهو مذهب أهل الظاهر وابن القيم، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة وجماعة من السلف (٣)، وحجتهم: ١ - حديث عائشة قالت: «تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه» قال الزهري: مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ (٤). ٢ - وعن عمران بن حصين قال: «تمتع النبي ﷺ وتمتعنا معه» (٥). ٣ - وعنأبي جمرة قال: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك، فسألت ابن عباس فأمرني بها، فرأيت في المنام كأن رجلاً يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة النبي ﷺ » (٦). ٤ - أمر النبي ﷺ أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة -كما تقدم- فنقلهم من الإفراد والقران إلى التمتع، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل.

стр. 851

٥ - حديث جابر قال: حججنا مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال لهم: «حلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة» قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به» (١). ٦ - أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). دون سائر الأنساك! ٧ - أن التمتع يجتمع فيه الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما ويسرهما. ٨ - أن قوله ﷺ يقدم على فعله عند التعارض. [٤] القول الرابع: التفصيل: وهواختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣) وخلاصة كلامه، ﵀ (٤): (أ) أنه إذا أفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة، فهو أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة هو إذاكان قد اعتمر قبل أشهر الحج. قال: وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر وكان يختاره للناس، وكذلك عليٌّ. (ب) وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين (الحج والعمرة) بسفرة واحدة، وقدم إلى مكة في أشهر الحج، ولم يسق الهدي، فالتمتع أفضل له. (جـ) وإذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقرآن أفضل، اقتداء بالنبي ﷺ حيث قرن وساق الهدي. ثم أيهما أفضل: أن يسوق الهدي ويقرن، أو أن يتمتع بلا سوق للهدي ويحل؟ قال: هذا موضع اجتهاد، لتعارض ما اختاره الله تعالى لنبيه مع ما اختاره النبي ﷺ لأصحابه، ومال ﵀ إلى الأول. قلت: وهذا تفصيل وجيه، وقد أعمل فيه ابن تيمية كل النصوص الواردة كلاًّ في موضعه، ثم جعل أفضل الأنواع بحسب الصعوبة والمشقة، كما قال النبي ﷺ لعائشة لما قالت: يا رسول الله، يصدر الناس بنُسْكين وأصدر بنسك؟ فقال: «إذا

стр. 852

طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتينا بمكان كدا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك» (١). وكذلك جعل أفضل الأنواع بحسب سوق الهدي، وقد جاءت السنة بكل هذا. وبذلك لم يقع فيما وقع فيه كثير من الفقهاء من الاضطراب بسبب التفضيل المطلق. هذا، على أنه لا يخف في قوة قول من ذهب إلى تفضيل التمتع بل ووجوبه، فالله أعلم. ليس لأهل الحرم إلا الإفراد (٢): قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ (٣). فأباح الله تعالى التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، أي: من لم يكن مسكنه في مكة أو الحرم -على الأصح- لأن التمتع شرع له أن لا يلم بأهله، والمكي ملم بأهله فلم يكن له ذلك، وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة، ويؤيده حديث ابن عباس الذ فيه «... ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدى كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. إلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ...» (٤). قلت: مبنى هذا المذهب على أن قوله تعالى في الآية (ذلك) وقول ابن عباس في الحديث - (أنزله في كتابه وسنة نبيه) عائد على التمتع وهو الأظهر. ويجوز أن يكن من حاضري المسجد، فإن كان فلا دم عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وانتصر له ابن حزم.

стр. 853

هل يجوز إدخال الحج على العمرة (١): إذا أحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، ثم بدا له أن يدخل عليها الحج فيصير قارنًا جاز له ذلك عند الجمهور (خلافًا للحنفية) بشرط أن يكون قبل الشروع في الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة فلا يجوز إدخال الحج على العمرة. ودليل ذلك أن النبي ﷺ ، لما حاضت عائشة بسرف وهي محرمة بالعمرة أمرها أن تهلَّ بالحج وقال: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة، يسعك لعمرتك وحجك» (٢) وهو دليل على أن أمره ﷺ لها بالإهلال بالحج لم يكن إبطالاً لعمرتها. لكن ... لقائل أن يقول: إن الدليل إنما وقع في حاله تشبه الضرورة، لأن عائشة لا يمكن أن تكمل عمرتها وهي حائض، فيكون الدليل هنا أخص من المدلول، وهذا في النفس منه شيء، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة، فكيف نجعل العمرة حجًّا وهو خلاف ما أمر به؟! هل يجوز إدخال العمرة على الحج؟ (٣) أما إذا أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، فذهب مالك، والشافعي في الجديد، وأحمد، أنه لا يصح ولا يصير قارنًا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وخالف أبو حنيفة فجوَّزه بناء على أصله: أن عمل القارن زيادة على عمل المفرد، فإذا أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة صار قارنًا ولزمه طوافان وسعيان. قلت: وأنا أميل إلى قوله أبي حنيفة -لا لأجل ما بنى عليه- ولكن لحديث عائشة: «أهل رسول الله ﷺ بالحج» (٤) مع حديث ابن عمر مرفوعًا: «أتاني آت من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» (٥) واختاره العلامة ابن عثيمين، طيب الله ثراه. هل يصح إطلاق نية الإحرام؟ من أحرم إحرامًا مطلقًا من غير أن يعين نوعًا من هذه الأنواع الثلاثة لعدم

стр. 854

علمه بها، أو أحرم كإحرام شخص يعرفه، فهذا جائز ويصح إحرامه عند جمهور العلماء -خلافًا للمالكية- لحديث أبو موسى «أن عليًّا قدم على النبي ﷺ فقال: «كيف قلت حين أحرمت؟» قال على: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ (١). لا يجوز مجاوزة الميقات بدون إحرام (٢): من مر بالميقات -وهو قاصد للحج أو العمرة- فلا يجوز له مجاوزة الميقات بغير إحرام إجماعًا. فإن جاوزه ثم أحرم بعده فقد أثم بذلك، ولا يذهب عنه الإثم إلا أن يعود إلى الميقات فيحرم منه ثم يتم سائر نسكه، ولا دم عليه إن كان عاد إلى الميقات قبل التلبُّس بالنسك سواء كان ركنًا كالوقوف والسعي أو سنة كطواف القدوم، وهذا مذهب الشافعية والثوري وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور. وقال مالك وابن المبارك وأحمد: لا يسقط عنه الدم بالعود، وقال أبو حنيفة: إن عاد ملبيًا سقط الدم وإلا فلا، وحكى ابن المنذر عن الحسن والنخعي أنه لا دم على المجاوز مطلقًا. والله أعلم. فإن لم يَعُد فنسكه صحيح، ويلزمه دم عند الجمهور. الإحرام قبل الميقات (٣): أجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه (أي قبله) وقال داود: لا يجوز الإحرام قبله ولا يصح إحرامه، وهو مردود عليه بإجماع من قبله، لكن يكره الإحرام قبل الميقات على الأصح، والله أعلم. من مرَّ بميقاتين: إذا مرَّ الشامي أو المصري بميقات أهل المدينة قبل الوصول إلى الجحفة (ميقاته الأصلي) فلا يجوز له أن يؤخر إحرامه، وعليه أن يحرم من ذي الحليفة عند الجمهور لعموم قوله ﷺ : «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» (٤).

стр. 855

وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يجب عليه، وأنه يجوز التأخير إلى ميقاته لأنه الأصل، واختاره شيخ الإسلام، والأول أحوط، والله أعلم. اشتراط المحرم التحلل بعذر: يجوز للمحرم أن يشترط -عند إحرامه- التحلل متى حبسه عن إتمام النسك شيء من مرض أو نحوه قائلاً: «اللهم محلى حيث حبستني». لحديث عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: «أردت الحج؟» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حُجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» (١). فإذا اشترط جاز له أن يتحلل من إحرامه إذا حبس ولا دم عليه. أما إذا لم يشترط فإذا حبسه عارض لزمه دم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). سنن الإحرام: ١ - الغسل عند الإحرام: لحديث زيد بن ثابت أنه «رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل» (٣). وتغتسل المرأة وإن كانت حائضًا أو نفساء: ففي حديث جابر: «.. حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماءُ بنت عميس، محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري (٤) بثوب وأحرمي» (٥). ٢ - التطيُّب على البدن قبل الإحرام: لحديث عائشة قالت: «كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (٦). وكذلك تتطيَّب المرأة: لحديث عائشة قالت: «كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالسُّك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا» (٧).

стр. 856

قلت: فأما بعد الإحرام فلا يجوز استعمال الطيب بإجماع العلماء كما نقله النووي في «المجموع» (٧/ ٢٧٠). ٣ - أن يحرم الرجل في إزار ورداء أبيضين: فعن ابن عباس قال: «انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجَّل وادَّهن ولبس إزاره ورداءه هو أصحابه» (١). وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (٢). أما المرأة: فإنها تلبس ما شاءت من الثياب، لكن لا تلبس النقاب ولا القفازين -كما سيأتي في المحظورات- ولا يختص لباسها بلون معين كالأبيض أو غيره- كما يعتقد كثير من النساء خصوصًا المصريات- فقد «كانت عائشة ﵂ تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة» (٣). ٤ - الصلاة في «وادي العقيق» لمن مرَّ به: وهو واد بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال (٤) وقد قال عمر: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» (٥). ٥ - الصلاة في مسجد ذي الحليفة لمن مرَّ به: لحديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين» (٦). وفي حديث جابر: «فلما أتى ذا الحليفة صلى وهو صامت حتى أتى البيداء» (٧). تنبيه: أخذ الجمهور من حديث ابن عمر استحباب صلاة ركعتين لأجل الإحرام، فقال النووي في شرحه: «فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري: أنه استحب كونها بعد صلاة

стр. 857

فرض، قال لأنه روى أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث» اهـ. قلت: بل ظاهر الحديث استحباب الصلاة لأجل المسجد لا لأجل الإحرام، ويؤيد هذا حديث ابن السمط: أنه خرج مع عمر إلى ذي الحليفة فصلَّى ركعتين فسألته عن ذلك، فقال: «إنما أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ » (١) فليس فيه ذكر الإحرام. وإنما الذي قد يؤخذ من الحديث ما يأتي بعده: ٦ - إيقاع نية الإحرام عقب صلاة فريضة أو نافلة: فالأفضل أن يكون الإحرام عقب أداء فريضة أو نافلة لسبب مشروع، للأحاديث السابقة، ويؤيد هذا أيضًا أنه في حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة ..... فلما قعد عليها واستوت على البيداء أهلَّ بالحج» (٢). قلت: فالأظهر أن الصلاة التي صلاَّها ﷺ قبل إحرامه كانت صلاة الظهر، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يقصر بذي الحليفة -كما تقدم في صلاة المسافر- فصلاَّه ركعتين. وقد تقدم قوله ﷺ «أتاني آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» (٣) وهذه الصلاة يحتمل أن تكون فريضة أو نافلة، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «إن كان يصلي فرضًا أحرم عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصُّه وهذا أرجح» اهـ. ٧ - الحمد والتسبيح والتكبير -على الدابة- قبل الإهلال: لما في حديث أنس قال: «... ثم ركب حتى استوت به على البيداء، حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة» (٥). ٨ - استقبال القبلة عند الإهلال: فعن نافع قال: «كان ابن عمر إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمر براحلته

стр. 858

فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا يلبيِّ ... وزعم أن رسول الله ﷺ فعل ذلك» (١). ٩ - رفع الصوت بالتلبية: لحديث السائب بن خلاد قال: قال رسول الله ﷺ : «جائني جبريل فقال: يا محمد، مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» (٢). وهذا أمر ندب عند الجمهور، وأمر وجوب عند الظاهرية (٣) وعن جابر وأبي سعيد قالا: «قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخًا» (٤). هل ترفع المرأة صوتها بالتلبية؟: أجمع أهل العلم على أن المراة لا يلبِّي عنها غيرها، بل هي تلبِّي عن نفسها (٥). أمَّا: هل ترفع المرأة صوتها بالتلبية؟ فذهب الأكثرون (٦) إلى أنها لا ترفع صوتا بالتلبية واحتجوا بما يلي (٧): ١ - أن المرأة مأمورة بالستر، فيكره لها رفع الصوت مخافة الافتتان بها. ٢ - قول النبي ﷺ : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٨) فدلَّ على أنها لا ترفع صوتها بالتلبية إلحاقًا بحالها في الصلاة. ٣ - ما يروى عن ابن عمر أنه قال: «لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية» (٩) لكنه ضعيف. بينما ذهب آخرون -على رأسهم عائشة ﵂ إلى أن المرأة ترفع صوتها لما يأتي:

стр. 859

١ - لعموم قوله ﷺ : «جاءني جبريل فقال: يا محمد، مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» (١) وهو عام يشمل الرجال والنساء، وهذا ما فهمته عائشة ﵂. ٢ - فعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة، اعتمرت من التنعيم، فذُكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته» (٢). قال ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٩٣): وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات المؤمنين ولا حرج في ذلك، وقد روى عنهن وهنَّ في حدود العشرين سنة وفويق ذلك ولم يختلف أحد في جواز ذلك واستحبابه اهـ. ثم أورد آثارًا في هذا. قلت: أعدل الأقوال ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٦/ ١١٥): «والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها» اهـ. الحائض والنفساء تهلُّ وتلبي: تقدم أن الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام بالحج، وأنه يستحب لهما الاغتسال، وكذلك تهلُّ الحائض والنفساء بعد اغتسالها، فعن عائشة قالت: «نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهلَّ» (٣). وقال النبي ﷺ لعائشة -لما حاضت-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٤) قال الشافعي في «الأم» (٢/ ١٣٤): والتلبية مما يفعل الحاج. اهـ. لفظ التلبية (٥): عن نافع عن ابن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

стр. 860

قال: [وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغبة إليك والعمل]» (١). وفي حديث جابر الطويل: «... فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهلُّون به، فلم يردَّ رسول الله ﷺ -عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته ...» الحديث (٢). وفي رواية: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون به: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، فلم يردَّ رسول الله ..» (٣). وقد صح عن أبي هريرة أنه «كان من تلبيته ﵊: لبيك إله الحق» (٤). قلت: يستفاد من هذه الأحاديث أمران: ١ - جواز الزيادة على تلبية النبي ﷺ لإقراره لأصحابه على ذلك، ولما ثبت عن ابن عمر وغيره. ٢ - الاكتفاء بتلبية النبي ﷺ هو الأفضل لملازمته ﷺ لها، قال الشافعي ﵀: وإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله، فلا بأس إن شاء الله، وأحب أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ اهـ. وذهب مذهب الجمهور كما في «الفتح» (٣/ ٤٨٠). مواطن التلبية: يستحب الإكثار من التلبية من حين الإحرام فما بعده دائمًا في حال الركوب والمشي، والنزول والصعود وعلى كل حال، حتى يرمي جمرة العقبة -عند الجمهور- خلافًا للمالكية، ومما يدل على ذلك أنه ثبتت مشروعية التلبية في المواطن الآتية: ١ - أثناء الصعود والهبوط في الطريق: فعن ابن عباس مرفوعًا -في حديث الدجال-: «أما موسى كأني أنظر إليه إذا

стр. 861

انحدر في الوادي يلبِّي» (١) قال الحافظ (٢): وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود. اهـ. ٢ - في الطريق إلى عرفات: فعن أنس بن مالك أنه سئل -وهو غاد من منى إلى عرفات- عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: «كان يلبِّي الملبِّي لا ينكر عليه، ويكبِّر المكبِّر فلا ينكر عليه» (٣). ٣ - حين الإفاضة من عرفة حتى يرمي الجمرة: فعن ابن عباس أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال: «لم يزل النبي ﷺ يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة» (٤) قال النووي: وهو دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة (٥) غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعي وسفيان والثوري وأبي حنيفة وأبي ثور، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومن بعدهم ... وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف: يلبِّي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة .... ويجيب الجمهور بأن المراد: حتى شرع في الرمي، ليجمع بين الروايتين. اهـ. وعن ابن مسعود قال: «ونحن بجمع (٦): سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك» (٧). تنبيه: ذهب المالكية إلى أنه يقطع التلبية عند دخول مكة فيطوف ويسعى ثم يعاود حتى ظهر يوم عرفة، ودليلهم حديث نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك» (٨) قال الحافظ (٩): قوله (كان

стр. 862

يفعل ذلك): يحتمل أن الإشارة به إلى الفعل الأخير وهو الغسل ... ويحتمل أنها إلى الجميع وهوالأظهر. اهـ. لكنه قال ﵀ (١): الظاهر أنه أراد: يمسك عن التلبية، وكأنه أراد بالحرم المسجد، والمراد بالإمساك عن التلبية التشاغل بغيرها من الطواف وغيره لا تركها أصلاً، ... ، والظاهر أيضًا أن المراد بالإمساك: ترك تكرار التلبية ومواظبتها ورفع الصوت بها الذي يفعل في أول الإحرام لا ترك التلبية رأسًا، والله أعلم. اهـ. محظورات الإحرام هي الأمور التي منع الشارع المُحِرْمَ منها، وحرَّمها عليه ما دام محرمًا، وهذه المحظورات على قسمين: (أ) محظور يُفسد الحج: وهو الجماع قبل التحلل الأول (قبل رمي جمرة العقبة على الأرجح) وهو أشد المحظورات إثمًا وأعظمها تأثيرًا في النسك. قال الله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢). وقد صح عن ابن عباس وابن عمر وقتادة أن الرفث في الآية: الجماع (٣) وقيل الرفث: الإفحاش للمرأة في الكلام فيما يتعلق بالجماع وما أشبه ذلك، واختار ابن جرير أنه عام يشمل هذا كله. قال ابن قدامة (٤): «أما فساد الحج بالجماع في الفرج فليس فيه اختلاف، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع» اهـ. قلت: ههنا أمور: الأول: أما الاستدلال بالآية الكريمة، فعلى القول بأن الرفث فيها: الجماع، فإن غاية ما تدل عليه المنع لا أنه يفسد الحج، وإلا لزم في الجدال أنه يفسد الحج ولا قائل بذلك (٥) [غير ابن حزم]. الثاني: ليس في هذه المسألة حديث مسند صحيح مرفوع إلى رسول الله ﷺ .

стр. 863

الثالث: أن الإجماع الذي نقله ابن المنذر وغيره، هل ينتقض بما نقله الشوكاني في «نيل الأوطار» عن داود الظاهري؟ على أن هذا الإجماع -لو سلم- لم يستقر انعقاده على شيء بعينه، وقد حصل اختلاف في تفاصيله: فقال ابن عباس وأبوحنيفة: لا يبطل الحج بالوطء بعد عرفة. وقال مالك: إن وطئ يوم النحر قبل رمي الجمرة بطل حجُّه، وإن وطئ يوم النحر بعد رمي الجمرة لم يبطل حجه، وإن وطئ بعد يوم النحر قبل رمي الجمرة لم يبطل حجه؟! وقال الشافعي: إن وطئ ما بين أن يجزم إلى أن يرمي جمرة العقبة فسد حجه، وإن وطئ بعد الرمي فحجُّه تام. ثم اختلفوا فيما يجب على من جامع اختلافًا كثيرًا (١)، كما سيأتي. الرابع: ماذا على المجامع؟ وماذا يفعل؟ إذا جامع الرجل زوجته قبل التحلل الأول أثم وبطل حجُّه -عند الأكثرين- ويلزمها إتمام هذا لا حج -رغم فساده- لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٢). وعليهما الحج في العام القابل والهدي (بدنة). وبهذا أفتى ابن عمر وابن عمرو وابن عباس ﵃ فعن وعمرو بن شعيب عن أبيه فقال: «أتى رجل ابن عمر فسأله عن محرم وقع بامرأته؟ فأشار له إلى عبد الله ابن عمرو فسأله فقال: بطل حجُّه، قال: فيقعد؟ قال: لا، بل يخرج مع الناس فيصنع كما يصنعون، فإذا أدركه قابل، حجَّ وأهدى، فرجعا إلى عبد الله بن عمر فأخبراه، فأرسلنا إلى ابن عباس، فسأله فقال له مثل ما قال ابن عمرو، فرجع إليه فأخبره فقال له الرجل: ما تقول أنت؟ فقال: مثل ما قالا» (٣). وذهبت الظاهرية (٤) إلى أنه يفسد نسكه ويبطل وينصرف ولا يتمادى في حجه لأنه عمل فاسد، قالوا: وقد صح عن رسول الله ﷺ أن الحج إنما يجب مرة،

стр. 864

ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد ثم ألزمه حجًّا آخر فقد ألزمه حجتين وهذا خلاف أمر رسول الله ﷺ . اهـ. وذهب بعض التابعين (١) إلى أنه يتحلل بعمرة ويقضي، فيجعلونه بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بعمرة ويحل. قلت: ولا شك أن الأرجح ما صح عن ثلاثة من علماء الصحابة (٢) وأطبق عليه أكثر أهل العلم -إن لم يصح الإجماع- من أن المجامع يفسد حجه ويلزمه المضي فيه واتباع الصحابة في هذا أولى، لعمق عملهم وسداد رأيهم، لا سيما وهو الأحوط في الدين، والله أعلم. فوائد: ١ - إذا أُكرهت المرأة على الجماع: فإن حجَّها صحيح، ولا فدية عليها بخلاف زوجها على أصح القولين للعلماء (٣). ٢ - إذا جامع بعد التحلل الأول: قبل أن يطوع ويسعى، لم يفسد حجُّه لكنه يأثم «ويجب عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم -في إزار ورداء- ليطوف الإفاضة محرمًا لأنه أفسد ما تبقى من إحرامه فوجب عليه أن يجدده وعليه فدية» (٤). ٣ - إذا جامع قبل التحلل الأول ناسيًا لإحرامه (٥): إذا جامع المحرم قبل التحلل من العمرة، أو قبل التحلل الأول من الحج ناسيًا لإحرامه فالأصح أنه لا يفسد نسكه ولا شيء عليه لا كفارة ولا غيرها، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٦). (ب) محظورات لا تفسد الحج: ١ - لبس الرجل المخيط من الثياب: يحرم على الرجل لبس المخيط، وما هو

стр. 865

في معناه مما هو على قدر عضو من البدن (١)، فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا العمائم ولا القلنسوة ولا الجبة ولا الخفين ولا الجوربين ولا القفازين ونحو ذلك. لحديث ابن عمر: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لا يلبس القُمُص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه زعفران أو ورس» (٢). فائدة: هذا اللبس المُحرَّم على الرجل محمول على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو التحف بقميص أو ارتدى أو اتزر بسراويل مما ليس يعتاد لبسه عليه فلا شيء فيه، لأنه حينئذ يكون من جنس الإزار والرداء (٣). من لم يجد إلا السراويل والخفين: من لم يجد الإزار والرداء، فوجد السراويل والخفين -واحتاج للمشي- فيجوز له أن يلبس ما يجده، لحديث ابن عباس قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: «من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين» (٤) فدلَّ على جواز لبس السراويل -إذا لم يجد إزارًا- كما هي ولا يلزمه أن يشقها فيتزر بها -كما يقول الأحناف- ولا شيء عليه، لا فدية ولا غيرها لأنها -أي الفدية- لو وجبت لبينَّها النبي ﷺ لأنه وقت حاجة، وهذا مذهب الجمهور خلافًا للأحناف. وإذا لم يجد النعلين لبس الخفين، لكن هل يقطعهما -كما في حديث ابن عمر- أم لا لحديث ابن عباس (٥)؟ فذهب أحمد إلى أنه لا يلزم قطعهما، واختاره

стр. 866

ابن تيمية حيث قال: «والأفضل أن يحرم في نعلين إن تيسر ... فإن لم يجد نعلين لبس خفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين، فإن النبي ﷺ أمر بالقطع أولاً، ثم رخَّص بعد ذلك في عرفات ... وإنما رخص في المقطوع أولاً لأنه يصير بالقطع كالنعلين» اهـ. وقال بعضهم: قطع الخفين إفساد للمال وقد نهى عنه. اهـ. بينما ذهب الجمهور إلى أنه يجب قطع ما دون الكعبين (١)، حملاً للمطلق في حديث ابن عباس على المقيد في حديث ابن عمر، قلت: وهذا أولى من الأول والله أعلم. ٢ - تغطية الرجل رأسه بمُلاصق: فلا يلبس على رأسه قلنسوة (طاقية) ولا عمامة ونحوها لقوله ﷺ في حديث ابن عمر المتقدم قريبًا: «لا يلبس القمص ولا العمائم ...». ويغطي رأسه بخمار (غترة ونحوها) لعموم قوله ﷺ فيمن وقصته دابته بعرفة: «لا تخمروا رأسه» (٢) وهذا عام في كل غطاء ولا يقال: إنه يخصص بالعمائم دون سائر الأغطية، فإن العام لا يخصص بأحد أفراده إلا عند التعارض -كما تقرر في الأصول- ولا تعارض هنا، والله أعلم. فإن استظل بمنفصل عنه كمظلة أو شمسية أو سيارة أو شجرة ونحوها فلا بأس بذلك كما سيأتي. ٣ - لبس المرأة النقاب والبرقع والقفازين: لزيادة وردت في حديث ابن عمر المتقدم وهي قوله: «... ولا تنتقب المُحرمة، ولا تلبس القفازين» (٣) وقد اختلف فيها: هل هي من قول النبي ﷺ ؟ أم هي مدرجة من قول ابن عمر؟ ورجَّح الأخير الحافظ في «الفتح» (٤). واختلف العلماء في لبسها النقاب، فمنعه الجمهور، وأجازه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية (٥).

стр. 867

قلت: على القول بالمنع من النقاب للمحرمة، فإنه يجوز لها أن تسدل خمارها من على رأسها على وجهها عند مرور الرجال الأجانب، سواء كان ماسًّا لوجهها أم لا، لأنها إنما نهيت عن النقاب، ولا يسمى السدل نقابًا (١)، وسيأتي بعض الأدلة على ذلك قريبًا. ٤ - استعمال -المحرم أو المحرمة- الطيب على ثوب أو بدن: لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «... ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّهُ زعفران أو ورس» (٢). ولقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: «لا تحنِّطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (٣). ٥ - حلق شعر الرأس: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤). وقد أجمع المسلمون على تحريم حلق الرأس، يستوي في هذا الرجال والنساء، وتجب الفدية (٥). فإن تأذى المحرم ببقاء شعره جاز له إزالته، وفيه فدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٦). وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة لما مرَّ به النبي ﷺ -وهو محرم- والقمل يتهافت على وجهه، فقال ﷺ : «أتؤذيك هوامُّك هذه؟» قال: نعم، قال: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة» (٧). هل يُمنع من قص الشعر أو حلق غير الرأس؟ قال النووي (٨): «قال أصحابنا: ولا يختص التحريم بالحلق ولا بالرأس، بل

стр. 868

تحرم إزالة الشعر قبل وقت التحلل، وتجب به الفدية سواء شعر الرأس واللحية والشارب والإبط والعانة وسائر البدن، وسواء الإزالة بالحلق والتقصير والإبانة بالنتف أو الإحراق وغيرهما، ولا خلاف في هذا كله عندنا» اهـ. قلت: ولا شك أن الدليل أخص من الحكم، فلا يصح الاستدلال، إلا أن يقال: (الدليل هنا القياس)، فنقول: إذن لابد أن يتساوى الأصل والفرع في العلة، فمن جعل العلة في النهي عن حلق الرأس: منه الترف (وهو قول الأكثرين) منع حلق سائر الشعر، ومن جعل العلة: أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نُسكًا مشروعًا وهوالحلق أو التقصير، قال: لا يحرم إلا حلق الرأس، وأيَّدوا هذا بأن الأصل الحل فيما يؤخذ من الشعور فلا يمنع إلا بدليل (١). قلت: وهذا القول له وجهه، لكن هل يعكِّر عليه حديث. وعلى كلٍّ فالأحوط العمل بقول الجمهور في هذه المسألة، فيمنع الأخذ من شعر رأسه وشاربه وإبطه وعانته، والله أعلم. فائدة: إذا حك المحرم رأسه فلا حرج عليه وإن سقط بعض شعره إذا لم يقصده. ٦ - تقليم الأظفار: نقل ابن المنذر إجماعًا على منع المحرم من أخذ الأظفار، وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم: حماد ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وروى عن عطاء، وعنه: لا فدية عليه، لأن الشرع لم يرد فيه بفدية» اهـ (٢). قلت: إن صح الإجماع فهو حجة ملزمة، وإلا فالبحث فيه كالذي تقدم في حلق سائر الشعور. وقد خالف في هذا داود الظاهري فأجاز تقليم الأظفار كلها وقال: لا فدية فيها (٣) قال النووي (٤): «وقد نقل ابن المنذر وغيره إجماع المسلمين على تحريم

стр. 869

قلم الظفر في الإحرام، فلعلهم لم يعتدُّوا بداود، وفي الاعتداد به في الإجماع خلاف ...» اهـ. قلت: وخالف في هذا أيضًا ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٤٦) فأجاز قص الأظفار. فائدة: احتج الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (٥/ ٤٠٤) على المنع من تقليم الظفر بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١). بناء على تفسير بعض الصحابة والتابعين قضاء التفث بأنه: حلق الرأس وتقليم الأظفار ونتف الإبط ... فقال ﵀: «وعلى التفسير المذكور فالآية تدل على أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم، لا سيما أنها معطوفة بـ «ثم» على نحر الهدايا، فدلَّ على أن الحلق وقص الأظفار ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر» اهـ. فائدة: إذا انكسر ظفره، فله إزالته، ولا شيء عليه. ٨ - دواعي الجماع: قال النووي: «فتحرم المباشرة بشهوة كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد بشهوة قبل التحللين، وفيما بين التحللين خلاف، ومتى ثبت التحريم فباشر عمدًا بشهوة لزمته الفدية، وهي شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام، ولا يلزمه البدنة بلا خلاف سواء أنزل أو لا وإنما تجب البدنة في الجماع، ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف سواء أنزل أم لا، هذا كله إذا باشر عالمًا بالإحرام، فإن كان ناسيًا فلا فدية بلا خلاف ...» (٢). قلت: ودليل تحريم ذلك أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ كما تقدم. لكن لا أعلم دليلاً من الكتاب أو السنة يوجب على من باشر بشهوة -فيما دون الجماع- دمًا، اللهم إلا القاعدة التي عند الفقهاء بأن فعل المحرم في الإحرام يوجب الكفارة، وإن كانتغير مسلَّمة. وقد ذهب مالك إلى أنه إن باشر أو قبَّل أو لمس فأنزل فقد فسد حجُّه وعليه الحج من قابل، وإن قبَّل أو باشر أوتلذذ فلم ينزل ولم يولج فعليه دم (٣)؟! أما ابن حزم فأباح كل ما كان دون الجماع، بناء على أن الرفث: الجماع لا غير (٤).

стр. 870

٩، ١٠ - الخطبة وعقد الزواج: لحديث عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب» (١) قال الترمذي: «والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل» اهـ. وقد عارض هذا الحديث حديثُ ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ تزوَّج ميمونة وهو محرم» (٢) وبه قال أبو حنيفة والثوري فأجازوا نكاح المحرم. لكن أجاب عنه الجمهور بعدة أجوبة، منها ما جرى على مسلك الترجيح (٣) ومن ذلك: ١ - أن قول ابن عباس هذا مما استدرك عليه، وعدَّ من وهمه، قال سعيد بن المسيب: ووهم ابن عباس -وإن كانت خالته- ما تزوجها رسول الله ﷺ إلا بعد ما حلَّ. وقال أحمد: هذا لحديث خطأ. ٢ - أن ابن عباس كان حينئذ ابن عشر سنين، وقد يخفى على مثله تفاصيل الأمور التي جرت في زمنه. ٣ - أن ميمونة نفسها وأبا رافع -سفير النبي ﷺ لزواجها- أثبتا أنه تزوجها في الحِلِّ: فعن يزيد بن الأصم قال حدثتني ميمونة بنت الحارث «أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال» قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس (٤). وعن أبي رافع قال: «تزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما» (٥).

стр. 871

٤ - أن النبي ﷺ إنما تزوجها في عمرة القضاء -بلا خلاف- ومكة يومئذ دار حرب وإنما هادنهم ﵇ على أن يدخلها معتمرًا ويبقى بها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج فأتى من المدينة محرمًا بعمرة ولا شك أنه تزوجها بعد ما أتم عمرته ثم رجع بها معه من مكة، وإنماكان يحرم من ذي الحليفة، فكان ظاهر الحال أنه تزوجها في إحرامه، أما من روى أنه تزوجها حلالاً فقد اطلع على حقيقة الأمر وأخبر به. ٥ - على فرض صحة حديث ابن عباس (١) فقد تعارض الفعل مع القول -في حديث عثمان- فيجب تقديم القول، لأن الفعل موافق للبراءة الأصلية، وهي كون النكاح حلالاً في كل حال، والقول ناقل عن الأصل فيكون حديث ابن عباس منسوخًا ولا يجوز تقديم الفعل هنا لأنه يلزم منه تغيير الحكم مرتين وهو خلاف قاعدة الأحكام. قلت: وهذا أقوى الأجوبة، لموافقته الأصول. ويؤيده كذلك أن تحريم زواج المُحرم قد ثبت العمل به عند الخلفاء الراشدين، فعن أبي غطفان عن أبيه: «أن عمر فرَّق بينهما، يعني: رجلاً تزوج وهو محرم» (٢). وعن علي قال: «لا ينكح المحرم، فإن نكح ردَّ نكاحه» (٣). ١١، ١٢ - اقتراف المعاصي، والمخاصمة والجدال: لقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٤). ومن العلماء من سلك مسلك الخصوصية ورأى أن فعل النبي ﷺ لا يعارض الأمر الخاص بالأمة، لا سيما وللنبي ﷺ في النكاح خصوصياته المعروفة، لكن الترجيح السابق أولى لافتقار الخصوصية إلى الدليل، والله تعالى أعلم.

стр. 872

١٣ - التعرض لصيد الحيوان البرِّي: سواء بالقتل أو الذبح أو الإشارة أو الدلالة، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢). ولحديث أبي قتادة الذي فيه: «... فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يُحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُر وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمر فعقر منها أتانًا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حُمُر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: «منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» (٣). جزاء قتل الصيد: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٤). والآية الكريمة تدل على أن قاتل الصيد مخيَّر في الجزاء بين أحد أمور ثلاثة، بأيها شاء كفَّر، سواء كان موسرً أو معسرًا، وهذه الأمور هي: [١] ذبح مثل ما قتل -إن كان له مثل من النَعَم- والتصدق به على الفقراء الحرم، وله أن يذَبحه في أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر. والمراد بالمثل: الأشبه في الصورة والخلقة لا في القيمة فيذبح أشبه النعم بما صاده من أغلب الوجوه، فيذبح في صيد الضبع كبشًا، وفي الغزال عنزًا وفي النعامة ناقة وهكذا فعن جابر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: «هو صيد، ويُجْعَل فيه كبش، إذا صاده المحرم» (٥).

стр. 873

وعن جابر: «أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة» (١). وقد قضى السلف من الصحابة والتابعين (٢) في النعامة ببدنة (ناقة) وهو قول مالك والشافعي، قال ابن حزم: «ولا شيء أشبه بالنعامة من الناقة في طول العنق والهيئة والصورة» اهـ. وفي حمار الوحش والإبل وبقر الوحش: بقرة. وقد حكم عمر ﵁ في الحمامة بشاة (٣)، وكذا حكم ابن عباس ﵄ (٤) فما كان من الصيد لم تحكم فيه الصحابة -مما تقدم وغيره- أقمنا حكمين عدلين خبيرين للحكم في المثل فإن لم يجدا له شبهًا من النعم، فيجب فيه قيمته، ولا يجوز أن يتصدق بها دراهم، بل يقوِّم بها طعامًا ثم يخيَّر بين الأمرين الآخرين من الثلاثة. [٢] أن يقوِّم المثل بالدراهم والدراهم بطعام ويتصدق به على المساكين لكل مسكين مُدًّا، ولا يجزئ إخراج القيمة (٥). [٣] أن يصوم بدل ذبح المثل والإطعام: عن كل مُدٍّ يومًا عند جمهور العلماء. والإطعام والصيام يفعلان في أي موضع شاء؛ لأن الله تعالى لم يحُد لهما موضعًا (٦).

стр. 874

إذا اشترك جماعة في قتل صيد: فليس عليهم إلا جزاء واحد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). فليس في الصيد إلا مثله لا أمثاله، وعن عمار ابن أبي عمار أن موالى لابن الزبير قتلوا ضبعًا وهم محرمون فسألوا ابن عمر؟ فقال: اذبحوا كبشًا، فقالوا: عن كل إنسان منا؟ فقال: «بل كبش واحد عن جميعكم (٢)»). وهذا في أول دولة ابن الزبير، ولا يعرف لابن عمر مخالف من الصحابة، وهو مذهب الشافعي وجماعة من السلف. فالجزاء والإطعام يشترك فيه القاتلون، أما إذا اختاروا الصيام فعلى كل واحد منهم الصيام كله، لأن الصيام لا يُشترك فيه ولا يمكن ذلك بخلاف الأموال. من قتل صيدًا بعد صيد: فعليه لكل مرة جزاء، وليس قول الله تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٣). بمسقط للجزاء عنه، فإن الله تعالى لم يقل: لا جزاء عليه، بل قد أوجب الجزاء على القاتل للصيد عمدًا، فهو على كل قاتل مع النقمة على العائد (٤). من قتل الصيد ناسيًا؟ ذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه، وحجتهم في ذلك (٥). ١ - قالوا: قد أوجب الله تعالى الكفارة على قاتل المؤمن خطأ، فقسمنا عليه قاتل الصيد الخطأ. ٢ - قالوا: لما كان متلف أموال الناس يلزمه ضمانها بالخطأ والعمد، وكان الصيد ملكًا لله تعالى، وجب ضمانه بالعمد والخطأ. ٣ - قال بعضهم: إنما نص على المتعمد ليعلم إن حكم المخطئ مثله. بينما ذهب ابن حزم إلى أن الناسي لإحرامه وغير المتعمد لا جزاء عليه ولا إثم لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ (٦). قال: لأن إذاقة الله تعالى وبال

стр. 875

الأمر وعظيم وعيده بالانتقام منه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أنه ليس على المخطئ البتة ولا على غير العامد للمعصية القاصد إليها ... وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). اهـ. ونقل هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وسعيد ابن جبير وابن المسيب وطاوس والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعطاء ومجاهد. ثم أجاب عن حجج الجمهور بكلام في غاية السداد فليراجع، والله ولي التوفيق. ما لا يحرم قتله أو صيده للمحرم: ١ - الحيوان الإنس أصلاً: تقدم أنه يحرم قتل أو صيد الحيوان البريِّ، أما الإنس كالإبل والبقر والغنم والدجاج فلا يحرم شيء منه إن لم يكن وحشيًّا، فإن ندَّ بعير من صاحبه -وهو محرم- فأدركه وقتله رميًا فهو حلال، حتى لو توحش هذا البعير لأن الأصل أنه أنسي (٢). ٢ - صيد البحر: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٣). ٣ - قتل مُحرَّم الأكل: كالسباع وذوات الناب والمخلب، لأنه لا قيمة له وليس بصيد، وهو مذهب الشافعي وقول للحنابلة خلافًا للجمهور الذين أوجبوا فيه الفدية (٤). ٤ - ما أُمر بقتله وما يؤذي: وقد نص النبي ﷺ على خمس يقتلن في الحل والحرم، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق تقتلن في الحِلِّ والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (٥). قال شيخ الإسلام (٦): «وجملة أن ما أذى الناس أو آذى أموالهم فإن قتله مباح سواء كان قد وجد منه الأذى كالسبع الذي قد عدا على المحرم، أو لا يؤمن أذاه مثل الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور، فإن هذه الدواب ونحوها تدخل

стр. 876

بين الناس من حيث لا يشعرون وتعم بلواهم بها، فأذاهم بها غير مأمون، قال أصحابنا: قتلها مستحب» اهـ. وكذلك قتل البعوض والذباب والبراغيث والقمل إذا كانت تؤذيه لا حرج فيه ولا شيء عليه (١). ٥ - قتل الآدمي الصائل: للإنسان أن يدفع عنه كل ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله، فإن النبي ﷺ قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢). ١٤ - الأكل مما صيد من أجله أو بإشارته أو إعانته: لما تقدم في حديث أبي قتادة من قوله ﷺ : «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا» (٣). فإذا صاد المُحلُّ صيدًا فأطعمه المحرم، فإنه يجوز له الأكل منه إذا لم يكن قد صيد من أجله. فعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: «خرجنا مع طلحة بن عبيد الله -ونحن حرم- فأُهدي له طير، وطلحة راقد، فمنَّا من أكل، ومنَّا من تورَّع، فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ » (٤) وهو محموا على أنه لم يُصَدْ من أجله. فإن كان صاده من أجل إطعامه المحرم لم يجُز الأكل منه، وعليه يحمل حديث الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا فردَّه إليه رسول الله ﷺ فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهه قال: «إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُم» (٥) فهو محمول على أنه كان صاده من أجل النبي ﷺ وهو مُحرم فلم يجز.

стр. 877

وهذا هو مذهب جمهور العلماء ورجَّحه ابن القيم (١) وقال: آثار الصحابة كلها في هذا إنما تدل على هذا التفصيل. اهـ. أمور لا بأس بها للمُحْرِم (المباحات): وهذه أمور يتحرَّج منها بعض الحجاج، ولا حرج منها، فمن ذلك: ١ - الاغتسال لغير احتلام، وتغيير إزاره وردائه: فعن عبد الله بن حنين عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة أنهما اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، ثم قال لإنسان يصب: صب، فصبَّ على رأسه ثم حرَّك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل، [فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا]» (٢) وفيه دليل على جواز الاغتسال للمحرم. وعن ابن عباس قال: «ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أُباقيك في الماء أيُّنا أطول نفسًا ونحن محرمون» (٣). ٢ - الامتشاط: فقد أمر النبي ﷺ عائشة ﵂ فقال: «انقضى رأسك وامتشطي» (٤) وهو جائز إذا أمن من سقوط شيء من شعره، وأما إذا لم يأمن فهو محل نزاع واجتهاد، والأظهر جوازه لعدم الدليل على المنع. ٣ - حكُّ الرأس والجسد: فعن عائشة أنها سئلت عن المحرم يحكُّ جسده؟ فقالت: «نعم، فليحككه وليشدد» (٥). ويدل لهذا حديث أبي أيوب المتقدم، ولذا قال شيخ الإسلام (٦): «وله أن يحك بدنه إذا حكَّه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره» اهـ.

стр. 878

وقال النووي: «وأما حك المحرم رأسه فلا أعلم خلافًا في إباحته ... لكن قالوا: يرفق لئلا ينتتف شعره» (١). ٤ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم: لحديث ابن بجينة ﵁ قال: «احتجم النبي ﷺ (وهو مُحرم بلحى جمل) -موضع بطريق مكة- في وسط رأسه» (٢). قال شيخ الإسلام (٣): «وله أن يحك بدنه إذا حكَّه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعر الذكر جاز، فإنه قد ثبت في الصحيح (ثم ساق الحديث السابق وقال:) ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر ...» اهـ. وذهب الجمهور إلى جواز الاحتجام بشرط ألا يتضمن قطع الشعر، وإلا لزمه الفدية، وردَّه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٥٧) بقوله عقب الحديث السابق: «لم يخبر ﵇ أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان ﵇ كثير الشعر أفرع، وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإحرام، والقفا ليس رأسًا ولا هو من الرأس ...» اهـ. فائدة: ويدخل فيما تقدم نزع الضرس وفقء الدمل فإنه لا حرج فيه. ٥ - شم الريحان والطيب لحاجة لا للتلذذ به: فعن ابن عباس قال: «المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا» (٤). وشم الطيب له ثلاث حالات (٥): ١ - أن يشمه بلا قصد منه، فهذا لا حرج فيه. ٢ - أن يقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفيه، بل لاختباره ونحو ذلك، وهذا لا بأس كذلك.

стр. 879

٣ - أن يشمه قاصدًا التلذذ به، فيمنع منه في أقرب قولي العلماء، ولقائل أن يقول: إنه لا بأس لأنه ليس استعمالاً ولا تأثير للشم في الثوب أو البدن. ٦ - طرح الظفر إذا انكسر: ويدل عليه أثر ابن عباس السابق، وقد سئل سعيد بن المسيب عن ظفر انكسر وهو محرم؟ فقال: «اقطعه» (١). ٧ - تغطية الوجه للرجل: لا بأس أن يغطي الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك، ليتقي الشمس أو الغبار أو نحوه وهو محرم، وهذا مروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن الزبير، وجابر، وابن عباس وجمهور التابعين وهو مذهب الثوري والشافعي (٢). وأحد القولين في مذهب أحمد (٣). بينما ذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك إلى أن المحرم لا يغطي وجهه، وهو مروي عن ابن عمر، ويُستدل له بزيادة وردت في حديث المحرم الذي وقصته ناقته فمات، فقال النبي ﷺ : «ولا تخمروا رأسه» ففي رواية «ولا تغطوا وجهه» بدل (ولا تخمروا رأسه» وفي رواية الجمع بينهما، وهذه الزيادة مختلف في صحتها (٤)، فمن ضعَّفها قال: لا بأس بتغطية الوجه، ومن صحَّحها: فمنهم من منع تغطية الرجل المحرم وجهه، ومنهم من خص المنع بالمحرم الميت دون الحي أخذًا بظاهر اللفظ وهومذهب ابن حزم، ومنهم من قال: إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه لا يقصد كشف وجهه، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأس، ولا بد من تأويله، لأن مالكًا وأبا حنيفة يقولان: لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه، والجمهور يقولون: يباح ستر الوجه دون الرأس، فتعين تأويل الحديث، قاله في «المجموع» (٧/ ٢٨١). ٨ - إسدال المرأة من على رأسها على وجهها (٥): وقد تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس النقاب وما في معناه كالبرقع ونحوه

стр. 880

وأنه يجوز لها أن تسدل خمارها من على رأسها على وجهها عند مرور الأجانب بها، سواء كان ماسًّا لوجهها أم لا، وهذا أصح قولي العلماء، لأن السدل لا يسمى نقابًا فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» (١). وقالت عائشة: «كان الركبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا، أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (٢). ٩ - لبس المرأة ما شاءت من الثياب من أي لون: فعن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة» (٣). وعن أسماء بنت أبي بكر: «أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهي محرمة، ليس فيها زعفران» (٤). وعن يزيد الفقير قال: «سافرت مع أم سلمة -زوج النبي ﷺ فكان بعض من معها يلبس المعصفر» (٥). وعن عطاء -في قصة طواف عائشة ﵂ مع الرجال- «.. ورأيت عليها درعًا مُورَّدًا» (٦). ولا يختص لباس المرأة المحرمة بالبياض كما يعتقد كثير من النساء -وخصوصًا المصريات- بل لها أن تلبس ما شاءت ما دام قد توفر فيه شروط اللباس الشرعي. ١٠ - لبس المرأة السراويل والخفين: يجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت من سراويل وغيرها، وليست تُمنع مما يمنع منه الرجل من لبس المخيط (٧) -غير أنها لا تنتقب ولا تلبس القفازين كما تقدم-.
следующие страницы →