Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
بخلاف المصر لا يخرج فأخرج محمولا بأمره حنث،
ــ
عرفهم وأن يكون الحالف مستقلا بالسكنى فلو كان تبعا كابن كبير يسكن مع أبيه لا يحنث بتركهما وأن لا يكون الترك لطلب منزل فإن كان لم يحنث ولو بقي أياما في الأصح لأنه من عمل النقل فصارت مدة النقل مستثناة إذا لم يفرط في الطلب، وهذا إذ خرج من ساعته لطلب المنزل ولو أخذ في النقلة شيئا فشيئا فإن لم تفتر النقلات لم يحنث ولا يلزمه النقل بأسرع الوجوه بل بقدر ما يسمى ناقلا في العرف حتى لا يلزمه أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم ولو قدر على ذلك.
قال في (البحر): والواو في كلامه بمعنى أو لأن الحنث يحصل ببقاء أحدهما، ثم قال الإمام: لا بد في بره من نقل كل المتاع حتى لو بقي نحو وتد حنث، وقال بعض مشايخنا: هذا إذا كان الباقي يتأتى به السكنى فإن بقي نحو مكنسة أو وتد لم يحنثن وقال محمد: يعتبر ما تقوم به السكنى، قالوا: هذا أحسن وبالناس أرفق وعليه الفتوى وشرط الثاني نقل الأكثر وصرح كثير بأن الفتوى عليه وعلى هذا فما مر عن بعض المشايخ ليس قول واحد منهم ولا خلاف أنه في (الأصل) يشترط نقل الكل ثم أنت خبير بأنه ليس المدار إلا على العرف في أنه ساكن أو لا ولا شك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم العود إليه ونقل من أمتعته فيه ما يقوم به أمر سكناه وهو على نية نقل الباقي يقال ليس ساكنا في هذا المكان، بل انتقل عليه وسكن في المكان الفلاني، وبهذا يترجح قول محمد وأثر الخلاف يظهر في فرع في إجارة (البزازية) لو كان الحياك يسكن مع صهره فاكترى دارا وخرج وترك الغزل وحده في الدار الأول لا يضمن عند الأول لبقاء السكنى ببقائه حتى لو انتقل المودع وترك الوديعة لا غير في المنزل المنتقل عنه لا يضمن وعندهما يضمن بكل حال انتهى بلفظه وأفهم كلامه أنه يبر بنقل أهله ومتاعه، سواء كان إلى منزل أو لا كالسكة والمسجد وما في (الهداية) قالوا: لا يبر دليله في (الزيادات) أن من خرج بعياله من مصره فلم يتخذ وطنا آخر يبغى في وطنه الأول في حق الصلاة، كذا هذا وفي (الظهيرية) وهو الصحيح وقال أبو الليث: إن لم يسلمها إلى أهلها حنث لا إن سلمها.
قال في (الفتح):وإطلاق عدم الحنث أوجه وكون وطنه باقيا في حق إتمام الصلاة ما لم يستوطن غيره ولا يلزمه تسمية كونه ساكنا عرفا بذلك المكان بل يقطع في العرف بأنه غير ساكن (بخلاف المصر) والبلد والقرية في الأصح حنث لا يتوقف البر على نقل المتاع والأهل فيها لما أنه لا يعد ساكنا عرفا بذلك المكان بل يقطع في العرف في الذي انتقل عنه عرفا، وفي مصرنا يعد ساكنا بترك أهله ومتاعه فيها ولو خرج وحده فينبغي أن يحنث، حلف (لا يخرج) من هذا المسجد مثلا (فأخرج محمولا بأمره حنث) لأن فعل المأمور مضاف إليه، وفي (البدائع) الخروج من الدور
стр. 1052
وبرضاه لا بأمره أو مكرها لا كلا يخرج إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم أتى حاجة لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع حنث ....
ــ
المسكونة أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله كما إذا حلف لا يسكن من البلدان والقرى أن يخرج ببدنه وخاصته، وعلى هذا فمن صور المسألة في البيت يحمل كلامه على أن الحالف كان تبعا لغيره في السكنى كما مر.
(و) إن خرج (برضاه لا بأمره أو) أخرج حال كونه (مكرها) بأن حمله إنسان وأخرجه كارها لذلك (لا) أي: لا يحنث في الوجهين، أما الأول فلأن الانتقال إليه إنما يكون بالأمر لا بمجرد الرضا وقيل: يحنث لأن عدم امتناعه مع القدرة عليه ينزل منزلة الأمر والأول أصح لما قلنا، وأما الثاني فلعدم فعله حقيقة وحكما وقيدنا الإكراه بذلك لأنه لو توعده فخرج بنفسه حنث لما عرف أن الإكراه بهذا المعنى لا يعدم الفعل عندنا وقدما ترجيح أن اليمين لا تنحل، وقال السيد أبو شجاع: تنحل وهو أرفق بالناس، وأثر الخلاف يظهر فيما لو دخل بعد هذا الإخراج فعلى الراجح يحنث ولا يحنث على مقابله (كلا يخرج) أي: لا يحنث في حلفه لا يخرج (إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم أتى حاجة) لأن الخروج إلى الجنازة مستثنى من الخروج المحلوف عليه [٢٨٢/ب] والإتيان بعد ذلك ليس بخروج ونبه بقوله إليها لأنه لا بد أن يقصد. / ومن ثم قال في (الظهيرية): لو قال: إن خرجت إلى منزل أبيك فأنت كذا فهو على الخروج عن قصد، وأفاد في (المحيط) أنه يكفي فيه الانفصال من باب الدار لأنه بذلك يعد خارجا انتهى. سواء مشى معها وصلى عليها أم لا ولذا قال في (البدائع): لو قال: إن خرجت من هذه الدار إلا إلى المسجد فأنت كذا فخرجت تريد المسجد ثم بدا لها فذهب إلى مسجد آخر لا تطلق.
حلفه (لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها) أي: يقصدها (ثم رجع) أي: عاد قبل الوصول إليها (حنث) لوجود الخروج على قصدها إذ هو الانفصال من الداخل إلى الخارج فيحنث به سواء رجع أم لم يرجع كذا في (الفتح)، وفيه إيماء إلى أن العود ليس شرطا في حنثه مما هو ظاهر ما في (الكتاب) إلا أن يراد به العود على إرادته إياها وهذا صادق بما إذا قصد غيرها وجواب المسألة مقيد بما إذا جاوز العمران على قصدها كأنه ضمن لفظ أخرج معنى أسافر ليعلم بأن المضي إليها سفر لكن على هذا لو لم يكن بينه وبينها مدة سفر ينبغي أن يحنث بمجرد انفصاله من الداخل، وهذا التضمين ممكن في كلام المصنف والتسوية بين الخروج والذهاب هو الأصح.
قال في (البحر): ولم أر من صرح بلفظ الرواح وهو كثير في كلام المصريين، وقد قال الأزهري: إنه الذهاب لغة سواء كان من أول الليل أو آخره أو في الليل، قال
стр. 1053
وفي لا يأتيها لا ليأتينه فلم يأته حتى مات حنث في آخر حياته ليأتينه إن استطاع فهو استطاعة الصحة، وإن نوى القدرة دين لا تخرج إلا بإذني شرط لكل خروج إذن.
ــ
النووي: وهو الصواب وعليه فهو كالخروج، (وفي) قوله (لا يأتيها) يعني مكة (لا) أي: لا يحنث بالخروج فقط بل لا بد من الوصول إليها لأنه عبارة عنه سواء قصد أم لا بخلاف الخروج والذهاب على ما مر، وفي (الذخيرة) حلف لا تأتي امرأته عرس فلانة فذهبت قبل العرس لا يحنث ذكره في (المنتقى) معللا بأنها ما أتت العرس بل العرس أتاها ولو حلف لا يأتي فلانا فهو على أن يأتي منزله أو حانوته لقيه أو لا أتى مسجده لم يحنث، ولو حلف (ليأتينه) أي: زيدا مثلا (فلم يأته حتى مات) أحدهما (حنث) الحالف (في آخر حياته) أي: الميت لأن اليمين حيث لو يوقت بوقت يفوت البر بفواته يبقى إلى أن يقع اليأس عنه ولم يتحقق ذلك إلا في آخر جزء من أجزاء حياته، وفي قوله حنث إيماء أنه لو ارتد وبدار الحرب لحق لا يحنث وإن كان ذلك موتا حكما لبطلان يمينه بالله تعالى بمجرد الردة كما مر فتنبه له والإتيان مثال بل كل فعل ليفعلنه منقلبا وأطلقه كذلك حتى لو حلف بطلاقها ليفعلن فلم يفعل حنث بموت أحدهما، لا فرق في ذل بين موته وموتها في الصحيح فإن قيدها بوقت اعتبر آخره فإن مات قبل مضي الوقت ولم يفعل لم يحنث ولو حلف (ليأتينه إن استطاع فهي) أي: الاستطاعة (استطاعة الصحة) وهي سلامة آلات الفعل المحلوف عليه وصحة أسبابه لأنه المتعارف والمراد بآلات الجوارح، فالمريض ليس بمستطيع وصحة الأسباب تهييئه لإرادة الفعل على وجه الاختيار فخرج الممنوع.
وعن هذا قال في (الاختيار): هي سلامة الآلات ورفع الموانع وإذا عرف هذا فما في (الشرح) من زيادة قوله ورفع الموانع الحسية بعد قوله سلامة الأسباب والآلات حشو (وإن نوى) بالاستطاعة (القدرة) التي لا تسبق الفعل بل تخلق معه بلا تأثير لها فيه لأن أفعال العباد مخلوقة له تعالى (دين) حتى لا يحنث إذا لم يأته ولا عذر له لأن المعنى حينئذ لا ينفك إن خلق الله إتياني إلا أنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء، وقيل: يصدق قضاء أيضا لأنه نوى حقيقته إذ اسم الاستطاعة يطلق بالاشتراك عليهما ورد بأنه وإن كان مشتركا إلا أنه تعورف استعماله عند الإطلاق عن القرينة للمعنى الأول فصار ظاهرا فيه فلا يصدقه القاضي في خلافه (لا تخرجي إلا بإذني) أو بأمري أو بعلمي أو برضاي أو لا تخرجي بغير إذني (شرط لكل خروج إذن)، لأن المستثنى خروج مقرون بالإذن فما وراء الخروج المطلق بالإذن داخل في الحظر العام وهو النكرة المؤولة بالفعل في سياق النقل فإذا خرجت مرة واحدة بلا إذن حنث
стр. 1054
بخلاف إلا أن، وحتى.
ــ
بشرط بقاء النكاح حتى لو أبانها ثم تزوجها فخرجت بلا إذن لم تطلق وإن بان زوال الملك لا يبطل اليمين لأنها لم تنعقد إلا على مدة بقاء النكاح، كذا في (الفتح).
[٢٨٣/أ] قال الشارح: وهذا / صحيح إذا كانت الزوجة قائمة وقت اليمين، أما إذا قال ذلك لأجنبي أو لأجنبية بأن قال: إن خرجت إلا بإذني فعبدي حر أو امرأتي طالق فينبغي أن يصح ولا يتقيد بشيء انتهى. وفيه تأمل ويشترط أيضا أن لا يكون الخروج لوقوع غرق أو حرق غالب فإن كان لم يحنث كما في (المنتقى) ثم إذا حنث بخروجها مرة بغير إذن لم يحنث بخروجها مرة أخرى لعدم ما يوجب التكرار، وانحلت اليمين بالأول كذا في (الظهيرة).
قالوا: وطريق إسقاط هذا الإذن أن يقول: كل ما أردت فقد أذنت لك ولو نهاها عنه بعد ذلك لم يعمل نهيه عند ابي يوسف خلافا لمحمد وبه أخذ ابن الفضل وأجمعوا أنه لو أذن لها في خرجة ثم نهاها عن تلك الخرجة فإن نهيه يعمل ولو أذن لها ثم قال: كلما نهيت فقد أذنت لك فيها لم يصح نهيه ويشترط في إذنه لها أن تسمعه فلو كان غير مسموع لم يكن إذا قبل هذا قولهما وعند أبي يوسف وزفر يكون إذنا، والصحيح أنه على قولهما أيضا لا يكون إلا بالسماع وأن تفهمه فلو أذن لها بالعربية ولا عهد لها بها فخرجت حنث، وأن تقوم قرينة على أنه لم يرد الإذن فلو قال لها: اخرجي أما والله لو خرجت ليخزيك الله لا يكون يمينا صرح به محمد رحمه الله تعالى وكذا لو قال لها في غضب: اخرجي ينوي التهوية لم يكن إذنا إذ المعنى حينئذ اخرجي حتى تطلقي ولو نوى الإذن مرة واحدة باللفظ المذكور صدق ديانة لا قضاء وعليه الفتوى لأنه يحتمل كلامه لكنه خلاف الظاهر.
وفي (المحيط) حلفه ثلاثة رجال أنه لا يخرج من بخارى إلا بإذنهم فأجاز أحدهم لا يخرج ولو مات أحد الثلاثة فخرج لم يحنث لأنه ذهب الإذن الذي وقعت عليه اليمين، ولو قال: إلا بإذن فلان فمات المحلوف عليه بطلت اليمين عندهما خلافا لأبي يوسف (بخلاف) ما إذا قال: (إلا أن) آذن لك (أو) قال: (حتى) آذن لك حيث لا يشترط لكل خروج إذن الإذن مرة واحدة كاف لأن حتى للغاية وأن محمولة عليها فكان الإذن مرة موجب الغاية، واعترض بأن أن والفعل في تأويل المصدر فيكون المعنى إلا خروجا بإذني على إرادة الباء إذ لا يصح إلا خروجا إذني فيلزم تكرار الإذن وأجيب بأن كلا منهما مجاز أعني إرادة الباء وكونها بمعنى حتى، إلا أن الثاني أولى لما استقر من أن مجاز غير الحذف أولى من مجاز الحذف عندهم لأنه لا تصرف في وصف اللفظ وجاز الحذف في ذاته بالإعدام مع الإرادة إلا إذا عينه بنيته له
стр. 1055
ولو أرادت الخروج، فقال: إن خرجت، أو ضرب العبد، فقال: إن ضربت تقيد به كاجلس فتغد عندي، فقال: إن تغديت ومركب عبده مركبه إن ينو، ولا دين عليه.
ــ
فيصح لأن فيه تشديدا عليه ووجوب تكرار الإذن في قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب: ٥٣) مأخوذ من العلة أعني قوله تعالى: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ (الأحزاب: ٥٣) قيل: وهذا ممكن فيما نحن فيه لأن خروج المرأة من غير إذن الزوج مما يؤذيه أيضا.
ورده في (الفتح) بأنه ذهول عظيم لأن الثابت بالعلة المنصوصة المنع الذي هو حكم شرعي وهو يثبت بالعلل الشرعية أما هنا فالنظر ينعقد عليه يمين الحالف ويلزم بعدمه الكفارة وذلك لا يكون إلا باللفظ الناص على المحلوف عليه لا بالعلة لو صرح بها بأن قال: والله لا أشرب ماء العنب المشتد لإسكاره فإنه لو شرب مرارا لا يقول أحد إنه حنث ولزمه كفارة مع أنه لم يحلف عليه (ولو أرادت) المرأة (الخروج فقال: إن خرجت) فأنت طالق (أو) أراد رجل (ضرب العبد فقال) رجل (إن ضربت) العبد فعبدي حر (تقيد) حلفه (به) أي: بذلك الخروج والضرب حتى لو قعدت ثم خرجت أو ترك ضرب العبد ثم ضربه يحنث، وهذا يمين الفور، فإما من فارت القدر غلت استعير للسرعة ثم سميت بها الحالف التي لا ريب فيها أو من فوران الغضب انفرد الإمام بإظهارها فكانت أولا قسمين مؤبدة أي مطلقة، ومؤقتة وهذه مؤبدة لفظا مؤقتة معنى تقييد بالحال إما بأن تكون بناء على أمر حالي كأمثل، أو تقع جوابا لكلام يتعلق بالحال أشار إليه بقوله (كاجلس) أي: لا يتقيد بقوله اجلس (فتغد عندي فقال) المخاطب: (إن تغديت) فعبدي حر فلا يحنث لو تغذى في يومه في منزله لأنه حين وقع جوابا تضمن إعادة ما في السؤال الغداء الحالي أي: المدعو إليه فينصرف الحلف إليه لتقع المطابقة فلزم الحال بدلالة الحال قيد بإطلاق التغذي لأنه لو قال: اليوم أو معك فتغدى في بيته أو معه في وقت آخر حنث لأنه زاد على حرف الجواب فيكون مبتدئا لا مجيبا / فيعمل بظاهر لفظه هذا إذا لم يكن له نية. [٢٨٣/ب].
وفي (المحيط) قال لها عند خروجها من المنزل: إن رجعت فأنت كذا ثلاثا فجلست ثم خرجت ورجعت وهو يقول نويت الفور فالظاهر أنه يصدق لأنه لو قال: إن خرجت ولا نية له تنصرف إلى هذه الحالة فكذا إذا قال: إن رجعت ونوى الرجوع بعد هذه الخرجة كان أولى أن تنصرف إلى الرجوع عن هذه الخرجة وفي (القنية) عن (الجامع) قال لها: إن لم أضربك فأنت طالق، فإن كان فيه دلالة الفور بأنه قصد ضربها فمنع انصرف إليه وإن نوى الفور بدونها صدق أيضا، لأن فيه تغليظا وإن نوى الأبد أو لم تكن له نية انصرف إلى الأبد وإن نوى الغد أو اليوم لم تعمل نيته (ومركب عبده مركبه إن نوى، ولا دين عليه) مستغرقا حتى لو حلف لا يركب دابة فلان فركب
стр. 1056
باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام
ــ
دابة عبده فإن نواه ولم يكن عليه دين حنث، وإن لم ينو لا يحنث لأن الملك وإن كان للمولى إلا انه يضاف إلى غير المولى عرفا وشرعا قال ﵊ (من باع عبدا وله مال) الحديث فتختل الإضافة إلى المولى فلا بد من النية فإن نواه ولم يكن له دين العبد مستغرقا حنث لأنه شدد على نفسه وإن كان مستغرقا لا يحنث لأنه لا ملك له حينئذ في كسبه عند الإمام، قال الثاني: يحنث في الوجوه كلها إذا نوى، وقال محمد: يحنث مطلقا نوا أو لم ينو وفي (المحيط) لو ركب دابة مكاتبه لم يحنث لأن ملكه ليس بمضاف إلى المولى لا ذاتا ولا يدا، واعلم أن يمينه إنما تنعقد على ما يركب عرفا من فرس وحمار وبغل وبرذون حتى لو ركب فيله أو بعيره أو بقرة لم يحنث استحسانا إلا أن ينوي.
قال في (الفتح): وينبغي أن الحالف لو كان من البدو أن ينعقد على الجمل أيضا بلا نية لأن ركوبها معتاد لهم، وكذا إذا كان حضريا جمالا والمحلوف على دابته جمالا ولو نوى الحمار دون الفرس والبغل مثلا لم يصدق لأن نية الخصوص غير صحيحة في اللفظ ولو حلف لا يركب مركبا حنث بكل مركب سفينة أو محمل أو دابة والله الموفق للصواب.
باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام
ذكر الأكل والشرب بعد الخروج لأنه إنما يراد به غالبا تحصيل ما به بقاء البنية من المأكول والمشروب ولا خلاف في احتياجه إلى اللبس والكلام فلا جرم أن يذكرهما بعده ثم الأكل إيصال ما فيه المضغ إلى الجوف وأن تبلعه بلا مضغ كالخبز ونحوه والشرب إيصال ما لا يأتي فيه كالماء ونحوه فلو حلف لا يأكل بيضة فابتلعها حنث ولو حلف لا يأكل عنبا فابتلع ماءه فقط لم يحنث لأن هذا ليس بأكل ولا شرب ولو عصره وأكل قشره حنث كذا في (البدائع)، والذوق إيصال الشيء إلى فيه لاستبانة طعمه.
وقال الزندويستي: الأكل عمل الشفاه والحلف والذوق عمل الشفاه دون الحلق، والابتلاع عمل فقط والمص عمل اللهاة فعلى هذا ينبغي أن لا يحنث بالابتلاع فيما إذا حلف لا يأكل، وفي (فتاوى أبي الليث) ما يدل على أنه يحنث وقد مر عن (البدائع) وهو الصواب إذ لا شك في أنه لا يحل إذا كان مما يمضغ على التفسير الأول وكذا على الثاني إنه من عمل الشفاه لأنه حركتها ولا بد في الابتلاع من
стр. 1057
لا يأكل من هذه النحلة حنث بثمرها،
ــ
حركتهما، ثم قيل: كل أكل ذوق ولا عكس فبينهما من النسب العموم المطلق وهذا ظاهر على الثاني، أما على الأول فبينهما عموم وخصوص من وجه لأن عمل الفم ليس معتبرا في مفهومه فيجتمعان في إيصال ما هشم وينفرد الذوق فيما لم يوصل والأكل فيما ابتلع بلا مضغ كذا في (الفتح) وفيه نظر، إذ بتقديره يلزم الترادف بين الأكل والابتلاع لأن التغاير كما هو ظاهر كلام الزندويستي.
وفي (الشرح) حلف لا يأكل هذا اللبن فشربه لا يحنث ولو حلف لا يشربه فثرد فيه فأكله لا يحنث لأن هذا ليس بشرب ولا الأول بأكل ولو حلف لا يأكل عنبا أو رمانا فمصه وابتلع ماءه لم يحنث لأن المص نوع ثالث ليس بأكل ولا شرب وفي (تهذيب القلانسي) لو حلف لا يأكل سكرا فمصه وابتلع ماءه لا يحنث وفي عرفنا يحنث والمذكور في (الخانية) عدم الحنث ويوافقه ما في (الخلاصة) لا يأكل رمانة فمصها لم يحنث، وفيها لو عنى بالذوق الأكل لم يدين في القضاء إلا / إذا [٢٨٤/أ] تقدم ما يدل عليه كتغدى معي فحلف أنه لا يذوق معه طعاما ولا شرابا فهذا على الأكل والشرب انتهى.
حلف (لا يأكل من هذه النخلة حنث بثمرها) بالمثلثة وهو ما يخرج منها حيث لم يتغير بصفة كالرطب والتمر والبسر والرامخ والجمار والطلع بخلاف النبيذ والخل والناطف والدبس المطبوخ، وأما ما يسيل بنفسه من الرطب فإنه يحنث وهذا لأنه لما أضاف يمينه إلى ما لا يؤكل صرفناه إلى ما يخرج منه من إطلاق اسم السبب على المسبب تصحيحا لكلامه، ولو لم يكن لها ثمر كانت على ثمنها فإذا اشترى به مأكولا حنث بأكله، قالوا: ومثله لو حلف لا يأكل من هذا الكرم فهو على عنبه وحصرمه وزبيبه ولو أكل من عين النخلة لا يحنث هو الصحيح.
قال في (الولوالجية): ولو نواها لأن الحقيقة مهجورة بدلالة محل الكلام، وفي (المحيط) لو نوى أكل عينها لم يحنث بأكل ما يخرج منها لأنه نوى حقيقة كلامه ومقتضى الأول أنه يحنث فإن قلت: ورق الكرم مما يؤكل عرفا فينبغي أن لا تنصرف اليمين إلى عينه، قلت: أهل العرف إنما يأكلونه مطبوخا قيد بما لا تؤكل لأنه لو حلف على ما تؤكل عينه كهذه الشاة أو هذا العنب انصرفت اليمين إلى اللحم والعنب دون اللبن والزبد والزبيب والعصير.
стр. 1058
ولو عين البسر، والرطب، واللبن لا يحنث برطبه، وتمره، وشيرازه بخلاف هذا الصبي، وهذا الشاب وهذا الحمل.
ــ
فرع
حلف هذا لا يأكل من هذه الشجرة فقطع غصنا منها ووصله بأخرى فأكل من ثمر هذا الغصن لا يحنث، وقيل: يحنث (ولو عين البسر أو الرطب أو اللبن) بأن حلف لا يأكل هذا البسر أو الرطب أو اللبن فصار البسر رطبا والرطب ثمرا واللبن شيرازا (لم يحنث برطبه وثمره) بالمثناة وهو ما يبسر منه (وشيرازه) أي: اللبن وهو ما خثر منه أي ثخن بعدما استخرج ماؤه يقال خثر اللبن وغيره من حد قتل ثخن واشتد فهو خاثر وخثر خثرا كتعب ويعدى بالهمز والتضعيف كذا في (المصباح)، وإنما لم يحنث لأن الأصل أن المحلوف عليه إذا كان بصفة داعية إلى اليمين تقيد به في المعرف والمنكر فإن زالت زال اليمين عنه وما لا تصلح داعية اعتبر في المنكر دون المعرف، ولا خفاء أن صفة البسورة والرطوبة واللبنية مما قد تدعو إلى اليمين بحسب الأمزجة فإذا زالت زال ما عقدت عليه اليمين فأكله أكل ما لم تنعقد عليه (بخلاف) ما إذا حلف لا يكلم (هذا الصبي وهذا الشاب وهذا الحمل) فكلمه بعدما شاخ حنث لأن هجران المسلم بمنع الكلام منهي فلم يعتبر ما يحال داعيا إلى اليمين من جهله وسوء أدبه.
وكذا لو حلف لا يأكل من هذا الحمل فأكله بعدما صار كبشا حنث لأن صفة الصغر في هذا ليست داعية إلى اليمين فانعقدت على ذاته، قيل: فيه نظر إذ لا نسلم أن الشارع منع الهجران مطلقا بل قد يجوز أو يجب إذا كان لله بأن كان يتكلم بما هو معصية أو يخشى فتنة أو إفساد عرضه بكلامه ولأن صفة الحمل غير داعية، كيف وهو غير محمود لكثرة زيادة رطوباته بخلاف الكبش فإن لحمه أكثر قوة وتقوية للبدن لقلة رطوباته؟
وأجاب في (الفتح) بأن هذا ذهول عن وضع المسائل وأنها إنما بنيت على العرف فينصرف اللفظ إلى المعتاد في العمل والعرف في القول وأن المتكلم لو أراد معنى تصح إرادته من اللفظ لا يمنع منه ففي الحمل العموم يفضلونه وهو عندهم في غاية الصلاح وما يدركه إلا الأفراد من الأطباء فوجب بحكم العرف صرف اليمين إلى ذاته، وكذا الصبا لما كان موضع الشفقة والرحمة عند العموم وفي الشرع لو يجعل داعية إلى اليمين فينصرف إلى ذاته وهذا لا ينافي كون حالف أراد تقييد يمينه بالحملية والصبا، إذ الكلام فيما إذا لم ينو ذلك قيد بالإشارة إليه لأنه لو حلف لا
стр. 1059
لا يأكل بسرا فأكل رطبا لا يحنث، وفي لا يأكل بسرا، أو رطبا، أو لا يأكل رطبا، ولا بسرا حنث بالمذنب،
ــ
يكلم صبيا تقيد بزمن صباه فلو كلمه بعدما بلغ لم يحنث كما في (الكشف الكبير) لأنه بعد البلوغ يدعى شابا وفتى إلى ثلاثين أو إلى ثلاث وثلاثين.
قال في (منية المفتي): ما لم يغلب عليه الشمط فإذا جاوزها فكهل إلى خمسين وبعدها فهو شيخ، والأرملة التي بلغت ومات زوجها أو فارقها دخل بها أو لا، والأيم التي لا زوج وقد جومعت بنكاح صحيح أو فاسد أو فجور، والثيب كل امرأة جومعت بحلال أو حرام لها زوج أو لا، والبكر التي لم تجامع بنكاح ولا غيره وإن ذهبت العذرة بحيض وغيره / وحليف القوم من يقول: أنا منكم ويحلف على [٢٨٤/ب] ذلك ويحلفون له على الموالاة انتهى ما في (المنية). وينبغي في الصبية والشابة والعجوز أن يلاحظ فيهما السن المتقدم في الصبي والشاب والشيخ، وكذا الكهلة وظني أنه لم يسمع وعلى كل حال فإذا حلف لا يكلم كهلة وجب أن يراعي فيها سن الكهل المتقدم والله الموفق.
واعلم أنه قد يتراءى أنه لو حلف لا يكلم هذا المجنون فكلمه بعدما أفاق أن يحنث لأنه محل للرحمة والشفقة أيضا كالصبي بل أولى لكن المنقول في (المجتبى) أنه لا يحنث، وكأنه لأن هذه الصفة داعية مخافة أن يبطش به ولو حلف (لا يأكل بسرا فأكل رطبا لم يحنث) لأنه لم يأكل المحلوف عليه وهذا لأن يمينه إنما انعقدت على خصوص صفة البسرية لما مر من أنه داعية إليها قيد بالبسر لأنه لو حلف لا يأكل لوزا أو جوزا أو فستقا حنث برطبه أيضا، لأن الاسم يتناولهما كذا في (البدائع). (وفي) حلفه (لا يأكل رطبا أو بسرا أو) حلف (لا يأكل رطبا ولا بسرا حنث بالمذنب) بكسر النون منهما وهو من الرطب ما كان رطبه أكثر ومن البسر ما بدأ الإرطاب من ذنبه وهو ما سفل من جانب القمع والعلاقة وهذا عند الإمام، وقالا: لا يحنث كذا في عامة نسخ (الهداية) وفي بعضها ذكر قول محمد مع الإمام وهو الموافق لما في أكثر كتب الفقه المعتبرة حيث. قال في (النهاية): الله أعلم بصحة الأول، إلا أنه في (غاية البيان) جعل سلفه في ذلك الصدر الشهيد حسام الدين وحائل أن يكون عنه روايتان ولا خلاف أنه يحنث في حلفه لا يأكل رطبا أو لا يأكل بسرا فأكل الرطب المذنب وكذا البسر لأبي يوسف أنه لم يفعل المحلوف عليه لأن البسر المذنب لا يسمى رطبا ولا الرطب الذي فيه شيء من البسرية لا يسمى بسرا، ويشهد لذلك ما اتفقوا عليه من أنه لا يحنث بشرائهما في حلفه لا يشتري بسرا ورطبا ولهما إن أكل ذلك الموضع أكل رطبا وبسرا فيحنث به لا يأكل هذا لأن أكل
стр. 1060
ولا يحنث بشراء كباسة بسر فيها رطب في لا يشتري رطبا، وبسمك في لا يأكل لحما، ولحم الخنزير، والإنسان، والكبد والكرش لحم .......
ــ
كل جزء مقصود لأنه يمضع ويبلع بمضغ وابتلاع يخصه فلا يتبع القليل منه الكثير بخلاف الشراء فإنه يتعلق بجملة المشتري فيكون القليل تابعا.
قال في (الفتح): وقد يقال أولا: التعليل المذكور يقتصر على ما فصله فأكله وحده، أما لو أكل ذلك المحل مخلوطا ببعض البسر تحققت التبعية في الأكل، وثانيا هو بناء على انعقاد اليمين على الحقيقة لا العرف وإلا فالرطب الذي يعقبه بسر لا يقال لآكله أكل بسر في العرف، فكان قول أبي يوسف أقعد بالمعنى (ولا يحنث) أيضا (بشراء كباسة بسر فيها رطب) بكسر الكاف أي: عرجون ويقال العنقود أيضا (في لا يشتري رطبا) لأن القليل تابع كما مر (و) لا يحنث (بسمك) أي: بأكله (في) حلفه (لا يأكل لحما) استحسانا، والقياس أن يحنث وهو قول أبي يوسف كما قال في (المجمع): لأنه سمي في القرآن لحما وجه الاستحسان أن التسمية مجازية لأن اللحم منشؤه من الدم ولا دم فيه لسكونه في الماء كذا في (الهداية)، ونقض بالإلية فإنها تنعقد من الدم ولا يحنث بأكلها فالأولى أن يعلل بأنه لا يسمى به عرفا، وقد علمت بناء الأيمان عليه وهذا المعنى لا يخالف فيه الثاني وعن هذا جزم في (الفتح) بأن الرواية عنه شاذة هذا إذا لم ينو شيئا، أما إذا نواه فإنه يحنث بالطري والمالح.
واعلم أنه كما لا يحنث بأكل السمك لا يحنث بأكل مرق اللحم أيضا إلا إذا نواه (ولحم الخنزير والإنسان والكبد والكرش لحم) فيحنث بأكلها في حلفه لا يأكل لحما لأنها لحم حقيقة وإن حرم تناول لحم الخنزير والإنسان لأن اليمين قد تعقد على الحرام، ألا ترى أنه لو حلف لا يزني أو لا يكذب انعقدت يمينه واستشكل بأن الكفارة فيها معنى العبادة فكيف تناول بالمحظور؟ وأجيب بأن الحل والحرمة إنما يراعيان في السبب لا في الشرط والسبب في الحقيقة هو اليمين لأنه ينقلب سببا عند الحنث والحنث شرط والشرط لا يضاف إليه الحكم. قال في (الفتح): وهذا انصراف عن المذهب المجمع على نقله من أن السبب إنما هو الحنث وفيه أيضا بطلان ما اتفقوا عليه من أن الإضافة في كفارة اليمين إلى الشرط لا إلى السبب وكل هذه بسبب التزام أن الكفارة تستر الجناية الثابتة بالحنث ونحن جعلناها جبرا لحرمة [٢٨٥/أ] اسم الله الثابتة بالحنث معصية كان / الحنث أو طاعة واجبة أو مندوبة انتهى.
ملخصا ثم أنت خبير بأن هذا أعني حنثه بأكل ما ذكر ينافي بناء الأيمان على العرف إذ لا تذهب الأوهام في أكل اللحم إلى أكل لحم الآدمي والخنزير.
стр. 1061
وبشحم الظهر في شحما.
ــ
ومن ثم قال العتابي: قيل: الحالف إذا كان مسلما ينبغي أن لا يحنث لأن أكله ليس بمتعارف ومبنى الإيمان على العرف وهو الصحيح، وفي (الكافي) وعليه الفتوى، ورده الشارح بأن هذا عرف عملي وهو لا يقيد اللفظ بخلاف اللفظي، ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة لا يحنث بالركوب على الإنسان للعرف اللفظي لأن اللفظ عرفا لا يتناول إلا الكراع وإن تناوله لغة ولو حلف لا يركب حيوانا يحنث بالركوب على الإنسان لأن اللفظ يتناوله والعرف العملي وهو أنه لا يركب عادة لا يصلح مقيدا.
قال في (الفتح): وهذا لقولهم في الأصول تترك الحقيقة بدلالة العادة وليست العادة إلا عرفا عمليا، وفي بحث التخصيص من التحرير مسألة العادة العرف العملي مخصص عند الحنفية خلافا للشافعية كحرمة الطعام وعادتهم أكل البر انصرف إليه وهو الوجه، أما بالعرف العقلي باتفاق كالدابة للحمار والدراهم على النقد الغالب وفي (الحواشي السعدية) أن العرف العملي يصلح مقيدا عند بعض المشايخ بلخ لما ذكر في كتب الأصول في مسألة إذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارفا انتهى.
وهذه النقول تؤذن بأنه لا يحنث بركوب الآدمي في لا يركب حيوانا فإيراد الفرع على ما في (الفتح) كما في (البحر) غير وارد لأن العادة حيث كانت مخصصة انصرفت يمينه إلى ما يركب عادة فتدبره، وأما الكبد والكرش وكذا الرئة والقلب والطحال فلأن نموها من الدم وتستعمل استعمال اللحم قيل: هذا في عرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث ذكره في (الخلاصة) وغيرها.
ولا خلاف أنه يحنث بأكل لحم الإبل والغنم والبقر والطير في لا يأكل مطبوخا كان أو مشويا أو قديدا واختلف في أكل النيء، والأظهر انه لا يحنث وفي (الذخيرة) لا يأكل لحم شاة لا يحنث بلحم العنز مصريا كان أو قرويا، قال الشهيد: وعليه الفتوى ولو حلف لا يأكل لحم بقرة فأكل لحم الجاموس يحنث لا في عكسه لأنه نوع لا يتناول الأعم، وفي (الخانية) ينبغي أن لا يحنث في الفصلين لأن الناس يفرقون بينهما ويؤيده ما في (التتارخانية) لا يأكل لحم بقر فأكل لحم جاموس لا يحنث ذكره في (الجامع) (و) لا يحنث أيضا (بشحم الظهر) وهو اللحم السمين أي: يأكله (في) حلفه لا يأكل (شحما) وإنما يحنث بشحم البطن خاصة عند الإمام، وقالا: يحنث به أيضا وعلى هذا الخلاف لو حلف لا يشتريه أو لا يبيعه لهما أن خاصية الشحم وهي الذوب بالنار موجودة فيه فوجب كونه من نفس مسماه وله انه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم ويستعمل استعمال اللحم في اتخاذ ألوان الطعام
стр. 1062
وبإلية في لحما وشحما، وبالخبز في هذا البر.
ــ
وبائعه في العرف لا يسمى إلا بائع اللحم، وعن هذا صحح غير واحد قول الإمام وحكى الطحاوي قول محمد معه وقال ابن الساعاتي في (شرح مجمعه): الحق انه إذا أريد به شحم اللحم فقوله أظهر وإن أريد شحم الكلية فقولهما أظهر وبقي من الشحوم شحم مختلط بالعظم وشحم على ظاهر الأمعاء، وقد علمت أنه يحنث بشحم البطن اتفاقا.
قال في (الكافي): والثلاثة على الخلاف ولا يخلو عن نظر بل لا ينبغي خلاف في الحنث بما على الأمعاء لأنه لا يختلف في تسميته شحما كذا في (الفتح)، والحاصل انه لا خلاف في الحنث في شحم البطن وما على الأمعاء كما لا خلاف في عدمه بما في العظم ولذا وضع المسألة في شحم الظهر لأنه محل الخلاف والله الموفق.
(و) لا يحنث أيضا (بإلية) أي: بأكلها (في) حلفه لا يأكل (لحما وشحما)، وكذا في لا يشتري لأنه نوع ثالث حتى لا تستعمل استعمال اللحوم والشحوم كذا في (الهداية) وعليه جرى الشارح وغيره، والأول مسلم والثاني ممنوع إلا أن يراد جميع استعمالاته (و) لا يحنث أيضا (بالخبز) أي: بأكله (في) حلفه لا يأكل من (هذا البر) بل لا بد من حنثه من أ، يقضمها بكسر الضاد أي: يأكل بأطراف أسنانه غير نية عند الإمام.
وقالا: إن يأكل من خبزه حنث لأنه مفهوم منه عرفا وله أن أكل عينه متعارف لأنه يأكل مغليا ويسمى بالبليلة ومقليا بأن يوضع جافا في القدر ثم يؤكل فصار مطبوخا هريسة، والحقيقة المستعملة عنده أولى من المجاز المتعارف وعندهما بالعكس، ورجح بعضهم قولهما وفي (الذخيرة) الصحيح قول الإمام ولا خلاف أنه [٢٨٥/ب] إذا نوى شيئا / اعتبر نيته وأنه لو قضمها حنث عندهما أيضا هي الأصح، وقيل: الأصح أنه لا يحنث عندهما ولو أكلها نية لا يحنث وفي (الأصول) يحنث كذا في (الدراية). ولو وزعه وأكل ما خرج منه لم يحنث اتفاقا، ودل كلامه أنه لا يحنث بأكل دقيقها وسويقها عند الإمام ووافقه أبو يوسف وجزم محمد بأنه يحنث والفرق لأبي يوسف أن الحنطة إذا ذكرت مقرونة بالأكل يراد به الخبز دون السويق، قال ابن الساعاتي:
أقول: كلام أبي يوسف على الرواية الناطقة أنه لا يحنث بقضمها أشد التئاما، وأما على الرواية الأخرى التي اعتبر فيها عموم المجاز فقول محمد وضع المسألة في المعينة لأنه لو حلف لا يأكل حنطة قال شيخ الإسلام: على أن يكون جوابه كجوابهما ورده في (الفتح) بأنه تحكم والدليل المذكور المتفق على إيراده في جميع الكتب
стр. 1063
وفي هذا الدقيق حنث بخبزه لا بسفه، والخبز ما اعتاده بلده، والشواء، والطبيخ على اللحم.
ــ
وهو أن عينها مأكول يعمها، لكن في (الكشف الكبير) أشار شيخ الإسلام خواهر زاده في أيمان (الأصل) أن قول الإمام كقولهما في أن الحقيقة تترك بالمتعارف لكنه خالفهما في هذه المسألة لأنه قال: التعارف في حنطة غير معينة لا في حنطة بعينها وإذا لم يوجد التعارف في المعينة لا يترك العمل بالحقيقة لأنه تترك بالنية أو بالعرف، ولم يوجد واحد منهما وعلى قياس قوله يجب أن يكون الجواب كما قال انتهى.
إلا أن هذا بخلاف ما عليه أكثر الأصوليين من أن الحقيقة المستعملة عنده أولى من المجاز المتعارف، وعندهما بالعكس وعلى هذا فيجب أن يكون الجواب عنده أولى من المجاز في المعينة وفي المنكرة على حد سواء، ويوافقه ما في (الكشف) أيضا معزيا إلى (التهذيب) من أن المسألة على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يقول: هذه، من غير أن يقول حنطة فيحنث بأكلها سواء أكلها كذلك أو طحنها فأكل المطحون وخبزها فأكل الخبز، الثانية أن يقول: حنطة فيحنث بأكل الحنطة سواء أكلها نيا أو مطبوخا أو مبلولا أو مقليا ولا يحنث بأكل الدقيق والسويق والعجين والخبز، الثالثة أن يقول: هذه الحنطة وأشار إلى صبرة لا يحنث بأكله من دقيقها أو سويقها أو خبزها لقيد الاسم والله الموفق.
(وفي) حلفه لا يأكل من (هذا الدقيق يحنث بخبزه) وعصيده (لا بسفه) في الأصح لأن عينه غير مأكول فانصرفت يمينه إلى ما يتخذ منه، وفي (النوازل) لو اتخذ منه خبيصا أخاف أن يحنث وينبغي أن لا يتردد في حنثه إذا أكل منه ما سمي في ديارنا بالكسكس (والخبز ما اعتاده) أهل (بلده) حتى لو حلف المصري والشامي أنه لا يأكل خبزا انصرف إلى البر.
قال في (الفتح): وينبغي أن يحنث بأكل الكماج لأنه خبز وزيادة، وفي (الخانية) أنه يحنث بالرقاق انتهى، وينبغي أن يراد به المسمى في ديارنا بالبيساني لا ما هو يحشى بالسكر واللوز كما هو ظاهر وأما الشعير فإنه يعتاده بعض أهل القرى فيحنث به ولو أن بدويا اعتاده ودخل إلى بلدة المعتاد فيها أكل خبز الحنطة واستمر لا يأكل إلا الشعير كما أفتى به العلامة الكمال ولو كان الحالف زبيديا انصرف إلى الذرة والدخن، أو من طبرستان فإلى خبز الأرز وهي اسم آمل وأعمالها والنسبة إليها طبري لأنه أهلها كانوا يحاربون بالفأس أي: الطبر معرب قبر (والشواء والطبيخ) يقعان (على اللحم) أي: على ما يشوى منه ويطبخ فلو حلف لا يأكل شواء لا يحنث بأكل الجزر والباذنجان المشويين إلا أن ينوي كل ما يشوى، وكذا لو حلف لا يأكل طبيخا لا يحنث إلا بأكل اللحم المطبوخ بالماء لتعذر التعميم إذ الدواء مما يطبخ وكذا
стр. 1064
والرأس ما يباع في مصره، والفاكهة التفاح والبطيخ، والمشمش،
ــ
الفول اليابس المسمى في بلادنا بالفول الحار فصرف إلى أخص الخصوص وهو ما ذكرنا عملا بالعرف فيهما، وفي عطف الطبيخ على الشواء إيماء إلى تغايرهما وهذا لأن الماء مأخوذ في مفهوم الطبيخ وإلا لكانا سواء، وكذا لو أكل قلية يابسة لم يحنث لأنها لا تسمى طبيخا ومعنى وقوعه على اللحم أنه لا يقع على غيره إلا أن هذا يقتضي أنه لا يحنث بالأرز المطبوخ بلا لحم.
وفي (الخلاصة) أنه يحنث بالأرز المطبوخ بالودك بخلاف السمن والزيت، قال ابن سماعة: الطبيخ يقع على الشحم أيضا، وفي (البدائع) وعلى الإلية أيضا، وكأنهما لا تصالهما به ألحق به، وعلى هذا فقول من قال: إن ما يطبخ من الأذهان [٢٨٦/أ] يسمى مزودة فلا يحنث / بأكله لأن لا يأكل محمول على غير طبيخا اللحمية، وفي (الهداية) يحنث بأكل المرق لأنه يسمى طبيخا لأن فيه من أجزاء اللحم، قال يعقوب باشا: وعلى هذا فينبغي أن يحنث بلا لحم في هذا لإطلاقهم عليه طبيخا عرفا لكن قدمناه أنه لا يحنث بالمرق وإليه يومئ قوله إن الطبيخ يقع على اللحم.
تتمة: حلف لا يأكل طعاما ما يؤكل على وجه التطعيم كالخبز والفاكهة والملح والخل والكامخ والزيت حنث، قال في (الواقعات): ولو أكل من الدواء الذي لا يكون له طعم ولا يكون غداء ويكون مرا كريها لا يحنث، وإن كان حلوا حنث، والنبيذ شراب عند الثاني طعام عند محمد، وأنت خبير بأن الطعام في عرفنا لا يطلق على ما ذكر فينبغي أن يجزم بعدم حنثه به (والرأس) ينصرف إلى (ما يباع في مصره) أي: مصر الحالف لا يأكل رأسا وهو ما يكبس في التنور أي: يطم أو يدخل فيه من كبس الرجل رأسه في قميصه أدخله كذا في (المغرب) وهذا لأن العموم المتناول للجراد والعصفور غير مراد فصرفناه إلى ما تعورف وكان الإمام يقول أولا: يتناوله للإبل والبقر والغنم، ثم رجع وخصه بالبقر والغنم وهما خصاه بالغنم وهذا اختلاف عصر لا حجة فعلى المفتي أنه يفتي بما هو المعتاد في كل مصر وقع به حلف الحالف، (والفاكهة التفاح والبطيخ) بكسر الباء ويقال البطيخ أيضا أخضر كان أو أصفر إلا أنه لا يكون يابسا.
وذكر الشارح أن البطيخ ليس من الفاكهة وما في (الكتاب) رواية القدوري ورواه الشيهد في (المنتقى) عن أبي يوسف: (والمشمش) والخوخ والسفرجل والإجاص والكمثري ونحو ذلك فيحنث بأكل هذه الأشياء في حلفه لا يأكل فاكهة لأنها اسم لما يتفكه به أي: ينتقم قبل الطعام وبعده زيادة على المعتاد من الغذاء الأصلي وهذا المعنى ثابت فيها، وفي (المحيط) ما روي من الجوز واللوز فاكهة في
стр. 1065
لا العنب، والرمان والرطب، والقثاء والخيار. والإدام ما يصطبغ به كالخل، والملح والزيت لا اللحم، والبيض، والجبن،
ــ
عرفهم أما في عرفنا فإنه لا يأكل للتفكه. وقال محمد: يسير السكر والبسر الأحمر فاكهة ولو حلف (لا) يأكل من فاكهة الطعام وثمار العام فإن كان في أيام الرطبة كان يمينه عليها فلا يحنث باليابس منها وإن كان في وقتها فهو على اليابس وهذا استحسان للعرف لأن (العنب والرمان والرطب) عند الإمام فلا يحنث بأكله، وقالا: يحنث لأن معنى التفكه موجود فيها بل التفكه فيها يفوق التفكه بغيرها من الفواكه، وله أنها مما يتغدى بها منفردة ومقرونة مع الخبز ويتداوى ببعضها كالرمان فقصر معنى التفكه بها فلا يحنث بأحدها إلا أن ينويه، قال مشايخنا: وهذا اختلاف عصر فكان في عصره وزمنه لا يعد منها في زمنهما، ولقائل أن يقول: مبنى هذا على الجمع على اعتبار العرف والاستدلال المذكور صريح في أن مبناه اللغة، ويمكن أن يجاب بجواز كون العرف وافق اللغة في زمنه ثم خالفها في زمانهما (والقثاء والخيار) والفقوس والعجور وكذا الزببيب والتمر وحب الرمان إجماعا كما في (البدائع).
والحاصل أنه لا خلاف في أن النوع الأول فاكهة كما لا خلاف أن النوع الأخير ليس بفاكهة وفي الوسط خلاف، وقد علمت ما فيه (والإدام) أي: شيء (يصطبغ) الخبز عند اختلاطه (به) حتى يصير لكثرة امتزاجه قائما به قيام الصبغ بالثوب وهو افتعال ولما كان فعله متعديا إلى واحد جاء الافتعال منه لازما (كالخل والملح) لأنه يؤول إلى الذوب في الفم ويحصل به الصبغ وبه عرف أنه لا تنافي بين هذا وبين تغيره بالمائع واندفع ما في (إيضاح الإصلاح) من أن الصبغ مختص بالمائع وللتنبيه على عموم الإمام قال: وكذا الملح إذ قد علمت أنه يصطبغ به أيضا. على أنه يقتضي أن الإدام منه ما يصطبغ به وليس بالواقع (والزيت) والعسل واللبن والزبد والسمن والمرق، وما لا يصطبغ به مما له جرم كجرم الخبز بحيث يؤكل وحده فليس بإدام وإلى ذلك أشار بقوله: (لا اللحم والبيض والجبن) وهذا عند الإمام والظاهر من قول الثاني.
وقال محمد: ما يؤكل مع الخبز غالبا فهو إدام، وهو رواية عن الثاني لأنه من المؤدمة وهي الموافقة وكل ما يؤكل مع الخبز موافق له ولهما أن الإدام يؤكل تبعا والتبعية في الاختلاط حقيقة فيكون قائما به وفي أنه لا يؤكل على الانفراد حكما، والحاصل أن ما يصطبغ به إدام إجماعا وما يؤكل وحده غالبا كالبطيخ والعنب والتمر والزبيب ليس إداما إجماعا على الأصح فلافا لما قيل أنهما على الخلاف، ولا خلاف أيضا أن الفول ليس بإدام، وبقول محمد أخذ الفقيه / أبو الليث قال في (الاختيار) [٢٨٦/ب] وهو المختار، وعملا بالعرف في (المحيط) وهو الأظهر.
стр. 1066
والغداء الأكل من الفجر إلى الظهر، والعشاء منه إلى نصف الليل والسحور فيه إلى الفجر.
ــ
قال القلانسي في (تهذيبه): وعليه الفتوى والاستناد إلى العرف أولى مما استدل به محمد من أن ملك الروم كتب إلى معاوية (أن ابعث إلي شر إدام على يد شر رجل) فبعث إليه جبنا على يد رجل يسكن في بين أصهاره وهو من أهل اللسان لأن ذلك موقوف على صحة هذه القصة وهي بعيدة إذ يبعد من إمام عالم أن يتكلف بإرسال شخص ملتزما .... لغرض مهمل كافر على أن السكنى في بيت الصهر لا توجب كون الساكن أشر رجل فأثار البطلان عليها لائحة.
قال التمرتاشي: وهذا الخلاف بينهم على عكس اسختلافهم فيمن حلف لا يأكل إلا رغيفا فأكل معه البيض ونحوه لم يحنث عندهما، أو حنث عند محمد (والغداء) بفتح المعجمة والمهملة مع المد أي: التغذي (الأكل من طلوع الشمس إلى الظهر) أي: في هذين الوقتين وهذا أولى من جعل بعضهم الأكل بمعنى المأكول إذ المحلوف عليه إنما هو التغذي لا الغذاء، وجزم في (الخلاصة) وغيرها بأن أول وقته من طلوع الشمس، وأهل مصر يسمون ذلك فطور إلى ارتفاع الضحى وهو غاية التصبيح فيدخل وقت الغداء، أي: فينبغي إجراؤهم على ما تعارفوه ولا بد أن يأكل أكثر من نصف الشبغ في الغداة والعشاء والسحور كما في (الفتح)، وأن يكون مما يأكله أهل بلدة حتى لو شبع بشرب اللبن لم يحنث حيث كان مصريا وحنث إن كان بدويا وفي (الخلاصة) عن (الصغرى) التغذي عبارة عن أكل مترادف يقصد به الشبع والتعشي كذلك (والعشاء) بفتح العين والمد أي: التعشي الأكل الظهر (إلى نصف الليل) لأن ما بعد الظهر يسمى عشاء بكسر العين، ولهذا سمي الظهر أحد صلاتي العشاء كذا في (الفتح)، وفي (الصحاح) العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاء بالكسر والمد مثل السنى وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر وأنشدوا:
غدونا غدوة سحرا بليل .... عشاء بعد ما انتصف النهار
انتهى.
قال الإسبيجابي: وهذا في عرفهم، أما في عرفنا فابتداء وقتها بعد صلاة العصر انتهى. وهو في عرف أهل مصر، والمساء مساءان أحدهما بعد الزوال، والآخر بعدما غربت الشمس فأيهما نوى صحت نبته فعلى هذا لو حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي ولا نية له فهو على غيبوبة الشمس وهو ما بعد الغروب لأنه لا يمكن حمل اليمين على الأول فيحمل على الثاني وهو ما بعد الغروب كذا في (الشرح) (والسحور) أي: التسحر الأكل (فيه) أي: في نصف الليل (إلى) طلوع (الفجر) لأن
стр. 1067
إن لبست، أو أكلت أو شربت، ونوى معينا لم يصدق أصلا ولو زاد ثوابا، أو طعاما، أو شرابا دين لا يشرب من دجلة.
ــ
السحر لما كان من الثلث الأخير سمي ما يؤكل في النصف الثاني لقربه منه سحورا بفتح السين والأكل فيه سحور، ومن قال: (إن لبست) أو قال (إن أكلت أو شربت) فعبدي حر (ونوى) بذلك (معينا) بأن قال: نويت القطن أو الخبز أو اللبن (لم يصدق أصلا)، يعني لا قضاء ولا ديانة بل يحنث كل شيء لبسه أو أكله أو شربه لأن النية إنما تعمل في الملفوظ التعيين بعض محتملاته وما نواه غير مذكور فلم تصادف النية محلها فلغت، وعن الثاني أنها تصح، واختاره الخصاف لأنه مذكور تقديرا وإن لم يذكر تنصيصا، وأجيب بأن تقديره لضرورة اقتضاء الأكل مأكولا وكذا اللبس والشرب والمقتضى لا عموم له كذا قالوا: والتحقيق أن هذا ليس من المقتضى لأنه ما يقدر لتصحيح المنطوق بأن يكون الكلام كذا ظاهرا أو غير صحيح شرعا.
وقول القائل: لا آكل، خال عن ذلك نعم المفعول أعني المأكول من ضروريات وجوه فعل الأكل، ومثله ليس من المقتضى بل من حذف المفعول اقتصارا كذا في (الفتح) ومما يجانس هذا ما لو حلف لا يركب أو لا يغتسل أو لا ينكح أو لا يسكن دار فلان أو لا يتزوج امرأة ونوى الخيل ومن جناية امرأة معينة أو بالإجازة أو الإعارة أو لم تصح نيته أصلا، وأورد ما لو حلف لا يسكن فلانا ونوى المساكنة في بيت واحد وقال: إن خرجت فعبدي حر ونوى السفر مثلا صدق فيهما ديانة حتى لو خرج إلى غير السفر، أو ساكنه في دار لا يحنث مع أنهما غير مذكورين، وأجيب بأن المساكنة متنوعة إلى كاملة / وهي المساكنة في بيت واحد ومطلقه وهي ما يكون في دار [٢٨٧/أ] فإرادة الأول إرادة لأخص أنواعها، وكذا الخروج إلى سفر وغيره حتى اختلف أحكامها وللبحث فيه مجال.
(ولو زاد) على قوله إن لبست (ثوبا) أو على قوله إن أكلت (أو) شربت (طعاما أو شرابا دين) أي: صدق ديانة لأن لا نكرة في الشرط فيعم كالنفي، إلا أنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء فيما إذا كانت اليمين بطلاق أو عتاق ولا تعلق للقضاء في اليمين بالله تعالى، وقالوا: النية للحالف في اليمين بالله تعالى إذا كان مظلوما وإن كان ظالما فالنية للمستحلف وفي الطلاق والعتاق النية للحالف فيكون فيه بكونه نوى معينا لأنه لو نوى الكل حتى لا يحنث أصلا صدق قضاء.
قال في (المحيط): حلف لا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا وعنى جميع الأطعمة أو جميع مياه العالم صدق قضاء والمذكور في (الكشف الكبير) أنه يقع على الأدنى لأنه هو المتيقن به، فإن نوى الكل حتى لا يحنث أصلا صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى وهو الظاهر، لأن فيه تحقيقا على نفسه ولو حلف (لا يشرب من دجلة) أو
стр. 1068
على الكرع بخلاف من ماء دجلة. إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم، فكذا، ولا ماء فيه، أو كان، فصب، أو أطلق، ولا ماء فيه لا يحنث، ....
ــ
الفرات أو النيل فيمينه (على الكرع) وهو تناوله بالضم من موضعه ولو إناء كما في (المغرب) وكذا لو قال ماء من دجلة كما في (البدائع) وهذا عند الإمام.
وقالا: يحنث بالشرب من إناء للتعارف وله أن من للتبعيض وحقيقته في الكرع وهو مستعمله وكذا حنث بالكرع إجماعا فمنعت المصير إلى المجاز، وإن كان متعارفا كذا في (الهداية)، ومن هذا قال الشارح: الحق بناء هذا الاختلاف على أن الحقيقة المستعملة عنده أولى من المجاز المتعارف، وعندهما بالعكس على ما مر، وأنت خبير بأن حقيقة دجلة وهي الأرض المشقوقة نهرا، لا تصح إرادتها فضلا عن كونها مستعملة وبهذا اندفع كونها للتبعيض إذ المعنى حينئذ لا أشرب بعض الأرض المشقوقة نهرا وهذا مما لا معنى له وكذا بتقدير كونها للبيان، والصواب أن المراد بدجلة ماؤها إما من مجاز الحذف أو العلاقة لكنه يقيد كونه في نفس النهر على قوله ومطلقا على قولهما، ورجح الإمام المجاز الأول لقربه وإذا عرف هذا فما في (البدائع) من التسوية بين لا أشرب من الدجلة، ولا من دجلة عنده مشكل هذا وشرط نجم الدين النسفي في حنثه بالكرع عنده أن يخوض الماء لأنه من الكراع، وهو من الإنسان ما دون الركبة كذا في (الظهيرية)، وهذا الشرط أهمله شراح (الهداية) كغيرهم لما قدمناه عن (المغرب) ويكفيك في رده ما استدل به الإمام من أنه ﷺ أتى قوما فقال: (هل عندكم ماء بات في شن) وإلا كرعنا (بخلاف) ما لو حلف لا أشرب (من ماء دجلة) حيث يحنث إجماعا بغير الكرع أيضا، لأن الشرط هنا شرب منسوب إلى دجلة والعرف لا يقطعها قيد بدجلة لأنه لو قال: من هذا الجب فإن كان مملوءا فيمينه على الكرع عنده خلافا لهما، وإلا فعلى الاغتراف ولو تكلف وكرع من الأسفل فالأصح أنه لا يحنث لعدم العرف بالكراع في هذه الحالة ولو قال: لا أشرب من الفرات فشرب من نهر أخذ منه لم يحنث إجماعا، ولو قال: من ماء الفرات حنث إجماعا، ولو قال: من ماء المطر فجرت الدجلة بمائه لم يحنث ولو من ماء واد سال منه حنث إن لم يكن فيه ما صبه قبل ذلك، (إن لم أشرب) من (ماء هذا الكوز اليوم، فكذا) أي: فزوجته طالق أو عبده حر (ولا ماء فيه، أو كان) فيه ماء (فصب) أي: أهريق ولو في إناء آخر كالباقي قبل الغروب، وسواء كان ذلك بفعل الحالف أو غيره أو لم يكن بفعل أحد كما هو ظاهر إطلاقه هذا (أو أطلق) يمينه عن قيد الوقت كاليوم مثلا (ولا ماء فيه لا يحنث) عندهما في الصور، وسواء علم وقت الحلف أن فيه ماء أو لم يعلم هو الأصح، وقال الثاني: يحنث والخلاف، مبني على أن تصور البر شرط
стр. 1069
وإن كان فصب حنث.
ــ
لانعقاد اليمين المطلقة عن الوقت والبقاء المقيدة بالوقت عندهما إلى وقت وجوب البر وعند الثاني لا يشترط ذلك، وكان اعتبارها منعقدة للبر على وجه يظهر في الحلف وهو الكفارة قلنا: لا بد من تصور الأصل لتنعقد في حق الحلف ولذا لم تنعقد الغموس موجبة للكفارة لاستحالة البر فيها وإذا عرف هذا فعدم حنثه عندهما في المقيدة والمطلقة إذا لم يكن فيه ماء لعدم انعقاده اليمين، وإن كان فيه ماء فصب لبطلان ما استحالة البر في آخر الوقت لا يقال: البر متصور في هذه الصورة / لأن عدد [٢٨٧/ب] القطرات المهراقة ممكنة فيجب أن يحنث عندهما لأن البر إنما يجب في هذه الصورة في آخر جزء من آخر اليوم يحنث لا يسع فيه غيره فلا يمكن القول فيه بإعادة الماء في الكوز وشربه في ذلك الزمان، كذا في (العناية).
قال في (الحواشي السعدية): وفيه تأمل ولعله وجهه أن الإعادة قبل آخر الوقت ممكنة فماله متصور، وعند أبي يوسف يحنث في المؤقتة في آخر الوقت وفي المطلقة إن لم يكن فيه ماء يحنث للحال (وإن كان) فيه ماء في المطلقة (فصب حنث) إجماعا، والفرق لهما بني المطلقة والمؤقتة إن كان في المطلقة يجب البر كما فرغ فإذا فات لفوات ما عقد عليه اليمين حنث، وفي المؤقتة يجب البر في آخر الوقت وعند ذلك لم تبق محلية البر لعدم التصور فلا يجب ويبطل في اليمين.
قال في (الفتح): ولقائل أن يقول: وجوب البر في المطلقة في الحال إن كان بمعنى تعينه حتى يحنث في ثاني الحال فلا شك أنه ليس كذلك، وإن كان بمعنى الوجوب الموسع إلى الموت فيحنث في آخر جزء من أجزاء الحياة فالمؤقتة كذلك فلأي معنى بطلت عند آخر جزء الوقت في المؤقتة ولم تبطل عند آخر جزء من أجزاء الحياة في المطلقة انتهى. وجوابه يعرف مما قالوه وفي الفرق بينها وذلك إن إنما تقيد بطلانها في المؤقتة بالآخر لأن الحالف لم يلزمه نفسه بالفعل إلا فيه فالتأخير وإن لم يكن له أثر فيما إذا لم يكن فيه ماء أو صب إلا أن اللفظ لم يوجب تعيين الفعل إلا في الوقت، وبطلب في المطلقة لأنه لا فائدة في التأخير وتعين الحنث فيها بموت أحدهما مقيد بما إذا كان البر مرجوا أو لا رجاء له هنا فتدبره.
ومن فوائد هذا الخلاف لو قال لزيد: إن رأيت عمرا فلم أعلمك به فعبدي حر فرآه مع زيد فسكت ولم يقل شيئا لم يعتق عبده عندهما، ومنها لا يعطيه حتى يأذن فلان فمات فلان لم يحنث بإعطائه ومنها إن لم تصل صلاة الفجر غدا فأنت كذا فخاضت بكرة لا يصح في الأصح، ومنها إن لم تهبيني صداقك اليوم فأنت كذا، قال أبوها: إن وهبت له فأمك طالق، فحيلة عدم حنثهما أن تشتري منه ملفوفا وتقبضه
стр. 1070
حلف لأصعدن السماء، أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا حنث للحال لا يكلمه فناداه، وهو نائم فأيقظه، أو إلا بإذنه فأذن له، ولم يعلم فكلمه حنث ...
ــ
فإذا مضى اليوم لم يحنث أبوها لأنها لم تهب صداقها ولا الزوج لعجزها عنها وقت الغروب ومنها ليقضين فلانا غدا دينه وفلات مات ولا علم له (حلف لأصعدن السماء أو) حلف (ليقلبن هذا الحجر ذهبا حنث في الحال) لأن البر متصور فيهما أي: ممكن فانعقدت يمينه.
وقال زفر: لا ينعقد لأنه مستحيل عادة فأشبه المستحيل حقيقة كما الكوز قلنا: صعود السماء ممكن ولذا صعدتها الملائكة وبعض الأنبياء، وكذا تحويل الحجر ذهبا إما بخلع صفة الحجر وإلباس الذهبية أو بإعدام الأجزاء الحجرية وإبدالها أجزاء ذهبية لكن التحويل في الأول أظهر غير انه حنث في الحال للعجز الثابت عادة وضع المسألة في المطلقة لأن المقيدة يتوقف حنثه فيها إلى مضي الوقت حتى لو مات قبله لم يحنث، وفي (المنتقى) إن تركت مس السماء فعبدي حر لم يحنث، ولو قال: إن لم أمس السماء فكذا حنث من ساعته، والفرق أن في الأولى مس السماء غير مقدور للحالف عادة والترك لا يتصور في غير مقدور عادة، وفي الثانية الشرط هو عدم المس والعدم يتحقق في غير المقدور كذا في (المحيط) (لا يكلمه فناداه وهو نائم فأيقظه أو) حلف لا أكلمه (إلا بإذنه فأذن له ولم يعلم) بالإذن (فكلمه حنث) في الوجهين، أما الأول فلأنه كلمه ووصل كلامه إلى سمعه ولذا شرط أن يوقظه وأفهم به أنه لو لم يوقظه لم يحنث وهو الذي عليه مشايخنا وهو المختار خلافا لما ذكره القدوري من أنه يحنث إذا كان بحيث يسمع، ورجحه السرخسي متمسكا بما في (السير) لو أمن المسلم أهل الحرب من موضع بحيث يسمعون صوته لكنهم باشتغالهم بالحرب لم يسمعوه فهذا أمان ودفع بالفرق وذلك أن الأمان يحتاط في إثباته بخلاف غيره، وظاهر أنه لو كان أصم وكلمه بحيث يسمع حنث بلا خلاف، ولو سلم على جماعة هو فيهم حنث إلا إذا كان لم يقصده فلا يحنث ديانة إلا أن يقول إلا على واحد فيصدق قضاء أنه لم يقصده ولو سلم من الصلاة فإن إماما [٢٨٨/أ] والمحلوف عليه على يمينه لا يحنث وإن على يساره حنث لوقوع / السلام في غير الصلاة وعن محمد أنه لا يحنث فيهما وهو الصحيح.
قال في (الفتح): والأصح ما في (الشامل) أنه يحنث إلا أن ينوي غيره وإن كان مقتديا فعلى ذلك التفصيل عندهما وعند محمد لا يحنث إلا أن ينوي غيره وإن كان مقتديا فعلى ذلك التفصيل عندهما وعند محمد لا يحنث مطلقا ولو دق عليه الباب فقال: من؟ حنث، ولو قال: يا حائط اسمع كيت وكيت ففهمه المحلوف عليه لا يحنث، وفي (المحيط) لو سبح الحالف للمحلوف عليه للسهو أو فتح عليه
стр. 1071
لا يكلمه شهرا فهو من حين حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن، أو سبح لم يحنث.
ــ
القراءة وهو مقتد لم يحنث، وخارج الصلاة يحنث ولو قال لآخر: إن ابتدأتك فعبدي حر فالتقيا وسلم وكل منهما على الآخر معا لا يحنث وانحلت يمينه لعدم تصور أن يكلمه بعد ذلك ابتداء، ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا لم يحنث بكلام أحدهما إلا أن ينوي كلا منهما وعليه الفتوى.
واعلم أن الكلام لا يكون إلا باللسان فلا يكون بالإشارة ولا الكتابة والإخبار والإقرار والبشارة تكون بالكتابة لا بالإشارة والإيماء والإنشاء والإعلام والإظهار والإخبار يكون بالإشارة أيضا، فإن نوى في الإظهار والإنشاء والإعلام كونه بالكلام والكتابة والإشارة دين، وأما الثاني فلأن الإذن اشتق اشتقاقا كبيرا من الأذان أو من الوقوع في الأذن وكل ذلك لا يتحقق إلا بعد العلم وهذا إظهار قولهما، وعن الثاني أنه يحنث ونوقض هذا يما في (الصغرى) لو أذن لعبده وهو لا يعلم يصح الإذن ودفع بأن قال: حتى إذا صار مأذونا فدل على أنه ليس له قبل العلم حكم الإذن، ولذا قال في (الشامل): إنه لو تصرف قبل العلم ثم علم لم يجز تصرفه حلف (لا أكلمه شهرا فهو) أي: ابتدأ مدته (من حين حلف) لأن دلالة حاله وهو غيظه الباعث على اليمين يوجب ترك الكلام من الآن ثلاثين يوما ولو عرفه كان على باقيه، وكذا لو قال: السنة انصرفت يمينه إلى باقيها وابتداء المدة كما قال.
وفي (البدائع) قال في بعض النهار: لا أكلمه يوما كانت يمينه على بقية اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة أو إلى مجيء مثلها من الليلة المستقبلة فيدخل ما بينها من النهار، ولو قال: اليوم ولا غدا لم تدخل الليلة انتهى. ولو لم يكرر حرف النفي كانت يمينا واحدة فيدخل الليل كما في (الواقعات) والله الموفق.
(لا يتكلم فقرأ القرآن أو سبح) أو هلل (لا يحنث) سواء كان في الصلاة أو خارجها وهو المختار للفتوى خلافا لما اختاره القدوري من أنه يحنث لأنه لا يسمى متكلما عرفا، وفي (الواقعات) الفتوى على الأول إن كانت يمينه بالفارسية، وعلى ما اختاره القدوري لو كانت بالعربية، ولو زاد كلاما حسنا ففي (الظهيرية) ما يفيد أنه يحنث حيث قال: كلما تكلمت كلاما حسنا فأنت طالق ثم قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر طلقت واحدة، ولو حذف الواو من الكل طلقت ثلاثا.
قال في (الفتح) بعد نقله: وقد يدفع بأن الكلام في مطلق الكلام عرفا فيما لا فيما قيد بقيد أصلا انتهى. أي: يدفع وردوه على الإطلاق لكن بقي أن ظاهره أنه مع القيد يحنث بقراءة القرآن ولو في الصلاة فتدبره. وفي (تهذيب القلانسي) وكذا لا يحنث إذا قرأ الكتب ظاهرا وباطنا في عرفنا وهو ظاهر في اختصاص الكلام بما يعد به
стр. 1072
يوم أكلم فلانا، فعلى الجديدين فإن نوى النهار خاصة صدق، وليلة أكلمه على الليل إن كلمته إلا أن يقدم زيدا أو حتى إلا أن يأذن، أو حتى فكذا، فكلم قبل قدومه، أو أذنه حنث وبعدهما لا
ــ
في العرف متكلما فلو قرأ كتاب فقه أو نحو لم يحنث، وعلى هذا ينبغي أن لا يحنث أيضا بإلقاء درس مالكن قد يعكر على هذا ما في (الفتح)، ولو قال: (يوم أكلم فلانا) فكذا (فعلى الجديدين) أي: الليل والنهار لأن اسم اليوم إذا قرن بفعل لا يمتد أريد به مطلق الوقت والكلام مما لا يمتد قال تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره) (الأنفال: ١٦) ولا فرق بين التولية ليلا أو نهارا وقد مر في تفويض الطلاق (فإن نوى النهار صدق) قضاء وديانة لأنه نوى حقيقة كلامه، وعن الثاني أنه لا يصدق قضاء (و) لو قال: (ليلة أكلمه) فامرأته طالق فهو (على الليل) خاصة لأنه حقيقة في سواه كالنهار للبياض خاصة ولم يجيء استعماله في الوقت كاليوم وأورد قوله:
وكنا حبسنا كل بيضا شحمه .... لياليا لاقينا جذاما وحميرا
سقونا كأسا سقونا بمثلها .... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
والمراد مطلق الوقت لأن الحرب لم يكن ليلا، وأجاب شمس الأئمة بأن [٢٨٨/ب] المذكور الليالي بصيغة / الجمع وذكر أحد العددين ينتظم بإزائه من الآخر، وكذلك الفرد ونظر فيه لاقتضائه أن الشاعر قصد أن الملاقاة كانت مستوعبة الليالي يتبعها أيام بقدرها والمتعارف في مثله أنه إنما يقصد به الوقت لا الجمع بين الأيام والليالي.
قال في (الفتح): وليس بشيء فإن الواقع قد يكون أن الحرب دامت بينهم أياما ولياليها وهذا كثير، فأراد أن يخبر بالواقع فعبر عنه بما يفيد ولا دخل لذلك في خصوص عرف، ولو قال: (إن كلمته) أي: عمرو (إلا أن يقدم زيدا) أو قال: (حتى) يقدم زيدا (أو) قال: إن كلمته (إلا أن يأذن) زيدا (أو) قال: (حتى) يأذن (فكلم قبل قدومه أو إذنه حنث، وبعدهما) أي: بعد القدوم والإذن لو كلمة (لا) يحنث لأنه جعل القدوم والإذن غاية لعدم الكلام، أما في حتى فظاهر، وأما ي إلا أن فلأن الاستثناء وإن كان هو الأصل فيها إلا أنها تستعار للشرط والغاية عند تعذره لمناسبة هي أن الحكم كل واحد منها يخالف ما بعده ومثله قوله تعالى: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم﴾ (التوبة: ١١٠) وقيل هي استثناء.
قال في (الفتح): وفيه شيء وهو أن تقدير الاستثناء فيها أي: إلى موتهم إنما يكون من الأوقات والأحوال على معنى امرأته طالق في جميع الأوقات والأحوال إلا وقت قدوم فلان أو اذنه أو إلا حال قدومه أو إذنه وهو يستلزم بقيد الكلام بوقت الإذن
стр. 1073
وإن مات زيد سقط الحلف لا يأكل طعام فلا، أو لا يدخل داره، أو لا يلبس ثوبه، أو لا يركب دابته، أو لا يكلم عبده إن أشار وزال ملكه، وفعل لم يحنث كما في المتجدد، وإن لم يشر لا يحنث بعد الزوال، وحنث بالمتجدد، وفي الصديق والزوجة حنث في المشار بعد الزوال، وفي غير المشار لا، وحنث بالمتجدد
ــ
فيقتضي أنه لو كلمة بعد القدوم أو الإذن حنث، وهو غير واقع قيد بتأخير الجزاء لأنه لو قدمه بأن قال: امرأته طالق إلا أن يقدم زيد كان شرطا لأن المعنى إن لم يقدم زيد ووجه بعضهم بأنها إنما تكون للغاية فيما يحتمل التأقيت والطلاق مما لا يحتمله، وهذا يشير إلى أن الكلام مما يمتد وقد مر ما فيه، (وإن مات زيد) قبل قدومه أو إذنه (سقط الحلف) أي: بطل عندهما بناء على ما مر من أن بقاء تصور البر شرط لبقاء اليمين المؤقتة وهذه كذلك لأنه مؤقتة ببقاء الإذن والقدوم إذ بهما يتمكن من البر بلا حنث ولم يبق ذلك بعد موت من إليه الإذن والقدوم، وعند الثاني ما لم يكن شرطا بتأيدها عند سقوط الغاية ففي أي وقت كلمه حنث.
حلف (لا يأكل الطعام فلان أو) حلف (لا يدخل داره أو لا يلبس ثوبه أو لا يركب دابته أو لا يكلم عبده) جعله من هذا النوع هو ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة أنه كالصديق (إن أشار) الحالف إلى الطعام بأن قال: طعام فلان هذا مثلا (وزال ملكه) أي: ملك فلان ولو أي الحالف بإهدائه إليه (وفعل) الحالف المحلوف عليه (لم يحنث، كما في المتجدد) أي: لا يحنث بالمتجدد (وإن لم يشر لا يحنث بعد الزوال، وحنث بالمتجدد، وفي الصديق والزوجة حنث في المشار) أي: قوله: والله لا أكلم صديق فلان هذا وزوجته هذه (بعد الزوال) أي: زوال الصداقة والزوجية إجماعا لأن الحر مما يقصد بالهجر فكانت الإضافة للتعريف هذا إذا لم يقل: فإنه عدو لي فإنه لا يحنث بعد الزوال لظهور أن الدواعي لمعنى في المضاف إليه نبه عليه الشارح (وفي غير المشار) إليه من الصديق والزوجة والملك أي: (لا) يحنث بعد الزوال (وحنث بالمتجدد).
واعلم أن حاصل هذه المسائل التي متى حلف على هجر ما يضاف إلى فلان إضافة ملك كطعام فلان أو نسبته كالصديق والزوجة، فإن لم يشر لا يحنث بعد الزوال لانقطاع الإضافة وإن لم يحنث بالمتجدد وإن أشار لم يحنث بعد الزوال والتجدد في إضافة الملك وحنث في غيرها في الوجوه كلها لأنه إذا لم يشر فالظاهر أن الدواعي كراهته في المضاف إليه وألا يعرفه باسم العلم كعبد فلان راشدا وفلانة زوجته، وإن احتمل هجر نحو الصديق لذاته وحينئذ فانعقدت يمينه على هجر المضاف إليه حال الإضافة فيحنث إذا كانت قائمة وقت الفعل سواء كانت وقت
стр. 1074
لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه، فكلمه حنث الزمان، والحين، ومنكرهما ستة أشهر،
ــ
اليمين أو لم تكن، كإن اشترى عبدا بعد اليمين أو تزوج زوجة لا ما إذا انقطعت بأن باع كلا من العبدين والدار وعادى الصديق وطلق الزوجة هذا عند الإمام، وعند محمد اليمين منعقدة في المملوك على الإضافة القائمة وقت الفعل وفي إضافة النسبة على المنعقدة وقت اليمين فيحنث لو كلم الزوجة بعد الطلاق والصديق [٢٨٩/أ] المعادى / لا بما تجدد.
وأما إذا أشار فعدم الحنث في المملوك قولنا وقول محمد: يحنث فيه اعتبار للإشارة لأنها أبلغ ولهما أن هجر المضاف إذا كان مملوكا ليس لذاته فتقيد ببقاء النسبة مع الإشارة وعدمها بخلاف غير المملوك لما مر هذا إذا لم ينو شيئا، فإن نوى شيئا كان على ما نواه، وفي بعض الشروح لا أتزوج بنت فلان لا يحنث بالتي تولد بعد اليمين بالإجماع، واستشكله في (الفتح) بأنها إضافة نسبية ينبغي أن تنعقد على الموجود حال التزوج فلا جرم أن في التفاريق عن أبي يوسف إن تزوجت بنت فلان أو أمته على الموجود والحادث (لا أكلم صاحب هذا الطيلسان) معرب تيلسان أبدلوا التاء منه طاء من لباس العجم مدور سواء لحمته وسداه صرف (فباعه فكلمه حنث) بالإجماع، لأن هذه الإضافة لا يجوز أن تكون لغير التعريف إذ الإنسان لا يعادي لمحض الطيلسان فتعلقت اليمين بعينه.
ولذا لو كلم المشتري لم يحنث وظاهر أن الطيلسان مثال لأن قوله صاحب هذه الدار ونحوه كذلك (الحين والزمان، ومنكرهما ستة أشهر) لأن كلا منهما للقدر المشترك بين القليل والكثير والتوسط، واستعمل في الكل فمن الأول ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (الروم: ١٧) ومن الثاني ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ (الإنسان: ١) فالمفسرون على أنه أربعون سنة وأراد بالإنسان آدم ومن الثالث ﴿تؤتى أكلها كل حين﴾ (إبراهيم: ٢٥) قال ابن عباس: ستة أشهر والزمان يستعمل استعمال الحين فحملناه على الوسط لا فرق بين الزمان والحين، هو الصحيح كما في (البدائع) ويعتبر ابتداء السنة من وقت اليمين بخلاف لأصومن حينا أو زمانا فإن له أن يعين أي سنة شاء، كذا في (الفتح) والأحاديين والأزمنة على عشر مرات ستة أشهر كذا في (شرح الطحاوي)، وكأنه لأن أفاعيل من جموع الكثرة.
فرع: العمر الأبد واختلف جواب بشر في المنكر لله عليه صوم عمر فمرة قال: يقع على يوم واحد ومرة قال: إنه كالحين.
وفي (السراج) لأكلمه مليا فهدا على ستة أشهر إلا أن ينوي غير ذلك ولو لأهجرنك مليا فهذا على عشر فصاعدا، وإن نوى أقل من ذلك لم يدين في القضاء،
стр. 1075
والدهر، والأبد العمر، ودهر مجمل. والأيام، وأيام كثيرة والشهور، والسنون عشرة،
ــ
ولو قال: إلى بعيد كان إلى شهر فصاعدا، وإلى قريب كان على أقل من شهر كعاجل، ولو قال: كذا كذا يوما فعلى أحد عشر يوما، ولو قال: كذا وكذا يوما فعلى أحد وعشرين ولو بضعة عشر يوما فعلى ثلاثة عشر يوما انتهى.
والشتاء أوله إذا لبس الناس الحشو وآخره إذا ألقوه وهو أول الصيف، والربيع آخر الشتاء ومستقبل الصيف إلى يبس العنب، والخريف فصل بين الشتاء والصيف، وغرة الشهر ورأس الشهر أول ليلة منه ويومها، وأول الشهر إلى ما دون النصف، وآخره إلى مضي خمسة عشر يوما (والدهر والأبد) في حلفه لا يكلمه الدهر، أو الأبد هو (العمر) لأن للعرف منهما يراد الأبد عادة وما بعد موته لم يدخل تحت اليمين فصرفناه إلى ما بقي من عمره منذ حلف.
وفي (السراج): لو حلف لا يكلمه العمر فهو على الأبد عند عدم النية ولو نكره، فعن الثاني أنه يقع على يوم وفي رواية عنه على ستة أشهر كالحين وهو الظاهر (ودهر مجمل) أي: غير مفسر عند الإمام، حيث قال: لا أدري ما هو وهو أول دليل على نهاية كماله إذ قد ثبت هذا عن الجناب الرفيع وعن جبريل أيضا لأن اللغات لا تدرك بالقياس والعرف لم يعلم استمراره لاختلافه استعمالا، وروى الثاني عن الإمام أن المنكر والعرف سواء، والأصح أن الخلاف مقصور على المنكر وقد جمعت المواضع التي توقف فيها الإمام رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجعل الجنة متقلبه ومثواه:
من قال لا أدري بما لم يدره .... فقد اقتدى في الفقه بالنعمان
في الدهر والخنثى كذان جوابه .... ومحل أطفال ووقت ختان
وأوصلها بعضهم إلى ثمانية قوله:
ورع الإمام الأعظم النعمان .... سبب التوقف في جواب ثمان / [٢٨٩/ب]
سؤر الجمار تفاضل جلالة .... وثواب جني على الأيمان
والدهر والكلب المعلم ثم مع .... ذرية الكفار وقت ختان
وذكر الحدادي أنها أربعة عشر مسألة، وقالا: إنه كالحين لأنه استعمل استعماله فإن قولك ما رأيتك منذ دهر ومنذ يوم واحد، وغير خاف أنه إذا لم يرو عن الإمام شيء في مسألة وجب الإفتاء بقولهما، (والأيام وأيام كثيرة) في حلفه لا يكلمه الأيام وأياما كثيرة (والشهور والسنون) والجمع والدهور والأزمنة (عشرة) من كل صنف
стр. 1076
ومنكرها ثلاثة.
ــ
عند الإمام، وقالا: في الأيام تنصرف إلى أيام الأسبوع وفي الشهور إلى اثني عشر شهرا، وفيما عداهما إلى الأبد لأن اللام للعهد فعند الإمكان تصرف إليه، وإلا فهي للاستغراق وهو ثابت في الأيام السبعة ولا عهد فيما سواهما فصرف إلى استغراق هذه الأصناف وله أنه جمع معرف باللام فينصرف إلى أقصى ما عهد مستعملا فيه لفظ الجمع على التعيين وذلك عشرة، ثم في حلفه لا يكلمه الجمع له أن يكلمه في غير يوم الجمعة في قولهم جميعا لأن يمينه إنما تقع على عشرة أيام كل يوم جمعة فإن نوى أيام الأسبوع فعلى ما نوى.
(ومنكرها) أي: منكر الأيام والشهور والسنين (ثلاثة) من كل صنف يعني إذا لم توصف لما قدمه من أنه مع الوصف يقع على عشرة لأنه بالوصف علم أنه لم يرد الأقل وهذا رواية (الجامع)، وهو الصحيح وسوى في (الأصل) بين المنكر والعرف في الأيام، وفي (الظهيرية) حلف لا يكلم فلانا أيامه هذه قال الثاني: هو على ثلاثة أيام ولو قال: لا أكلمه أيامه فهو على العمر قيد بالظروف لأنه لو قال: والله لا أكلم رجالا أو عبيدا حنث بثلاثة.
وفي (المغرب): يحنث بأدنى ما ينطلق عليه الاسم عند عامة المشايخ فيحنث بالواحد وصرفه بعضهم إلى كل الجنس، ذكر في (الذخيرة) وفي (تهذيب) القرنسي، وأما الأطعمة والنساء والثياب فيقع على الواحد إجماعا ولو نوى الكل صحت نيته.
تتمة: سكت كثير عن الجمع المضاف كلا يركب دواب فلان أو لا يلبس ثيابه أو لا يكلم عبيده وحكمه أنه يحنث بثلاثة مما سمى، وإن كان له أكثر بخلاف ما لو حلف لا يكلم زوجات فلان أو أصدقاءه حيث لا يحنث ما لم يكلم الكل، والفرن أن المنع في الأول لا لمعنى في المحلوف عليه بل باعتبار النسبة إلى فلان وقد ذكر النسبة باسم الجمع وأقله ثلاثة، وفي الثاني لمعنى فيه فتعلقت اليمين بالأعيان ولو نوى بالأول الكل دين كذا في (الذخيرة) وإخوة فلان من الثاني غير أنه إذا لم يكن له إلا أخ واحد فإن كان يعلم حنث به وإلا لا، كذا في (الواقعات). وينبغي أن يكون الأصدقاء والزوجات كذلك والله هو الموفق.
стр. 1077
باب اليمين في الطلاق والعتاق
إن ولدت فأنت كذا حنث بالميت بخلاف فهو حر، فولدت ولدا ميتا، ثم آخر حيا عتق الحي وحده، أول عبد أملكه، فهو حر فملك عبدا عتق، ولو ملك عبدين معا، ثم آخر لا يعتق واحد منهم،
ــ
باب اليمين في الطلاق والعتاق
قدم هذا الباب على غيره لكثرة وقوع الحلف بهما (إن ولدت فأنت كذا) أي: طالق (حنث بالميت) لأنه ولد حقيقة وعرفا وشرعا بدليل أن العدة به تنقضي وتصير به نفساء والأمة أم ولد، وكذا لو كان سقطا قد استبان بعض خلقه لما مر من أنه ولد في الحديث (يظل السقط مختبطا على باب الجنة حتى يدخل أبواه الجنة) روي بالهمز وهو العظيم البطن المنتفخ يعني تنتفخ بطنه من الامتلاء من الغضب وبتركه وهو المغتضب المستبطئ للشيء (بخلاف، فهو حر) حيث يشترط أن يكون حيا عند الإمام حتى (لو ولدت ميتا وحيا عتق الحي وحده)، وقالا: لا يعتق واحد منهما لتحقق الشرط بولادة الميت لكنه لما لم يكن محلا للحرية انحلت اليمين لا إلى جزاء وله أن الشرط ليس إلا الولد الحي وهو لأنه إلى جعل الجزاء وصفا للموصوف بالشرط بالحياة وإلا لغي بخلاف جزاء الطلاق لأنه لا يصلح مقيدا للولد بالحي لأن الطلاق واقع واصفا لغيره فلا يلزم تقييده وأورد ما لو قال: إن اشتريت عبدا فهو حر فاشترى عبدا لغيره ثم لنفسه لا يعتق الثاني لانحلال اليمين بالأول، ولم يتقيد ضرورة وصفه بالحرية بعبد نفسه، وأجيب بأن المشتري لغيره محل للإعتاق لصحة فيه موقوفا لغيره.
وفي (الإيضاح) لو قال: أول عبد دخل علي فهو حر، فأدخل عليه عبد ميت ثم حي عتق الحي في قول الثلاثة هو الصحيح / لأن العبودية لا تبقى بعد الموت. [٢٩٠/أ] (أول عبد أملكه فهو حر فملك عبدا عتق) لوجود الأول الذي هو اسم لفرد سابق، (ولو ملك عبدين معا ثم) مل (آخر لا يعتق واحد منهم) لعدم وجود الشرط، أعني الفردية قيد بملك العبدين معا لأنه لو ملك عبدا ونصفا معا عتق التام بخلاف ما لو قال: أول كرا أملكه فهو هدي فملك كرا ونصفا كذلك لم يهد شيئا لأن النصف يزاحم كل نصف من الكر لأنه مع كل نصف منه كر بخلاف نصف العبد فإنه متصل بالآخر فيكمل العبد بنصف، ذكره التمرتاشي.
стр. 1078
ولو زاد وحده عتق الثالث ولو قال: آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبدا فمات لم يعتق، فلو اشترى عبدا، ثم عبدا، فمات عتق الآخر كل عبد بشرني بكذا، فهو حر، فبشرة ثلاثة متفرقون عتق الأول،
ــ
(ولو زاد) الحالف على كلامه الأول لفظة (وحده عتق الثالث)، قيد بذلك لأنه لو قال: واحد لا يعتق والفرق أن واحد يقتضي نفي المشاركة في الذات ووحده يقتضي نفي المشاركة المقرون به دون الذات وكل منهما حال من المفعول لكنها بالاعتبار الأول مؤكدة إذ كل واحد من الثلاثة أول بهذا المعنى، وبالاعتبار الثاني مؤسسة قيد في عملها أي: أملكه منفردا بالمملوكة، وهو صادق بالثالث وهذا المعنى وإن احتمل أن يكون في واحد أيضا فيعتق لكنه لا يعتق بالشك وجوز شمس الأئمة كونه حالا من العبد، يعني على وزان ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ (النحل: ١٢٣)، وكونه حالا من المولى فلا يعتق بالشك وبهذا التقرير علمت أن ما في (البحر) من أن الحر على أنه صفة للعبد كالإضافة أعني وحده مدفوع بل هو كالنصب لأنه يفيد أيضا نفي المشاركة في الذات، ولم أر في كلامهم الدفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والظاهر أنه لا يعتق أيضا كالنصب فتدبره.
فلو قال: أول عبد أشتريه بالدنانير أو أسود فاشترى عبدين بدراهم ثم واحد بالدنانير أو عبيد بيضا ثم أسود عتق الثالث، (ولو قال: آخر عبد أملكه فهو حل فملك عبدا ومات) المولى (لم يعتق) العبد لأن آخر اسم لفرد لاحق والفرد لا سابق له فلم يكن له لاحقا فلم يتحقق مناط العتق، وهذه المسألة مع التي قبلها تحقق أن المعتبر في الأخيرية وجوب سابق بالفعل وفي الأولية عدم تقيد غيره وإلا لم يعتق المشترى في أول عبد اشتريته فهو حر إذ لم يشترط بعده غيره (فلو اشترى عبدا ثم) اشترى (عبدا) آخر (فمات عتق الثاني) لتحقق مناط العتق غير أنه يستند إلى وقت الشراء عند الإمام حتى يعتبر من جميع المال إن كان الشراء في الصحة، وإلا فمن الثلث وعندهما يقتصر على حالة الموت فاعتبر من الثلث على كل حال.
تتمة: بقي ما لو قال: أوسط عبد والمذكور في (البدائع) أن الوسط لا يكون إلا في وتر ولا يكون في شفع، فالثاني من الثلاثة وسط وكذا الثالث من الخمسة وعلى القياس (كل عبد بشرني بكذا) أي: بقدوم ولدي مثلا (فهو حر فبشره ثلاثة متفرقون عتق الأول) فقط، لأن البشارة إنما تحققت منه لأنها اسم لخبر سار وصدق ليس للمبشر به علم فخرج الضار والكذب فإنهما وإن تغيرت بشرة الوجه بهما إلا أنهما في العرف إلا كذلك، ولا يختص لغة بالسار بل قد يكون في الضار أيضا ومنه
стр. 1079
وإن بشروه معا عتقوا، وصح شراء أبيه للكفارة
ــ
﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران: ٢١٠) ودعوى المجاز مدفوع بمادة الاشتقاق، إذ لا شك أن الإخبار بما يخافه الإنسان يوجب تغير البشرة أيضا.
وقوله: ليس للمبشر به علم خرج الخبر وقد روي أنه ﵊ (مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن فقال: من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد فابتدره أبو بكر وعمر بالبشارة فسبق أبو بكر فكان يقول بشرني أبو بكر وأخبرني عمر) ولو كتب إليه أحدهم كتابا بالبشارة عتق إلا إذا نوى المشافهة، وكذا لو أرسل إليه رسولا في البشارة والخير بخلاف الحديث فإنه لا يعتق إلا بالمشافهة كما في (الذخيرة).
ولو قال: من أخبرني أن فلانا قدم فكذا عتق بالكذب إلا إذا عدي بالماء بأن قال: من أخبرني بقدومه فإنه يشترط فيه الصدق لإفادتها صادق الخبر بنفس القدوم، وكذا لو قال: إن كتبت بقدوم بخلاف أن فلان قدم والإعلام كالبشارة كما في (البدائع) وحينئذ فلا فرق بين أن يذكر الباء أو لا، (وإن بشروه معا عتقوا) لتحققها من الكل قال تعالى: ﴿فبشروه بغلام عليم﴾ (الذاريات: ٢٨) أضاف البشارة إلى الكل وهذا لأن حقيقتها تتحقق بالأولية من فرد فأكثر (وصح شراء أبيه للكفارة) / لأنه [٢٩٠/ب] ﵊ جعل شراءه إعتاقا بقوله: (لن يجزي ولده والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتق). رواه الجماعة إلا البخاري، أي: فيعتق هو عند ذلك الشراء إذ الفعل إذا عطف على آخر بالفاء كان الثاني ثابتا بالأول كسقاه فأرواه، وأطعمه فأشبعه قيد بالشراء لأنه لو ملكه بالإرث لم يعتق عن كفارته إذا نواه، لأنها نية متأخرة عن العتق بخلاف ما إذا وهب له أو أوصى إليه به أو تصدق به عليه فنوى عند القبول أن يعتق عن كفارته فإنه يصح لسبقها مختارا في السبب، كذا في (الفتح) تبعا للشارح، وكأنه في (البحر) لم يطلع على هذا فقال: لم أر ذلك صريحا وكلامهم يفيده غير أنه زاد مما لم يطلع عليه ما لو جعله مهرا ولا شك في صحة النية أيضا، وظاهر أن المراد بالأب أصله فيشمل الأم أيضا دلالة فكان الأليق بهذه المسألة مع ما بعدها.
стр. 1080
لا شراء من حلف بعتقها، وأم ولده إن تسريت أمة، فهي حرة صح لو في ملكه
ــ
فصل: الكفارة لا يصح شراء من حلف بعتقه للكفارة بأن يقول لعبد غيره: إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه ناويا به العتق عن كفارته، وإنما لم يصح لأن هذه النية يشترط قرانها لعلة العتق وهو اليمين والفرض أنه لم ينو عند التكلم بل عند مباشرة الشرط حتى لو قال: إن اشتريته فهو حر عن كفارة يميني صح، (ولا) عطف على (من) أي: لا يصح أيضا أم ولده أي: (حلف بعتقها) للكفارة بأن يقول لأمة الغير التي استولدها بنكاح: إن اشتريتك فأنت حرة عن كفارة يميني، وأما إذا اشترى أم ولده ناويا عند الشراء الكفارة فقد مر أنه لا يجوز فذكرها هنا ليس إلا للفرق بين الشراءين.
وقوله في (الفتح): مع أنه في الفصلين مسبوق بما يوجب العتق من وجه، وهما القرابة والاستيلاد فيه نظر إذ لا إيجاب للقرابة أصلا وإن كان جزء علة لأن الحكم إنما يضاف إلى الجزء الثاني وهو الملك وحاصل الفرق هكذا للفرق بين شراء القريب للكفارة (وأم الولد) وإلا فعتق أم الولد لا يجزئ عن الكفارة معلقا ولا منجزا، لأن أم الولد استحقت العتق بالاستيلاد حتى جعل إعتاقا من وجه فلم يكن عتقها بالشراء إعتاقا من كل وجه إلا إذا لم يكن قبل الشراء عتق من وجه (إن تسريت أمة) أي: اتخذت سرية فعلية منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء لأن الإنسان يسره وضمت السين لتغير الأبنية بالنسبة كما قالوا بالنسبة إلى الدهر دهري للمعمر نعم إن كانت من السرور فإنها تسر بهذه الحالة ويسر هو بها أي: من السرور والسيارة فضم سينها على الأصل، ومعنى التسري عندهما أن يحصن أمته ويعدها للجماع أفضى إليها بمائة أو عزل عنها، وعند الثاني أن لا يعزل ماءه مع ذلك.
قلنا: مادة اشتقاقه سواء اعتبرت من السرور أو ما يرجع إلى الجماع أو غير ذلك لا يقتضي الإنزال فيها لأن كلا منهما يتحقق دونه فأخذه في المفهوم واعتباره لا دليل عليه (فهي حرة صح) كلامه (لو) كانت الأمة (في ملكه) يوم حلف لأن اليمين انعقدت في حقها لمصادفتها الملك، وهذا لأن امة نكرة في سياق الشرط فتعم كالنفي، وأما إذا اشترى جارية وتسراها فإنها لا تعتق عندنا وهو قول الأئمة الثلاثة، وقال زفر: تعتق لأنه لا يصح إلا في الملك فكان ذكره ذكر الملك.
قلنا: الملك صار مذكورا لضرورة صحة التسري وهو شرط فيتقدر بقدره ولا يظهر في حق صحة الجزاء وهو الحرية وفي (فتح القدير) لو حلف لا يتسرى فاشترى جارية فحصنها ووطئها حنث، ذكره القدوري في (التجريد) عن أبي حنيفة، ولو
стр. 1081
وإلا لا. كل مملوك لي حر عتق عبيده القن، وأمهات أولاده، ومدبروه، لا مكاتبه هذه طالق، أو هذه، وهذه طلقت الأخيرة، وخير في الأوليين، وكذا العتق والإقرار.
ــ
قال: إن تسريت جارية فعبدي حر فاشترى عبدا ثم اشترى جارية فتسراها لا يعتق هذا العبد المستجد انتهى.
وهذا يفيد أن الجماع بالفعل مأخوذ في مفهوم التسري ولو حصنها (و) أعدها للجمال (إلا) أنه لم يجامعها لم تعتق فتدبره، فإنهم أغفلوا التنبيه عليه هناك وبه علم جواب حادثة أخطأ فيها بعض من انتسب للفقه حيث أفتى بأنه (لا) يقع قياسا على مسألة (الكتاب) وهي ما لو قال: إن تسريت امة فأنت طالق وتسرى جارية فحصنها فإن الطلاق يقع.
(كل مملوك لي حر عتق عبيده ومدبروه) من الرجال والنساء (وأمهات أولاده) لأن المطلق ينصرف إلى الكامل والملك فيمن ذكر كامل رقبة ويدا، ولو نوى الرجال فقط صدق ديانة أو عكسه لم يصدق كما لو قال: عنيت السود أو البيض (لا) يعتق (مكاتبه) ولا معتق البعض لأن الملك غير ثابت فيه يدا ولذا لا يملك اكتسابه إلا أن ينويه (هذه طالق أو هذه / وهذه طلقت الأخيرة وخير في الأولين) لأن أو لأحد المذكورين [٢٩١/أ] وقد أدخلها بين الأوليين ثم عطف الثالث على المطلقة منهما والعطف يشترك في معنى المعطوف عليه وحكمه هنا الطلاق المنجز، وإنما التوقف في التعيين فصار كما لو قال: أحدكما طالق وهذه.
(وكذا العتق) بأن قال لعبيده: هذا حر أو هذا وهذا وقد يقال العطف بالواو كما يصح على أحد المفهوم من هذه أو هذه يصح على هذه الثانية والثالثة معا فيلزمه البيان كذلك في الطلاق والعتاق، كذا في (الفتح) وفي تقدير الشارح ما يفيد الجواب وحاصله أنا لا نسلم عطف وهذه على هذه الثانية للزوم أن يكون المعنى هذه طالق وهاتان طالقان والإخبار عن المثنى بالمفرد غير صحيح (والإقرار) بأن قال لفلان على ألف أو لفلان وفلان كان نصف الألف للثالث وعليه بيان من لهم نصف الآخر من الأوليين قيد بعدم ذكر الخبر لأنه لو قال: هذه طالق أو هذه وهذه طالقان أو هذا حر أو هذا وهذا حران لم تطلق واحدة ولم يعتق أحد بل يخير إن اختار الإيجاب الأول وحده طلقت الأولى وحدها، والعبد الأول وحده أو الثاني عتق الأخيران وطلقت الأخيرتان والله أعلم بالصواب.
стр. 1082
باب اليمين في البيع والشراء والتزويج والصوم والصلاة وغيرها
ما يحنث بالمباشرة، لا بالأمر البيع والشراء،
ــ
باب اليمين في البيع والشراء
والتزويج والصوم والصلاة وغيرها
قدم البيع والشراء لكثرة وقوعهما ثم الضابط هنا أحد أمرين، الأول: أن كل فعل ترجع الحقوق فيه إلى المباشر لم يحنث الحالف فيه بفعل الوكيل والمأمور وما لا حقوق له ترجع إلى المباشرة يحنث، سواء كان له حقوق أو لا، والثاني: أن كل ما يستغني المأمور في مباشرته عن إضافته إلى اآمر لا يحنث بمباشرة المأمور وإن كان لا يستغني عن الإضافة يحنث، وبالثاني دخل نحو الخصومة مما لا حقوق له ترجع إلى المأمور فإنه يحنث فيها بالتوكيل على ما سيأتي، وبهذا التقرير علمت أن القسمة ثنائية كما جرى عليه المصنف والأكثرون وجعلها في (الخانية) ثلاثية بجعل ما لا حقوق له قسما ثالثا.
وادعى في (البحر) أنه الأولى لأن ما لا حقوق له يخرج عنهما، وقد علمت أنه لا يخرج نعم يرد على الثاني الصلح عن إنكار فإنه من الثاني مع أنه يستغنى فيه عن إضافته إلى الآمر كما في (شرح الوقاية) (ما يحنث) فيه (بالمباشرة) أي: مباشرته بنفسه (لا) يحنث فيه (بالأمر) إلا إذ كان الحالف سلطانا أو قاضيا أو شريفا فيحنث بالأمر أيضا، نص عليه في (الكافي) فلو باشره مرة وترك أخرى اعتبر الأغلب جزم به في (الخانية) ووسيط (المحيط) والبزازي.
قال في (القنية): وقيل ينظر إلى العين المبيعة إن كانت مما يشتري بنفسه لشرفها لا يحنث بفعل وكيله إلا أن يقصد أن لا يفعل ذلك بنفسه، وإن كانت مما لا يشتريها بنفسه لحسنها أو لغير ذلك يحنث بشراء الوكيل (البيع)، فلو حلف لا يبيع فوهب بشرط العوض ينبغي أن يحنث كذا في (القنية) وبه جزم في (الظهيرية) ولو حلف لا يبيع داره فأعطاها صداقا لامرأته إن أعطاها عوضا عن دراهم المهر حنث لا إن تزوجها عليها (والشراء) فلو حلف لا يشتري منه فأسلم إليه في ثوب حنث، ولو اشترى منه بالتعاطي قيل: يحنث وفي (مجموع النوازل) وضع المسألة في البيع فقال: إن حلف لا يبيع الخبز فباعه بالتعاطي من الجانبين لا يحنث وفي (شهادات
стр. 1083
والإجارة والاستئجار، والصلح عن مال، والقسمة، والخصومة وضرب الولد. وما يحنث بهما النكاح،
ــ
القدوري) ما يؤيده حيث قال: لا يسمع من عاين ذلك أن يشهد على البيع بل على التعاطي كذا في (البدائع)، وفي (القنية) حلف لا يشتري لا يحنث بالتعاطي وقد اختلف فيه أئمة بخارى وسمرقند، وقال الأولون: لا يحنث بالتعاطي، والآخرون يحنث ثم رقم (للمتنقى) وقال: لا يحنث وفيها عن الكرابيسي حلف إن اشتراها يحنث بالإقالة، كذا في (عقد الفرائد).
وفي (الظهيرية): باع عبده من رجل وسلم إلى المشتري ثم حلف البائع أن لا يشتريه من فلان ثم إن المشتري أقال البيع وقبل البائع الإقالة لا يحنث، فلو كان الثمن ألف درهم فوقعت الإقالة بمائة دينار أو أكثر من الثمن الأول أو أقل حنث قيل: هذا قولهما وأما على قول الإمام فلا يحنث (والإجارة والاستئجار) فلو حلف لا يؤجر وله مستغلات أجرتها زوجته وقبضت الأجرة وأعطتها له لا يحنث، وتركها في أيدي الساكنين ليس إجارة، وكذا لو تقاضى منهم أجرة شهر قد سكنوه، أما لو تقاضى منهم أجرة شهر لم يسكنوا فيه أو قال اقعدوا في هذه المنازل كان ذلك إجارة فيحنث كذا في (الذخيرة) وأنت خبير بأن تقاضي أجرة / شهر لم يسكنوا فيه ليس إلا إجارة [٢٩١/ب] بالتعاطي فينبغي أن يجري فيه الخلاف السابق (والصلح عن مال) مقيد بكونه عن إقرار لما سيأتي في بابه من أنه عن إنكار فداء فيكون من الثاني كالصلح عن عمد.
وفي (المحيط) عن (المنتقى): حلف لا يصالح رجلا في حق يدعيه فوكل رجلا فصالحه لم يحنث، وكذا لو حلف لا يخاصمه، ولو قال: والله لا أصالح فلانا فأمر غيره فصالحه حنث لأن الصلح لا عهدة فيه، وحمل الثاني في (البحر) على الصلح اللغوي أي: الرافع للعداوة ولا حاجة إليه بل الأول عن إقرار، والثاني عن إنكار (والقسمة والخصومة وضرب الولد) عد في (المحيط) الخصومة من الثاني أولا، وثانيا من الأول قال البرازي: والفتوى أنها ملحقة بالأول إنا لم يحنث بالأمر في هذا لأن العقد وجد من العاقد حقيقة وحكما حتى رجعت الحقوق إليه، ولذا لو كان هو الحالف حنث وإنما الثابت للأمر حكمه إلا أن ينوي غيره (وما يحنث بهما) أي: بالمباشرة والأمر أي التوكيل كما في (الشرح) وليس مقصورا عليه بل الرسالة كذلك بدليل عد الاستقراض من هذا النوع، والتوكيل به غير صحيح كذا في (البحر) ولك أن تقول: إنما خصه لتعلم الرسالة منه بالأولى بقي أن مجرد الأمر لا يحنث به لا بد من فعل الوكيل ذلك الشيء المحلوف عليه ففي العبارة تسامح.
فلو قال: وما يحنث به بفعل مأموره لكان أولى، وأنت خبير بأن المؤثر في حنثه إنما هو أمره والفعل شرط فيه (كالنكاح) فلو حلف لا يتزوج فعقده بنفسه أو
стр. 1084
والطلاق، والخلع، والعتق، والكتابة، والصلح عن دم عمد، والهبة، والصدقة
ــ
وكل، فعقد الوكيل حنث، وكذا لو كان الحالف امرأة فلو حلفت وأجبرت ممن له ولاية الإجبار ينبغي أن لا تحنث كما لو جن فزوجه أبوه كارها ولو صار معتوها فزوجه أبوه لا يحنث، كذا في (عقد الفرائد) وتزويج الأمة بولاية الإجبار يتصور في الأمة وقد سئلت بالدرس الجامع الأزهر عما إذا كان له وكيل مطلق مفوض قبل اليمين فزوجه وأجبت بأنه يحنث أيضا، لأن المقصود إيجاد الفعل من الوكيل بعد اليمين وقد وجد ثم رأيت في (عقد الفرائد) عن (التاتارخانية) وكذا لو كان الوكيل قبل اليمين ولو زوجه فضولي فإن عقد قبل اليمين لا يحنث بالإجازة مطلقا وبعده يحنث بالإجازة القولية هو المختار ولا يحنث بالفعلية رواه ابن سماعة عن محمد وعليه أكثر المشايخ وقيل: يحنث وبالأول يفتى، ولو قال: لا أزوج فلانة فأمر رجلا فزوجها لا يحنث بخلاف لا أتزوج، والفرق في الأول لم يلحقه حكم ولحقه في الثاني وهو الحل كذا في (البزازية) وغيرها.
(والطلاق) والعتاق هذا الإطلاق أيضا مقيد بأن يقعا بكلام واحد بعد اليمين حتى لو علق الطلاق أو الحرية بدخول الدار ثم حلف أنه لا يطلق ولا يعتق فدخل ووقع الطلاق (والعتق) لم يحنث، ولو كان ذلك بعد اليمين حنث وعلى هذا لو وقع الطلاق بمضي مدة الإيلاء أو أعتق المكاتب بالأداء، ولو فرق بينهما بالعنة لم يحنث عند زفر، وعن الثاني روايتان وكذا لو قال لها: أنت طالق إن شئت أو اختاري فاختارت ولو طلق امرأته ثم قال: إن تزوجت امرأة باسمك فهي طالق ثم تزوجها لم تطلق، ولو قال: بهذا الاسم طلقت، والفرق أنه في الأول صارت المرأة معرفة بكاف الخطاب فلم تدخل تحت النكرة بخلافه في الثاني (والخلع) هو الطلاق (و) قد مر في (الكتابة) عدها في هذا النوع هو الصحيح وجعلها في (النظم) كالبيع كما في (المجتبى).
ولو أجاز كتابة الفضولي حنث كذا أطلقه غير واحد وقياس ما مر أن يقيد بما إذا كانت بالقول (والصلح عن دم العمد)، فلو حلف أن لا يصالح عن دم العمد فوكل حنث، لأن المنافع تعود إليه بخلاف الصلح عن إقرار، ولو قال: والإنكار لكان أولى (والهبة)، فلو حلف لا يهب مطلقا أو معينا أو شخصا بعينه فوكل من وهب حنث صحيحة كانت الهبة أو لا قبل الموهوب له أو لا قبض أو لم يقبض لأنه لم يلزم نفسه إلا بما يملكه ولا يملك أكثر من ذلك وفي (المحيط) حلف لا يهب عبده هذا لفلان ثم وهبه له على عوض حنث لأنه هبة صيغة ولفظا انتهى.
(والصدقة) هي كالهبة فيما مر قال ابن وهبان: وكذا ينبغي أن يحنث في حلفه
стр. 1085
والقرض، والاستقراض، وضرب العبد، والذبح والبناء، والخياطة، والإيداع والاستيداع، والإعارة
ــ
أن لا يقبل صدقة فوكل بقبضها له، قال: ولو تصدق على فقير بلفظ الهبة ينبغي أن يحنث، ولو وهب شيئا بلفظ الصدقة ينبغي أن لا يحنث لأنه لم يثبت له الرجوع استحسانا إذ قد / يقصد به الصدقة على الغني الثواب ويحتمل أن لا يحنث اعتبارا [٢٩٢/أ] باللفظ انتهى.
وجزم في (التاتارخانية) عن (الظهيرية) بعدم الحنث بالصدقة في يمين الهبة (والقرض)، فلو حلف لا يقرض مطلقا أو معينا حنث بفعل وكيله قبل المستقرض أو لم يقبل، وكذا العطية والعارية وقبول المقترض شرط عندهما في الحنث لأنه كالمعاوضة وفي (التاتارخانية) أنه لا يكون قرضا بدون القبول في قول محمد وإحدى الروايتين عن الثاني، وفي أخرى ليس بشرط وقياس ما مر من أنه لم يلزم نفسه إلا بما يملكه ترجيحه (والاستقراض) وهو كالقرض فيحنث سواء أقرضه المستقرض منه أو لا، وينبغي أن يجري فيه الخلاف في القبول كالقرض ولم أره (وضرب العبد) لأن المقصود منه وهو الائتمار بأمره راجع إليه بخلاف ضرب الولد فإن المقصود منه هو التأدب راجع إلى الولد.
قال في (الفتح): وأما في عرفنا وعرف عامتنا فإنه يقال: ضرب فلان اليوم ولده وإن لم يباشر ويقول العامي لولده: غدا أسقيك علقة ثم يذكر المؤدب الولد فيضربه فيعد الوالد نفسه قد حقق إيعاده ذلك ولم يكذب، ومقتضاه أن ينعقد على معنى لا يقع بكل ضرب من جهتي ويحنث بفعل المأمور انتهى. ويوافقه ما في (الخانية) إن كان الولد صغيرا ينبغي أن يحنث بفعل وكيله لأنه يملك ضرب ولده، والصغير والزوجة قيل نظير العبد وقيل نظير الولد.
قال في (البحر): وينبغي ترجيح الثاني لما مر في الولد، ورجح ابن وهبان الأول لأن النفع عائد إليه بطاعتها له، وقيل: إن جنت فنظير العبد وإلا فنظير الولد، قال بديع الدين: ولو فصل هذا في الولد لكان حسنا كذا في (القنية) (والذبح والبناء والخياطة) حتى لو حلف لا يذبح في ملكه شاة أو لا يبني دارا بعينها أو لا يخيط ثوبه فأمر غيره بذلك حنث. وفي (الخانية) ي البناء والخياطة يحنث بالأمر سواء كان يحسن ذلك أو لا (والإيداع والاستيداع) حتى لو حلف لا يودع شيئا سواء قيده بشخص أو أطلق يحنث بفعل وكيله، لأن المنفعة تعود إليه (والإعارة) حتى لو حلف لا يعير مطلقا أو شيئا بعينه فوكل بذلك حنث قبل المستعير أو لا، ولو عين شخصا فأرسل المحلوف عنه شخصا فاستعار حنث، لأنه سفير محض فيحتاج إلى إضافة
стр. 1086
والاستعارة، وقضاء الدينن وقبضه، والكسوة، والحمل
ــ
إلى الموكل فكان كالوكيل بالاستقراض كذا في (الخانية) وجعل في (جمع التفاريق) الحنث قول زفر خلافا ليعقوب قال الشهيد: والفتوى على الحنث وهذا إذا أخرج الوكيل الكلام مخرج الرسالة بأن قال: إن فلانا يستعير منك كذا، فأما إذا لم يقل ذلك لم يحنث ذكره في (التاتارخانية) غير أنه عبر عن الرسول بالوكيل (والاستعارة)، وهي كالإعارة (وقضاء الدين وقبضه)، فلو حلف لا يقبض الدين فأمر غيره يحنث بقبض وكيله، فلو حلف لا يقبض من غريمه اليوم وقد كان وكل فقبض الوكيل بعد اليمين كذا في (المنتقى).
قال قاضي خان: وينبغي أن يحنث كما في النكاح (والكسوة)، فلو حلف لا يلبس أو لا يكسو مطلقا أو كسوة بعينها أو معينا حنث بفعل وكيله، لأن منفعة الاكتساء عائدة إليه وكسوة غيره هبة إن كانت لغني وصدقة إن كانت لفقير وفي (السراجية) لو لقيه بعد موته لا يحنث إلا إذا أراد الستر دون التمليك وفي (الخانية) حلف أن لا يكسو فلانا فأرسل إليه بقلنسوة أو خفين أو نعلين حنث لا أن ينوي أن يعطيه، ولو حلف لا يجدد لأمته ثوبا فأمر غيره فاشترى بمال المولى حنث، (والحمل) فلو حلف لا يحمل شخصا شيئا يعني متاعا فوكل شخصا أن يحمل متاعا كذلك حنث بفعل وكيله هذا في غير الإجارة، قال ابن وهبان: والظاهر أنه لا فرق بين هذا وبين الاستخدام.
تكميل: من هذا النوع الهدم والقطع والقتل والشركة كما في (منظومة ابن وهبان) وقدمنا أن منه ضرب الزوجات والولد الصغير في رأي قاضي خان ومنه تسليم الشفعة والإذن كما في (الخانية) والنفقة كما في الإسبيجابي والوقف والأضحية والحبس والتعزيز بالنسبة إلى القاضي والسلطان وينبغي أن يقال في الحج كذلك في صورة أخرى، كذا في (شرح المنظومة) للشيخ عبد البر ومنه الوصية كما في (الفتح) وينبغي أن يكون منه الحوالة والكفالة كما لو حلف لا يحلل فلانا فوكل من [٢٩٢/ب] يحيله أو لا يقبل حوالته أو لا يكفل عنه فوكل بقبول ذلك والقضاء / والشهادة والإقرار في (البحر) أن منه التولية فلو حلف لا يولي شخصا ففوض إلى من يفعل ذلك حنث، وهي حادثة الفتوى ويدل على ذلك ما قاله الشيخ ففوض إلى من يفعل ذلك حنث، وهي حادثة الفتوى ويدل على ذلك ما قاله الشيخ عبد البر فقرات بخط والدي نظم المسائل التي لا يحنث فيها بفعل الوكيل لأنها الأقل مشيرا إلى أنه يحنث فيما عداها فقال:
بفعل وكيل ليس يحنث حالف .... ببيع شراء صلح مال خصومة
إجارة استئجار الضر لابنه .... كذا قسمة والحنث في غيرها أثبت
стр. 1087
ودخول اللام على البيع، والشراء والإجارة والصاغة والخياطة، والبناء كإن بعت لك ثوبا لاختصاص الفعل بالمحلوف عليه بأن كان بأمره كان ملكه أو لا،
ــ
والله أعلم، وبهذا تمت المسائل أربعة وأربعين وقصارى ما أوصله الطرسوسي إلى أربعة وعشرين، وقال: إنه لم يقف على أكثر منها وزاد ابن وهبان خمسة والله الموفق. واعلم أن ما يحنث فيه بفعل الوكيل لو قال: نويت أن لا ألي ذلك بنفسي ففي الأفعال الحسية كالضرب والذبح يصدق قضاء وديانة لأنها لا توجد منها إلا بمباشرته لها حقيقة، فإذا لم يباشرها فقد نوى حقيقة كلامه، وفي غيرها كالطلاق والنكاح روايتان، أشهرهما أنه لا يصدق إلا ديانة لأنه كما يوجد بمباشرته يوجد بأمره وإذا نوى المباشرة فقط نوى تخصيص العام وهو خلاف الظاهر فلا يقبل منه كذا في (كافي المصنف).
(ودخول اللام) والواو للاستئناف وحذفها في (الوافي) دفعا لتوهم عطفها وهو أولى (على البيع) أي: على فعل يحتمل النيابة وأراد بدخولها عليه قربها منه (والشراء والإجارة والصياغة والبناء كإن بعت لك ثوبا) التصريح بالمفعول به ليس بشرط لما في (المحيط) حلف لا يبيع لفلان فباع ماله أو ما غيره بأمره حنث كذا في (البحر) وأنت خبير بأن تمايز الأقسام أعني تارة دخل على الفعل أو على العين إنما يظهر بالتصريح بالمفعول فلا جرم صرح به (لاختصاص الفعل) خبر الدخول (بالمحلوف عليه بأن كان بأمره كان ملكه أو لا) لأنها تضيف متعلقها وهو الفعل بمدخولها وهو كاف الخطاب فتقيد أن المخاطب مختص بالفعل، وكونه مختصا به يفيد أن لا يستفاد إطلاق فعله إلا من جهة بأن يكون بأمره، فإذا وجد كان بيعه إياه من أجله وهي لام التعليل فصار المحلوف عليه أن لا يبيعه من أجله، سواء كان مملوكا أو لا، ولزم من هذا أن لا يكون إلا في الأفعال التي تجري فيها النيابة.
وفي (الظهيرية) حلف لا يشتري لفلان ثوبا فأمره فلان أن يشتري لولده الصغير أو لعبده ثوبا فاشتراه لا يحنث، وبه علم أنه لا بد أن يكون المحلوف عليه قد أمره بأن يفعله لنفسه لا يطلق الأمر كما في (المختصر) وغيره كذا في (البحر).
وأقول: مقتضى التوجيه السابق حنثه حيث كان الشراء لأجله ألا ترى أن أمره ببيع مال غيره موجب حنثه غير مقيد بكونه له بقي ما لو باع الحالف ثوبا للمحلوف عليه بغير أمره لكنه أجازه البيع، فروى ابن سماعة عن محمد أنه يحنث، وعلله في (المحيط) بأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وفي (الخانية) قال: والله لا أبيع لفلان ثوبا، فباع الحالف ثوبا للمحلوف عليه ليجيز صاحب الثوب حنث الحالف
стр. 1088
وعلى الدخول، والضرب والأكل والشرب، والعين كإن بعت ثوبا لك لاختصاصها به بأن كان ملكه أمره أو لا، فإن نوى غيره صدق فيما عليه إن بعته، أو ابتعته، فهو حر فقعد بالخيار
ــ
أجازه المحلوف عليه أو لم يجز ولو باعه الحالف وهو لا يريد بذلك أن يكون البيع للمحلوف عليه وإنما يريد بيعه لنفسه لا يكون حانثا انتهى.
قال في (البحر): وهذا يفيد أنه يكفي من حلفه أن يقصد بيعه لأجله سواء كان بأمره أو لا، فلو حذف المصنف الأمر لكان أولى إلا أن يقال: إن هذا في اليمين بالله تعالى والباب معقود للطلاق والعتاق لكنه بعيد وما في (الكتاب) عزاه في (المحيط) إلى (الجامع) وما في (الخانية) عن ابن سماعة عن محمد فظاهره أنه ضعيف انتهى. وأنت قد علمت أن ما عن ابن سماعة خلاف ما في (المحيط) وما في (الخانية) جزم به في (البزازية) والذي ينبغي حمله على ما إذا نوى بالاختصاص الملك على ما سيأتي، (و) دخول اللام (على الدخول) كإن دخلت دار فيحنث بدخول دار يختص بها المخاطب أي: تنسب إليه، كذا في (الفتح) وتمثيل بعضهم بإن دخلت لك دارا يختص بها المخاطب أيضا لا يناسب تقسم المصنف، لأن دخولها في هذا المقال على العين وإن اتحدا حكما فيما لا يحتمل حكم النيابة (والضرب) كإن ضربت لك غلاما أي: ولدا وهذا هو الصواب في تفسير الغلام الواقع في كلامهم خلافا لما في (الجامع الصغير) لقاضي خان من أن المراد به العبد لأنه [٢٩٣/أ] يحتمل البناء والكلام فيما لا يحتملها، / كذا في (العناية).
(والأكل والشرب و) دخول اللام أيضا على (العين)، أي: الذات (كإن بعت ثوبا لك لاختصاصها) أي: العين في القسمين (به) أي: بالمحلوف عليه (بأن كان) المحلوف عليه (ملكه أمره) به (أو لا)، لأن المحلوف عليه يوجد مع أمره وهو بيع ثوب مختص به لأن اللام هنا أقرب إلى الاسم من الفعل، والقرب من أسبابه الترجيح ومثله ما إذا وليت فعلا لا يجزئ فيه النيابة كما مر، (وإن نوى) الحالف (غيره) أي: غير ما مر مما يقتضيه ظاهر كلامه (صدق) ديانة وقضاء (فيما عليه) أي: فيما فيه تشديد عليه بأن باع في الأولى ثوبا مملوكا للمخاطب بغير أمره ونوى بالاختصاص الملك وعليه يحمل ما مر عن (الخانية) كما أشرنا إليه، أو باع في الثانية ثوبا لغير المخاطب بأمره ونوى به الأمر فيحنث في المسألتين لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه.
وأفهم كلامه أنه لو نوى به الأمر فيحنث لو نوى العكس فيهما لئلا يحنث صدق ديانة فقط (إن بعته) أي: هذا العبد (أو ابتعته) أي: اشتريته (فهو حر فعقد) البائع البيع أو المشتري الشراء (بالخيار) للبائع في الأول، وللمشتري في الثاني
стр. 1089
حنث وكذا بالفاسد،
ــ
(حنث) لوجود الشرط وهو البيع والشراء مع قيام الملك عنده، إذ المبيع لا يخرج عن ملك البائع باشتراط الخيار له اتفاقا، وخيار المشتري وإن منع من دخوله في ملك المشتري عند الإمام لكن العتق معلق بتعلقه والمعلق كالمنجز ولو نجز العتق بعد الشراء بالخيار انفسخ الخيار ووقع العتق، فكذا إذا علق قيل: لا نسلم أن هذا المعلق كالمنجز لأن المنجز لو لم ينفسخ الخيار فيه يلغو والمعلق لا يلزم إلغاؤه لثبوت العتق يحتاط في إثباته وجب اعتباره إذ ذاك، وظاهر أن البائع في حلفه لو شرط الخيار للمشتري لا يعتق، وكذا لو شرط المشتري الخيار للبائع في حلفه أيضا قيد بالخيار لأنه لو باعه بيعا باتا لا يعتق لزوال ملكه به، والجزاء لا ينزل في غير الملك وينبغي أن تنحل اليمين لوجود الشرط وهو البيع حقيقة، كذا في (الشرح).
وفي (الذخيرة) إن اشتريته فهو حر فاشتراه لغيره هل تنحل اليمين؟ لم يذكر محمد المسألة وكان البلخي يقول: لقائل أن يقولك لا تنحل وهو الأشبه لأنه إنما يراد به عرفا فالشراء لنفسهن وبهذا عرف الفرق بين هذا وبين قوله لامرأته: إن اشتريت غلاما فأنت كذا حيث تنحل اليمين بوقوع الطلاق إذا لم يوجد ما يدل على إرادته الشراء لغيره والله الموفق.
فرع
قال لأمته: إن بعت منك شيئا فأنت حرة، فباع نصفها من الزوج الذي ولدت منه أو من أبيها لا تعتق ولو من أجنبي عتقت، والفرق أن الولادة من الزوج والنسب من الأب يقدم فيقع ما تقدم نسبه وهذا المعنى لا يمكن اعتباره في حق الأجنبي، وكذا لو قال: إن اشتريت من هذه الجارية فهي مدبرة ثم اشتراها هو وزوجها الذي ولدت منه فهي أم ولد لزوجها ولا يقع عليها تدبير للمشتري لما مر كما في (الظهيرية).
(وكذا) يحنث (بالفاسد) في حلفه لا يبيع أو لا يشتري هو الصحيح كما في (الذخيرة) خلافا لما عن الثاني، ثم هذا مقيد في الأول بأن يكون في يد البائع أو في يد المشتري بأمانة أو برهن لأنه لم يزل ملكه عنه، فإن كان في يد المشتري مضمونا بنفسه لا يعتق لزوال ملكه عنه بالعقد وينبغي أن تنحل اليمين وفي الثاني بأن يكون في يد المشتري حاضرا وقت العقد أو غائبا وهو مضمون بنفسه كالمغصوب فإن كان في يد البائع أو في يد المشتري أمانة أو مضمونا بغيره كالرهن لا يعتق لأنه لا يصير قابضا عقب العقد، كذا في (البدائع).
وفي (المحيط): عن الثاني إن اشتريت عبدا فهو حر فاشتراه فاسدا ثم تتاركا
стр. 1090
والموقوف، لا بالباطل. إن لم أبع فكذا أعتق، أو دبر حنث
ــ
البيع ثم اشتراه صحيحا لا يعتق، لأنه حنث بالفاسد وانحلت اليمين به لأنه شراء حقيقة قال الشارح: وفيه دليل على أنه لو اشتراه فاسدا والعبد في يد البائع انحلت اليمين لا إلى جزاء لعدم الملك قبل القبض ثم بالقبض لا يعتق قيد بالبيع لأنه بالنكاح لا يحنث بالفاسد، سواء عينها أم لا هو الصحيح كما في (الخانية) وكذا في حلفه لا يصوم ولا يصلي لأن المقصود من النكاح الحل ومن الصلاة والصوم الثواب.
ولو قال: إن كنت تزوجت أو صمت أو صليت كان على الصحيح والفاسد لأن [٢٩٣/ب] الماضي / إنما يقصد به الإخبار عن المسمى لا الحل والتقرب والاسم يطلق عليهما كذا في (البدائع) (والموقوف) أي: ويحنث أيضا بالموقوف في حلفه لا يبيع بأن يبيعه لغائب قبل عنه فضولي أو لا يشتري بأن اشتره ببيع فضولي له فإنه يحنث عند إجازة البائع وأما إذا حلف لا يشتري أو لا يبيع، واشترى موقوفا فإنه يحنث قبل الإجازة، كذا في (البحر).
والذي في (الشرح) أنه يحنث بالشراء، وإن لم يجزه المالك (لا) يحنث (بالباطل) من البيع والشراء في حلفه لا يبيع ولا يشتري بأن باع أو اشترى ميتة أو دما لانعدام المقصود من هذا العقد وهو الملك، ولو اتصل به القبض ولو اشترى بهذه الأشياء لم يذكره محمد وقد قيل: يحنث وقيل: لا يحنث كذا في (الذخيرة).
ولو اشترى مدبرة أو أم ولد لا يحنث إلا إذا قضى بجواز البيع والمكاتب كالمدبر في رواية وبها جزم في (المحيط) غير أن القضاء فيه لا يتأتى فأريد الحنث على رضاه بذلك (إن لم أبع) عبدي هذا أو أمتي هذه (فكذا)، أي: فامرأته طالق (حنث) لأن الشرط وهو عدم بيعه قد تحقق بوقوع اليأس عنه بما ذكر قبل وقوع اليأس في الأمة والتدبير ممنوع لجواز أن ترتد فتسبى فيملكها الحالف وأن يحكم القاضي ببيع المدبر، وأجيب بأن من المشايخ من قال: لا تطلق لهذا الاحتمال، والأصح ما في (الكتاب) لأن ما فرض أمر متوهم فلا يعتبر.
قال في (البحر): وينبغي أنه إذا قال: إن لم أبعك فأنت حر فدبره تدبيرا مطلقا أنه يعتق.
فرعان: إن لم تضعي هذا في هذا الصحن فأنت كذا فكسرته وقع الطلاق، كذا في (القسامية) وعزى الثاني إلى (الذخيرة) وإنما حنث لبطلان اليمين باستحالة البر كما إذا كان في الكوز ماء فصب على ما مر وكان ذلك في الحمام يمين الفور وإلا
следующие страницы →