← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أمكنه ذلك، فتعيَّن حمل ذلك على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب (١) قلت: فيكون المراد بإتمام الحج في الحديث الإتمام الذي يصح الشيء بدونه مع التحريم، ويؤيد هذا أن من أدرك عرفة والمزدلفة ولم يطف طواف الإفاضة فلم يتم حجُّه بالإجماع، والله أعلم. والقول بوجوب الوقوف بالمزدلفة والمبيت بها هو أعدل الأقوال وأرجحها، إلا أنني أتحفظ على إلزامه بدم الجبران، لأن الأصل حرمة مال المسلم إلا بحق، والحق يعرف بالدليل، ولا يصح القياس في الكفارات على الأصح، وإن كان هذا خلاف الجماهير. القول الثالث: أنه سنة، وهو قول ضعيف، وهو رواية عن أحمد، ﵀. فائدة: حد المبيت الواجب (٢): ذهب الحنفية إلى أن من حصَّل قدر لحظة من طلوع الفجر -يوم النحر- إلى طلوع الشمس بمزدلفة فقد أدرك الوقوف سواء بات أو لا، وإلا لزمه دم إلا إن تركه لعذر كالزحام فلا شيء عليه. وذهب المالكية إلى أنه زمن حط الرحل في أي جزء من الليل ما بين وصوله إلى طلوع الفجر وعند الشافعية والحنابلة: يجب الوقوف قدر لحظة من وصوله إلى منتصف الليل -إن وصلها قبل منتصفه- فإن وصلها بعد منتصف الليل أجزأه قدر لحظة قبل طلوع الفجر. قلت: الذي يظهر أن الواجب أن يبيت بمزدلفة حتى الفجر، سواء وصلها قبل منتصف الليل أو بعده، لأن اسم المبيت لا يتناوله إلا إذا بقي بها حتى الفجر، وإنما رخَّص للضعفة من النساء وغيرهن في النفر بعد منتصف الليل، وهذا تشعر به ألفاظ الأحاديث في المسألة، كحديث عائشة قالت: «نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا ....» (٣). وهو ظاهر في أن من لم يرخَّص له لزمه أن يبقى بالمزدلفة حتى الصبح، لأنه فعل في مقابل الرخصة فأشبه العزيمة.

стр. 912

وكحديث أسماء «أنها نزلت عند المزدلفة فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: «لا، فصلَّت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا. ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح من منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلَّسنا، قالت: يا بنيَّ إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعُنِ» (١). تعني: النساء. وعن ابن عباس ﵄ قال: «أنا ممن قدَّم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» (٢). فهذه الأحاديث وغيرها تفيد أن الواجب المبيت حتى الفجر إلا للضَّعفة فيجوز لهم النزول منها قبل الفجر بعد غياب القمر. فائدة: الرخصة في عدم المبيت بمزدلفة خاصة بالضعفة من الأهل والصبيان، فهل يدخل فيها جملة النساء أم تخصُّ بالضعفة منهم؟ هذا محل نظر والأظهر أنه خاص بالضعفة من النساء خاصة لأن النبي ﷺ قدَّم ضعفة أهله وبقيت معه عائشة ﵂، وإنما استأذنت سودة لأنها كانت ثقيلة ثبطة، والله أعلم. السنن في المزدلفة والدفع منها (٣): ١ - صلاة المغرب والعشاء: جمع تأخير بمزدلفة. ٢ - الأذان لهما بأذان واحد وإقامتين. ٣ - ترك النافلة بين الصلاتين. ٤ - النوم حتى طلوع الفجر، وعدم إحياء الليل بالصلاة. ٥ - صلاة الفجر في أول وقتها بأذان وإقامة. ٦ - الوقوف على المشعر الحرام من المزدلفة مستقبل القبلة داعيًا حامدًا مكبِّرًا مهللاً حتى إسفار الصبح جدًّا. ٧ - الدفع بسكينة من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس.

стр. 913

٨ - الإسراع قليلاً في بطن مُحَسِّر (١)، إلا أن يكون راكبًا سيارة لا يقودها فإنه يعجز عن ذلك وإن كان الأولى أن ينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع أسرع. ٩ - الذهاب إلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذهاب إلى عرفات. رمي الجمرات بمنى: تعريفه: الرمي لغةً: القذف، والجمرات أو الجمار: الأحجار الصغيرة، جمع جمرة: وهي الحصاة. حكمه: ذهب جمهور العلماء إلى أن رمي الجمرات واجب، لا يجوز تركه، فمن تركه لزمه دم عندهم. ودليل إيجابه: ١ - حديث جابر قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٢). ٢ - قوله ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (٣). ٣ - ولأنه عمل يترتب عليه الحِلُّ فكان واجبًا، ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام. موضع الجمار التي ترمى وعددها: الجمار التي ترمى بمنى، وهي ثلاث: ١ - جمرة العقبة الكبرى: وهي الأولى جهة مكة وتكون على يسار الداخل إلى منى. ٢ - الجمرة الوسطى: وهي التي تلي جمرة العقبة جهة مزدلفة. ٣ - الجمرة الصغرى: وهي التي تلي مسجد الخيف بمنى.

стр. 914

صفة الحصيات: يستحب أن تكون الحصيات التي يرمى بها مثل حصى الخذف، والمراد أنها قدر حب الباقلاء (الفول) وقيل: تكون أكبر من الحمص ودون البندق: ففي حديث جابر: «... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف ...» وقد أمر النبي ﷺ ان يلتقط له حصى الجمار فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهنَّ في كفه وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١) فماذا يقال فيما يفعله بعض الجهال من رميهم الجمرات بالنعال؟! أصلح الله شأن المسلمين وعرفهم بسنة نبيهم الكريم، هذه هي السنة. من أين تُلتقط الحصيات؟ يجوز للحاج أن يلتقط الحصى من حيث شاء، لأن النبي ﷺ لم يحدد لذلك مكانًا كما في حديث ابن عباس السابق، وبه قال أحمد وعطاء واختاره ابن المنذر وابن تيمية ﵏. واستحب الشافعي (٢) أن يأخذها من مزدلفة، وهو مروي عن ابن عمر وسعيد ابن جبير، قلت: لكن لا يخفى ما فيه من التكلف والمشقة، وفي الأمر سعة. هل يجوز الرمي بحصى رمى به قبل؟ ذهب الجمهور إلى جواز الرمي بحصى رمى به من قبل مع الكراهة، وذهب ابن حزم إلى الجواز من غير كراهة، وقال (٣) ﵀: أما رميه بحصى قد رمى به فلأنه لم ينه عن ذلك قرآن ولا سنة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن قيل: قد رُوى عن ابن عباس «أن حصى الجمار ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك، ولولا ذلك لكان هضابًا تسدُّ الطريق» قلنا: نعم، فكان ماذا؟ وإن لم يتقبل رمي هذه الحصا من عمرو فسيُقبل من زيد، وقد يتصدق المرء بصدقة فلا يقبلها الله تعالى منه، ثم يملك تلك العين آخر فيتصدق بها فتقبل منه. اهـ.

стр. 915

لا يغسل حصى الرمي: استحب الشافعي ﵀ غسل حصى الجمار، ولا دليل على هذا الغسل، قال ابن المنذر: لا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي ﷺ غسلها أو أمر بغسلها، ولا معنى لغسلها، وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها، وقال: وروينا عن طاوس أنه كان يغسلها (١)، قلت: الأظهر أن غسلها لا يشرع والله أعلم. رمي الجمار راكبًا: ويجوز أن يرمي الجمار راكبًا لحديث قدامة بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» (٢). توقيت الرمي وعدده: أيام الرمي أربعة: يوم النحر (العاشر من ذي الحجة)، وثلاثة أيام بعد وتسمى أيام التشريق (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة). ويرمي -يوم النحر- جمرة العقبة الكبرى وحدها بسبع حصيات. ويرمي في أيام التشريق الجمار الثلاث -كل يوم منها- على الترتيب: الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، يرمي كل جمرة منها بسبع حصيات. فيصير مجموع الحصيات المرمية سبعين: سبع يوم النحر وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق. فإن تعجَّل الحاج، فلم ينتظر إلى الثالث عشر -وهذا جائز له- فيكون عدد الحصى المرمية تسعًا وأربعين. ١ - الرمي يوم النحر: تقدم أنه يجب رمي جمرة العقبة وحدها يوم النحر بسبع حصيات، ولكن ... من أين يرمي جمرة العقبة؟ يستحب أن يرمي من (بطن الوادي) بحيث تكون مكة عن يساره ومنى عن

стр. 916

يمينه إن تيسَّر له ذلك، لفعل النبي ﷺ كما في حديث جابر، ولحديث ابن مسعود «أنه حين رمى جمرة العقبة استبطن الوادي حتى إذا حاذى بالشجرة، اعترضها فرمى بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ثم قال: من ها هنا -والذي لا إله غيره- قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ » (١). فإن لم يتيسر هذا -لا سيما في الوقت الحاضر- فلا بأس أن يرميها من أي مكان تيسر. وقت الرمي: عن جابر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال» (٢) فالسنة أن لا يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجب هذا عند الجمهور، وأما رُوى عن ابن عباس: قدَّمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: «أُبَنِي لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٣) فحديث ضعيف فإن أخَّر الرمي إلى ما قبل الغروب جاز وإن لم يكن مستحبًّا بالإجماع (٤). فإن شق عليه الرمي قبل الغروب فإنه يرخَّص أن يرمي ولو بالليل لحديث ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى فسأله رجل: ... قال: رميت بعد ما أمسيت، قال: لا حرج» (٥). ويبتدئ وقت الرمي عند الحنفية والمالكية من طلوع الفجر يوم النحر، وعند الشافعية والحنابلة من منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله. وآخر وقت رمي جمرة العقبة عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي (الحادي عشر)، وعند المالكية إلى المغرب، ويجب في المذهبين الدم بتأخير الرمي عن ذلك. وأما الشافعية والحنابلة فآخر وقت الرمي عندهم آخر أيام التشريق.

стр. 917

متى يرمي الضعفة الذين دفعوا من مزدلفة قبل الفجر؟ لا خلاف في أن المستحب للضعفة من النساء وغيرهن الرمي بعد طلوع الشمس اقتداءً بالنبي ﷺ ، أما ما قبل طلوع الشمس، فأجازه الشافعي ﵀ ولو قبل الفجر، وأجازه الجمهور بعد الفجر إلى طلوع الشمس. قال شيخنا -حفظه الله تعالى- (١): «والذي يظهر لي في شأن النساء خاصة أن لهن الرمي إذا وصلن إلى منى، فقد أذن لهنَّ رسول الله ﷺ في الدفع بليل (٢)، ورمت أسماء ﵂ قبل صلاة الصبح (٣)، وتقدم في حديث سالم: «فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ » (٤). هذا، وإن صح حديث ابن عباس ﵄ فالنهي فيه للغلمان ليس للنساء، أو يحمل الأمر فيه على الندب جمعًا بين الأدلة كما قال ابن حجر في «الفتح» والله أعلم اهـ. سنن الرمي يوم النحر: ١ - قطع التلبية قبل الشروع في الرمي: لحديث الفضل بن عباس: «إن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٥) وبه قال الجمهور (٦). ٢ - التكبير مع كل حصاة يرميها: لما في حديث جابر: «... حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها ...» ٣ - أن يرميها من أسفلها من بطن الوادي: وقد تقدم هذا قريبًا. ٤ - أن يرمي بعد طلوع الشمس: وقد تقدم كذلك. ٥ - الانصراف بعد الرمي وعدم الوقوف: لما في حديث جابر: «.. رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر» فلا يقف عند جمرة العقبة عن الجمرتين

стр. 918

الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا» اهـ. الأعمال في يوم النحر وترتيبها: الأعمال المشروعة للحاج يوم النحر بعد وصوله منى أربعة، وهي: رمي جمرة العقبة، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة، وترتيب هذه الأربعة هكذا سنة، وليس بواجب، فلو طاف قبل أن يرمي أو ذبح في وقت الذبح قبل أن يرمي أو حلق قبل الرمي والطواف جاز، ولا فدية عليه، لكن فاته الأفضل (١)، وهذا مذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث (٢). ويدلَّ له حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج» (٣) وهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا، لأن اسم الحرج والضيق يشملها. وقال بعض العلماء كالإمام أحمد وغيره إن الرخصة في عدم الترتيب تختص بمن نسى أو جهل لا بمن تعمد (٤)، لما في حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح ولا حرج» فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج» فما سئل يومئذ عن شيء قدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل ولا حرج» (٥). قال ابن دقيق العيد في «شرح عمدة الأحكام» (٣/ ٧٩): ما قاله أحمد قوى من جهة أن الدليل دلَّ على وجوب اتباع الرسول في الحج بقوله: «خذوا عني مناسككم» وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: «لم أشعر» فيختصُّ الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضًا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا، لم يجز اطِّراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة،

стр. 919

وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي «فما سئل عن شيء .. إلخ» فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد. اهـ. قلت: هذا الكلام يكون في غاية السداد لو اقتصر النبي ﷺ على قوله: «لا حرج» في جواب للسائل، فلما قال: «افعل ولا حرج» وكان هذا دالاًّ على عدم الحرج في المستقبل، عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل والذاكر والعالم، وهذا كما أنه ظاهر الأدلة فهو الموافق لمقاصد الشريعة لا سيما في هذه الأيام (١) والله أعلم. يبقى إشكال في تقديم الحلق على الهدي لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢). وقد أُجيب بأن المراد ببلوغ الهدي محله: وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه وقد حصل، وإنما يقع الإشكال لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا، فصح أنه لا يجب الترتيب وإن كان هو الأولى، والله أعلم. التحلل الأول والثاني: للحج تحللان: أول وثان، يتعلقان برمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة، وقد اختلف العلماء: هل يحصل التحلل الأول بالرمي وإن لم يحلق، أو بالرمي مع الحلق؟ والأصل في هذا حديث عائشة قالت: «طيَّبت رسول الله ﷺ بيديَّ هاتين حين أحرم، ولحلِّه حين أحلَّ قبل أن يطوف» (٣). وعائشة ﵂ لم تكن مسايرته لما أفاض ﷺ من مزدلفة، وقد ثبت أنه استمر راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدلَّ على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، لكن هل كان هذا التطييب قبل الحلق أو بعده؟ فقال بعض العلماء (٤): لو كان يحل بالرمي فقط لقالت: (ولحله قبل أن

стр. 920

يحلق) فهي ﵂ جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وقد قال ﷺ : «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» (١). وقد ورد حديث: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (٢) لكنه لا يصح. وقال آخرون: إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة، حلَّ له كل شيء إلا النساء، ولو لم يحلق، واستدلوا برواية لحديث عائشة المتقدم بلفظ: «طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة لحجة الوداع للحل والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت» (٣). وبحديث: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (٤) بدون زيادة «وحلقتم» وهذا مذهب عطاء ومالك وأبي ثور وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد واختاره ابن قدامة وإليه ذهب ابن حزم بل إنه قال: يحل له ذلك بمجرد دخول وقت الرمي ولو لم يرم (٥). وذهب الشافعية إلى أن التحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف، ويقع التحلل الثاني بالثالث (٦). وأما التحلل الثاني فيحصل بعد طواف الإفاضة، ففي حديث ابن عمر: «... ثم لم يحلل [أي النبي ﷺ من شيء حرم منه حتى قضى حجَّه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه ...» (٧). ٢ - الرمي في أول وثاني أيام التشريق: يجب في هذه اليومين (الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة) رمي الجمار الثلاث على الترتيب: الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، يرمي كل جمرة منها بسبع حصيات.

стр. 921

وقت الرمي: يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين بعد الزوال، ولا يجوز قبله عند جمهور العلماء (١)، والدليل: ١ - لحديث جابر قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال» (٢) وقد قال ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (٣). ٢ - أن النبي ﷺ كان يترقب زوال الشمس حتى يرمي، فعن وبرة قال: سألت ابن عمر ﵄ «متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحيَّن فإذا زالت الشمس رمينا» (٤) ولو جاز قبل الزوال لفعله ﷺ ولو مرة لبيان الجواز. ٣ - أنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله ﷺ ، لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها، ولما فيه من التيسير على العباد ولما فيه من تطويل الوقت (٥). يمتد الوقت المسنون من زوال الشمس إلى غروبها، فإن شق الرمي قبل المغرب، فلا حرج -على الأصح- أن يرمي بالليل كما سبق تحريره عند الرمي يوم النحر. وأنه نهاية وقت الرمي، فمذاهب العلماء فيه مثل الذي تقدم في الرمي يوم النحر. صفة الرمي في اليومين: عن سالم أن ابن عمر ﵄: «كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» (٦). النَّفر الأول: إذا رمى الحاج الجمار أول وثاني أيام التشريق، فإنه يجوز له أن ينفر -أي يرحل- إلى مكة، إن أحب التعجل في الانصراف من منى، ويُمس

стр. 922

هذا اليوم يوم النفر الأول، وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق اتفاقًا، لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). وله أن ينفر -النفر الأول- قبل غروب الشمس ثاني أيام التشريق في مذهب الجمهور، وعند الحنفية: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من ثالث أيام التشريق. ٣ - الرمي ثالث أيام التشريق: ويجب رمي الجمار الثلاث في هذا اليوم على من تأخر ولم ينفر من منى «النفر الأول» بعد الزوال عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز الرمي قبل الزوال بعد الفجر، وحديث جابر يردُّه. واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم غروب الشمس، وأن وقت الرمي لقضاء الأيام السابقة ينتهي أيضًا بغروب شمس ثالث أيام التشريق، لخروج وقت المناسك بغروب الشمس. النَّفر الثاني: إذا رمى الحاج الجمار الثلاث في اليوم الثالث من أيام التشريق -وهو رابع أيام النحر- انصرف من منى إلى مكة، ولا يسن له أن يقيم بمنى بعد الرمي ويسمى «يوم النفر الثاني» وبه تنتهي مناسك منى. النيابة في الرمي (الرمي عن الغير): من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ونحوهما، فإنه يستنيب من يرمي عنه، لأن وقته مضيق، وينبغي أن يكون النائب قد رمى عن نفسه أولاً. ولا يصح الرمي عن النساء -غير العاجزات عن الرمي- وكذلك عن الصبيان، وأما حديث جابر: «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان ورمينا عنهم» (٢) فهو حديث ضعيف لا يصح. المبيت بمنى أيام التشريق واجب: يجب المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق الثلاث (أو: ليلتي حادي عشر وثاني عشر لمن تعجَّل) عند جمهور العلماء، يلزم على من تركه بغير عذر دم عندهم، لحديث ابن عمر ﵄.

стр. 923

قال: «رخَّص النبي ﷺ للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته» (١) وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة (٢). وذهب الحنفية -وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد- إلى أنه سنة (٣)، والأول أصح، والله أعلم. الهَدْي الهَدْي: ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا ما يهدى من الأنعام -خاصة- إلى الحرم تقرُّبًا إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ... وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). جنس الهدي: اتفق العلماء على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نصَّ الله سبحانه عليها، وأن الأفضل في الهدايا: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز (٥). فكلما كان أغلى ثمنًا كان أفضل، فإن النبي ﷺ لما سئل عن الرِّقاب: أيها أفضل، قال: «أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها» (٦). ما يشترط في الهدي: ١ - أن يكون من بهيمة الأنعام -كما تقدم- وهذا مجمع عليه. ٢ - أن يكون جذع ضأن أو ثنيَّ سواه، لا يجزئ دون ذلك، فلا يجزئ من الإبل ما له أقل من خمس سنين، ولا من البقر ما له أقل من سنتين، ولا من المعز أقل من سنة، ولا من الضأن أقل من ستة أشهر. فعن جابر أن النبي ﷺ قال: «لا تذبحوا إلا مسنَّة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (٧) والمسنة: الثنية.

стр. 924

وقال النبي ﷺ لأبي بردة في شأن جذعة المعز -وهي ما له ستة أشهر-: «تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحد بعدك» (١). ٣ - أن يكون سليمًا من العيوب: لقوله ﷺ : «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ضلعها، والكسيرة التي لا تُنقى» (٢) أي: من هُزالها لا مخ لها. والعيوب في الأنعام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام (٣): (أ) أن تكون العيوب الأربعة المنصوصة في الحديث السابق، فلا تجزئ. (ب) أن يكون ورد النهي عنها دون عدم الإجزاء، وهي ما كان العيب في أذنها وقرنها، ونحو ذلك، كحديث علي بن أبي طالب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرفاء» (٤). فهذه يكره إهداؤها مع إجزائها. (جـ) أن تكون عيوبها لم يرد النهي عنها، ولكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، وتكره ولا تحرم، كمكسورة السن في غير الثنايا ونحو ذلك. والله أعلم. الهدي نوعان: أجمع العلماء على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه تطوع. ١ - الهدي الواجب: وهو أقسام: (أ) هدي التمتع والقران: وهو الذي يجب على الحاج الذي لبى بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، أو لبى بحج وعمرة قارنًا بينهما، لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٥). وهذا الهدي يجب على المتمتع بالإجماع، وعلى القارن عند الجمهور. (ب) هدي الفدية: وهو الذي يجب على الحاج إذا حلق شعره لمرض أو شيء

стр. 925

مؤذ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). ويكون مخيَّرًا بين الهدي وبين الإطعام والصيام كما تقدم. وقد ألحق الجمهور بهذا النوع إيجاب الهدي على من ترك واجبًا من واجبات الحج، وعلى من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام. (جـ) هدي الجزاء: وهو الذي يجب على المحرم الذي يقتل صيد البر، وقد تقدم، وقاسوا على هذا دمًا على من ارتكب محظورًا من المحظورات في الحرمين كقطع شجره ونحوه. (د) هدي الإحصار: وهو ما يجب على من حُبس عن إتمام المناسك لمرض أو عدو أو نحوه، ولم يكن قد اشترط عند إحرامه -كما تقدم- لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). (هـ) هدي الوطء: وهو الذي يجب على الحاج إذا جامع أثناء الحج، وقد تقدم. (و) هدي النذر: وهو واجب على من نذره. ٢ - هدي التطوع: وهو ما يتطوع الحاج المفرد -أو المعتمر المفرد- بإهدائه، وما يتطوع به غيرهما فوق ما يجب عليه. بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه: من كان في بلده ولم يذهب إلى الحرم، فيستحب له أن يبعث هدي تطوع مع غيره، ويستحب أن يقَلِّده ويشعره -كما سيأتي- فإذا بعثه فلا يصير بذلك محرمًا ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم وهو قول الجمهور. فعن عائشة قالت: «فتلت قلائد بُدن رسول الله ﷺ بيديَّ، ثم أشعرها ولَّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلاًّ» (٣). كم يجزئ من الهدي: ليس في أكثر الهدي حدُّ معلوم، وقد كان هدي النبي ﷺ مائة، فعن علي قال: «أهدى النبي ﷺ مائة بدنة ...» (٤).

стр. 926

وأقل ما يجزئ عن الواحد شاة، فعن أبي أيوب الأنصاري قال: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، ثم تباهى الناس فصاروا كما ترى» (١). وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ : «.. أخذ الكبش فأضجعه ثم قال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد ...» الحديث (٢) وهذا في الأضحية. وقد أجمعوا على أن الكبش لا يجزئ إلا عن واحد -في الهدايا- إلا ما روى عن مالك من أنه يجزئ أن يذبحه الرجل على نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة بل إذا اشتراه مفردًا (٣). ويجزئ أن يشترك سبعة في بعير أو بقرة، وهو قول الشافعي المشهور عن أحمد لحديث جابر أنه قال: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (٤). وعنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهلِّين بالحج ... وأمرنا أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعة منا في بدنة» (٥). وقد نقل ابن رشد الإجماع على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة (٦). قلت: بل ذهب إسحاق إلى أن البدنة والبقرة تجزئ عن عشرة، وفي حديث عائشة: «... فلما كنا بمنى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر» (٧) وأزواجه تسع وقد جاء في بعض الروايات أنها كانت بقرة واحدة بينهن (٨). وقد ثبت أن النبي ﷺ قسم المغانم، فَعَدَل الجزور بعشرة شياه (٩)، وعن ابن

стр. 927

عباس قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في الجزور عشرة، والبقرة عن سبعة» (١). وهذه الأحاديث تُخرَّج على أحد وجوه ثلاثة (٢): ١ - إما أن يقال: أحاديث السبعة أكثر وأحصُّ. ٢ - وإما أن يقال: عدل البعير بعشرة من الغنم، تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة، وأما كونه عن سبعة في الهدايا، فهو تقدير شرعي. ٣ - وإما أن يقال: إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل، ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه فجعله عن عشرة، وفي بعضها يعدل سبعة فجعله عن سبعة، والله أعلم. اهـ. وقت الذبح أو النحر: يستحب الذبح يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق والطواف -كما تقدم- وأما وقت الجواز فقد اختلف أهل العلم فيه على أقوال (٣). ١ - أنه يجوز الذبح يوم النحر وثلاثة أيام بعده: وبه قال علي بن أبي طالب وهو مذهب الحسن البصري وعطاء الأوزاعي والشافعي واختاره ابن المنذر وابن تيمية وابن القيم، وحجتهم حديث: «كل أيام التشريق ذبح» (٤) ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى، وأيام الرمي، وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه الأحكام، فلا تفرق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. ٢ - أن وقتهم النحر ويومان بعده: وهو مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وغير واحد من الصحابة، وحُجتهم أنه قد نُهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، قالوا: فهو دليل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط، وفيه نظر (٥) لأن النهي عن الادخار فوق ثلاث لا يلزم منه النهي عن التضحية بعد ثلاث!!

стр. 928

٣ - أن وقت النحر يوم واحد، وهو قول ابن سيرين، لأنه اختص بهذه التسمية فدلَّ على اختصاص حكمها به. ٤ - أنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة أيام في منى: وهو قول سعيد بن جبير وجابر بن زيد، لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت أيامًا للذبح بخلاف أهل الأمصار. ٥ - أنه من يوم النحر إلى آخر ذي الحجة: وهو محكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي. ٦ - أنه لا يختص بوقت معين: وهو وجه عند الشافعية، وضعَّفه النووي (١). قلت: الأظهر أن أيام الذبح أربعة: يوم النحر وثلاثة بعده، وقد قرر هذا مجلس هيئة كبار العلماء بالسعودية (قرار رقم (٤٣) بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦) بالأكثرية (٢). مكان الذبح والنحر: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). وقد نحر النبي ﷺ بمنحره بمنى، وقال: «نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم ...» (٤). وفي لفظ: «وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة وطريق ومنحر» (٥). فالهدي لا يذبح إلا في الحرم، ومن ذبح أي مكان من الحرم -في مكة أو غيرها- أجزأه عند الجمهور، وقال مالك: لا يجزئ في الحرم إلا بمكة تمسُّكًا بظاهر قوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦) وفعل النبي ﷺ حجة عليه والله أعلم. هل يجوز نقل لحوم الهدايا خارج الحرم؟ قال مجلس هيئة العلماء بالسعودية في قراره (٧٧) بتاريخ ٢١/ ١٠/ ١٤٠٠: «فإن ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع: ١ - هدي التمتع أو القران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة -رضوان الله عليهم-من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي صحيح البخاري

стр. 929

عن جابر بن عبد الله قال: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث بمنى، فرخصَّ لنا النبي ﷺ فقال: «كلوا وتزوَّدوا، فأكلنا وتزوَّدنا» (١). ٢ - ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاء لصيد أو فدية لإزالة أذى أوارتكاب محظور أو ترك واجب، فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه، لأنه كله لفقراء الحرم. ٣ - ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزاء أو هدي الإحصار -أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم، فهذا يوزَّع حيث ذبح ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر» (٢). سَوْقُ الهَدْي (الإشعار والتقليد): يجوز للحاج أن يشتري هَدْيه من الحرم، كما يجوز له أن يسوقه من خارج الحرم. فإن ساقه استُحب أن يقلده ويُشعره -إن كان من الإبل أو البقر- بلا خلاف والتقليد: هو أن يجعل في عنق الهدي نعلاً أو نعلين (أو قطعة جلد) ليعرف أنه هدي، والإشعار: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة أو البقرة -ويستحب الأيمن عند الشافعي وأحمد- حتى يسيل دمها فيكون علامة على أنها من الهدي. فعن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلَّدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج» (٣). هل تُقلَّد الغنم؟ قال مالك وأبو حنيفة: لا تقلَّد الغنم، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: تُقلَّد، لحديث عائشة «أن النبي ﷺ أَهْدى إلى البيت مرةً غنمًا، فقلَّدها» (٤). توقيف الهدي بعرفة (التعريف) (٥): ذهب مالك إلى أنه لا يجزئ من الهدي الذي يبتاع في الحرم إلا أن يوقف بعرفة، فإن ابتيع في الحل ثم أدخل الحرم أجزأ وإن لم يوقف بعرفة!! وقال

стр. 930

الليث: لا يكون هديًا إلا ما قلِّد وأشعر ووقف بعرفة!! وحجته حديث طاوس «أن رسول الله ﷺ عرَّف بالبدن» (١). ولا يصح. وقال الشافعي والثوري وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج في تركه سواء كان داخلاً من الحل أو لم يكن. وقال أبو حنيفة: التعريف ليس بسنة، قلت: والصواب أنه إن وقف بالهدي فهو حسن وإلا فلا حرج في تركه، قال ابن حزم: «لم يأت أمر بتعريف شيء من ذلك في قرآن ولا سنة، ولا يجب إلا ما أوجب الله تعالى في أحدهما، ولا قياس يوجب ذلك أيضًا، لأن مناسك الحج إنما تلزم الناس لا الإبل» اهـ. وعلى كل حال فتعريف الهدي -في هذه الأيام- فيه حرج شديد، فلا يُتَكَلف والله أعلم. النحر والذبح (٢) في الأنعام: اتفق أهل العلم على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحو وذبح، وأن من سنة الغنم الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر (٣). من سنة النحر: من سنة نحر الهدي أن تنحر وهي قائمة ومقيَّدة، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٤). قال ابن عباس: أي قيامًا على ثلاث. وعن زياد بن جبير: أن ابن عمر ﵄ أتى على رجل، وهو ينحر بدنته باركة، فقال: «ابعثها قيامًا مقيدة، سنة نبيكم ﷺ » (٥). وعن جابر: «أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي منها» (٦). وأما البقر والغنم فيستحب ذبحها مضطجعة على جنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث على النحو الذي يأتي في «الذبائح» إن شاء الله.

стр. 931

انتفاع صاحب الهدي به: ١ - الأكل من الهدي إذا بلغ محله: قال الله سبحانه ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١). وقد اختلف أهل العلم في الأكل من الهدي الواجب: فقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة وهدي القرآن (٢)، وهو قول أكثر الحنابلة (٣) وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذى (٤). وقال الشافعي: لا يؤكل من الهدي الواجب كله، ولحمه كله للمساكين (٥). قلت: ما كان من الهدي أشبه بالكفارة فلا يأكل منه، لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة منها، وهذا ظاهر في هدي جزاء الصيد وفدية الأذى وسائر دماء الجبران، وأماما كان دم نسك، فهوعبادة مبتدأة وليس دم جبران، فهذا يأكل منه، وهدي التمتع والقران هو هدي نسك -على الراجح- شرع شكرًا لله تعالى على ما أنعم به على الحاج من تيسير الحج والعمرة له في سفرة واحدة، ويؤيد هذا أن سبب الجبران محظور في الأصل، والتمتع جائز مطلقًا ولو كان دمه دم جبران لم يجز مطلقًا، فعلم أنه دم نسك وهدي، وهذا مذهب الحنفية وأكثر الحنابلة واختاره ابن تيمية (٦)، وعند الشافعية والمالكية أنه دم جبران (٧) إلا أن المالكية أجازوا الأكل، والأول أظهر، فقد ثبت أن النبي ﷺ أكل من هديه، وقد كان قارنًا ففي حديث جابر: «... ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا مرقها ...» (٨) والله أعلم. وأما هدي التطوع: فأجمعوا أنه يأكل منه -إذا بلغ محلَّه- كسائر الناس. وإذا عطب قبل أن يبلغ محله: خلَّى بينه وبين الناس ولم يأكل منه، فعن ابن

стр. 932

عباس أن أبا قبيصة حدثه: أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه البدن ثم يقول: «إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتًا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» (١). والسبب في نهيه ورفقته من الأكل منه خوف تعطيبهم الهدي لأجل نحره قبل أوانه. ٢ - ركوب الهدي لمن احتاج إليه: يجوز أن يركب الهدي إذا احتاج، بالمعروف من غير إضرار بها وهو مذهب الشافعي، لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). ومن المنافع فيها الركوب، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، قال: يا رسول الله إنها بدنة، فقال: «اركبها ويلك» في الثانية أو في الثالثة (٣). وعن جابر بن عبد الله -وسئل عن ركوب الهدي- فقال سمعت النبي ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها، حتى تجد ظهرًا» (٤). وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق والظاهرية إلى أنه يركب ولو من غير حاجة، وحديث جابر حجة عليهم (٥) والله أعلم. لا يُعطى الجزار أجرته من الهدي: لا يجوز أن يعطى الجزار أجرة نحره أو ذبحه من الهدي، وإنما يجوز أن يتصدق عليه منه بعد إعطائه أجرته، لحديث عليٍّ ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنة، وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني ألا أعطي الجزار منها شيئًا، قوال: «نحن نعطيه من عندنا» (٦). الصيام لمن لم يستطع الهدي: من كان قارنًا أو متمتعًا فإنه يجب عليه هدي -كما تقدم-، فإن لم يملك

стр. 933

ثمن الهدي ولم يستطعه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، كما قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١). وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «... فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ...» (٢). متى يصوم الأيام الثلاثة؟ اختلف العلماء في الأيام الثلاثة التي تصام في الحج على أقوال، أشهرها قولان: ١ - أنه يشرع صيامها من حين الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، واختاره ابن تيمية. ويستحب أن يجعلها السابع من ذي الحجة ويوم التروية ويوم عرفة، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وعن أحمد أن الأفضل أن يكون آخرها يوم التروية (٣) فإن قيل إن الله تعالى قال: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٤). فيقال: نعم، وقد قال النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج» (٥). ٢ - أنه لا يجوز الصيام إلا بعد الإحرام بالحج: وهو مذهب المالكية والشافعية (٦). لقوله تعالى ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وهو مروي عن ابن عمر. قلت: كلا القولين متجه يحتمله معنى الآية الكريمة، والأول لا مانع منه، على أن يلاحظ الآتي (٧): (أ) لا ينبغي تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية لأجل الصيام، فإنه خلاف السنة كما تقدم، والغالب على الظن أن من الصحابة الذين أحرموا مع النبي ﷺ يوم التروية من كان فقيرًا لم يسق الهدي ولم يقدم الإحرام بالحج. (ب) أنه لا ينبغي أن يصوم الحاج يوم عرفة لأنه خلاف السنة كما تقدم، فإن شاء صام السادس والسابع والتروية كما قال أحمد واختاره ابن باز، ﵀.

стр. 934

(جـ) الذي يظهر أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، كما يفهم من حديث ابن عمر وعائشة: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (١). وهذا هو الأحوط، وبه يخرج من الخلاف السابق. (د) لا يجوز أن يؤخر صيام الثلاثة عن أيام التشريق، لأن ما بعد أيام التشريق ليست من أيام الحج. (هـ) إذا صام قبل أيام التشريق فلا يشترط أن يصومها متتابعة، لأن الآية لم تقيِّد الصيام بالتتابع، والأصل إطلاق ما أطلقه الله ورسوله، فإن ابتدأ صيامه في أول أيام التشريق لزمه التتابع لإيقاع الصيام في أيام الحج، والله أعلم. المُحصَر إذا لم يستطع الهدي: تقدم أن من أُحصر -ولم يكن اشترط في إحرامه- يجب عليه هدي، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). ويذبحه في مكان الإحصار ثم يحلق رأسه، فعن ابن عمر قال: «خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين فحال كفَّار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه» (٣). فإن لم يستطع أو لم يجده، فالصواب أنه يحل ولا شيء عليه لا صيام ولا غيره، وأما من قاسه على هدي التمتع (٤)، ففيه نظر من أوجه (٥): ١ - أنه كان معه النبي ﷺ في عمرة الحديبية وغيرها عدد كبير من أصحابه وفيهم الفقراء، ولم يرد أنه أمر من لم يجد الهدي بالصوم عشرة أيام، والأصل البراءة. ٢ - أن حكم التمتع والإحصار آية واحدة، فذكر البدل عن الهدي في التمتع ولم يذكره في الإحصار ثم انتقل إلى حكم آخر، فقال: ﴿... وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ ..﴾ فدل على أن لا شيء على المحصر الذي لا يجد هديًا، فكان القياس مخالفًا للنص. ٣ - أن هذا القياس قياس مع الفارق، فإن بين التمتع والإحصار فرقًا عظيمًا،

стр. 935

فالتمتع ترفه بالتحلل من العمرة وحصل له مقصوده بالحج، والمحصر لم يحصل له مقصوده. والله أعلم. الحلق والتقصير حكمهما: اتفق جمهور العلماء على أن حلق شعر الراس أو تقصيره واجب من واجبات الحج، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (١). وذهب الشافعي في المشهور عنه -والراجح في مذهبه- أنه ركن (٢). وسبب اختلافهم عدم الدليل على هذا أو ذاك، وقد ثبت الحلق والتقصير بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ (٣). وقد عبَّر عن الحج بالحلق فعلم أنه واجب فيه. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اللهم ارحم المحلِّقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين» (٤). والحلق أفضل من التقصير: لحديث ابن عمر السابق، ولا يجب الحلق إلا إذا نذره، فإذا قصَّر فإنه يجمع شعره فيقص من جميعه بقدر الأنملة أو أقل أو أكثر. ليس على النساء حلق بل يُقصِّرن: عن ابن عباس قال: قال لنا ر: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» (٥). وقد حكى غير واحد الإجماع على أن النساء لا يحلقن وإنما يقصرن. قدر كم تأخذ المحرمة من شعرها؟ لم يرد في هذا نص من كتاب أو سنة، وقد قال بعض أهل العلم: تأخذ قدر

стр. 936

أنملة من كل قرن (ضفيرة) وهو قول ابن عمر والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال بعضهم: تأخذ من جوانبها شيئًا، وقال بعضهم: لا تكثر الشابة، وأما الكبيرة فتأخذ من شعرها ولا تزيد عن الربع (١). قلت: الظاهر أن لها أن تقصر ما شاءت بحيث لا تشابه الرجال وإلا لم يجز والله أعلم. وقت الحلق والتقصير: السنة أن يحلق -أو يقصِّر- يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة ونحر الهدي، اقتداء بالنبي ﷺ . والجمهور على أن الحلق أو التقصير لا يختص بزمان ولا مكان، لكن السنة فعله في الحرم أيام النحر. وذهب الحنفية إلى أن الحلق يختص بأيام النحر وبمنطقة الحرم، فلو أخل بأي من هذين حصل له التحلل ولزمه الدم (٢). من آداب الحلق: ١ - ألا يحلقه بنفسه: بل يحلق له غيره. ٢ - أن يبدأ الحالق بشق رأسه الأيمن: والدليل عليهما حديث أنس «أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى، ونحر، ثم قال للحلاَّق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» (٣). ٣ - أن يأخذ من ظفره وشاربه بعد الحلق: فقد صح عن ابن عمر ﵄ «أنه كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه». وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلَّم أظفاره (٤). ما يفعل الأصلع؟ الأصلع الذي لا شعر له، ليس عليه حلق ولا فدية، ويستحب إمرار الموسى

стр. 937

على رأسه ولا يجب عند الجمهور -خلافًا للحنفية- وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمر الموس على رأسه (١). الفوات والإحصار ١ - الفوات: ما يفوت به الحج، ومن فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج، وقد تقدم الدليل عليه في «ركن الوقوف». من فاته الحج، ماذا يفعل؟ من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، ويتحلل بعمرة من طواف وسعي وحلق أو تقصير، ولزمه أن يقضيه من قابل، ولزمه الهدي في وقت القضاء، ويسقط عنه ما بقي من المناسك كالنزول بالمزدلفة والرمي ومني ونحوها، وهذا قول الجمهور، خلافًا للحنفية فإنهم لا يوجبون عليه الهدي (٢). وإن اختار من فاته الحج، البقاء على إحرامه ليحج من قابل، فله ذلك، لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه، كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره. إذا أخطأ في الوقوف بعرفة: إذا أخطأ الناس، فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر، فإنه يجزئهم، ولا يجب عليهم القضاء (٣)، لأنهم فعلوا ما أُمروا به. فإن اختلفوا فأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم لم يجزئهم، لأنهم غير معذورين في ترك ما عليه الجماعة. ٢ - الإحصار: منع المحرم من إتمام النسك. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤). الإحصار المعتبر (٥): اختلف أهل العلم في السبب المعتبر به الإحصار، لاختلافهم في فهم الآية

стр. 938

السابقة، فقال قوم: المحصر هو المحصر بالعدوِّ فقط، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. قالوا: لأن الآية نزلت في إحصار المشركين وصدهم النبي ﷺ عن عمرة الحديبية واحتجوا كذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وبقوله تعالى بعده: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ..﴾ قالوا: فلو كان المحصر هو المحصر بمرض لما كان لذكر المرض بعد ذلك فائدة، وهذامذهب ابن عمر وابن عباس. وقال آخرون: بل المحصر هو المحصر بمرض وبعدو وبكل ما يمنع من إتمام النسك وبه قال مالك وهو رواية عن أحمد واختاره شيخ الإسلام وهو الراجح (١) لعموم قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وأما كون سبب نزولها أن النبي ﷺ أحصره العدو، فهذا قصر للدليل على سببه ولا يصح، وأما الاستدلال بقوله تعالى ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ فهو من باب ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص كما هو مقرر في الأصول، هذا على أنه قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ ...﴾ الأظهر أنه في غير المحصر، بل في المتمتع الحقيقي، فكأن المعنى: فإذا لم تكونوا خائفين لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع!! قلت: «أبو مالك»: وأصرح من هذا كله حديث عائشة ﵂ في قول النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير: «أردت الحج؟» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» (٢) وهو صريح في اعتبار النبي ﷺ الوجع والمرض سببًا للإحصار، والله أعلم. من أحصر ماذا يصنع؟ من أحصر عن إتمام نسكه، فإن كان اشترط أن محله حيث حُبس، فإنه يحلُّ ولا شيء عليه، لحديث عائشة المتقدم. وإن لم يكن قد اشترط، فإنه يتحلل بعمرة ويجب عليه هدي عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣).

стр. 939

هل يجب على المحصر القضاء؟ ذهب الجمهور إلى أن المحصر لا يجب عليه قضاء نسكه إن تحلل -خلافًا للحنفية- إلا أن كيون واجبًا في الأصل كحجة الإسلام فيطالب به بالوجوب السابق. والله أعلم. ثانيًا: العمرة تعريفها: العمرة لغةً: الزيارة، وقيل القصد إلى مكان عامر، وسميت بذلك لأنها تفعل في العمر كله. وشرعًا: قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي (١). حكمها: اختلف أهل العلم في حكم العمرة على من وجب عليه الحج، على قولين: الأول: تجب العمرة في العمر مرة: وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو مروي عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من السلف، وبه قال أهل الظاهر (٢) وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٣). ومقتضى الأمر الوجوب ثم عطفها على الحج. ٢ - حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٤) وظاهر قوله (عليهن) الوجوب. ٣ - حديث الصبي بن معبد قال: أتيت عمر ﵁ فقلت يا أمير المؤمنين، إني

стр. 940

أسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأهللت بهما، فقال: «هَديت لسنة نبيك» (١). ٤ - أن العمرة هي الحج الأصغر عند الجمهور (٢). الثاني: العمرة مستحبة وليست واجبة: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك (٣)، والقول القديم للشافعي والرواية الأخرى عن أحمد وهو مروي عن ابن مسعود، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واحتجوا بما يلي: ١ - ما رُوى عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمروا فهو أفضل» (٤). ٢ - ما رُوى عن طلحة مرفوعًا: «الحج جهاد، والعمرة تطوع» (٥). ٣ - أن العمرة والحج عبادتان من جنس واحد، فإذا فعلت الكبرى لم تجب الصغرى كالوضوء مع الغسل، وإن كان الوضوء مع الغسل أفضل وأكمل (٦)، وهكذا فعل النبي ﷺ لكن أمرهم بالتمتع، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (٧). ٤ - أن العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج -وأعمال الحج إنما فرضها الله مرة واحدة لا مرتين -فعلم أن الله لم يفرض العمرة (٨). قلت: أما الأحاديث التي استدل بها الفريق الثاني فلا يصح منها شيء، ومع هذا فأدلة الموجبين كذلك ليست صريحة في الإيجاب، فقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ إنما هو في وجوب الإتمام لمن شرع فيهما، وأما في الابتداء فقد أوجب الحج فقط، حيث قال: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٩). ولم يوجب

стр. 941

العمرة، وأما كون العمرة: الحج الأصغر، فقد جعله ابن تيمية حجة على الموجبين لا لهم، لأنه يلزم منه إيجاب حجَّين وهو ممتنع. وعلى كلٍّ فالأحوط فعلها وعدم التفريط لاحتمال ثبوت زيادة «العمرة» في حديث عائشة، ولاحتمال أن يكون المراد من قوله ﷺ : «دخلت العمرة في الحج كهاتين ..» وجوبها كالحج، ولأن العمل بأدلة الوجوب تبرأ بها المة بالإجماع. والله أعلم. فضل العمرة (١): العمرة من أجلِّ العبادات، وأفضل القربات التي يرفع الله بها لعباده الدرجات، ويحط عنهم بها الخطيئات، وقد حضَّ عليها النبي ﷺ قولاً وعملاً: ١ - فقال ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (٢). ٢ - وقال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» (٣). ٣ - واعتمر ﵊ واعتمر معه أصحابه في حياته وبعد مماته. وقت العمرة: يجوز إيقاع العمرة في جميع أيام السنة -عند جمهور العلماء- إلا أنها في رمضان أفضل منها في غيره، لقوله ﷺ : «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» (٤). تجوز العمرة قبل الحج: فعن عكرمة بن خالد «أنه سأل ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحج، فقال: لا بأس بها، قال عكرمة: قال ابن عمر: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج» (٥). هل يشرع تكرار العمرة ؟ تكرار العمرة يكون على حالتين: ١ - تكرار العمرة في السنة الواحدة بأسفار متعددة: فهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين (٦):

стр. 942

(أ) أنه يكره، وبه قال الحسن وابن سيرين والنخعي، وهو مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم أن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتمروا في عام مرتين، فتكره الزيادة على فعلهم، ولأن العمرة هي الحج الأصغر، والحج لا يشرع في العام إلا مرة واحدة، فكذلك العمرة. (ب) أنه جائز ومستحب، وهو مذهب الجمهور، منهم عطاء وطاوس وعكرمة والشافعي وأحمد، وهو المروي عن عليٍّ وابن عمر وابن عباس وعائشة، وحجتهم أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ : عمرتها التي كانت مع الحجة، والعمرة التي اعتمرتها من التنعيم، وهذا على القول بأنها لم ترفض عمرتها وأنها كانت قارنة كما ذهب إليه الجمهور. وكذلك استدلوا بحديث «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ...» (١)، وبحديث عائشة «أن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال» (٢). قلت: والظاهر لي أن مذهب الجمهور أرجح، والعمرة عمل خير لم يأت ما ينهي عن تكراره، وقياسها على الحج -في كونه مرة- لا يصح؛ لأن العمرة ليس لها وقت تفوت به بخلاف الحج، ثم إن الحج لا يتصور تكراره في عام واحدة، فبطل القياس عليه، والله أعلم. ٢ - تكرار العمرة في سفرة واحدة: الخلاف في هذه المسألة مثل الخلاف في التي قبلها، لكن الراجح هنا أنه لا يُشرع تعدد العُمر في السفرة الواحدة كما يفعله كثير من الناس اليوم من الخروج إلى التنعيم -بعد الحج مثلاً- ثم الاعتمار، فهذا لم يفعله النبي ﷺ «وإنما كانت عُمَر النبي ﷺ كلها داخلاً مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة تلك المدة أصلاً، فالعمرة التي فعلها رسول الله ﷺ وشرعها: عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها فخرج إلى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها من بين سائر من كان

стр. 943

معه، لأنها كانت أحرمت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وبعمرة مستقلة، وترجع هي بعمرة ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم» (١). ثم إن الطواف بالبيت أفضل من السعي يقينًا، وهو أولى من الاشتغال بالخروج إلى التنعيم للإهلال بعمرة جديدة، ومعلوم أن الوقت الذي يصرفه في الخروج إلى التنعيم ليهل بعمرة جديد يستطيع أن يطوف فيه بالبيت مئات الأشواط. قلت: هذا فيمن كان اعتمر قبل الحج فأراد -بعد الحج- أن يكرر عمرته، أو كان اعتمر وأراد التكرار، أما من كان في مثل حال عائشة ﵂، فلم يعتمر قبل الحج، فلا بأس أن يعتمر بعد فراغه من الحج، عملاً بالأدلة كلها (٢)، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، والله تعالى أعلم. أركان العمرة: ١ - الإحرام ٢ - الطواف ٣ - السعي فمن ترك ركنًا من هذه الأركان، لم يتم نسكه. واجبات العمرة: ١ - الإحرام من الميقات: يجب على من أراد العمرة أن يُحرم بها من الميقات إن كان مقيمًا قبل الميقات (خارجه) فإن كان مقيًا دون الميقات فيُحرم من منزله، وأما المقيم بمكة فيخرج إلى الحل (التنعيم أو غيره) فيحرم منه كما فعلت عائشة ﵂. ٢ - الحلق أو التقصير. زيارة المدينة المنورة (٣): فضل المدينة: عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى سمى المدينة طابة» (٤).

стр. 944

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد» (١). فضل مسجدها وفضل الصلاة فيه: عن أبي هريرة، يبلغ به عن النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (٢). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام» (٣). وعن عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (٤). آداب زيارة المسجد والقبر الشريفين: إن الأفضلية التي اختص بها المسجد النبوي الشريف، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هي تكريم من الله سبحانه لهذه المساجد الثلاثة، وتفضيل للصلاة فيها على الصلاة في غيرها، فمن جاءها فإنما يجيئها رغبة في تحصيل الثواب وتلبية لدعوة النبي ﷺ في الحث على شد الراحل إليها وزيارتها. وليست لهذه المساجد الثلاثة آداب تختص بها من بين سائر المساجد، غير أن لبسًا قد يخالط بعض الناس، فيجعلون للمسجد النبوي آدابًا خاصة به، وما كان هذا اللَّبس ليكون لولا وجود القبر الشريف داخل المسجد. وحتى يكون المسلم على بينة من أمره إذا قدم المدينة، وأراد أن يزور المسجد النبوي نورد آداب زيارته: ١ - إذا دخل فليدخل برجله اليمنى، ثم ليقل: «اللهم صلِّ على محمد وسلِّم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٥). أو «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (٦).

стр. 945

٢ - ثم يصلي ركعتي تحية المسجد قبل أن يجلس. ٣ - وليحذر الصلاة إلى جهة القبر الشريف، والتوجه إليه حيثما يدعو. ٤ - ثم يذهب إلى القبر الشريف ليسلم على النبي ﷺ ، وليحذر وضع يديه على صدره، وطأطأة الرأس، والتذلل -الذي لا ينبغي إلا الله وحده- والاستغاثة بالنبي ﷺ . وليسلم على النبي ﷺ بالكلمات والألفاظ التي كان يسلم بها على أهل البقيع، وقد صحت عنه ﷺ صيغ عدة، منها: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (١) ويسلِّم على صاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄ بالسلام نفسه. ٥ - وليس من الأدب أن يرفع صوته في المسجد، أو عند القبر الشريف، فليكن صوته خفيفًا، إذ الأدب مع الرسول ﷺ ميتًا كالأدب معه حيًّا. ٦ - وليحرص على الصلاة في جماعة في الصفوف الأولى، لما في ذلك من الفضل الجم والثواب العظيم. ٧ - ولا يحمله الحرص على الصلاة في الروضة أن يتأخر عن الصفوف الأولى، فليس للصلاة في الروضة فضل يميزها عن الصلاة في سائر أجزاء المسجد. ٨ - وليس من السنة أن يحرص على الصلاة في المسجد أربعين صلاة متوالية بناء على الحديث الذي اشتهر على ألسنة الناس تداوله: «من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا يفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجا من العذاب، وبرئ من النفاق» (٢). فهذا حديث ضعيف لا يصح. ٩ - وليس مشروعًا أن يكثر التردد على القبر الشريف للسلام على الرسول ﷺ ، فالسلام عليه يبلغ حيثما كان، ولو كان في أقصى الأرض فهو ومَنْ أمام القبر سواء في الحصول على ثواب الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . ١٠ - وإذا خرج من المسجد لا يمشي القهقري، وليخرج برجله اليسرى قائلاً: «اللهم صل على محمد، اللهم إني أسألك من فضلك» (٣). مسجد قباء: يسن لمن أتى المدينة أن يؤم مسجد قباء فيصلي فيه، اقتداء برسول الله ﷺ ،

стр. 946

حيث «كان ﵊ يتعاهده بالزيارة ماشيًا وراكبًا، ويأتيه يوم السبت فيصلي فيه ركعتين» (١). وكان ﷺ يقول: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه، كان له كأجر عمرة» (٢). البقيع وأُحد: البقيع مقبرة المسلمين بالمدينة، وفيه دفن خلق كثير من الصحابة، وما زال يدفن فيه المسلمون إلى أيام الناس هذه، وكثيرٌ هم أولئك الذين يأتون المدينة طمعًا في الموت بها ليدفنوا في البقيع. و «أُحد جبل يحبنا ونحبه» (٣)، وفي حضنه دفن بضعة وسبعون شهيدًا، من شهداء الغزوة التي دارت رحاها في أحضانه، ونسبت إليه فسميت غزوة أحد. فإذا أراد أحد قدم المدينة أن يزور البقيع أو شهداء أُحد فلا مانع، فقد كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم أذن بها، لتذكر الآخرة والاتعاظ بمصائر من فيها. ولكن يجب الحذر من التبرك بالقبور، والاستغاثة بأهلها، والاستشفاع بهم لدى الأحياء، والتوسل بهم إلى رب العباد. ولا يشرع لمن يأتي أُحدًا أن يقصد ما يقال بأنه مصلى النبي ﷺ في سفح الجبل ليصلي فيه، أو أن يصعد أُحدًا تبركًا، أو يصعد جبل الرماة تتبعًا لآثار الصحابة، فذلك وغيره مما يكون من غير السلام والدعاء للشهداء ليس مشروعًا ولا مستحبًا شَرْعًا، بل هو من الأمور المحدثة المنهي عنها، وفي ذلك يقول عمر ﵁: «إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم». فليكن لنا في كلام عمر ﵁ مقنع ومقطع. المزارات: هناك أماكن أخرى في المدينة المنورة تعرف بالمزارات، كالمساجد السبعة القريبة من موقع غزوة الخندق، ومسجد القبلتين، وبعض الآبار، ومسجد الغمامة، والمساجد التي تنسب لأبي بكر، وعمر، وعائشة، ﵃ جميعًا، فكل هذه الأماكن لا يشرع تخصيصها بالزيارة، ولا يحسبن الزائر لها أنه بزيارتها يحصل على زيادة ثواب، فإن تتبع آثار الأنبياء والصالحين كانت سببًا في هلاك الأمم من قبلنا، ولا

стр. 947

يحسن بالمسلمين أن يخالفوا هدي نبيهم محمد ﷺ وهدي أصحابه -رضوان الله عليهم- فإن الخير كل الخير في هديه وهديهم، والشر كل الشر في المخالفة عن هديه وهديهم. تنبيهان مهمان جدًّا: الأول: يحرص كثير من الحجاج على المكث في المدينة المنورة أيامًا أكثر من الأيام التي يمكثونها في مكة، مع أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف في غيره من المساجد، أما الصلاة في المسجد النبوي فهي كألف صلاة فيما سواه. وهذا الفرق الكبير في الفضل بين الصلاة في مكة وبين الصلاة في المدينة ينبغي أن يكون فيه مقنع لأولئك الحجاج أن يكون مكثهم في مكة أكثر منه في المدينة. الثاني: كثير من الحجاج يظنون أن زيارة المسجد النبوي هي من مناسك الحج، ولذا فإنهم يحرصون عليها كحرصهم على مناسك الحج، حتى لو أن رجلاً حج ولم يأت المدينة فعندهم أن حجه ناقص!! ويروون على غير ما يظن هؤلاء، فزيارة المسجد النبوي سنة شرعها الرسول ﷺ للصلاة فيه، لكن لا علاقة بين الزيارة وبين الحج، ولا يترتب على زيارة المسجد صحة للحج، بل ولا كمال له، لأن زيارة المسجد النبوي ليست من مناسك الحج، بل هي مشروعة لذاتها وحدها. محظورات الحرمين (١): جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة». فتحريمهما إنما كان بوحي من الله سبحانه لنبييه ورسوليه الكريمين -صلوات الله وسلامه عليهما-. وإذا قيل الحرمان، فهما مكة والمدينة، ولا يجوز إطلاق لفظ الحرم شرعًا إلا عليهما وحدهما، ولا يجوز إطلاق لفظ الحرم شرعًا على المسجد الأقصى، ولا على مسجد إبراهيم الخليل، إذ لم يسم الوحي حرمًا إلا مكة والمدينة، وهو تشريع لا مكان لعقل البشر فيه.

стр. 948

ويحظر في أرض الحرمين أمور لا يجوز فعلها لمن كان يحيا فيهما، أو أتاهما زائرًا لحج أولعمرة أو لغير ذلك، وهذه الأمور هي: ١ - صيد الحيوان والطير، وتنفيره، والإعانة عليه. ٢ - قطع النبات والشوك إلا ما دعت الحاجة والضرورة إليه. ٣ - حمل السلاح. ٤ - التقاط اللقطة في حرم مكة للحاج، أما من كان مقيمًا في مكة التقطها وعرفها، والفرق بين الحاج والمقيم ظاهر في ذلك. اهـ. قلت: والدليل على هذه المحظورات قول النبي ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه، ولا يُنفِّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يُختلى خلاها». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقِينهم ولبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر» (١). وعن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح» (٢). وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال [يعني في المدينة]: «لا يُخْتَلَى خلاها، ولا يُنَفَّرُ صيدها، ولا تُلتقط لُقَطَتُهَا إلا لمن أشاد بها [أنشدها] ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يُقْطَعَ منها شجرة إلا أن يَعلفَ رجل بعيره» (٣). قال الشيخ شقرة: فمن أتى شيئًا من هذه المحظورات فقد أثم، ويلزمه التوبة والاستغفار، إلا الصيد فإن على المحرم فيه دم الجزاء زيادة على التوبة والاستغفار. اهـ.

стр. 949

٧ - كتاب الأيمان والنذور

стр. 950

أولًا: الأيْمَانُ (*) تعريف الأيمان: الأيمان لغةً: جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحَلِف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم بيمينه على يمين صاحبه (١). واليمين شرعًا: «توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله» (٢). مشروعية اليمين: ثبتت مشروعية اليمين بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤)، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالقسم في ثلاثة مواضع من كتابه، فقال: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٥)، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ (٦) ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٧). ٢ - ومن السنة: قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ...» (٨). وقوله ﷺ : «... [فوالذي لا إله غيره] إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ...» (٩) الحديث.
следующие страницы →