← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حيث «كان ﵊ يتعاهده بالزيارة ماشيًا وراكبًا، ويأتيه يوم السبت فيصلي فيه ركعتين» (١). وكان ﷺ يقول: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه، كان له كأجر عمرة» (٢). البقيع وأُحد: البقيع مقبرة المسلمين بالمدينة، وفيه دفن خلق كثير من الصحابة، وما زال يدفن فيه المسلمون إلى أيام الناس هذه، وكثيرٌ هم أولئك الذين يأتون المدينة طمعًا في الموت بها ليدفنوا في البقيع. و «أُحد جبل يحبنا ونحبه» (٣)، وفي حضنه دفن بضعة وسبعون شهيدًا، من شهداء الغزوة التي دارت رحاها في أحضانه، ونسبت إليه فسميت غزوة أحد. فإذا أراد أحد قدم المدينة أن يزور البقيع أو شهداء أُحد فلا مانع، فقد كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم أذن بها، لتذكر الآخرة والاتعاظ بمصائر من فيها. ولكن يجب الحذر من التبرك بالقبور، والاستغاثة بأهلها، والاستشفاع بهم لدى الأحياء، والتوسل بهم إلى رب العباد. ولا يشرع لمن يأتي أُحدًا أن يقصد ما يقال بأنه مصلى النبي ﷺ في سفح الجبل ليصلي فيه، أو أن يصعد أُحدًا تبركًا، أو يصعد جبل الرماة تتبعًا لآثار الصحابة، فذلك وغيره مما يكون من غير السلام والدعاء للشهداء ليس مشروعًا ولا مستحبًا شَرْعًا، بل هو من الأمور المحدثة المنهي عنها، وفي ذلك يقول عمر ﵁: «إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم». فليكن لنا في كلام عمر ﵁ مقنع ومقطع. المزارات: هناك أماكن أخرى في المدينة المنورة تعرف بالمزارات، كالمساجد السبعة القريبة من موقع غزوة الخندق، ومسجد القبلتين، وبعض الآبار، ومسجد الغمامة، والمساجد التي تنسب لأبي بكر، وعمر، وعائشة، ﵃ جميعًا، فكل هذه الأماكن لا يشرع تخصيصها بالزيارة، ولا يحسبن الزائر لها أنه بزيارتها يحصل على زيادة ثواب، فإن تتبع آثار الأنبياء والصالحين كانت سببًا في هلاك الأمم من قبلنا، ولا

стр. 947

يحسن بالمسلمين أن يخالفوا هدي نبيهم محمد ﷺ وهدي أصحابه -رضوان الله عليهم- فإن الخير كل الخير في هديه وهديهم، والشر كل الشر في المخالفة عن هديه وهديهم. تنبيهان مهمان جدًّا: الأول: يحرص كثير من الحجاج على المكث في المدينة المنورة أيامًا أكثر من الأيام التي يمكثونها في مكة، مع أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف في غيره من المساجد، أما الصلاة في المسجد النبوي فهي كألف صلاة فيما سواه. وهذا الفرق الكبير في الفضل بين الصلاة في مكة وبين الصلاة في المدينة ينبغي أن يكون فيه مقنع لأولئك الحجاج أن يكون مكثهم في مكة أكثر منه في المدينة. الثاني: كثير من الحجاج يظنون أن زيارة المسجد النبوي هي من مناسك الحج، ولذا فإنهم يحرصون عليها كحرصهم على مناسك الحج، حتى لو أن رجلاً حج ولم يأت المدينة فعندهم أن حجه ناقص!! ويروون على غير ما يظن هؤلاء، فزيارة المسجد النبوي سنة شرعها الرسول ﷺ للصلاة فيه، لكن لا علاقة بين الزيارة وبين الحج، ولا يترتب على زيارة المسجد صحة للحج، بل ولا كمال له، لأن زيارة المسجد النبوي ليست من مناسك الحج، بل هي مشروعة لذاتها وحدها. محظورات الحرمين (١): جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة». فتحريمهما إنما كان بوحي من الله سبحانه لنبييه ورسوليه الكريمين -صلوات الله وسلامه عليهما-. وإذا قيل الحرمان، فهما مكة والمدينة، ولا يجوز إطلاق لفظ الحرم شرعًا إلا عليهما وحدهما، ولا يجوز إطلاق لفظ الحرم شرعًا على المسجد الأقصى، ولا على مسجد إبراهيم الخليل، إذ لم يسم الوحي حرمًا إلا مكة والمدينة، وهو تشريع لا مكان لعقل البشر فيه.

стр. 948

ويحظر في أرض الحرمين أمور لا يجوز فعلها لمن كان يحيا فيهما، أو أتاهما زائرًا لحج أولعمرة أو لغير ذلك، وهذه الأمور هي: ١ - صيد الحيوان والطير، وتنفيره، والإعانة عليه. ٢ - قطع النبات والشوك إلا ما دعت الحاجة والضرورة إليه. ٣ - حمل السلاح. ٤ - التقاط اللقطة في حرم مكة للحاج، أما من كان مقيمًا في مكة التقطها وعرفها، والفرق بين الحاج والمقيم ظاهر في ذلك. اهـ. قلت: والدليل على هذه المحظورات قول النبي ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه، ولا يُنفِّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يُختلى خلاها». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقِينهم ولبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر» (١). وعن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح» (٢). وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال [يعني في المدينة]: «لا يُخْتَلَى خلاها، ولا يُنَفَّرُ صيدها، ولا تُلتقط لُقَطَتُهَا إلا لمن أشاد بها [أنشدها] ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يُقْطَعَ منها شجرة إلا أن يَعلفَ رجل بعيره» (٣). قال الشيخ شقرة: فمن أتى شيئًا من هذه المحظورات فقد أثم، ويلزمه التوبة والاستغفار، إلا الصيد فإن على المحرم فيه دم الجزاء زيادة على التوبة والاستغفار. اهـ.

стр. 949

٧ - كتاب الأيمان والنذور

стр. 950

أولًا: الأيْمَانُ (*) تعريف الأيمان: الأيمان لغةً: جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحَلِف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم بيمينه على يمين صاحبه (١). واليمين شرعًا: «توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله» (٢). مشروعية اليمين: ثبتت مشروعية اليمين بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤)، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالقسم في ثلاثة مواضع من كتابه، فقال: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٥)، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ (٦) ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٧). ٢ - ومن السنة: قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ...» (٨). وقوله ﷺ : «... [فوالذي لا إله غيره] إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ...» (٩) الحديث.

стр. 951

وقوله ﷺ : «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم خشية» (١). وعن ابن عمر قال: «كانت يمين النبي ﷺ : لا، ومُقلِّبِ القلوب» (٢) وغيرها كثير وسيأتي طرف من ذلك في أثناء الباب، إن شاء الله. ٣ - وقد أجمعت الأمة على مشروعية الأيمان، وثبوت أحكامها (٣). أيمان المسلمين: الأيمان التي يحلف بها المسلمون، مما قد يلزم بها حكم، يمكن إجمالها في نوعين (٤): ١ - القسم: وهو ما يقصد به تعظيم المُقسم به، وهذا النوع لا يكون إلا بالله تعالى، فهو المستحق للتعظيم بذاته على وجه لا يجوز هتك حرمة اسمه بحال. ٢ - الشرط والجزاء: وهي يمين عند الفقهاء لما فيها من معنى اليمين، وهو المنع أو الإيجاب، وإن كان هذا النوع لا يعرفه أهل اللغة، ومن هذا النوع: اليمين بالنذر، واليمين بالطلاق، واليمين بالحرام، واليمين بالظهار، ونحو ذلك. وسنهتم في هذا البحث بالنوع الأول وبعض الصور من النوع الثاني، وباقي صوره مفرَّقة في مواضعها من أبوب الفقه. لا ينبغي الإكثار من الحلف (٥): قال الله تعالى ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ (٦)، والحلاَّف -على ما ذكره بعض المفسِّرين-: كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف، وقال ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٧) والمراد: الامتناع من الحلف -على أحد الأقوال- فإن بَعْدَ الحلف إنما يتصوَّر حفظ البرِّ، وحفظ اليمين يذكر لمعنى الامتناع.

стр. 952

وقد كان العرب يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كثير: قليل الألايا (١) حافظ ليمينه وإن سبقت منه الأَلِيَّةُ بُرَّتِ والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان: أن من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك، ولا يبقى لليمين في قلبه وَقْعٌ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة فيختل ما هو الغرض الأصلي من اليمين، ولذا كُره الحلف في البيع والشراء، لقوله ﷺ : «الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة، محققة للبركة» (٢). الحلف لا يكون إلا بالله: عن ابن عمر أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). فدلَّ على أمرين (٤): الأول: الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خُصَّ في حديث عمر بالآباء لوروده على سببه المذكور، أو خص لكونه غالبًا عليه لقوله ﷺ في الرواية الأخرى: «وكانت قريش تحلف بآبائها» (٥) ويدل على التعميم قوله: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله». الثاني: أن من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والآباء والكعبة، أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد، أو يستحق التحقير والإذلال كالشياطين وسائر من عُبد من دون الله .. ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف بالله، ولا بما يقوم مقام ذلك. اهـ. فائدة: إذا حَلَف المسلم لأخيه بالله فينبغي أن يصدقه: وإن علم منه ضِدَّه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «رأى عيسى ابن مريم ﵇ رجلاً سرق، فقال عيسى: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ بالله، وكذبتُ عيني» (٦).

стр. 953

الحلف بأسماء الله وصفاته: ١ - الحلف بأسماء الله تعالى (١): لا خلاف بين أهل العلم في أن من قال: (والله) أو (بالله) أو (تالله) فحنث -أن عليه الكفارة لانعقاد يمينه، وكذلك الحلف بأي اسم من أسمائه سبحانه التي لا يسمى بها غيره، كالرحمن، والأول الذي ليس قبله شيء، ورب العالمين، والحي الذي لا يموت ونحو ذلك. وأما ما يسمى به غير الله تعالى مجازًا، وينصرف إطلاقه إلى الله تعالى، مثل الخالق والرازق والرب والرحيم والقاهر ونحوه، فهذا يسمى به غير الله مجازًا بدليل قوله تعالى ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (٢)، وقوله ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، وقوله ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤)، و ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ (٥) فهذا إن نوى به اسم الله تعالى أو أطلق، كان يمينًا لأنه بإطلاقه ينصرف إليه، وإن نوى به غير الله تعالى لم يكن يمينًا، لأنه يُستعمل في غيره فينصرف إليه بالنية. وأما ما يسمى به الله تعالى وغيره ولا ينصرف إليه بإطلاقه، كالحي والعالم والكريم ونحو ذلك، فهذا إن قصد به اليمين باسم الله تعالى كان يمينًا، وإن أطلق أو قصد غير الله تعالى لم يكن يمينًا. ٢ - الحلف بصفات الله تعالى: (أ) يجوز -عند جمهور العلماء- القسم بصفة من صفات ذات الله سبحانه التي لا يراد بها غيره، مثل: جلاله وكبريائه وعظمته وعزته، وتنعقد بها اليمين: فعن أنس قال: قال النبي ﷺ : «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط، وعزَّتك، ويُزوى بعضها إلى بعض» (٦). وفي حديث أبي هريرة -في ذكر آخر من يخرج من النار-: «.. فلا يزال يدعو الله، فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره، فيقول: لا، وعزَّتك لا أسألك غيره ..» (٧).

стр. 954

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينا أيوب يغتسل عريانًا، فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزَّتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك» (١). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: «أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (٢). ووجه الدلالة منه أنه جازت الاستعاذة بصفة من صفات الله، فكذلك الحلف، لأن كليهما لا يكون إلا بالله. (ب) وأما صفات أفعال الله تعالى، فقد تقدم في حديث ابن عمر: «كانت يمين النبي ﷺ لا، ومقلب القلوب» (٣). قال ابن العربي ﵀: «في الحديث جواز الحلف بأفعال الله إذا وُصف بها ولم يذكر اسمه، وإن حلف بصفة من صفاته أو بفعل من أفعاله مطلقًا لم تكن يمينًا لما تقدم من قوله: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، وإن حلف بصفة من صفاته كانت يمينًا ووجبت عليه الكفارة بالحنث ... كذلك قال العلماء من المالكية والشافعية من لدن مالك والشافعي إلى زماننا» اهـ (٤). الحلف بالقرآن: القرآن كلام الله وهو غير مخلوق، وكلامه سبحانه صفة من صفاته، ولذا ذهب جمهور العلماء -خلافًا لأبي حنيفة- إلى جواز الحلف بالقرآن وأنه تنعقد به اليمين، ويؤيد هذا أن الحلف كالاستعاذة لا تكون إلا بالله، وقد ثبت عن النبي ﷺ الاستعاذة ببعض صفات الله تعالى، كقوله ﷺ : «أعوذ بوجهك ...» (٥) وقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات ...» (٦) وقوله: «أعوذ برضاك من سخطك ...» (٧) ومثل هذا كثير (٨).

стр. 955

تنبيه: من حلف بالمصحف: فإن كان يقصد به القرآن المسطور فيه الذي هو كلام الله جاز، وإن قصد الورق المكتوب فيه لم يجز والله أعلم. قول الحالف: «لَعَمْرُ الله»: جاء في حديث عائشة ﵂ لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله، فقام النبي ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبيٍّ، فقام أسيد بن حضير، فقال لسعد بن عبادة: «لعمر الله لنقتله» (١). والعمر: الحياة، فمن قال: (لعمر الله) كأنه حلف ببقاء الله، وهو جائز عند عامة أهل العلم (٢) وتنعقد به اليمين مطلقًا، للحديث المتقدم، وفيه إقرار النبي ﷺ لأسيد ﵁ قوله «لعمر الله» وعدم إنكاره عليه. وقد قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣) فثبت له عرف الشرع، ثم لأن معناه: وبقاء الله أو: وحياة الله، فهو قسم بصفة ذات الله فكان جائزًا. من قال: «وَعهْدِ الله»: اختلف أهل العلم فيمن قال: (وعهد الله أو عليَّ العهد) هل تنعقد يمينه بذلك على ثلاثة أقوال (٤): الأول: الحلف بعهد الله ينعقد يمينًا مطلقًا: وهو قول الحسن وطاووس والشعبي والأوزاعي ومالك وأحمد، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٥) فقوله تعالى ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لم يتقدمه غير ذكر العهد فعُلم أنه يمين، وأجيب: بأنه لا يلزم من عطف الأيمان على العهد أن يكون يمينًا. ٢ - وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع

стр. 956

بها مال رجل مسلم -أو قال: أخيه- لقي الله وهو عليه غضبان» فأنزل الله تصديقه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (١) (٢). فخصَّ العهد بالتقدمة على سائر الأيمان، فدلَّ على تأكد الحلف به، لأن عهد الله ما أخذه على عباده، وما أعطاه عباده كما قال تعالى ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ لأنه قدم على ترك الوفاء به. ٣ - أن العهد يطلق على اليمين، فصار كأنه قال: ويمين الله، وذلك يمين، فكذا هنا. ٤ - أنه يحتمل أن يكون معناه: كلام الله، وهو صفة له. ٥ - أنه قد ثبت له عرف الاستعمال، فيجب أن يكون يمينًا بإطلاقه. الثاني: أنه تنعقد به اليمين إذا نواها: وهو قول الشافعي، وحجته أنه يستعمل في غير معنى اليمين -كوصية الله لعباده باتباع أوامره وغير ذلك- فلا ينصرف إلى اليمين إلا بنيَّة. الثالث: الحلف بعهد الله ليس يمينًا: وهو قول أبي حنيفة وابن حزم، وحجتهما: ١ - أن الحلف بعهد الله ليس من الحلف بصفات الله التي يجوز الحلف بها. ٢ - أن اليمين لا تكون إلا بالله. الراجح: من قال: «أقسمتُ» أو «أقسم»: ١ - من قال: «أقسم بالله» أو «أقسمت بالله» فهذا يمين بلا خلاف سواء نوى اليمين أو أطلق، لأنه لو قال: «بالله» ولم يقل أقسم، كان يمينًا، وإنما كان يمينًا بتقدير الفعل قبله، ثم قد ثبت له عرف الاستعمال، قال تعالى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٣) وقال سبحانه ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤). ٢ - وإذا قال: «أقسمُ» أو «أقسمت» فهل يُعدُّ يمينًا؟ فيه ثلاثة أقوال (٥):

стр. 957

الأول: أنه يمين مطلقًا: وهو مذهب الحنفية وأحمد في رواية واستظهرها ابن قدامة واستدلوا بما يلي: ١ - حديث ابن عباس عن أبي هريرة -في قصة الرجل الذي قصَّ على النبي ﷺ رؤياه وأن أبا بكر أوَّلها- فقال النبي ﷺ : «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» قال: أقسمتُ -بأبي أنت وأمي- لتخبرني ما الذي أخطأتُ، فقال النبي ﷺ : «لا تقسم» (١) فاعتبر النبي ﷺ قول أبي بكر «أقسمتُ» يمينًا، فثبت له عرف الشرع والاستعمال. ٢ - وفي حديث الإفك، قال أبو بكر ﵁ لعائشة: «أقسمتُ عليكِ أي بنية، إلا رجعت إلى بيتك» (٢). ٣ - وفي قصة عبد الرحمن بن أبي بكر مع ضيف أبي بكر لما امتنعوا عن تناول الطعام فجاء أبو بكر، وقد اختبأ عبد الرحمن خوفًا منه، فقال أبو بكر: «يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمعني ...» (٣). ٤ - قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ (٤) ولم يقل (أقسموا بالله) فاعتبره يمينًا والاستثناء في اليمين. ٥ - أن القسم لم يجز إلا بالله ، فكان الإخبار عنه عما لا يجوز بدونه كما في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه. الثاني: أنه يمين إذا نوى اليمين بالله وإلا فلا: وهو مذهب زفر -من الحنفية- وإسحاق ومالك وابن المنذر، لأنه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم يكن يمينًا حتى يصرفه بنيَّة إلى ما يجب به الكفارة. الثالث: أنه ليس بيمين، نوى أو لم ينو: وهو قول الشافعي وابن حزم والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد، لأن اليمين لا تنعقد إلا باسم معظم أو صفة معظمة ليتحقق له المحلوف عليه، وذلك لم يوجد.

стр. 958

واستدلَّ الخطابي لهذا المذهب بحديث تأويل أبي بكر المتقدم، وذلك أن النبي ﷺ قد أمر بإبرار القسم [وسيأتي قريبًا] فلو كان قوله (أقسمتُ) يمينًا لأشبه أن يبره. وتُعقِّب بأنه قد جاء في رواية الصحيحين أن أبا بكر صرح باليمين فقال: «والله لتخبرني» فقال له: «لا تقسم» فدلَّ على أن إبرار المقسم ليس بواجب. الراجح: الذي يظهر أن قول القائل (أقسمت أو حلفت) يعتبر يمينًا منعقدة لكن ينبغي أن يقيد بأن يكون مختارًا وقاصدًا للحلف لا حاكيًا له ونحو ذلك، والله أعلم. من قال: «أشهد بالله» أو «أشهد»: ١ - إذا قال القائل: (أشهد بالله) فإنه يُعدَّ يمينًا عند عامة الفقهاء، إلا أن الشافعي قيده بما إذا نوى، لأن قوله (بالله) وحده يمين، فقوله (أشهد بالله) في معنى: أقسم بالله، وقد تقدم أن قوله تعالى -في اللعان- ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ...﴾ (١) أن اللعان عند أكثر أهل العلم أيمان مؤكدة بالشهادة. ٢ - أما إذا قال (أشهد) فاختلف العلماء في اعتباره يمينًا على ثلاثة أقوال كالتي في المسألة السابقة تمامًا، ومستند من جعل قول (أشهد) يمينًا، قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ...﴾ ثم قال بعدها ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قالوا: فسمى الله شهادتهم يمينًا. وأجاب الآخرون بأن الآيات ليست صريحة في الدلالة على المطلوب، لاحتمال أن يكون قوله سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ ليس راجعًا إلى قوله ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وإنما يرجع إلى سبب نزول الآيات وهي أن عبد الله بن أبيٍّ حلف ما قال، قاله القرطبي. قلت: وربما يتأيد هذا بحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ سئل: أي الناس خير؟ فقال: «قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (٣). قال الحافظ: «وهو ظاهر في المغايرة بين اليمين والشهادة» اهـ (٤).

стр. 959

من قال: «وايْم الله»: في انعقاد اليمين بذلك المذاهب المشهورة المتقدمة، والصحيح أنها تنعقد بذلك لثبوته عن النبي ﷺ ، ففي حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «.. وايْم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» (١). وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ -في قصة سليمان ﵇ وقسمه ليطوفن على تسعين امرأة- قال النبي ﷺ : «.. وايْم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» (٢). ولأن «وايْم الله» أصلها: وايْمُنُ الله، وهو اسم وضع للقسم، بمعنى: يمين الله. الحلف بغير الله شرك: عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة: فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣). ويؤيده حديث قتيلة -امرأة من جهينة-: «أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت» (٤). وقد جاء النهي عن الحلف بغير الله تعالى في غير ما حديث، منها: ١ - حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون» (٥). ٢ - وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» (٦). ٣ - وعن ابن الزبير: أن عمر لما كان بالمحمص من عسفان استبق الناس،

стр. 960

فسبقهم عمر فقال ابن الزبير: فانتهزت فسبقتُه، فقلتُ: سبقتُه والكعبة، ثم انتهز فسبقني فقال: سبقتُه والله ... ثم أناخ فقال: «أرأيت حلفك بالكعبة، والله لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله فأثم أو أبرر» (١). ٤ - وعن ابن مسعود قال: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا» (٢). شُبْهتان، والردُّ عليهما: ١ - حديث: «أفلح وأبيه إن صدق» ونحوه: جاء في بعض طرق حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ -في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن الإسلام فأخبره بفرائضه، وفيه: «.. فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : «أفلح [وأبيه] إن صدق، أو: دخل الجنة [وأبيه] إن صدق» (٣). وقد ورد نحوه من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: «أما [وأبيك] لتُنبأنه ....» الحديث (٤). ونحوه من حديث أبي هريرة -أيضًا- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي، فقال: «نعم [وأبيك] لتُنبأنَّ، أمُّك ..» الحديث (٥). وقد استدل بعض أهل العلم -منهم مالك والشافعي- بهذه الروايات على أن الحلف بغير الله مكروه وليس محرمًا (!!) لكن أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة، منها (٦): ١ - عدم ثبوت زيادة «أفلح [وأبيه]» وقد أشار ابن عبد البر إلى أنها غير

стр. 961

محفوظة، وهو كما قال: وكذلك تكلم بعض العلماء في ثبوت قوله «وأبيك لتنبأنه» لكن قال شيخنا المبارك مصطفى بن العدوي -رفع الله قدره- في شأن الزيادة الأخيرة: «إن في النفس شيئًا من القول بشذوذ: أما وأبيك لتنبأنه» (١) قلت (أبو مالك): وعلى فرض ثبوت جميع هذه الزيادات، فإن لأهل العلم توجيهات لهذه المرويات -على ندرتها- يجب المصير إلى بعضها لأجل مخالفتها للأحاديث الظاهرة المشتهرة التي تقدمت، فمن ذلك: ٢ - أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد حقيقة القسم، وإلى هذا جنح البيهقي، وقال النووي، إنه الجواب المُرضي. ٣ - أنه كان يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما للتعظيم والآخر للتأكيد، والنهي إنما ورد عن الأول. ٤ - أن هذا كان جائزًا ثم نسخ، ورُدَّ بأنه لا يظن بالنبي ﷺ أنه كان يحلف بغير الله ولا يقسم بكافر، ثم إن دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقيق التاريخ. ٥ - أن في الجواب حذفًا تقديره (أفلح ورب أبيه). ٦ - أنه للتعجب، ويدل عليه أنه لم يرد بلفظ (وأبي) وإنما ورد بلفظ «وأبيه» أو «وأبيك» بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا وغائبًا. ٧ - أن ذلك خاص بالنبي ﷺ دون غيره من أمته، وتُعقِّب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. قلت: فالأظهر أن الحلف بغير الله حرام للأدلة الصريحة في ذلك، ومثلُ قوله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» لا يمكن أن يقال فيه: إنه مصروف إلى الكراهة، فهذا مما يستثنى من قاعدة «الجمع أولى من الترجيح» والله أعلم. ٢ - قسم الله تعالى بمخلوقاته: ومما استدل به القائلون بكراهة الحلف بغير الله -دون تحريمه- أن الله تعالى قد أقسم في كتابه بمخلوقاته فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٢)، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (٣)، و ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٤) ونحو هذا.

стр. 962

وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن هذه الأقسام فيها إضمار القسم برب هذه المخلوقات، كأنه قال: (ورب السماء)، (ورب الشمس) وهكذا. الثاني: إنما أقسم الله بمخلوقاته دلالة على قدرته وعظمته، والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس على أقسامه. قلت: فعُلم أنه لا متعلق للقائلين بعدم تحريم الحلف بغير الله بشيء مما استدلوا به. من حلف بغير الله، ماذا يفعل؟ عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك فليتصدق» (١). وسعد بن أبي وقاص قال: حلفتُ بالات والعُزَّى، فقال رسول الله ﷺ : «قل: لا إله إلا الله، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا، وتعوَّذ، ولا تَعُدْ» (٢). وهل هذا مختصُّ بمن قال: واللات والعُزَّى؟ أم يلحق به كل من حلف بغير الله؟ الأظهر الثاني، ولذا قال شيخ الإسلام (٣): «... الحلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة والملوك والآباء والسيف وغير ذلك ... فهذه الأيمان لا حرمة لها، بل هي غير منعقدة ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين، بل من حلف بها فينبغي أن يوحِّد الله تعالى كما قال النبي ﷺ ...» ثم ذكر حديث أبي هريرة المتقدم. الحلف بالأمانة: لا يجوز الحلف بالأمانة، لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة، فليس منا» (٤) أي: ممن اقتدى بطريقتنا، وقيل: أي من ذوي أسوتنا، بل هو من المتشبهين بغيرنا، فإنه من ديدن أهل الكتاب، ولعله أراد به الوعيد عليه (٥).

стр. 963

فإن أضاف لفظ الأمانة إلى لفظ الجلالة فقال: «وأمانة الله» فمن العلماء من اعتبرها يمينًا موجبة للكفارة، لأن أمانة الله صفة من صفاته، فجاز الحلف بها (!!). وفيه نظر: لعدم الدليل على أن الأمانة صفة من صفات الله، وإنما هي أمر من أوامره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى وصفاته (١)، ثم لثبوت النهي عن الحلف بالأمانة، فالصحيح أنه لا يجوز ذلك مطلقًا وهو قول الحنفية، ونسبه ابن عبد البر وغيره إلى الشافعي (٢). الحلف بملة غير الإسلام: إذا أخبر الإنسان عن نفسه أنه إن فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، أو إن حصل كذا، أو إن لم يحصل، فهو يهودي أو نصراني أو كافر ونحو ذلك- فهذا حرام يقع فاعلهُ في الإثم سواء صدق أو كذب، لحديث ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عُذِّب به في نار جهنم» (٣). وحديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» (٤). ثم اختلف أهل العلم: هل هذه يمين شرعية أم لا؟ (٥) فقال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين والليث وأبو ثور وابن المنذر: ليست يمينًا، ويستدل لهم بأنه ليس حلفًا باسم الله ولا بصفته، فلا يكون يمينًا، ولا كفارة فيها. وقال الحنفية وأحمد -في الرواية الأخرى- والحسن والثوري والأوزاعي

стр. 964

وإسحاق، وهو اختيار شيخ الإسلام: هي يمين بمنزلة قوله: وإلا لأفعلن، لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله، وهذا هو حقيقة الحلف بالله، فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم أدنى حالاً من ربطه بالله، وعلى هذا إذا حنث تجب الكفارة. ثم يبقى الحكم على الحالف نفسه: فإن كان كاذبًا وكان يقصد بحلفه تبعيد نفسه عن الشيء أو حضها عليه لم يكفر، لكنه داخل تحت الوعيد الشديد، وإن كان قصد بذلك الرِّضا بالكفر إذا فعله فهو كافر في الحال. وأما إن كان صادقًا (بَرَّ في يمينه) فلا يكون سالمًا لأن فيه نوع استخفاف بالإسلام فيكون بنفس هذا الحلف آثمًا، والله أعلم. أنواع اليمين القَسَمِيَّة تقدم أن أيمان المسلمين إما أن تكون قسمية، وإما أن تكون تعليقية (بالشرط والجزاء) والأيمان القسمية تكون على ثلاثة أنواع من جهة انعقادها ووجوب الكفارة بالحنث فيها، وإليك هذه الأنواع مع طرف من الأحكام المتعلقة بكل نوع: أولاً: اليمين اللغو: ١ - تعريفها: قال الله تعالى ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وقد اختلف العلماء في تفسير معنى «اليمين اللغو» على أقوال، أشهرها قولان كلاهما يحتمله معنى «اللغو» (٢). الأول: اللغو ما جرى على اللسان من غير قصد معنى اليمين، كقولهم «لا والله»، «بلى والله» في نحو صلة كلام أو غضب سواء أكان ذلك في الماضي أم الحال أم في المستقبل، وهو قول الشافعية والحنابلة، ووجهه: قول عائشة ﵂ في قوله تعالى ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: «أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله» (٣).

стр. 965

وعنها قالت: «أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب» (١). ولأن الله تعالى قابل اليمين اللغو في الآية الكريمة باليمين المكسوبة بالقلب، والمكسوبة هي: المقصودة، فكانت غير المقصودة داخلة في قسم اللغو بلا فصل بين ماضيه وحاله ومستقبله تحقيقًا للمقابلة. الثاني: اللغو: أن يحلف على شيء يعتقده على سبيل الجزم أو الظن القوي، فيظهر خلافه: وهو قول الحنفية والمالكية، ووجهه ما ثبت عن زرارة بن أوفى ﵁ قال: «هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنها كما حلف» (٢). قلت: والقولان متقاربان، واللغو يشملهما، لأنه في الأول: لم يقصد عقد اليمين أصلاً، وفي الثاني: لم يعمد الحنث ولم يقصد إلا الحق، والله أعلم (٣). ٢ - حكم يمين اللغو: قال الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) فدلَّ على عدم المؤاخذة بيمين اللغو، وهذا يعم الإثم والكفارة، فلا يجب الإثم ولا الكفارة. ثانيًا: اليمين الغموس: ١ - تعريفها: أن يحلف على أمر ماضٍ (٥) متعمدًا الكذب، ليهضم بها حقَّ غيره، وتسمى: الزور، والفاجرة، وسميت في الأحاديث: يمين صبر (أي: التي يصبر فيها نفسه على الجزم باليمين الكاذبة) ويمينًا مصبورة. قال في النهاية: غموسًا، لأنها تغمس صاحبها في النار. ٢ - حكمها: هي كبيرة من الكبائر، وفاعلها آثم باتفاق المسلمين. (أ) فعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» (٦).

стр. 966

(ب) وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة» فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك» (١). (جـ) وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» (٢). (د) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» -ثلاثًا- قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المُسْبِل، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب» (٣). ٣ - هل يُرخَّص في اليمين الغموس للضرورة؟ (٤) لا شك أن الأصل في اليمين الغموس أنها حرام، لكن قد يعرض ما يخرجها عن الحرمة ما لم يكن حرامًا، كأن يختفي مسلمٌ من ظالم، فيُسأل عنه، فإنه يجب الكذب بإخفائه، ولو استحلفه عليه لزمه أن يحلف، ويورِّى في يمينه، فإن حلف ولم يُوَرِّ، فقيل: يحنث على الأصلن وقيل: لا يحنث. ومستند الترخيص للضرورة، قوله تعالى ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) فإذا كان الإكراه يبيح كلمة الكفر، فإباحته لليمين الغموس أولى. وعن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد النبي ﷺ ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوٌّ له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا، فحلفتُ أنا أنه أخي، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «صدقت، المسلم أخو المسلم» (٦).

стр. 967

٤ - هل تلزم الكفارة في اليمين الغموس؟ للعلماء في هذه المسألة قولان (١): الأول: لا كفارة فيها، وإنما تجب التوبة منها وردُّ الحقوق إلى أهلها: وهو مذهب الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة، واستدلوا بما يلي: ١ - الأحاديث المتقدمة في الترهيب من اليمين الغموس. ٢ - قول الأشعث بن قيس -في حديث ابن مسعود المتقدم-: فيَّ أنزلت هذه الآيات وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢). قالوا: هذه النصوص أثبتت أن حكم الغموس العذاب في الآخرة، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على المنصوص. ٣ - حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خمس ليس فيهن كفارة: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير الحق، وبهتُ المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق» (٣) وهو ضعيف.

стр. 968

٤ - وعن ابن مسعود قال: «كنا نعدُّ من الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس» فقيل: ما اليمين الغموس؟ قال: اقتطاع الرجل مال أخيه باليمين الكاذبة» (١). قالوا: ولا يعلم لابن مسعود مخالف من الصحابة بل نقل غير واحد من أهل العلم اتفاق الصحابة على ذلك. ٥ - أن هذه اليمين أعظم من أن تُكفَّر، فالكبائر لا كفارة فيها، كما لا كفارة في السرقة والزنا وشرب الخمر. الثاني: أن فيها الكفارة: وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وابن حزم، وحجتهم: ١ - أن الغموس يمين مكسوبة معقودة (!!) إذ الكسب فعل القلب، والعقد: العزم، ومن أقدم على الحلف كاذبًا متعمدًا فهو فاعل بقلبه ومصمم، فهو مؤاخذ، لقوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢). ٢ - وقال تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ... ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٣). فهذا عموم يدخل فيه كل يمين يحنث فيه صاحبه، ولا تسقط الكفارة إلا بنص. ٣ - قوله ﷺ : «... فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه» (٤) قالوا: فأمره ﷺ بتعمد الحنث وأوجب عليه الكفارة. ٤ - أن اليمين الغموس أحق بالتكفير من سائر الأيمان المعقودة، لأن ظاهر الآيتين السابقتين ينطبق عليها من غير تقدير، لأنها حانثة من حين إرادتها والنطق بها، فالمؤاخذة مقارنة لها، بخلاف سائر الأيمان المعقودة، فإنه لا مواخذة عليها إلا عند الحنث فيها، فهي محاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقدير بأن يقال: ولكن يؤاخذكم بالحنث فيما كسبت قلوبكم، وفي قوله ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: حلفتم وحنثتم. الراجح: الذي يظهر أن عدم إيجاب التكفير أقوى، ويُردُّ على أدلة المخالفين (٥) بأن

стр. 969

اليمين الغموس ليست بيمين حقيقة، لأن اليمين عقد مشروع، وهذه كبيرة محضة، والكبيرة ضد المشروع، وإنما سميت يمينًا مجازًا، لوقوعها في صورة اليمين، ثم إن اليمين تكون غموسًا لأن فيها تعمُّد الكذب لا تعمد الحنث، فلا يسلم الاستدلال بالحديث. ويؤيد أن اليمين الغموس ليس فيها إلا التوبة، ما تقدم في «باب اللعان» من قول النبي ﷺ للمتلاعنين: «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب» (١) فلو كانت الكفارة واجبة على أحدهما بتعمد الكذب لكانت الحاجة إلى بيانها أشد من الحاجة إلى بيان التوبة كما لا يخفى، والله أعلم بالصواب. ثالثًا: اليمين المنعقدة: ١ - تعريفها: هي اليمين على أمرٍ في المستقبل غير مستحل عقلاً، سواء أكان نفيًا أو إثباتًا، نحو: والله لا أفعل كذا، أو: والله لأفعلن كذا. ويكون الحالف قد عزم بقلبه أن يفعل أو لا يفعل ثم يخبر لسانه عن ذلك باليمين. وقيل: ما لم تكن غموسًا أو لغوًا. ٢ - شروط اليمين المنعقدة (٢): يشترط لتكون اليمين منعقدة، شروط بعضها يرجع إلى الحالف، وبعضها إلى المحلوف عليه، وبعضها إلى الصيغة، فهذه الثلاثة أركان اليمين: (أ) الشروط في الحالف: يشترط في الحالف لتنعقد يمينه ما يلي: ١ - البلوغ. ٢ - العقل. ٣ - الإسلام (عند الحنفية والمالكية): فلا تنعقد اليمين بالله تعالى من الكافر ولو ذميًّا -عندهم- وقال الشافعية والحنابلة: لا يشترط الإسلام لانعقاد اليمين أو بقائها، فلو حلف الذمي بالله ثم حنث -وهو كافر- لزمته الكفارة، لكن إن عجز عن الكفارة بالإطعام لم يكفِّر بالصوم حتى يسلم. ٤ - التلفظ باليمين: فلا يكفي كلام النفس عند الجمهور خلافًا لبعض المالكية.

стр. 970

٥ - القصد: لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية، ولذلك أسقط الله تعالى الكفارة في يمين اللغو. ٦ - الاختيار: فلو أخطأ أو أُكره لم ينعقد ولم يؤاخذ على الراجح وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية -لقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). (ب) الشروط في المحلوف عليه: ١ - أن يكون أمرًا مستقبلاً، لأن اليمين على الأمر الماضي ليس فيها كفارة على الأرجح -كما تقدم- ولقوله ﷺ : «فيكفِّر، وليأت الذي هو خير» (٢). ٢ - أن يكون المحلوف عليه أمرًا متصوَّر الوجود حقيقة عند الحلف (غير مستحيل). (جـ) شروط في صيغة الحلف: ١ - أن لا يكون القسم بمخلوق، وقد تقدمت أدلة هذا الشرط في أول الباب. ٢ - أن لا يفصل بين المحلوف به والمحلوف عليه بسكوت ونحوه. ٣ - خلوها من الاستثناء، أي: التعليق على مشيئة الله تعالى ونحو ذلك مما لا يتصور معه الحنث، وسيأتي بيانه، إن شاء الله. ٣ - حكم البَرِّ والحنث فيها: اليمين المنعقدة إما أن تكون: (أ) على فعل واجب أو ترك معصية، كقوله (والله لأصليَّن الظهر) أو (والله لا أسرق الليلة) فيجب البرُّ فيها، ويحرم الحنث بلا خلاف. (ب) وإما أن تكون على فعل معصية أو ترك واجب، فيحرم البرُّ فيها ويجب الحنث. ومن هذا الباب أن يحلف يمينًا تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه، ويكون الحنث ليس بمعصية، فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء، ويكفر عن يمينه، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والله، لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يُعطى كفارته التي افترض الله عليه» (٣).

стр. 971

(جـ) وإما أن تكون على فعل مستحب أو ترك مكروه، كـ «والله لأصلين سُنة الصبح، أو: لا ألتفتُ في صلاتي» فيكون البرُّ مستحبًّا والحنث مكروهًا، وقيل: بل يجب البر ولا يجوز الحنث لقوله تعالى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١). (د) وإما أن تكون على فعل مكروه أو ترك مستحب: فيستحب الحنث والتكفير ويُكره البرَّ فيها، لقوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا نها، فليكفِّر عن يمينه ويفعل» (٢). وقال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «وإذا حَلفتَ على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وائت الذي هو خير» (٣). ومن هذا الباب: حلفَ أبي بكر ﵁ ألا ينفق على مسْطَح -الذي قذف ابنته عائشة ﵂ ظلمًا وزورًا- فنزل قوله تعالى ﴿وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ...﴾ (٤) (٥). (هـ) وإما أن تكون على فعل مباح، فالبرُّ أفضل، ما لم يكن فيه أذيَّة، وما لم يكن في الحنث خيرًا، للأحاديث المتقدمة، والله أعلم. الحلف على الغير، وإبرار المُقسم: قد يحلف الإنسان على فعل أو ترك منسوبَين إلى غيره، فيقول: والله لتفعلنَّ أو لا تفعل كذا، فإن كان حلف عليه أن يفعل واجبًا أو أن يترك محرَّمًا وجب إبراره، وإن حلف عليه أن يفعل محرَّمًا أو يترك واجبًا، لم يجز إبراره، ولو حلف على مكروه كُره إبراره، أما إذا حلف عليه أن يفعل مندوبًا أو مباحًا أو يترك مكروهًا أو مباحًا، فإنه يستحب إبرار قسمه لحديث البراء ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار المُقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام» (٦).

стр. 972

وظاهر الأمر بإبرار المقسم للوجوب إلا أنه مصروف إلى الاستحباب بحديث ابن عباس في قصة تأويل أبي بكر لرؤيا رآها رجلٌ -في حضرة النبي ﷺ وفيه قال أبو بكر: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأتُ في الرؤيا، فقال ﷺ : «لا تقسم» (١). يعني: لا تكرر القسم، لأنني لن أجيبك، ولعل هذا الصنيع من رسول الله ﷺ كان لبيان الجواز، فإنه ﷺ لا يفعل خلاف المستحسن إلا بقصد بيان الجواز، وإلا فقد كان ﷺ يبرُّ بقسم الناس، ففي حديث المغيرة بن شعبة: «... قلت: يا رسول الله، أقسمتُ عليك لما أعطيتني يدك، فناولني يده، فأدخلتُها في كمي حتى انتهيت إلى صدري فوجده معصوبًا، فقال: «إن لك عذرًا» (٢). إذا لم يبرَّ قسم أخيه، فهل يلزم الحالف كفارة؟ ١ - إذا قال لأخيه: بالله افعل كذا، أو أسألك بالله لتفعلن، فهذا طلب محض وسؤال وليس بيمين، فلا كفارة فيه، وفي الحديث: «من سألكم بالله فأعطوه» ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله. ٢ - إذا قال: والله لتفعلن كذا، فأحنثه، فقيل: يلزم الحالف كفارة، وهو منقول عن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والأوزاعي والشافعي (٣)، وقال ابن حزم: لا كفارة عليه لأنه لم يقصد الحنث، ويؤيده حديث أبي بكر المتقدم، والله أعلم. ٤ - ما يترتَّبُ على البرِّ والحنث: اليمين المنعقدة إذا برَّ فيها الحالف -أي: فعل ما أقسم عليه- فلا شيء عليه ولا تلزمه كفارة. أما إذا حنث -أي خالف المحلوف عليه، بثبوت ما حلف على عدمه، أو عدم ما حلف على ثبوته- لزمته الكفارة. هل يمنع الحنثَ: النسيانُ والخطأ والإكراه؟ من حلف أن لا يفعل أمرًا ففعله ناسيًا أو مخطئًا -أي: معتقدًا فعل غيره- أو مكرهًا- فالصحيح أنه لا يحنث بشيء من ذلك، لحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).

стр. 973

ولقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (١) وفي الحديث أن الله تعالى قال: «قد فعلت» وفي رواية: «نعم» (٢). ولقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣). وهذا مذهب الشافعية والحنابلة -في الجملة- وبه قوال ابن حزم (٤). الاستثناء في اليمين: المراد بالاستثناء هنا: التعليق بمشيئة الله تعالى أو نحو ذلك من كل لفظ لا يتصوَّر معه الحنث في اليمين، كما لو قال الحالف عقب حلفه: إن شاء الله، أو: إلا أن يشاء الله، أو: إن أعانني الله، أو: إن يسَّر الله، ونحو ذلك. والاستثناء إذا كان متصلاً باليمين أبطله، فلا يحنث فيه، عند أكثر أهل العلم، بل نقل غير واحد الإجماع على ذلك (٥). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء اله، لم يحنث» (٦) وقد أُعلَّ، لكن يشهد له حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في قصة سليمان ﵇ إذ قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كل تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه: «قل إن شاء الله ... الحديث» فقال رسول الله ﷺ : «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته» (٧). فائدة (٨): جوَّز بعض العلماء الاستثناء بعد انفصال اليمين بزمن يسير، لهذا الحديث، وأجيب عن ذلك: بأن يمين سليمان طالت كلماتها فيجوز أن يكون قول صاحبه له: «قل: إن شاء الله» وقع في أثنائه، فلا يبقى فيه حجة.

стр. 974

فالصحيح ما ذهبت إليه الجماهير من أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً، ولو جاز منفصلاً -كما قال بعض السلف- لم يحنث أحد في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، واختلفوا في زمن الاتصال، فقال الجمهور: هو أن يقول: إن شاء الله، متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما، ولا يضره التنفس، والله أعلم. والحاصل (١): أن من استثنى في يمينه لم يحنث، ويشترط في هذا الاستثناء ما يلي: ١ - أن يكون متصلاً باليمين، فلا يفصل بسكوت يمكن الكلام فيه، ولا يفصل بكلام أجنبي. ٢ - ويستثنى بلسانه، ولا ينفعه بقلبه. ٣ - أن يقصد الاستثناء، ولا يشترط أن يقصده من أول الكلام. ٤ - لا فرق بين تقديم الاستثناء على اليمين أو تأخيره. اليمين على نية الحالف أم المستحلف؟ (٢) المتحصل من كلام أهل العلم في المسألة، أن الحالف له حالتان: ١ - أن لا يكون هناك مستحلفٌ له أصلاً: بل هو حلف على الشيء ابتداءً، فالمرجح إلى نيَّته، لعموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، فإذا نوي بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقًا لظاهر اللفظ أو مخالفًا له. ٢ - أن يكون قد استحلفه القاضي أو غيره فيما يتعلق بالحقوق: فإن اليمين تنعقد على ما نواه المستحلف -لا الحالف- ولا تنفع الحالفَ التورية في هذه الحالة، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك» وفي رواية: «اليمين على نية المستحلف» (٣) وإلا لم تكن لليمين عند القاضي معنى، ولضاعت الحقوق.

стр. 975

ويستثنى من هذا: إذا كان المستحلف ظالمًا للحالف أو غيره، فحينئذٍ يجوز للحالف التورية لحفظ حقٍّ أو نصرة مظلوم: كما في حديث سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل ابن حجر، فأخذه عدو له فتحرَّج القوم أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي فخلىَّ سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأخبرته أنَّ القم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفتُ أنه أخي، قال: «صدقتَ، المسلم أخو المسلم» (١). ولأن الظالم ليس له حقُّ التحليف، فجازت التورية. كفَّارة اليمين تعريفها ومشروعيتها: الكفَّارة مشتقة من الكفر وهو الستر والتغطية، وكفارة اليمين ما يجب بالحنث فيها، وسميت بذلك لأنها تكفِّر أي تغطي إثم الحنث، فلا يؤاخذ به يوم القيامة. وكفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها -وهي منعقدة- ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه، حيث قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). فبيَّنت الآية الكريمة أن كفارة اليمين المعقودة واجبة على التخيير -ابتداءً- في: ١ - الإطعام ٢ - الكسوة ٣ - تحرير الرقبة (العتق). فغن عجز عن الثلاث وحب صيام ثلاثة أيام، ولا يجوز التكفير بالصيام إلا بعد العجز عن الثلاث الأولى، وعلى هذا إجماع العلماء. وإليك أهم ما يتعلق بهذه الخصال من مسائل: ١ - الإطعام: (أ) عدد المساكين الواجب إطعامهم (٣): جاء في الآية الكريمة أن الكفارة

стр. 976

تكون بإطعام عشرة مساكين، فهل يجزئ أن يطعم مسكينًا واحدًا عشر مرات أو مسكينين خمس مرات وهكذا؟ قولان للعلماء، والأظهر أنه يلزم إطعام عشرة لظاهر الآية الكريمة، وهو مذهب الشافعي وأحمد -في المشهور- وابن حزم، وقال أبو حنيفة- وهو الرواية الأخرى عن أحمد- يجزئ إطعام مسكين عشر مرات بشرط أن تدفع إليه جملة واحد (!!). (ب) نوع الطعام ومقداره (١): اختلفت مذاهب الأئمة في تقدير الإطعام في الكفارة، فذهب الجمهور -خلافًا لمالك- إلى أن الكفارة بالإطعام مقدرة بالشرع، فمذهب أبي حنيفة: أنه يطعم كل مسكين صاعًا (أي من قمح أو تمر أو شعير أو دقيق)، ومذهب الشافعي: يجزئ المُدُّ، وهو قول الحنابلة، وحجتهم في التقدير بالمد، حديث نافع قال: «كان ابن عمر يعطى زكاة رمضان بمدِّ النبي ﷺ المدِّ الأول، وفي كفارة اليمين بمدِّ النبي ﷺ » (٢) وحجة من قدر بالصاع أثر عمر بن الخطاب أنه كان: «يطعم عشرة مساكين -كل مسكين- صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو نصف صاع من قمح» (٣). بينما ذهب الإمام مالك وابن حزم -واختاره شيخ الإسلام- إلى أن الإطعام مقدَّر بالعرف لا بالشرع فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا، لقوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤) قال شيخ الإسلام (٣٥/ ٣٤٩): «.. والمنقول عن الصحابة والتابعين هذا القول، ولهذا كانوا يقولون: الأوسط خبز ولبن، خبز وسمن، خبز وتمر، والأعلى خبز ولحم، وقد بسطنا الآثار عليهم (٥) في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ....» اهـ. وقال (٣٥/ ٣٥٣): «.. والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس

стр. 977

وعادتهم، فقد يجزئ في بلد ما أوجبه أبو حنيفة، وفي بلد ما أوجبه أحمد، وبلد آخر ما بين هذا وهذا على حسب عادته عملاً بقوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١). قلت: وهذا هو الصواب لما تقدم، ولا يعارضه ما كفَّر به بعض الصحابة فإن هذا كان عرف بلدهم، ولذا قال مالك: أما عندنا ههنا فليكفر بمدِّ النبي ﷺ في اليمين، وأما أهل البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم. (جـ) هل يجزئ إطعام المساكين أو لابد من تمليكهم الطعام؟ (٢) ١ - ذهب جمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد) أنه لابد من تمليك المساكين الطعام، ولو غداهم أو عشَّاهم لم يجزئه -عندهم- لأن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم كلَّ مسكين مدًّا، ولأنه مال وجب للفقراء شرعًا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة، ولأن التمليك يسمى إطعامًا كما في الحديث: «أطعم رسول الله ﷺ الجدَّ السدس» (٣). ٢ - بينما ذهب أبو حنيفة -ورواية عن مالك- والثوري والأوزاعي والحسن وغيرهم أنه يجزئ أن يُغدِّيهم أو يعشيِّهم، وهو اختيار شيخ الإسلام، لأن المقصود حقيقة الإطعام لا التمليك، وهو المنصوص عليه، ولأن التمكين من الطعام إطعام، قال تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (٤) فبأي وجه أطعمه دخل في الآية، نعم في التمليك تمام الإطعام، فيتأدَّى الواجب بكل منهما. قلت: وهذا أصحُّ، فلو غدَّى عشرة المساكين أو عشَّاهم من الطعام الذي يعتادون طبخه في المتوسط، فقد أدَّى الكفارة وأجزأت عنه، والله أعلم. ٢ - الكسوة: ويجزئ منها ما يصدق عليه مسمَّى الكسوة (اللباس) مما يلبسه المساكين عادة، وقدرها مالك وأحمد بأن تكون ساترة لعورته في الصلاة رجلاً كان أو امرأة (٥).

стр. 978

فائدة: لا يجزئ إخراج القيمة بدلاً من الإطعام والكسوة: وبهذا قال الجمهور خلافًا لأبي حنيفة (١). ٣ - تحرير الرقبة: أي إعتاق العبد وتحريره، وقد اشترط الجمهور -خلافًا لأبي حنيفة- أن تكون رقبة مسلمة، حملاً للمطلق في آية كفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل والظهار، إذ قال تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (٢). قلت: حمل المطلق على المقيد عند اتفاق الحكم واختلاف السبب فيه نزاع أصولي (٣)، والصحيح أنه لا يحمل عليهن فيترجَّح مذهب أبي حنيفة، فلا يشترط في الرقبة المعتقة في كفارة اليمين أن تكون مسلمة، والله أعلم. ٤ - الصيام (بعد العجز عن واحدة مما تقدم): فإن عجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، فإنه يصوم ثلاثة أيام. وهل يلزم صيامها متتابعة؟ (٤) ذهب أبو حنيفة والثوري وأحمد -في ظاهر المذهب- إلى وجوب تتابع الأيام الثلاثة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود وأُبيٍّ أنهما قرآ قوله تعالى «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» قالوا: إن هذا قرآنًا فهو حجة، وإن لم يكن قرآنًا فهو رواية عن النبي ﷺ إذ يحتمل أنهما سمعاه من النبي ﷺ تفسيرًا فظناه قرآنًا، وعلى كلا التقديرين فهو حجة (!!). قالوا: ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع ككفارة القتل والظهار (!!). بينما ذهب مالك والشافعي -في الأظهر- وأحمد في رواية وابن حزم إلى عدم وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، وحجتهم: أن الصوم غير مشروط بالتتابع في المصاحف التي بين أيدينا، وقراءة ابن مسعود وأُبيٍّ شاذه لا حجة فيها، فمن صام ثلاثة أيام على أي صفة أجزأه.

стр. 979

ولأن حمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب لا يصح كما تقدم الإشارة إليه، قلت: وهذا هو الراجح أنه لا يلزم التتابع في صيام كفارة اليمين، وقد كان يلزم مالكًا والشافعي -رحمهما الله- يقولا بمثل هذا في تحرير الرقبة فلا يشترطا أن تكون مسلمة، وقوفًا مع النص لا سيما مع اختلاف السبب. الكفارة تجزئ قبل الحنث وبعده: لا خلاف بين أهل العلم في أن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث، ثم اختلفوا فيما لو قدَّم الكفارة على الحنث هل تجزئه؟ فالجمهور على أنها تجزئ، وإن كان الأولى تأخيرها لبعد الحنث، وهذا القول منسوب لأربعة عشر صحابيًّا وعدد كبير من التابعين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجزئ قبل الحنث، وقال الشافعي: لا تجزئ بالصوم، وتجزئ فيما عداه (١). قلت: والصواب -هنا- قول الجمهور فلو كفَّر عن يمينه قبل الحنث -وبعد اليمين- أجزأه وألفاظ الأحاديث تؤيد هذا المذهب، ففي حديث عبد الرحمن بن سمرة: قال رسول الله ﷺ : «إذا حلفت على يمين فكفِّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير» (٢). وهو صريح في تقديم الكفارة على الحنث بل في وجوب ذلك، لولا الإجماع على خلافه، وإن كان الأولى تأخيرها خروجًا من الخلاف، والله أعلم. هل تتعدد الكفارة بتعدد اليمين؟ (٣) ١ - لا خلاف في أن من حلف يمينًا فحنث فيها، وأدَّى ما وجب عليه من الكفارة، أنه لو حلف يمينًا أخرى وحنث فيها تجب عليه كفارة أخرى. ٢ - إذا حلف أيمانًا على أمور مختلفة، فالصواب أنه إذا حنث في واحدة منها فعليه كفارتها، وإذا حنث في أخرى لزمه كفارة أخرى وهكذا، ولا تتداخل الكفارات، لأنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تتكفَّر إحداها بكفارة الأخرى.

стр. 980

٣ - إذا حلف أيمانًا متعددة على شيء واحد في مجلس واحد أو مجالس متفرقة، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يلزمه بكل يمين كفارة، وقال الشافعي: إذا نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى لزمه كفارة واحدة، وقال أحمد -في الرواية الأخرى- واختاره شيخ الإسلام وابن حزم: يلزمه كفارة واحدة مطلقًا. قلت: وهو الأقرب، والله أعلم. ثانيًا: النُّذُور التعريف: النذور: جمع نذر، وهو لغةً: النحب (أي: العهد) وهو ما يجعله الإنسان نحبًا واجبًا على نفسه. والنذر شرعًا: إلزام الإنسان نفسه بشيء من القُرَب (الطاعات) التي لم تكن واجبة عليه، فيجعله واجبًا عليه، بلفظ يُشعر بذلك. حكم الإقدام على النذر: الأحاديث الصحيحة الواردة في النذر تدل على أن النذر لا ينبغي وأنه منهي عنه، ولذا قال أكثر أهل العلم بكراهته (١)، لكن إذا وقع وجب الوفاء به. ١ - فعن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنه لا يردُّ شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل» (٢). ٢ - وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ : «لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل» (٣). ٣ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر فيُخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يُخرج» (٤). وقد دلَّ الكتاب والسنة على وجوب الوفاء بالنذر -في الطاعة- والثناء على الموفين بنذورهم:

стр. 981

١ - قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١). ٢ - وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليُطعْهُ، ومن نذر أن يعصيه فلا يَعْصِه» (٢). ٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم» -قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثًا بعد قرنه - «ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويظهر فيهم السِّمن» (٣) وهو ظاهر في إثم من لا يوفون بنذرهم. ٤ - وقال سبحانه -في الثناء على الموفين بالنذر-: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٤). ٥ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٥). ولأجل هذه النصوص ذهب أكثر المالكية وبعض الشافعية -كالنووي والغزالي- إلى استحباب النذر. إشكالٌ وحَلُّهُ (٦): القول بكراهة النذر والقول باستحبابه كلاهما مُشكل بأدلة الآخر، وقول الجمهور -بكراهة النذر- فيه إشكال كذلك على القواعد، فإن القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة!! لكن النصوص الأولى تدل على خلافه!! فكيف توجَّه هذه النصوص؟ وأحسن طريق لإزالة هذا الإشكال أن يقال: إن نذر القُربة على نوعين:

стр. 982

١ - مُعلَّق على حصول نفع: كقوله (إن شفى الله مريضي فعليَّ لله نذر كذا) ونحوه. ٢ - نذر مطلق، غير معلَّق على نفع للناذر: كأن يتقرب إلى الله تَقرُّبًا خالصًا بنذر، فيقول ابتداءً: (لله عليَّ أن أتصدق بكذا) ونحوه. ويقال: إن النهي في الأحاديث متوجِّه إلى النوع الأول، لأن النذر فيه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر، وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أم القدر فيه غالب على النذر. ويوضِّحه أنه لو لم يُشفَ مريضهُ، لم يتصدَّق بما علَّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا، وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله: «وإنما يُستخرج به من البخيل». وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله: «فإنه لا يردُّ شيئًا»، قلت: وهذا التفصيل متجه وقوي، وهو جمعٌ فيُقدَّم على الترجيح، والله أعلم. أقسام النذر، وأحكامها: ينقسم النذر الذي يفعله المسلمون -من جهة الأمر المنذور- إلى قسمين: الأول: أن يكون فيه طاعة لله (نذر الطاعة): فيلزم الإنسان نفسه إما بفعل أمر ندب الشرع إلى فعله، كصلاة (النافلة) والصيام والحج والصدقة والاعتكاف وسائر الطاعات، أو يُلزم نفسه بفعل واجب إذا تعلَّق النذر بوصف، كأن ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، ونحوه. وأما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك من الفرائض، فلا أثر لنذره، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر. وقد تقدم قريبًا أن نذر الطاعة له صورتان: نذر ابتداء غير معلَّق على منفعة للناذر، (نذر مطلق)، وهذا يشرع للإنسان الإقدام عليه. ونذر معلَّق على منفعة للناذر، ويكون خارجًا مخرج طلب العوض وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وهذا منهي عن الإقدام على فعله.

стр. 983

حكم الوفاء بنذر الطاعة: ونذر الطاعة بنوعيه: المطلق والمعلَّق، يجب على الناذر الوفاء به، بالكتاب والسنة والإجماع (١)، وقد تقدم بعض الأدلة على ذلك، ومنها: ١ - قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٢) وهذا أمر بالوفاء بالنذر، وهو يقتضي الوجوب. ٢ - وذم الله سبحانه الذين ينذرون ولا يوفون، فقال : ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣). ٣ - وقال ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ...» (٤). ٤ - وعن عمر أنه قال للنبي ﷺ : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال ﷺ : «أوفِ بنذرك» (٥). ٥ - وتقدم حديث عمران بن حصين -في ذم أقوام يأتون بعد القرون المفضلَّة- وفيه: «... ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ...» (٦). إذا نذر ما لا يطيقه، أو عجز عن الوفاء: من نذر قُربةً لزمه الوفاء بنذره -كما تقدم- إن قدر عليه، فإن عجز عن الوفاء أو كان المنذرَ مما لا يطيقه، فلا يجب عليه الوفاء به: ١ - فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُهادى بين اثنين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت، فقال: «إن الله لغنيٌ عن تعذيب هذا نفسه» ثم أمره فركب (٧). ٢ - وعن عقبة بن عامر ﵁: أن أُخته نذرت أن تمشي إلى البيت الحرام حافية

стр. 984

غير مختمرة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : «مُرْ أُختَك فلتركبْ، ولتختمر، ولتصُمْ ثلاثة أيام» (١). وفي رواية من حديث ابن عباس -في هذه القصة-: «فمرها فلتركب ولتُكفِّر» (٢). وفي رواية: «فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديًا» (٣). وفي أخرى: «فلتركب، ولتُهد بَدَنة» (٤). وفي رواية: لم يذكر هديًا ولا كفارة (٥). ٣ - وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» (٦). فلهذه الأحاديث وغيرها اختلف أهل العلم فيما يلزم من نذر ما لا يطيق إن عجز عن الوفاء، كمن نذر أن يحجَّ ماشيًا -وعجز عنه- على أقوال (٧): الأول: لا شيء عليه: لظاهر قوله ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٨) وقوله

стр. 985

سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقوله ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٣) وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد والأوزاعي. الثاني: عليه كفارة يمين: لحديث عقبة بن عامر المتقدم، ولقول النبي لعقبة -في شأن أخته: «فمرها فلتركب، ولتكفِّر» وهو مذهب أحمد والثوري وهو اختيار شيخ الإسلام. الثالث: عليه صيام ثلاثة أيام: وهو رواية عن أحمد. الرابع: عليه بدنة وهو قول للشافعية. الخامس: عليه هدي وهو الأصح عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد وهو قول الحنفية والليث وقد استند القائلون بالأقوال الثلاثة الأخيرة كلٌّ إلى رواية من روايات قصة أخت عقبة بن عامر المتقدمة. والسادس: أنه لا يجزيه الركوب بل يحج من قابل فيمشي ما ركب ويركب ما مشى وعليه بدنة وهو قول مالك. الراجح: الذي يظهر لي بعد دراسة أسانيد هذا الحديث، أن أقوى الروايات -من جهة السند- رواية التكفير بالهدي (أو البدنة) ثم تليها رواية (صيام ثلاثة أيام) ثم بدا لي أن الأرجح من جهة الدراية أنه يلزم كفارة يمين، وذلك لأمور: ١ - أن رواية البدنة أو الهدي -التي هي الأقوى سندًا- قد تُعلُّ بما ذكره الحافظ في «الفتح» (١١/ ٥٨٩) من أن الترمذي نقل عن البخاري أنه قال: لا يصح ذكر الهدي في حديث عقبة بن عامر. اهـ. وكذا نقله البيهقي (١٠/ ٨٠). ٢ - أن رواية الصيام لا تعارض رواية (ولتكفِّر)، (ولتكفِّر عن يمينها) إذا صيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين كما تقدم. ٣ - أن هذا هو الموافق لحديث عقبة بن عامر نفسه -وهو المستفتى لأخته- في الصحيح، أن النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (٤) فلعله اختصره من فتوى النبي ﷺ في حال أخته.
следующие страницы →