← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

بين الناس من حيث لا يشعرون وتعم بلواهم بها، فأذاهم بها غير مأمون، قال أصحابنا: قتلها مستحب» اهـ. وكذلك قتل البعوض والذباب والبراغيث والقمل إذا كانت تؤذيه لا حرج فيه ولا شيء عليه (١). ٥ - قتل الآدمي الصائل: للإنسان أن يدفع عنه كل ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله، فإن النبي ﷺ قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢). ١٤ - الأكل مما صيد من أجله أو بإشارته أو إعانته: لما تقدم في حديث أبي قتادة من قوله ﷺ : «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا» (٣). فإذا صاد المُحلُّ صيدًا فأطعمه المحرم، فإنه يجوز له الأكل منه إذا لم يكن قد صيد من أجله. فعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: «خرجنا مع طلحة بن عبيد الله -ونحن حرم- فأُهدي له طير، وطلحة راقد، فمنَّا من أكل، ومنَّا من تورَّع، فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ » (٤) وهو محموا على أنه لم يُصَدْ من أجله. فإن كان صاده من أجل إطعامه المحرم لم يجُز الأكل منه، وعليه يحمل حديث الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا فردَّه إليه رسول الله ﷺ فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهه قال: «إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُم» (٥) فهو محمول على أنه كان صاده من أجل النبي ﷺ وهو مُحرم فلم يجز.

стр. 877

وهذا هو مذهب جمهور العلماء ورجَّحه ابن القيم (١) وقال: آثار الصحابة كلها في هذا إنما تدل على هذا التفصيل. اهـ. أمور لا بأس بها للمُحْرِم (المباحات): وهذه أمور يتحرَّج منها بعض الحجاج، ولا حرج منها، فمن ذلك: ١ - الاغتسال لغير احتلام، وتغيير إزاره وردائه: فعن عبد الله بن حنين عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة أنهما اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، ثم قال لإنسان يصب: صب، فصبَّ على رأسه ثم حرَّك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل، [فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا]» (٢) وفيه دليل على جواز الاغتسال للمحرم. وعن ابن عباس قال: «ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أُباقيك في الماء أيُّنا أطول نفسًا ونحن محرمون» (٣). ٢ - الامتشاط: فقد أمر النبي ﷺ عائشة ﵂ فقال: «انقضى رأسك وامتشطي» (٤) وهو جائز إذا أمن من سقوط شيء من شعره، وأما إذا لم يأمن فهو محل نزاع واجتهاد، والأظهر جوازه لعدم الدليل على المنع. ٣ - حكُّ الرأس والجسد: فعن عائشة أنها سئلت عن المحرم يحكُّ جسده؟ فقالت: «نعم، فليحككه وليشدد» (٥). ويدل لهذا حديث أبي أيوب المتقدم، ولذا قال شيخ الإسلام (٦): «وله أن يحك بدنه إذا حكَّه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره» اهـ.

стр. 878

وقال النووي: «وأما حك المحرم رأسه فلا أعلم خلافًا في إباحته ... لكن قالوا: يرفق لئلا ينتتف شعره» (١). ٤ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم: لحديث ابن بجينة ﵁ قال: «احتجم النبي ﷺ (وهو مُحرم بلحى جمل) -موضع بطريق مكة- في وسط رأسه» (٢). قال شيخ الإسلام (٣): «وله أن يحك بدنه إذا حكَّه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعر الذكر جاز، فإنه قد ثبت في الصحيح (ثم ساق الحديث السابق وقال:) ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر ...» اهـ. وذهب الجمهور إلى جواز الاحتجام بشرط ألا يتضمن قطع الشعر، وإلا لزمه الفدية، وردَّه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٥٧) بقوله عقب الحديث السابق: «لم يخبر ﵇ أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان ﵇ كثير الشعر أفرع، وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإحرام، والقفا ليس رأسًا ولا هو من الرأس ...» اهـ. فائدة: ويدخل فيما تقدم نزع الضرس وفقء الدمل فإنه لا حرج فيه. ٥ - شم الريحان والطيب لحاجة لا للتلذذ به: فعن ابن عباس قال: «المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا» (٤). وشم الطيب له ثلاث حالات (٥): ١ - أن يشمه بلا قصد منه، فهذا لا حرج فيه. ٢ - أن يقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفيه، بل لاختباره ونحو ذلك، وهذا لا بأس كذلك.

стр. 879

٣ - أن يشمه قاصدًا التلذذ به، فيمنع منه في أقرب قولي العلماء، ولقائل أن يقول: إنه لا بأس لأنه ليس استعمالاً ولا تأثير للشم في الثوب أو البدن. ٦ - طرح الظفر إذا انكسر: ويدل عليه أثر ابن عباس السابق، وقد سئل سعيد بن المسيب عن ظفر انكسر وهو محرم؟ فقال: «اقطعه» (١). ٧ - تغطية الوجه للرجل: لا بأس أن يغطي الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك، ليتقي الشمس أو الغبار أو نحوه وهو محرم، وهذا مروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن الزبير، وجابر، وابن عباس وجمهور التابعين وهو مذهب الثوري والشافعي (٢). وأحد القولين في مذهب أحمد (٣). بينما ذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك إلى أن المحرم لا يغطي وجهه، وهو مروي عن ابن عمر، ويُستدل له بزيادة وردت في حديث المحرم الذي وقصته ناقته فمات، فقال النبي ﷺ : «ولا تخمروا رأسه» ففي رواية «ولا تغطوا وجهه» بدل (ولا تخمروا رأسه» وفي رواية الجمع بينهما، وهذه الزيادة مختلف في صحتها (٤)، فمن ضعَّفها قال: لا بأس بتغطية الوجه، ومن صحَّحها: فمنهم من منع تغطية الرجل المحرم وجهه، ومنهم من خص المنع بالمحرم الميت دون الحي أخذًا بظاهر اللفظ وهومذهب ابن حزم، ومنهم من قال: إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه لا يقصد كشف وجهه، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأس، ولا بد من تأويله، لأن مالكًا وأبا حنيفة يقولان: لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه، والجمهور يقولون: يباح ستر الوجه دون الرأس، فتعين تأويل الحديث، قاله في «المجموع» (٧/ ٢٨١). ٨ - إسدال المرأة من على رأسها على وجهها (٥): وقد تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس النقاب وما في معناه كالبرقع ونحوه

стр. 880

وأنه يجوز لها أن تسدل خمارها من على رأسها على وجهها عند مرور الأجانب بها، سواء كان ماسًّا لوجهها أم لا، وهذا أصح قولي العلماء، لأن السدل لا يسمى نقابًا فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» (١). وقالت عائشة: «كان الركبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا، أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (٢). ٩ - لبس المرأة ما شاءت من الثياب من أي لون: فعن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة» (٣). وعن أسماء بنت أبي بكر: «أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهي محرمة، ليس فيها زعفران» (٤). وعن يزيد الفقير قال: «سافرت مع أم سلمة -زوج النبي ﷺ فكان بعض من معها يلبس المعصفر» (٥). وعن عطاء -في قصة طواف عائشة ﵂ مع الرجال- «.. ورأيت عليها درعًا مُورَّدًا» (٦). ولا يختص لباس المرأة المحرمة بالبياض كما يعتقد كثير من النساء -وخصوصًا المصريات- بل لها أن تلبس ما شاءت ما دام قد توفر فيه شروط اللباس الشرعي. ١٠ - لبس المرأة السراويل والخفين: يجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت من سراويل وغيرها، وليست تُمنع مما يمنع منه الرجل من لبس المخيط (٧) -غير أنها لا تنتقب ولا تلبس القفازين كما تقدم-.

стр. 881

ولها كذلك أن تلبس الخفين، ولا تقطع ما فوق الكعبين منهما: فعن ابن عمر قال: «لا بأس أن تلبس المحرمة الخفين والسراويل» (١). وعن سالم عن أبيه: أنه كان يفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين، حتى أخبرته صفية عن عائشة أنها كانت تفتي النساء أن لا يقطعن فانتهى عنه» (٢). ١١ - لبس المرأة المُحرمة الحليَّ إن شاءت: فعن صفية بنت شيبة أن امرأة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن ابنتي فلانة حلفت أن لا تلبس حليها في الموسم (وفي رواية: في إحرامها)، فقالت عائشة: قولي لها: «إن أم المؤمنين تقسم عليك ألا لبست حليك كلَّه» (٣). وعن نافع أن «نساء عبد الله بن عمر وبناته، كُنَّ يلبس الحلي وهنَّ محرمات» (٤). وعن مالك بن مغول قال: سألت ابن الأسود: تلبس المحرمة من لمحلي؟ فقال: «ما كانت تلبس وهي مُحِلَّة» (٥). وقد صح عن عطاء أنه كان يكره الحلي المشهور، أي الذي تشتهر به المرأة من بين النساء (٦). ١٢ - خضاب المحرمة بالحناء ونحوها إن شاءت: للمحرمة أن تختضب بالحناء وغيرها لعدم ورود النهي عنه عن رسول الله ﷺ ، ولأن الحناء ليست بطيب وهو مذهب الشافعي والحنابلة (٧)، إلا أن بعضهم كرهه لأنه من الزينة. وقال الأحناف والمالكية: لا يجوز الخضاب للمحرم رجلاً كان أم امرأة. قلت: الظاهر أنه لا دليل على المنع لا للرجل ولا للمرأة، وعليه فلو لفت المرأة الخرق مع الحناء على يديها فإنه لا حرج فيه ولا فدية في أقرب أقوال العلماء.

стр. 882

لكن هل يعكِّر على هذا قول النبي ﷺ : «طيب المرأة ما ظهر لونه وخفى ريحه» (١)؟! فتكون الحناء طيبًا بهذا النص؟! قلت: الأظهر: لا يعكر كون الحناء من الطيب، لأن المنهي عنه ما له رائحة كما تقدم، والله أعلم. ١٣ - الاكتحال للحاجة: لا بأس أن يكتحل المحرم من وجع يجده في عينيه، وقد اتفق العلماء -كما نقله النووي- على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية عليه في ذلك (٢). وعن شميسة قالت: «اشتكيت عيني وأنا محرمة، فسألت عائشة أم المؤمنين عن الكحل، فقالت: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد، أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة ونحن نكرهه، وقالت: إن شئت كحلتك بصبر، فأبيت» (٣). وعن ابن عمر قال: «يكتحل المحرم بأي كحل شاء ما لم يكن فيه طيب» (٤). قلت: الأحوط أن يقيد جواز الاكتحال بالحاجة من وجع ونحوه، فقد ورد عن النبي ﷺ ما يشعر بكراهته، وإن لم يكن صريحًا، كحديث جابر في حجة النبي ﷺ ففيه: «... وقدم عليٌّ من اليمن ببُدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حلَّ ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت إن أبي أمرني بهذا ...» الحديث (٥). قال في «المغنى» (٣/ ٣٢٧): وهذا يدل على أنها كانت ممنوعة من ذلك. اهـ. يعني حال الإحرام. وفي صحيح مسلم أن عمر بن عبيد الله اشتكى عينيه وهو محرم -وقد خرج أبان بن عثمان: «... فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدها بالصبر، وحدَّث عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ فعل ذلك» (٦).

стр. 883

١٤ - الاستظلال بالخيمة أو المظلة (الشمسية) وفي السيارة: وهذا لا حرج فيه، فعن أم الحصين ﵂ قالت: «حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً ﵄ وأحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» (١). قلت: فعلم أن ما يفعله بعض الحجاج من تكلف ركوب ما لا سقف له من السيارات، تنطع وتشدد لم يأذن به الله تعالى. ١٥ - شد الحزام على إزاره، ولبس الخاتم والساعة والنظارة: لعدم النهي عن ذلك، وورود بعض الآثار بجواز بعض ذلك، فعن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الهميان للمحرم؟ فقالت: «وما بأس؟ ليستوثق من نفقته» (٢). وعن عطاء قال: يتختم -يعني المحرم- ويلبس الهميان (٣). قال الألباني -رحمه الله تعالى-: «ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة [يعني الحزام] مع عدم ورود ما ينهى عنهما ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٤). اهـ. ١٦ - قتل ما يؤذي من الحيوان كالفواسق وغيرها مما تقدم. دخول مكة سنن دخول مكة: ١، ٢، ٣ - المبيت بذي طوى، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارًا: لحديث نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك» (٥).

стр. 884

٤ - دخول مكة من الثنية العليا: لحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السلفى» (١). ٥ - تقديم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام والدعاء بقوله: «بسم الله، اللهم صلِّ على محمد وسلِّم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٢). ٦ - رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة: لثبوته عن ابن عباس (٣)، فيدعو بما تيسر، وإن قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام» (٤) فهوحسن لثبوته عن ابن عمر. ٧ - أن يطوف بالبيت: وهو طواف القدوم وسيأتي عقبه. الركن الثاني: الطواف (طواف الإفاضة) تعريف الطواف: الطواف لغة: الدوران حول الشيء، وفي الاصطلاح: هو الدوران حول البيت الحرام على الوجه الذي يأتي الكلام عليه. أنواع الطواف: الأطوافة المشروعة في الحج ثلاثة: ١ - طواف القدوم: ويسمى طواف الورود، وطواف التحية، لأنه شرع للقادم من غير مكة لتحية البيت، وهو مستحب للآفاقي القادم من خارج مكة عند جمهور العلماء -خلافًا للمالكية الذين أوجبوه وقالوا: من تركه لزمه دم- تحيةً للبيت العتيق. والأصل في هذا فعل النبي ﷺ ، ففي حديث جابر: «حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» (٥).

стр. 885

وعن عائشة ﵂: «أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ مكة أنه توضأ ثم طاف ... الحديث» (١). فاستدل المالكية على الوجوب بذلك مع قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (٢). وقال الجمهور: إن القرينة قد قامت على أنه غير واجب، لأن المقصود التحية، فأشبه تحية المسجد فيكون سنة، وهو الراجح، والله أعلم. فائدة: من ذهب من الميقات رأسًا إلى منى أو عرفات ولم يدخل مكة قبله، فلا يستحب في حقه -ولا في حق المتمتع- أن يطوف للقدوم بعد الوقوف بعرفة (٣). فإن طواف القدوم يفوت بالوقوف بعرفة. ٢ - طواف الإفاضة (طواف الركن): ويسمى طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج بالاتفاق، ولا يتحلل الحاج بدونه التحلل الأكبر، ولا ينوب عنه شيء البتة، وقد ثبتت ركنية بالكتاب والسنة والإجماع (٤). قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥). وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية في طواف الإفاضة. وفي حديث عائشة ﵂ أن صفية بنت حيي ﵂ حجت مع النبي ﷺ فحاضت، فقال رسول الله ﷺ : «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا، إذن» (٦). فدلَّ على أن طواف الإفاضة فرض لابد منه، ولولا فرضيته لم يمنع من لم يأت به عن السفر. وقت طواف الإفاضة (٧): (أ) أول وقته: لا يصح طواف الإفاضة قبل الوقت المحدد له شرعًا، وهو وقت موسع يبتدئ من طلوع الفجر يوم النحر عند الحنفية والمالكية، وذهب

стр. 886

الشافعية والحنابلة إلى أن وقته يبدأ من بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله. (ب) آخر وقته: ذهب الحنفية إلى أن آخر وقت لطواف الإفاضة هو آخر أيام التشريق، وعند المالكية: وقته شهر ذي الحجة فإن أخره ففيه دم، وأما الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة. فقالوا: الأصل عدم التأقيت وليس هناك ما يوجب فعله في أيام النحر، ولا يلزمه فدية إذا أخره بعد أيام النحر أو بعد شهر ذي الحجة، ولا يسقط عنه أبدًا ولا يكفي الفداء عنه لأنه ركن ويظل محرمًا عن النساء أبدًا إلى أن يعود فيطوف. قلت: القول بأنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة -لغير عذر- متجه؛ لأنه تقام فيه أعمال الحج، وإن كان الأحوط ألا يؤخره إلى مابعد أيام النحر خروجًا من الخلاف، ولذا قال شيخ الإسلام في «منسكه»: «يدخل مكة فيطوف طواف الإفاضة -إن أمكنه ذلك يوم النحر- وإلا فعله بعد ذلك، لكن ينبغي أن يكون في أيام التشريق، فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع» (١) اهـ. (جـ) أفضل وقته: يستحب أن يكون طواف الإفاضة يوم النحر (يوم العيد) لأنه فعل النبي ﷺ كما في حديث جابر الطويل وغيره. يشترط في طواف الإفاضة خاصة: أن يكون مسبوقًا بالوقوف بعرفة، فلو طاف للإفاضة قبل الوقوف بعرفة، لا يسقط به فرض من الطواف، إجماعًا. إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة: فإن استطاعت -من غير مشقة- أن تنتظر حتى تطهر ثم تطوف، لزمها ذلك، لقول النبي ﷺ لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٢) قال شيخ الإسلام (٣): «أما الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها وتأثم به، وتنازعوا في إجزائه: فمذهب أبي حنيفة: يجزئه ذلك، وهو قول في مذهب أحمد ...» اهـ.

стр. 887

لكن ... إذا كانت غير قادرة على الانتظار حتى تطهر كي تطوف، لارتباطها بموعد رحلة العودة ونحو ذلك -وهو وارد جدًّا في هذه الأيام- فلا تخلو هذه المرأة من ثمانية أقسام (١): ١ - أن يقال لها: أقيمي بمكة -وإن رحل الرجال حتى تطهري وتطوفي؟! وفي هذا من الفساد وتعريضها للمقام وحدها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر ما فيه. ٢ - أن يقال لها: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه؟! وهذا لا قائل به، فإنه ركن الحج الأعظم وهو المقصود لذاته، والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له. ٣ - أن يقال لها: إذا خشيت مجيء الحيض في وقت الطواف جاز لك تقديمه على وقته؟! وهذا لا يعلم قائل به وهو كتقديم الوقوف بعرفة على يوم عرفة. ٤ - أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج، فيسقط عنها فرضه حتى تصير آيسة من الحيض وينقطع بالكلية؟! ولازم هذا سقوط الحج عن كثير من النساء وهو باطل، ثم إن من لم يجب عليه الحج لو تكلفه صح منه فماذا يقال حينئذ؟! ٥ - أن يقال: ترجع على إحرامه- تمتنع من الجماع والنكاح- حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة ولو بعد سنين؟! وهذا مما تردُّه أصول الشريعة، وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، ولا يخفى ما فيه من المشقة. ٦ - أن يقال: بل تتحلل حتى تطهر كما يتحلل المحصر مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها، وتطوف طاهرًا؟! وهذا ضعيف لأن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت، ثم إن عذرها لا يسقط فرض الحج عليها ابتداءً، فلا يكون عروضه موجبًا للتحلل كالإحصار. ٧ - أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه؟! وهذا لا قائل به، ثم إن المعضوب يكون آيسًا من زوال عذره، وهذه لا تيأس من زوال عذرها لجواز أن ينقطع دمها زمن اليأس أو قبله، فليست كالمعضوب. فبطلت هذه التقديرات السبع، فتعين التقدير الثامن وهو:

стр. 888

٨ - أن يقال: تطوف بالبيت -وهي حائض- للضرورة، وهذا هو الموافق لروح الشريعة السمحة، ولرفع الحرج عن الأمة. وأمَّا ما ورد في كلام الأئمة وفتاويهم في اشتراط طهارة المرأة من الحدث الأكبر في طوافها -إنما هو في حال القدرة والسعة، لا في حال الضرورة والعجز، فالإفتاء بهذا لا ينافي الشرع ولا قول الأئمة. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) الذي قال في خاتمة بحثه: «هذا هو الذي توجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها عملاً وعلمًا لما تجشَّمت الكلام، حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري، فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به ...». اهـ. قلت: إن استطاعت المرأة أن تتناول دواءً يمنع الحيضة وقت الحج، فلها أن تفعل -إن لم يكن يضرُّها- خروجًا من الخلاف، والله تعالى أعلم. ٣ - طواف الوداع: ويسمى طواف الصَّدر، وطواف آخر العهد، وهو واجب من واجبات الحج عند جمهور العلماء -خلافًا للمالكية فهو عندهم سنة- لحديث ابن عباس ﵄ قال: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (٢). وفي لفظ: «كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٣). وهو دليل على وجوب طواف الوداع، وعلى أن المرأة إذا حاضت بعد ما طافت طواف الإفاضة فإنها لا يلزمها البقاء حتى تطهر وتطوف للوداع، لكن يرخَّص لها في ترك طواف الوداع والسفر إلى بلدها، ولا يلزمها دم بذلك، ويدلُّ على ذلك ما تقدم قريبا أن صفية لما حاضت، فقال النبي ﷺ : «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذن» (٤).

стр. 889

قلت: وقد صرف المالكية أمره ﷺ بطواف الوداع بالترخيص للحائض في تركه دون فداء؟! وهذا ليس بشيء، فليس في سقوطه عن المعذور ما يجوِّز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، والله أعلم. تنبيه: إن طهرت المرأة قبل أن تسافر فعليها الطواف للوداع: إذا لم تكن قد خرجت من بيوت مكة، فإن طهرت وهي لا تزال في بيوت مكة لزمها أن تطوف طواف الوداع (١). المكِّيُّ لا وداع عليه: لا يجب طواف الوداع إلا على الحاج من أهل الآفاق، فأما المكي فلا وداع عليه عند الحنفية والحنابلة -وألحق الحنفية بالمكي من كان منزله داخل المواقيت- لأن الطواف وجب توديعًا للبيت، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة لأنهم في وطنهم. وعند المالكية والشافعية يُطلب طواف الوداع في حق كل من قصد السفر من مكة، ولو كان مكيًّا إذا قصد سفرًا تقصر فيه الصلاة، لعموم الأمر بأن يكون آخر العهد بالبيت (٢). أحكام في الطواف عامة شروط الطواف: ١ - هل تشترط الطهارة للطواف؟ ذهب جمهور العلماء -خلافًا للحنفية ورواية عن أحمد وابن حزم- إلى أن الطهارة من الأحداث والأنجاس شرط لصحة الطواف، فإذا طاف فاقدًا أحدهما فطوافه باطل لا يعتد به. وحجتهم في هذا حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ...» (٣) وهو مختلف في رفعه والصواب وقفه.

стр. 890

وهذا الاستدلال مردود لأمور: (أ) أن الحديث لا يصح مرفوعًا، فالصواب أنه موقوف من كلام ابن عباس، كما رجَّحه الترمذي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر، وشيخنا مصطفى العدوي. (ب) على فرض صحته، فلا يلزم منه أن الطواف يشابه الصلاة في كل شيء حتى يشترط له ما يشترط للصلاة!! (١). (جـ) أنه قد كانت أعداد من المسلمين -لا يحصيهم إلا الله يطوفون على عهد رسول الله ﷺ ولم يرد أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء لطوافه مع احتمال انتقاض وضوء الكثيرين ودخول كثير منهم الطواف بلا وضوء، لا سيما مع شدة الزحام في طواف القدوم والإفاضة (٢). ولذا قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٦/ ١٩٨): «وتبين أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ريب، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى، [يعني الوضوء] فإن الأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها فيه، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه ..» اهـ. وقال ابن حزم (٧/ ١٧٩): «والطواف بالبيت على غير طهارة جائز» اهـ. وهو اختيار العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في «الممتع» (٧/ ٣٠٠). قلت: ومع ترجيحنا لجواز الطواف على غير وضوء، فلا شك أنه يستحب ذلك لحديث عائشة قالت: «أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ ثم طاف ثم ...» (٣) الحديث. لعموم الأدلة على استحباب الذكر على طهارة. لكننا لا نستطيع أن نلزم من انتقض وضوؤه في الطواف بالذهاب للوضوء لا سيما مع شدة الزحام -بغير دليل واضح، والله أعلم. هذا كله في الطهارة من الحدث الأصغر، فأما الحدث الأكبر كالحيض والنفاس والجنابة، فالظاهر أنه يجب الطهارة منه للطواف لقول النبي ﷺ لعائشة -وقد حاضت-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٤) فمن طاف محدثًا

стр. 891

حدثًا أكبر -بغير عذر- ثم خرج إلى بلده، فقال مالك والشافعي: حكمه حكم من لم يطف أصلاً، وقال أبو حنيفة: يبعث بدم ويجزيه (١). ٢ - ستر العورة: فلا يجوز لأحد أن يطوف بالبيت عريان، فإن فعل لم يجزئه عند الجمهور، لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). ولحديث أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: «ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (٣). وقال الحنفية ستر العورة واجب في الطواف وليس شرطًا لصحته، فمن طاف عريان بطل طوافه عند الجمهور وصح عند الحنفية لكن يلزمه دم. ٣ - أن يكون الطواف خارج البيت (الكعبة): قال تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤). فلو طاف في الحجر (٥) لم يصح طوافه، لقوله ﷺ : «الحجر من البيت» (٦) وقد تركته قريش لضيق النفقة وأحاطته بالجدار، فيشترط لصحة الطواف أن يكون خارج الحجر وإلا بطل عند الجمهور، وعند الحنفية يجب إعادته ما دام في مكة فإن رجع إلى بلده فعليه هدي يرسله إلى مكة. ٤، ٥ - أن يبدأ طوافه من الحجر الأسود وينتهي إليه ويجعل البيت عن يساره: لحديث جابر: «لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتى الحجر الأسود فاستلمه ثم مشى عن يمينه، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» (٧) وهذا شرط للطواف عند الجمهور، لمواظبة النبي ﷺ عليه، لأنه بيان لمجمل الأمر القرآني بالطواف فكان من حقيقته، ولقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٨).

стр. 892

٦ - أن يكون سبعة أشواط كاملة: لأنه فعل النبي ﷺ المبيِّن للقدر الذي يحصل به امتثال قوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ فيكون فرضًا، وهو مذهب الجمهور، فلو ترك خطوة في أي شوط لم يجزئ هذا الشوط، وأما الحنفية فجعلوا الركن: الإتيان بأكثر السبعة، والأقل الباقي واجبًا لا ركنًا، وهذا مردود بأن مقادير العبادات لا تعرف بالرأي والاجتهاد، وإنما بالتوقيف والنص، فهي كمن نقص من الصلاة ركعة فلا تصح، ولذا خالف الكمال بن الهمام -وهو من الحنفية- المذهب فقال: «الذين ندين به أنه لا يجزئ أقل من سبع، ولا يجبر بعضه بشيء» (١) اهـ. الشك في عدد الأشواط: من شك في عدد أشواط طوافه وهو في الطواف بنى على اليقين، وهوالأقل، عند جمهور الفقهاء (الشافعية والحنابلة) ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٢). قلت: لكن لو ترجَّح عنده الأكثر بنى عليه، والله أعلم. ٧ - الموالاة بين الأشواط: بمعنى عدم الفصل الطويل بين الأشواط، وهو شرط للطواف عند المالكية والحنابلة، وفي قول عند الشافعية أنه واجب، وعند الحنفية والشافعية سنة. ومن قطع طوافه لعذر كقضاء حاجة أو وضوء -لمن يراه شرطًا- أو أداء الصلاة المكتوبة، أو ليستريح من تعب ونحوه، فإنه يبني على ما طاف، ولو قطع طوافه عابثًا لغير عذر بطل طوافه (٣). سنن الطواف: ١ - الوضوء قبل الطواف: لحديث عائشة ﵂: «إن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت» (٤) وهذا مجرد فعل يدل على الاستحباب ولا ينتهض للوجوب، وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك حتى يقال أنه بيان لقوله «خذوا عني مناسككم»، ثم يحتمل أنه توضأ لأجل ما يعقب الطواف من الصلاة.

стр. 893

وعلى كلٍّ فالطواف ذكر فتستحب له الطهارة لحديث الرجل الذي سلَّم على النبي ﷺ «فلم يَرُدَّ عليه حتى أقبل فمسح بوجهه ويديه ثم ردَّ ﵇» (١). ٢ - الاضطباع [للرجال فقط]: وهو أن يجعل وسط إزاره تحت إبطه الأيمن ويَرُدَّ طرفيه على منكبه الأيسر، فيكون منكبه الأيمن مكشوفًا، لحديث يعلى بن أمية: «أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا» (٢). والاضطباع سنة -عند الجمهور- للرجال دون النساء، في جميع الأشواط، ويُسَنُّ الاضطباع في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم لمن أراد أن يسعى بعده، وطواف العمرة، وطواف الزيارة لمن أخر السعي إليه، في مذهب الحنفية والشافعية، ومذهب الحنابلة أنه لا يضطبع في غير طواف القدوم (٣). تنبيه: الاضطباع إنما يشرع في الطواف دون سائر المناسك، لا كما يفعل كثير من الناس، من الاضطباع من حين يحرم ويستمر كذلك حتى يُحلَّ، وهذا من الجهل بالسنة، حتى إنه ليصلي مكشوف العاتق، وهذا منهي عنه، كما تقدم في «مكروهات الصلاة». وعلى هذا فينبغي له أن يسوِّي رداءه فيغطي عاتقه الأيمن كذلك بعد إنهاء طوافه، لأن الاضطباع محله الطواف فقط. ٣ - الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى [للرجال]: ومعناه: إسراع المشي مع تقارب الخطى وهزِّ الكتفين من غير وثب، ويكون في الأشواط الثلاثة الأول فقط، ويمشي في الأربعة الأخرى. والرَّمل سنة في كل طواف بعد سعي، فعن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحُمَّى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين (٤) ليرى المشركون جَلَدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد

стр. 894

من كذا وكذا» (١) وهذا في عمرة القضاء في السنة السابعة، لكن الرَّمل ظل سنة في الأشواط الثلاثة الأولى بتمامها، فقد فعله النبي ﷺ في حجته -وكانت بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا- كما في حديث جابر «... فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا» (٢) وفي حديث ابن عمر «سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة [من الحجر إلى الحج]» (٣) وسعى -هنا- يعني: أسرع. ويؤيد أن الرمل سنة باقية -بعد زوال العلة من إغاظة المشركين- أن عمر بن الخطاب ﵁ كان همَّ أن يتركه «قال: ما لنا وللرَّمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ ، فلا نحب أن نتركه» (٤). لا يُشرع تدارك الرَّمل: فلو تركه في الثلاثة الأُوَل لأجل الزحام ونحوه، فلا يقضه في الأربعة الأخرى، لأن هيئتها السكينة فلا تغير (٥). لا يشرع الرمل للنساء (٦): وهو يقول أكثر أهل العلم، حتى نقل بعضهم الإجماع عليه. قالت عائشة ﵂: «يا معشر النساء، ليس عليكنَّ رمل بالبيت، لَكُنَّ فينا أسوة» (٧) وصح نحو هذا عن ابن عمر (٨) وروى عن ابن عباس (٩) وغيرهما من السلف. ٤، ٥ - استلام الحجر الأسود وتقبيله في كل شوط إن أمكن: استلام الحجر هو: مسحه باليد، وهو سنة لحديث ابن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ حين قدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع» (١٠).

стр. 895

وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله» (١). وقد قبَّل عمر بن الخطاب الحجر، وقال: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلتك» (٢). إذا لم يستطع تقبيله أو استلامه: المستحب أن يستلم الحجر بيده ويقبِّله إن أمكنه، فإن استلمه وشقَّ عليه تقبيله قبَّل يده، فإن شق عليه استلامه بيده، فله أن يستلمه بعصا ونحوها ويقبِّلها: لحديث ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الرُّكن بمحجن» (٣) زاد مسلم في روايته من حديث أبي الطفيل: «ويقبِّل المحجن» (٤). فإن عجز عن استلامه فإنه يشير إليه بيده ويكبِّر، لحديث ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبَّر» (٥). وصح عن ابن عمر: «أنه كان إذا استلم الركن قال: بسم الله، الله أكبر» (٦). ٦ - السجود على الحجر الأسود: فعن ابن عمر قال: «رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر، وسجد عليه، ثم عاد فقبَّله وسجد عليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ (٧)، وقد ثبت هذا أيضًا عن ابن عباس من فعله، قال الألباني ﵀ في الإرواء (٤/ ٣١٢): «فيبدو من مجموع ما سبق أن السجود على الحجر الأسود ثابت، مرفوعًا وموقوفًا والله أعلم» اهـ. ٧ - استلام الركن اليماني: لحديث ابن عمر قال: «لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين» (٨).

стр. 896

لا تزاحم المرأة الرجال: لا ينبغي للمرأة أن تزاحم الرجال في الطواف لاستلام الركنين أو تقبيل الحجر الأسود، فعن عطاء قال: «كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (١) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عني، وأبت [قال عطاء:] يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كُنَّ إذا دخلن البيت قُمن حتى يدخلن وأخرج الرجال ...» (٢). ولما اشتكت أم سلمة ﵂ قال لها النبي ﷺ : «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (٣). لا يُستلم الركنان الشاميَّان: لحديث ابن عمر المتقدم قريبًا، لأن الركن الشمالي والغربي (جهة الحجر) ليسا على قواعد إبراهيم ﵇ كما تقدم. ٨ - الدعاء بين الركنين اليمانيين: عن عبد الله بن السائب قال: سمعت النبي ﷺ وهو يقول بين الركن والحجر: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤). قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٦/ ١٢٢): «... ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى، ويدعوه بما يُشرع، وإن قرأ القرآن سرًّا فلا بأس، فليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك، فلا أصل له، وكان النبي ﷺ يختم طوافه بين الركنين بقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٥). كما كان يختم سائر دعائه بذلك» اهـ. ٩ - الانتهاء إلى مقام إبراهيم -بعد الطواف- وقراءة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٦).

стр. 897

١٠ - صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم بعد الطواف إن تيسَّر. ١١ - أن يقرأ في هاتين الركعتين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وهذه السنن الثلاث الأخيرة ثابتة في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ والركعتان بعد الطواف خلف المقام سنة عند الجمهور، خلافًا للحنفية فتجب عندهم، وهو رواية عن أحمد وقول عند الشافعية ووافقهم المالكية في طواف الركن دون غيره (١). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف. وتصلي ركعتا الطواف في أي وقت من غير كراهة ولو في أوقات النهي، لحديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (٢). لا يجوز المرور أمام المصلي في الحرم ولا في غيره: وأما قول شيخ الإسلام ﵀: فلو صلى المصلي في المسجد والناس يطوفون أمامه، لم يُكره، سواء مرَّ أمامه رجل أو امرأة، وهذا من خصائص مكة (٣). اهـ. فلا أعرف دليلاً على هذه الخصوصية، والأصل عدم جواز المرور أمام المصلي كما تقدم في أبواب الصلاة. والله أعلم. ١٢ - الشرب من ماء زمزم وصَبُّه على الرأس بعد الطواف والركعتين: ففي حديث جابر: «أن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وصلى ركعتين ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه ثم رجع فاستلم الركن ....» (٤). ١٣ - ل يُلتَزم (٥) ما بين الحجر الأسود والباب (المُلتَزَم)؟ رُوى أن النبي ﷺ فعله يوم الفتح، فعن عبد الرحمن بن أبي صفوان قال: «لما فتح رسول الله ﷺ مكة، انطلقت، فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من

стр. 898

الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحَطيم ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله ﷺ وسطهم» (١). ورُوى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: «طُفت مع عبد الله بن عمرو، فلما حاذى دُبُر الكعبة قلت: ألا تتعوَّذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا -وبسطها بسطًا- وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» (٢). قلت: في كلا الحديثين ضعف، لكن هل يتقوى أحدهما بالآخر؟ هذا محل نظر، ثم هذا الالتزام يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون في غيره، لكن قال الجمهور: يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو، لأنه من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء كما ورد عن ابن عباس (٣)، والله أعلم. الكلام والتعليم والإفتاء في الطواف (٤): بجوز الكلام في الطواف، ولا يبطل به ولا يكره، لكن الأولى تركه إلا أن يكون كلامًا في خير، كأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم جاهل أو جواب فتوى ونحو ذلك، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ مرَّ -وهو يطوف بالكعبة- بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير أو بخيط أو شيء غير ذلك، فقطعه النبي ﷺ بيده ثم قال: قُد بيده» (٥). الطواف ركبًا: يجوز الطواف راكبًا -ولو مع القدرة على المشي- للحاجة الداعية إليه، فقد «طاف النبي ﷺ على بعير يستلم الركن بمحجن» (٦). ليراه الناس، لحديث جابر قال: «طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت، بين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف، وليسألوه، فإن الناس قد غشوه» (٧) أي: ازدحموا عليه.

стр. 899

وبهذا قال الشافعية، وهو رواية عن أحمد، ولا شيء على الراكب -ولو لغير عذر- عندهم، بينما أوجب الحنفية والحنابلة المشي مطلقًا، وكذا المالكية -لكن في الطواف الواجب فقط- فلو طاف راكبًا مع القدرة على المشي لزمه دم عندهم (١)، والأظهر أنه ليس عليه شيء والله أعلم. الركن الثالث: السعي بين الصفا والمروة: تعريفه: السعي هو المشي بين الصفا والمروة ذهابًا وجيئة، بنية التعبد، وهو سبعة أشواط تبدأ من الصفا وتنتهي بالمروة. حكمه: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج في أصح أقوال العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد -في إحدى الروايتين- وإسحاق وأبي ثور وبه قال ابن عمر، وجابر وعائشة ﵃ ومن نسيه أو نسي شوطًا منه فعليه أن ينصرف إليه حيث ذكره في بلده أو غير بلده حتى يأتي به كاملاً، وإلا بطل حجه بتركه له ولا يجبره دم ولا غيره (٢)، والأدلة على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣). وقد بيَّنت عائشة ﵂ معنى نزول الآية ومخرجها، وجاءت بالعلم الصحيح في ذلك: ٢ - قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ قالت: بئس ما قلت يا بن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المسلل فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول

стр. 900

الله ﷺ عن ذلك قالوا يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية قالت عائشة ﵂ وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (١). ٣ - وقال النبي ﷺ : «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» (٢). ٤ - وقالت عائشة ﵂: «طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة- فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (٣). ٥ - وقال النبي ﷺ لعائشة: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يجزيك أو يكفيك لحجك وعمرتك» (٤) فلو لم يكن واجبًا لما قال: يجزيك، والله أعلم. ٦ - عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت في عمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين فطاف بين الصفا والمروة سبعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وسألنا جابر بن عبد الله فقال: «لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة» (٥). وللعلماء في حكم السعي قولان آخران: فذهب أبو حنيفة والثوري والحسن البصري إلى أن السعي واجب، وليس بركن، فمن تركه فعليه دم، وحجه صحيح. وذهب أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين إلى أن السعي سنة وليس بواجب، وليس في تركه شيء، وروى هذا عن ابن عباس، ويشبه أن يكون مذهب أبي بن كعب وابن مسعود، لأن في مصحف أبي وابن مسعود «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما». قال ابن عبد البر: ليس فيما سقط من مصحف الجماعة حجة، لأنه لا يقطع

стр. 901

به على الله ، ولا يحكم بأنه قرآن: إلا بما نقلته الجماعة بين اللوحين، وأحسن ما روى في تأويل هذه الآية [ما ذكرته] عائشة (١)، والله تعالى أعلم. طواف سعي القارن والمتمتع: اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب (٢): [١] أن على كل منهما طوافين وسعيين: وهو مروي عن علي وابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي وإحدى الروايات عن أحمد. [٢] أن على كلٍ منهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا: وهذا نص عليه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. [٣] أن على المتمتع طوافين وسعيين، وعلى القارن سعي واحد: وهو قول عطاء وطاوس والحسن، وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد. فأما القول الأول فضعيف إذ لم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل عليه، وغاية ما عند القائلين به قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ ولا دليل في ذلك، فإن التمام حاصل وإن لم يطف -القارن- إلا طوافًا واحدًا، كما هو واضح من أدلة الفريقين الآخرين، وأما القولان الآخران فسبب الخلاف بينهما تعارض الأحاديث الواردة في ذلك: فعن جابر قال: «لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طواف الأول» (٣) يعني بالطواف: السعي. وعن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك» (٤) وكانت قارنة على الأصح. وعن عائشة ﵂ قالت: «... فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت

стр. 902

وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا» (١). قال ابن القيم: فإما أن يقال عائشة أثبتت وجابر نفى والمثبت مقدم على النافي، أو يقال: مراد جابر من قرن مع النبي ﷺ وساق الهدي -وهم قلة- فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا ولم يرد عموم الصحابة، أو يُعلَل حديث عائشة بأن قولها: فطاف ... إلخ) مُدرج في حديثها، فهذه ثلاث طرق للناس في حديثها. اهـ (٢). قلت: أما دعوى الإدراج فيلزم منها تخطئة جبال الحفظ الثقات بغير بيِّنة كالزهري وغيره، فحديثها ثابت لا شك فيه وله طرق تؤيده (٣)، وهو دليل على أن المتمتع عليه طوافان وسعيان وعائشة قد حفظت ما لم يحفظ جابر ويشهد له حديث ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: «أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي» طفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء لبسنا الثياب، وقال: «من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، فقد تم حجنا وعلينا الهدي ...» (٤). وهذا مؤكد لما دلَّ عليه حديث عائشة من أن المتمتع يلزمه طواف وسعي لعمرة ثم يحلِّ ويَلزمه طواف وسعي آخران بعد الإفاضة من عرفة، وأما القارن فعليه طواف واحد وسعي واحد عند الجمهور. هل يجوز تقديم السعي على الطواف بالبيت؟ ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن من سعى قبل الطواف أنه لا يجزئه، وعليه أن يعيد، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة قالا: يعيد الطواف والسعي جميعًا، وقال الشافعي: يعيد السعي وحده ليكون بعد الطواف (٥).

стр. 903

قلت: يُستدل لهم بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها -لما حاضت-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (١) وموضع الدلالة منه أنه ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تَسْعَ كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقفًا على تقدم الطواف قبلها لما أخرته، لا سيما والحائض لا تمنع من السعي -على الصحيح- كما سيأتي قريبًا. لكن لقائل أن يقول (٢): ليس معنى تأخير عائشة للسعي إلى أن تطوف أن هذا ملزم لغيرها، وخصوصًا أن النبي ﷺ ما سئل عن شيء قدم أو أخر يوم النحر إلا قال: «افعل ولا حرج» كما سيأتي، وهذا عطاء والأوزاعي وطائفة من أصحاب الحديث. هل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة؟ وردت زيادة في حديث عائشة المتقدم: «أفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت [ولا بين الصفا والمروة] حتى تطهري» لكن قوله (ولا بين الصفا والمروة) زيادة شاذة لا تصح (٣)، وعلى فرض أنها محفوظة فلا تدل على اشتراط الطهارة للسعي، لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله -عند الجمهور- فكان المانع من السعي عدم الطواف. وليس هناك دليل على اشتراط الطهارة للسعي، بل صح عن ابن عمر أنه قال: «إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة، فلتسعَ بين الصفا والمروة» (٤). وقد صح نحوه عن الحسن وعطاء والحكم وحماد وغيرهم من السلف، وهومذهب الشافعي (٥).

стр. 904

أحكام السعي بين الصفا والمروة شروط السعي: يشترط لصحة السعي بين الصفا والمروة أمور: ١ - أن يكون بعد طواف صحيح -عند الجمهور- كما تقدم. ٢ - أن يكون سبعة أشواط: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط وهكذا (١) فلو شك في العدد قبل فراغه لزمه البناء على الأقل كما في الطواف. ٣ - أن يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة: لو نكَّسه وبدأ شوطه الأول بالمروة لم يُعتد بهذا الشوط، فلو بدأ أشواطه بالمروة وختم السابع بالصفا، لم يجزه الأول وبقي عليه السابع (٢). ٤ - أن يكون السعي في المسعى: وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة. وذلك كله لفعله ﷺ وهوالقائل: «خذوا عني مناسككم» (٣). سنن السعي: ١ - أن يكون على طهارة: لأنه ذكر كما في الطواف. ٢ - أن يستلم الركن قبل خروجه للسعي: كما في حديث جابر. ٣، ٤ - إذا اقترب من الصفا، يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ ويقول: ابدأ بما بدأ الله به. وهذا في حديث جابر. ٥، ٦ - استقبال الكعبة وهو على الصفا، ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ويدعو بما شاء، يفعل هذا ثلاث مرات. ٧ - أن يمشي إلى المروة وله الركوب لمصلحة: ففي حديث جابر: «ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا ...».

стр. 905

وقال ابن عباس لما سئل عن سعي النبي ﷺ بين الصفا والمروة راكبًا: «إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت ... فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل» (١). ٨ - شدة السعي (الإسراع) بين العلمين الأخضرين، وهذا خاص بالرجال دون النساء كما في الطواف. ٩ - وله الدعاء بين الصفا والمروة: كما ثبت عن ابن مسعود أنه كان يقول: «رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم» (٢). ١٠ - أن يفعل على المروة كما فعل على الصفا: من القراءة والتهليل والتكبير واستقبال البيت والدعاء. الحلق والتقصير للمتمتع: إذا فرغ الحاج المتمتع من السعي بين الصفا والمروة، فإنه يتحلل من عمرته بالحلق أو التقصير، والأفضل في حقه أن يقصِّر من شعره، ولا يحلقه، وإنما يحلقه يوم النحر بعد فراغه من أعمال الحج، ففي حديث جابر قال النبي ﷺ : «حلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلُّوا بالحج ...» (٣) فإن فعل صار حلالاً يحلُّ له كل شيء حتى الجماع حتى يأتي يوم التروية. سنن الخروج إلى منى: ١ - أن يحرم الححاج [المفرد من أهل مكة أو المتمتع الذي كان قد حلَّ] من منزله يوم التروية (الثامن من ذي الحجة). ٢ - أن يتوجه الجميع -ومعهم القارن والمفرد الآفاقي -يوم التروية إلى منى قبل الظهر. ٣ - أن يصلوا الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يوم التروية. ٤ - أن يبيتوا بمنى حتى يصلوا الفجر وتطلع الشمس (يوم عرفة). ٥ - أن ينتقل في هذه المواطن راكبًا، وهو أفضل من المشي.

стр. 906

٦ - أن يضرب له قبة (خيمة) بنمرة، إن شاء اقتداء بالنبي ﷺ . ودليل هذه السنن ما جاء في حديث جابر: «... فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ... حتى أتى عرفة ...» (١). ٧ - أن يلبِّي أو يكبِّر في طريقه من منى إلى عرفة: لحديث محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك -وهما غاديان من منى إلى عرفة -كيف كنتم تضنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: «كان يهلُّ المهل منا فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه» (٢) وعن ابن عمر قال: «غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات، فمنَّا الملبِّي ومنَّا المكبِّر» (٣). ٨ - أن يخطبهم الإمام: فيبيِّن لهم المناسك ويحرضهم على الإكثار من الدعاء والابتهال، ويبيِّن لهم ما يهمهم من الأمور الضرورية لشئون دينهم واستقامة أحوالهم، كما في حديث جابر، وهذه الخطبة سنة بالاتفاق، والسنة أن تكون خطبة واحدة لا خطبتين يجلس بينهما، وهو المشهور في كتب الفروع. ٩ - أن يصلي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا مع الإمام بنمرة (يوم عرفة) (٤) ولا يصلي بينهما شيئًا. الركن الرابع: الوقوف بعرفة: تعريفه: المراد من الوقوف بعرفة: وجود الحاج في أرض (عرفة) بالشروط والأحكام المقررة. حكمه: الوقوف بعرفة ركن أساسي من أركان الحج، ويختص بأنه من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. وقد ثبت ركنيته بالأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 907

(أ) أما الكتاب: فقال تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١). وقد ثبت أنها نزلت تأمر الناس بالوقوف بعرفة: فعن عروة عن أبيه عن عائشة أن هذه الآية نزلت في الخمس (٢)، قال: كانوا يفيضون من جمع فدُفعوا إلى عرفات» (٣). (ب) وأما السنة فعدة أحاديث أشهرها: حديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ أمر مناديًا ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٤). (جـ) وقد نقل عدد من العلماء الإجماع «على أنه ركن من أركان الحج، وأنه من فاته فعليه حج قابل» (٥). وقته: ١ - يبدأ وقت الوقوف بعرفة بعد الزوال (الظهر) يوم عرفة عند الجمهور (٦)، لفعله ﷺ ، فإنه لم يقف بعرفة إلا بعد الزوال -كما في حديث جابر الطويل- وقد قال: «خذوا عني مناسككم». وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة، وحُجَّته حديث عروة بن مضرس أن النبي ﷺ قال: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا -فقد تم حجُّه وقضة تفثه» (٧) لكن قوله «أو نهارًا» مطلق، فيقيَّد بفعل النبي ﷺ ويكون المراد من بعد الزوال، وهذا هو الأحوط والله أعلم. ٢ - ومن وقف بالنهار بعرفات فعليه أن يمدَّ وقوفه إلى ما بعد الغروب، فإن

стр. 908

دفع منه قبل الغروب: فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد (١) إلى أن حجَّه صحيح وعليه دم يجبر ما نقص من جمع جزء من الليل إلى النهار في الوقوف. وفي رواية عن الشافعي: لا يجب عليه دم، وبه قال أهل الظاهر (٢)، وهو الراجح مع قولنا بالوجوب وذهب مالك إلى أن حجه لا يصح حتى يجمع بين الليل والنهار في وقوقه (٣)، وحجته حديث ابن عمر قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٤). وقد أجيب عن الحديث بأنه إنما خص الليل لأن الفوات يتعلق به، وغاية ما يدلُّ عليه أن: ٣ - القدر المجزئ للوقوف أن يقف جزءًا من الليل قبل الفجر -ولو لحظة- فإن طلع الفجر قبل وقوفه فاته الحج، وقد دلَّ على هذا أيضًا حديث عروة بن مضرس المتقدم، والله أعلم. سنن وآداب الوقوف بعرفة والإفاضة منها: ١ - الوقوف عند الصخرات: يجوز للحاج أن يقف في أي مكان من عرفة، ويستحب أن يقف عند الصخرات المفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، لما في حديث جابر: «.. حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه ..» قال النووي: فهذا هو الموقف المستحب، وأما ما اشتهر بين العوام من الأغنياء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط. ٢، ٣ - استقبال القبلة ورفع اليدين بالدعاء: لما في حديث جابر: «واستقبل القبلة ...»، وقال ﷺ : «خير الدعاء عرفة، وخير ما قلت أن والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (٥) وقد رود عن النبي ﷺ في دعاء عرفة عدَّة صيغ لكن في أسانيدها لين (٦).

стр. 909

٤ - التلبية: لحديث سعيد بن جبير قال: كنا مع ابن عباس، فقال لي: يا سعيد ما لي لا أسمع الناس يلبُّون؟ فقلت: يخافون من معاوية، قال: فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي ﵁ (١). قلت: وإن كان قد ذكر ابن تيمية (٢٦/ ١٣٦) أن التلبية بعرفة لم تنقل عن النبي ﷺ وإنما نقلت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم، لكن حديث ابن عباس -إن صح- فهو حجة عليه، والله أعلم. تنبيه: هكذا ينبغي أن يكون حال الحاج على عرفة، ذكر ودعاء وحضور قلب وقراءة وتضرُّع وسؤال وابتهال وخضوع لله سبحانه، فليت شعري أين هذا ممن يفضي يوم عرفة في لهوه ولعبه معرضًا عن ربه مُنشغلاً بمحادثة رفاقه فيما لا ينفع، بل ربما يلعب الورق «الكوتشينة» والتدخين وسماع الأغاني وغير ذلك من المحرمات، نعوذ بالله من الخذلان!! ٥ - أن يكون مفطرًا لا صائمًا: لحديث ميمونة: «أن الناس شكُّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب -وهو واقف في الموقف- فشرب منه والناس ينظرون» (٢). ٦ - الإفاضة من عرفة (النزول) بعد الغروب بسكينة: أي برفق وطمأنينة لقول النبي ﷺ -لما دفع من عرفة بعد غروب الشمس-: «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البرَّ ليس بالإيضاع» (٣) أي: الإسراع. لكن إذا وجد أمامه فجوة فإنه يسرع قليلاً، لحديث .... : «كان ﷺ يسير العَنَق، فإذا وجد فجوة نصَّ» (٤). ٧ - السير إلى المزدلفة مع التلبية: وقد تقدم الحديث في هذا عند «مواطن التلبية». المبيت بمزدلفة ليلة النحر: حكمه: اختلف أهل العلم في حكم الوقوف بالمزدلفة (٥) والمبيت بها على ثلاثة أقوال:

стр. 910

الأول: أنه ركن ومن فاته فقد فاته الحج: وهو مذهب ابن عباس وابن الزبير من الصحابة، وإليه ذهب النخعي والشعبي وعلقمة وأهل الظاهر، وفي مذهب مالك ما يدلَّ عليه، وهو اختيار ابن القيم -رحمهم الله تعالى- (١) وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢). والمشعر الحرام: قيل جبل بالمزدلفة معروف بـ «قزح»، وقيل: جميع المزدلفة. ٢ - حديث عروة بن المضرس أن النبي ﷺ قال: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد أتم حجَّه وقضى تفثه» (٣) ففُهم منه أن من لم يقف بالمزدلفة لم يتم حجُّه. ٣ - فعل النبي ﷺ الذي خرج مخرج البيان للذكر المأمور به في الآية الكريمة. القول الثاني: أنه واجب، ومن تركه عليه دم وحجُّه صحيح، وهذا مذهب جمهور العلماء (٤) واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله ﷺ : «الحج عرفة، من جاء قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» (٥). وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان، صح حجُّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة رُكنًا لم يصحَّ حجُّه. ٢ - أنه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرجال والنساء، فلما قدَّم رسول الله ﷺ النساء بالليل عُلم أنه ليس بركن. وأجابوا عن الآية وحديث عروة بن مضرس، بأن المنطوق فيهما ليس بركن إجماعًا، فإنه لو بات بالمزدلفة، ولم يذكر الله تعالى ولم يشهد الصلاة فيها صح حجُّه، فما هو من ضرورة ذلك أولى، ثم إن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها، وكذلك شهود صلاة الفجر، فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر

стр. 911

أمكنه ذلك، فتعيَّن حمل ذلك على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب (١) قلت: فيكون المراد بإتمام الحج في الحديث الإتمام الذي يصح الشيء بدونه مع التحريم، ويؤيد هذا أن من أدرك عرفة والمزدلفة ولم يطف طواف الإفاضة فلم يتم حجُّه بالإجماع، والله أعلم. والقول بوجوب الوقوف بالمزدلفة والمبيت بها هو أعدل الأقوال وأرجحها، إلا أنني أتحفظ على إلزامه بدم الجبران، لأن الأصل حرمة مال المسلم إلا بحق، والحق يعرف بالدليل، ولا يصح القياس في الكفارات على الأصح، وإن كان هذا خلاف الجماهير. القول الثالث: أنه سنة، وهو قول ضعيف، وهو رواية عن أحمد، ﵀. فائدة: حد المبيت الواجب (٢): ذهب الحنفية إلى أن من حصَّل قدر لحظة من طلوع الفجر -يوم النحر- إلى طلوع الشمس بمزدلفة فقد أدرك الوقوف سواء بات أو لا، وإلا لزمه دم إلا إن تركه لعذر كالزحام فلا شيء عليه. وذهب المالكية إلى أنه زمن حط الرحل في أي جزء من الليل ما بين وصوله إلى طلوع الفجر وعند الشافعية والحنابلة: يجب الوقوف قدر لحظة من وصوله إلى منتصف الليل -إن وصلها قبل منتصفه- فإن وصلها بعد منتصف الليل أجزأه قدر لحظة قبل طلوع الفجر. قلت: الذي يظهر أن الواجب أن يبيت بمزدلفة حتى الفجر، سواء وصلها قبل منتصف الليل أو بعده، لأن اسم المبيت لا يتناوله إلا إذا بقي بها حتى الفجر، وإنما رخَّص للضعفة من النساء وغيرهن في النفر بعد منتصف الليل، وهذا تشعر به ألفاظ الأحاديث في المسألة، كحديث عائشة قالت: «نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا ....» (٣). وهو ظاهر في أن من لم يرخَّص له لزمه أن يبقى بالمزدلفة حتى الصبح، لأنه فعل في مقابل الرخصة فأشبه العزيمة.

стр. 912

وكحديث أسماء «أنها نزلت عند المزدلفة فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: «لا، فصلَّت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا. ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح من منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلَّسنا، قالت: يا بنيَّ إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعُنِ» (١). تعني: النساء. وعن ابن عباس ﵄ قال: «أنا ممن قدَّم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» (٢). فهذه الأحاديث وغيرها تفيد أن الواجب المبيت حتى الفجر إلا للضَّعفة فيجوز لهم النزول منها قبل الفجر بعد غياب القمر. فائدة: الرخصة في عدم المبيت بمزدلفة خاصة بالضعفة من الأهل والصبيان، فهل يدخل فيها جملة النساء أم تخصُّ بالضعفة منهم؟ هذا محل نظر والأظهر أنه خاص بالضعفة من النساء خاصة لأن النبي ﷺ قدَّم ضعفة أهله وبقيت معه عائشة ﵂، وإنما استأذنت سودة لأنها كانت ثقيلة ثبطة، والله أعلم. السنن في المزدلفة والدفع منها (٣): ١ - صلاة المغرب والعشاء: جمع تأخير بمزدلفة. ٢ - الأذان لهما بأذان واحد وإقامتين. ٣ - ترك النافلة بين الصلاتين. ٤ - النوم حتى طلوع الفجر، وعدم إحياء الليل بالصلاة. ٥ - صلاة الفجر في أول وقتها بأذان وإقامة. ٦ - الوقوف على المشعر الحرام من المزدلفة مستقبل القبلة داعيًا حامدًا مكبِّرًا مهللاً حتى إسفار الصبح جدًّا. ٧ - الدفع بسكينة من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس.

стр. 913

٨ - الإسراع قليلاً في بطن مُحَسِّر (١)، إلا أن يكون راكبًا سيارة لا يقودها فإنه يعجز عن ذلك وإن كان الأولى أن ينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع أسرع. ٩ - الذهاب إلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذهاب إلى عرفات. رمي الجمرات بمنى: تعريفه: الرمي لغةً: القذف، والجمرات أو الجمار: الأحجار الصغيرة، جمع جمرة: وهي الحصاة. حكمه: ذهب جمهور العلماء إلى أن رمي الجمرات واجب، لا يجوز تركه، فمن تركه لزمه دم عندهم. ودليل إيجابه: ١ - حديث جابر قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٢). ٢ - قوله ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (٣). ٣ - ولأنه عمل يترتب عليه الحِلُّ فكان واجبًا، ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام. موضع الجمار التي ترمى وعددها: الجمار التي ترمى بمنى، وهي ثلاث: ١ - جمرة العقبة الكبرى: وهي الأولى جهة مكة وتكون على يسار الداخل إلى منى. ٢ - الجمرة الوسطى: وهي التي تلي جمرة العقبة جهة مزدلفة. ٣ - الجمرة الصغرى: وهي التي تلي مسجد الخيف بمنى.

стр. 914

صفة الحصيات: يستحب أن تكون الحصيات التي يرمى بها مثل حصى الخذف، والمراد أنها قدر حب الباقلاء (الفول) وقيل: تكون أكبر من الحمص ودون البندق: ففي حديث جابر: «... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف ...» وقد أمر النبي ﷺ ان يلتقط له حصى الجمار فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهنَّ في كفه وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١) فماذا يقال فيما يفعله بعض الجهال من رميهم الجمرات بالنعال؟! أصلح الله شأن المسلمين وعرفهم بسنة نبيهم الكريم، هذه هي السنة. من أين تُلتقط الحصيات؟ يجوز للحاج أن يلتقط الحصى من حيث شاء، لأن النبي ﷺ لم يحدد لذلك مكانًا كما في حديث ابن عباس السابق، وبه قال أحمد وعطاء واختاره ابن المنذر وابن تيمية ﵏. واستحب الشافعي (٢) أن يأخذها من مزدلفة، وهو مروي عن ابن عمر وسعيد ابن جبير، قلت: لكن لا يخفى ما فيه من التكلف والمشقة، وفي الأمر سعة. هل يجوز الرمي بحصى رمى به قبل؟ ذهب الجمهور إلى جواز الرمي بحصى رمى به من قبل مع الكراهة، وذهب ابن حزم إلى الجواز من غير كراهة، وقال (٣) ﵀: أما رميه بحصى قد رمى به فلأنه لم ينه عن ذلك قرآن ولا سنة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن قيل: قد رُوى عن ابن عباس «أن حصى الجمار ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك، ولولا ذلك لكان هضابًا تسدُّ الطريق» قلنا: نعم، فكان ماذا؟ وإن لم يتقبل رمي هذه الحصا من عمرو فسيُقبل من زيد، وقد يتصدق المرء بصدقة فلا يقبلها الله تعالى منه، ثم يملك تلك العين آخر فيتصدق بها فتقبل منه. اهـ.

стр. 915

لا يغسل حصى الرمي: استحب الشافعي ﵀ غسل حصى الجمار، ولا دليل على هذا الغسل، قال ابن المنذر: لا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي ﷺ غسلها أو أمر بغسلها، ولا معنى لغسلها، وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها، وقال: وروينا عن طاوس أنه كان يغسلها (١)، قلت: الأظهر أن غسلها لا يشرع والله أعلم. رمي الجمار راكبًا: ويجوز أن يرمي الجمار راكبًا لحديث قدامة بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» (٢). توقيت الرمي وعدده: أيام الرمي أربعة: يوم النحر (العاشر من ذي الحجة)، وثلاثة أيام بعد وتسمى أيام التشريق (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة). ويرمي -يوم النحر- جمرة العقبة الكبرى وحدها بسبع حصيات. ويرمي في أيام التشريق الجمار الثلاث -كل يوم منها- على الترتيب: الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، يرمي كل جمرة منها بسبع حصيات. فيصير مجموع الحصيات المرمية سبعين: سبع يوم النحر وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق. فإن تعجَّل الحاج، فلم ينتظر إلى الثالث عشر -وهذا جائز له- فيكون عدد الحصى المرمية تسعًا وأربعين. ١ - الرمي يوم النحر: تقدم أنه يجب رمي جمرة العقبة وحدها يوم النحر بسبع حصيات، ولكن ... من أين يرمي جمرة العقبة؟ يستحب أن يرمي من (بطن الوادي) بحيث تكون مكة عن يساره ومنى عن
следующие страницы →