Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وإن قال: أنت حر بعد موتي بألف، فالقبول بعد موته،
ــ
لو مات المولى فهو رقيق يورث عنه مع اكتسابه أو العبد فما تركه لمولاه ولا يؤدى منه عنه ولو كانت أمة ولدت ثم أدت لم يعتق ولدها ولو حط المال أو أبرأه المولى عنه لم يعتق، ويقتصر على المجلس إن كان بكلمة إن وللمولى بيعه قبل الأداء وأن يأخذ ما ظفر به من كسبه قبل التعليق ولو أداه عتق ورجع السيد بمثله عليه، بخلاف المكاتب إلا إذا كاتبه على نفسه وماله. الحادية عشر لو باعه المولى ثم اشتراه أو رد عليه بخيار عيب ففي وجوب قبول ما يأتي به خلاف عند أبي يوسف نعم، وعند محمد لا بخلاف المكاتب في الكل زاد في (البحر) ثلاث صور ما لو قيد المؤدى بكونه في كيس أبيض فأداه في أسود لا يعتق بخلاف المكاتب ولو قال في هذا الشهر فأدى الألف في غيره لم يعتق، وفي الكتابة لا يبطل إلا بحكم الحاكم أو بتراضيهما، والمسألتان في (البدائع) ولو أمر غيره بالأداء فأدى لا يعتق بخلاف الكتابة كما في (المحيط).
واعلم أن ذكرهم الإبراء فيما خالف فيه المكاتب لا موقع له إذ الفرق إنما يكون بعد تحقق الإبراء في الموضعين ولا تحقق له هنا إذ لا دين عليه بخلاف المكابت، وإن الكتابة قد تثبت بصيغة الشرط إذا حف بما يقتضيها كقوله: إن أديت إلي ألفا كل شهر مائة فأنت حر فإنه يصير مكاتبا لا يباع كذا في (الدراية) وجعل في (المبسوط) هذا قول أبي سليمان لأن التنجيم من حكم الكتابة والعبة للمعاني، وقال أبو حفص: لا يكون مكاتبا واستشهد له بما مر لو قال: إن أديت إلي ألفا في هذا الشهر وأداه في غيره لا يعتق اتفاقا وأجيب بأنه لا تنجيم هنا والمسألة تحتمل التأويل.
(ولو قال: أنت حر بعد موتي بألف، فالقبول بعد موته) لأنه أضاف الإيجاب إلى ما بعده فلا يعتبر القبول قبله بخلاف أنت مدبر على ألف حيث يكون القبول في الحال لأن في هذا إيجاب التدبير في الحال، غير أنه لا يجب المال بقيام الرق وإذا عتق بالموت لا يلزمه شيء لعدم وجوبه قبله وأورد أنه ينبغي أن تكون مسألة (الكتاب) تصرف اليمين من [٢٧٢/أ] المولى / حتى لا يتمكن من الرجوع وفي الإيمان يعتبر اللفظ ولا إضافة في الثانية لفظا لتكون يمينا فلم يعتب القبول بعده، وإذا قبل: بعد موت المولى لم يعتق في الأصح إلا بإعتاق الوصي أو الوارث أو القاضي عند امتناع الوارث والولاء للميت ولو أعتقه الوارث عن كفارة الميت لا يصح عن الكفارة بل عن الميت، وإنما توقف على إعتاق هؤلاء لما أنت الميت ليس بأهل للإعتاق، واعترض بأن الأهلية ليست بشرط
стр. 1017
ولو حرره على خدمته سنة، فقبل عتق، وخدمه، فلو مات تجب قيمته،
ــ
عند الإضافة والتعليق، ولذا لو جن بعد التعليق ثم وجد الشرط وقع الطلاق، والعتاق، وكذا يعتق المدبر بعد الموت، وليس التدبير إلا تعليق العتق، وأجيب بالفرق وذلك أنه في تلك المسائل الموجود إنما هو بطلان أهلية المعلق فقط، وهنا الثابت مع هذا زيادة، هي خروجه عن ملك المعلق إلى ملك الورثة، فلم يوجد الشرط إلا وهو في ملك غيره.
واعلم أنه روي عن الإمام أنه يعتق بمجرد القبول وأيده في (الفتح) وادعى في (البحر) أن ظاهر إطلاق المتون يفيده وفيه نظر، وفي (الخانية) إذا جاء غد فأنت حر إن شئت فالمشيئة له بعد طلوع الفجر من الغد، ولو قال: إن شئت فأنت حر غدا كانت المشيئة للحال في ظاهر الرواية وهو قولهما، وفي (البدائع) أنت حر غدا إن شئت فالمشيئة في الغد، ولو قال: أنت حر إن شئت غدا فالمشيئة للحال، لأنه في الأول علق الإعتاق المضاف إلى الغد بالمشيئة، وفي الثاني أضاف الإعتاق المعلق بالمشيئة إلى الغد والله الموفق، (ولو حرره) أي: العبد (على خدمته) أي: المولى (سنة) مثلا بأن قال: أعتقتك على أن تخدمني سنة عتق من ساعته ووجب عليه أن يخدمه، وأفاد كلامه أنه لا بد من بيان المدة فلو قال على خدمته أو على خدمة فلانة ولم يعين مدة كان عليه قيمة نفسه، قيد بكونه حرره على خدمته، لأنه لو عتق عتقه على خدمته لا يعتق حتى يخدمه إياها.
ولو قال: إن خدمت ابنى وابنتي حتى يستغنيا فأنت حر فإن كانا صغيرين فحتى يدركا ولو أدرك أحدهما يخدمهما إلى أن يدرك الآخر وإن كانا مدركين يخدم البنت إلى تزوجها والابن إلى قدرته على ثمن الجارية، ولو تزوجت البنت وبقي الابن خدمها أيضا، ولو مات أحدهما بطلت الوصية في (الذخيرة): اخدمني سنة وأنت حر عتق الساعة في قول الإمام، وقال الثاني: لا يعتق إلا بالخدمة قبل أو لا انتهى.
والوجه للإمام ظاهر بعد أن الواو واو الحال وسكتوا في مسألة (الكتاب) عن حكم نفقته ونفقة أولاده حيث لا مال له وهي حادثة الفتوى. قال في (البحر): وينبغي أن يقال: إنه يشتغل بالاكتساب للإنفاق فإن استغنى خدم المولى لأنه الآن في حكم المعسر فصار كما لو أعتقه على مال ولم يقدر عليه والله الموفق بمنه.
(ولو مات) المولى أو العبد (تجب قيمته) فتؤخذ منه للورثة أو من تركته للمولى إن كان لم يخدم شيئا فإن خدم مدة قوبلت سقط عنه بقدرها من قيمته وهذا عندهما وقال محمد: يجب قيمة الخدمة وينبغي أن يكون مرضه الذي لا يرجى برؤه كالعمى ونحوه كالموت، قال في (الحاوي القدسي): وبقول محمد نأخذ وإنما لم
стр. 1018
ولو قال: أعتقها بألف على أن تزوجنيها، ففعل، وأبت أن تتزوجه عتقت مجانا، ولو زاد عني قسم الألف على قيمتها، ومهر مثلها، ويجب ما أصاب القيمة فقط.
ــ
يخلفه الوارث في استيفاء الخدمة إما لأن المنفعة لا تورث أو للتفاوت الفاحش فيها، (ولو قال) رجل لسيد أمة (أعتقها بألف على أن تزوجنيها) لم يقل على كما في عامة نسخ (الهداية) وأثبتها في بعض النسخ وهي أدل على إيجاب المال على المتكلم وإن كان كذلك مع تركها أيضا، كذا في (الفتح) وكان لها مع الترك دلالة على الإيجاب أيضا لأن العبارة أعتق أمتك على ألف درهم فاكتفى بدلالة علي للوجوب وذكرها في بعضها للتأكيد، كذا في (العناية) وبه اندفع ما في (الشرح) من أن الحق ما في بعض النسخ وعلته تدل على ذلك من أن اشتراط بدل العتق على الأجنبي لا يجوز، ولا يكون اشتراط إلا إذا قال على انتهى.
وهذا التقدير لا يتأتى في عبارة المصنف إذ ليس فيها ما يدل على الوجوب، وسنح لي أنه يجوز أن تكون إن شرطية والمضارع بعدها مجزوم بها لا مصدرية وقد غفل عن هذا في (البحر) فقال: الأولى ذكرها لتفيد عدم الوجوب عند عدم ذكرها بالأولى (ففعل فأبت أن تتزوجه عتقت مجانا) أي: بغير شيء يلزمه من الألف فإن [٢٧٢/ب] تزوجته (ولو زاد عني قسمت / الألف على قيمتها، ومهر مثلها) فما أصاب قيمتها سقط عنه وما أصاب مهرها وجب، فإن استويا سقط عنه النصف ووجب النصف الآخر وإن تفاوتا كأن كان قيمتها مائتين والمهر مائة سقط عنه ستمائة وستة وستون وثلث أي: ووجب لها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث كذا في (الفتح).
وبنا قررناه اندفع ما في (البحر) من أنه لو حذف قوله: وأبت، لكان أولى لأنها لا تعتق مجانا وإن تزوجته واعتذر عن قوله على أن تزوجنيها مع أنه ليس بقيد لأنها تعتق مجانا في قوله: أعتقها بألف علي ففعل فأنه إنما ذكره ليفرع عليه المسألة الثانية وأنت خبير بأن تفريع الثانية بما ذكر مع حكمها الآتي لا يتم مع حذف قوله وأبت لما ستسمعه، وإن زاد لفظ عني قسم المهر على قيمتها ومهر مثلها (ويجب ما أصاب القيمة فقط) كأن هذا اللفظ لتضمن الشراء اقتضاء، وقد قابل الألف بالرقية شراء وبالبضع نكاحا فانقسم عليها وكان عليه حصة ما سلم له فإن تزوجته فما أصاب قيمتها فهو للمولى وما أصاب مهرها فهو لها.
تتمة: أعتق أمته على أن تزوجه نفسها ففعلت كان لها مهر مثلها عندهما لعدم صلاحية العتق لأن يكون مهرا، وجوزه الثاني اقتداء بفعله ﷺ ذلك في صفية. قلنا: كان ﷺ مخصوصا بالنكاح بغير مهر على ما مر، فإن أبت أن تتزوجه لزمها قيمتها في قولهم جميعا ولو أعتق أم ولده على أن تزوج نفسها منه فقبلت عتقت ولو أبت نكاحه فلا سعاية عليها، كما في (الخانية) والله الموفق للإتمام.
стр. 1019
باب التدبير
هو: تعليق العتق بمطلق موته
ــ
شروع في العتق الواقع بعد الموت بعد الفراغ من الواقع في الحياة وقدمه على الاستيلاد لشموله الذكر أيضا، والتدبير لغة النظر في عواقب الأمور قال في (المغرب) وغيره: وتدبير المملوك الإعتاق عن دبر وهو ما بعد الموت، وشرط في المدبر نفسه الأهلية من العقل والبلوغ فلا يصح تدبير الصبي والمجنون أما لو قال لصبي أو مجنون: دبر عبدي إن شئت فدبره جاز وهذا يقتصر على المجلس كذا في (المبسوط).
وفي (الخانية) يصح تدبير المحجور عليه بالسفه وبموته يسعى في كل قيمته، وإن وصية المحجور عليه بالسفه بالثلث جائز انتهى، فيطلب الفرق ولعل الفرق هو أن التدبير إتلاف الآن بخلاف الوصية فإنها بعد الموت وله الرجوع قبله فلا إتلاف فيها والملك فلا يصح تدبير المكاتب لانتفاء حقيقة الملك عنه، أما السكران والمكره فيصح تدبيرهما كإعتاقهما وصفته التجزؤ عنده لا عندهما وأحكامه ستأتي (هو تعليق العتق) والإضافة كأعتقتك بعد موتي كالتعليق (بمطلق موت المولى) لفظا أو معنى لخرج ما لو علقه بموته وموت فلان فليس بمدبر مطلقا حتى كان للورثة بيعه إذا مات المولى قبل فلان نعم لو مات فلان قبله كان مطلقا وما لو علقه بموت موصوف بصفة كما سيأتي.
وما لو قال: أنت حر بعد موتي بيوم أو بشهر فإنه لا يعتق إلا بإعتاق الوارث أو الوصي نص عليه ابن سماعة في (نوادره) ولو قال: قبل موتي بشهر كان مدبرا مقيدا فإن مضى شهر كان مطلقا عند البعض، وقال بعضهم: هو باق على التقييم كذا في (الظهيرية).
وفي (الخانية): لو مات بعد شهر قيل: يعتق من الثلث، وقيل: من جميع المال لأن على قول الإمام يستند العتق إلى أول الشهر وهو كان صحيحا فيعتق من كله وهو الصحيح وعلى قولهما يصير مدبرا بعد مضي الشهر قبل موته وفي (المجتبى) قبل مضي الشهر ليس مدبرا وإن كان يعتق بعد موته ويجوز بيعه ثم إذا مضى شهر لا يجوز بيعه لأنه صار مدبرا مطلقا وأكثر المشايخ أنه يجوز بيعه وهو الأصح انتهى، والحاصل أنه مقيد قبل مضي الشهر وبعده على الراجح، إلا أن مقتضى كونه يعتق من جميع المال على ما صححه في (الخانية) أن لا يكون مدبرا كما سيأتي.
стр. 1020
كإذا مت، فأنت حر، وأنت حر يوم أموت، أو عن دبر مني، أو مدبر أو دبرتك
ــ
ولو قال: أنت حر بعد موتي إن شئت ينوي فإن نوى المشيئة الساعة فشاء العبد ساعته فهو حر بعد موته من الثلث وإن نوى المشيئة بعد الموت فشاء العبد [٢٧٣/أ] عند موته فهو حر لوجود الشرط لا باعتبار التدبير. وكان / الشيخ أبو بكر الرازي يقول: الصحيح أنه لا يعتق إلا بإعتاق من الورثة أو الوصي، وبه جزم الحاكم في (مختصره)، والفرع الذي قبله يؤيده فرق بين هذا وما لو قال: أنت حر بعد موتي إن دخلت الدار بعده حيث لا يجب على الوارث إعتاقه بعد دخوله بأن الوصية بالإعتاق توكيل به بعد الموت وتعليقها بالمشيئة جائز، كأعتق عبدي إن شاء وبالدخول لا تصح كأعتق عبدي هذا إذا دخل الدار، كذا في (المحيط) ملخصا، وقولنا لفظا أو معنى يصح أن يكونا حالين من تعليق، والتعليق معنى كالوصية برقبته أو بنفسه أو بثلث ماله لا منه وأن يكونا حالين من مطلق، والمطلق معنى كإن مت إلى مائة سنة فأنت حر فإنه مطلق في المختار (كإذا) أو متى أو إن (مت) أو توفيت أو هلكت أو حدث في حادث (فأنت حر) أو عتيق أو معتق أو محرر (أو أنت حر يوم أموت)، أراد به مطلق الوقت لأنه قرن بفعل لا يمتد فإن نوى النهار صحت نيته ولم يكن مدبرا، كذا في (المبسوط) ومنه ما في (المحيط) أنت حر في موتي أو مع موتي وعنه أيضا لو قال لرجلين: دبرا عبدي فدبره أحدهما جاز، ولو قال: آمر عبدي في التدبير إليكما فدبره أحدهما لم يجز، ومنه أيضا ما في (الخانية) وغيرها لا سبيل لأحد عليك بعد فدبره أحدهما لم يجز، ومنه أيضا ما في (الخانية) وغيرها لا سبيل لأحد عليك بعد فدبره أحدهما لم يجز، ومنه أيضا ما في (الخانية) وغيرها لا سبيل لأحد عليك بعد موتي - إن شاء الله - كان مدبرا كما في (الحاوي القدسي).
ولو زاد إن شاء الله صح الإيصاء بخلاف ما لو قال: أنت حر بعد موتي إن شاء الله حيث لا يصح، والفرق أن الاستثناء في الأول من الأمر وفي الثاني من الإيجاب كذا في (الولوالجية)، (أو) أنت حر (عن دبر مني) يقال: دبر الرجل إذا ولى فكأنه دبر من الحياة (أو بدرتك) ولو زاد بعد موتي كان مدبرا الساعة ويلغوا قوله بعد موتي لعدم مكانه في (الظهيرية) أنت حر الساعة بعد موتي كان مدبرا، ونبه (بالكافي) على عدم حصر الألفاظ فيما ذكر كما أفاد إثباته عن دبر كان صريحا. وعن الثاني فيمن أوصى لعبده بسهم من ماله أنه يعتق بعد موته ولو بجزء لأن الجزء عبارة عن الشيء المبهم والتعيين فيه إلى الورثة بخلاف السهم فإنه السدس فكان سدس رقبته داخلا في الوصية.
فرع: تدبير الحمل وحده صحيح كعتقه فإن ولدته لأقل من ستة أشهر كان مدبرا وإلا فلا، ولو كانت بين اثنين دبر أحدهما وولدته لأقل من ستة أشهر خير الثاني بين التضمين والتدبير والاستسعاء بعد أن يقدر ولو دبره أحدهما، وقال الثاني للأم: أنت حرة بعد موتي فإن ولدته لأقل من ستة أشهر بعد كلام الأول كان الولد مدبرا
стр. 1021
فلا يباع، ولا يوهب ويستخدم ويؤجر وتوطأ، وتنكح، وبموته يعتق من ثلثه، وسعى في ثلثيه لو فقيرا
ــ
بينهما ولو لأكثر وأقل من تدبير الأم كان مدبرا للذي دبر الأم بلا ضمان، نعم له أن يضمنه حصته في الأم إن كان موسرا (فلا يباع) لما عن ابن عمر (لا يباع المدبر (ولا يوهب) وهو حر من الثلث، أي: لا يصح بيعه بل يبطل حتى لا يملك بالقبض وعلى هذا لو جمع بينه وبين قن ينبغي أن يسري الفساد في القن ولو قضى قاض بجواز بيعه نفذ وكان فسخا للتدبير حتى لو عاد إليه ومات على ملكه لم يعتق واستشكل بأنه إنما يبطل بالقضاء ما هو مختلف فيه وذاك لزوم التدبير لا صحة التعليق فينبغي أن يبطل وصف اللزوم لا غير كذا في (الظهيرية).
وفي (الولوالجية): والحيلة إذا أراد أن يدبر عبده على وجه يملك بيعه أن يقول: إذا مت وأنت في ملكي فأنت حر، فيكون مدبرا مقيدا وعلى هذا المعنى يحمل قوله في هذا الباب لو قال: هذه أمتي إن احتجت أبيعها وإن بقيت بعد موتي فهي حرة فباعها جاز كذا أفتى به الشهيد وأراد بالبيع الإخراج عن الملك بعوض فلا يمهر أيضا ولا يرهن، لأن الرهن والإرهان من باب إيفاء الدين واستيفائه عندنا فكان من تمليك العين وتملكها أي: لا يخرج عنه بعوض ولا بغير عوض فلا يوصى به أيضا إلا إلى الحرية بلا بدل أو بالكتابة أو أعتق على مال (ويستخدم) المدبر (ويؤجر وتوطأ) المدبرة (وتنكح) جبرا وكذا المدبر والأجر والمهر له وكذا أرشهما لأن ملكه ثابت فيه وبه يستفاد ولاية هذه التصرفات وبقي أن جنايته على المولى وهي الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ودينه يتعلق بكسبه (وبموته) ولو حكما كما إذا لحق / بدار [٢٧٣/ب] الحرب لأن الردة مع اللحاق تجري مجرى الموت، وكذا المستأمن إذا اشترى عبدا في دار الإسلام فدبره ولحق بدار الحرب فاسترق عتق مدبره كما في (البدائع) (يعتق المدبر) في آخر جزء من أجزاء حياته، كذا في (المحيط) (من ثلثه) يوم موته لما رويناه لأنه وصية ونفادها منه، ولذا لم يفترق الحال بين كون التدبير في الصحة أو في المرض إلا إذا قال في صحته: أنت حر أو مدبر ومات بلا بيان فإنه يعتق نصفه من جميع المال ونصفه من الثلث ولو قتل المدبر سيده سعى في كل قيمته إذ لا وصية للقاتل.
وفي (الخانية) يصح تدبير المحجور عليه بالسفه وبموته يسعى في كل قيمته وفيها أن وصية المحجور عليه من الثلث جائزة فيطلب الفرق (ويسعى في ثلثيه لو كان) المدبر (فقيرا) لا مال له سواه ولو كانت مدبرة فإن خرج من الثلث عتق بالتدبير
стр. 1022
وكله لو مديونا ويباع لو قال: إن مت من سفري، أو مرضي، أو إلى عشر سنين، أو عشرين سنة، أو أنت حر بعد موت فلان،
ــ
وسقطت عنه الكتابة وإن لم يكن له مال غيره فإن شاء سعى في بدل الكتابة، وإن شاء سعى في ثلثي قيمته بالتدبير عند الإمام، وقال الثاني: سعى في الأقل منهما بلا خيار، وقال الثالث: يسعى في الأقل من ثلثي البدل وقيمته ولو كاتبه وثم دبره خير عند الإمام بين أن يسعى في ثلثي قيمته أو ثلثي بدل الكتابة وقالا: يسعى في أقلها عينا كذا في (الفتح).
(و) يسعى في (كله) أي: في قيمة كله (لو مديونا) بدين مستغرق للتركة لأن الدين يقدم على الوصية ولا يمكن نقض العتق فنقض معنى برد القيمة أي: قيمته مدبرا ذكر في قط وذكر محمد السفيه لو دبر ثم مات يسعى الغلام في قيمته مدبرا، كذا في (المجتبى) ونحوه في (المحيط) حيث قال: مات الولي وعليه دين محيط سعى المدبر في جميع قيمته واختلفوا في قيمته مدبرا والصحيح هي نصف قيمته انتهى.
وفي (الجوهرة) إنه يسعى في قيمته قنا، وقدمنا أن المدبر لو كان محجورا عليه فإنه يسعى في كل القيمة (ويباع) شروع في التدبير المقيد وهو تعليق عتقه بموته على صفة (لو قال: إن مت من مرضي) هذا أو إن مت وغسلت أو كفنت أو دفنت أو إن مت أو قتلت فأنت حر وهذا في الأخير قول الثاني، وجعله زفر من المطلق.
قال في (الفتح): وهو أحسن لأنه تعليق بمطلق موت المولى يعني كيفما كان، (أو) قال: (أنت حر بعد موت فلان) لأنه ليس بمدبر مطلق قاله العيني يعني بل مقيد ومنع في (البحر) كونه مقيدا وإنما جاز بيعه لأن سبب الحرية لم ينعقد في الحال للتردد في هذا القيد لجواز أن لا يموت منه فصار كسائر التعليقات بل هو تعليق العتق بشرط مطلق لما في (المبسوط)، لو قال: أنت حر بعد موت فلان فلم يكن مدبرا لأن موته ليس بسبب للخلافة في حق هذا المولى ووجوب حق العتق باعتبار معنى الخلافة.
وفي (البدائع) لو قال: إن مات فلان فأنت حر لم يكن مدبرا، لأنه لم يوجد تعليق عتق عبده بموته فلم يكن تدبيرا بل تعليقا بشرط مطلق، فإن قلت: ذكر المصنف له فيه لمساواته له في حكمه من جواز البيع قلت: بينهما فرق وهو أن المدبر بتسميته يعتق من الثلث وهذا من جميع المال إذا وجد الشرط، ويبطل التعليق بموت المولى قبل وجوده بخلاف المدبر انتهى.
стр. 1023
ويعتق إن وجد الشرط.
باب الاستيلاد
ولدت أمة من السيد
ــ
أقول: عبارة أصله (الوافي) أو إن مات فلان وأنا وكأن الأصل إنما هو بعد موتي وفلان فتحرف (ويعتق إن وجد الشرط) نبه بذلك على أنه لا بد أن يموت في ذلك السفر أو المرض أو تلك المدة حتى لو مات بعدما أقام أو صح أو مضت لم يعتق لبطلان اليمين والله الموفق للصواب.
باب الاستيلاد
ولما اشترك كل من الاستيلاد والتدبير في استحقاق العتق بعد الموت، إلا أن التدبير إيجاب باللفظ فناسب ما قبله فقدم على الاستيلاد الذي هو مصدر استولد طلب الولد أريد به خاص وهو طلبه من الأمة أي من .... وكان المناسب للترجمة بالإعتاق أن يترجم للاستيلاد بكتاب نعم هذا على الترجمة بالعتق ظاهر، وأم الولد نفسها هي التي ثبت نسب ولدها من مالكها، وإن أطلقت لغة على الزوجة أيضا (ولدت أمة) قنة أو مدبرة غير أن التدبير يبطل على ما مر ومقتضاه عدم صحته بعد الاستيلاد إلا أن / المسطور في (المحيط) صحته لأن فيه استجماع سببي الحرية. [٢٧٤/أ].
وأفاد في (الذخيرة) أن معنى إبطاله عدم ظهور حكمه بعد فكأنه بطل لأنها تعتق من جميع المال وفي غيره لا يصح تدبيرها لأنه لا يفيد، كذا في (الفتح) وإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين كون الولادة من جماع أو استدخال مني كما في (المحيط) عن الإمام (من سيدها) بأن اعترف فسقط ما قيل: إن في العبارة قصورا، لأن المدار على ثبوت النسب منه وولادتها منه لا تستلزم على أنا لا نسلم كون المدار على ثبوت النسب بل على مجرد الدعوى يثبت النسب معها أو لا لما نقلوه من أنه لو ادعى نسب ولد أمته التي زوجها من عبده فإن نسبه إنما يثبت من العبد لا من السيد وصارت أم ولد له لإقراره بثبوت النسب منه، وإن لم يصدقه الشرع وإطلاقه يعم الذمي والمرتد والمستأمن وما لو ولدت منه حال كونها زوجة أو موطوءة بشبهة ثم ملكها بعد وحينئذ فلا حاجة لزيادة، كما في (الإصلاح).
قال في (البحر): ولو قال: حملت لكان أولى لما في (البدائع) وغيرها، لو قال: حملها مني صارت أم ولد له وكذا لو قال: هي حبلى مني أو ما في بطنها من ولد فهو مني ولا يقبل منه إنما كان ريحا ولو صدقته.
стр. 1024
لم تملك وتوطأ، وتستخدم، وتؤجر وتزوج فإن ولدت بعده ثبت بلا دعوة بخلاف الأول.
ــ
وأقول: ينبغي أن يقيد هذا بما وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت الاعتراف فإن وضعته لأكثر لا بصير أم ولد وفي (الشرح) لو اعترف بالحمل فجاءت به لستة أشهر من وقت الإقرار لزمه للتيقن بوجوده وقت الإقرار ويوافقه ما في (المحيط) لو اقر أن أمته حبلى منه ثم جاءت بولد لستة أشهر يثبت نسبه منه، لأن الدعوى صادفت ولدا موجودا في البطن، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يلزمه النسب لأنا لم نتيقن بوجوده وقت الدعوى لاحتمال حدوثه بعدها فلا تصح الدعوى بالشك انتهى.
وعلى هذا فصيرورتها أم ولد موقوف على ولادتها فلا جرم أناطوا الحكم بها وعم الولد الحي والميت، ولو سقطا بعد أن كان مستبين الخلق على ما مر في الطهارة لم تملك لقوله ﵊ في أم إبراهيم (أعتقها ولدها) رواه أحمد وغيره.
وفي رواية الدارقطني وغيره (من وطئ أمة فولدت فهي معتقة عن دبر منه) ومعنى (لم تملك) أي: ملكا بعد ملك سيدها فلا يرد أنها ملك لسيدها بدليل ما سيأتي من جواز وطئها ونحوه، ولو قرئ بتشديد اللام لكان أبعد عن التكلف، وإلى ذلك يشير قول الشارح أي: لا يجوز تمليكها فلا تخرج عن الملك بسبي ولا رهن ولو قضى قاض بجواز بيعها لم ينفذ في أظهر الروايات، ولو ملكها بسبي بعد ارتدادها فهي أم ولد بخلاف المدبر (وتوطأ) أم الولد (وتستخدم وتزوج) لقيام ملكه فيها كالمدبرة وفيه إيماء إلى أن الكسب والعقر وأرش الجناية له، ولم يقل في التزويج بعد استبرائها دلالة على أنه لا يجب على المولى بل يندب فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح فسد لا لأكثر، وإن ادعاه المولى إلا أنه يعتق عليه ولو باع خدمتها منها أو كاتبها على خدمتها جاز وتعتق يعني إذا أدت ما قابل الخدمة من المال أو تمت مدة الخدمة التي وقعت الكتابة عليها (فإن ولدت بعده) أي: بعد الولد الذي اعترف (ثبت) نسبه منه (بلا دعوة بخلاف الأول) حيث يثبت نسبه بدونها، والفرق أن وطئ الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد فإذا اعترف بالأول بقي الولد مقصودا منها فصارت فراشا كالمعقودة، وعلى هذا ينبغي أنه لو قال عند مجيئها الولد: كنت أطأ لقصده أن يثبت نسبه وإن لم يقل: هو ولدي لأن ثبوته بذلك القول بناء على وطئه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس: ينبغي أنه إذا أقر أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف على دعوة، وإن كنا
стр. 1025
وانتفى بنفيه، وعتقت بموته.
ــ
نوجب عليها في هذه الحالة الاعتراف فلا حاجة إلى أن يوجب عليه الاعتراف ليعترف بل يثبت نسبه ابتداء، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك، كذا في (فتح القدير)، ورده في (البحر) بأنه لا يصح أن يحكم له على أهل المذهب لتصريحهم بخلافه. قال في (البدائع): القنة والمدبرة لا يثبت نسب ولدها وإن حصنها المولى وطلب الولد من وطئها بدون الدعوى عندنا انتهى.
وأقولك أنت خبير بأن المدعي ما لو أقر أنه كان لا يعزل عنها وحصنها هل يكون ذلك كالدعوة أم لا؟ وما في (البدائع) لا يصادمه بقليل تأمل واعلم أن / ثموته [٢٧٤/ب] بلا دعوة مقيد بحل وطئها له بعد الولد، ما لو عرض له حرمة مؤيدة بأن وطئها ابن سيدها أو أبوه أو وطئ السيد أمها أو ابنتها أو حرمت عليه برضاع أو كتابة فإنه لا يثبت نسبه منه إلا باستلحاقه لأن حرمة وطئها كالنفي دلالة.
قال في (الفتح): ولا يخفى أنه يجب أن يفصل بين أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين عروض الحرمة أو لتمامها، ففي الأول يجب أن يثبت نسبه بلا دعوة للتيقن بأن العلوق كان قبل عروض الحرمة هذا كله حكم القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى فالمروي عن الإمام أنه إن لم يعزل عنها وحصنها عن مظان الريبة يلزمه أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر كونه منه والعمل به واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولا جاز له نفيه.
فرع
قال في (المجتبى): يصح استيلاد المجنون وهو مشكل لأن الدعوى لا تتصور منه فهذا إن صح يستثنى، كذا في (البحر) ويمكن أن يكون من وليه كعرض الإسلام عليه بإسلام زوجته إلا أن يفرق بينهما بالنفع والضرر والموضع موضع تأمل فتدبره، (وانتفى) الولد الثاني (بنفيه) صريحا أو دلالة كما إذا ولدت أكثر من واحد في بطن فادعى الأول كان نفيا لما بعده، ولو كان في بطون مختلفة كما في (الظهيرية) ولو ادعى الأخير كان تبعا للأولين وإنما صح نفيه لضعف فراشها بدليل أن له نقله بالتزويج بخلاف المنطوحة حيث تتوقف على اللعان لتأكده، وهذا الإطلاق قيده في (المبسوط) بما إذا لم يقض القاضي به ولم يتطاول الزمن فإن قضى به قاض يعني يراه فقد لزمه فلا يملك إبطاله، والتطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه ما يدل عليه من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بالإقرار واختلافهم في التطاول في اللعان (وعتقت) الأم (بموته) أي: السيد ولو حكما كلحاقه بدار الحرب مرتدا، وكذا المستأمن لو عاد إلى دار الحرب فاسترق وله أم ولد في دار
стр. 1026
من كل ماله، ولم تسع لغريمه ولو أسلمت أم ولد النصراني سعت في قيمتها ولو ولدت بنكاح، فملكها فهي أم ولده، ....
ــ
الإسلام (من كل ماله) هذا إذا كان إقراره بالولد في الصحة أو المرض ومعها ولد وكانت حبلى فإن لم يكن شيء من ذلك عتقت من الثلث لأن عدم الشاهد إقرار بالعتق وهو وصية، كذا في (المحيط) وغيره وإذا عتقت فمال في يدها للمولى إلا إذا أوصى لها به كما في (الخانية) وعن محمد أستحسن إن ترك لها ملحفة وقميصا ومقنعة، أما المدبر فلا شيء له من الثياب، كذا في (المجتبى).
(ولم تسع لغريم) لرواية الشيباني (أمر ﵊ بعتق أمهات الأولاد وأن لا يبعن في دين ولا يجعلن من الثلث) أي: حكم ودل قوله ولا يبعن على انتفاء المالية وإذا انعدمت لم يبق عليها سعاية ونكر الدين نفيا للسعاية للغرماء والورثة وقوله ولا يجعلن من الثلث تأكيد لأنه يفهم من قوله وأن لا يبعن في دين كذا في (العناية) ومنعه في (الحواشي السعدية) فإن المدبر لا يباع في دين ويجعل من الثلث (ولو أسلمت أم ولد النصراني) أراد به الكافر يعني فأبى عن الإسلام (سعت في قيمتها) أم ولد وهو ثلث قيمتها قنة قاله الإتقاني بأن يقدر القاضي قيمتها فينجمها عليها فتصير مكاتبة إلا أنها لا ترد إلى الرق بعجزها دفعا للضرر عنه وعنها فإنه لا يصل إلى البدل عقب عتقها لإفلاسها، وقد تتوانى في الاكتساب بحصول مقصودها بعده وتتضرر هي بشغل ذمتها بحق ذمي وربما تموت قبل إيفائه، وقد قال علماؤنا: خصومة الذمي والدابة يوم القيامة أشد من خصومة المسلم.
ولو مات عتقت بلا سعاية ولو ماتت هي ومعها ولد ولد في سعايتها سعى فيما عليها كما في (المحيط)، والمدبرة في هذا الحكم كأم الولد وهي وإن كانت عند الإمام غير متقومة إلا أن الذي يعتقد في هذا تقومها قيد بأم الولد لأن القنة يجبر على بيعها، وكذا القن يعني إن أبى عن الإسلام (ولو ولدت بنكاح) ولو فاسدا أو مشروطا فيه كونها حرة الأصل فإذا هي أمة أو وطئ بشبهة على ما مر وخرج به ما لو ولدت منه بزنا فإنها لا تكون أم ولد بملكه لها استحسانا (فملكها) بأي سبب كان كلا أو بعضا (فهي أم ولده) لأن السبب هو الجزئية وقد ثبتت منها نسبة الولد إلى كل واحد منها [٢٧٥/أ] وقد / ثبت النسب فثبت الجزئية بينهما بواسطة انتساب الولد إليهما ثم عندنا تصير أم ولد من وقت ملكها لا من وقت العلوق وعند زفر من وقت ثبوت النسب منه، وأثر الخلاف يظهر فيما لو ملك ولدا لها من غيره فإنه في حكم أمه ومعلوم أن أولاده منها
стр. 1027
ولو ادعى ولد أمة مشتركة ثبت نسبه، وهي أم ولده، ولزمه نصف قيمتها، ونصف عقرها لا قيمته ولو ادعياه معا ثبت نسبه منهما،
ــ
أحرار بملكه لهم (ولو ادعى ولد أمة مشتركة ثبت نسبه) أي: الولد منه لاحتياج الولد منه إلى النسب ولا فرق بين كون المدعي مسلما أو كافرا صحيحا أو مريضا حرا أو مكاتبا، غير أنه إذا عجز كان له أن يبيعها كما في (الظهيرية) وفيها أخوان اشتريا أمة حاملا فجاءت بولد فادعاه أحدهما فعليه نصف قيمة الولد، ولا يعتق بالقرابة لأن الدعوة لما تقدمت أضيف الحكم إليها (وهي أم ولد له) ابتداء لعدم تجزؤ الاستيلاد عندهما وعنده صار نصفها أم ولد له ثم يملك الآخر لأنه قابل للنقل والحاصل أن الاتفاق أنه لا يستقر تجزؤها في حق الأمومية في الابتداء عنده، وعندهما من أول الأمر (ولزمه نصف قيمتها) يوم العلوق لتملكه نصيب صاحبه باستكمال الاستيلاد (و) لزمه إيفاء (نصف عقرها) يوم العلوق لأن ملكه إنما يثبت بعد الوطء حكما للاستيلاد فيعبه الملك في نصيب صاحبه (لا قيمته) لأنه على حر الأصل لاستناد النسب إلى وقت العلوق وعم كلامه ما إذا كان الشريك أبا بخلاف ما لو استولدها ولا ملك له فيها حيث لا يلزمه العقر على ما مر، لأن ماله من الملك فيها كاف لإخراجه عن كون فعله زنا، أما إذا لم يكن له فيها ملك فالحاجة ماسة إلى إثبات ملكه قبل الوطء تحاميا عن ذلك (ولو ادعياه) أي: ادعى الشريكان نسب الولد ولو اختلف أنصباؤهم (معا) بأن لم يعلم بسبق أحدهما (ثبت نسبه منهما)، كذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه وفرضها في الاثنين لعدم الاختلاف فيهما وإن كان عند الإمام يثبت من أكثر خلافا للثاني، وقصره محمد على ثلاثة وزفر على خمسة.
وفي (غاية اليان) لو تنازع في امرأتان أو أكثر قضي به بين الكل عند الإمام خلافا لهما، ولو امرأة ورجل قضي بينهما عنده أيضا، وقالا: يقضى للرجل ولو كانت المنازعة بين رجلين وامرأتين كل يدعي عنه ابنه من هذه المرأة قضي به بين الرجلين فقط عنده وأطلق في ثبوت النسب منهما وهو مقيد بما إذا لم يكن مع أحدهما مرجح فإن كان كما إذا كان أحدهما أبا فيقدم الأب على الابن كما في (الهداية)، وبه عرف أنه لو ادعاه الابن والأب والجد قدم الجد.
والمسألة في (الظهيرية) والمسلم على الذمي والحر على العبد والذمي على المرتد والكتابي على المجوسي، ومن تقدم نكاحه حتى لو كان الحمل على ملك أحدهما نكاحا فاشترياها معا فولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء فادعياه فهي أم ولد للنكاح أولا لكن لا يثبت نسب ولدها الثاني إلا بالدعوة كما في (المجتبى) معللا بأن الوطء حرام فتعتبر الدعوة قيد بادعائهما النسب، لأنهما لو ادعى أحدهما
стр. 1028
وهي أم ولدهما، وعلى كل واحد نصف العقر، وتقاصا، وورث من كل إرث ابن وورثا منه إرث أب، ولو ادعى ولد أمة مكاتبه، وصدقه المكاتب لزمه النسب، والعقر وقيمة الولد، ولم تصر أم ولده،
ــ
العتق والآخر النسب معا قدم الثاني، (وهي أم ولدهما) لأن دعوة كل منهما في نصيبه راجحة على صاحبه فتتبعه الأم وتخدم كل منهما يوما وإذا مات أحدهما عتقت ولا ضمان للحي في تركة الميت ولا سعاية عليها عند الإمام وتسعى عندهما في نصف قيمتها ولو أعتقها أحدهما عتقت ولا ضمان عليه للساكت ولا سعاية عليها عنده، وعندهما يضمن إن كان موسرا أو تسعى إن كان معسرا كذا في (الفتح)، (وعلى كل واحد) منهما (نصف العقر) لأن الوطء في المحل المحترم لا يخلو عن عقر أو عقر وقد تعذر الأول للشبهة فتعين الثاني، (وتقاصا) أي: الشريكان وفائدة إيجاب العقر مع هذا أنه لو أبرأ أحدهما صاحبه بقي حق الآخر ولو قدم نصيب أحدهما بالدراهم والآخر بالذهب كان له أن يدفع الدراهم ويأخذ الذهب ولو كان نصيب أحدهما أكثر كان له أخذ الزيادة، وكذا الغلة والكسب والخدمة كما في (البدائع) (وورث من كل إرث ابن) كامل لإقرار كل منهما أنه ابنه على الكمال (وورثا منه إرث أب) لأن المستحق أحدهما فيقسمان نصيبه لعدم الأولوية والنسب وإن كان يتجزأ لكن يتعلق به أحكام متجزئة كالميراث والنفقة والحضانة والتصرف في المال، وأحكام غير [٢٧٥/ب] متجزئة كالنسب وولاية الإنكاح فيما يقبل التجزئة يثبت بينهما على التجزئة / وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما على الكمال كأنه ليس معه غيره قاله الشارح، ونص في صدقة الفطر أنها عليهما لكن عند الثاني، على كل صدقة تامة وقال محمد: عليهما صدقة واحدة.
وأما الجزية ففي (الخانية) لو ادعى نجراني وتغلبي ولد أمة لهما ومات أو كبر الولد تؤخذ منه جزية وفي (السير الكبير) لو مات التغلبي أولا أخذ منه جزية أهل نجران أو النجراني أولا أخذ منه جزية بني تغلب، ولو ماتا معا أخذ النصف من هذا والنصف من هذا، (ولو ادعى) المولى (ولد أمة مكاتبة، فصدقه المكاتب، لزم النسب) لأن غاية أمره أن يكون كالأجنبي، ولو ادعى ولد جارية أجنبي قصدقه المولى ثبت نسبه. قيد بمكاتبه لأنه لو ادعى ولد مكاتبته لم يشترط تصديقها وخيرت بين البقاء على كتابتها وأخذ عقرها وبين أن تعجز نفسها وتصير أم ولد كذا في (الهداية) (والدراية) (و) لزم (العقر) لما بينا، (وقيمة الولد) لأن في معنى ولد المغرور حيث اعتمد دليلا وهو أنه كسب كسبه فلم يرض برقه إلا أن القيمة هنا تعتبر يوم الولادة، وولد المغرور يوم الخصومة (ولم تصر أم ولد له) لأنه لا ملك فيها حقيقة كما في أم
стр. 1029
وإن كذبه لم يثبت النسب.
ــ
ولد المغرور المبيعة المستحقة وماله من الحق كاف لصحة الاستيلاد فلا حاجة إلى النقل فإن قلت بين قولهم لم تصر أم ولد وقولهم ماله من الحق كاف لصحة الاستيلاد تناقض قلت: المراد من الاستيلاد استلحاق الولد وصحته بثبوت النسب منه، أما ثبوت أمومية الولد فإنما هو لازم في بعض الصور وليس عينا ليلزم نفي ما أثبت (وإن كذبه) أي: المكاتب (لم يثبت النسب) لأنه لا يملك التصرف في اكتساب مكاتبه لأنه بالعقد حجر على نفسه فاشترط تصديقه إلا أنه لو ملك الولد يوما عتق عليه والله الموفق.
خاتمة: ولدت منه جارية غيره فقال: أحلها إلى مولاها والولد ولدي وكذبه في الولد لم يثبت نسبه غير أنه إن ملكها يوما ثبت نسبه وصارت أم ولد له وإن صدقه ثبت النسب ولو استولد جارية أحد أبويه أو امرأته وجاءت بولد فقال: ظننت حلها لم يثبت النسب وإن ملك أمه بعد لم تصر أم ولد له غير أنه في ملكه الولد عتق عليه، وفي (الوافي) قالا في الصحة: هي أم ولد أحدنا ومات أحدهما يبين الحي فإن عين نفسه فهي أم ولده وضمن نصف قيمتها لا عقرها بخلاف ما لو ولدت في ملكهما، وإن عين الميت عتقت صدقته الورثة أو لا، ولا سعاية، وإن كان في المرض وقولوا: عناك لم تسمع وإن قالوا: عنى نفسه ولو صدقه، فللحي نصف قيمتها في تركته وتعتق من الثلث ومن الكل لو ولدت في ملكهما وثبت النسب.
стр. 1030
كتاب الإيمان
ــ
كتاب الأيمان
اشترك كل من اليمين والطلاق والعتاق والنكاح في أن الإكراه والهزل لا يؤثر فيه، غير أنه قدم النكاح لقربه من العبادة كما مر، وأولاه الطلاق لأنه رفعه بعد تحققه ثم ذكر العتاق بعد لمشاركته للطلاق في تمام معناه الذي هو الإسقاط وفي لازمه الشرعي الذي هو السراية، واليمين لغة لفظ مشترك بين الجارحة والقوة القسم إلا أن قولهم كما في (المغرب) وغيره سمي الحلف يمينا لأن الحالف يتقوى بالقسم، أو أنهم كانوا يتماسكون بأيمانهم عند القسم يفيد كما في (الفتح) أن لفظ اليمين منقول ومفهومه لغة جملة أولى إنشائية صريحة الحزأين يؤكد بها جملة بعدها خبرية، وترك لفظ أولى يصيره غير مانع لدخول نحو زيد قائم زيد قائم وهو على عكسه فإن الأولى هو المؤكدة بالثانية من التأكيد اللفظي كذا في (الفتح) وتبعه في (البحر).
وأقول: فيه بحث أما أولا فلأن هذا إنما بتم على أن الجملة الثانية المؤكدة إنشائية وهو ممنوع، وأما ثانيا بتقدير التسليم فقد خرج بقوله بعدها فتدبره، والجملة تشمل الفعلية كحلفت بالله وأحلف، والاسمية كعلي عهد الله ولعمرك لأفعلن كذا، وخرج بالإنشائية تعليق الطلاق والعتاق فإن الأولى ليست إنشاء والشرعي ما أفاده بقوله كما هو في كثير من النسخ اليمين تقوية أحد طرفي الخبر من الصدق والكذب أو النفي والإثبات كما قال ابن الفصيح في نظمه نظرا إلى قول [٢٧٦/أ] المحققين أن له طرفا واحدا هو الصدق، وأن الكذب احتمال عقلي في نفس / السامع ظاهرا فدخل يمين الغموس بالمقسم به سواء كان اسما من أسمائه تعالى أو صفة أو التزام مكروه كفر أو زوال ملك فدخل التعاليق، كإن فعل كذا فهو يهودي وإن دخلت الدار فأنت كذا بضم التاء لمنع نفسه وبكسرها لمنعها وإن بشرتني فأنت حر وركنها اللفظ المستعمل فيها، وشرطها كون الحالف مسلما.
وفسر في (الحواشي السعدية) التكليف بالإسلام والعقل والبلوغ وعزاه إلى (البدائع) وما قلناه أولى زاد في (الدراية) الحرية وتبعه الشمني وهو سهو لقولهم: إن العبد إذا حنث كفر بالصوم هذا باعتبار الحالف، وأما باعتبار اليمين فقال في (المحيط): شرطها كون الخبر المضاف إليه اليمين محتملا للصدق والكذب متمثلا بين البر والهتك فيتحقق حكمه وهو وجوب البر وسببها البقائي تارة إيقاع
стр. 1031
حلفه على ماض كذبا عمدا غموس وظنا.
ــ
صدقه في نفس السامع، وأخرى حمل نفسه أو غيره على الفعل أو الترك، وحكمها وجوب البر فيما إذا حلف على طاعة أو ترك معصية، والحنث فيما إذ احلف على ضدهما وندبه فيما إذا كان عدم المحلوف عليه جائزا ثم قيل: يكره الحلف بغير اسم الله تعالى كالطلاق وقيل: إن أضيف إلى الماضي يكره وإن أضيف إلى المستقبل لا يكره وهو الأحسن كما في (المحيط) وعامتهم على عدم الكراهة.
قال العيني: وبه أفتوا، لا سيما في زماننا (حلفه على ماض) شروع في أقسام اليمين بالله تعالى لأن كلا من الغموس واللغو لا يتصور في اليمين بغيره لأن تعليق الطلاق والعتاق والنذر بأمر كائن في الماضي لا يتحقق فيه اللغو والغموس لأن الطلاق يقع به وكذا العتاق والنذر، سواء كان وقت اليمين عالما أو لم يكن كذا في (الشرح) فإن قلت: هذا منقوض بما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا لشيء قد فعله فإنه غموس مع أنه ليس يمينا بالله تعالى، قلت: هو كناية عن اليمين بالله تعالى وإن لم يعقل وجه الكناية كما صرح به في (البدائع).
قال في (الحواشي السعدية): ولم يقل كغيره: هي ثلاثة لعدم انحصارها فيها إذ اليمين الصادقة على الماضي كقوله: والله إني لقائم الآن في حال قيامه ليست منها مع أنها يمين، وأجاب صدر الشريعة بأن المراد بها اليمين التي اعتبرها الشرع ورتب عليها الأحكام ورده في (البحر) بأن عدم الإثم فيها حكم وفيه نظر، (كذبا عمدا) حالان من الضمير أي: كاذبا متعمدا (غموس) لأنها تغمس صاحبها في الذنب ثم في النار فعول بمعنى فاعل والماضي يشمل الفعل والترك فإن قلت: لو قال: والله إن هذا حجر كيف يصح أن يقال: إنه حلف على الفعل؟ قلت: يقدر كان أو يكون إن أريد الماضي والمستقبل فإن قلت: الحلف كما يكون على الماضي يكون على الحال فلم لم يذكر أيضا وهو من أقسام الحلف؟ قلت: لم يذكره لمعنى دقيق هو أن الكلام يحصل أولا في النفس فيعبر عنه باللسان فإذا أتم التعبير به انعقد اليمين فزمان الحلف صار ماضيا بالنسبة إلى زمان انعقاد اليمين فإذا قال: كتبت فلا بد من الكتابة قبل ابتداء التكلم، وأما إذا قال: سوف أكتب فلا بد من الكتابة بعد الفراغ من التكلم في ابتداء الزمان الذي من ابتداء التكلم إلى آخره فهو زمان الحال بحسب العرف وهو ماض بالنسبة إلى أن الفراغ وهو آن انعقاد اليمين فيكون الحلف عليه الحلف على الماضي كذا في (شرح الوقاية)، وهذا التكليف لم يعتبره شراح (الهداية) بل قالوا: التقييد بالماضي بناء على الثلاث إذ الحلف على الحال أيضا كذلك كوالله ما لهذا علي دين وهو يعلم خلافه (و) حلفه على ماض (ظنا) أن الأمر كما قال من فعل أو
стр. 1032
لغوا وأثم في الأولى دون الثانية وعلى آت منعقدة، وفيها كفارة فقط،
ــ
ترك أو صفة وهو بخلافه (لغوا). قال في (المغرب): اللغو الباطل من الكلام ومنه اللغو في الأيمان لما لا يعقد عليه القلب وقد لغى في الكلام يلغو ويلغي ومنه فقد لغوت والماضي ليس بقيد أيضا، كما في (البدائع) وما مر من التكلف باق هنا (وأثم) الحالف أي: استحق العقوبة (في الأولى) أي: في الغموس لرواية البخاري (الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) ومن ثم قال السرخسي: إن إطلاق اليمين عليها مجاز لأنها عقد مشروع وهذه كبيرة محضة، وجاء في كثير من الروايات تقييد الوعيد فيها بأن يقطع بها حق امرئ مسلم ومن ثم [٢٧٦/ب] قال في (البحر): ينبغي / أن تكون كبيرة إذا اقتطع بها ما مسلم أو أذاه، وصغيرة إذا لم يترتب عليها مفسدة، وأنت خبير بأن هذه ينافي إطلاق ما روينا وما قدمناه عن شمس الأئمة صريح فيه ومعلوم أن إثم الكبائر متفاوت (دون الثانية) وهو اللغو لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ (البقرة: ٢٢٥) وقول محمد فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها على ما علمت من النص مشكل، وأجيب إنما علق نفي المؤاخذة بالرجاء للاختلاف في تفسير اللغو فإن تفسير الشافعي له بكل يمين صدر من غير قصد في الماضي والمستقبل لبيان ما مر من أن تفسيره إذ الظن لا يكون إلا عند قصد، وقال ابن جبير: هو أن يحرم على نفسه ما أحل الله من قول أو عمل فلما اختلف في معناه علقه بالرجاء.
قال في (الفتح): والأصح أن اللغو بما ذكر من التفاسير متفق على عدم المؤاخذة به في الآخرة وكذا في الدنيا بالكفارة فلم يتم العذر عن التعليق بالرجاء فالأوجه ما قيل: إنه لم يرد به التعليق بل التبرك باسمه تعالى والتأدب انتهى.
وأقول: اختلف المتأخرون في المؤاخذة المنفية فقيل: المعاقبة قي الآخرة وقيل: هي المؤاخذة بالكفارة كما في (الكشاف) وغيره، والثاني أظهر بدليل ما بعده ولا شك أن تفسير اللغو على أمرنا ليس أمرا مقطوعا به إذ الشافعي قائل بأن هذا من المنعقدة فلا جرم علقه بالرجاء وهذا معنى دقيق ولم أر من عرج عليه (و) حلفه (على آت منعقدة) أي: على أمر يفعله أو لا يفعله ويجب أن يراد بالفعل فعل الحالف ليخرج نحو والله لا أموت ولا تطلع الشمس فإنه في هذين غموس.
قال في (الحواشي اليعقوبية): لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان﴾ (المائدة: ٨٩) (وفيها الكفارة) لقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم) (المائدة: ٨٩) ولا يتأتى الحفظ والهتك إلا في المستقبل، وقوله (فقط)، قال الشارح: لا معنى له لأن في المنعقدة إثما أيضا ولفظ الكفارة ينبئ عنه إذ هي الساترة للإثم.
стр. 1033
ولو مكرها أو ناسيا أو حنث كذلك، واليمين بالله تعالى،
ــ
وأجاب العيني بأنه أشار بذلك إلى أنها لا تجب إلا فيه ولا تجب في الغموس، قال في (البحر): ولا نسلم أن الإثم لازم للمنعقدة بل يكون الحنث واجبا ويكون مستحبا والعجب أنه بعد يسير ناقض نفسه إذ قال: لو فعله الحالف وهو مغمى عليه أو مجنون حنث لتحقق الشرط حقيقة، ولو كانت الحكمة رفع الذنب فالحكم يدور على دليله وهو الحنث لا على حقيقة الذنب.
وأقول: في الثاني نظر إذ المدعى أن في المنعقدة إثما وتخلفه فيما ذكر لعارض فلا يرد (ولو) كان الحالف (مكرها أو ناسيا) أراد به المخطئ كما إذا أراد أن يقول: اسقني الماء فقال: والله لا أشرب الماء، وفي (الكافي) وعليه اقتصر في (العناية) (والفتح) هو من يلفظ باليمين ذاهلا عنه والملجئ إلى ذلك أن حقيقة النسيان في اليمين لا تتصور قاله الشارح، وقال العيني وتبعه الشمني بل يتصور بأن حلف أن لا يحلف ثم نسي الحلف السابق فحلف ورده في (البحر) بأنه فعل المحلوف عليه ناسيا لا أن حلفه كان ناسيا انتهى.
وفيه نظر إذ فعل المحلوف عليه ناسيا لا ينافي كونه يمينا بدليل أنه يكفر مرتين مرة باعتبار أنه فعل المحلوف عليه وأخرى باعتبار حنثه في اليمين وأورد أن حقيقة اليمين أعني تقوية أحد طرفي الخبر لا يتأتى في الناسي إذ لا اختيار له وأجيب بأن هذا هو القياس لكنه ترك بالنص وهو قوله ﵊: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق واليمين) ورده في (الفتح) بأن حديث اليمين لا دلالة فيه على المدعى بتقدير ثبوته لأن المذكور فيه جعل الهزل باليمين جد والهازل قاصد لليمين غير راض فلا يعتبر عدم رضاه به شرعا بعد مباشرة السبب مختارا والناسي بمعنى الذاهل لم يعتقد شيئا وكذا المخطئ لم يقصد التلفظ به بل شيئا آخر فلا يكون الوارد في الهازل، وأراد في الناسي (أو حنث كذلك) أي: مكرها أو ناسيا لأن الفعل حقيقة لا ينعدم بالإكراه والنسيان وهو الشرط كذا قالوا وهذا يفيد أن معنى الإكراه عليه أنه أكره أن يفعل المحلوف فلو لم يفعله كما لو حلف أن لا يشرب فصب الماء في حلقه مكرها فلا حنث عليه، (واليمين) مستقرة (بالله) أي: بهذا الاسم ولو بغير هاء كما هو عادة الأتراك / كذا في (المجتبى) وفيه إيماء إلى أنه [٢٧٧/أ] لا بد أن يكون خاصا وعلى هذا تفرع ما في (الخلاصة) باسم الله ليس يمين إلا بالنية وبالواو يمين وفي (الفتح) تبعا لما في (المحيط) المختار أن اسم الله (تعالى) ليس
стр. 1034
والرحمن والرحيم وعزته وجلاله وكبريائه وأقسم، وأحلف وأشهد.
ــ
بيمين لعد التعارف وعلى هذا بالواو لأن نصارى ديارنا تعارفوه (والرحمن الرحيم) ومنه والذي لا اله إلا هو رب السموات والأرض رب العالمين ومالك يوم القيامة والأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والطالب والغالب يمين لتعارف أهل بغداد الحلف به ويلزم عليهما اعتبار العرف فيما لم يسمع من الأسماء من الكتاب والسنة لأنه لم يسمع إلا الغالب، وأما كونه على القول المفصل في الأسماء كذا في (فتح القدير).
وأفاد إطلاقه أنه لا فرق بين أن يتعارفوا الحلف به أو لا وهو الصحيح، وقيل: كل اسم لا يسمى به غيره تعالى كالله والرحمن فهو يمين، وما يسمى به غيره كالحكيم والعليم فإن أراد به اليمين كان يمنيا وإلا لا، ورجحه بعضهم بأنه حيث كان مستعملا لغيره تعالى أيضا لم يتعين إرادة أحدهما إلا بالنية، ورده الشارح بأن دلالة القسم معينة لإرادة اليمين إذ القسم بغيره تعالى لا يجوز، نعم إذا نوى غيره صدق لأنه نوى محتمل كلامه، وأنت خبير بأن هذا مناف لما قدمه من أن العامة يجوزون الحلف بغيره تعالى (وعزته وجلاله وكبريائه) بيان للحلف بالصفة، والمراد بها اسم المعنى الذي لا يتضمن ذاتا ولا يحمل عليها فهو كالعزة والكبرياء والعظمة بخلاف نحو العظيم، قال في (البحر): ولم يقيد الحلف بالصفات بالعرف ولا بد منه.
وأقول: ممنوع فقد أشار إلى ذلك بقوله لا بعلمه إلى آخره وعن هذا تم حكم محمد في قوله وأمانة الله تعالى أنه يمين ثم سئل عن معناه فقال: لا أدري لأنه رآهم يحلفون به لكن وجهه أن الحالف به أراد معنى والله الأمين فالمراد الأمانة التي تضمنتها لفظة الأمين وأفاد إطلاقه أنه لا فرق بين كونها صفة ذات أو فعل وهو الصحيح ولا خفاء أن ما جاز أن يوصف الله تعالى به وبضده كالغضب والرضا فهو من صفات الفعل، وما لا يجوز أن يوصف بضده كالجلال فهو من صفات الذات، والمراد بصفات الأفعال صفات تدل على تأثير لها اسما غير اسم القدرة يجمعها اسم التكوين فإن كان ذلك الأثر مخلوقا فالاسم الخالق والصفة الخلق أو رزقا فالاسم الرازق والصفة الترزيق أو حياة فهو المحيي أو موتا فهو المميت، فمتأخرو الحنفية أنها صفات قديمة زائدة على صفة الذات والأشاعرة يقولون: ليست صفة التكوين سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بإيصال الأرزاق (و) قوله: (أقسم) وأعزم (وأحلف وأشهد) بفتح الهمزة والهاء وضمها وكسر الهاء خطأ وكان حالفا بهذه الألفاظ لأنها حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، ولهذا لا ينصرف إليه إلا بقرينة السين ونحوه،
стр. 1035
وإن لم يقل بالله، ولعمر الله، وأيم الله،
ــ
وما قيل من أنه في العرف كذلك كأشهد أن لا إله إلا الله وكذا قول الشاهد أشهد ففيه نظر، لأن ذلك بدلالة الحال إلا أنه في نفسه كذلك عرفا قيد بالمضارع لأنه محل الخلاف بينا وبين الشافعي، أم الماضي نحو حلفت أو أقسمت أو شهدت بالله لأفعلن فيمين بلا خلاف كذا في (الفتح) إلا أنه في شرح (المجمع) حكى الاتفاق على أن أشهد بالله يمين.
واعلم أنه وقع في (النهاية) وتبعه في (الدراية) أن مجرد قول القائل اقسم أو أحلف يوجب الكفارة من غير ذكر محلوف عليه ولا حنث تمسكا بما في (الذخيرة) أن قوله: علي يمين موجب للكفارة وأقسم ملحق به وهذا وهم بين إذ اليمين بذكر المقسم عليه وما في (الذخيرة) معناه إذ أوجد ذكر المقسم عليه وانقضت اليمين وترك ذلك للعلم به يفصح عن ذلك قول محمد في (الأصل) واليمين في الله تعالى أو أحلف أو أقسم إلى أن قال: وإذا حلف بشيء منها ليفعلن كذا فحنث وجبت عليه الكفارة، (وإن لم يقل بالله) لقوله تعالى: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ (القلم: ١٧) وقوله تعالى: ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾ (التوبة: ٩٦) وفي الآية الأخرى ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ (المجادلة: ١٦) وادعى في (فتح القدير) أن أقسموا مجرد عن وجود قسم منهم وهو لا يستلزم ذلك القسم كأن قولهم نقسم ليصرمنها / ومثله في يحلفون لكم لترضوا عنهم لا يلزم كون [٢٧٧/ب] حلفهم بلفظ الحلف أصلا فضلا عن لفظ الحلف يصدق بالمدعى، فإن أقسموا إخبار عن قسم واقع منهم وهو صادق بقوله كل واحد أقسم لأصرمنها مصبحا وكذا في يحلفون لكم أحلف لك ما فعلت كذا وهذا القدر كاف في الاستدلال به على المدعي (و) بقوله أيضا (لعمر الله) بفتح العين أي: بقاؤه وهو من صفات الذات فكأنه قال: وبقاء الله والضم وإن كان بمعنى البقاء أيضا إلا أنه لا يستعمل في القسم، قال الرضي: لأن القسم موضع التخفيف لكثرة استعماله وظاهر أنه مع اللام مرفوع على الابتداء والخبر محذوف وجوبا، أي: قسمي وحذف لسد جواب القسم مسده ومع حذفها منصوب نصب المصادر وحرف القسم محذوف تقول: عمر الله ما فعلت.
قال في (الفتح): وأما قولهم: عمرك الله ما فعلت فمعناه بإقرارك له بالبقاء وينبغي أن لا ينعقد يمينا لأنه حلف بفعل المخاطب وهو إقراره واعتقاده انتهى.
وفي (البزازية) وسلطان الله يمين في الأصح إن أراد به قدرة الله تعالى (و) بقوله (أيم الله) جمع يمين عند الفراء سقطت نونه وهمزته في الوصل تحقيقا ثم
стр. 1036
وعهد الله وميثاقه وعلي نذر، ونذر الله وإن فعل كذا فهو كافر لا.
ــ
خففت أيضا فقيل أمر الله وهو قول الأكثر، وعند سيبويه كلمة اشتقت من اليمين ساكنة الأول اجتلبت لها الهمزة للنطق وكان يمينا لقوله ﵊: (تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله أن كان لخليقا بالإمارة) أخرجه البخاري، وهو في الحديث بكسر الميم لواو القسم وإنما يضم إذا لم يكن في أول حرف القسم نبه عليه بعضهم وهو ظاهر (و) بقوله (عهد الله) لأفعلن كذا (و) بقوله أيضا (ميثاقه) أي: ميثاق الله بمعنى عهده ولنا الذمة وكذا سمي الذمي معاهدا والأمانة قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ (النحل: ٩١)، وقد غلب استعمالها بمعنى اليمين ثم إذا نوى غيره بأن نوى العبادات لم يكن يمينا.
(و) بقوله (علي نذر و) علي (نذر الله) لأفعلن كذان وهذا القيد أعني ذكر المحلوف عليه لا بد منه في كونه يمينا وإن لم يذكره لا يكون يمينا لأن اليمين إنما يتحقق بمحلوف عليه إلا أنه يلزمه الكفارة لأن هذا التزام لها ابتداء بهذه العبادة، هذا إذا لم ينو بالقدر المطلق شيئا من القرب المقصودة التي يصح النذر بها كالحج ونحوه فإن نواه لزمه ما نوى، وإن ذكر صيغ النذر بأن قال: لله علي صلاة ركعتين أو صوم يوم مطلقا عن الشرط أو معلقا به أو ذكر لفظ النذر مسمى معه المنذور مثل لله علي نذر صوم يومين مطلقا أو منجزا فسيأتي في الكفارة فظهر الفرق بين صيغة النذر ولفظ النذر، كذا في (الفتح) يريد أن لفظ النذر يكون يمينا ونذرا إذا نوى به قربة وأما صيغة النذر فلا يكون يمينا البتة.
(و) بقوله: (إن فعل كذا فهو كافر) أو يهودي أو نصراني، أو قال: فاشهدوا علي بالنصراينة كما في (الولوالجية) إلحاقا له بتحريم الحلال لأنه لما جعل الشرط علما على الكفر وقد اعتقده واجب الامتناع وأمكن القول بوجوبه لغيره جعلناه يمينا، وكذا لو قال: فأنا أعبدك من دون الله أو أعبد الصليب كم في (المجتبى) قيد بكون اليمين على فعل مستقبل لأنه لو كان على ماض كإن كنت فعلت كذا فهذا كافر وهو عالم أنه فعله كان غموسا، واختلف في كفره، والأصح أنه يمين لا يكفر بالماضي وإن كان جاهلا أو عنده أن الكفر بالغموس أو بمباشرة الشرط في المستقبل يكفر فيهما لأنه رضي بالكفر، واختلف أيضا في قوله: يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعله وهو يعلم خلافه وعامتهم على أنه يكفر وقيل: لا يكفر وهو رواية عن أبي يوسف لأنه قصد ترجيح الكذب دون الكفر، كذا في (المجتبى) (لا) يكون
стр. 1037
بعمله، وغضبه، وسخطه، ورحمته. والنبي، والقرآن والكعبة، وحق الله.
ــ
اليمين بقوله (بعلمه) أي: بعلم الله تعالى (وغضبه وسخطه ورحمته) لأفعلن كذا لعدم تعارف الحلف بها ولأن العلم قد يراد به المعلوم والغضب والسخط يراد بهما العقوبة ويراد بالرحمة أثرها وهو الجنة، ومن ثم قلنا: لو قال: وعذاب الله وثوابه ورضاه ولعنته أنه لا يكون يمينا.
وفي (البدائع) لو قال: لا إله إلا الله أو سبحان الله والله أكبر لأفعلن كذا لا يكون يمينا لعدم ... ، وملكوت الله وجبروته يمين لأنه من صفاته التي لا تستعمل إلى في الصفة وفي (الخانية) لو قال: بصفة الله لا أفعل / كذا لا يكون يمينا [٢٧٨/أ] لأن صفاته ما يكون في غيره ولا بقوله (والنبي والقرآن والكعبة) لأفعلن كذا، أم النبي والكعبة فلخبر (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه، وأما القرآن فلأنه غير متعارف.
قال في (الفتح): ولا يخفى أن الحلف به متعارف فيكون يمينا كما هو قول الأئمة الثلاثة، قال العيني: وعندي أنه لو حلف بالمصحف أو وضع يده عليه وقال: (وحق) هذا فهو يمين ولا سيما في زماننا الذي كثرت فيه الأيمان الفاجرة ولا خلاف أنه لو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من النبي أو من كلام (الله) القائم به انعقد يمينا، وكذا لو قال: فأنا بريء من الإسلام أو من القبلة أو من المؤمنين أو من الصلاة والصوم أو من صوم رمضان أو من المصحف كما في (المجتبى).
ولو قال: من شهر رمضان فإن أراد به البراءة عن فرضه كان يمينا فإن أراد عن أجره لا يكون يمينا ولو قال: فأنا بريء من كل آية من المصحف فيمين واحدة، وكذا لو قال: من الكتب الأربعة أو من الله ورسوله، ولو كرر لفظ بريء كان عليه كفارتان، ولو زاد الله ورسوله بريئان منه كان عليه أربع كفارات ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الله ألف مرة كان عليه كفارة واحدة، وفي (الخانية) لو قال: دين الله وطاعته أو حدوده أو شريعته أو المصحف لا يكون يمينا والله الموفق.
فرع
فال في (الفتح): بحياتك أو حياة رأس السلطان إن اعتقد أن البر فيه واجد كفر وفي تتمة (الفتاوى) قال علي الرازي: أخاف على من قال بحياتي وحياتك أن يكفر، ولولا أن العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت: إنه شرك، ولا بقوله: حق الله عندهما، وإحدى الروايتين عن الثاني عن حق الله يراد به طاعته أداء الطاعات حقوقه وصار ذلك متبادرا شرعا حتى كأنه حقيقة حيث لا يتبادر سواه واستدل الشارح وغيره
стр. 1038
وإن فعلته فعلي غضب الله وسخطه أو أنا زان، أو سارق أو شارب خمر، أو آكل ربا وحروفه الباء،
ــ
على ذلك بقوله ﷺ حين سئل ما حق الله على العباد؟ فقال: (أن لا يشركوا به شيئا) حينئذ وليس بشيء لأن صلته بلفظ على العبادتين المراد بأنه غير وجوده وحقيقته، والكلام في غير المقرون مما يدل على أحد المعنيين، وعن أبي يوسف أنه يمين.
قال في (الاختيار): والله المختار للتعارف ورده في (فتح القدير) بأن التعارف إنما يعتبر بعد كون الصفة مشتركة في الاستعمال بين صفة الله وصفة غيره ولفظ حق لا يتبادر منه ما هو صفة الله بل هو من حقوقه، قيد بالمضاف لأن المعرف بين إجماعا واعترض بأنه الحق المعروف يطلق على غيره تعالى ومنه ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: ٣٢)، ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا﴾ (غافر: ٤٥) فكيف يكون يمينا بلا خلاف؟ وأجيب بأنه إن نوى اليمين باسم الله تعالى يكون يمينا وإلا فلا، وأنت خبير بأنه على المختار إذا ثبت كونه اسما لله تعالى لا تعبير فيه النية وإن أطلق على غيره ولو نكره لا يكون يمينا، لأنه يراد به تحقيق الوعد فصار كأنه أفعل كذا حقيقة لا محالة، قال قاضي خان: والصحيح أنه إن أراد به اسم الله يكون يمينا وفي (المجتبى) بحرمة الله كحق الله وفي (فتاوى النسفي) بحرمة شهد الله أو لا إله إلا الله ليس بيمين والله الموفق، (و) لا بقوله: (إن فعلته فعلي غضب الله أو سخطه) لأنه دعا على نفسه ولم يتعارف الحلف به (أو) إن فعلته (فأنا زان أو سارق أو شارب خمر أو آكل ربا) لأن حرمة هذه الأشياء تحتم النسخ والتبديل فلم تكن في معنى حرمة الله تعالى، ولأنه ليس بمتعارف كذا في (الهداية) ومعنى احتمال النسخ فيها أن حرمتها تحتمل السقوط أما الخمر فظاهر، وأما السرقة فعند الاضطرار، وكذا إذا أكرهت المرأة بالسيف على الزنا وأما الزنا ففي دار الحرب وعلى هذا تفرع ما لو قال: هو الميتة أو يستحل الخمر والخنزير إن فعل كذا لأنه علقه بما يسقط حرمته بحال ما كما في (المجتبى) بخلاف حرمة اسم الله تعالى فإنها لا تحتمل السقوط.
قال في (الفتح): وهذا فيه نظر لأن كون الحرمة تحتمل الارتفاع أو لا تحتمل لا أثر له فإنه إن كان يرجع إلى تحريم المباح فهو يمين وإلا لا، وظاهر كلامهم أنه لو تعورف الحلف به كان يمينا فظاهر ما في (الفتح) يفيد أنه لو تعورف الحلف به لا يكون يمينا حيث قال: إن مضي اليمين أن يعلق ما يوجب امتناعه عن الفعل [٢٧٨/ب] بسبب لزوم وجوده عند الفعل وليس بمجرد الفعل يصير زانيا أو سارقا لأنه لا يكون / كذلك إلا بفعل مستأنف يدخل في الوجود بخلاف الكفر فإنه بالرضى به يكفر من غير توقف على عمل آخر (وحروفه) أي: القسم (الباء) قدمها لأنها الأصل إذ هي
стр. 1039
والواو، والتاء وقد تضمر
ــ
صلة الحلف، والأصل أقسم أو أحلف حذف الفعل كثرة الاستعمال مع فهم المقصود ومعناها الإلصاق لأنها تلصق فعل القسم بالمحلوف به ولأصالتها دخلت على المظهر والمضمر (والواو) أعقبها بها لأنها بدل منها لمناسبة معنوية وهي في الإلصاق من الجمع التي هي معنى الواو للبدلية انحطت عنها فدخلت على المظهر فقط (والتاء) ثلث بها لأنها بدل عن الواو وإذ هي من حروف الزيادة أبدلت كثيرا منها كتراث فانحطت عنها درجتين فلم تدخل على المظهر إلا على اسم الله وترب الكعبة.
قال الشارح: وبقي لام القسم وحرف التشبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل والميم المكسورة والمضمومة في القسم ومن كقوله: وهاء الله ومراد الله ومن الله (وقد تضمر) حرف القسم فيكون حالفا بقوله: الله لا أفعل لأن حذف الحرف من عادة العرب إيجازا، ثم قيل: ينتصب لنزع حرف خافض وقيل: ينخفض ليكون الكسر دلالة على المحذوفة كذا في (الهداية) وفيه بحثان: الأول أن التعليل بالحذف لا يطابق فكأنه أراد به الإضمار تسامحا والفرق أن الإضمار يبقى أثره بخلاف الحذف، كذا في (الدراية)، قال في (الفتح): وعلى هذا فينبغي أن يكون في حالة النصب محذوفا وفي الجر مضمرا.
وأقول: الظاهر أن المراد بالإضمار عدم الذر فيصدق بالحذف وحينئذ فالتعليل مطابق، وهذا لأنه كما يكون حالفا مع بقاء الأثر يكون أيضا حالفا مع النصب بل هو الكثير في الاستعمال وذاك شاذ والتزام ذلك الاصطلاح للفقهاء غير لازم وإذا تحققت هذا ظهر أن ما في (البحر) لم يقل يحذف للفرق بينهما، وذكر ما مر بمعزل عن التحقيق لما قد علمت من أنه يكون حالفا مع الحذف أيضا، الثاني، أن قوله: ثم قيل حينئذ ظاهر في نقل الخلاف تبعا للسرخسي فيه نظر، إذ هما وجهات سائغان للعرب ليس أحد ينكر أحدهما ليتأتى الخلاف وكون النصب بنزع الخافض ممنوع بل هو عند النحاة بفعل القسم لما حذف أفضل الفعل به وحكى الرفع فقيل على أنه خبر لمحذوف والأولى أن يكون المضمر هو الخبر لما عرف من أن الإجماع على أن أعرف المعارف هو الاسم الكريم قيد بحرف القسم لأن إضمار حرف التأكيد، أعني النون واللام في المقسم عليه لا يجوز.
قال في (المحيط): والحلف بالعربية أن يقول في الإثبات: والله لأفعلن كذا مقرونا بجملة التأكيد وفي المنفي يقول: والله لا أفعلن كذا والله ما فعلت كذا حتى لو قال: والله أفعل كذا اليوم كان بمعنى قوله لأفعل فتكون لا مضمرة لأن الحلف في
стр. 1040
وكفارته تحرير رقبة، أو إطعام عشرة مساكين كهما في الظهار، أو كسوتهم بما يستر عامة البدن فإن عجز عن أحدهما صام ثلاثة أيام متتابعة،
ــ
الإثبات عند العرب لا يكون إلا بحرف التأكيد وهو اللام والنون، وإضمار الكلمة تستعمل بخلاف إضمار بعضها في البعض فإن غير مستعمل (وكفارته) أي: اليمين بمعنى الحلف أو القسم فلا يرد أنها مؤنثة سماعا وهذا من إضافة الشيء إلى شرطه، إذا السبب كما سيأتي إنما هو الحنث (تحرير رقبة) أم إعتاقها، ولم يقل: عتق رقبة لأنه لو ورث من يعتق عليه فنواه عن الكفارة لم يجز، (أو إطعام عشرة مساكين كهما) أي: كالتحرير والإطعام (في) كفارة (الظهار) المتقدم من كونها غير فائت جنس المنفعة منها ولا مستحقة للحرية بجهة، وفي الإطعام، أما التمليك والإباحة فيعشيهم ويغديهم ولو أطعم خمسة وكسى خمسة أجزأه ذلك عن الإطعام إن كان أرخص من الكسوة وعلى العكس لا يجوز هذا في إطعام الإباحة، أما إذا ملكه فيجوز ويقام مقام الكسوة ولو أعطى عشرة كل واحد ألف مد من الحنطة عن كفارات اليمين لا يجوز إلا عن واحدة عند الإمام والثاني وكذا في كفارة الظهار وكذا في (الخلاصة).
وفي (الخانية) لو أعطى عشرة كل واحد مدا مدا فاستغنوا ثم افتقروا، وأعاد عليهم مدا مدا عن أبي يوسف لا يجوز لأنهم لما استغنوا بطل ما أدى فصار كما لو أدى إلى مكاتب مثلا فرد في الرق ثم كوتب ثانيا فأعطاه مدا لا يجوز (أو كسوتهم) [٢٧٩/أ] لقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ (المائدة: ٨٩) الآية والتخيير / لا يمنع صحة التكليف كما ظنه من أوجب الكل مع السقوط بالبعض لأن صحته بإمكان الأمثال وهو ثابت بفعل أحدهما وقد قالوا: لو فعل الكل وقع عن الكفارة ما كان أعلى قيمة فإن قلت: إذا فعل واحدا بعد واحد وقع الأول عن الكفارة فكيف يتعين الأعلى؟ قلت بأن فعل الكل جملة ناوية أن يكون الكل عن الكفارة أو مرتبا ولم ينو أن يكون الكل عن الكفارة إلا بعدما تمت، وهذا لأن النية في التكفير لا بد من وجودها كما في (الفتح) وبترك الكل يعاقب على الأدنى ونبه بقوله (بما يستر عامة البدن) أن المراد بالكسوة ما يثبت به اسم المكتسي وينبغي عند اسم العريان فلا يجزئ إلا نحو القميص والجبة والإزار السائل الذي يتوشح به، وفي المرأة لا بد من الخمار مع الثوب أما العمامة والسراويل فلا إلا أنه يجزئ عن الإطعام باعتبار القيمة ثم قيل: يعتبر في الثوب حال القابض.
قال السرخسي: والأشبه بالصواب أنه يكفي أن يصلح للأوسط (فإن عجز) الحانث (عن أحدهما) أي: الإعتاق والإطعام والكسوة (صام ثلاثة أيام) لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ (المائدة: ٨٩) (متتابعة) لقراءة ابن مسعود
стр. 1041
ولا يكفر قبل الحنث، ومن حلف على معصية ينبغي أن يحنث، ويكفر ولا كفارة على كافر، وإن حنث مسلما، ...
ــ
متتابعات والمراد بالعجز أن لا يفضل عن حاجته قدر ما يكفر به فإن فضل لا يجزئه الصوم في ظاهر المذهب ولو كفر بالصوم ناسيا لرقبة أو طعام أو كسوة في ملكه، فالصحيح أنه لا يجزئه كذا في (المجتبى).
وقياس ما مر أنه لو صام لعجزه فظهر أن له مالا وعليه دين فإن قضى دينه بذلك المال كفر بالصوم وإن صام قبل قضاء الدين قيل: يجوز وقيل: لا ولا كلام أنه لو كان ماله غائبا أو دينه مؤجلا فصام أنه يجوز هذا إذا لم يكن الغائب عبدا، فإن كان عبدا يجوز في الكفارة ولا يجوز له الصوم ويعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الحنث حتى لو وهب ماله وسلمه ثم صم ثم رجع عن الهبة أجزأه الصوم وقيد بالتتابع لأن التفريق غير جائز ولو لعذر الحيض كما في (الخلاصة) ولا بد من بقاء العجز إلى إتمام الصوم حتى لو أيسر أو أعتق العبد قبل أن يفرغ من الصوم ولو ساعة فأصاب مالا استأنف التكفير بالمال، (ولا يكفر) الحالف بالمال ولا بالصوم (قبل الحنث) حتى لو كفر لم يعق ما أداه كفارة وإن وقع تطوعا حتى منع من استرداده من الفقير لأنها تستر الجناية، ولا جناية قبل الحنث، كذا قالوا وفيه نظر إذ كون الحنث جناية مطلقا ممنوع لأنه قد يكون فرضا على ما سيأتي.
وأجاب بعضهم بأن هذا كلام خرج مخرج الظاهر المتبادر من إخلال المحلوف عليه (ومن حلف على) فعل (معصية) نفيا كلا يصلي الظهر أو لا يكلم أباه أو إثباتا نحو ليشربن الخمر اليوم (ينبغي) أي: يجب (أن يحنث ويكفر) لأنه أهون الأمرين، وارتكابه واجب إذا لم يكن بد من ارتكاب أحدهما، وظاهر أن وجوب الحنث لا يتأتى إلا في اليمين المؤقتة لأنه في المطلقة لم يحنث إلا في آخر جزء من أجزاء حياته فيوصي بالكفارة إذا هلك الحالف، ويكفر إذا هلك المحلوف عليه قيد بكونه معصية لأنه لو لم يكن فتارة يكون الحنث أولى، كالحلف على ترك وطء زوجته شهرا أو ضرب عبده أو شكاية مديونه إن لم يوف به وتارة يكون البر أولى كما إذا حلف أن لا يأكل هذا الخبز أو لا يلبس هذا الثوب، ولو قيل: إنه واجب بقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ (المائدة: ٨٩) على ما هو المختار في تأويلها أنه البر فيها أمكن كذا في (الفتح).
وبقي قسم رابع وهو أن يكون المحلوف عليه واجبا قبل الحلف نحو لأصلين الظهر اليوم فإن البر فيه فرض، وكذا إذا كان المحلوف عليه ترك معصية فيثبت وجوبان لأمرين الفعل والبر كذا في (البحر) (ولا كفارة) تجب (على كافر، وإن حنث مسلما)
стр. 1042
ومن حرم ملكه لم يحرم، وإن استباحه كفر
ــ
لعدم أهليته لليمين لقوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ (التوبة: ١٢) وعن هذا قلنا: إنه لو ارتد بعدما حلف مسلما ثم أسلم فحنث لا يلزمه الكفارة وكذا لو نذر ما هو قربة من صدقة أو صوم لا يلزمه شيء وقوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾ (التوبة: ١٢) فالمراد بها صور الإيمان التي أظهروها وأما تحليف القاضي وقوله ﷺ : (تبرئكم اليهود بخمسين يمينا) فالمراد كما قلنا صور الأيمان إذ المقصود منها رجاء النكول والكافر وإن ثبت اليمين في حقه شرعا لكنه يعتقد حرمة اليمين بالله تعالى فيمتنع عنه فشرع إلزامها بصورة لهذه الفائدة (ومن حرم ملكه) [٢٧٩/ب] على نفسه بأن قال / مالي أو ثوبي أو جاريتي أو ركوب دابتي علي حرام (لم يحرم) لأن فيه تغيير المشروع، والقادر على ذلك إنما هو رب العالمين (وإن استباحه) أي: طلب أن يكون مباحا كما كان (كفر) فيه إيماء إلى أنه يمين وكان كذلك لقوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (التحريم: ٢) بعد قوله: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (التحريم: ١) قال أنس: (كانت له أمة يطؤها فلم تزل عائشة وحفصة به حتى حرمها على نفسه) رواه النسائي قيل: فيه نظر لأنه ﷺ حلف صريحا فنزلت بأن قال: (والله لا أقربها)، كما في (الكشاف).
وأجاب في (الفتح): بأن الحلف لم يذكر في الآية ولا في الحديث فلا يجوز أن يحكم به وتقد به حكم النص، وقيل: إنما حرم الفعل والتقيين بالملك اتفاقي فإن نحو كلام زيد علي حرام، يمين وعبارة القدوري ومن حرم على نفسه شيئا مما يملكه لم يحرم، قال في (الفتح): لو أريد بلفظ شيئا ما هو أعم من الفعل دخل نحو كلام زيد انتهى.
وهو ظاهر في أن القول داخل في مسمى الملك أيضا، وهذا لأنه القدرة على المتصرف والتصرف في كل شيء مما يليق به ويدل عليه قولهم بصحة الإجارة على الأقوال، كالأذان وهي تمليك المنافع، فالأقوال منافع مملوكة وعليه فهو أيضا اتفاقي لأن قوله: هذا الطعام علي حرام لطعام لا يملك أيضا لأن حرمته لا تمنع كونه حالفا، ألا ترى أنه لو قال الخمر علي حرام فالمختار للفتوى أنه إن أراد الإنشاء كفر، أو الإخبار
стр. 1043
كل حل علي فهو حرام على الطعام، والشراب،
ــ
لم يكفر وعند عدم النية لا تلزمه الكفارة كذا في (الذخيرة) وفيها من فصل الأكل الصحيح أنه إذا قال: الخمر والخنزير علي حرام كان يمينا.
وفي (الفتح) لو قال: الخنزير علي حرام فليس يمين إلا أن يقولك إن أكلته وقيل: هو قياس الخمر وهو الوجه، واعلم أن الظاهر من تحريم الأعيان تحريم الفعل المقصود منها فلو قال: هذا الثوب علي حرام حنث بلبسه إلا أن ينوي غيره، ولو قال: كل طعام آكله في منزلك فهو علي حرام، ففي القياس لا يحنث بأكله وبالاستحسان يحنث لأن الناس يريدون بهذا أن أكله حرام كذا في (الخلاصة) وعلى هذا فيجب أن يحنث في قوله: إن أكلت طعاما يأكله ولو قال: مالي علي حرام فأنفق منه شيئا حنث، وكذا مال فلان علي حرام فأكل منه وأنفق حنث ولو تصدق أو وهب لم يحنث بحكم العرف كذا في (المحيط)، ولو قال لقوم: كلامكم علي حرام حنث وفي مجموع (النوازل) وكذا كلام فلان وفلان علي حرام يحنث بكلام أحدهما وكذا فلان وفلانا وفلانا، الصحيح أنه لا يحنث في المسألتين ما لم يكلمهما إلا أن ينوي كلام واحد منهما فيحنث بكلام أحدهما لأنه شدد على نفسه، ولو حلف لا يكلمهما ونوى واحد لا يحنث بكلام أحدهما انتهى.
وفي (الخانية) قال مشايخنا: الصحيح أنه لو قال أكل هذا الرغيف علي حرام لا يحنث بأكل اللقمة منه لأن هذا بمنزلة قوله: والله لا آكل هذا الرغيف ولو قال هكذا لا يحنث بأكل البعض وجزم في (الخلاصة) في أكل الرغيف علي حرام بأنه يحنث وبه جزم في (المحيط) أيضا بخلاف والله لا آكل هذا الرغيف إذا كان كله يؤكل في مجلس، يعني حيث لا يحنث بأكل لقمة، ولم يبين الفرق ولعل وجهه أن تحريمه الرغيف على نفسه تحريك أجزائه أيضا وفي الثاني إنما منع نفسه من أكل الرغيف كله فلا يحنث بالبعض، وبهذا يضعف ما في (الخانية) وعبر بمن ليشمل ما لو قالت لزوجها: أنت علي حرام أو حرمتك على نفسي فإنه يمين حتى لو طاوعته أو أكرهها على الجماع لزمها الكفارة انتهى. وأنت خبير بأن في شمول كلامه لذلك نظرا بينا (كل حل) أو حلال الله أو حلال المسلمين (علي حرام واقع على الطعام والشراب) إلا أن ينوي غيره، حتى لو نوى الكذب كان كذبا نص عليه في (كافي) الحاكم وهذا استحسان والقياس أنه يحنث كما فرغ لأنه باشر من هذا العام فعلا حلالا هو التنفس وفتح العينين ونحو ذلك وجه الاستحسان أن المقصود وهو البر لا يحصل مع اعتبار العموم فقط، وانصرف إلى الطعام والشراب للعرف، ولا تدخل الزوجة إلا بالنية فإذا
стр. 1044
والفتوى على أنه تبين امرأته من غير نية ومن نذر نذرا مطلقا، أو معلقا بشرط، ووجد وفى
ــ
نواها كان موليا ولا تصرف اليمين عن الطعام والشراب (والفتوى) في زماننا (على أنه [٢٨٠/أ] تبين زوجته بلا نية) لأنه صار طلاقا عرفا ولذا لا يحلف به إلا الرجال ولو قال لم أنو به / الطلاق لم يصدق قضاء.
قال في (الظهيرية): فإن كان له ثلاث نسوة أو أربع وقع على كل واحدة بائنة لكن في (الدراية) لو كان له امرأتان وقع الطلاق على واحدة وإليه البيان في الأظهر كقوله: امرأتي كذا وله امرأتان وأكثر ولو لم يكن له زوجة ذكر في (النوازل) أنه تلزمه كفارة يمين وقيده في (الظهيرية) بما إذا كانت يمينه على مستقبل فإن كانت على ماض كذبا عمدا فلا كفارة عليه لأنه غموس، ومقتضاه أنه لو كان ظنا أن يكون لغوا، ولو كانت له وقت اليمين امرأة فأبانها ثم فعل المحلوف عليه بعد العدة لا كفارة عليه لانصرافها إلى الطلاق، ولو نكح امرأة بعد اليمين ثم باشر الشرط اختلفوا، والفتوى أن زوجته لا تبين، وبه أخذ أبو الليث لأنه جعل يمينا وقته فلا تنصرف إلى الطلاق ولعلم أن مثل هذا اللفظ لم يتعارف في ديارنا بل المتعارف فيه حرام علي كلامك ونحوه كأكل هذا ولبسه دون الصيغة العامة وتعارفوا أيضا الحرام يلزمني، ولا شك أنهم يريدون الطلاق معلقا فإنهم يريدون بعده لا أفعل كذا أو لأفعلنه وهو مثل تعارفهم الطلاق يلزمني لا أفعل كذا فإنه يراد إن فعلت كذا فلهي طالق ويجب إمضاؤه عليهم، والحاصل أن المعتبر في انصراف هذه الألفاظ عربية أو فارسية إلى معنى بلا نية المتعارف فيه فإن لم يتعارف فيه سئل عن نيته كذا في (فتح القدير).
(ومن نذر نذرا مطلقا، أو معلقا بشرط) يراد كونه أو لا (ووجد) الشرط (وفي) المنذور هذا ظاهر الرواية لقوله ﵊: (من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى) وعن الإمام أنه قبل موته بسبعة أيام رجع عن لزوم عين المنذور إذا كان معلقا بشرط لا يراد كونه وقال: إنه يحير بين فعله وكفارة يمين كقوله: إن فعلت كذا فعلي صوم.
قال في (الهداية): وهذا التفصيل هو الصحيح، ووجهه رواية مسلم: (كفارة النذر كفارة اليمين) فإنه يقتضي السقوط بالكفارة مطلقا وهو معارض لإطلاق الحديث الأول فحملنا مقتضى الإيفاء بعينه على المنجز أو المعلق بشرط يراد كونه وفي (الخلاصة): لو جعل على نفسه حجا أو صلاة أو صدقة مما هو طاعة إن فعل
стр. 1045
به ولو وصل بحلفه إن شاء الله بر في حلفه
ــ
كذا ففعله لزمه ذلك الشيء الذي جعله على نفسه ولم تجز كفارة اليمين في ظاهر الرواية، والشيخ القاضي الإمام علي المروزي كان يقول: إن شاء صام أو صلى أو حج وإن شاء كفر، كذا في مجموع (النوازل) وعن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا قبل موته بسبعة أيام، وقال: تجب فيه الكفارة قال السرخسي: وهو اختياري لكثرة البلوى (به) وهكذا اختار الشيهد وبه يفتى انتهى. قال في (البحر): فتحصل أن الفتوى على التخيير مطلقا انتهى.
وأقول: وضع المسألة في (الخلاصة) في التعليق بالشرط الذي لا يراد كونه فالإطلاق ممنوع أعني سواء أريد كونه أو لا - والله الموفق - هذا كله إذا سمى شيئا فإن لم يسم شيئا كان عليه كفارة يمين في المطلق وفي المعلق عند وجود الشرط.
وفي (الولوالجية) وإذا حلف بالنذر وهو ينوي صياما ولم ينو عددا معلوما كان عليه صيام ثلاثة أيام وإذا نوى صدقة ولم ينو عددا فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، واعلم أنه لو التزم بالنذر أكثر ما يملكه لا يلزمه إلا ما يملكه في المختار حتى لو قال: إن فعلته فألف درهم من مالي صدقة ففعله وهو لا يملك إلا مائة لا يلزمه غيرها لأنه فيما لم يملك لم يوجد في الملك ولا مضافا إلى سببه فلا يصح كقوله: ما لي في المساكين صدقة ولا مال له لا يصح فكذا هذا كذا في (الولوالجية).
وفي (البزازية) لله علي أن أهدي هذه الشاة وهي ملك الغير لا يصح النذر ولو قال: لأهدين هذه الشاة والمسألة بحالها يلزمه وإن نوى يمينا كان يمينا انتهى.
والفرق بين التأكيد وعدمه مما لا أثر له يظهر في صحة النذر وعدمه ثم على الصحة هل تلزمه قيمتها؟ أو يتوقف الحال إلى ملكها محل تردد.
وفي (الخلاصة) لو قال: لله علي إطعام المساكين فهو على عشرة عند الإمام وفي إطعام مسكين يلزمه نصف صاح من حنطة استحسانا ولو قال: إن فعلت كذا فألف / درهم من مالي صدقة، لكل مسكين درهم فحنث وتصدق بالكل على واحد [٢٨٠/ب] أجزأه، ولو قال: لله أن أعتق هذه الرقبة وهو يملكها فعليه أن يفي بذلك ولو لم يف أثم لكن لا يجبره القاضي، (ولو وصل) الحالف (بحلفه إن شاء الله بر في حلفه) أي: لغا يمينه كما عبر به في (الوافي) وعبر به هنا إيماء إلى أن عدم الانعقاد هنا كالبر إلا أن فيه إيهام الميل إلى قول الثاني من أن الاستثناء للشرط وقالا: إنه مبطل للكلام الأول وما استدل به المشايخ من قوله ﵊: (من حلف على يمين
стр. 1046
باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك
حلف لا يدخل بيتا لا يحنث بدخول الكعبة والمسجد، والبيعة والكنيسة، والدهليز والظلة، والصفة. .......
ــ
وقال إن شاء الله تعالى فلا حنث عليه) رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: حديث حسن لا يعين ما قالاه. قيد بقوله وصل لأنه لو فصله كان رجوعا إذا لم يكن لنحو تنفس وسعال. قال في (البحر): وظاهر كلامهم أن المشيئة المتصلة تبطل كلما تعلق بالقول عبادة أو معاملة بخلاف المتعلق بالقلب كالنية والله الموفق للصواب.
باب اليمين في الدخول والخروج
والسكنى والإتيان وغير ذلك من الركوب
لما كان انعقاد اليمين على فعل شيء أو تركه لم يكن بد من ذكر أنواع الأفعال ويعلم منها التروك وقد علمت أن المذكور في هذا الباب منها خمسة أفعال أي: الكف عنها غير أنه قدم منها الكلام على الدخول والسكنى دون الأكل والشرب، مع أنه أهم ليطابق التقديم الوجودي للترتيب الوضعي، وذلك أن أول ما يحتاج إليه الإنسان المسكن الذي يدخل فيه ويسكن ثم يتوارد عليه الأفعال من الأكل والشرب والركوب.
(حلف) أن (لا يدخل بيتا لا يحنث بدخول) البيت الشريف وهو (الكعبة) كما عبر به في بعض النسخ (والمسجد والبيعة) بكسر الموحدة متعبد اليهود، (والكنيسة) متعبد النصارى، (والدهليز) بكسر الدال ما بين الباب والدار فارسي معرب، (والظلة) وهي الساباط الذي يكون على باب الدار مسقفا له جذوع أطرافها على جدار الباب والأطراف الأخر على جدار الجار المقابل (والصفة) لأن البيت عرفا ما أعد للبيتوتة، وهذه البقاع لم تبن لها والأيمان مبنية على العرف عندنا أي: على عرف الحالف فإن كان من أهل اللغة اعتبر فيه عرف أهلها، وإن لم يكن اعتبر عرف غيرهم وفي مشترك الاستعمال تعتبر اللغة على أنها العرف ثم من المشايخ من جرى على هذا الإطلاق
стр. 1047
وفي دارا بدخولها خربة، وفي هذه الدار يحنث، وإن بنيت دارا أخرى بعد الانهدام، وإن جعلت بستانا، أو مسجدا، أو حماما أو بيتا لا
ــ
فحكم بأن ما ذكر في (الذخيرة) من الحنث بهدم بيت العنكبوت في أن لا يهدم بيتا خطأ، ومنهم من حمله على ما إذا لم يمكن العمل بحقيقته وهو بعيد، إذ المتكلم إنما يتكلم بالعرف الذي به التخاطب نعم إن نوى بيت العنكبوت في عموم البيت حنث وإلا وجب أن لا يحنث بالدخول في البيت الحرام والمسجد إذا نوى ذلك لأن الآيات القرآنية ناطقة بإطلاق اسم البيت عليهما، وإذ قد علمت أن البيت ما يبات فيه وكان الدهليز كبيرا يبات فيه الضيف وبعض الأتباع وجب أن يحنث بدخوله، وعلى هذا فيحنث بالصفة إذا كانت بحيث لو أغلق الباب كانت داخله سواء كان لها أربعة حوائط كما في الكوفة أو ثلاثة على ما رجحه في (الهداية) بعد أن يكون مسقفا لأنه يبات فيه غاية الأمر أن مفتحه واسع، وكذا الظلة إذا كان معناها ما هو داخل الباب مسقفا.
وقول العيني: الصفة هي ما مر غير أنه ليس لها مزم فإذا أراد البيت الذي له مزم ينبغي أن لا يحنث، يعني ديانة لأنه نوى تخصيص العام بنيته صرح به في (الدراية) (وفي) حلفه على دخوله (دارا) لا يحنث (بدخولها خربة وفي) لا يدخل (هذه الدار يحنث) بدخولها خربة (ولو بنيت دارا أخرى) لأن الدار اسم للعرصة لغة كما شهدت بذلك أشعار العرب، والبناء وصف فيها غير لازم، إنما اللازم كونها قد نزلت إلا أنه في عرف أهل المدن لا يقال إلا بعد البناء فيها ولو انهدم بعد ذلك بعضها قيل: دار خراب فيكون هذا الوصف جزءا لمفهومها، فأما إذا عادت ساحة فإطلاق اسم الدار عليها عرفا باعتبار ما كان والحقيقة أن يقال: كانت دارا وقد عرف أن الوصف في الحاضر لغو لأن ذاته تتعرف / بالإشارة فوق ما تتعرف بالوصف وفي الغائب معتبر لأنه [٢٨١/أ] المعرف له فإن كون الإشارة تعين بالذات إنما يقتضي تعين هذا البناء مع الساحة محلوفا عليه وقد انتفى، وفي (المحيط) لو كانت دار صغيرة فجعلها بيتا واحدا وأشرع بابا إلى الطريق أو إلى باب أخرى لا يحنث بدخولها لتبدل الاسم والصفة بحدوث أمر جديد انتهى، والمراد بخرابها أن تصير ساحة، فأما إذا زال بعض حيطانها فينبغي أن يحنث في المنكر ودل كلامه أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد فصار خرابا، حنث بدخوله وهو مروي عن الثاني (وإن جعلت) في لا يدخل هذه الدار (بستانا أو مسجدا أو حماما) أو نهرا (أو بيتا لا) أي: لا يحنث بدخولها، سواء دخلها وهي حمام أو بستان أو بعدما انهدم الحمام، أو اتخذها بيتا لزوال اسم وبالانهدام لم يعد وهو وإن عاد بالبناء لكنه بصفة أخرى فكان غير المحلوف عليه قيد بهذه الدار،
стр. 1048
كهذا البيت فهدم، أو بنى آخر. والواقف على السطح داخل،
ــ
لأنه لو لم يسمها بل قال: هذه حنث بدخولها على أي صفة كانت كما في (الذخيرة) (كهذا البيت) أي: كما لا يحنث في حلفه لا يدخل هذا البيت (فهدم أو بنى آخر) ثم دخله، وقيدنا بالإشارة إلى أنه لا يحنث في المنكر بالأولى، أما إذا انهدم فلزوال الاسم عنه حتى لو سقط السقف وبقيت حيطانه حنث بدخوله وجعل في (البدائع) هذا في المعين، أما المنكر فلا حنث فيه لأنه بمنزلة الصفة له وهي في الحاضر لغو وفي الغائب معتبرة انتهى. وفيه نظر بل لا فرق بين المنكر والمعرف حيث صلح لأن يبات فيه فتدبره.
وأما إذا بنى بيتا آخر ولو بنقض الأول فلأن هذا المبني غير البيت الذي منع نفسه من دخوله، ومن هذا النوع لا يكتب بهذا القلم أو لا يقص بهذا المقص فكسره ثم رآه وأعاده مقصا يحنث، وكذا السيف والسكين كما لو قال: لا أستند إلى هذه الأسطوانة والحائط فنقضا ثم بينا أو لا أركب هذه السفينة فنقضت ثم أعيدت بذلك الخشب لزوال الاسم في الكل بخلاف ما لو حلف على ثوب لا يلبسه أو قباء محشوا أو جبة مطبقة أو قلنسوة أو خفين فنقض ذلك كله ثم أعاده حيث يحنث، لأن الاسم بقي بعد النقض وقي المباسيط من هذا النوع ما يطول الكلام بذكره، (والواقف على السطح) أي: سطح الدار المحلوف على عدم دخولها إذا وصل إليه من سطح آخر (داخل) لأنه من الدار، ألا ترى أن سطح المسجد منه حتى حرم على الجنب والحائض الوقوف عليه ولم يبطل الاعتكاف بالصعود عليه كذا في (الشرح) وغيره وقد يقال: المعنى مختلف فإن الأيمان مبنية على العرف فجاز كون بعض ما هو في حكم المسجد خارجا في العرف، فالأقرب ما قيل: الدار عبارة عما أحاطت به الدائرة وهذا حاصل في علو الدار وسفلها وهذا يتم إذا كان السطح بحضير، فلو لم يكن له حضير فليس هو إلا في الدار، والحق أن السطح من الدار لأنه من أجزائها حسيا لكن لا يلزم من القيام عليه أن يقال في العرف: دخل الدار وقيل: في عرفنا لا يحنث وهو قول المتأخرين، قال الشارح: وهو المختار، وفي (الكافي) وعليه الفتوى وقال المتقدمون: إنه يحنث.
قال في (الفتح): ولو حمل الأول على ما إذا لم يكن حضير، والثاني على ما إذا كان له حضير اتجه وهذا اعتقادي انتهى. ومقتضاه أنه لو حلف أنه لا يخرج منها فصعد إلى سطحها الذي لا حضير له أن يحنث والمسطور في (غاية البيان) أنه لا يحنث مطلقا لأنه ليس بخارج، ويؤيده ما في (المحيط): لو ارتقى إلى شجرة والمسألة بحالها أغصانها خارج الدار بحيث لو سقط في الطريق لم يحنث، وفيه أيضا لو حلف
стр. 1049
وفي طاق الباب لا. ودوام اللبس والركوب والسكنى كالإنشاء.
ــ
لا يدخل دار فلان فحفر سردابا أو قناة تحت داره فدخل ذلك السرداب أو القناة لم يحنث لأنه لم يدخل ولو كان للقناة موضع مكشوف في الدار، فإن كان كبيرا يستسقي منه أهل الدار فبلغ ذلك الموضع حنث وإلا لا، ولو اتخذ سردابا تحت داره وجعله بيوتا وجعل لها أبوابا إلى الطريق فدخلها الحالف حنث، (و) الواقف (في طاق الباب) أي: عتبة الفناء إذا أغلقه كانت خارجة أي: (لا) يكون داخلا فلا يحنث بذلك لو حلف لا يدخل هذه الدار وهذا البيت قيد بالواقف في الطاق، أي: على قدميه لأنه لو وقف بإحدى رجليه على العتبة وأدخل الأخرى فإن استوى الجانبان أو كان الخارج أسفل لم يحنث، وإن كان الجانب الداخل أسفل حنث كذا في (الشرح) وغيره وفي (الظهيرية) الصحيح أنه لا يحنث مطلقا.
واعلم أنه إذا حلف لا يدخل دار زيد فداره مطلقا دار يسكنها / فلو دخل دار [٢٨١/ب] غلته لم يحنث كما في (المحيط) وعلى هذا تفرع ما في (المجتبى) إن دخلت دار زيد فعبدي حر، وإن دخلت دار عمرو فامرأته طالق، فدخل دار زيد لم يعتق وتطلق فإن نوى شيئا صدق ولا فرق في الساكن بين كونه تبعا أو لا، حتى لو حلف لا يدخل دار أمه أو ابنته وهي تسكن مع زوجها حنث بالدخول كما في (الخانية) ولا بين كون المسكن بالملك أو الإجارة أو العارية إلا إذا استعارها ليتخذ فيها وليمة فدخلها الحالف فإنه لا يحنث كما في (العمدة) والوجه فيه ظاهر والمسألة مقيدة بالطائع، أما المكره فلا يحنث بالدخول ولو رضي بقلبه في الأصح وصورة المسألة ما إذا حمله الإنسان وأدخله، أما إذا هدد حتى دخل بنفسه فإنه يحنث لوجود الفعل منه، ومن صور الإكراه ما لو عثر فوقع في الدار أو كان على دابة فانفلتت به وأدخلته فيها غير قادر على إمساكها وقد نص في (الظهيرية) على أن الصحيح في المسألتين عدم الحنث قال: ولو أدخل مكرها ثم دخلها مختارا فالفتوى على أنه يحنث ثم إذا لم يحنث هل تنحل اليمين؟ قيل: نعم، والصحيح أنها لا تنحل كذا في (الدراية).
فرع
في (الواقعات): والله لا أكلم إخوة فلان وله أخ واحد فإن كان يعلم يحنث بالواحد وإلا لا، ولا ينافيه ما في (القنية) إن أحسنت إلى أقربائك فأنت طالق فأحسنت إلى واحد منهم يحنث ولا يراد الجمع في عرفنا انتهى. وبما في (الواقعات) عرف جواب حادثة الفتوى وهي ما إذا حلف بالطلاق أن أولاد زوجته لا يطلعون إلى بيته وطلع واحد منهم فإنه لا يحنث، (ودوام اللبس والركوب والسكنى كالإنشاء) حتى لو
стр. 1050
لا دوام الدخول لا يسكن هذه الدار، أو البيت، أو المحلة فخرج وبقي متاعه، وأهله حنث
ــ
حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، أو لا يركب هذه الدابة وهو راكبها، أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فمكث ساعة حنث فلو نزع الثوب أو نزل وأخذ في النقلة من ساعته لم يحنث وجه الحنث أن هذه الأفاعيل لها دوام بحدوث أمثالها، ولهذا فو قال لها: كلما ركبت وهي راكبة فأنت طالق فمكثت ساعة يمكنها النزول فيها طلقت واحدة، وإن طال مكثه، لا ركبت إذا لم يكن الحالف راكبا يراد به إنشاء الركوب فلا يحنث بالاستمرار، وإن كان له حكم الابتداء بخلاف ما لو حلف الراكب لا يركب فإنه يراد به الأعم من ابتداء الفعل في حكمه عرفا (لا دوام الدخول) حتى لو حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لم يحنث بالمكث فيها كما لو حلف لا يخرج وهو خارج أو لا يتزوج وهو متزوج، أو لا يطهر وهو متطهر حيث لا يحنث باستدامة الخروج والنكاح والطهارة، لأن هذه الأفعال لا يصح ضرب المدة لها إذ لا يقال لنفس الدخول: دخلت يوما بل يقال في مجاز الكلام دخلت هذه يوما مراد به مجرد بيان الظرفية أو مطلق الوقت بخلاف اللبس ونحوه فإنه يصح ضرب المدة له فيقال: لبست وركبت يوما وسكنت شهرا وقد علمت أن معنى الدوام في هذه الأفعال هو يحدد أمثالها وإلا فدوام الفعل حقيقة مع أنه عرض لا يبقى مستحيل، وهذا لا يوجد في الدخول ونحوه بخلاف الركوب ونحوه وعليه فرع بعض أهل العلم ما لو كان الحلف على الإثبات نحو: والله لا ألبس هذا الثوب غدا فاستمر لابسه حتى مضى الغد لا يحنث لأن لدوامه حكم الابتداء.
واعلم أنه إنما يحنث بتأخير ساعة إن أمكنه النقل فيها فإذا لم يكن يقدر بأن دخل الليل وخاف من لص أو منع من ذي شوكة أو لم يجد ما ينتقل إليه أو أغلق عليه الباب فلم يقدر على فتحه أو كان شريفا أو ضعيفا عن حمل المتاع بنفسه ولم يجد من ينقلها لم يحنث، ويلحق ذلك الوقت بالعدم للعذر وقولنا وخاف من لص إنما قيد في الرجل إذ وجود الليل كاف في حق المرأة لما في (المجتبى) قال لها: إن سكنت هذه الدار فأنت طالق وكانت اليمين ليلا عذرت حتى تصبح لأنها في معنى المكره ولو قال ذلك لرجل: لم يكن معذورا لأنه لا يخاف هو المختار وينبغي في ديارنا أن يكون وجود الليل كاف في حق الرجل أيضا إذا كان ممن يخشى من مصادفة الوالي أو أتباعه فيه، ولما كان الأخذ في النقلة بين ذكر معنى النقلة التي بها يتحقق فقال (لا يسكن هذه الدار أو البيت أو المحلة فخرج وبقي متاعه وأهله حنث) [٢٨٢/أ] لأنه / يعد ساكنا في محل سكنى أهله وماله عرفا، وجواب المسألة مقيد بقيود أن يكون اليمين بالعربية فلو كانت بالفارسية لم يحنث قاله الفقيه، وكأنه بناه على
стр. 1051
بخلاف المصر لا يخرج فأخرج محمولا بأمره حنث،
ــ
عرفهم وأن يكون الحالف مستقلا بالسكنى فلو كان تبعا كابن كبير يسكن مع أبيه لا يحنث بتركهما وأن لا يكون الترك لطلب منزل فإن كان لم يحنث ولو بقي أياما في الأصح لأنه من عمل النقل فصارت مدة النقل مستثناة إذا لم يفرط في الطلب، وهذا إذ خرج من ساعته لطلب المنزل ولو أخذ في النقلة شيئا فشيئا فإن لم تفتر النقلات لم يحنث ولا يلزمه النقل بأسرع الوجوه بل بقدر ما يسمى ناقلا في العرف حتى لا يلزمه أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم ولو قدر على ذلك.
قال في (البحر): والواو في كلامه بمعنى أو لأن الحنث يحصل ببقاء أحدهما، ثم قال الإمام: لا بد في بره من نقل كل المتاع حتى لو بقي نحو وتد حنث، وقال بعض مشايخنا: هذا إذا كان الباقي يتأتى به السكنى فإن بقي نحو مكنسة أو وتد لم يحنثن وقال محمد: يعتبر ما تقوم به السكنى، قالوا: هذا أحسن وبالناس أرفق وعليه الفتوى وشرط الثاني نقل الأكثر وصرح كثير بأن الفتوى عليه وعلى هذا فما مر عن بعض المشايخ ليس قول واحد منهم ولا خلاف أنه في (الأصل) يشترط نقل الكل ثم أنت خبير بأنه ليس المدار إلا على العرف في أنه ساكن أو لا ولا شك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم العود إليه ونقل من أمتعته فيه ما يقوم به أمر سكناه وهو على نية نقل الباقي يقال ليس ساكنا في هذا المكان، بل انتقل عليه وسكن في المكان الفلاني، وبهذا يترجح قول محمد وأثر الخلاف يظهر في فرع في إجارة (البزازية) لو كان الحياك يسكن مع صهره فاكترى دارا وخرج وترك الغزل وحده في الدار الأول لا يضمن عند الأول لبقاء السكنى ببقائه حتى لو انتقل المودع وترك الوديعة لا غير في المنزل المنتقل عنه لا يضمن وعندهما يضمن بكل حال انتهى بلفظه وأفهم كلامه أنه يبر بنقل أهله ومتاعه، سواء كان إلى منزل أو لا كالسكة والمسجد وما في (الهداية) قالوا: لا يبر دليله في (الزيادات) أن من خرج بعياله من مصره فلم يتخذ وطنا آخر يبغى في وطنه الأول في حق الصلاة، كذا هذا وفي (الظهيرية) وهو الصحيح وقال أبو الليث: إن لم يسلمها إلى أهلها حنث لا إن سلمها.
قال في (الفتح):وإطلاق عدم الحنث أوجه وكون وطنه باقيا في حق إتمام الصلاة ما لم يستوطن غيره ولا يلزمه تسمية كونه ساكنا عرفا بذلك المكان بل يقطع في العرف بأنه غير ساكن (بخلاف المصر) والبلد والقرية في الأصح حنث لا يتوقف البر على نقل المتاع والأهل فيها لما أنه لا يعد ساكنا عرفا بذلك المكان بل يقطع في العرف في الذي انتقل عنه عرفا، وفي مصرنا يعد ساكنا بترك أهله ومتاعه فيها ولو خرج وحده فينبغي أن يحنث، حلف (لا يخرج) من هذا المسجد مثلا (فأخرج محمولا بأمره حنث) لأن فعل المأمور مضاف إليه، وفي (البدائع) الخروج من الدور
стр. 1052
وبرضاه لا بأمره أو مكرها لا كلا يخرج إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم أتى حاجة لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع حنث ....
ــ
المسكونة أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله كما إذا حلف لا يسكن من البلدان والقرى أن يخرج ببدنه وخاصته، وعلى هذا فمن صور المسألة في البيت يحمل كلامه على أن الحالف كان تبعا لغيره في السكنى كما مر.
(و) إن خرج (برضاه لا بأمره أو) أخرج حال كونه (مكرها) بأن حمله إنسان وأخرجه كارها لذلك (لا) أي: لا يحنث في الوجهين، أما الأول فلأن الانتقال إليه إنما يكون بالأمر لا بمجرد الرضا وقيل: يحنث لأن عدم امتناعه مع القدرة عليه ينزل منزلة الأمر والأول أصح لما قلنا، وأما الثاني فلعدم فعله حقيقة وحكما وقيدنا الإكراه بذلك لأنه لو توعده فخرج بنفسه حنث لما عرف أن الإكراه بهذا المعنى لا يعدم الفعل عندنا وقدما ترجيح أن اليمين لا تنحل، وقال السيد أبو شجاع: تنحل وهو أرفق بالناس، وأثر الخلاف يظهر فيما لو دخل بعد هذا الإخراج فعلى الراجح يحنث ولا يحنث على مقابله (كلا يخرج) أي: لا يحنث في حلفه لا يخرج (إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم أتى حاجة) لأن الخروج إلى الجنازة مستثنى من الخروج المحلوف عليه [٢٨٢/ب] والإتيان بعد ذلك ليس بخروج ونبه بقوله إليها لأنه لا بد أن يقصد. / ومن ثم قال في (الظهيرية): لو قال: إن خرجت إلى منزل أبيك فأنت كذا فهو على الخروج عن قصد، وأفاد في (المحيط) أنه يكفي فيه الانفصال من باب الدار لأنه بذلك يعد خارجا انتهى. سواء مشى معها وصلى عليها أم لا ولذا قال في (البدائع): لو قال: إن خرجت من هذه الدار إلا إلى المسجد فأنت كذا فخرجت تريد المسجد ثم بدا لها فذهب إلى مسجد آخر لا تطلق.
حلفه (لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها) أي: يقصدها (ثم رجع) أي: عاد قبل الوصول إليها (حنث) لوجود الخروج على قصدها إذ هو الانفصال من الداخل إلى الخارج فيحنث به سواء رجع أم لم يرجع كذا في (الفتح)، وفيه إيماء إلى أن العود ليس شرطا في حنثه مما هو ظاهر ما في (الكتاب) إلا أن يراد به العود على إرادته إياها وهذا صادق بما إذا قصد غيرها وجواب المسألة مقيد بما إذا جاوز العمران على قصدها كأنه ضمن لفظ أخرج معنى أسافر ليعلم بأن المضي إليها سفر لكن على هذا لو لم يكن بينه وبينها مدة سفر ينبغي أن يحنث بمجرد انفصاله من الداخل، وهذا التضمين ممكن في كلام المصنف والتسوية بين الخروج والذهاب هو الأصح.
قال في (البحر): ولم أر من صرح بلفظ الرواح وهو كثير في كلام المصريين، وقد قال الأزهري: إنه الذهاب لغة سواء كان من أول الليل أو آخره أو في الليل، قال
стр. 1053
وفي لا يأتيها لا ليأتينه فلم يأته حتى مات حنث في آخر حياته ليأتينه إن استطاع فهو استطاعة الصحة، وإن نوى القدرة دين لا تخرج إلا بإذني شرط لكل خروج إذن.
ــ
النووي: وهو الصواب وعليه فهو كالخروج، (وفي) قوله (لا يأتيها) يعني مكة (لا) أي: لا يحنث بالخروج فقط بل لا بد من الوصول إليها لأنه عبارة عنه سواء قصد أم لا بخلاف الخروج والذهاب على ما مر، وفي (الذخيرة) حلف لا تأتي امرأته عرس فلانة فذهبت قبل العرس لا يحنث ذكره في (المنتقى) معللا بأنها ما أتت العرس بل العرس أتاها ولو حلف لا يأتي فلانا فهو على أن يأتي منزله أو حانوته لقيه أو لا أتى مسجده لم يحنث، ولو حلف (ليأتينه) أي: زيدا مثلا (فلم يأته حتى مات) أحدهما (حنث) الحالف (في آخر حياته) أي: الميت لأن اليمين حيث لو يوقت بوقت يفوت البر بفواته يبقى إلى أن يقع اليأس عنه ولم يتحقق ذلك إلا في آخر جزء من أجزاء حياته، وفي قوله حنث إيماء أنه لو ارتد وبدار الحرب لحق لا يحنث وإن كان ذلك موتا حكما لبطلان يمينه بالله تعالى بمجرد الردة كما مر فتنبه له والإتيان مثال بل كل فعل ليفعلنه منقلبا وأطلقه كذلك حتى لو حلف بطلاقها ليفعلن فلم يفعل حنث بموت أحدهما، لا فرق في ذل بين موته وموتها في الصحيح فإن قيدها بوقت اعتبر آخره فإن مات قبل مضي الوقت ولم يفعل لم يحنث ولو حلف (ليأتينه إن استطاع فهي) أي: الاستطاعة (استطاعة الصحة) وهي سلامة آلات الفعل المحلوف عليه وصحة أسبابه لأنه المتعارف والمراد بآلات الجوارح، فالمريض ليس بمستطيع وصحة الأسباب تهييئه لإرادة الفعل على وجه الاختيار فخرج الممنوع.
وعن هذا قال في (الاختيار): هي سلامة الآلات ورفع الموانع وإذا عرف هذا فما في (الشرح) من زيادة قوله ورفع الموانع الحسية بعد قوله سلامة الأسباب والآلات حشو (وإن نوى) بالاستطاعة (القدرة) التي لا تسبق الفعل بل تخلق معه بلا تأثير لها فيه لأن أفعال العباد مخلوقة له تعالى (دين) حتى لا يحنث إذا لم يأته ولا عذر له لأن المعنى حينئذ لا ينفك إن خلق الله إتياني إلا أنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء، وقيل: يصدق قضاء أيضا لأنه نوى حقيقته إذ اسم الاستطاعة يطلق بالاشتراك عليهما ورد بأنه وإن كان مشتركا إلا أنه تعورف استعماله عند الإطلاق عن القرينة للمعنى الأول فصار ظاهرا فيه فلا يصدقه القاضي في خلافه (لا تخرجي إلا بإذني) أو بأمري أو بعلمي أو برضاي أو لا تخرجي بغير إذني (شرط لكل خروج إذن)، لأن المستثنى خروج مقرون بالإذن فما وراء الخروج المطلق بالإذن داخل في الحظر العام وهو النكرة المؤولة بالفعل في سياق النقل فإذا خرجت مرة واحدة بلا إذن حنث
стр. 1054
بخلاف إلا أن، وحتى.
ــ
بشرط بقاء النكاح حتى لو أبانها ثم تزوجها فخرجت بلا إذن لم تطلق وإن بان زوال الملك لا يبطل اليمين لأنها لم تنعقد إلا على مدة بقاء النكاح، كذا في (الفتح).
[٢٨٣/أ] قال الشارح: وهذا / صحيح إذا كانت الزوجة قائمة وقت اليمين، أما إذا قال ذلك لأجنبي أو لأجنبية بأن قال: إن خرجت إلا بإذني فعبدي حر أو امرأتي طالق فينبغي أن يصح ولا يتقيد بشيء انتهى. وفيه تأمل ويشترط أيضا أن لا يكون الخروج لوقوع غرق أو حرق غالب فإن كان لم يحنث كما في (المنتقى) ثم إذا حنث بخروجها مرة بغير إذن لم يحنث بخروجها مرة أخرى لعدم ما يوجب التكرار، وانحلت اليمين بالأول كذا في (الظهيرة).
قالوا: وطريق إسقاط هذا الإذن أن يقول: كل ما أردت فقد أذنت لك ولو نهاها عنه بعد ذلك لم يعمل نهيه عند ابي يوسف خلافا لمحمد وبه أخذ ابن الفضل وأجمعوا أنه لو أذن لها في خرجة ثم نهاها عن تلك الخرجة فإن نهيه يعمل ولو أذن لها ثم قال: كلما نهيت فقد أذنت لك فيها لم يصح نهيه ويشترط في إذنه لها أن تسمعه فلو كان غير مسموع لم يكن إذا قبل هذا قولهما وعند أبي يوسف وزفر يكون إذنا، والصحيح أنه على قولهما أيضا لا يكون إلا بالسماع وأن تفهمه فلو أذن لها بالعربية ولا عهد لها بها فخرجت حنث، وأن تقوم قرينة على أنه لم يرد الإذن فلو قال لها: اخرجي أما والله لو خرجت ليخزيك الله لا يكون يمينا صرح به محمد رحمه الله تعالى وكذا لو قال لها في غضب: اخرجي ينوي التهوية لم يكن إذنا إذ المعنى حينئذ اخرجي حتى تطلقي ولو نوى الإذن مرة واحدة باللفظ المذكور صدق ديانة لا قضاء وعليه الفتوى لأنه يحتمل كلامه لكنه خلاف الظاهر.
وفي (المحيط) حلفه ثلاثة رجال أنه لا يخرج من بخارى إلا بإذنهم فأجاز أحدهم لا يخرج ولو مات أحد الثلاثة فخرج لم يحنث لأنه ذهب الإذن الذي وقعت عليه اليمين، ولو قال: إلا بإذن فلان فمات المحلوف عليه بطلت اليمين عندهما خلافا لأبي يوسف (بخلاف) ما إذا قال: (إلا أن) آذن لك (أو) قال: (حتى) آذن لك حيث لا يشترط لكل خروج إذن الإذن مرة واحدة كاف لأن حتى للغاية وأن محمولة عليها فكان الإذن مرة موجب الغاية، واعترض بأن أن والفعل في تأويل المصدر فيكون المعنى إلا خروجا بإذني على إرادة الباء إذ لا يصح إلا خروجا إذني فيلزم تكرار الإذن وأجيب بأن كلا منهما مجاز أعني إرادة الباء وكونها بمعنى حتى، إلا أن الثاني أولى لما استقر من أن مجاز غير الحذف أولى من مجاز الحذف عندهم لأنه لا تصرف في وصف اللفظ وجاز الحذف في ذاته بالإعدام مع الإرادة إلا إذا عينه بنيته له
стр. 1055
ولو أرادت الخروج، فقال: إن خرجت، أو ضرب العبد، فقال: إن ضربت تقيد به كاجلس فتغد عندي، فقال: إن تغديت ومركب عبده مركبه إن ينو، ولا دين عليه.
ــ
فيصح لأن فيه تشديدا عليه ووجوب تكرار الإذن في قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب: ٥٣) مأخوذ من العلة أعني قوله تعالى: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ (الأحزاب: ٥٣) قيل: وهذا ممكن فيما نحن فيه لأن خروج المرأة من غير إذن الزوج مما يؤذيه أيضا.
ورده في (الفتح) بأنه ذهول عظيم لأن الثابت بالعلة المنصوصة المنع الذي هو حكم شرعي وهو يثبت بالعلل الشرعية أما هنا فالنظر ينعقد عليه يمين الحالف ويلزم بعدمه الكفارة وذلك لا يكون إلا باللفظ الناص على المحلوف عليه لا بالعلة لو صرح بها بأن قال: والله لا أشرب ماء العنب المشتد لإسكاره فإنه لو شرب مرارا لا يقول أحد إنه حنث ولزمه كفارة مع أنه لم يحلف عليه (ولو أرادت) المرأة (الخروج فقال: إن خرجت) فأنت طالق (أو) أراد رجل (ضرب العبد فقال) رجل (إن ضربت) العبد فعبدي حر (تقيد) حلفه (به) أي: بذلك الخروج والضرب حتى لو قعدت ثم خرجت أو ترك ضرب العبد ثم ضربه يحنث، وهذا يمين الفور، فإما من فارت القدر غلت استعير للسرعة ثم سميت بها الحالف التي لا ريب فيها أو من فوران الغضب انفرد الإمام بإظهارها فكانت أولا قسمين مؤبدة أي مطلقة، ومؤقتة وهذه مؤبدة لفظا مؤقتة معنى تقييد بالحال إما بأن تكون بناء على أمر حالي كأمثل، أو تقع جوابا لكلام يتعلق بالحال أشار إليه بقوله (كاجلس) أي: لا يتقيد بقوله اجلس (فتغد عندي فقال) المخاطب: (إن تغديت) فعبدي حر فلا يحنث لو تغذى في يومه في منزله لأنه حين وقع جوابا تضمن إعادة ما في السؤال الغداء الحالي أي: المدعو إليه فينصرف الحلف إليه لتقع المطابقة فلزم الحال بدلالة الحال قيد بإطلاق التغذي لأنه لو قال: اليوم أو معك فتغدى في بيته أو معه في وقت آخر حنث لأنه زاد على حرف الجواب فيكون مبتدئا لا مجيبا / فيعمل بظاهر لفظه هذا إذا لم يكن له نية. [٢٨٣/ب].
وفي (المحيط) قال لها عند خروجها من المنزل: إن رجعت فأنت كذا ثلاثا فجلست ثم خرجت ورجعت وهو يقول نويت الفور فالظاهر أنه يصدق لأنه لو قال: إن خرجت ولا نية له تنصرف إلى هذه الحالة فكذا إذا قال: إن رجعت ونوى الرجوع بعد هذه الخرجة كان أولى أن تنصرف إلى الرجوع عن هذه الخرجة وفي (القنية) عن (الجامع) قال لها: إن لم أضربك فأنت طالق، فإن كان فيه دلالة الفور بأنه قصد ضربها فمنع انصرف إليه وإن نوى الفور بدونها صدق أيضا، لأن فيه تغليظا وإن نوى الأبد أو لم تكن له نية انصرف إلى الأبد وإن نوى الغد أو اليوم لم تعمل نيته (ومركب عبده مركبه إن نوى، ولا دين عليه) مستغرقا حتى لو حلف لا يركب دابة فلان فركب
следующие страницы →